العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة» . وقال: اقرءوا إن شئتم قوله تعالى-: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً.
ثم ختم- سبحانه- الآيات الكريمة ببيان مآل أمرهم فقال: ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا. وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً.
فاسم الإشارة «ذلك» مشار به إلى عقابهم السابق المتمثل في حبوط أعمالهم واحتقار شأنهم. وهو خبر لمبتدأ محذوف. أى: أمرهم وشأنهم ذلك الذي بيناه سابقا.
وقوله: جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ جملة مفسرة لاسم الإشارة لا محل لها من الإعراب أو هو جملة مستقلة برأسها مكونة من مبتدأ وخبر.
وقوله: بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً بيان للأسباب التي جعلتهم وقودا لجهنم.
أى: أن مصيرهم إلى جهنم بسبب كفرهم بكل ما يجب الإيمان به، وبسبب اتخاذهم آيات الله الدالة على وحدانيته، وبسبب اتخاذهم رسله الذين أرسلهم لهدايتهم، محل استهزاء وسخرية.
فهم لم يكتفوا بالكفر بل أضافوا إلى ذلك السخرية بآيات الله- تعالى- والاستهزاء بالرسل الكرام- عليهم الصلاة والسلام-.
ثم أتبع- سبحانه- هذا الوعيد الشديد للكافرين، بالوعد الحسن للمؤمنين فقال- تعالى-:
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ١٠٧ الى ١٠٨]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً (١٠٧) خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً (١٠٨)
وجنات الفردوس: هي أفضل الجنات وأعلاها. ولفظ الفردوس: لفظ عربي ويجمع على فراديس، ومنه قولهم صدر مفردس، أى: واسع.
قال الآلوسى ما ملخصه: عن مجاهد أن الفردوس هو البستان بالرومية، وعن عكرمة أن الفردوس هو الجنة بالحبشية.
стр. 3887
ونص الفراء على أن هذا اللفظ عربي ومعناه البستان الذي فيه كرم.
وقال المبرد: هي- أى كلمة الفردوس- فيما سمعت من العرب: الشجر الملتف والأغلب عليه العنب.
وأخرج الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إذا سألتم الله- تعالى- فاسألوه الفردوس، فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن. ومنه تفجر أنهار الجنة «١» .
والمعنى: إن الذين آمنوا بالله- تعالى- وبكل ما يجب الإيمان به، وعملوا الأعمال الصالحات بإخلاص واتباع لما جاء به الصادق المصدوق ﷺ كانت لهم عند الله- تعالى- جنات الفردوس، التي هي أفضل الجنات وأرفعها درجة نُزُلًا أى: هدية تقدم لهم منه يوم القيامة، ومكانا ينزلون به تكريما وتشريفا لهم.
خالِدِينَ فِيها خلودا أبديا، حالة كونهم لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا أى: لا يطلبون تحولا أو انتقالا منها إلى مكان آخر، لكونها أطيب المنازل وأعلاها.
وفي قوله- تعالى-: لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا لفتة دقيقة عميقة للإجابة على ما يعترى النفس البشرية من حب للانتقال والتحول من مكان إلى مكان، ومن حال إلى حال.
فكأنه- سبحانه- يقول: إن ما جبلت عليه النفوس في الدنيا من حب للتحول والتنقل. قد زال وانتهى بحلولها في الآخرة في الجنة، فالنفس الإنسانية عند ما تستقر في الجنة- ولا سيما جنة الفردوس- لا تريد تحولا أو انتقالا عنها، لأنها المكان الذي لا تشتاق النفوس إلى سواه، لأنها تجد فيه ما تشتهيه وما تبتغيه، نسأل الله- تعالى- أن يرزقنا جميعا جنات الفردوس.
وكما افتتح- سبحانه- السورة الكريمة بالثناء على ذاته، ختمها- أيضا- بالثناء والحمد، فقد أثبت- أن علمه شامل لكل شيء. وأن قدرته نافذة على كل شيء، وأنه- تعالى- هو المستحق للعبادة والطاعة، فقال:
стр. 3888
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ١٠٩ الى ١١٠]
قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً (١٠٩) قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (١١٠)
والمراد بالبحر: جنسه، والمداد في الأصل: اسم لكل ما يمد به الشيء، واختص في العرف لما تمد به الدواة من الحبر.
والمراد بكلمات ربي: علمه وحكمته وكلماته التي يصرف بها هذا الكون.
وقوله: لَنَفِدَ الْبَحْرُ: أى لفنى وفرغ وانتهى. يقال: نفد الشيء ينفد نفادا، إذا فنى وذهب، ومنه قولهم: أنفد فلان الشيء واستنفده، أى: أفناه.
والمعنى: قل- أيها الرسول الكريم- للناس: لو كان ماء البحر مدادا للأقلام التي تكتب بها كلمات ربي ومعلوماته وأحكامه.. لنفد ماء البحر ولم يبق منه شيء- مع سعته وغزارته- قبل أن تنفد كلمات ربي، وذلك لأن ماء البحر ينقص وينتهى أما كلمات الله- تعالى- فلا تنقص ولا تنتهي.
وقوله- سبحانه-: وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً زيادة في المبالغة وفي التأكيد لما قبله من شمول علم الله- تعالى- لكل شيء، وعدم تناهيه.
أى: وبعد نفاد ماء البحر السابق، لو جئنا بماء بحر آخر مثله في السعة والغزارة، وكتبنا به كلمات الله- تعالى- لنفد- أيضا- ماء البحر الثاني دون أن تنفد كلمات ربي.
فالآية الكريمة تصور شمول علم الله- تعالى- لكل شيء، وعدم تناهى كلماته، تصويرا بديعا، يقرب إلى العقل البشرى بصورة محسوسه كمال علم الله- تعالى- وعدم تناهيه.
قال الآلوسى: وقوله: وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً: هذا كلام من جهته- تعالى شأنه- غير داخل في الكلام الملقن، جيء به لتحقيق مضمونه، وتصديق مدلوله على أتم وجه.
والواو لعطف الجملة على نظيرتها المستأنفة المقابلة لها المحذوفة لدلالة ما ذكر عليها دلالة واضحة:
стр. 3889
أى: لنفد البحر قبل أن تنفد كلماته- تعالى- لو لم نجئ بمثله مددا، ولو جئنا بمثله مددا- لنفد أيضا- «١» .
وقال بعض العلماء: وهذا من باب تقريب المعنى إلى الأذهان، لأن هذه الأشياء مخلوقة، وجميع المخلوقات منقضية منتهية، وأما كلام الله- تعالى- فهو من جملة صفاته، وصفاته غير مخلوقة ولا لها حد ولا منتهى، فأى سعة وعظمة تصورتها القلوب، فالله- تعالى- فوق ذلك، وهكذا سائر صفات الله- سبحانه- كعلمه وحكمته وقدرته ورحمته «٢» .
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ، وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ «٣» ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بأمر آخر منه- تعالى- لنبيه ﷺ فقال: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ.
أى: قل- أيها الرسول الكريم- للناس، مبينا لهم حقيقة أمرك، بعد أن بينت لهم عدم تناهى كلمات ربك.
قل لهم: إنما أنا بشر مثلكم أوجدنى الله- تعالى- بقدرته من أب وأم كما أوجدكم.
وينتهى نسبي ونسبكم إلى آدم الذي خلقه الله- تعالى- من تراب.
ولكن الله- اختصني بوحيه وبرسالته- وهو أعلم حيث يجعل رسالته- وأمرنى أن أبلغكم أن إلهكم وخالقكم ورازقكم ومميتكم، هو إله واحد لا شريك له لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته.
فعليكم أن تخلصوا له العبادة والطاعة، وأن تستجيبوا لما آمركم به، ولما أنهاكم عنه، فإنى مبلغ عنه ما كلفنى به.
فالآية الكريمة وإن كانت تثبت للرسول ﷺ صفة البشرية وتنفى عنه أن يكون ملكا أو غير بشر.. إلا أنها تثبت له- أيضا- أن الله- تعالى- قد فضله على غيره من البشر بالوحي إليه، وبتكليفه بتبليغ ما أمره الله- تعالى- بتبليغه للعالمين. كما قال- سبحانه- وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ وكما قال- : قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي
стр. 3890
خَزائِنُ اللَّهِ، وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ، وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ، إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ. «١» .
ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بتلك الجملة الجامعة لكل خير فقال: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً، وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً.
أى: قل- أيها الرسول الكريم- للناس: إنما أنا واحد مثلكم في البشرية إلا أن الله- تعالى- قد خصنى واصطفاني عليكم برسالته ووحيه، وأمرنى أن أبلغكم أن إلهكم إله واحد. فمن كان منكم يرجو لقاء الله- تعالى- ويأمل في ثوابه ورؤية وجهه الكريم، والظفر بجنته ورضاه، فليعمل عملا صالحا، بأن يكون هذا العمل خالصا لوجه الله- تعالى- ومطابقا لما جئت به من عنده- ولا يشرك بعبادة ربه أحدا من خلقه سواء أكان هذا المخلوق نبيا أم ملكا أم غير ذلك من خلقه- تعالى-.
