وتعيينه. وأوقع النسيان على الحوت دون الغداء الذي طلبه منه موسى، للإشعار بأن الغداء الذي طلبه موسى منه، هو ذلك الحوت الذي فقداه.
وقوله وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ جملة معترضة جيء بها لبيان ما يجرى مجرى السبب في وقوع النسيان منه.
وقوله أَنْ أَذْكُرَهُ بدل اشتمال من الهاء في «أنسانيه» .
أى: وما أنسانى تذكيرك بما حدث من الحوت إلا الشيطان الذي يوسوس للإنسان، بوساوس متعددة، تجعله يذهل وينسى بعض الأمور الهامة.
وقوله وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً معطوف على قوله فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ.
أى: نسيت أن أخبرك بأن الحوت عند ما أوينا إلى الصخرة عادت إليه الحياة، واتخذ طريقه في البحر اتخاذا عجيبا، حيث صار يسير فيه وله أثر ظاهر في الماء، والماء من حوله كالقنطرة التي تنفذ منها الأشياء.
وعلى هذا تكون جملة، «واتخذ سبيله في البحر عجبا» ، من بقية كلام يوشع للتعجب مما حدث من الحوت، حيث عادت إليه الحياة بقدرة الله- تعالى-، واتخذ طريقه في البحر بتلك الصورة العجيبة.
وقيل: إن هذه الجملة من كلام الله- تعالى- لبيان طرف آخر من أمر هذا الحوت العجيب، بعد بيان أمره قبل ذلك بأنه اتخذ سبيله في البحر سربا.
ويبدو لنا أن الرأى الأول أرجح، لأن سياق الآية يدل عليه، لذا اكتفى به بعض المفسرين دون أن يشير إلى غيره.
قال الامام الرازي: قوله وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً فيه وجوه:
الأول: أن قوله عَجَباً صفة لمصدر محذوف، كأنه قيل: واتخذ سبيله في البحر اتخاذا عجبا، ووجه كونه عجبا، انقلابه من المكتل وصيرورته حيا وإلقاء نفسه في البحر.
الثاني: أن يكون المراد منه ما ذكرنا من أنه- تعالى- جعل الماء عليه كالطاق وكالسراب.
الثالث: قيل إنه تم الكلام عند قوله وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ ثم قال بعده:
عَجَباً والمقصود منه تعجب يوشع من تلك الحالة العجيبة التي رآها، ثم من نسيانه لها.. «١» .
стр. 3852
وهنا يحكى القرآن ما يدل على أن موسى- ﵇ قد أدرك أنه تجاوز المكان الذي حدده له ربه- تعالى- للقاء العبد الصالح فقال: قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ، فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً.
أى قال موسى لفتاه: ذلك الذي ذكرته لي من أمر نسيانك لخبر الحوت هو الذي كنا نبغيه ونطلبه، فإن العبد الصالح الذي نريد لقاءه موجود في ذلك المكان الذي فقدنا فيه الحوت.
فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً أى: فرجعا من طريقهما الذي أتيا منه، يتتبعان آثارهما لئلا يضلا عنه، حتى انتهيا عائدين مرة أخرى إلى موضع الصخرة التي فقد الحوت عندها.
وقصصا: من القص بمعنى اتباع الأثر. يقال: قص فلان أثر فلان قصا وقصصا إذا تتبعه.
ثم حكى القرآن ما تم لهما بعد أن عادا إلى مكانهما الأول فقال: فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً.
أى: وبعد أن عادا إلى مكان الصخرة عند مجمع البحرين مرة أخرى وجدا «عبدا من عبادنا» الصالحين. والتنكير في «عبدا» للتفخيم، والإضافة في «عبادنا» للتشريف والتكريم.
آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا أى: هذا العبد الصالح منحناه وأعطيناه رحمة عظيمة من عندنا وحدنا لا من عند غيرنا: واختصصناه بها دون غيره.
وهذه الرحمة تشمل النعم التي أنعم الله- تعالى- بها عليه- كنعمة الهداية والطاعة وغيرهما.
وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً أى: وعلمناه من عندنا لا من عند غيرنا علما خاصا، لا يتيسر إلا لمن نريد تيسيره ومنحه له.
والمراد بهذا العبد: الخضر- ﵇ كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة.
ومن العلماء من يرى أنه كان نبيا، ومنهم من يرى أنه كان عبدا صالحا اختصه الله بلون معين من العلم اللدني.
أخرج البخاري وغيره عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال: «إنما سمى الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تهتز من خلفه خضراء» «١» .
ويرى المحققون من العلماء أنه قد مات كما يموت سائر الناس. وإلى ذلك ذهب الإمام
стр. 3853
البخاري وشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم وغيرهم.
ويرى آخرون أنه حي وسيموت في آخر الزمان.
قال ابن القيم: إن الأحاديث التي يذكر فيها أنه حي كلها كذب، ولا يصح في ذلك حديث واحد. وهذه المسألة من المسائل التي فصل العلماء الحديث عنها. فارجع إلى أقوالهم فيها إن شئت «١» .
ثم حكى- سبحانه- بعد ذلك، ما دار بين موسى والخضر- ﵉ بعد أن التقيا فقال- تعالى-:
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٦٦ الى ٧٠]
قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً (٦٦) قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً (٦٨) قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً (٦٩) قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً (٧٠)
أى: قال موسى للخضر- ﵉ بعد أن التقيا «هل أتبعك» أى: هل تأذن لي في مصاحبتك واتباعك. بشرط أن تعلمني من العلم الذي علمك الله إياه: شيئا أسترشد به في حياتي، وأصيب به الخير في ديني.
فأنت ترى أن موسى- ﵇ قد راعى في مخاطبته للخضر أسمى ألوان الأدب اللائق بالأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- حيث خاطبه بصيغة الاستفهام الدالة على التلطف، وحيث أنزل نفسه منه منزلة المتعلم من المعلم، وحيث استأذنه في أن يكون تابعا له، ليتعلم منه الرشد والخير.
قال بعض العلماء: في هذه الآية دليل على أن المتعلم تبع للعالم، وإن تفاوتت المراتب،
стр. 3854
ولا يظن أن في تعلم موسى من الخضر ما يدل على أن الخضر كان أفضل من موسى، فقد يأخذ الفاضل عن الفاضل، وقد يأخذ الفاضل عن المفضول، إذا اختص الله- تعالى- أحدهما بعلم لا يعلمه الآخر، فقد كان علم موسى يتعلق بالأحكام الشرعية والقضاء بظاهرها، وكان علم الخضر يتعلق ببعض الغيب ومعرفة البواطن.. «١» .
ثم حكى- سبحانه- ما رد به الخضر على موسى فقال: قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً.
أى: قال الخضر لموسى إنك يا موسى إذا اتبعتنى ورافقتنى، فلن تستطيع معى صبرا، بأى وجه من الوجوه.
قال ابن كثير: أى: إنك لا تقدر يا موسى أن تصاحبني، لما ترى من الأفعال التي تخالف شريعتك، لأنى على علم من علم الله- تعالى- ما علمك إياه، وأنت على علم من علم الله- تعالى- ما علمني إياه، فكل منا مكلف بأمور من الله دون صاحبه، وأنت لا تقدر على صحبتي» «٢» .
وقوله: وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً تعليل لعدم استطاعة الصبر معه.
أى: وكيف تصبر يا موسى على أمور ستراها منى. هذه الأمور ظاهرها أنها منكرات لا يصح السكوت عليها، وباطنها لا تعلمه لأن الله لم يطلعك عليه؟
فالخبر بمعنى العلم. يقال: خبر فلان الأمر يخبره: أى: علمه. والاسم الخبر، وهو العلم بالشيء، ومنه الخبير، أى: العالم.
وكأن الخضر يريد بهذه الجملة الكريمة أن يقول لموسى: إنى واثق من أنك لن تستطيع معى صبرا، لأن ما سأفعله سيصطدم بالأحكام الظاهرة، وبالمنطق العقلي، وبغيرتك المعهودة فيك، وأنا مكلف أن أفعل ما أفعل، لأن المصلحة الباطنة في ذلك، وهي تخفى عليك.
ولكن موسى- ﵇ الحريص على تعلم العلم النافع، يصر على مصاحبة الرجل الصالح، فيقول له في لطف وأدب، مع تقديم مشيئة الله- تعالى-: سَتَجِدُنِي- إِنْ شاءَ اللَّهُ- صابِراً، وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً.
أى: قال موسى للخضر سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً معك، غير معترض عليك، ولا أعصى لك أمرا من الأمور التي تكلفني بها.
стр. 3855
وقدم موسى- ﵇ المشيئة، أدبا مع خالقه- واستعانة به- سبحانه- على الصبر وعدم المخالفة.
وهنا يحكى القرآن الكريم أن الخضر، قد أكد ما سبق أن قاله لموسى، وبين له شروطه إذا أراد مصاحبته، فقال: قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً.
أى: قال الخضر لموسى على سبيل التأكيد والتوثيق: يا موسى إن رافقتنى وصاحبتنى، ورأيت منى أفعالا لا تعجبك، لأن ظاهرها يتنافى مع الحق. فلا تعترض عليها، ولا تناقشني فيها، بل اتركني وشأنى، حتى أبين لك في الوقت المناسب السبب في قيامي بتلك الأفعال، وحتى أكون أنا الذي أفسره لك.
قالوا: «وهذا من الخضر تأديب وإرشاد لما يقتضى دوام الصحبة، فلو صبر موسى ودأب لرأى العجب «١» .
ثم تحكى السورة بعد ذلك ثلاثة أحداث فعلها الخضر ولكن موسى لم يصبر عليها، بل اعترض وناقش، أما الحادث الأول فقد بينه- سبحانه- بقوله:
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٧١ الى ٧٣]
فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً (٧١) قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٧٢) قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً (٧٣)
وقوله: فَانْطَلَقا بيان لما حدث منهما بعد أن استمع كل واحد منهما إلى ما قاله صاحبه.
أى فانطلق موسى والخضر- ﵉ على ساحل البحر، ومعهما يوشع بن نون، ولم يذكر في الآية لأنه تابع لموسى.
стр. 3856
ويرى بعضهم أن موسى- ﵇ صرف فتاه بعد أن التقى بالخضر.
أخرج الشيخان عن ابن عباس: أنهما انطلقا يمشيان على ساحل البحر فمرت بهما سفينة فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوهما بغير نول: أى أجر، «١» .
وقوله: حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها بيان لما فعله الخضر بالسفينة.