وقد حمل بعض العلماء الشرك هنا على الرياء في العمل، فيكون المعنى: «فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا، ولا يرائى الناس في عمله، لأن العمل الذي يصاحبه الرياء هو نوع من أنواع الشرك بالله تعالى» .
والذي يبدو لنا أن حمل الشرك هنا على ظاهره أولى، بحيث يشمل الإشراك الجلى كعبادة غير الله- تعالى- والإشراك الخفى كالرياء وما يشبهه.
أى: ولا يعبد ربه رياء وسمعة، ولا يصرف شيئا من حقوق خالقه لأحد من خلقه، لأنه- سبحانه- يقول: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ، وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً «٢» .
وقد ساق الإمام ابن كثير جملة من الأحاديث عند تفسيره لقوله- تعالى- فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً.
ومن هذه الأحاديث ما رواه ابن أبى حاتم، من حديث معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن طاوس قال: قال رجل يا رسول الله، إنى أقف المواقف أريد وجه الله، وأحب أن يرى موطني، فلم يرد عليه رسول الله ﷺ شيئا حتى نزلت هذه الآية: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً «٣» .
стр. 3891
أما بعد: فهذه سورة الكهف، وهذا تفسير محرر لها، نسأل الله- تعالى- أن ينفعنا بالقرآن الكريم، وأن يجعله ربيع قلوبنا، وأنس نفوسنا، وشفيعنا يوم نلقاه يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
المدينة المنورة: مساء الخميس ١٨ من رجب سنة ١٤٠٤ هـ الموافق: ١٩ من إبريل سنة ١٩٨٤ م د/ محمد سيد طنطاوى
стр. 3892
فهرس إجمالى لتفسير «سورة الحجر»
رقم الآية الآية المفسرة الصفحة تعريف بسورة الحجر ٥ ١ الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين ٩ ١٦ ولقد جعلنا في السماء بروجا ٢٦ ٢٦ ولقد خلقنا الإنسان من صلصال ٣٥ ٤٥ إن المتقين في جنات وعيون ٤٩ ٤٩ نبئ عبادي أنى أنا الغفور الرحيم ٥٢ ٦١ فلما جاء آل لوط المرسلون ٥٩ ٧٥ إن في ذلك لآيات للمتوسمين ٦٨ ٨٥ وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق ٧٣
стр. 3893
فهرس إجمالى لتفسير «سورة النحل»
رقم الآية الآية المفسرة رقم الصفحة مقدمة ٨٩ تعريف بسورة النحل ٩١ ١ أتى أمر الله فلا تستعجلوه ٩٩ ١٠ هو الذي أنزل من السماء ماء ١١٢ ١٢ وسخر لكم الليل والنهار ١١٥ ١٤ وهو الذي سخر البحر ١١٧ ١٥ وألقى في الأرض رواسى ١٢٠ ١٧ أفمن يخلق كمن لا يخلق ١٢٢ ٢٤ وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم ١٢٨ ٣٠ وقيل للذين اتقوا ١٣٨ ٣٣ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة ١٤١ ٣٥ وقال الذين أشركوا ١٤٣ ٣٨ وأقسموا بالله جهد أيمانهم ١٤٩ ٤١ والذين هاجروا في الله ١٥٣ ٤٣ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا ١٥٦ ٤٥ أفأمن الذين مكروا السيئات ١٥٩ ٤٨ أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء ١٦٣ ٥١ وقال الله لا تتخذوا إلهين ١٦٦ ٥٦ ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا ١٧٠ ٦١ ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ١٧٥ ٦٥ والله أنزل من السماء ماء ١٨١ ٦٨ وأوحى ربك إلى النحل ١٨٧
стр. 3894
رقم الآية الآية المفسرة رقم الصفحة ٧٠ والله خلقكم ثم يتوفاكم ١٩٢ ٧٣ ويعبدون من دون الله ١٩٧ ٧٧ ولله غيب السموات والأرض ٢٠٣ ٨٤ ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ٢١١ ٩٠ إن الله يأمر بالعدل والإحسان ٢١٩ ٩٤ ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم ٢٢٧ ٩٨ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله ٢٣٢ ١٠١ وإذا بدلنا آية مكان آية ٢٣٥ ١٠٦ من كفر بالله من بعد إيمانه ٢٤٠ ١١٠ ثم إن ربك للذين هاجروا ٢٤٣ ١١٢ وضرب الله مثلا قرية ٢٤٥ ١١٤ فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا ٢٤٩ ١١٦ ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم ٢٥١ ١١٨ وعلى الذين هادوا حرمنا ٢٥٣ ١٢٠ إن إبراهيم كان أمة ٢٥٦ ١٢٥ ادع إلى سبيل ربك ٢٦١
стр. 3895
فهرس إجمالى لتفسير «سورة الإسراء»
رقم الآية الآية المفسرة رقم الصفحة مقدمة وتعريف بالسورة ٢٧٣ ١ سبحان الذي أسرى ٢٨١ ٢ وآتينا موسى الكتاب ٢٨٧ ٤ وقضينا إلى بنى إسرائيل ٢٨٩ ٩ إن هذا القرآن يهدى ٣٠٢ ١١ ويدع الإنسان بالشر ٣٠٤ ١٢ وجعلنا الليل والنهار آيتين ٣٠٦ ١٦ وإذا أردنا أن نهلك ٣١٤ ٢٣ وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه ٣٢٣ ٢٦ وآت ذا القربى حقه ٣٣١ ٣١ ولا تقتلوا أولادكم ٣٣٦ ٤٠ أفأصفاكم ربكم بالبنين ٣٥٥ ٤٥ وإذا قرأت القرآن ٣٦٢ ٤٩ وقالوا أإذا كنا عظاما ٣٦٨ ٥٣ وقل لعبادي يقولوا ٣٧٢ ٥٦ قل ادعوا الذين زعمتم ٣٧٥ ٥٨ وإن من قرية إلا نحن مهلكوها ٣٧٨ ٦١ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا ٣٨٦ ٦٦ ربكم الذي يزجى لكم الفلك في البحر ٣٩٣ ٧٠ ولقد كرمنا بنى آدم ٣٩٨ ٧٣ وإن كادوا ليفتنونك ٤٠٣ ٧٨ أقم الصلاة لدلوك ٤٠٧ ٨٢ وننزل من القرآن ٤١٥ ٨٥ ويسألونك عن الروح ٤٢٠
стр. 3896
رقم الآية الآية المفسرة رقم الصفحة ٩٠ وقالوا لن نؤمن لك ٤٢٧ ٩٤ وما منع الناس أن يؤمنوا ٤٣٢ ٩٧ ومن يهد الله فهو المهتد ٤٣٥ ١٠١ ولقد آتينا موسى تسع آيات ٤٤١ ١٠٥ وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ٤٤٧ ١١٠ قل ادعو الله أو ادعو الرحمن ٤٥١
стр. 3897
فهرس إجمالى لتفسير «سورة الكهف»
رقم الآية الآية المفسرة رقم الصفحة المقدمة ٤٥٧ ١ الحمد لله الذي أنزل ٤٦٤ ٩ أم حسبت أن أصحاب ٤٧٢ ١٣ نحن نقص عليك نبأهم ٤٧٩ ١٧ وترى الشمس إذا طلعت ٤٨٤ ١٩ وكذلك بعثناهم ليتساءلوا ٤٨٩ ٢١ وكذلك أعثرنا عليهم ٤٩٢ ٢٢ سيقولون ثلاثة رابعهم ٤٩٥ ٢٣ ولا تقولن لشيء إنى فاعل ٤٩٨ ٢٥ ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين ٥٠١ ٢٧ واتل ما أوحى إليك ٥٠٥ ٣٢ واضرب لهم مثلا رجلين ٥١٣ ٣٧ قال له صاحبه وهو يحاوره ٥١٧ ٤٢ وأحيط بثمره فأصبح ٥٢١ ٤٥ واضرب لهم مثل الحياة ٥٢٤ ٤٧ ويوم نسير الجبال وترى ٥٢٨ ٥٠ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا ٥٣٢ ٥١ ولقد صرفنا في هذا القرآن ٥٣٩ ٦٠ وإذ قال موسى لفتاه ٥٤٥ ٦٦ قال له موسى هل أتبعك ٥٥٢ ٧١ فانطلقا حتى إذا ركبا ٥٥٤ ٧٤ فانطلقا حتى إذا لقيا ٥٥٦ ٧٧ فانطلقا حتى إذا أتيا أهل ٥٥٧
стр. 3898
رقم الآية الآية المفسرة رقم الصفحة ٧٩ أما السفينة فكانت لمساكين ٥٥٩ ٨٠ وأما الغلام فكان أبواه ٥٦٠ ٨٢ وأما الجدار فكان لغلامين ٥٦٠ ٨٣ ويسألونك عن ذي القرنين ٥٦٨ ٩٩ وتركنا بعضهم يومئذ ٥٧٦ ١٠٣ قل هل ننبئكم بالأخسرين ٥٨٣ ١٠٧ إن الذين آمنوا وعملوا ٥٨٥ ١٠٩ قل لو كان البحر مدادا ٥٨٧
стр. 3899
[المجلد التاسع]
تفسير سورة مريم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدّمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وأصحابه وأتباعه، ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.
وبعد فهذا تفسير لسورة «مريم» أكتبه بعد أن كتبت قبله تفاسير لسورة: البقرة، آل عمران، النساء، المائدة، الأنعام، الأعراف، الأنفال، التوبة، يونس، هود، يوسف، الرعد، إبراهيم، الحجر، النحل، الإسراء، الكهف ...
والله- تعالى- أسأل، أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم، ونافعا لعباده، وشفيعا لنا يوم نلقاه، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
د. محمد سيد طنطاوى
стр. 3900
تفسير سورة مريم
стр. 3901
تعريف بسورة مريم
١- سورة مريم من السور المكية.
قال القرطبي: وهي مكية بالإجماع. وهي تسعون وثماني آيات «١» .
وقال ابن كثير: وقد روى محمد بن إسحاق في السيرة، من حديث أم سلمة، وأحمد بن حنبل عن ابن مسعود في قصة الهجرة إلى أرض الحبشة من مكة، أن جعفر بن أبى طالب- رضى الله عنه- قرأ صدر هذه السورة على النجاشيّ «٢» .
وكان نزولها بعد سورة فاطر «٣» .
٢- ويبدو أن تسميتها بهذا الاسم كان بتوقيف من النبي ﷺ ، فقد أخرج الطبراني والديلمي، من طريق أبى بكر بن عبد الله بن أبى مريم الغساني عن أبيه عن جده، قال:
أتيت النبي ﷺ فقلت: ولدت لي الليلة جارية. فقال: والليلة أنزلت على سورة مريم.
وجاء فيما روى عن ابن عباس، تسميتها بسورة كهيعص «٤» .
وقد تكرر اسم مريم في القرآن ثلاثين مرة، ولم تذكر امرأة سواها باسمها الصريح.
٣- والذي يقرأ هذه السورة الكريمة بتدبر وتأمل، يراها زاخرة بالحديث عن عدد من الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام-.
فقد افتتحت بالحديث عن تلك الدعوات التي تضرع بها زكريا إلى ربه، لكي يهب له وليا، يرثه ويرث من آل يعقوب.
وقد استجاب الله- تعالى- دعاء زكريا، فوهبه يحيى كما قال- تعالى-: يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا.
ثم تحدثت السورة بعد ذلك عن قصة مريم، بصورة فيها شيء من التفصيل، فذكرت اعتزالها لقومها ومجيء جبريل إليها وما دار بينه وبينها من محاورات، ومولدها لعيسى وإتيانها
стр. 3902
به قومها، وما دار بينها وبينهم في شأنه. ثم ختمت هذه القصة بالقول الحق في شأن عيسى، قال- تعالى-: ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ. ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ، إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ.
٥- ثم تحدثت السورة بعد ذلك عن طرف من قصة إبراهيم وموسى وإسماعيل وإدريس، وختمت حديثها عن الرسل الكرام بقوله- تعالى-: أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ، وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ. وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ. وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا، إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا.
٦- ثم حكت السورة الكريمة أنماطا من الشبهات التي تفوه بها الضالون، ومن هذه الشبهات ما يتعلق بالبعث والنشور، ومنها ما يتعلق بموقفهم من القرآن الكريم ومنها ما يتعلق بزعمهم أن لله ولدا ... وقد ردت على كل شبهة من هذه الشبهات بما يبطلها، ويخرس ألسنة قائليها.
ومن ذلك قوله- تعالى-: وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً.
وقوله- سبحانه-: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً. أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً. كَلَّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا. وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً.
وقوله- : وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً. لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا. تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا. أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً. وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً.
٧- ومن هذا العرض الإجمالى لآيات السورة الكريمة، يتبين لنا أن سورة مريم قد اهتمت بإقامة الأدلة على وحدانية الله- تعالى-، وعلى نفى الشريك والولد عن ذاته- سبحانه-، كما اهتمت- أيضا- بإقامة الأدلة على أن البعث حق، وعلى أن الناس سيحاسبون على أعمالهم يوم القيامة.
كما زخرت السورة بالحديث عن قصص بعض الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- تارة بشيء من التفصيل كما في قصة زكريا وعيسى ابن مريم، وتارة بشيء من الاختصار والتركيز كما في قصة إبراهيم وموسى وإسماعيل وإدريس.
كما نراها بوضوح تحكى شبهات المشركين. ثم ترد عليها بما يبطلها ...
стр. 3903
وقد ساقت السورة ما ساقت من قضايا، بأسلوب عاطفى بديع، يهيج المشاعر نحو الخير والحق والفضيلة، وينفر من الشر والباطل والرذيلة، ويطلع العقول على نماذج شتى من مظاهر رحمة الله- تعالى- بعباده الصالحين ترى ذلك في مثل قوله- تعالى-: ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا.
وفي مثل قوله- سبحانه-: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا.
٨- قال بعض العلماء ما ملخصه: والظل الغالب في جو السورة هو ظل الرحمة والرضا والاتصال. فهي تبدأ بذكر رحمة ربك لعبده زكريا. ويتكرر لفظ الرحمة ومعناها وظلها في ثنايا السورة كثيرا. ويكثر فيها اسم الرَّحْمنِ.
وإنك لتحس لمسات الرحمة الندية. ودبيبها اللطيف في الكلمات والعبارات والظلال، كما تحس انتفاضات الكون وارتجافاته لوقع كلمة الشرك التي لا تطيقها فطرته ...
كذلك تحس أن للسورة إيقاعا موسيقيا خاصا، فحتى جرس ألفاظها وفواصلها فيه رخاء، وفيه عمق كألفاظ: رضيا، سريا، حفيا، نجيا ...
فأما المواضع التي تقتضي الشدة والعنف، فتجيء فيها الفاصلة مشددة في الغالب، كألفاظ: ضدّا، هدّا، إدّا، أزّا «١» .
وبعد فهذا تعريف لسورة مريم، نرجو أن يكون القارئ له، قد أخذ صورة مركزة عن أهم المقاصد التي اشتملت عليها السورة الكريمة.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم.
стр. 3904
التفسير قال الله تعالى:
[سورة مريم (١٩) : الآيات ١ الى ٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا (٣) قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤)
وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)
سورة مريم من السور القرآنية التي افتتحت ببعض حروف التهجي.
وقد سبق أن تكلمنا بشيء من التفصيل، عن آراء العلماء في المراد بهذه الحروف التي افتتحت بها بعض السور، وذلك عند تفسيرنا لسور: البقرة، وآل عمران، والأعراف، ويونس..
ورجحنا أن هذه الحروف المقطعة، قد وردت في افتتاح بعض سور القرآن، على سبيل الإيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن.
فكأن الله- تعالى- يقول لأولئك المعارضين في أن القرآن من عند الله- تعالى-، هاكم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون به كلامكم، ومنظوما من حروف هي من جنس الحروف الهجائية التي تنظمون منها حروفكم، فإن كنتم في شك من كونه منزلا من عند الله فهاتوا مثله. أو عشر سور من مثله، بل سورة واحدة من مثله، وادعوا من شئتم من الخلق لكي يعاونكم في ذلك ...
стр. 3905
فلما عجزوا- وهم أهل الفصاحة والبيان- ثبت أن غيرهم أعجز، وأن هذا القرآن من عند الله وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً.
وقوله- تعالى-: ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا خبر لمبتدأ محذوف. أى: المتلو عليك ذكر رحمة ربك عبده ذكريا.
ولفظ ذِكْرُ مصدر مضاف لمفعوله. ولفظ رَحْمَتِ مصدر مضاف لفاعله وهو ربك، وعَبْدَهُ مفعول به للمصدر الذي هو رحمة.
وزَكَرِيَّا هو واحد من أنبياء الله الكرام، وينتهى نسبه إلى يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم- ﵈.
والمعنى: هذا الذي نذكره لك يا محمد، هو جانب من قصة عبدنا زكريا، وطرف من مظاهر الرحمة التي اختصصناه بها، ومنحناه إياها.
وقوله: إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا ظرف لرحمة ربك. والمراد بالنداء: الدعاء الذي تضرع به زكريا إلى ربه- .