أى: فانطلقا يبحثان عن سفينة، فلما وجداها واستقرا فيها، ما كان من الخضر إلا أن خرقها. قيل: بأن قلع لوحا من ألواحها.
وهنا ما كان من موسى إلا أن قال له على سبيل الاستنكار والتعجب مما فعله: أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها ... أى: أفعلت ما فعلت لتكون عاقبة الراكبين فيها الغرق والموت بهذه الصورة المؤلمة؟
لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً، والإمر: الداهية. وأصله كل شيء شديد كبير، ومنه قولهم:
إن القوم قد أمروا. أى: كثروا واشتد شأنهم. ويقال: هذا أمر إمر، أى: منكر غريب.
أى: قال موسى للخضر بعد خرقه للسفينة: لقد جئت شيئا عظيما، وارتكبت أمرا بالغا في الشناعة. حيث عرضت ركاب السفينة لخطر الغرق.
وهنا أجابه الخضر بقوله: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً أى: ألم أقل لك سابقا إنك لن تسطيع مصاحبتي، ولا قدرة لك على السكوت على تصرفاتي التي لا تعرف الحكمة من ورائها؟
ولكن موسى- ﵇ رد معتذرا لما فرط منه وقال: لا تُؤاخِذْنِي أيها العبد الصالح، بما نسيت، أى: بسبب نسياني لوصيتك في ترك السؤال والاعتراض حتى يكون لي منك البيان. وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً أى: ولا تكلفني من أمرى مشقة في صحبتي إياك.
يقال: أرهق فلان فلانا. إذا أتعبه وأثقل عليه وحمله مالا يطيقه.
والمراد: التمس لي عذرا بسبب النسيان، ولا تضيق على الأمر، فإن في هذا التضييق ما يحول بيني وبين الانتفاع بعلمك.
وكأن موسى- ﵇ الذي اعتزم الصبر وقدم المشيئة، ورضى بشروط الخضر في
стр. 3857
المصاحبة.. كأنه قد نسى كل ذلك أمام المشاهدة العملية، وأمام التصرف الغريب الذي صدر من الخضر دون أن يعرف له سببا.
وهكذا الطبيعة البشرية تلتقي في أنها تجد للتجربة العملية وقعا وطعما، يختلف عن الوقع والطعم الذي تجده عند التصور النظري.
فموسى- ﵇ وعد الخضر بأنه سيصبر ... إلا أنه بعد أن شاهد مالا يرضيه اندفع مستنكرا.
أما الحادث الثاني الذي لم يستطع موسى أن يقف أمامه صامتا، فقد حكاه القرآن في قوله:
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٧٤ الى ٧٦]
فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً (٧٤) قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٧٥) قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً (٧٦)
أى: فانطلق موسى والخضر للمرة الثانية بعد خروجهما من السفينة، وبعد أن قبل الخضر اعتذار موسى.
حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً في طريقهما، ما كان من الخضر إلا أن أخذه فَقَتَلَهُ.
وهنا لم يستطع موسى- ﵇ أن يصبر على ما رأى، أو أن يكظم غيظه، فقال باستنكار وغضب: أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً أى: طاهرة بريئة من الذنوب بِغَيْرِ نَفْسٍ.
أى: بغير أن ترتكب ما يوجب قتلها، لأنها لم تقتل غيرها حتى تقتص منها. أى: أن قتلك لهذا الغلام كان بغير حق.
لَقَدْ جِئْتَ أيها الرجل «شيئا نكرا» أى: منكرا عظيما. يقال. نكر الأمر، أى:
صعب واشتد. والمقصود: لقد جئت شيئا أشد من الأول في فظاعته واستنكار العقول له.
ومرة أخرى يذكره الخضر بالشرط الذي اشترطه عليه. وبالوعد الذي قطعه على نفسه، فيقول له: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً.
стр. 3858
وفي هذه المرة لا يكتفى الخضر بقوله: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ.. بل يضيف لفظ لك، زيادة في التحديد والتعيين والتذكير.
أى: ألم أقل لك أنت يا موسى لا لغيرك على سبيل التأكيد والتوثيق: إنك لن تستطيع معى صبرا، لأنك لم تحط علما بما أفعله.
ويراجع موسى نفسه. فيجد أنه قد خالف ما اتفق عليه مع الرجل الصالح مرتين، فيبادر بإخبار صاحبه أن يترك له فرصة أخيرة فيقول: إِنْ سَأَلْتُكَ أيها الصديق عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها أى: بعد هذه المرة الثانية فَلا تُصاحِبْنِي أى: فلا تجعلني صاحبا أو رفيقا لك، فإنك قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً أى: فإنك قد بلغت الغاية التي تكون معذورا بعدها في فراقي، لأنى أكون قد خالفتك مرارا.
وهذا الكلام من موسى- ﵇ يدلك على اعتذاره الشديد للخضر، وعلى شدة ندمه على ما فرط منه، وعلى الاعتراف له بخطئه.
قال القرطبي: كان رسول الله ﷺ إذا دعا لأحد بدأ بنفسه فقال يوما: «رحمة الله علينا وعلى موسى، لو صبر على صاحبه لرأى العجب، ولكنه قال: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي.. «١» .
ثم تسوق لنا السورة الكريمة الحادث الثالث والأخير في تلك القصة الزاخرة بالمفاجآت والعجائب فنقول:
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٧٧ الى ٧٨]
فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً (٧٧) قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (٧٨)
أى: فانطلق موسى والخضر- ﵉ يتابعان سيرهما. حتى إذا أتيا أهل قرية قيل هي «أنطاكيه» ، وقيل: هي قرية بأرض الروم.
стр. 3859
اسْتَطْعَما أَهْلَها والاستطعام: سؤال الطعام. والمراد به هنا سؤال الضيافة لأنه هو المناسب لمقام موسى والخضر- ﵉ ولأن قوله- تعالى- بعد ذلك: فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما يشهد له.
أى: فأبى وامتنع أهل تلك القرية عن قبول ضيافتهما بخلا منهم وشحا.
وقوله- تعالى- فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ معطوف على أَتَيا أى: وبعد أن امتنع أهل القرية عن استضافتهما، تجولا فيها فَوَجَدا فِيها جِداراً أى:
بناء مرتفعا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ أى: ينهدم ويسقط فَأَقامَهُ أى الخضر بأن سواه وأعاد إليه اعتداله، أو بأن نقضه وأخذ في بنائه من جديد.
وهنا لم يتمالك موسى- ﵇ مشاعره، لأنه وجد نفسه أمام حالة متناقضة، قوم بخلاء أشحاء لا يستحقون العون.. ورجل يتعب نفسه في إقامة حائط مائل لهم.. هلا طلب منهم أجرا على هذا العمل الشاق، خصوصا وهما جائعان لا يجدان مأوى لهما في تلك القرية! لذا بادر موسى- ﵇ ليقول للخضر: لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً.
أى: هلا طلبت أجرا من هؤلاء البخلاء على هذا العمل، حتى تنتفع به. وأنت تعلم أننا جائعان وهم لم يقدموا لنا حق الضيافة.
فالجملة الكريمة تحريض من موسى للخضر على أخذ الأجر على عمله، ولوم له على ترك هذا الأجر مع أنهما في أشد الحاجة إليه.
وكان هذا التحريض من موسى للخضر- ﵉ هو نهاية المرافقة والمصاحبة بينهما، ولذا قال الخضر لموسى: هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ أى: هذا الذي قلته لي، يجعلنا نفترق، لأنك قد قلت لي قبل ذلك: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي وها أنت تسألنى وتحرضنى على أخذ الأجر.
ومع ذلك فانتظر: سأنبئك، قبل مفارقتي لك بِتَأْوِيلِ أى: بتفسير وبيان ما خفى عليك من الأمور الثلاثة التي لم تستطع عليها صبرا، لأنك لم يكن عندك ما عندي من العلم بأسرارها الباطنة التي أطلعنى الله- تعالى- عليها.
ثم حكى القرآن الكريم ما قاله الخضر لموسى ﵉ في هذا الشأن فقال- تعالى-
стр. 3860
[سورة الكهف (١٨) : آية ٧٩]
أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً (٧٩)
أى قال الخضر لموسى: أَمَّا السَّفِينَةُ التي خرقتها ولم ترض عنه، فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ أى: لضعفاء من الناس لا يستطيعون دفع الظلم عنهم، ولم يكن لهم مال يتعيشون منه سواها، فكان الناس يركبون فيها ويدفعون لهؤلاء المساكين الأجر الذين ينتفعون به.
فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها أى: أن أجعلها ذات عيب بالخرق الذي خرقتها فيه، ولم أرد أن أغرق أهلها كما ظننت يا موسى، والسبب في ذلك: أنه كانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ، ظالم، من دأبه أن يتعقب السفن الصالحة الصحيحة، ويستولى عليها، ويأخذها اغتصابا وقسرا من أصحابها.
فهذا العيب الذي أحدثته في السفينة. كان سببا في نجاتها من يد الملك الظالم، وكان سببا في بقائها في أيدى أصحابها المساكين.
فالضرر الكبير الذي أحدثته بها، كان دفعا لضرر أكبر كان ينتظر أصحابها المساكين لو بقيت سليمة.
ويرى بعضهم أن المراد بالوراء الأمام. ويرى آخرون أن المراد به الخلف. وقال الزجاج:
وراء: يكون للخلف والأمام. ومعناه: ما توارى عنك واستتر.
وظاهر قوله- تعالى-: يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً، يفيد أن هذا الملك كان يأخذ كل سفينة سواء أكانت صحيحة أم معيبة، ولكن هذا الظاهر غير مراد. وإنما المراد: يأخذ كل سفينة سليمة. بدليل: فأردت أن أعيبها، أى: لكي لا يأخذها، ومن هنا قالوا: إن لفظ «سفينة» هنا موصوف لصفة محذوفة. أى: يأخذ كل سفينة صحيحة.
و «غصبا» ، منصوب على أنه مصدر مبين لنوع الأخذ. والغصب- من باب ضرب-:
أخذ الشيء ظلما وقهرا.
ثم بين- سبحانه- ما رد به الخضر على موسى في اعتراضه على الحادثة الثانية فقال- تعالى-:
стр. 3861
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٨٠ الى ٨١]
وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً (٨٠) فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً (٨١)
أى: وَأَمَّا الْغُلامُ الذي سبق لي أن قتلته، واعترضت على في قتله يا موسى فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ ولم يكن هو كذلك فقد أعلمنى الله- تعالى- أنه طبع كافرا.
فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً، والخشية: الخوف الذي يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون عن علم بما يخشى منه.