أى: هذا الذي قرأناه عليك يا محمد في أول هذه السورة. وذكرناه لك، هو جانب من رحمتنا لعبدنا زكريا. وقت أن نادانا وتضرع إلينا في خفاء وستر، ملتمسا منا الذرية الصالحة.
وإنما أخفى زكريا دعاءه، لأن هذا الإخفاء فيه بعد عن الرياء، وقرب من الإخلاص، وقد أمر الله- تعالى- به في قوله: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ.
ويبدو أن هذا الدعاء قد تضرع به زكريا إلى ربه في أوقات تردده على مريم، واطلاعه على ما أعطاها الله- تعالى- من رزق وفير.
ويشهد لذلك قوله- تعالى-: فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا، كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً، قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ. هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ «١» .
ثم بين- سبحانه- ما نادى به زكريا ربه فقال: قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي ...
والوهن: الضعف. يقال: وهن الجسم يهن- من باب وعد- إذا ضعف.
وخص العظم بالذكر، لأنه دعامة البدن، وعماد الجسم، وبه قوامه، فإذ ضعف كان غيره من أجزاء الجسم أضعف. وإفراد لفظ العظم لإرادة الجنس.
стр. 3906
وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً والمراد باشتعال الرأس شيبا: انتشار بياض الشيب فيه.
والألف واللام في لفظ الرَّأْسُ قاما مقام المضاف إليه.
والمراد: واشتعل رأسى شيبا، وهذا يدل على تقدم السن، كما يشهد له قوله- تعالى- وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا وقوله- : وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ....
قال صاحب الكشاف: «شبه الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته وانتشاره في الشعر..
باشتعال النار، ثم أخرجه مخرج الاستعارة، ثم أسند الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس، وأخرج الشيب مميزا ولم يضف إلى الرأس اكتفاء بعلم المخاطب أنه رأس زكريا، فمن ثم فصحت هذه الجملة وشهد لها بالبلاغة ... » «١» .
وقوله: وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا أى: ولم أكن فيما مضى من عمرى مخيب الدعاء وإنما تعودت منك يا إلهى إجابة دعائي، وما دام الأمر كذلك فأجب دعائي في الزمان الآتي من عمرى، كما أجبته في الزمان الماضي منه.
فأنت ترى أن زكريا- ﵇ قد أظهر في دعائه أسمى ألوان الأدب مع خالقه، حيث توسل إليه- سبحانه- بضعف بدنه، وبتقدم سنه، وبما عوده إياه من إجابة دعائه في الماضي.
ثم حكى- سبحانه- بعض الأسباب الأخرى لإلحاح زكريا في الدعاء فقال: وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي، وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ...
والموالي: جمع مولى، والمراد بهم هنا: عصبته وأبناء عمومته الذين يلون أمره بعد موته، وكان لا يثق فيهم لسوء سلوكهم.
والعاقر: العقيم الذي لا يلد، ويطلق على الرجل والمرأة، يقال: امرأة عاقر، ورجل عاقر.
أى: وإنى- يا إلهى- قد خفت ما يفعله أقاربى مِنْ وَرائِي أى: من بعد موتى، من تضييع لأمور الدين، ومن عدم القيام بحقه وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً لا تلد قط في شبابها ولا في غير شبابها، فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ أى: من عندك وَلِيًّا أى: ولدا من صلبي، هذا الولد يَرِثُنِي في العلم والنبوة وَيَرِثُ أيضا مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ابن إسحاق بن إبراهيم العلم والنبوة والصفات الحميدة وَاجْعَلْهُ يا رب رَضِيًّا أى:
стр. 3907
مرضيا عندك في أقواله وأفعاله وسائر تصرفاته.
ففي هاتين الآيتين نرى زكريا يجتهد في الدعاء بأن يرزقه الله الولد، لا من أجل شهوة دنيوية، وإنما من أجل مصلحة الدين والخوف من تضييعه وتبديله والحرص على من يرثه في علمه ونبوته، ويكون مرضيا عنده- .
قال الآلوسى ما ملخصه: «وقوله مِنْ وَرائِي المراد به من بعد موتى، والجار والمجرور متعلق بمحذوف ينساق إليه الذهن أى: خفت فعل الموالي من ورائي أو جور الموالي. وهم عصبة الرجل.. وكانوا على سائر الأقوال شرار بنى إسرائيل، فخاف أن لا يحسنوا خلافته في أمته» «١» .
وفي قوله فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا اعتراف عميق بقدرة الله- تعالى- لأن مثل هذا العطاء لا يرجى إلا منه- ، بعد أن تقدمت بزكريا السن، وبعد أن عهد من زوجه العقم وعدم الولادة.
وقد أشار- سبحانه- في آية أخرى إلى أنه أزال عنها العقم وأصلحها للولادة فقال:
وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ ... «٢» أى: وجعلناها صالحة للولادة بعد أن كانت عقيما من حين شبابها إلى شيبها..
والمراد بالوراثة في قوله يَرِثُنِي وراثة العلم والنبوة والصفات الحميدة.
قال الإمام ابن كثير ما ملخصه: «وقوله: وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي قرأ الأكثرون بنصب الياء من الموالي على أنه مفعول، وعن الكسائي أنه سكن الياء..
ووجه خوفه أنه خشي أن يتصرفوا من بعده في الناس تصرفا سيئا. فسأل الله ولدا يكون نبيا من بعده ليسوسهم بنبوته.. لا أنه خشي من وراثتهم له ماله. فإن النبي أعظم منزلة وأجل قدرا من أن يشفق على ماله إلى هذا الحد، وأن يأنف من وراثة عصبته له، ويسأل أن يكون له ولد ليحوز ميراثه دونهم.
وقد ثبت في الصحيحين من غير وجه أن رسول الله ﷺ قال: «لا نورث ما تركنا صدقة» وفي رواية عند الترمذي بإسناد صحيح: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث» .
وعلى هذا فتعين حمل قوله فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي على ميراث النبوة ولهذا قال: وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ كقوله: وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ أى: في النبوة، إذ
стр. 3908
لو كان في المال لما خصه من بين إخوته بذلك، ولما كان في الإخبار بذلك كبير فائدة، إذ من المعلوم المستقر في جميع الشرائع والملل، أن الولد يرث أباه، فلولا أنها وراثة خاصة لما أخبر بها، وكل هذا يقرره ويثبته ما صح في الحديث: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا فهو صدقة» «١» .
وقال بعض العلماء ما ملخصه: ومعنى يَرِثُنِي أى: إرث علم ونبوة، ودعوة إلى الله والقيام بدينه، لا إرث مال، ويدل لذلك أمران:
أحدهما قوله: وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ومعلوم أن آل يعقوب انقرضوا من زمان، فلا يورث عنهم إلا العلم والنبوة والدين.
والأمر الثاني ما جاء من الأدلة أن الأنبياء- صلوات الله وسلامه عليهم- لا يورث عنهم المال، وإنما يورث عنهم العلم والدين، فمن ذلك ما أخرجه الشيخان عن أبى بكر الصديق أن رسول الله ﷺ قال: «لا نورث ما تركنا صدقة» «٢» .
ثم بين القرآن الكريم أن الله- تعالى- قد أجاب بفضله وكرمه دعاء عبده زكريا. كما بين ما قاله زكريا عند ما بشره ربه بغلام اسمه يحيى فقال- تعالى-:
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٧ الى ١١]
يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً (٩) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١)
стр. 3909
قال القرطبي: قوله- تعالى- يا زَكَرِيَّا في الكلام حذف، أى: فاستجاب الله دعاءه فقال: يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى ... فتضمنت هذه البشارة ثلاثة أشياء: أحدها: إجابة دعائه وهي كرامة. الثاني: إعطاؤه الولد وهو قوة. الثالث: أن يفرد بتسميته ... » «١» .
وقد بين- سبحانه- في آيات أخرى أن الذي بشر زكريا هو بعض الملائكة، وأن ذلك كان وهو قائم يصلى في المحراب، قال- تعالى-: فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ، أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى، مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ، وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ «٢» .
وقوله- سبحانه-: اسْمُهُ يَحْيى يدل على أن هذه التسمية قد سماها الله- تعالى- ليحيى، ولم يكل تسميته لزكريا أو لغيره، وهذا لون من التشريف والتكريم.
وقوله- تعالى-: لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا أى لم نجعل أحدا من قبل مشاركا له في هذا الاسم، بل هو أول من تسمى بهذا الاسم الجميل.
قال بعض العلماء: «وقول من قال: إن معناه: لم نجعل له من قبل سميا، أى: نظيرا يساويه في السمو والرفعة غير صواب، لأنه ليس بأفضل من إبراهيم ونوح وموسى فالقول الأول هو الصواب، وممن قال به: ابن عباس، وقتادة، والسدى، وابن أسلم وغيرهم ... » «٣» .
ثم حكى- سبحانه- بعد ذلك ما قاله زكريا بعد هذه البشارة السارة. فقال- تعالى-: قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ، وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً. وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا.
فالجملة الكريمة استئناف مبنى على سؤال تقديره: فماذا قال زكريا عند ما بشره الله- تعالى- بيحيى؟
ولفظ أَنَّى بمعنى: كيف. أو بمعنى: من أين.
أى: قال زكريا مخاطبا ربه بعد أن بشره بابنه يحيى: يا رب كيف يكون لي غلام، وحال امرأتى أنها كانت عاقرا في شبابها وفي شيخوختها، وحالي أنا أننى قد بلغت من الكبر عتيا، أى. قد تقدمت في السن تقدما كبيرا.
стр. 3910
يقال: عتى الشيخ يعتو عتيا- بكسر العين وضمها- إذا بلغ النهاية في الكبر.
قال ابن جرير: «قوله: وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا يقول: وقد عتوت من الكبر فصرت نحيل العظام يابسها، يقال منه للعود اليابس: عات وعاس. وقد عتا يعتو عتوا وعتيا ... وكل متناه في كبر أو فساد أو كفر فهو عات ... » «١» .
فإن قيل: «ما المراد باستفهام زكريا- ﵇ مع علمه بقدرة الله- تعالى- على كل شيء؟
فالجواب أن استفهامه إنما هو على سبيل الاستعلام والاستخبار، لأنه لم يكن يعلم أن الله- تعالى- سيرزقه بيحيى عن طريق زوجته العاقر، أو عن طريق الزواج بامرأة أخرى، فاستفهم عن الحقيقة ليعرفها.
ويصح أن يكون المقصود بالاستفهام التعجب والسرور بهذا الأمر العجيب حيث رزقه الله الولد مع تقدم سنه وسن زوجته.
ويجوز أن يكون المقصود بالاستفهام الاستبعاد لما جرت به العادة من أن يأتى الغلام مع تقدم سنه وسن زوجته. وليس المقصود به استحالة ذلك على قدرة الله- تعالى- لأنه- سبحانه- لا يعجزه شيء.
ثم حكى- سبحانه- ما رد به على استفهام زكريا فقال: قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ، وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً.
وقوله: كَذلِكَ خبر لمبتدأ محذوف، أى: الأمر كذلك.
قال الآلوسى: وذلك إشارة إلى قول زكريا- ﵇ وجملة هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ مفعول قالَ الثاني وجملة «الأمر كذلك» مع جملة قالَ رَبُّكَ إلخ مفعول قالَ الأول ... » «٢» .
والمعنى: قال الله- تعالى- مجيبا على استفهام زكريا، الأمر كما ذكرت يا زكريا من كون امرأتك عاقرا، وأنت قد بلغت من الكبر عتيا، ولكن ذلك لا يحول بيننا وبين تنفيذ إرادتنا في منحك هذا الغلام، فإن قدرتنا لا يعجزها شيء، ولا تخضع لما جرت به العادات.
وهذا الأمر وهو إيجاد الولد منك ومن زوجتك هذه لا من غيرها هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ أى:
يسير سهل.
стр. 3911
ثم ذكر له- سبحانه- ما هو أعجب مما سأل عنه فقال: وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً.
أى: لا تعجب يا زكريا من أن يأتيك غلام وأنت وزوجك بتلك الحالة، فإنى أنا الله الذي أوجدتك من العدم، ومن أوجدك من العدم، فهو قادر على أن يرزقك بهذا الغلام المذكور.
فالآية الكريمة قد ساقت بطريق منطقي برهاني، ما يدل على كمال قدرة الله- تعالى- وما يزيد في اطمئنان قلب زكريا- ﵇.
ثم حكى- سبحانه- بعد ذلك ما التمسه زكريا- ﵇ من خالقه فقال:
قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً....
أى: اجعل لي علامة أستدل بها على وقوع ما بشرتني به، لأزداد سرورا واطمئنانا.
ولأعرف الوقت الذي تحمل فيه امرأتى بهذا الغلام فأكثر من شكرك وذكرك.
فأجابه الله- تعالى- بقوله: قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا.
أى: قال الله- تعالى- لعبده زكريا: يا زكريا. علامة وقوع ما بشرتك به، أنك تجد نفسك عاجزا عن أن تكلم الناس بلسانك، لمدة ثلاث ليال بأيامهن حال كونك سوى الخلق، سليم الحواس ليس بك من خرس، أو بكم، ولكنك ممنوع من الكلام بأمرنا وقدرتنا على سبيل خرق العادة.
فقوله: سَوِيًّا حال من فاعل «تكلم» وهو زكريا أى: حال كونك يا زكريا سوى الخلق، سليم الجوارح، لا علة تمنعك من ذلك سوى قدرتنا. ثم بين- سبحانه- ما كان من زكريا بعد ذلك فقال: فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا.
والمحراب: المصلى، أو الغرفة التي كان يجلس فيها في بيت المقدس، أو هو المسجد، فقد كانت مساجدهم تسمى المحاريب. لأنها الأماكن التي تحارب فيها الشياطين.
أى: فخرج زكريا- ﵇ على قومه من المكان الذي كان يصلى فيه، فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أى: فأشار إليهم أو كتب لهم دون أن ينطق بلسانه أَنْ سَبِّحُوا الله- تعالى- وقدسوه بُكْرَةً أى: في أوائل النهار وَعَشِيًّا أى: في أواخره.
وقد ذكر- سبحانه- في آية أخرى، ما يشير إلى أن هذا المحراب الذي خرج منه زكريا- ﵇ على قومه. هو ذلك المكان الذي بشره الله- تعالى- فيه بيحيى.
قال- تعالى-: فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى،
стр. 3912
مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ
«١» .
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد حكت لنا بأسلوبها البليغ جانبا من رحمة الله- تعالى- بعبده زكريا، ومن الدعوات التي تضرع بها إلى خالقه- ، وأن الله- تعالى- قد أجاب له دعاءه، وبشره بيحيى، وعرفه بالعلامة التي بها يعرف وقوع ما بشره به، زيادة في اطمئنانه وسروره.
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن يحيى، فبينت ما أمره الله- تعالى- به، وما منحه من صفات فاضلة. فقال- تعالى-:
[سورة مريم (١٩) : الآيات ١٢ الى ١٥]
يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا (١٤) وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)
وقوله- سبحانه-: يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ مقول لقول محذوف، والسر في حذفه المسارعة إلى الإخبار بإنجاز الوعد الكريم.
والتقدير: وبعد أن ولد يحيى، ونما وترعرع قلنا له عن طريق وحينا: يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ الذي هو التوراة بِقُوَّةٍ أى: بجد واجتهاد، وتفهم لمعناه على الوجه الصحيح، وتطبيق ما اشتمل عليه من أحكام وآداب، فإن بركة العلم في العمل به.
والجار والمجرور بِقُوَّةٍ حال من فاعل خذ وهو يحيى، والباء للملابسة أى: خذه حالة كونك ملتبسا بحفظه وتنفيذ أحكامه بشدة وثبات.
وقوله: وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا أى: وأعطيناه بقدرتنا وفضلنا الْحُكْمَ أى: فهم الكتاب والعمل بأحكامه، وهو في سن الصبا.
قيل: كان سنه ثلاث سنين، وقيل سبع سنين.
стр. 3913
قال الآلوسى: «أخرج أبو نعيم، وابن مردويه، والديلمي، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه قال في ذلك: «أعطى الفهم والعبادة وهو ابن سبع سنين» «١» .
وقال الجمل في حاشيته: «فإن قلت: كيف يصح حصول العقل والفطنة والنبوة حال الصبا؟.
قلت: لأن أصل النبوة مبنى على خرق العادات. إذا ثبت هذا. فلا تمنع صيرورة الصبى نبيا. وقيل: أراد بالحكم فهم الكتاب فقرأ التوراة وهو صغير.. «٢» .
والذي تطمئن إليه النفس وعليه جمهور المفسرين أن المراد بالحكم هنا: العلم النافع مع العمل به، وذلك عن طريق حفظ التوراة وفهمها وتطبيق أحكامها.
قال ابن كثير: وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا أى: الفهم والعلم والجد والعزم، والإقبال على الخير، والإكباب عليه، والاجتهاد فيه، وهو صغير حدث.
قال عبد الله بن المبارك: قال معمر: قال الصبيان ليحيى بن زكريا: اذهب بنا نلعب، فقال: ما للعب خلقنا. قال: فلهذا أنزل الله: وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا «٣» .
وقوله- تعالى-: وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا معطوف على الْحُكْمَ.
أى: وأعطيناه الحكم صبيا، وأعطيناه حنانا ...
قال القرطبي ما ملخصه: «الحنان: الشفقة والرحمة والمحبة، وهو فعل من أفعال النفس ...