و «يرهقهما» من الإرهاق وهو أن يحمّل الإنسان ما لا يطيقه.
أى: فخشينا لو بقي حيا هذا الغلام أن يوقع أبويه في الطغيان والكفر، لشدة محبتهما له، وحرصهما على إرضائه.
فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ والإبدال: رفع شيء. وإحلال آخر محله.
أى: «فأردنا» بقتله «أن يبدلهما ربهما» بدل هذا الغلام الكافر الطاغي، ولدا آخر «خيرا منه» أى من هذا الغلام، زكاة «أى» طهارة وصلاحا «وأقرب رحما» أى: وأقرب في الرحمة بهما. والعطف عليهما، والطاعة لهما.
ثم ختم- سبحانه- القصة، ببيان ما قاله الخضر لموسى في تأويل الحادثة الثالثة فقال- تعالى-:
[سورة الكهف (١٨) : آية ٨٢]
وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (٨٢)
стр. 3862
أى: وَأَمَّا الْجِدارُ الذي أتعبت نفسي في إقامته، ولم يعجبك هذا منى.
فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ مات أبوهما وهما صغيران، وهذان الغلامان يسكنان في تلك المدينة، التي عبر عنها القرآن بالقرية سابقا في قوله: فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ.
قالوا: ولعل التعبير عنها بالمدينة هنا، لإظهار نوع اعتداد بها، باعتداد ما فيها من اليتيمين، وما هو من أهلها وهو أبوهما الصالح، «١» .
وكان تحته أى تحت هذا الجدار كَنْزٌ لَهُما أى: مال مدفون من ذهب وفضة.. ولعل أباهما هو الذي دفنه لهما.
وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً أى: رجلا من أصحاب الصلاح والتقوى، فكان ذلك منه سببا في رعاية ولديه، وحفظ مالهما.
فَأَرادَ رَبُّكَ ومالك أمرك ومدير شئونك، والذي يجب عليك أن تستسلم وتنقاد لإرادته.
أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما أى: كمال رشدهما، وتمام نموهما وقوتهما.
ويستخرجا كنزهما من تحت هذا الجدار وهما قادران على حمايته، ولولا أنى أقمته لا نقض وخرج الكنز من تحته قبل اقتدارهما على حفظه وعلى حسن التصرف فيه.
رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ أى: وما أراده ربك- يا موسى- بهذين الغلامين، هو الرحمة التي ليس بعدها رحمة، والحكمة التي ليس بعدها حكمة.
فقوله «رحمة» مفعول لأجله.
ثم ينفض الخضر يده من أن يكون قد تصرف بغير أمر ربه فيقول: وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً.
أى: وما فعلت ما فعلته عن اجتهاد منى، أو عن رأيى الشخصي، وإنما فعلت ما فعلت بأمر ربي ومالك أمرى، وذلك الذي ذكرته لك من تأويل تلك الأحداث هو الذي لم تستطع عليه صبرا، ولم تطق السكوت عليه، لأنك لم يطلعك الله- تعالى- على خفايا تلك الأمور وبواطنها.. كما أطلعنى.
وحذفت التاء من تَسْطِعْ تخفيفا. يقال: استطاع فلان هذا الشيء واستطاعه بمعنى أطاقه وقدر عليه.
стр. 3863
وبذلك انكشف المستور لموسى ﵇ وظهر ما كان خافيا عليه.
هذا، وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لآيات تلك القصة جملة من الأحاديث، منها ما رواه الشيخان، ومنها ما رواه غيرهما، ونكتفي هنا بذكر حديث واحد.
قال- ﵀ قال البخاري: حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو بن دينار، أخبرنى سعيد بن جبير قال. قلت لابن عباس: إن نوفا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى نبي بنى إسرائيل.
قال ابن عباس: كذب عدو الله، حدثنا أبى بن كعب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إن موسى قام خطيبا في بنى إسرائيل، فسئل أى الناس أعلم؟ فقال: أنا. فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه. فأوحى الله إليه: إن عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك. فقال موسى: يا رب، وكيف لي به؟
قال: تأخذ معك حوتا، تجعله بمكتل، فحيثما فقدت الحوت فهو ثم» .
فأخذ حوتا، فجعله في مكتل، ثم انطلق وانطلق معه بفتاه يوشع بن نون. حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رءوسهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل، فخرج منه فسقط في البحر، واتخذ سبيله في البحر سربا، وأمسك الله عن الحوت جرية الماء، فصار عليه مثل الطاق.
فلما استيقظ نسى صاحبه أن يخبره بالحوت.
فانطلقا بقية يومهما وليلتهما، فلما كان الغد قال موسى لفتاه: آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به.
قال له فتاه: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ، وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً. قال: فكان للحوت سربا ولموسى وفتاه عجبا.
فقال موسى: ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً.
قال: فرجعا يقصان أثرهما، حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجل مسجى- أى مغطى- بثوب، - فسلم عليه موسى، فقال الخضر: وأنى بأرضك السلام.
قال: أنا موسى: قال: موسى نبي إسرائيل قال: نعم، أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا.
قال: إنك لن تستطيع معى صبرا.
يا موسى: إنى على علم من علم الله علمنيه، لا تعلمه أنت، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه.
стр. 3864
قال موسى: ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصى لك أمرا. قال الخضر فإن اتبعتنى فلا تسألنى عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا.
فانطلقا يمشيان، فمرت سفينة فكلمهم أن يحملوه، فعرفوا الخضر فحملوهم بغير نول- أى بغير أجر- فلما ركبا في السفينة، لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقدوم.
فقال له موسى: قد حملونا بغير نول، فعمدت إلى سفينتهم فخرقتها، لتغرق أهلها، لقد جئت شيئا إمرا.
قال له الخضر: ألم أقل إنك لن تستطيع معى صبرا. قال: لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمرى عسرا.
قال: وقال رسول الله ﷺ ، كانت الأولى من موسى نسيانا، قال: وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة. فنقر في البحر نقرة. فقال له الخضر: ما علمي وعلمك في علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من البحر.
ثم خرجا من السفينة، فبينما هما يمشيان على الساحل، إذ أبصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر رأسه فاقتلعه بيده فقتله- فقال له موسى: أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً قال: ألم أقل لك إنك لن تستطيع معى صبرا.
قال: وهذه أشد من الأولى. قال: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي.
فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ. قالَ: لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً. قالَ: هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً.
فقال رسول الله ﷺ : وددنا أن موسى كان قد صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما» «١» .
وقد أخذ العلماء من هذه القصة أحكاما وآدابا من أهمها ما يأتى:
١- أن الإنسان مهما أوتى من العلم، فعليه أن يطلب المزيد، وأن لا يعجب بعلمه، فالله- تعالى- يقول: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا وطلب من نبيه ﷺ أن يتضرع إليه بطلب الزيادة من العلم فقال: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً.
стр. 3865
٢- أن الرحلة في طلب العلم من صفات العقلاء. فموسى- ﵇ وهو من أولى العزم من الرسل، تجشم المشاق والمتاعب لكي يلتقى بالرجل الصالح لينتفع بعلمه، وصمم على ذلك مهما كانت العقبات بدليل قوله- تعالى- حكاية عنه: لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً.
قال القرطبي عند تفسيره لهذه الآية: في هذا من الفقه رحلة العالم في طلب الازدياد من العلم، والاستعانة على ذلك بالخادم والصاحب واغتنام لقاء الفضلاء والعلماء وإن بعدت أقطارهم. وذلك كان دأب السلف الصالح، وبسبب ذلك وصل المرتحلون لطلب العلم إلى الحظ الراجح: وحصلوا على السعى الناجح، فرسخت لهم في العلوم أقدام. وصح لهم من الذكر والأجر والفضل أفضل الأقسام.
قال البخاري: ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في طلب حديث «١» .
٣- جواز إخبار الإنسان عما هو من مقتضى الطبيعة البشرية، كالجوع والعطش والتعب والنسيان فقد قال موسى لفتاه: آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً ورد عليه فتاه بقوله: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ...
وفي هذا الرد- أيضا- من الأدب ما فيه، فقد نسب سبب النسيان إلى الشيطان، وإن كان الكل بقضاء الله- تعالى- وقدره.
٤- أن العلم على قسمين: علم مكتسب يدركه الإنسان باجتهاده وتحصيله.. بعد عون الله تعالى- له. وعلم لدنى يهبه الله- سبحانه- لمن يشاء من عباده فقد قال- تعالى- في شأن الخضر وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً أى: علما خاصا أطلعه الله عليه يشمل بعض الأمور الغيبية.
٥- أن على المتعلم أن يخفض جناحه للمعلم، وأن يخاطبه بأرق العبارات وألطفها، حتى يحصل على ما عنده من علم بسرور وارتياح.
قال بعض العلماء ما ملخصه: وتأمل ما حكاه الله عن موسى في قوله للخضر: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً فقد أخرج الكلام بصورة الملاطفة والمشاورة، فكأنه يقول له: هل تأذن لي في ذلك أولا، مع إقراره بأنه يتعلم منه، بخلاف ما عليه أهل الجفاء أو
стр. 3866
الكبر، الذي لا يظهر للمعلم افتقاره إلى علمه.. «١» .
٦- أنه لا بأس على العالم، إذا اعتذر للمتعلم عن تعليمه، لأن المتعلم لا يطيق ذلك، لجهله بالأسباب التي حملت العالم على فعل تلك الأمور التي ظاهرها يخالف الحق والعدل والمنطق العقلي، وأن معرفة الأسباب تعين على الصبر.
فقد قال الخضر لموسى: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً فقد جعل الموجب لعدم صبره عدم إحاطته خبرا بالأمر.
٧- إن من علامات الإيمان القوى، أن يقدم الإنسان المشيئة عند الإقدام على الأعمال، وأن العزم على فعل الشيء ليس بمنزلة فعله، فقد قال موسى للخضر: سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً ومع ذلك فعند ما رأى منه أفعالا يخالف ظاهرها الحق والصلاح، لم يصبر.
وأنه لا بأس على العالم أن يشترط على المتعلم أمورا معينة قبل أن يبدأ في تعليمه.
فقد قال الخضر لموسى: فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً.
٨- أنه يجوز دفع الضرر الأكبر بارتكاب الضرر الأصغر، فإن خرق السفينة فيه ضرر ولكنه أقل من أخذ الملك لها غصبا، وإن قتل الغلام شر، ولكنه أقل من الشر الذي سيترتب على بقائه. وهو إرهاقه لأبويه، وحملهما على الكفر.