وأصله: من حنان الناقة على ولدها ... قال طرفة:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض «٤»
والمعنى: منحنا يَحْيى الحكم صبيا، ومنحناه من عندنا وحدنا رحمة عظيمة عليه، ورحمة في قلبه جعلته يعطف على غيره، وأعطيناه كذلك زكاة أى: طهارة في النفس، أبعدته عن ارتكاب ما نهى الله عنه، وجعلته سباقا لفعل الخير وَكانَ تَقِيًّا أى مطيعا لنا في كل ما نأمره به، أو ننهاه عنه.
ثم أضاف- سبحانه- إلى تلك الصفات الكريمة ليحيى صفات أخرى فقال:
стр. 3914
وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ
أى: وجعلناه كثير البر بوالديه، والإحسان إليهما.
وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً
أى: مستكبرا متعاليا مغرورا عَصِيًّا
أى: ولم يكن ذا معصية ومخالفة لأمر ربه.
ثم ختم- سبحانه- هذه الصفات ببيان العاقبة الحسنة التي ادخرها ليحيى- ﵇ فقال: وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ
أى: وتحية وأمان له منا يوم ولادته وَيَوْمَ يَمُوتُ
ويفارق هذه الدنيا وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا
للحساب يوم القيامة.
وخص- سبحانه- هذه الأوقات الثلاثة بالذكر، لأنها أحوج إلى الرعاية من غيرها.
قال سفيان بن عيينة: أحوج ما يكون المرء في ثلاثة مواطن: يوم يولد فيرى نفسه خارجا مما كان فيه. ويوم يموت فيرى قوما لم يكن عاينهم. ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر عظيم.
وبعد هذا الحديث عن جانب من قصة زكريا ويحيى- ﵉، انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن قصة أخرى أعجب من قصة ميلاد يحيى، ألا وهي قصة مريم وميلادها لابنها عيسى- ﵇ فقال- تعالى-:
[سورة مريم (١٩) : الآيات ١٦ الى ٢١]
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا (١٧) قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا (١٩) قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠)
قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا (٢١)
قال ابن كثير: «لما ذكر الله تعالى- قصة زكريا- ﵇ وأنه أوجد منه في حال
стр. 3915
كبره وعقم زوجته ولدا زكيا طاهرا مباركا، وعطف بذكر قصة مريم، في إيجاده ولدها عيسى- ﵇ منها من غير أب.
وهي مريم ابنة عمران- من سلالة داود- ﵇ وكانت من بيت طاهر في بنى إسرائيل ... ونشأت نشأة عظيمة، فكانت إحدى العابدات الناسكات ...
وكانت في كفالة زوج أختها زكريا- ﵇ ورأى لها من الكرامات الهائلة ما بهره ... » «١» .
والمعنى: وَاذْكُرْ
- أيها الرسول الكريم- فِي الْكِتابِ
أى في هذه السورة الكريمة، أو في القرآن الكريم، خبر مريم وقصتها إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا
أى: وقت أن تنحت عنهم واعتزلتهم في مكان يلي الناحية الشرقية من بيت المقدس، أو من بيتها الذي كانت تسكنه.
وفي التعبير بقوله- تعالى- إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها
إشارة إلى شدة عزلتها عن أهلها إذ النبذ معناه الطرح والرمي، فكأنها ألقت بنفسها في هذا المكان لتختلى للعبادة والطاعة، والتقرب إلى الله- تعالى- بصالح الأعمال.
قال القرطبي: واختلف الناس لم انتبذت؟ فقال السدى: انتبذت لتطهر من حيض أو نفاس. وقال غيره: لتعبد الله وهذا حسن. وذلك أن مريم كانت وقفا على سدانة المعبد وخدمته والعبادة فيه، فتنحت من الناس لذلك، ودخلت في المسجد إلى جانب المحراب في شرقيه لتخلو للعبادة..
فقوله مَكاناً شَرْقِيًّا
أى: مكانا من جانب الشرق. والشرق- بسكون الراء- المكان الذي تشرق فيه الشمس. والشرق- بفتح الراء- الشمس.
وإنما خص المكان بالشرق، لأنهم كانوا يعظمون جهة المشرق، حيث تطلع الأنوار ... » «٢» .
وقوله: فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً
تأكيد لانتباذها من أهلها، واعتزالها إياهم.
أى: اذكر وقت أن اعتزلت أهلها. في مكان يلي شرق بيت المقدس، فاتخذت بينها وبينهم حجابا وساترا للتفرغ لعبادة ربها.
стр. 3916
ثم بين- سبحانه- ما أكرمها به في حال خلوتها فقال: فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا.
أى: فأرسلنا إليها روحنا وهو جبريل- ﵇ فتشبه لها في صورة بشر سوى معتدل الهيئة، كامل البنية، كأحسن ما يكون الإنسان.
يقال: رجل سوى، إذا كان تام الخلقة عظيم الخلق، لا يعيبه في شأن من شئونه إفراط أو تفريط.
والإضافة في قوله رُوحَنا
للتشريف والتكريم، وسمى جبريل- ﵇ روحا لمشابهة الروح الحقيقية في أن كلا منهما مادة الحياة للبشر. فجبريل من حيث ما يحمل من الرسالة الإلهية تحيا به القلوب، والروح تحيا به الأجسام.
وإنما تمثل لها جبريل- ﵇ في صورة بشر سوى، لتستأنس بكلامه، وتتلقى منه ما يلقى إليها من كلماته، ولو بدا لها في صورته التي خلقه الله- تعالى- عليها. لنفرت منه، ولم تستطع مكالمته.
وقوله: بَشَراً سَوِيًّا
حالان من ضمير الفاعل في قوله فَتَمَثَّلَ لَها.
ثم حكى- سبحانه- بعد ذلك ما دار بين مريم وبين جبريل من حوار ونقاش فقال:
قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا.
أى: قالت لجبريل- ﵇ الذي تمثل لها في صورة بشر سوى: إنى أعوذ وألتجئ إلى الرحمن منك، إن كنت ممن يتقى الله ويخشاه.
وخصت الرحمن بالذكر، لتثير مشاعر التقوى في نفسه، إذ من شأن الإنسان التقى أن ينتفض وجدانه عند ذكر الرحمن، وأن يرجع عن كل سوء يخطر بباله.
وجواب هذا الشرط محذوف، أى إن كنت تقيا، فابتعد عنى واتركني في خلوتي لأتفرغ لعبادة الله- تعالى-.
وبهذا القول الذي حكاه القرآن عن مريم. تكون قد جمعت بين الاعتصام بربها، وبين تخويف من تخاطبه وترهيبه من عذاب الله. إن سولت له نفسه إرادتها بسوء. كما أن قولها هذا، يدل على أنها قد بلغت أسمى درجات العفة والطهر والبعد عن الريبة، فهي تقول له هذا القول، وهي تراه بشرا سويا، وفي مكان بمعزل عن الناس ...
وهنا يجيبها جبريل- كما حكى القرآن عنه- بقوله: قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا
.
стр. 3917
أى: قال لها جبريل ليدخل السكون والاطمئنان على قلبها: إنما أنا يا مريم رسول ربك الذي استعذت به، والتجأت إليه، فلا تخافي ولا تجزعي وقد أرسلنى- سبحانه- إليك، لأهب لك بإذنه وقدرته غلاما زكيا، أى: ولدا طاهرا من الذنوب والمعاصي، كثير الخير والبركات.
ونسب الهبة لنفسه، لكونه سببا فيها. وقرأ نافع وأبو عمرو: ليهب لك بالياء المفتوحة بعد اللام أى: ليهب لك ربك غلاما زكيا.
وهنا تزداد حيرة مريم، ويشتد عجبها فتقول: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ، وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا.
أى: قالت على سبيل التعجب مما سمعته: كيف يكون لي غلام، والحال أنى لم يمسني بشر من الرجال عن طريق الزواج الذي أحله الله- تعالى-، ولم أك في يوم من الأيام بغيا، أى: فاجرة تبغى الرجال. أو يبغونها للزنا بها. يقال: بغت المرأة تبغى إذا فجرت وتجاوزت حدود الشرف والعفاف.
قال صاحب الكشاف: جعل المس عبارة عن النكاح الحلال، لأنه كناية عنه. كقوله- تعالى- مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ والزنا ليس كذلك، إنما يقال فيه: فجر بها وخبث بها وما أشبه ذلك، وليس بقمن أن تراعى فيه الكنايات والآداب. والبغي: الفاجرة التي تبغى الرجال ... » «١» .
وعلى هذا الرأى الذي ذهب إليه صاحب الكشاف، يكون ما حكاه القرآن عن مريم من قولها: وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ... المقصود به النكاح الحلال.
ويرى آخرون أن المقصود به ما يشمل الحلال والحرام، أى: ولم يمسسني بشر كائنا من كان لا بنكاح ولا بزنى، ويكون قوله: وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا من باب التخصيص بعد التعميم، ويؤيد هذا الرأى قوله- تعالى-: قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ. قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ «٢» .
ويؤيده أيضا أن لفظ بَشَرٌ نكرة في سياق النفي فيعم كل بشر سواء أكان زوجا أم غير زوج.
قال القرطبي: قوله: وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا أى: زانية. وذكرت هذا تأكيدا لأن قولها
стр. 3918
وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ يشمل الحلال والحرام ... «١» .
وقال الجمل في حاشيته ما ملخصه: وإنما تعجبت مما بشرها به جبريل لأنها عرفت بالعادة أن الولادة لا تكون إلا بعد الاتصال برجل. فليس في قولها هذا دلالة على أنها لم تعلم أنه- تعالى- قادر على خلق الولد ابتداء. كيف وقد عرفت أن أبا البشر قد خلقه الله- تعالى- من غير أب أو أم ... » «٢» .
وقوله- تعالى-: قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ... رد من جبريل عليها.
أى: قال الأمر كذلك أى: كما ذكرت من أن بشرا لم يمسسك ومن أنك لم تكوني في يوم من الأيام بغيا. أو الأمر كذلك من أنى أرسلنى ربك لأهب لك غلاما زكيا من غير أن يكون له أب.
وقوله قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ بيان لمظهر من مظاهر قدرة الله- تعالى- التي لا يعجزها شيء، أى: قالَ رَبُّكِ هُوَ أى: خلق ولدك من غير أب عَلَيَّ هَيِّنٌ أى: سهل يسير لأن قدرتنا لا يعجزها شيء.
وقوله- سبحانه- وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ تعليل لمعلل محذوف، أى: ولنجعل وجود الغلام منك من غير أن يمسك بشر آيَةً عظيمة، وأمرا عجيبا يدل دلالة واضحة على قدرتنا، أمام الناس جميعا، فإن قدرتنا لا يعجزها ذلك، كما لا يعجزها أن توجد بشرا من غير أب وأم كما فعلنا مع آدم. أو من غير أم كما فعلنا مع حواء، أو من أب وأم كما فعلنا مع سائر البشر.
وقوله: وَرَحْمَةً مِنَّا معطوف على ما قبله، أى: ولنجعل هذا الغلام الذي وهبناه لك من غير أب رحمة عظيمة منا لمن آمن به، واتبع دعوته. وَكانَ وجود هذا الغلام منك على هذه الكيفية أَمْراً مَقْضِيًّا أى: مقدرا في الأزل مسطورا في اللوح المحفوظ، ولا بد من وقوعه بدون تغيير أو تبديل.
وبذلك تكون هذه الآيات الكريمة، قد حكت لنا جانبا من حالة مريم ومن الحوار الذي جرى بينها وبين جبريل- ﵇ الذي تمثل لها في صورة بشر سوى.
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن مشهد آخر من مشاهد تلك القصة العجيبة، حكت فيها حالتها عند حملها بعيسى، وعند ما جاءها المخاض. فقال- تعالى-:
стр. 3919
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٢٢ الى ٢٦]
فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا (٢٢) فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا (٢٣) فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)
قال ابن كثير ﵀: يقول- تعالى- مخبرا عن مريم، أنها لما قال لها جبريل عن الله- تعالى- ما قال: أنها استسلمت لقضائه- تعالى-، فذكر غير واحد من علماء السلف، أن الملك وهو جبريل- ﵇ عند ذلك نفخ في جيب درعها، فنزلت النفخة حتى ولجت في الفرج، فحملت بالولد بإذن الله- تعالى- ...
والمشهور عن الجمهور أنها حملت به تسعة أشهر. قال عكرمة: ثمانية أشهر. وعن ابن عباس أنه قال: لم يكن إلا أن حملت فوضعت، وهذا غريب، وكأنه مأخوذ من ظاهر قوله- تعالى-: فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ. فالفاء وإن كانت للتعقيب، لكن تعقيب كل شيء بحسبه.
فالمشهور الظاهر- والله على كل شيء قدير- أنها حملت به كما تحمل النساء بأولادهن ... » «١» .
والفاء في قوله- تعالى-: فَحَمَلَتْهُ.. هي الفصيحة أى: وبعد أن قال جبريل لمريم إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا ... نفخ فيها فحملته، أى: عيسى، فانتبذت به، أى: فتنحت به وهو في بطنها مَكاناً قَصِيًّا أى: إلى مكان بعيد عن المكان الذي يسكنه أهلها.
стр. 3920
يقال: قصى فلان عن فلان قصوا وقصوّا، إذا بعد عنه. ويقال: فلان بمكان قصى، أى: بعيد.
وجمهور العلماء على أن هذا المكان القصي، كان بيت لحم بفلسطين.
قال ابن عباس: أقصى الوادي، وهو وادي بيت لحم، فرارا من قومها أن يعيروها بولادتها من غير زوج» «١» .
ثم حكى- سبحانه- ما اعتراها من حزن عند ما أحست بقرب الولادة فقال:
فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا.
وقوله: فَأَجاءَهَا أى: فألجأها، يقال: أجأته إلى كذا، بمعنى: ألجأته واضطرته إليه. ويقال: جاء فلان. وأجاءه غيره، إذا حمله على المجيء، ومنه قول الشاعر:
وجار سار معتمدا علينا ... أجاءته المخافة والرجاء
قال صاحب الكشاف: «أجاء: منقول من جاء، إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء. ألا تراك تقول: جئت المكان وأجاءنيه زيد، كما تقول: بلغته وأبلغنيه ... » «٢» .
والمخاض: وجع الولادة. يقال: مخضت المرأة- بكسر الخاء- تمخض- بفتحها- إذا دنا وقت ولادتها مأخوذ من المخض، وهو الحركة الشديدة، وسمى بذلك لشدة تحرك الجنين في بطن الأم عند قرب خروجه.
وجذع النخلة: ساقها الذي تقوم عليه.
أى: وبعد أن حملت مريم بعيسى، وابتعدت به- وهو محمول في بطنها- عن قومها، وحان وقت ولادتها. ألجأها المخاض إلى جذع النخلة لتتكئ عليه عند الولادة ...
فاعتراها في تلك الساعة ما اعتراها من هم وحزن وقالت: يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا الحمل والمخاض الذي حل بي وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا أى: وكنت شيئا منسيا متروكا، لا يهتم به أحد، وكل شيء نسى وترك ولم يطلب فهو نسى ونسىّ.
قال القرطبي: «والنّسى في كلام العرب: الشيء الحقير الذي من شأنه أن ينسى ولا يتألم لفقده كالوتد، والحبل للمسافر. وقرئ: نَسْياً بكسر النون وهما لغتان مثل: الوتر والوتر ... » «٣» .
стр. 3921
قال الآلوسى ما ملخصه: «وإنما قالت ذلك مع أنها كانت تعلم ما جرى بينها وبين جبريل من الوعد الكريم، استحياء من الناس، وخوفا من لائمتهم، أو حذرا من وقوع الناس في المعصية بسبب كلامهم في شأنها.
وتمنى الموت لمثل ذلك لا كراهة فيه- لأنه يتعلق بأمر ديني- نعم يكره أن يتمنى المرء الموت لأمر دنيوى كمرض أو فقر.. ففي صحيح مسلم، قال رسول الله ﷺ :
«لا يتمنين أحدكم الموت لضرر نزل به، فإن كان لا بد متمنيا فليقل: اللهم أحينى ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي» .
ومن ظن أن تمنى مريم الموت كان لشدة الوجع فقد أساء الظن «١» .
ثم ذكر- سبحانه- جانبا من إكرامه لمريم في تلك الساعات العصيبة من حياتها فقال:
فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي، قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا. وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا، فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً....
والذي ناداها يرى بعضهم أنه جبريل- ﵇. وقوله مِنْ تَحْتِها فيه قراءتان سبعيتان: إحداهما: بكسر الميم في لفظ مِنْ على أنه حرف جر، وخفض تاء تَحْتِها على أنه مجرور بحرف الجر والفاعل محذوف أى: فناداها جبريل من مكان تحتها، أى أسفل منها ...
والثانية: بفتح الميم في لفظ مِنْ على أنه اسم موصول، فاعل نادى وبفتح التاء في تَحْتِها على الظرفية، أى: فناداها الذي هو تحتها، وهو جبريل- ﵇.
قال القرطبي: قوله- تعالى- فَناداها مِنْ تَحْتِها.
قال ابن عباس: المراد بمن تحتها جبريل، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها.. ففي هذا لها آية وأمارة أن هذا من الأمور الخارقة للعادة، التي لله- تعالى- فيها مراد عظيم» «٢» .
ويرى بعض المفسرين أن المنادى هو عيسى- ﵇ فيكون المعنى: فناداها ابنها عيسى الذي كان عند ما وضعته موجودا تحتها.