كما يجوز للإنسان أن يعمل عملا في ملك غيره بدون إذنه بشرط أن يكون هذا العمل فيه مصلحة لذلك الغير كأن يرى حريقا في دار إنسان فيقدم على إطفائه بدون إذنه. ويدفع ضرر الحريق بضرر أقل منه، فقد خرق الخضر السفينة، لكي تبقى لأصحابها المساكين.
٩- أن التأنى في الأحكام. والتثبت من الأمور، ومحاولة معرفة العلل والأسباب ... كل ذلك يؤدى إلى صحة الحكم، وإلى سلامة القول والعمل.
وصدق رسول الله ﷺ حيث يقول: «رحمة الله علينا وعلى موسى، لو صبر على صاحبه لرأى العجب» .
١٠- أن من دأب العقلاء الصالحين. استعمال الأدب مع الله- تعالى- في التعبير، فالخضر قد أضاف خرقه للسفينة إلى نفسه فقال: «فأردت أن أعيبها..» وأضاف الخير الذي
стр. 3867
فعله من أجل الغلامين اليتيمين إلى الله فقال: فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ:
وشبيه بهذا ما حكاه الله- تعالى- عن صالحي الجن في قولهم: وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ، أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً.
١١- قال القرطبي: قوله- تعالى- يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ أى: قرب أن يسقط. وهذا مجاز وتوسع.
وقد فسره في الحديث بقوله «مائل» فكان فيه دليل على وجود المجاز في القرآن، وهو مذهب الجمهور.
وجميع الأفعال التي حقها أن تكون للحي الناطق إذا أسندت إلى جماد أو بهيمة، فإنما هي استعارة.
أى: لو كان مكانها إنسان لكان ممتثلا لذلك الفعل، وهذا في كلام العرب وأشعارهم كثير، كقول الأعشى:
أتنهون ولا ينهى ذوى شطط ... كالطّعن يذهب فيه الزيت والفتل
والشطط: الجور والظلم، يقول: لا ينهى الظالم عن ظلمه إلا الطعن العميق الذي يغيب فيه الفتل- فأضاف النهى إلى الطعن.
وذهب قوم إلى منع المجاز في القرآن فإن كلام الله وكلام رسوله ﷺ حمله على الحقيقة أولى بذي الفضل والدين، لأنه يقص الحق كما أخبر الله- تعالى- في كتابه.. «١» .
وقد صرح صاحب أضواء البيان أنه لا مجاز في القرآن فقال ما ملخصه: قوله- تعالى-: فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ.
هذه الآية من أكبر الأدلة التي يستدل بها القائلون: بأن المجاز في القرآن، زاعمين أن إرادة الجدار الانقضاض لا يمكن أن تكون حقيقة وإنما هي مجاز.
وقد دلت آيات من كتاب الله على أنه لا مانع من أن تكون إرادة الجدار حقيقة، لأن الله- تعالى- يعلم للجمادات إرادات وأفعالا وأقوالا لا يدركها الخلق، كما صرح- تعالى- بأنه يعلم من ذلك مالا يعلمه خلقه في قوله- سبحانه- وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ...
стр. 3868
فصرح بأننا لا نفقه تسبيحهم، وتسبيحهم واقع عن إرادة لهم يعلمها- سبحانه- ونحن لا نعلمها.
ومن الأحاديث الدالة على ذلك ما ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: «إنى لأعرف حجرا كان يسلم على بمكة» . وما ثبت في صحيح البخاري من حنين الجذع الذي كان يخطب عليه ﷺ حزنا لفراقه.
فتسليم ذلك الحجر، وحنين ذلك الجزع، كلاهما بإرادة وإدراك يعلمه الله ونحن لا نعلمه.. «١» .
١٢- أن صلاح الآباء ينفع الأبناء. بدليل قوله- تعالى-: وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً.
قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: فيه دليل على أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته وتشمل بركة عبادته ما ينفعهم في الدنيا والآخرة، بشفاعته فيهم، ورفع درجتهم إلى أعلى درجة في الجنة لتقر عينه بهم، كما جاء في القرآن ووردت السنة به.
قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: حفظا بصلاح أبيهما.
١٣- أن على الصاحب أن لا يفارق صاحبه حتى يبين له الأسباب التي حملته على ذلك، فأنت ترى أن الخضر قد قال لموسى: «هذا فراق بيني وبينك، سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا» «٢» أى: قبل مفارقتي لك سأخبرك عن الأسباب التي حملتني على فعل ما فعلت مما لم تستطع معه صبرا.
ويفهم من ذلك أن موافقة الصاحب لصاحبه- في غير معصية الله- تعالى- على رأس الأسباب التي تعين على دوام الصحبة وتقويتها، كما أن عدم الموافقة، وكثرة المخالفة، تؤدى إلى المقاطعة.
كما يفهم من ذلك- أيضا- أن المناقشة والمحاورة متى كان الغرض منها الوصول إلى الحق، وإلى المزيد من العلم، وكانت بأسلوب مهذب، وبنية طيبة، لا تؤثر في دوام المحبة والصداقة، بل تزيدهما قوة وشدة.
نسأل الله- تعالى- أن يؤدبنا بأدبه، وأن يجعل القرآن ربيع قلوبنا، وأنس نفوسنا.
ثم ساق- سبحانه- قصة ذي القرنين، وهي القصة الرابعة والأخيرة في السورة فقد سبقتها قصة أصحاب الكهف. وقصة صاحب الجنتين وقصة موسى والخضر.
وقوله- سبحانه-: وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ.. معطوف على قصة موسى والخضر- ﵉ عطف القصة على القصة.
قال البقاعي: كانت قصة موسى مع الخضر مشتملة على الرحلات من أجل العلم، وكانت قصة ذي القرنين مشتملة على الرحلات من أجل الجهاد في سبيل الله، ولما كان العلم أساس الجهاد تقدمت قصة موسى والخضر على قصة ذي القرنين.. «١» .
والسائلون هم كفار قريش بتلقين من اليهود، فقد سبق أن ذكرنا عند تفسيرنا لقصة أصحاب الكهف. أن اليهود قالوا لوفد قريش: سلوه- أى الرسول ﷺ عن ثلاث نأمركم بهن.. سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ماذا كان من أمرهم.. وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها.. وسلوه عن الروح.
وجاء التعبير بصيغة المضارع- مع أن الآيات نزلت بعد سؤالهم- لاستحضار الصورة الماضية، أو للدلالة على أنهم استمروا في لجاجهم إلى أن نزلت الآيات التي ترد عليهم.
أما ذو القرنين، فقد اختلفت في شأنه أقوال المفسرين اختلافا كبيرا، لعل أقربها إلى الصواب ما أشار إليه الآلوسى بقوله: وذكر أبو الريحان البيروني في كتابه المسمى «بالآثار الباقية عن القرون الخالية» ، أن ذا القرنين هو أبو كريب الحميرى، وهو الذي: افتخر به تبع اليمنى حيث قال:
قد كان ذو القرنين جدي مسلما ... ملكا علا في الأرض غير مفند
بلغ المغارب والمشارق يبتغى ... أسباب ملك من حكيم مرشد
ثم قال أبو الريحان: ويشبه أن يكون هذا القول أقرب، لأن ملوك اليمن كانوا يلقبون بكلمة ذي. كذي نواس، وذي يزن. إلخ. «٢» .
стр. 3871
ومن المقطوع به أن ذا القرنين هذا: ليس هو الإسكندر المقدونى الملقب بذي القرنين.
تلميذ أرسطو، فإن الإسكندر هذا كان وثنيا.. بخلاف ذي القرنين الذي تحدث عنه القرآن، فإنه كان مؤمنا بالله- تعالى- ومعتقدا بصحة البعث والحساب.
والرأى الراجح أنه كان عبدا صالحا، ولم يكن نبيا.
ويرى بعضهم أنه كان بعد موسى- ﵇، ويرى آخرون غير ذلك ومن المعروف أن القرآن الكريم يهتم في قصصه ببيان العبر والعظات المستفادة من القصة، لا ببيان الزمان أو المكان للأشخاص.
وسمى بذي القرنين- على الراجح- لبلوغه في فتوحاته قرني الشمس من أقصى المشرق والمغرب.
والمعنى: ويسألك قومك- يا محمد- عن خبر ذي القرنين وشأنه.
«قل» لهم- على سبيل التعليم والرد على تحديهم لك. «سأتلو عليكم منه ذكرا» .
والضمير في «منه» يعود على ذي القرنين و «من» للتبعيض.
أى: قل لهم: سأتلو عليكم من خبره- وسأقص عليكم من أنبائه عن طريق هذا القرآن الذي أوحاه الله إلى ما يفيدكم ويكون فيه ذكرى وعبرة لكم إن كنتم تعقلون.
ثم بين- سبحانه- ما أعطاه الله لذي القرنين من نعم فقال: إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً. فَأَتْبَعَ سَبَباً.
وقوله: «مكنا» من التمكين بمعنى إعطائه الوسائل التي جعلته صاحب نفوذ وسلطان في أقطار الأرض المختلفة. والمفعول محذوف، أى: إنا مكنا له أمره من التصرف فيها كيف يشاء. بأن أعطيناه سلطانا وطيد الدعائم، وآتيناه من كل شيء أراده في دنياه لتقوية ملكه «سببا» أى سبيلا وطريقا يوصله إلى مقصوده، كآلات السير، وكثرة الجند، ووسائل البناء والعمران.
وهذه الأسباب التي أعطاها الله إياه، لم يرد حديث صحيح بتفصيلها، فعلينا أن نؤمن بأن الله- تعالى- قد أعطاه وسائل عظيمة لتدعيم، ملكه، دون أن نلتفت إلى ما ذكره هنا بعض المفسرين من إسرائيليات لا قيمة لها.
والفاء في قوله فَأَتْبَعَ سَبَباً فصيحة. أى: فأراد أن يزيد في تدعيم ملكه، فسلك طريقا لكي يوصله إلى المكان الذي تغرب فيه الشمس.
стр. 3872
حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ أى حتى إذا وصل إلى منتهى الأرض المعمورة في زمنه من جهة المغرب.
وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ أى: رآها في نظره عند غروبها، كأنها تغرب في عين مظلمة، وإن لم تكن هي في الحقيقة كذلك.
وهذا هو المعتاد لمن كان بينه وبين أفق الشمس ماء فإنه يراها كأنها تشرق منه وتغرب فيه، كما أن الذي يكون في أرض ملساء واسعة، يراها كأنها تطلع من الأرض وتغيب فيها.
وحمئة: أى: ذات حمأة وهي الطين الأسود. يقال: حمأت البئر تحمأ حمأ، إذا صارت فيها الحمأة وهي الطينة السوداء.
وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي: «وجدها نغرب في عين حامية» أى: حارة. اسم فاعل من حمى يحمى حميا.
وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً أى: ووجد عند تلك العين على ساحل البحر قوما.
الظاهر أن هؤلاء القوم كانوا من أهل الفترة، فدعاهم ذو القرنين إلى عبادة الله- تعالى- وحده، فيهم من آمن وفيهم من كفر، فخيره الله- تعالى- فيهم فقال: قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً.
أى: قال الله- تعالى- له عن طريق الإلهام، أو على لسان ملك أخبره بذلك: يا ذا القرنين إما أن تعذب هؤلاء القوم الكافرين أو الفاسقين بالقتل أو غيره، وإما أن تتخذ فيهم أمرا ذا حسن، أو أمرا حسنا، تقتضيه المصلحة والسياسة الشرعية.
ثم حكى الله- تعالى- عنه في الجواب ما يدل على سلامة تفكيره، فقال: قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ.. أى: قال ذو القرنين في الرد على تخيير ربه له في شأن هؤلاء القوم، يا رب: أما من ظلم نفسه بالإصرار على الكفر والفسوق والعصيان «فسوف نعذبه» في هذه الدنيا بالقتل وما يشبهه. ثم يرد هذا الظالم نفسه إلى ربه- سبحانه- فيعذبه في الآخرة عذابا «نكرا» أى: عذابا فظيعا عظيما منكرا وهو عذاب جهنم.
«وأما من آمن وعمل عملا صالحا» يقتضيه إيمانه «فله» في الدارين «جزاء الحسنى» أى: فله المثوبة الحسنى، أو الفعلة الحسنى وهي الجنة.
«وسنقول له» أى لمن آمن وعمل صالحا «من أمرنا» أى مما نأمره به قولا «يسرا» لا صعوبة فيه ولا مشقة ولا عسر.
стр. 3873
فأنت ترى أن ذا القرنين قد رد بما يدل على أنه قد اتبع في حكمه الطريق القويم، والأسلوب الحكيم، الذي يدل على قوة الإيمان، وصدق اليقين، وطهارة النفس.
إنه بالنسبة للظالمين، يعذب، ويقتص، ويرهب النفوس المنحرفة، حتى تعود إلى رشدها، وتقف عند حدودها.
وبالنسبة للمؤمنين الصالحين، يقابل إحسانهم بإحسان وصلاحهم بصلاح واستقامتهم بالتكريم والقول الطيب، والجزاء الحسن.
وهكذا الحاكم الصالح في كل زمان ومكان: الظالمون والمعتدون.. يجدون منه كل شدة تردعهم وتزجرهم وتوقفهم عند حدودهم.
والمؤمنون والمصلحون يجدون منه كل تكريم وإحسان واحترام وقول طيب.
وقوله: ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً بيان لما فعله بعد أن بلغ مغرب الشمس.
أى: وبعد أن بلغ مغرب الشمس، ونال مقصده، كر راجعا من جهة غروب الشمس إلى جهة شروقها.
حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ أى: حتى إذا كر راجعا وبلغ منتهى الأرض المعمورة في زمنه من جهة المشرق.
وَجَدَها أى الشمس تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً أى: لم نجعل لهم من دون الشمس ما يستترون به من البناء أو اللباس، فهم قوم عراة يسكنون الأسراب والكهوف في نهاية المعمورة من جهة المشرق.
وقوله: كَذلِكَ خبر لمبتدأ محذوف، أى: أمر ذي القرنين كذلك من حيث إنه آتاه الله من كل شيء سببا، فبلغ ملك مشارق الأرض ومغاربها.
وقوله وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً بيان لشمول علم الله- تعالى- بأحوال ذي القرنين الظاهرة والباطنة ولأحوال غيره.
أى: كذلك كان شأن ذي القرنين. وقد أحطنا إحاطة تامة وعلمنا علما لا يعزب عنه شيء، بما كان لدى ذي القرنين من جنود وقوة وآلات ... وغير ذلك من أسباب الملك والسلطان.
وقوله- سبحانه-: ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً بيان لما فعله بعد أن بلغ مغرب الشمس ومشرقها.
أى: ثم بعد أن بلغ مغرب الشمس ومشرقها ... سار في طريق ثالث معترض بين المشرق والمغرب، آخذا فيه حَتَّى إِذا بَلَغَ في مسيره ذلك بَيْنَ السَّدَّيْنِ أى: الجبلين، وسمى الجبل سدا، لأنه سد فجا من الأرض.
стр. 3874
قالوا: والسدان هما جبلان من جهة أرمينية وأذربيجان، وقيل هما في نهاية أرض الترك مما يلي المشرق:
وَجَدَ مِنْ دُونِهِما أى: من دون السدين ومن ورائهما قَوْماً أى: أمة من الناس لغتهم لا تكاد تعرف لبعدهم عن بقية الناس، ولذا قال- سبحانه-.
لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا أى: لا يكاد هؤلاء القوم يفهمون أو يقرءون ما يقوله الناس لهم، لغرابة لغتهم وقلة فطنتهم، ولا يعرف الناس- أيضا- ما يقوله هؤلاء القوم لهم، لشدة عجمتهم.
قالُوا أى: هؤلاء القوم لذي القرنين: يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ.
ويأجوج ومأجوج اسمان أعجميان، قيل: مأخوذان من الأوجة وهي الاختلاط أو شدة الحر: وقيل: من الأوج وهو سرعة الجري.
واختلف في نسبهم، فقيل: هم من ولد يافث بن نوح والترك منهم. وقيل: يأجوج من الترك، ومأجوج من الديلم.
أى: قال هؤلاء القوم- الذين لا يكادون يفقهون قولا- لذي القرنين، بعد أن توسموا فيه القوة والصلاح.. يا ذا القرنين إن قبيلة يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض بشتى أنواع الفساد والنهب والسلب.
وفي الصحيحين من حديث زينب بنت جحش- رضى الله عنها- قالت: استيقظ رسول الله ﷺ من نومه وهو محمر وجهه وهو يقول: «لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق- بين أصابعه- قلت:
يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث» .
وقوله- تعالى- فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا حكاية لما عرضه هؤلاء القوم على ذي القرنين من عروض تدل على ثقتهم فيه وحسن أدبهم معه، حيث خاطبوه بصيغة الاستفهام الدالة على أنهم يفوضون الأمر إليه.
والخرج: اسم لما يخرجه الإنسان من ماله لغيره. وقرأ حمزة والكسائي خراجا: وهما بمعنى واحد، وقيل الخرجة: الجزية. والخراج: اسم لما يخرجه عن الأرض.
أى: فهل نجعل لك مقدارا كبيرا من أموالنا على سبيل الأجر، لكي تقيم بيننا وبين قبيلة يأجوج ومأجوج سدا يمنعهم من الوصول إلينا. ويحول بيننا وبينهم؟
стр. 3875
وهنا يرد عليهم ذو القرنين- كما حكى القرآن عنه بما يدل على قوة إيمانه وحرصه على إحقاق الحق وإبطال الباطل. فيقول قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ....
أى: قال ذو القرنين لهؤلاء القوم الذين لا يكادون يفقهون قولا: إن ما بسطه الله- تعالى- لي من الرزق والمال والقوة.. خير من خرجكم ومالكم الذي تريدون أن تجعلوه لي في إقامة السد بينكم وبين يأجوج ومأجوج، فوفروا عليكم أموالكم، وقفو إلى جانبي فَأَعِينُونِي بسواعدكم وبآلات البناء بِقُوَّةٍ أى: بكل ما أتقوى به على المقصود وهو بناء السد، لكي أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وبين يأجوج ومأجوج «ردما» .
أى: حاجزا حصينا. وجدارا متينا، يحول بينكم وبينهم.
والردم: الشيء الذي يوضع بعضه فوق بعض حتى يتصل ويتلاصق. يقال: ثوب مردم، أى: فيه رقاع فوق رقاع. وسحاب مردم، أى: متكاتف بعضه فوق بعض. ويقال: ردمت الحفرة، إذا وضعت فيها من الحجارة والتراب وغيرهما ما يسويها بالأرض.
قال ابن عباس: الردم أشد الحجاب.
وجملة أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً جواب الأمر في قوله: فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ.
ثم شرع في تنفيذ ما راموه منه من عون فقال لهم: آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ...
والزبر- كالغرف- جمع زبره- كغرفة- وهي القطعة الكبيرة من الحديد وأصل الزبر.
الاجتماع ومنه زبرة الأسد لما اجتمع من الشعر على كاهله. ويقال: زبرت الكتاب أى كتبته وجمعت حروفه.
أى: أحضروا لي الكثير من قطع الحديد الكبيرة، فأحضروا له ما أراد حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ أى بين جانبي الجبلين. وسمى كل واحد من الجانبين صدفا. لكونه مصادفا ومقابلا ومحاذيا للآخر، مأخوذ من قولهم صادفت الرجل: أى: قابلته ولاقيته، ولذا لا يقال للمفرد صدف حتى يصادفه الآخر، فهو من الأسماء المتضايفة كالشفع والزوج.
وقوله: قالَ انْفُخُوا أى النار على هذه القطع الكبيرة من الحديد الموضوع بين الصدفين.
وقوله: حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً أى: حتى إذا صارت قطع الحديد الكبيرة كالنار في احمرارها وشدة توهجها قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً أى: نحاسا أو رصاصا مذابا، وسمى بذلك لأنه إذا أذيب صار يقطر كما يقطر الماء.
أى: قال لهم أحضروا لي قطع الحديد الكبيرة، فلما أحضروها له، أخذ يبنى شيئا فشيئا
стр. 3876
حتى إذا ساوى بين جانبي الجبلين بقطع الحديد، قال لهم: أوقدوا النار وانفخوا فيها بالكيران وما يشبهها لتسخين هذه القطع من الحديد وتليينها، ففعلوا ما أمرهم به، حتى صارت تلك القطع تشبه النار في حرارتها وهيئتها، قال أحضروا لي نحاسا مذابا، لكي أفرغه على تلك القطع من الحديد لتزداد صلابة ومتانة وقوة.
وبذلك يكون ذو القرنين قد لبى دعوة أولئك القوم في بناء السد. وبناه لهم بطريقة محكمة سليمة، اهتدى بها العقلاء في تقوية الحديد والمبانى في العصر الحديث.
وكان الداعي له لهذا العمل الضخم، الحيلولة بين هؤلاء القوم، وبين يأجوج ومأجوج الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون.
ولقد أخبر القرآن الكريم بأن ذا القرنين بهذا العمل جعل يأجوج ومأجوج يقفون عاجزين أمام هذا السد الضخم المحكم فقال: فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ، وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً.
أى: فما استطاع قوم يأجوج ومأجوج أن يرتفعوا على ظهر السد، أو يرقوا فوقه لملاسته وارتفاعه، وما استطاعوا- أيضا- أن يحدثوا فيه نقبا أو خرقا لصلابته ومتانته وثخانته.
ووقف ذو القرنين أمام هذا العمل العظيم، مظهرا الشكر لله- تعالى-، والعجز أمام قدرته- شأن الحكام الصادقين في إيمانهم، الشاكرين لخالقهم توفيقه إياهم لكل خير.
وقف ليقول بكل تواضع وخضوع لخالقه..: هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي.
أى: هذا الذي فعلته من بناء السد وغيره، أثر من آثار رحمة ربي التي وسعت كل شيء.
فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي الذي حدده لفناء هذه الدنيا ونهايتها، أو الذي حدده لخروجهم منه جَعَلَهُ دَكَّاءَ أى: جعل هذا السد أرضا مستوية، وصيره مدكوكا أى: بمساواة الأرض. ومنه قولهم: ناقة دكاء أى: لا سنام لها.
وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا أى: وكان كل ما وعد الله- تعالى- به عباده من ثواب وعقاب وغيرهما، وعدا حقا لا يتخلف ولا يتبدل، كما قال- سبحانه-: وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ. وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ.
وبذلك نرى في قصة ذي القرنين ما نرى من الدروس والعبر والعظات، التي من أبرزها.
أن التمكين في الأرض نعمة يهبها الله لمن يشاء من عباده. وأن السير في الأرض لإحقاق الحق وإبطال الباطل من صفات المؤمنين الصادقين، وأن الحاكم العادل من صفاته: ردع الظالمين عن ظلمهم، والإحسان إلى المستقيمين المقسطين، والعمل على ما يجعلهم يزدادون استقامة
стр. 3877
وفضلا، وأن من معالم الخلق الكريم، أن يعين الإنسان المحتاج إلى عونه، وأن يقدم له ما يصونه عن الوقوع تحت وطأة الظالمين المفسدين، وأن من الأفضل أن يحتسب ذلك عند الله- تعالى-. وألا يطلب من المحتاج إلى عونه أكثر من طاقته.
كما أن من أبرز صفات المؤمنين الصادقين: أنهم ينسبون كل فضل إلى الله- تعالى- وإلى قدرته النافذة، وأنهم يزدادون شكرا وحمدا له- تعالى- كلما زادهم من فضله، وما أجمل وأحكم أن تختتم قصة ذي القرنين بقوله- تعالى-: قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي، فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا.
ثم تسوق السورة الكريمة بعد قصة ذي القرنين آيات تذكر الناس بأهوال يوم القيامة، لعلهم يتوبون ويتذكرون.
استمع إلى السورة الكريمة وهي تصور ذلك فتقول:
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٩٩ الى ١٠٢]
وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً (٩٩) وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً (١٠٠) الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً (١٠١) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلاً (١٠٢)
وقوله: وَتَرَكْنا بمعنى جعلنا وصيرنا، والضمير المضاف في قوله «بعضهم» يعود إلى يأجوج ومأجوج، والمراد «بيومئذ» : يوم تمام بناء السد الذي بناه ذو القرنين.
وقوله- سبحانه- يَمُوجُ من الموج بمعنى الاضطراب والاختلاط يقال: ماج البحر إذا اضطرب موجه وهاج واختلط. ويقال: ماج القوم إذا اختلط بعضهم ببعض وتزاحموا حائرين فزعين.
والمعنى وجعلنا وصيرنا بمقتضى حكمتنا وإرادتنا وقدرتنا، قبائل يأجوج ومأجوج يموج
стр. 3878
بعضهم في بعض. أى: يتزاحمون ويضطربون من شدة الحيرة لأنهم بعد بناء السد، صاروا لا يجدون مكانا ينفذون منه إلى ما يريدون النفاذ إليه، فهم خلفه في اضطراب وهرج.
ويجوز أن يكون المراد بيومئذ: يوم مجيء الوعد بخروجهم وانتشارهم في الأرض، وهذا الوعد قد صرحت به الآية السابقة في قوله- تعالى- فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا.
فيكون المعنى: وتركنا قبائل يأجوج ومأجوج، يوم جاء وعد الله بجعل السد مدكوكا ومتساويا مع الأرض، يموج بعضهم في بعض، بعد أن خرجوا منتشرين في الأرض، وقد تزاحموا وتكاثروا واختلط بعضهم ببعض.
قال الفخر الرازي: اعلم أن الضمير في قوله «بعضهم» يعود إلى يأجوج ومأجوج.
وقوله: (يومئذ) فيه وجوه:
الأول: أن يوم السد ماج بعضهم في بعض خلفه لما منعوا من الخروج.
الثاني: أنه عند الخروج يموج بعضهم في بعض. قيل: إنهم حين يخرجون من وراء السد يموجون مزدحمين في البلاد.
الثالث: أن المراد من قوله (يومئذ) يوم القيامة.
وكل ذلك محتمل، إلا أن الأقرب أن المراد به: الوقت الذي جعل الله فيه السد دكا فعنده ماج بعضهم ونفخ في الصور، وصار ذلك من آيات القيامة» «١» .
وقال القرطبي: قوله- تعالى-: وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ الضمير في تَرَكْنا لله- تعالى- أى: تركنا الجن والإنس يوم القيامة يموج بعضهم في بعض.
وقيل: تركنا يأجوج ومأجوج «يومئذ» أى: يوم كمال السد يموج بعضهم في بعض، واستعارة الموج لهم عبارة عن الحيرة وتردد بعضهم في بعض.
وقيل: تركنا يأجوج ومأجوج يوم انفتاح السدّ يموجون في الدنيا مختلطين لكثرتهم. فهذه أقوال ثلاثة: أظهرها أوسطها وأبعدها آخرها. وحسن الأول، لأنه تقدم ذكر القيامة في تأويل قوله- تعالى- فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي «٢» .
وقوله- سبحانه- وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً بيان لعلامة من علامات قيام الساعة.
стр. 3879
والنفخ لغة: إخراج النفس من الفم لإحداث صوت معين. والصور: القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل- ﵇ نفخة الصعق والموت، ونفخة البعث والنشور، كما قال- تعالى-: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ «١» .
والمعنى: وتركنا يأجوج ومأجوج يموج بعضهم في بعض. وأمرنا إسرافيل بالنفخ في الصور، فجمعناهم وجميع الخلائق جمعا تاما، دون أن نترك أحدا من الخلائق بدون إعادة إلى الحياة، بل الكل مجموعون ليوم عظيم هو يوم البعث والحساب.
والمراد بالنفخ هنا: النفخة الثانية التي يقوم الناس بعدها من قبورهم للحساب، كما أشارت إلى ذلك آية سورة الزمر السابقة.
وفي التعبير بقوله: فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً. أى: جمعناهم جمعا تاما كاملا لا يشذ عنه أحد، ولا يفلت منه مخلوق، كما قال- سبحانه-: قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ. إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ.
هذا، وهنا مسألة تكلم عنها العلماء، وهي وقت خروج يأجوج ومأجوج.
فمنهم من يرى أنه لا مانع من أن يكونوا قد خرجوا، بدليل ما جاء في الحديث الصحيح من أن الرسول ﷺ قال: ويل للعرب من شر قد اقترب. فتح اليوم من سد يأجوج ومأجوج مثل هذا، وحلق أى بين أصابعه.
ولأن الآيات الكريمة تقول: فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ.. ووعد الله لا مانع من أن يكون قد أتى.
قال الشيخ القاسمى: والغالب أن المراد بخروجهم هذا خروج المغول التتار. وهم من نسل يأجوج ومأجوج- وهو الغزو الذي حصل منهم للأمم في القرن السابع الهجري. وناهيك بما فعلوه إذ ذاك في الأرض من فساد..» «٢» .
وقال الشيخ المراغي عند تفسير قوله- تعالى-: وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا وقد جاء وعده- تعالى- بخروج جنكيزخان وسلائله فعاثوا في الأرض فسادا.. وأزالوا معالم الخلافة من بغداد.. «٣» .
стр. 3880
وقال صاحب الظلال: «وبعد، فمن يأجوج ومأجوج؟ وأين هم الآن؟ وماذا كان من أمرهم وماذا سيكون؟
كل هذه أسئلة تصعب الإجابة عليها على وجه التحقيق، فنحن لا نعرف عنهم إلا ما ورد في القرآن، وفي بعض الأثر الصحيح.
والقرآن يذكر في هذا الموضع ما حكاه من قول ذي القرنين: فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا.
وهذا النص لا يحدد زمانا ووعد الله بمعنى وعده بدك السد، ربما يكون قد جاء منذ أن هجم التتار وانساحوا في الأرض. ودمروا الممالك تدميرا.
وفي موضع آخر من سورة الأنبياء: حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ. وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ.
وهذا النص- أيضا- لا يحدد زمانا معينا لخروجهم، فاقتراب الوعد الحق، بمعنى اقتراب الساعة قد وقع منذ زمن الرسول ﷺ فقد جاء في القرآن: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ والزمان في الحساب الإلهى غيره في حساب البشر، فقد تمر بين اقتراب الساعة ووقوعها ملايين السنين أو القرون.
وإذا فمن الجائز أن يكون السد قد فتح ما بين: «اقتربت الساعة» ، ويومنا هذا.
وتكون غارات المغول والتتار التي اجتاحت الشرق، هي انسياح يأجوج ومأجوج.. وكل ما نقوله ترجيح لا يقين «١» .
هذه بعض حجج القائلين بأنه لا مانع من أن يكون يأجوج ومأجوج قد خرجوا.
وهناك فريق آخر من العلماء، يرون أن يأجوج ومأجوج لم يخرجوا بعد، وأن خروجهم إنما يكون قرب قيام الساعة.
ومن العلماء الذين أيدوا ذلك صاحب أضواء البيان، فقد قال- ﵀ ما ملخصه:
اعلم أن هذه الآية: فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وآية الأنبياء: حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ قد دلتا في الجملة على أن السد الذي بناه ذو القرنين، دون يأجوج ومأجوج، إنما يجعله الله دكا عند مجيء الوقت الموعود بذلك فيه. وقد دلتا على أنه بقرب يوم
стр. 3881
القيامة.. لأن المراد بيومئذ في قوله وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ أنه يوم مجيء وعد ربي بخروجهم وانتشارهم في الأرض.
وآية الأنبياء تدل في الجملة على ما ذكرنا هنا. وذلك يدل على بطلان قول من قال: إنهم «روسيا» وأن السد فتح منذ زمن طويل.
والاقتراب الذي جاء في قوله- تعالى- اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وفي الحديث: «ويل للعرب من شر قد اقترب» لا يستلزم اقترانه من دك السد، بل يصح اقترابه مع مهلة.
وهذه الآيات لا يتم الاستدلال بها على أن يأجوج ومأجوج لم يخرجوا بعد- إلا بضميمة الأحاديث النبوية لها.
ومن ذلك ما رواه الإمام مسلم في صحيحه في ذلك، وفيه: خروج الدجال وبعث عيسى، وقتله للدجال.. ثم يبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون.
فينحاز عيسى ومن معه من المؤمنين إلى الطور.. ثم يرسل الله على يأجوج ومأجوج النغف في رقابهم فيموتون.
وهذا الحديث الصحيح قد رأيت فيه تصريح النبي ﷺ بأن الله يوحى إلى عيسى ابن مريم بخروج يأجوج ومأجوج بعد قتله الدجال فمن يدعى أنهم «روسيا» وأن السد قد اندك منذ زمان، فهو مخالف لما أخبر به النبي ﷺ مخالفة صريحة لا وجه لها، ولا شك أن كل خبر يخالف الصادق المصدوق ﷺ فهو باطل، لأن نقيض الخبر الصادق. كاذب ضرورة كما هو معلوم.
ولم يثبت في كتاب الله ولا في سنة نبيه ﷺ شيء يعارض هذا الحديث الذي رأيت صحة سنده، ووضوح دلالته على المقصود..» «١» .
والذي يبدو لنا أن ما ذهب إليه صاحب أضواء البيان، أقرب إلى الحق والصواب للأسباب التي ذكرها، ولقرينة تذييل الآيات التي تحدثت عن يأجوج ومأجوج عن أهوال يوم القيامة.
ففي سورة الكهف يقول الله- تعالى- في أعقاب الحديث عنهم وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً.
وفي سورة الأنبياء يقول الله- تعالى-: حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ. وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ ...
стр. 3882
وفضلا عن كل ذلك فإن الحديث الذي رواه الإمام مسلم عنهم، صريح في أن خروجهم سيكون من علامات الساعة، والله- تعالى- أعلم.
ثم بين- سبحانه- ما أعده للكافرين من عذاب يوم القيامة فقال: وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً، الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً.
وقوله: وَعَرَضْنا.. أى: أظهرنا وأبرزنا يقال: عرض القائد جنده إذا أظهرهم ليشاهدهم الناس.
أى: جمعنا الخلائق يوم البعث والنشور جمعا تاما كاملا. وأبرزنا وأظهرنا جهنم في هذا اليوم للكافرين إبرازا هائلا فظيعا، حيث يرونها ويشاهدونها بدون لبس أو خفاء، فيصيبهم ما يصيبهم من رعب وفزع عند مشاهدتها.
وتخصيص العرض بهم، مع أن غيرهم- أيضا- يراها، لأنها ما عرضت إلا من أجلهم، ومن أجل أمثالهم ممن فسقوا عن أمر ربهم.
ويرى بعضهم أن اللام في «للكافرين» بمعنى على، لأن العرض يتعدى بها، قال- تعالى-: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ.. وقال- سبحانه-: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا....
ثم وصفهم- سبحانه- بما يدل على استحقاقهم دخول النار فقال: الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي.
أى: أبرز جهنم في هذا اليوم العصيب للكافرين الذين كانت أعينهم في الدنيا في «غطاء» كثيف وغشاوة غليظة، «عن ذكرى» أى: عن الانتفاع بالآيات التي تذكرهم بالحق، وتهديهم إلى الرشاد، بسبب استحواذ الشيطان عليهم.
وفي التعبير بقوله: غِطاءٍ إشعار بأن الحائل والساتر الذي حجب أعينهم عن الإبصار، كان حائلا شديدا، إذ الغطاء هو ما يغطى الشيء ويستره من جميع جوانبه.
والمراد بالذكر: القرآن الكريم، أو ما يشمله ويشمل كل ما في الكون من آيات يؤدى التفكر فيها إلى الإيمان بالله- تعالى-.
وقوله: وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً صفة أخرى من صفاتهم الذميمة، أى: وكانوا في الدنيا- أيضا- لا يستطيعون سمعا للحق أو الهدى، بسبب إصرارهم على الباطل، وإيغالهم في الضلال والعناد، بخلاف الأصم فإنه قد يستطيع السماع إذا صيح به.
стр. 3883
قال الآلوسى: فالجملة الكريمة نفى لسماعهم على أتم وجه، ولذا عدل عن: وكانوا صما مع أنه أخصر، لأن المراد أنهم مع ذلك كفاقدى السمع بالكلية وهو مبالغة في تصوير إعراضهم عن سماع ما يرشدهم إلى ما ينفعهم بعد تصوير تعاميهم عن الآيات المشاهدة بالأبصار.. «١» .
ثم يعقب- سبحانه- على هذا الوعيد الشديد للكافرين، بالتهكم اللاذع لهم فيقول:
أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ.
فالاستفهام: للإنكار والتوبيخ. والحسبان: بمعنى الظن.
والمراد بعبادي هنا: الملائكة وعيسى وعزير ومن يشبههم من عباد الله الصالحين، إذ مثل هذه الاضافة تكون غالبا للتشريف والتكريم.
وفي الآية الكريمة حذف دل عليه المقام.
والتقدير: أفحسب الذين كفروا بي أن يتخذوا عبادي الصالحين آلهة يستنصرون بهم من دوني، أو يعبدونهم من دوني، ثم لا أعذبهم- أى هؤلاء الكافرين بي- على هذا الاتخاذ الشديد الشناعة.
إن كان هؤلاء الكافرون بي يحسبون ذلك، فقد ضلوا ضلالا بعيدا، فإنى لا بد أن أعذبهم على كفرهم وشركهم.
أو التقدير: أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء، لكي يشفعوا لهم يوم القيامة؟ كلا لن يشفعوا لهم بل سيتبرأون منهم، كما قال- سبحانه- كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا.
ثم بين- سبحانه- ضلال هذا الحسبان الباطل فقال: إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا.
والنزل: ما يقدم للضيف عند نزوله، والقادم عند قدومه، على سبيل التكريم والترحيب.
أى: إنا أعتدنا جهنم لهؤلاء الكافرين بي، المتخذين عبادي من دوني أولياء، لتكون معدة لهم عند قدومهم تكريما لهم.
فالجملة الكريمة مسوقة على سبيل التهكم بهم، والتقريع لهم، لأن جهنم ليست نزل إكرام للقادم عليها، بل هي عذاب مهين له.
стр. 3884
وشبيه بهذه الجملة قوله- تعالى-: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ وقوله: وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ.
ويجوز أن يكون النزل بمعنى المنزل، أى: إنا هيأنا جهنم للكافرين لتكون مكانا وحيدا لنزولهم فيها، إذ ليس لهم منزل سواها.
ثم يأمر الله- تعالى- نبيه ﷺ في أواخر السورة الكريمة، بأن يبين للناس من هم الأخسرون أعمالا، ومن هم الأسوأ عاقبة فيقول:
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ١٠٣ الى ١٠٦]
قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (١٠٤) أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً (١٠٥) ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً (١٠٦)
أى: قل- أيها الرسول الكريم لهؤلاء الكافرين الذين أعجبتهم أعمالهم وتصرفاتهم الباطلة.
قل لهم: ألا تريدون أن أخبركم خبرا هاما، كله الصدق والحق، وأعرفكم عن طريقه من هم الأخسرون أعمالا في الدنيا والآخرة؟
وجاء هذا الإخبار في صورة الاستفهام لزيادة التهكم بهم، وللفت أنظارهم إلى ما سيلقى عليهم.
والأخسرون: جمع أخسر، صيغة تفضيل من الخسران، وأصله نقص مال التاجر.
والمراد به هنا: خسران أعمالهم وضياعها بسبب إصرارهم على كفرهم.
وجمع الأعمال، للإشعار بتنوعها، وشمول الخسران لجميع أنواعها.
وقوله- سبحانه- الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً.
стр. 3885
جواب عن السؤال الذي اشتملت عليه الآية السابقة وهي: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ ...
فكأنه قيل: نبئنا عن هؤلاء الأخسرين أعمالا؟
فكان الجواب: هم الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ أى بطل وضاع بالكلية سعيهم وعملهم في هذه الحياة الدنيا بسبب إصرارهم على كفرهم وشركهم، فالجملة الكريمة خبر لمبتدأ محذوف.
وقوله وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً أى: والحال أنهم يظنون أنهم يقدمون الأعمال الحسنة التي تنفعهم.
فالجملة الكريمة حال من فاعل ضَلَّ أى: ضل وبطل سعيهم، والحال أنهم يظنون العكس. كما قال- تعالى-: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً.
وهذا هو الجهل المركب بعينه، لأن الذي يعمل السوء ويعلم أنه سوء قد ترجى استقامته.
أما الذي يعمل السوء ويظنه عملا حسنا فهذا هو الضلال المبين.
والتحقيق أن المراد بالأخسرين أعمالا هنا: ما يشمل المشركين واليهود والنصارى، وغيرهم ممن يعتقدون أن كفرهم وضلالهم صواب وحق.
وقوله- سبحانه-: أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ.
كلام مستأنف لزيادة التعريف بهؤلاء الأخسرين أعمالا، ولبيان سوء مصيرهم.
أى: أولئك الذين كفروا بآيات ربهم الدالة على وحدانيته وقدرته وكفروا بالبعث والحشر والحساب وما يتبع ذلك من ثواب وعقاب، فكانت نتيجة هذا الكفر أن فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ أى: فسدت وبطلت.
وأصل الحبوط: انتفاخ بطن الدابة بسبب امتلائها بالغذاء الفاسد الذي يؤدى إلى هلاكها.
والتعبير بالحبوط هنا في أعلى درجات البلاغة، لأن هؤلاء الكافرين ملأوا صحائف أعمالهم بالأقوال والأفعال القبيحة التي ظنوها حسنة، فترتب على ذلك هلاكهم وسوء مصيرهم.
وقوله: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً تصريح بهوانهم والاستخفاف بهم، واحتقار شأنهم.
أى: فلا نلتفت إليهم يوم القيامة، ولا نعبأ بهم احتقارا لهم، بل نزدريهم ولا نقيم لهم ولا لأعمالهم وزنا، لأنهم لا توجد لهم أعمال صالحة توضع في ميزانهم، كما قال تعالى-: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً.
وفي الصحيحين من حديث أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إنه ليأتى الرجل
стр. 3886
العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة» . وقال: اقرءوا إن شئتم قوله تعالى-: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً.
ثم ختم- سبحانه- الآيات الكريمة ببيان مآل أمرهم فقال: ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا. وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً.
فاسم الإشارة «ذلك» مشار به إلى عقابهم السابق المتمثل في حبوط أعمالهم واحتقار شأنهم. وهو خبر لمبتدأ محذوف. أى: أمرهم وشأنهم ذلك الذي بيناه سابقا.
وقوله: جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ جملة مفسرة لاسم الإشارة لا محل لها من الإعراب أو هو جملة مستقلة برأسها مكونة من مبتدأ وخبر.
وقوله: بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً بيان للأسباب التي جعلتهم وقودا لجهنم.
أى: أن مصيرهم إلى جهنم بسبب كفرهم بكل ما يجب الإيمان به، وبسبب اتخاذهم آيات الله الدالة على وحدانيته، وبسبب اتخاذهم رسله الذين أرسلهم لهدايتهم، محل استهزاء وسخرية.
فهم لم يكتفوا بالكفر بل أضافوا إلى ذلك السخرية بآيات الله- تعالى- والاستهزاء بالرسل الكرام- عليهم الصلاة والسلام-.
ثم أتبع- سبحانه- هذا الوعيد الشديد للكافرين، بالوعد الحسن للمؤمنين فقال- تعالى-:
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ١٠٧ الى ١٠٨]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً (١٠٧) خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً (١٠٨)
وجنات الفردوس: هي أفضل الجنات وأعلاها. ولفظ الفردوس: لفظ عربي ويجمع على فراديس، ومنه قولهم صدر مفردس، أى: واسع.
قال الآلوسى ما ملخصه: عن مجاهد أن الفردوس هو البستان بالرومية، وعن عكرمة أن الفردوس هو الجنة بالحبشية.
стр. 3887
ونص الفراء على أن هذا اللفظ عربي ومعناه البستان الذي فيه كرم.
وقال المبرد: هي- أى كلمة الفردوس- فيما سمعت من العرب: الشجر الملتف والأغلب عليه العنب.
وأخرج الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إذا سألتم الله- تعالى- فاسألوه الفردوس، فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن. ومنه تفجر أنهار الجنة «١» .
والمعنى: إن الذين آمنوا بالله- تعالى- وبكل ما يجب الإيمان به، وعملوا الأعمال الصالحات بإخلاص واتباع لما جاء به الصادق المصدوق ﷺ كانت لهم عند الله- تعالى- جنات الفردوس، التي هي أفضل الجنات وأرفعها درجة نُزُلًا أى: هدية تقدم لهم منه يوم القيامة، ومكانا ينزلون به تكريما وتشريفا لهم.
خالِدِينَ فِيها خلودا أبديا، حالة كونهم لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا أى: لا يطلبون تحولا أو انتقالا منها إلى مكان آخر، لكونها أطيب المنازل وأعلاها.
وفي قوله- تعالى-: لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا لفتة دقيقة عميقة للإجابة على ما يعترى النفس البشرية من حب للانتقال والتحول من مكان إلى مكان، ومن حال إلى حال.
فكأنه- سبحانه- يقول: إن ما جبلت عليه النفوس في الدنيا من حب للتحول والتنقل. قد زال وانتهى بحلولها في الآخرة في الجنة، فالنفس الإنسانية عند ما تستقر في الجنة- ولا سيما جنة الفردوس- لا تريد تحولا أو انتقالا عنها، لأنها المكان الذي لا تشتاق النفوس إلى سواه، لأنها تجد فيه ما تشتهيه وما تبتغيه، نسأل الله- تعالى- أن يرزقنا جميعا جنات الفردوس.
وكما افتتح- سبحانه- السورة الكريمة بالثناء على ذاته، ختمها- أيضا- بالثناء والحمد، فقد أثبت- أن علمه شامل لكل شيء. وأن قدرته نافذة على كل شيء، وأنه- تعالى- هو المستحق للعبادة والطاعة، فقال:
стр. 3888
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ١٠٩ الى ١١٠]
قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً (١٠٩) قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (١١٠)
والمراد بالبحر: جنسه، والمداد في الأصل: اسم لكل ما يمد به الشيء، واختص في العرف لما تمد به الدواة من الحبر.
والمراد بكلمات ربي: علمه وحكمته وكلماته التي يصرف بها هذا الكون.
وقوله: لَنَفِدَ الْبَحْرُ: أى لفنى وفرغ وانتهى. يقال: نفد الشيء ينفد نفادا، إذا فنى وذهب، ومنه قولهم: أنفد فلان الشيء واستنفده، أى: أفناه.
والمعنى: قل- أيها الرسول الكريم- للناس: لو كان ماء البحر مدادا للأقلام التي تكتب بها كلمات ربي ومعلوماته وأحكامه.. لنفد ماء البحر ولم يبق منه شيء- مع سعته وغزارته- قبل أن تنفد كلمات ربي، وذلك لأن ماء البحر ينقص وينتهى أما كلمات الله- تعالى- فلا تنقص ولا تنتهي.
وقوله- سبحانه-: وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً زيادة في المبالغة وفي التأكيد لما قبله من شمول علم الله- تعالى- لكل شيء، وعدم تناهيه.
أى: وبعد نفاد ماء البحر السابق، لو جئنا بماء بحر آخر مثله في السعة والغزارة، وكتبنا به كلمات الله- تعالى- لنفد- أيضا- ماء البحر الثاني دون أن تنفد كلمات ربي.
فالآية الكريمة تصور شمول علم الله- تعالى- لكل شيء، وعدم تناهى كلماته، تصويرا بديعا، يقرب إلى العقل البشرى بصورة محسوسه كمال علم الله- تعالى- وعدم تناهيه.
قال الآلوسى: وقوله: وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً: هذا كلام من جهته- تعالى شأنه- غير داخل في الكلام الملقن، جيء به لتحقيق مضمونه، وتصديق مدلوله على أتم وجه.
والواو لعطف الجملة على نظيرتها المستأنفة المقابلة لها المحذوفة لدلالة ما ذكر عليها دلالة واضحة:
стр. 3889
أى: لنفد البحر قبل أن تنفد كلماته- تعالى- لو لم نجئ بمثله مددا، ولو جئنا بمثله مددا- لنفد أيضا- «١» .
وقال بعض العلماء: وهذا من باب تقريب المعنى إلى الأذهان، لأن هذه الأشياء مخلوقة، وجميع المخلوقات منقضية منتهية، وأما كلام الله- تعالى- فهو من جملة صفاته، وصفاته غير مخلوقة ولا لها حد ولا منتهى، فأى سعة وعظمة تصورتها القلوب، فالله- تعالى- فوق ذلك، وهكذا سائر صفات الله- سبحانه- كعلمه وحكمته وقدرته ورحمته «٢» .
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ، وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ «٣» ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بأمر آخر منه- تعالى- لنبيه ﷺ فقال: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ.
أى: قل- أيها الرسول الكريم- للناس، مبينا لهم حقيقة أمرك، بعد أن بينت لهم عدم تناهى كلمات ربك.
قل لهم: إنما أنا بشر مثلكم أوجدنى الله- تعالى- بقدرته من أب وأم كما أوجدكم.
وينتهى نسبي ونسبكم إلى آدم الذي خلقه الله- تعالى- من تراب.
ولكن الله- اختصني بوحيه وبرسالته- وهو أعلم حيث يجعل رسالته- وأمرنى أن أبلغكم أن إلهكم وخالقكم ورازقكم ومميتكم، هو إله واحد لا شريك له لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته.
فعليكم أن تخلصوا له العبادة والطاعة، وأن تستجيبوا لما آمركم به، ولما أنهاكم عنه، فإنى مبلغ عنه ما كلفنى به.
فالآية الكريمة وإن كانت تثبت للرسول ﷺ صفة البشرية وتنفى عنه أن يكون ملكا أو غير بشر.. إلا أنها تثبت له- أيضا- أن الله- تعالى- قد فضله على غيره من البشر بالوحي إليه، وبتكليفه بتبليغ ما أمره الله- تعالى- بتبليغه للعالمين. كما قال- سبحانه- وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ وكما قال- : قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي
стр. 3890
خَزائِنُ اللَّهِ، وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ، وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ، إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ. «١» .
ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بتلك الجملة الجامعة لكل خير فقال: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً، وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً.
أى: قل- أيها الرسول الكريم- للناس: إنما أنا واحد مثلكم في البشرية إلا أن الله- تعالى- قد خصنى واصطفاني عليكم برسالته ووحيه، وأمرنى أن أبلغكم أن إلهكم إله واحد. فمن كان منكم يرجو لقاء الله- تعالى- ويأمل في ثوابه ورؤية وجهه الكريم، والظفر بجنته ورضاه، فليعمل عملا صالحا، بأن يكون هذا العمل خالصا لوجه الله- تعالى- ومطابقا لما جئت به من عنده- ولا يشرك بعبادة ربه أحدا من خلقه سواء أكان هذا المخلوق نبيا أم ملكا أم غير ذلك من خلقه- تعالى-.
وقد حمل بعض العلماء الشرك هنا على الرياء في العمل، فيكون المعنى: «فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا، ولا يرائى الناس في عمله، لأن العمل الذي يصاحبه الرياء هو نوع من أنواع الشرك بالله تعالى» .
والذي يبدو لنا أن حمل الشرك هنا على ظاهره أولى، بحيث يشمل الإشراك الجلى كعبادة غير الله- تعالى- والإشراك الخفى كالرياء وما يشبهه.
أى: ولا يعبد ربه رياء وسمعة، ولا يصرف شيئا من حقوق خالقه لأحد من خلقه، لأنه- سبحانه- يقول: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ، وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً «٢» .
وقد ساق الإمام ابن كثير جملة من الأحاديث عند تفسيره لقوله- تعالى- فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً.
ومن هذه الأحاديث ما رواه ابن أبى حاتم، من حديث معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن طاوس قال: قال رجل يا رسول الله، إنى أقف المواقف أريد وجه الله، وأحب أن يرى موطني، فلم يرد عليه رسول الله ﷺ شيئا حتى نزلت هذه الآية: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً «٣» .