وقد رجح الإمام ابن جرير هذا الرأى فقال: «وأولى القولين في ذلك عندنا قول من قال: الذي ناداها ابنها عيسى، وذلك أنه من كناية- أى ضمير- ذكره أقرب منه من ذكر جبريل، فرده على الذي هو أقرب إليه أولى من رده على الذي هو أبعد منه، ألا ترى أنه في
стр. 3922
سياق قوله- تعالى- فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا.. ثم قيل: فناداها نسقا على ذلك، ولعلة أخرى وهي قوله: فَأَشارَتْ إِلَيْهِ.. ولم تشر إليه- إن شاء الله- إلا وقد علمت أنه ناطق في حاله تلك..» «١» .
ويبدو لنا أن ما ذهب إليه ابن جرير من كون الذي نادى مريم هو ابنها عيسى، أقرب إلى الصواب، لأن هذا النداء منه لها في تلك الساعة، فيه ما فيه من إدخال الطمأنينة والسكينة على قلبها.
أى: فناداها ابنها عيسى الذي كان أسفل منها عند ما وضعته. مطمئنا إياها بعد أن قالت:
يا ليتني مت قبل هذا الذي حدث لي.. ناداها بقوله: أَلَّا تَحْزَنِي يا أماه قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا أى جدولا صغيرا من الماء، لتأخذى منه ما أنت في حاجة إليه، وسمى النهر الصغير من الماء سريا، لأن الماء يسرى فيه.
وقيل: المراد بالسرى: عيسى- ﵇ مأخوذ من السّرو بمعنى الرفعة والشرف.
يقال: سرو الرجل يسرو- كشرف يشرف- فهو سرىّ، إذا علا قدره وعظم أمره ومنه قول الشاعر:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا
أى: قد جعل ربك تحتك يا مريم إنسانا رفيع القدر، وهو ابنك عيسى، والجملة الكريمة تعليل لانتفاء الحزن المفهوم من النهى بقوله: أَلَّا تَحْزَنِي قال بعض العلماء ما ملخصه: «وأظهر القولين عندي أن السرى في الآية النهر الصغير لأمرين:
أحدهما: القرينة من القرآن، لأن قوله بعد ذلك فَكُلِي وَاشْرَبِي قرينة على أن ذلك المأكول والمشروب هو ما تقدم الامتنان به في قوله: قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا.
الثاني: ما جاء عن ابن عمر من أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إن السرى الذي قال الله لمريم: قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا نهر أخرجه الله لها لتشرب منه» .
فهذا الحديث- وإن كانت طرقه لا يخلو شيء منها من ضعف- أقرب إلى الصواب من دعوى أن السرى عيسى بغير دليل يجب الرجوع إليه» «٢» .
وقوله- سبحانه-: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ. معطوف على ما قاله عيسى لأمه
стр. 3923
مريم. والباء في قوله بِجِذْعِ مزيدة للتوكيد، لأن فعل الهز يتعدى بنفسه.
أى: وحركي نحوك أو جهة اليمين أو الشمال جذع النخلة تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً وهو ما نضج واستوى من الثمر جَنِيًّا أى: صالحا للأخذ والاجتناء فَكُلِي من ذلك الرطب وَاشْرَبِي من ذلك السرى، وَقَرِّي عَيْناً أى: طيبي نفسا بوجودى تحتك، واطردى عنك الأحزان.
يقال: قرت عين فلان، إذا رأت ما كانت متشوقة إلى رؤيته. مأخوذ من القرار بمعنى الاستقرار والسكون، لأن العين إذا رأت ما تحبه سكنت إليه، ولم تنظر إلى غيره.
وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة، أن مباشرة الأسباب في طلب الرزق أمر واجب وأن ذلك لا ينافي التوكل على الله، لأن المؤمن يتعاطى الأسباب امتثالا لأمر ربه مع علمه ويقينه أنه لا يقع في ملكه- سبحانه- إلا ما يشاؤه ويريده.
وهنا قد أمر الله- تعالى- مريم- على لسان مولودها- بأن تهز النخلة ليتساقط لها الرطب، مع قدرته- سبحانه- على إنزال الرطب إليها من غير هز أو تحريك، ورحم الله القائل:
ألم تر أن الله قال لمريم ... وهزي إليك الجذع يساقط الرطب
ولو شاء أن تجنيه من غير هزه ... جنته، ولكن كل شيء له سبب
كما أخذوا منها أن خير ما تأكله المرأة بعد ولادتها الرطب، قالوا: لأنه لو كان شيء أحسن للنفساء من الرطب لأطمعه الله- تعالى- لمريم.
وقوله- سبحانه-: فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا حكاية منه- تعالى- لبقية كلام عيسى لأمه.
ولفظ فَإِمَّا مركب من إن الشرطية، وما المزيدة لتوكيد الشرط وتَرَيِنَّ فعل الشرط، وجوابه فَقُولِي وبين هذا الجواب وشرطه كلام محذوف يرشد إليه السياق.
والمعنى: أن عيسى- ﵇ قال لأمه: لا تحزني يا أماه بسبب وجودى بدون أب، وقرى عينا، وطيبي نفسا لذلك، فإما ترين من البشر أحدا كائنا من كان فسألك عن أمرى وشأنى فقولي له إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً أى: صمتا عن الكلام فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا لا في شأن هذا المولود ولا في شأن غيره، وإنما سأترك الكلام لابني ليشرح لكم حقيقة أمره.
стр. 3924
قالوا: إنما منعت من الكلام لأمرين: أحدهما: أن يكون عيسى هو المتكلم عنها ليكون أقوى لحجتها في إزالة التهمة عنها، وفي هذا دلالة على تفويض الكلام إلى الأفضل.
والثاني: «كراهة مجادلة السفهاء، وفيه أن السكوت عن السفيه واجب، ومن أذل الناس سفيه لم يجد مسافها» «١» .
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد حكت لنا بأسلوبها البليغ الحكيم ما فعلته مريم عند ما شعرت بالحمل وما قالته عند ما أحست بقرب الولادة، وما قاله لها مولودها عيسى من كلام جميل طيب، لإدخال الطمأنينة على قلبها.
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن مشهد آخر من مشاهد تلك القصة العجيبة مشهد مريم عند ما جاءت بوليدها إلى قومها، وما قالوه لها، وما قاله وليدها لهم ...
استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى ذلك فيقول:
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٢٧ الى ٣٣]
فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا (٢٧) يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا (٣١)
وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)
وقوله- سبحانه-: فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ ... معطوف على كلام محذوف يفهم من سياق القصة.
стр. 3925
والتقدير: وبعد أن استمعت مريم إلى ما قاله لها ابنها عيسى- ﵇ اطمأنت نفسها، وقرت عينها، فأتت به أى بمولودها عيسى إلى قومها. وهي تحمله معها من المكان القصي الذي اعتزلت فيه قومها.
قال الآلوسى: أى: جاءتهم مع ولدها حاملة إياه، على أن الباء للمصاحبة. وجملة تَحْمِلُهُ في موضع الحال من ضمير مريم ... وكان هذا المجيء على ما أخرج سعيد بن منصور، وابن عساكر عن ابن عباس بعد أربعين يوما حين طهرت من نفاسها ...
وظاهر الآية والأخبار «أنها جاءتهم به من غير طلب منهم..» «١» .
ثم حكى- سبحانه- ما قاله قومها عند ما رأوها ومعها وليدها فقال: قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا.
أى: قالوا لها على سبيل الإنكار: يا مريم لقد جئت أى فعلت شيئا منكرا عجيبا في بابه، حيث أتيت بولد من غير زوج نعرفه لك.
والفري: مأخوذ من فريت الجلد إذا قطعته، أى: شيئا قاطعا وخارقا للعادة، ومرادهم:
أنها أتت بولدها عن طريق غير شرعي، كما قال- تعالى- في آية أخرى: وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً.
ويدل على أن مرادهم هذا، قولهم بعد ذلك: يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ.
أى: ما كان أبوك رجلا زانيا أو معروفا بالفحش وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا أى: تتعاطى الزنا. يقال: بغت المرأة، إذا فجرت وابتعدت عن طريق الطهر والعفاف.
وليس المراد بهارون: هارون بن عمران أخا موسى، وإنما المراد به رجل من قومها معروف بالصلاح والتقوى، فشبهت به، أى: يا أخت هارون في الصلاح والتقوى.
أو المراد به أخ لها كان يسمى بهذا الاسم.
قال الآلوسى ما ملخصه: «وقوله: يا أُخْتَ هارُونَ استئناف لتجديد التعيير، وتأكيد التوبيخ، وليس المراد بهارون أخا موسى بن عمران- ﵉ لما أخرج أحمد، ومسلم، والترمذي، والنسائي، والطبراني، وابن حبان، وغيرهم عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى أهل نجران فقالوا: أرأيت ما تقرأون: