← Тафсир

Тафсир · id 23590

التفسير الوسيط لطنطاوي

محمد سيد طنطاوي

Полный текст (6 701 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

وشبيه بهذه الآية في الرد على هؤلاء الكافرين قوله- تعالى-: وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى. إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ «١» . وقوله- سبحانه-: فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ. وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ «٢» . ثم أمر الله- تعالى- رسوله ﷺ أن يضيف إلى تهديدهم السابق تهديدا آخر فقال: قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا ... أى: قل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء الكافرين المتفاخرين بمساكنهم ومظاهرهم.. قل لهم: من كان منغمسا في الضلالة والشقاوة والغفلة.. فقد اقتضت حكمة الله- تعالى- أن يمد له العطاء كأن يطيل عمره ويوسع رزقه، على سبيل الاستدراج والإمهال.. فصيغة الطلب وهي قوله- تعالى-: فَلْيَمْدُدْ على هذا التفسير، المراد بها: الإخبار عن سنة من سنن الله- تعالى- في خلقه، وهي أن سننه- تعالى- قد اقتضت أن يمهل الضالين، وأن يزيدهم من العطاء الدنيوي، ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر. قال- تعالى-: فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ. فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ «٣» . وقال- سبحانه-: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ «٤» . وقد صدر الآلوسى تفسيره للآية بهذا التفسير فقال ما ملخصه: قوله قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ ... أمر منه- تعالى- لرسوله ﷺ بأن يجيب على هؤلاء المتفاخرين بما لهم من الحظوظ الدنيوية.. وقوله: فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا أى: يمد- سبحانه- له ويمهله بطول العمر، وإعطاء المال، والتمكن من التصرفات، فالطلب في معنى الخبر واختير للإيذان بأن ذلك مما ينبغي أن يفعل بموجب الحكمة لقطع المعاذير فيكون حاصل المعنى: من كان في الضلالة فلا عذر له فقد أمهله الرحمن ومد له مدا وجوز أن يكون ذلك للاستدراج.

стр. 3957

وحاصل المعنى: من كان في الضلالة فعادة الله أن يمد له ويستدرجه «١» . ومن المفسرين من يرى أن صيغة الطلب وهي فَلْيَمْدُدْ على بابها، ويكون المقصود بالآية الدعاء على الضال من الفريقين بالازدياد من الضلال. وعليه يكون المعنى: قل- أيها الرسول الكريم لهؤلاء المتفاخرين، من كان منا أو منكم على الضلالة، فليزده الله من ذلك، وكأن الآية الكريمة تأمر الرسول ﷺ بمباهلة المشركين كما أمره الله- تعالى- في آية أخرى بمباهلة اليهود في قوله: قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.. «٢» . وكما أمر الله بمباهلة النصارى في قوله- سبحانه- فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ، وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ، وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ «٣» . ومن المفسرين الذين ساروا على هذا التفسير الإمامان ابن جرير وابن كثير، فقد قال ابن كثير: يقول- تعالى- قُلْ يا محمد لهؤلاء المشركين بربهم المدعين أنهم على الحق وأنكم على الباطل مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ أى منا ومنكم فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا أى: فأمهله الرحمن فيما هو فيه حتى يلقى ربه وينقضي أجله.. قال مجاهد في قوله فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا فليدعه الله في طغيانه هكذا، قرر ذلك أبو جعفر بن جرير، وهذه مباهلة للمشركين الذين يزعمون أنهم على هدى فيما هم فيه كما ذكر- تعالى- مباهلة اليهود والنصارى.. «٤» . ومع وجاهة التفسيرين لمعنى فَلْيَمْدُدْ لَهُ.. إلا أننا نميل إلى الرأى الأول وهو أن صيغة الطلب يراد بها الإخبار عن سنة الله- تعالى- في الضالين، لأنه هو المتبادر من معنى الآية الكريمة ولأن قوله- تعالى- بعد ذلك وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً.. يؤيد هذا الرأى. وقوله- سبحانه-: حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ.. متعلق بما قبله. أى: فليمدد له الرحمن مدا على سبيل الاستدراج والإمهال، حتى إذا رأى هؤلاء الكافرون ما توعدهم الله- تعالى- به، علموا وأيقنوا أن الأمر بخلاف ما كانوا يظنون وما كانوا يقولون لأنهم سينزل الله- تعالى- بهم إِمَّا الْعَذابَ الدنيوي على أيدى المؤمنين وَإِمَّا السَّاعَةَ أى: وإما عذاب الآخرة وهو أشد وأبقى.

стр. 3958

وحينئذ يعلمون ويوقنون مَنْ هُوَ من الفريقين شَرٌّ مَكاناً أى: أسوأ منزلا ومسكنا وَأَضْعَفُ جُنْداً وأضعف أعوانا وأنصارا. وهذه الجملة الكريمة رد على قول المشركين قبل ذلك: أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا. وقوله- تعالى-: وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً.. كلام مستأنف مسوق لبيان سنة الله- تعالى- التي لا تتخلف في المهتدين، بعد بيان سنته في الضالين. أى: ويزيد الله- تعالى- المهتدين إلى طريق الحق هداية على هدايتهم، بأن يثبتهم عليه، كما قال- سبحانه-: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ. وكما قال- : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ ... وقوله- تعالى-: وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا أى: والأعمال الباقيات الصالحات كالصلاة والزكاة والصيام والحج وغيرها من أعمال البر، خير عند ربك ثوابا وجزاء مما تمتع به الكفار في دنياهم من شهوات وَخَيْرٌ مَرَدًّا أى: مرجعا وعاقبة. وقال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف قيل: خير عند ربك ثوابا، كأن لمفاخراتهم ثوابا، حتى يجعل ثواب الصالحات خيرا منه؟. قلت: كأنه قيل: ثوابهم النار على طريقة قوله: تحية بينهم ضرب وجيع، ثم ينى عليه خير ثوابا، وفيه ضرب من التهكم الذي هو أغيظ للمتهدد من أن يقال له: عقابك النار.. «١» . والخلاصة أنه لا ثواب لهؤلاء الكافرين سوى النار، أما المؤمنون فثوابهم جنات تجرى من تحتها الأنهار. وقال بعض العلماء: «ويظهر لي في الآية جواب آخر أقرب من هذا، وهو أن الكافر يجازى بعمله الصالح في الدنيا، فإذا بر والديه، ونفس عن المكروب.. فإن الله يثيبه في الدنيا. فثوابه هذا الراجع إليه من عمله في الدنيا، هو الذي فضل عليه ثواب المؤمنين، وهذا واضح لا إشكال فيه» «٢» . وبذلك نرى الآيات الكريمة، قد حكت جانبا من تباهي الكافرين بدنياهم، وردت عليهم بما يخرس ألسنتهم.

стр. 3959

ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك لونا آخر من ألوان تبجحهم، وأقوالهم الباطلة، وردت عليها بأسلوب منطقي حكيم فقال- تعالى-: [سورة مريم (١٩) : الآيات ٧٧ الى ٨٠] أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالاً وَوَلَداً (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (٧٨) كَلاَّ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً (٨٠) ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات روايات منها ما أخرجه البخاري ومسلم عن خباب بن الأرت قال: جئت العاص بن وائل السهمي أتقاضاه حقا لي عنده، فقال لي: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد ﷺ فقلت له: لا، والله لا أكفر بمحمد ﷺ حيا ولا ميتا ولا إذا بعثت. فقال العاص: فإذا بعثت جئتني ولي هناك مال وولد فأعطيك حقك، فأنزل الله- تعالى- هذه الآيات. وفي رواية أن رجالا من أصحاب النبي ﷺ أتوا العاص يتقاضون دينا لهم عليه فقال: ألستم تزعمون أن في الجنة ذهبا وفضة وحريرا ومن كل الثمرات؟ قالوا: بلى. قال: «موعدكم الآخرة والله لأوتين مالا وولدا» «١» . والاستفهام في قوله- سبحانه- أَفَرَأَيْتَ.. للتعجيب من شأن هذا الكافر الجهول والفاء للعطف على مقدر يستدعيه المقام، والتقدير: أنظرت أيها العاقل فرأيت هذا الجاحد الجهول الذي كفر بآياتنا الدالة على وحدانيتنا، وعلى أن البعث حق، وعلى أن ما جاء به رسولنا ﷺ حق وصدق ... ولم يكتف بهذا الكفر، بل قال بكل تبجح، وإصرار على الباطل، واستهزاء بالدين الحق: والله لَأُوتَيَنَّ في الآخرة مالًا وَوَلَداً كما هو حالي في الدنيا. فأنت ترى أن هذا الكافر لم يكتف بكفره، بل أضاف إليه القول الباطل المصحوب بالقسم الكاذب، وبالتهكم بالدين الحق.

стр. 3960

وقرأ حمزة والكسائي: لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً- بضم الواو الثانية وسكون اللام-، وقرأ الباقون بفتحهما. قالوا: والقراءتان بمعنى واحد كالعرب والعرب. ويرى بعضهم الولد بالفتح للمفرد، والولد- بضم الواو وسكون اللام- للجمع. وقد رد الله- تعالى- على هذا المتبجح المغرور ردا حكيما ملزما فقال: أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً كَلَّا ... والاستفهام للإنكار والنفي، والأصل: أاطلع فحذفت همزة الوصل للتخفيف. والمعنى: إن قول هذا الجاهل إما أن يكون مستندا إلى اطلاعه على الغيب وعلمه بأن الله سيؤتيه في الآخرة مالا وولدا، وإما أن يكون مستندا إلى عهد أعطاه الله- تعالى- له بذلك. ومما لا شك فيه أن كلا الأمرين لم يتحققا بالنسبة له، فهو لم يطلع على الغيب، ولم يتخذ عند الله عهدا، فثبت كذبه وافتراؤه، ولذا كذبه الله- تعالى- بقوله كَلَّا وهو قول يفيد الزجر والردع والنفي. أى: كلا لم يطلع على الغيب، ولم يتخذ عند الرحمن عهدا. بل قال ذلك افتراء على الله. وقوله- سبحانه-: سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا. وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً بيان للمصير السيئ الذي سيصير إليه هذا الشقي وأمثاله، ونَمُدُّ من المد وأكثر ما يستعمل في المكروه. أى: سنسجل على هذا الكافر ما قاله، ونحاسبه عليه حسابا عسيرا، ونزيده عذابا فوق العذاب المعد له، بأن نضاعفه له ونطيله عليه وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ أى: ما يقول إنه يؤتاه يوم القيامة من المال والولد، بأن نسلبه منه، ونجعله يخرج من هذه الدنيا خالي الوفاض منهما، وليس معه في قبره سوى كفنه، وَيَأْتِينا فَرْداً أى: ويأتينا يوم القيامة بعد مبعثه منفردا بدون مال أو ولد أو خدم أو غير ذلك مما كان يتفاخر به في الدنيا هو وأشباهه من المغرورين الجاحدين. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف قيل: سنكتب بسين التسويف وهو كما قاله كتبه من غير تأخير قال- تعالى-: ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ؟. قلت: فيه وجهان: أحدهما: سنظهر له ونعلمه أنا كتبنا قوله على طريقة قول الشاعر: إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة ... ولم تجدى من أن تقرى بها بدا أى: تبين وعلم بالانتساب أنى لم تلدني لئيمة. والثاني: أن المتوعد يقول للجاني: سوف أنتقم منك، يعنى أنه لا يخل بالانتصار وإن

стр. 3961

تطاول به الزمان واستأخر، فجرد هاهنا لمعنى الوعيد.. «١» . ثم تسوق السورة الكريمة بعد ذلك ألوانا أخرى من رذائل المشركين، فتحكى اعتزازهم بأوثانهم، ونثبت عداوة هذه الأوثان لهم يوم القيامة، وتبشر المؤمنين برضا الله- تعالى- عنهم. وتنذر الكافرين بالسوق إلى جهنم.. قال- تعالى-: [سورة مريم (١٩) : الآيات ٨١ الى ٨٧] وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤) يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً (٨٦) لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (٨٧) والضمير في قوله: وَاتَّخَذُوا يعود إلى أولئك الكافرين الذين ذكر القرآن فيما سبق بعض رذائلهم ودعاواهم الكاذبة، ولما تنته بعد. أى: واتخذ هؤلاء الجاهلون آلهة باطلة يعبدونها من دون الله- تعالى- لتكون لهم تلك الآلهة عِزًّا أى- لينالوا بها العزة والشفاعة والنصرة والنجاة من عذاب يوم القيامة. فقد حكى القرآن أنهم كانوا إذا سئلوا عن سبب عبادتهم لهذه الأصنام التي لا تنفع ولا تضر قالوا: ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى وقالوا: هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ.... وقد رد الله- تعالى- عليهم بما يردعهم عن هذا الظن لو كانوا يعقلون فقال: كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا.

стр. 3962

وكَلَّا لفظ جيء به لزجرهم وردعهم عن هذا الاتخاذ الفاسد الباطل. أى: ليس الأمر كما توهم الجاهلون من أن أصنامهم ستكون لهم عزا، بل الحق أن هذه المعبودات الباطلة ستكون عدوة لهم. وقرينتهم في النار. وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ، وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ «١» . وقوله- سبحانه-: إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ، وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ، وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ «٢» . وأفرد- سبحانه- عِزًّا وضِدًّا مع أن المراد بهما الجمع. لأنهما مصدران ثم بين- أن هؤلاء الكافرين قد استحوذت عليهم الشياطين فزادتهم كفرا على كفرهم، فقال- تعالى-: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا. والاستفهام للتقرير والتأكد وتَؤُزُّهُمْ تحركهم تحريكا قويا. وتهزهم هزا شديدا، وتحرضهم على ارتكاب المعاصي والموبقات حتى يقعوا فيها. يقال: أز فلان الشيء يئزه ويؤزه.. بكسر الهمزة وضمها أزا، إذا حركه بشدة، وأز فلان فلانا، إذا أغراه وهيجه وحثه على فعل شيء معين، وأصله من أزت القدر تؤز أزيزا، إذا اشتد غليان الماء فيها. والمعنى: لقد علمت أنت وأتباعك أيها الرسول الكريم، أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين، وسلطانهم عليهم، وقيضناهم لهم، لكي يحضوهم على ارتكاب السيئات، ويحركوهم تحريكا شديدا نحو الموبقات حتى يقترفوها وينغمسوا فيها.. ومادام الأمر كذلك. فذرهم في طغيانهم يعمهون، ولا تتعجل وقوع العذاب بهم. فإن الله- تعالى- قد حدد- بمقتضى حكمته- وقتا معينا لنزول العذاب بهم. وقوله: إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا تعليل لموجب النهى ببيان أن وقت هلاكهم قد اقترب، إذ كل معدود له نهاية ينتهى عندها. قال القرطبي ما ملخصه: قوله: إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا يعنى الأيام والليالى والشهور

стр. 3963

والسنين إلى انتهاء أجل العذاب.. وقال الضحاك: نعد أنفاسهم وقال قطرب: نعد أعمالهم عدا. روى أن المأمون قرأ هذه السورة فمر بهذه الآية وعنده جماعة من الفقهاء فأشار برأسه إلى ابن السماك أن يعظه، فقال: إذا كانت الأنفاس بالعدد، ولم يكن لها مدد، فما أسرع ما تنفد، وقيل في هذا المعنى: حياتك أنفاس تعد فكلما ... مضى نفس منك انتقصت به جزءا يميتك ما يحييك في كل ليلة ... ويحدوك حاد ما يريد به الهزءا «١» وكان ابن عباس- رضى الله عنهما- إذا قرأ هذه الآية بكى وقال: آخر العدد: خروج نفسك. آخر العدد: فراق أهلك آخر العدد: دخول قبرك. ثم بين- سبحانه- عاقبة المتقين، وعاقبة المجرمين يوم القيامة فقال: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً ويَوْمَ ظرف منصوب بقوله: لا يَمْلِكُونَ ... أى: لا يملكون الشفاعة يوم نحشر المتقين.. ويجوز أن يكون منصوبا بفعل محذوف تقديره: اذكر أو احذر.. وقوله: وَفْداً جمع وافد. يقال: وفد فلان على فلان يفد وفدا ووفودا، إذا أقدم عليه، وفعله من باب وعد. ويطلق الوفد على الجمع من الرجال الذين يفدون على غيرهم لأمر من الأمور الهامة، وهم راكبون على دوابهم. وهذا الإطلاق هو المراد باللفظ هنا. والمعنى: واذكر- أيها العاقل- يوم القيامة، يوم نحشر المتقين إلى جنة الرحمن، ودار كرامته راكبين على مراكب تنشرح لها النفوس وتسر لها القلوب. قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه: يخبر الله- تعالى- عن أوليائه المتقين، الذين خافوه في الدار الدنيا، واتبعوا رسله وصدقوهم، أنه يحشرهم يوم القيامة وفدا إليه. والوفد هم القادمون ركبانا ومنه الوفود، وركوبهم على نجائب من نور من مراكب الدار الآخرة. وهم قادمون على خير موفود إليه، إلى دار كرامته ورضوانه. وقال ابن أبى حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج.. عن ابن مرزوق قال: يستقبل المؤمن عند خروجه من قبره أحسن صورة رآها، وأطيبها ريحا، فيقول: من أنت؟ فيقول: أما

стр. 3964

تعرفني؟ فيقول: لا، إلا أن الله- تعالى- طيب ريحك وحسن وجهك. فيقول: أنا عملك الصالح.. فهلم فاركبنى فذلك قوله: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً «١» . وقوله- تعالى-: وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً بيان لسوء عاقبة المجرمين بعد بيان ما أعده الله للمتقين من نعيم. ووِرْداً أى: عطاشا. وأصل الورد الإتيان إلى الماء بقصد الارتواء منه بعد العطش الشديد. أى: ونسوق المجرمين الذين ارتكبوا الجرائم في دنياهم، نسوقهم سوقا إلى جهنم كما تساق البهائم. حالة كونهم عطاشا، يبحثون عن الماء فلا يجدونه. والضمير في قوله- تعالى-: لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ.. يرى بعضهم أنه يعود إلى المجرمين في قوله نَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ ... أى: نسوق المجرمين إلى جهنم عطاشا، حالة كونهم لا يملكون الشفاعة لغيرهم، ولا يستحقون أن يشفع لهم غيرهم، لكن من اتخذ عند الرحمن عهدا وهم المؤمنون الصادقون فإنهم يملكونها بتمليك الله- تعالى- لهم إياها وإذنه لهم فيها، كما قال- تعالى-: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ.. وكما قال- سبحانه-: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى «٢» . وعلى هذا التفسير يكون الاستثناء منقطعا. قال القرطبي: «قوله- تعالى-: لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ أى: هؤلاء الكفار لا يملكون الشفاعة لأحد إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً وهم المسلمون فيملكونها، فهو استثناء الشيء من غير جنسه. أى: لكن من اتخذ عند الرحمن عهدا يشفع، فمن في موضع نصب على هذا ... ويرى آخرون أن الضمير في قوله: لا يَمْلِكُونَ ... يعود إلى فريقى المتقين والمجرمين. أى: لا يملك أحد من الفريقين يوم القيامة الشفاعة لأحد، ولا يملك غيرهم الشفاعة لهم، إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ منهم عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً وهم المؤمنون فإنهم يملكون بإذن الله لهم. والمراد بالعهد الأمر والإذن، يقال: عهد الأمير إلى فلان بكذا، إذا أمره به. أو أذن له في فعله.

стр. 3965

وعلى هذا يكون الاستثناء متصلا، ويكون لفظ مَنِ بدل من الواو في يَمْلِكُونَ. قال الآلوسى ما ملخصه: «قوله لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ ضمير الجمع يعم المتقين والمجرمين، أى: العباد مطلقا ... وقوله إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً استثناء متصل ... والمعنى: لا يملك العباد أن يشفعوا لغيرهم، إلا من اتصف منهم بما يستأهل معه أن يشفع وهو المراد بالعهد ... » «١» . ويبدو لنا أن هذا القول أولى، لشموله وعمومه إذ الكلام السابق في الفريقين جميعا، فريق المتقين وفريق المجرمين. ثم يستطرد السياق القرآنى، إلى حكاية أقوال أخرى، من أقوال الكافرين الباطلة، وهي زعمهم أن لله- تعالى- ولدا، فقال- سبحانه-: [سورة مريم (١٩) : الآيات ٨٨ الى ٩٥] وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (٨٩) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً (٩١) وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً (٩٣) لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً (٩٥) والضمير في قوله- تعالى-: وَقالُوا يشمل كل من تفوه بهذا القول الباطل سواء أكان من اليهود أم من النصارى أم من المشركين. وقوله: لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا توبيخ وتقريع من الله- تعالى- لهم على هذا القول المنكر. أى: لقد جئتم بقولكم هذا أيها الضالون شيئا فظيعا عجيبا منكرا تقشعر لهوله الأبدان.

стр. 3966

والإد والإدة- بكسر الهمزة- الأمر الفظيع والداهية الكبيرة. يقال: فلان أدته الداهية فهي تئده وتؤدة، إذا نزلت به وحطمت كيانه. وقوله- سبحانه-: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ ... في موضع الصفة لقوله إِدًّا. أى: لقد جئتم بقولكم هذا أمرا منكرا فظيعا، تكاد السموات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ أى: يتشققن من هوله، من التفطير بمعنى التشقيق، يقال: فلان فطر هذا الشيء يفطره- بكسر الطاء وضمها- إذا شقه. وقرأ حمزة وابن عامر ينفطرن من الانفطار وهو الانشقاق- أيضا-. وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ أى: وتتصدع الأرض من عظمه، وتنخسف بهؤلاء القائلين ذلك القول الفاسد، وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أى: وتسقط الجبال مهدودة- أيضا- من فظاعة هذا القول. يقال: هذا الجدار يهده- بضم الهاء- هدا: إذا هدمه. وقوله: أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً بمنزلة التعليل لما قبله مع تقدير لام التعليل المحذوفة. أى: تكاد السموات يتفطرن والأرض تتشقق، والجبال تنهد، لأن هؤلاء الضالين قد زعموا أن الله- تعالى- ولدا، والحال أنه ما يصح وما يليق أن يتخذ الرحمن ولدا، لأنه- سبحانه- غنى عن العالمين. قال صاحب الكشاف ما ملخصه: «إن قلت: ما معنى هذا التأثر من أجل هذه الكلمة؟. قلت: فيه وجهان: أحدهما أن الله- سبحانه- يقول: كدت أفعل هذا بالسموات والأرض والجبال عند وجود هذه الكلمة غضبا منى على من تفوه بها.. لولا أنى لا أعجل بالعقوبة ... والثاني: أن يكون استعظاما للكلمة، وتهويلا من فظاعتها وتصويرا لأثرها في الدين، وهدمها لأركانه وقواعده، وأن مثال ذلك الأثر في المحسوسات: أن يصيب هذه الأجرام العظيمة التي هي قوام العالم: ما تنفطر منه وتنشق وتخر..» «١» . وقال الإمام القرطبي: «نفى عن نفسه- الولد، لأن الولد يقتضى الجنسية والحدوث.. ولا يليق به ذلك، ولا يوصف به، ولا يجوز في حقه ...

стр. 3967

وروى البخاري عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : يقول الله- ﵎ كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياى فقوله: لن يعيدني كما بدأنى. وليس أول الخلق بأهون على من إعادته. وأما شتمه إياى فقوله: اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد. لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد» «١» . ثم بين- سبحانه- أن جميع المخلوقات خاضعة لقدرته وإرادته وعلمه فقال: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً.... وإِنْ نافية بمعنى ما، أى: ما من أحد من أهل السموات والأرض إلا وهو يأتى يوم القيامة مقرا له- سبحانه- بالعبودية، خاضعا لقدرته، معترفا بطاعته. مقرا بأنه عبد من مخلوقاته. ومن كان كذلك فكيف يكون له ولد؟ وصدق الله إذ يقول: بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ، وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ «٢» . ثم أكد- سبحانه- أنه هو المالك لكل شيء، والعليم بكل شيء فقال: لَقَدْ أَحْصاهُمْ. أى: حصرهم وأحاط بهم، بحيث لا يخرج أحد من مخلوقاته عن علمه وطاعته وَعَدَّهُمْ عَدًّا أى: وعد أشخاصهم وذواتهم وحركاتهم وسكناتهم.. بحيث لا يهربون من قبضته، ولا يخفى عليه أحد منهم.. وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً أى: وكل واحد يأتيه- سبحانه- يوم القيامة منفردا، بدون أهل أو مال أو جاه ... أو غير ذلك مما كانوا يتفاخرون به في الدنيا. وبذلك تكون الآيات الكريمة قد ردت أبلغ رد وأحكمه. على أولئك الضالين الذين زعموا أن الله ولدا. ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة ببيان ما أعده لعباده المؤمنين وببيان بعض الخصائص التي جعلها لكتابه الكريم.. فقال- تعالى-:

стр. 3968

[سورة مريم (١٩) : الآيات ٩٦ الى ٩٨] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (٩٦) فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا (٩٧) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً (٩٨) أى: إن الذين أمنوا بالله- تعالى- حق الإيمان، وعملوا الأعمال الصالحات سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ في دنياهم وفي آخرتهم وُدًّا أى: سيجعل لهم محبة ومودة في القلوب، لإيمانهم وعملهم الصالح، يقال: ود فلان فلانا، إذا أحبه وأخلص له المودة. روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله- تعالى- إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال: يا جبريل إنى أحب فلانا فأحبه. قال: فيحبه جبريل. ثم ينادى في أهل السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه. قال: فيحبه أهل السماء. ثم يوضع له القبول في الأرض، وإن الله إذا أبغض عبدا دعا جبريل فقال: يا جبريل إنى أبغض فلانا فأبغضه. قال: فيبغضه جبريل ثم ينادى في أهل السماء إن الله يبغض فلانا فأبغضوه. قال: فيبغضه أهل السماء، ثم توضع له البغضاء في الأرض» «١» . ثم بين- سبحانه- الحكمة التي من أجلها جعل القرآن ميسرا في حفظه وفهمه فقال: فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ، وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا. أى: إننا أنزلنا هذا القرآن على قلبك- أيها الرسول الكريم- وجعلناه بلسانك العربي المبين، وسهلنا حفظه وفهمه على الناس، لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ الذين امتثلوا أمرنا واجتنبوا نهينا وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا أى: ذوى لدد وشدة في الخصومة بالباطل، وهم مشركو قريش فقوله لُدًّا جمع ألد ومنه قوله- تعالى-: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ «٢» أى أشد الناس خصومة وجدلا. وشبيه بهذه الآية الكريمة قوله- تعالى-: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ «٣» .

стр. 3969

وقوله- سبحانه-: فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ «١» . ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بهذه الآية التي تخبر عن سنة من سننه في الظالمين فقال: وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً. أى: وكثير من القرى الظالمة التي سبقتك- أيها الرسول الكريم- قد أهلكناها وأبدناها وجعلناها خاوية على عروشها. والاستفهام في قوله هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ للنفي: أى: ما تحس منهم أحدا ولا ترى منها ديارا. يقال: أحس الرجل الشيء إحساسا، إذا علمه وشعر به. وقوله أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً معطوف على ما قبله، والركز. الصوت الخفى. ومنه قولهم: ركز فلان رمحه، إذا غيب طرفه وأخفاه في الأرض. ومنه الركاز للمال المدفون في الأرض. والمعنى: أهلكنا كثيرا من القرى الظالمة الماضية، فأصبحت لا ترى منهم أحدا على الإطلاق، ولا تسمع لهم صوتا حتى ولو كان صوتا خافتا ضعيفا وإنما هم في سكون عميق، وصمت رهيب، بعد أن كانوا فوق هذه الأرض يدبون ويتحركون. وهذه سنتنا التي لا تتخلف في الظالمين. نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ نعوذ بالله- تعالى- من ذلك. وبعد: فهذا تفسير لسورة مريم، نسأل الله- تعالى- أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. المؤلف د. محمد سيد طنطاوى

стр. 3970

تفسير سورة طه

стр. 3971

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدّمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، ومن والاه. أما بعد: فهذا تفسير لسورة «طه» يأتى في أعقاب تفاسير أخرى، لسور أخرى ... أسأل الله- تعالى- أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، ونافعا لعباده. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. المؤلف د. محمد سيد طنطاوى

стр. 3972

تعريف بسورة طه ١- سورة «طه» من السور المكية. وكان ترتيبها في النزول بعد سورة مريم. قال الآلوسى: «وتسمى- أيضا- بسورة الكليم.. وآياتها- كما قال الداني- مائة وأربعون آية عند الشاميين ومائة وخمس وثلاثون عند الكوفيين، ومائة وأربع وثلاثون عند الحجازيين» «١» . وقال القرطبي: «سورة طه- ﵇ مكية في قول الجميع، نزلت قبل إسلام عمر- رضى الله عنه-، فقد قيل له: إن ختنك وأختك قد صبوا- أى: دخلا في الإسلام- فأتاهما وعندهما رجل من المهاجرين.. يقال له: خباب وكانوا يقرءون «طه» ..» «٢» . ٢- وقد افتتحت السورة الكريمة بخطاب النبي ﷺ وببيان وظيفته، وببيان سمو منزلة القرآن الكريم: الذي أنزله عليه ربه الذي له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى. قال- تعالى-: طه. ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى. إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى. تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى. الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى.... ٣- ثم فصلت السورة الكريمة الحديث عن قصة موسى- ﵇ فبدأت بنداء الله- تعالى- له، وباختياره لحمل رسالته. ثم تحدثت عن تكليفه- سبحانه- لموسى، بالذهاب إلى فرعون. قال- تعالى-: اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي. وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي. وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي. يَفْقَهُوا قَوْلِي. وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي. هارُونَ أَخِي. اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي. وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي. ٤- ثم حكت السورة ما دار بين موسى وبين فرعون من مناقشات ومجادلات، وكذلك ما دار بين موسى وبين السحرة الذين جمعهم فرعون لمنازلة موسى- ﵇ وكيف أن السحرة انتهى أمرهم بالإيمان، وبقولهم لفرعون: لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ

стр. 3973

وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا. إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا، وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ، وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى. ٥- ثم بينت السورة الكريمة ما فعله بنو إسرائيل في غيبة موسى عنهم، وكيف أن السامري قد أضلهم بأن جعلهم يعبدون عجلا له خوار ... وكيف أن موسى رجع إليهم غضبان أسفا.. فحطم العجل وأحرقه وألقاه في اليم وهو يقول: إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً. ٦- وبعد أن فصلت السورة الكريمة الحديث عن قصة موسى- ﵇ عقبت على ذلك ببيان وظيفة القرآن الكريم، وببيان جانب من أهوال يوم القيامة، وسوء عاقبة الكافرين، وحسن عاقبة المؤمنين. قال- تعالى-: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً. وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً. ٧- ثم ساقت السورة في أواخرها جانبا من قصة آدم، فذكرت سجود الملائكة له، ونسيانه لأمر ربه، وقبول الله- تعالى- لتوبة آدم بعد أن وسوس له الشيطان بما وسوس.. قال- تعالى-: وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً. وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى. فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى. ٨- ثم ختمت السورة الكريمة بأمر النبي ﷺ بالصبر وبالإكثار من ذكر الله- تعالى- وبعدم التطلع إلى زهرة الحياة الدنيا، وبأمر أهله بالصلاة. وبالرد على مزاعم المشركين، وبتهديدهم بسوء العاقبة إذا ما استمروا على ضلالهم.. قال- تعالى-: قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا، فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى. ٩- هذا عرض إجمالى لأهم المقاصد التي اشتملت عليها سورة طه. ومن هذا العرض نرى: أن القصة قد أخذت جانبا كبيرا منها. وكذلك الحديث عن القرآن الكريم وعن يوم القيامة، وعن أحوال الناس فيه.. قد تكرر فيها بأسلوب يهدى للتي هي أقوم.. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 3974

التفسير قال الله- تعالى-: [سورة طه (٢٠) : الآيات ١ الى ٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ طه (١) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى (٢) إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى (٣) تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى (٤) الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (٥) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى (٦) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى (٧) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (٨) افتتحت السورة الكريمة بلفظ طه، وهذا اللفظ أظهر الأقوال فيه أنه من الحروف المقطعة التي افتتحت بها بعض سور القرآن الكريم. وقد بينا بشيء من التفصيل عند تفسيرنا لسور: البقرة، وآل عمران، والأعراف، ويونس ... آراء العلماء في المقصود بهذه الحروف. وقلنا ما خلاصته: لعل أقرب الأقوال إلى الصواب، أن هذه الحروف المقطعة قد وردت في افتتاح بعض سور القرآن الكريم، على سبيل الإيقاظ والتنبيه والتعجيز لمن عارضوا في كون القرآن من عند الله- تعالى-، أو في كونه معجزة للنبي ﷺ دالة على صدقه فيما يبلغه عن ربه. وقيل: إن هذا اللفظ بمعنى يا رجل في لغة بعض قبائل العرب ... وقيل: إنه اسم للرسول ﷺ أو للسورة.. إلى غير ذلك من الأقوال التي رأينا أن نضرب عنها صفحا لضعفها «١» .

стр. 3975

وقوله- سبحانه-: ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى. إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى. استئناف مسوق لتسلية الرسول ﷺ عما أصابه من المشركين، والشقاء يأتى في اللغة بمعنى التعب والعناء، ومنه المثل القائل «أشقى من رائض مهر» أى: أتعب. ومنه قول أبى الطيب المتنبي: ذو العقل يشقى في النعيم بعقله ... وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم أى: ما أنزلنا عليك القرآن- أيها الرسول الكريم- لكي تتعب وتجهد نفسك هما وغما بسبب إعراض المشركين عن دعوتك، كما قال- تعالى-: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً. وإنما أنزلناه إليك لتسعد بنزوله، ولتبلغ آياته، ثم بعد ذلك من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، فأنت عليك البلاغ ونحن علينا الحساب. ومنهم من يرى أن المقصود بالآية النهى عن المغالاة في العبادة، فقد أثر عنه ﷺ أنه قام الليل حتى تورمت قدماه فيكون المعنى: ما أنزلنا عليك القرآن لكي تهلك نفسك بالعبادة، وتذيقها ألوان المشقة والتعب، فإن الله- تعالى- يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، وما جعل عليكم في الدين من حرج. ومنهم من يرى أن الآية مسوقة للرد على المشركين، الذين قالوا: ما أنزل هذا القران على محمد ﷺ إلا ليشقى، فيكون المراد بالشقاء ما هو ضد السعادة. قال القرطبي ما ملخصه: «وأصل الشقاء في اللغة العناء والتعب، أى: ما أنزلنا عليك القرآن لتتعب، بسبب فرط تأسفك عليهم وعلى كفرهم.. أى: ما عليك إلا أن تبلغ وتنذر.. وروى أن أبا جهل والنضر بن الحارث قالا للنبي ﷺ إنك لشقى لأنك تركت دين آبائك، فأريد الرد على ذلك بأن دين الإسلام، وهذا القرآن هو السلم إلى نيل كل فوز، والسبب في درك كل سعادة، وما فيه الكفرة هو الشقاوة بعينها. وروى أنه- ﵊ صلى بالليل حتى اسمغدّت قدماه- أى: تورمت- فقال له جبريل: أبق على نفسك فإن لها عليك حقا، أى: ما أنزلنا عليك القرآن لتنهك نفسك في العبادة، وتذيقها المشقة الفادحة، وما بعثت إلا بالحنيفية السمحة.. «١» . ويبدو لنا أن الآية الكريمة وإن كانت تتسع لهذه المعاني الثلاثة، إلا أن المعنى الأول

стр. 3976

أظهرها، وأقربها إلى سياق الآيات الكريمة، فإن قوله- تعالى- بعد ذلك: إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى بيان للحكمة التي من أجلها أنزل الله- تعالى- هذا القرآن. أى: ما أنزلنا عليك يا محمد هذا القرآن لتتعب من فرط تأسفك على كفر الكافرين، وإنما أنزلناه من أجل أن يكون تَذْكِرَةً أى موعظة تلين لها قلوب من يخشى عقابنا، ويخاف عذابنا، ويرجو ثوابنا. وما دام الأمر كذلك فامض في طريقك، وبلغ رسالة ربك، ثم بعد ذلك لا تتعب نفسك بسبب كفر الكافرين، فإنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء. وخص- سبحانه- التذكرة بمن يخشى دون غيره، لأن الخائف من عذاب الله- تعالى- هو وحده الذي ينتفع بهدايات القرآن الكريم وآدابه وتوجيهاته وأحكامه ووعده ووعيده.. كما قال- تعالى-: فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ وكما قال- سبحانه-: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها أى: الساعة. ثم بين- سبحانه- مصدر القرآن الذي أنزله- تعالى- للسعادة لا للشقاء فقال: تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى. وقوله تَنْزِيلًا منصوب بفعل مضمر دل عليه قوله ما أَنْزَلْنا ... أى: نزل هذا القرآن تنزيلا ممن خلق الأرض التي تعيشون عليها، وممن خلق السموات العلى، أى: المرتفعة. جمع العليا ككبرى وكبر، وصغرى وصغر. ثم مدح- سبحانه- ذاته بقوله: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى أى: الرحمن- استوى على عرش ملكه استواء يليق بذاته بلا كيف أو تشبيه، أو تمثيل. قال الإمام مالك: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وقد ذكر لفظ العرش في إحدى وعشرين آية من آيات القرآن الكريم. قال بعض العلماء: «أما الاستواء على العرش فذهب سلف الأمة- ومنهم الأئمة الأربعة- إلى أنه صفة لله- تعالى- بلا كيف ولا انحصار ولا تشبيه ولا تمثيل لاستحالة اتصافه- تعالى- بصفات المحدثين، ولوجوب تنزيهه- تعالى- عما لا يليق به: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ وأنه يجب الإيمان بها كما وردت، وتفويض العلم بحقيقتها إليه- تعالى-.. «١» .

стр. 3977

ثم أكد- سبحانه- شمول ملكه وقدرته فقال: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ من كائنات وموجودات ملكا وتصرفا وإحياء وإماتة، وله ما بَيْنَهُما من مخلوقات لا يعلمها إلا هو وله ما تَحْتَ الثَّرى والثرى: هو التراب الندى. يقال: ثريت الأرض- كرضيت- إذا نديت ولانت بعد أن كانت جدباء يابسة. والمقصود: وله- سبحانه- بجانب ما في السموات وما في الأرض وما بينهما، ما وراء الثرى وهو تخوم الأرض وطبقاتها إلى نهايتها. وخص- سبحانه- ما تحت الثرى بالذكر، مع أنه داخل في قوله: وَما فِي الْأَرْضِ لزيادة التقرير، ولتأكيد شمول ملكيته- سبحانه- لكل شيء. وقوله- سبحانه-: وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى بيان لشمول علمه بكل شيء، بعد بيان شمول قدرته. والجهر بالقول: رفع الصوت به. والسر: ما حدث به الإنسان غيره بصورة خفية. وأخفى أفعل تفضيل وتنكيره للمبالغة في الخفاء. والمعنى: وإن تجهر- أيها الرسول- بالقول في دعائك أو في مخاطبتك لربك، فربك- غنى عن ذلك، فإنه يعلم ما يحدث به الإنسان غيره سرا، ويعلم أيضا ما هو أخفى من ذلك وهو ما يحدث به الإنسان نفسه دون أن يطلع عليه أحد من الخلق. قال- تعالى-: وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ. أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ «١» . وقال- سبحانه-: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ «٢» . ومنهم من يرى أن لفظ أَخْفى فعل ماض. فيكون المعنى: وإن تجهر بالقول في ذكر أو دعاء فلا تجهد نفسك بذلك فإنه- تعالى- يعلم السر الذي يكون بين اثنين، ويعلم ما أخفاه- سبحانه- عن عباده من غيوب لا يعلمها إلا هو، ويعلم ما سيفعله الإنسان من أعمال في المستقبل، قبل أن يعلم هذا الإنسان أنه سيفعلها. قال الجمل: وقوله: أَخْفى جوزوا فيه وجهين: أحدهما: أنه أفعل تفضيل. أى: وأخفى من السر. والثاني: أنه فعل ماض. أى: وأخفى الله من عباده غيبه، كقوله:

стр. 3978

وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً «١» . ثم أثنى- سبحانه- على ذاته بما هو أهل له فقال: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى. أى: هو الله- تعالى- وحده الذي يجب أن يخلص الخلق له العبادة والطاعة ولا أحد غيره يستحق ذلك، وهو صاحب الأسماء الْحُسْنى أى: الفضلى والعظمى، لدلالتها على معاني التقديس والتمجيد والتعظيم والنهاية في السمو والكمال. وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : «إن لله تسعة وتسعين اسما، من أحصاها دخل الجنة» . قال- تعالى-: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها، وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ «٢» . وقال- سبحانه-: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى.. «٣» . ثم ساقت السورة الكريمة بشيء من التفصيل جانبا من قصة موسى، التي تعتبر أكثر قصص الأنبياء ورودا في القرآن الكريم، حيث جاء الحديث عنها في سور: البقرة، والمائدة. والأعراف. ويونس. والإسراء، والكهف، والشعراء، والقصص. وقد بدأت السورة حديثها عن قصة موسى ببيان اختيار الله- تعالى- له لحمل رسالته، وتبليغ دعوته قال- تعالى-: [سورة طه (٢٠) : الآيات ٩ الى ١٦] وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (٩) إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً (١٠) فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى (١٥) فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى (١٦)

стр. 3979

قال ابن كثير- ﵀: «من هاهنا شرع- ﵎ في ذكر قصة موسى، وكيف كان ابتداء الوحى إليه وتكليمه إياه، وذلك بعد ما قضى موسى الأجل الذي كان بينه وبين صهره في رعاية الغنم وسار بأهله، قيل: قاصدا بلاد مصر بعد ما طالت الغيبة عنها أكثر من عشر سنين، ومعه زوجته فأضل الطريق، وكانت ليلة شاتية، ونزل منزلا بين شعاب وجبال، في برد وشتاء، وسحاب وظلال وضباب، وجعل يقدح بزند معه ليورى نارا، كما جرت العادة به، فجعل لا يقدح شيئا، ولا يخرج منه شرر ولا شيء، فبينما هو كذلك، إذ آنس من جانب الطور نارا. أى: ظهرت له نار من جانب الجبل الذي هناك عن يمينه، فقال لأهله يبشرهم: ... امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أى: شهاب من نار.. «١» . والاستفهام في قوله- سبحانه-: وَهَلْ أَتاكَ.. لتقرير الخبر وتثبيته، وهذا أبلغ عن مجيئه بصورة الخبر المجرد. لأن في الاستفهام التقريرى تطلع واشتياق لمعرفة الخبر. والجملة الكريمة مستأنفة لتأكيد ما سبق الحديث عنه من وحدانية الله- تعالى- ولتسلية الرسول ﷺ عما أصابه من قومه. ببيان جانب من جهاد أخيه موسى- ﵇. والمعنى: لقد أتاك- أيها الرسول الكريم- خبر أخيك موسى، وقت أن رأى نارا وهو عائد ليلا من مدين إلى مصر فَقالَ لِأَهْلِهِ أى لامرأته ومن معها امْكُثُوا أى: أقيموا في مكانكم ولا تبرحوه حتى أعود إليكم. وجملة إِنِّي آنَسْتُ ناراً تعليل للأمر بالمكوث، وآنست من الإيناس بمعنى الإبصار

стр. 3980

الواضح الجلى. أى: إنى أبصرت إبصارا بينا لا شبهة فيه نارا على مقربة منى، فامكثوا في أماكنكم لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ. والقبس: الشعلة التي تؤخذ من النار في طرف عود أو نحوه. ووزنه فعل- بفتح العين- بمعنى مفعول أى: لعلى آتيكم من هذه النار بشعلة مقتبسة منها، ومأخوذة عنها. وقوله: أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً معطوف على ما قبله. أى: امكثوا في مكانكم حتى أذهب إلى النار التي شاهدتها، لعلى آتيكم منها بشعلة، أو أجد عندها هاديا يهديني الى الطريق الذي أسلكه لكي أصل إلى المكان الذي أريده. فقوله هُدىً مصدر بمعنى اسم الفاعل أى: هاديا. وقد دلت آية أخرى على أن موسى قد ذهب إلى النار ليأتى منها بما يدفئ أهله من البرد. وهذه الآية هي قوله- تعالى-: فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً. قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً، لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ «١» . ثم بين- سبحانه- ما حدث لموسى بعد أن اقترب من النار فقال: فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً. أى: فلما أتى موسى- ﵇ إلى النار، واقترب منها.. نُودِيَ من قبل الله- يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ الذي خلقك فسواك فعدلك.. فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ تعظيما لأمرنا. وتأدبا في حضرتنا. وقوله إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً تعليل للأمر بخلع النعل، أى: أزل نعليك من رجليك لأنك الآن موجود بالوادي الْمُقَدَّسِ أى: المطهر المبارك، المسمى طوى: فهو عطف بيان من الوادي. وَأَنَا اخْتَرْتُكَ أى: اصطفيتك من بين أفراد قومك لحمل رسالتي، وتبليغ دعوتي فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى إليك منى، ونفذ ما آمرك به. إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا مستحق للعبادة والطاعة والخضوع فَاعْبُدْنِي عبادة خالصة لوجهي. وَأَقِمِ الصَّلاةَ التي هي من أشرف العبادات، وأفضل الطاعات لِذِكْرِي أى:

стр. 3981

وأدم إقامة الصلاة بخشوع وإخلاص، ليشتد تذكرك لي. واتصالك بي، وذلك لأن الصلاة مشتملة على الكثير من الأذكار التي فيها الثناء على ذاتى وصفاتي. أو المعنى: وأدم الصلاة لذكرى خاصة، بحيث تكون خالصة لوجهي، ولا رياء فيها لأحد. قال الآلوسى ما ملخصه: قوله: لِذِكْرِي الظاهر أنه متعلق بأقم، أى: أقم الصلاة لذكرى فيها لاشتمالها على الأذكار. وقيل: المراد أقم الصلاة لذكرى خاصة لا ترائى بها ولا تشوبها بذكر غيرى.. أو لكي أذكرك بالثناء وأثيبك بها. أو لذكرى إياها في الكتب السماوية وأمرى بها. أو لأوقات ذكرى وهي مواقيت الصلاة. فاللام وقتية بمعنى عند مثلها في قوله- تعالى- يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي. ومن الناس من حمل الذكر على ذكر الصلاة بعد نسيانها. والمراد: أقم الصلاة عند تذكرها.. ففي الحديث الصحيح: «من نام عن صلاة أو نسيها. فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك..» «١» . وخص- سبحانه- الصلاة بالذكر مع أنها داخلة في العبادة المأمور بها في قوله فَاعْبُدْنِي على سبيل التشريف والتكريم، إذ الصلاة أكمل وسيلة توصل الإنسان إلى مداومة ذكر الله- تعالى- وخشيته، لاشتمالها على ألوان متعددة من صور العبادة والطاعة، إذ فيها قراءة للقرآن الكريم، وفيها الصلاة على النبي ﷺ وفيها تسبيح الله وتمجيده. ثم بين- سبحانه- أن الساعة آتية لا ريب فيها فقال: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى. أى: إن الساعة التي هي وقت البعث والحساب والثواب والعقاب، آتية أى: كائنة وحاصلة لا شك فيها. وقوله أَكادُ أُخْفِيها أى: أقرب أن أخفى وقتها ولا أظهره لا إجمالا ولا تفصيلا، ولولا أن في إطلاع أصفيائى على بعض علاماتها فائدة، لما تحدثت عنها. قالوا: «والحكمة في إخفاء الساعة وإخفاء وقت الموت، أن الله- تعالى- وعد بعدم قبول التوبة عند قربهما، فلو عرف وقت الموت لاشتغل الإنسان بالمعصية إلى قرب ذلك الوقت ثم يتوب، فيتخلص من عقاب المعصية فتعريف الموت كالإغراء بفعل المعصية، وهو لا

стр. 3982

يجوز «١» . قال الآلوسى ما ملخصه: وقوله: أَكادُ أُخْفِيها أقرب أن أخفى الساعة ولا أظهرها، بأن أقول إنها آتية.. أو أريد إخفاء وقتها المعين وعدم إظهاره.. فكاد بمعنى أراد، وإلى هذا ذهب الأخفش وغيره.. وروى عن ابن عباس أن المعنى: أكاد أخفيها من نفسي، فكيف أظهركم عليها.. وهذا محمول على ما جرت به عادة العرب من أن أحدهم إذا أراد المبالغة في كتمان الشيء قال: كدت أخفيه عن نفسي. وقال أبو على: المعنى أكاد أظهرها بأن أوقعها، وهذا بناء على أن أخفيها من ألفاظ السلب بمعنى أزيل خفاءها.. «٢» . ويبدو لنا أن الإخفاء هنا على حقيقته، وأن المقصود من الآية الكريمة إخفاء وقت مجيء الساعة عن الناس. حتى يكونوا على استعداد لمجيئها عن طريق العمل الصالح الذي ينفعهم يوم القيامة. فحكمة الله- تعالى- اقتضت إخفاء وقت الساعة، وعدم إطلاع أحد عليها إلا بالمقدار الذي يأذن الله- تعالى- به لرسله. قال الإمام ابن جرير ما ملخصه: «والذي هو أولى بتأويل الآية من القول: قول من قال معناه: أكاد أخفيها من نفسي.. لأن المعروف من معنى الإخفاء في كلام العرب: الستر. يقال: قد أخفيت الشيء إذا سترته.. وإنما اخترنا هذا القول على غيره لموافقته أقوال أهل العلم من الصحابة والتابعين.. «٣» . وقوله: لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى متعلق بآتية، وجملة أَكادُ أُخْفِيها معترضة بينهما. أى: إن الساعة آنية لا ريب فيها، لكي تجزى كل نفس على حسب سعيها وعملها في الدنيا. قال- تعالى-: وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ، فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً «٤» . وقال- سبحانه-: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ. ثم حذر- سبحانه- من عدم الاستعداد للساعة. ومن الشك في إتيانها فقال:

стр. 3983

فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها أى: فلا يصرفنك عن الإيمان بها، وعن العمل الصالح الذي ينفعك عند مجيئها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها من الكافرين والفاسقين وَاتَّبَعَ هَواهُ في إنكارها وفي تكذيب ما يكون فيها من ثواب أو عقاب فَتَرْدى أى: فتهلك، إن أنت أطعت هذا الذي لا يؤمن بها. يقال: ردى فلان- كرضى- إذا هلك، وأرداه غيره إذا أهلكه. فالآية الكريمة تحذير شديد من اتباع المنكرين لقيام الساعة والمعرضين عن الاستعداد لها، بعد أن أكد- سبحانه- في آيات كثيرة أن الساعة آتية لا ريب فيها. قال- تعالى-: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ، وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى، وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ «١» . وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة قد أثبتت وحدانية الله- تعالى- كما في قوله: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا كما أثبتت وجوب التوجه إليه وحده بالعبادة كما في قوله- سبحانه-: فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي. كما أثبتت أن يوم القيامة لا شك في إتيانه في الوقت الذي يريده الله- تعالى- كما قال- : إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ.... ثم بين- سبحانه- بعض التوجيهات والأوامر التي وجهها- إلى نبيه موسى- ﵇ كما حكى ما التمسه موسى من خالقه- تعالى- فقال: [سورة طه (٢٠) : الآيات ١٧ الى ٣٥] وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (١٧) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى (١٨) قالَ أَلْقِها يا مُوسى (١٩) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (٢٠) قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى (٢١) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى (٢٣) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٢٤) قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (٢٩) هارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً (٣٥)

стр. 3984

الاستفهام في قوله- تعالى-: وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى للتقرير، لأن الله- تعالى- عالم بما في يمين موسى، فالمقصود من هذا السؤال اعتراف موسى وإقراره بأن ما في يده إنما هي عصا فيزداد بعد ذلك يقينه بقدرة الله- تعالى- عند ما يرى العصا التي بيمينه قد انقلبت حية تسعى. قال صاحب الكشاف: إنما سأله- سبحانه- ليريه عظم ما يخترعه- عز وعلا- في الخشبة اليابسة من قلبها حية نضاضة- أى تحرك لسانها في فمها-، وليقرر في نفسه المباينة البعيدة بين المقلوب عنه، والمقلوب إليه، وينبهه على قدرته الباهرة. ونظيره أن يريك الزراد زبرة من حديد- أى قطعة من حديد- ويقول لك: ما هي؟ فتقول: زبرة حديد. ثم يريك بعد أيام لبوسا مسردا فيقول لك: هي تلك الزبرة صيرتها إلى ما ترى من عجيب الصنعة، وأنيق السرد.. «١» . والآية الكريمة: شروع في بيان ما كلف الله- تعالى- به عبده موسى- ﵇ من الأمور المتعلقة بالخلق، إثر حكاية ما أمر- سبحانه- به موسى من إخلاص العبادة له، والإيمان بالساعة وما فيها من حساب وثواب وعقاب. والمعنى: وأى شيء بيدك اليمنى يا موسى؟ فأجاب موسى بقوله- كما حكى القرآن عنه قالَ هِيَ عَصايَ أى: الشيء الذي بيميني هو عصاي.. ونسبها إلى نفسه لزيادة التحقق والتثبت من أنها خاصة به وكائنة بيده اليمنى. ثم بين وظيفتها فقال: أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها أى: أعتمد عليها لتساعدنى في حال السير وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي أى: وأضرب بها الشجر اليابس ليسقط، ورقة فترعاه أغنامى. يقال هش فلان الشجرة بالعصا- من باب رد- فهو يهشها هشا، إذا ضربها بعصاه أو بما يشبهها ليتساقط ورقها. ومفعول أهش محذوف. أى: وأهش بها الشجر والورق.

стр. 3985

وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى والمآرب: جمع مأربة- بتثليث الراء- بمعنى حاجة. تقول: لا أرب لي في هذا الشيء، أى: لا حاجة لي فيه. أى: ولي في هذه العصا حاجات أخرى، ومنافع غير التي ذكرتها. وقد كان يكفى موسى- ﵇ في الجواب أن يقول: هي عصاي، ولكنه أضاف إلى ذلك أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي.. لأن المقام يستدعى البسط والإطالة في الكلام، إذ هو مقام حديث العبد مع خالقه، والحبيب مع حبيبه. وأجمل في قوله: وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى إما حياء من الله- تعالى- لطول الكلام في الجواب، وإما رجاء أن يسأل عن هذه المآرب المجملة، فيجيب عنها بالتفصيل تلذذا في الخطاب. قال القرطبي: وفي هذه الآية دليل على جواب السؤال بأكثر مما سئل، لأنه لما قال: وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى ذكر معاني أربعة وهي: إضافة العصا إليه، وكان حقه أن يقول عصا، والتوكؤ، والهش، والمآرب المطلقة. فذكر موسى من منافع عصاه معظمها. وفي الحديث: سئل النبي ﷺ عن ماء البحر فقال: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» وسألته امرأة عن الصغير حين رفعته إليه فقالت: ألهذا حج؟ قال: «نعم ولك أجر» «١» . وقال الإمام ابن كثير عند تفسيره لقوله وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى: وقد تكلف بعضهم لذكر شيء من تلك المآرب التي أبهمت، فقيل: كانت تضيء له بالليل، وتحرس له الغنم إذا نام، ويغرسها فتصير شجرة تظلله، وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة. والظاهر أنها لم تكن كذلك، ولو كانت كذلك لما استنكر موسى صيرورتها ثعبانا، ولما فر منها هاربا، ولكن كل ذلك من الأخبار الإسرائيلية «٢» . وقوله- سبحانه-: قالَ أَلْقِها يا مُوسى جملة مستأنفة جواب عن سؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا قال الله- تعالى- لموسى بعد ذلك؟. فكان الجواب: قال- سبحانه- لموسى: اطرح يا موسى هذه العصا التي بيمينك لترى ما يكون بعد ذلك. فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى. أى: فامتثل موسى أمر ربه، فألقاها على الأرض، ونظر إليها فإذا هي قد تحولت بقدرة الله- تعالى- إلى «حية» - أى ثعبان عظيم- «تسعى» ، أى: تمشى على الأرض

стр. 3986

بسرعة وخفة حركة ووصفها- سبحانه- هنا بأنها حَيَّةٌ تَسْعى، ووصفها في سورة الشعراء بأنها ثُعْبانٌ مُبِينٌ «١» ووصفها في سورة النمل بأنها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ «٢» . ولا تنافى بين هذه الأوصاف، لأن الحية اسم جنس يطلق على الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والثعبان: هو العظيم منها، والجان: هو الحية الصغيرة الجسم، السريعة الحركة. وقد صرحت بعض الآيات أن موسى- ﵇ عند ما رأى عصاه قد تحولت إلى ذلك، ولى مدبرا ولم يعقب. قال- تعالى-: وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ ... ولكن الله- تعالى- ثبت فؤاده، وطمأن نفسه: قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ أى: خذ هذه الحية التي تحولت عصاك إليها ولا تخف منها، كما هو الشأن في الطبائع البشرية، فإنا سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى أى: سنعيد هذه الحية إلى هيئتها الأولى التي كانت عليها قبل أن تصير حية تسعى، وهي أن نعيدها بقدرتنا التي لا بعجزها شيء إلى عصا كما كانت من قبل. فالجملة الكريمة مسوقة لتعليل وجوب الامتثال للأمر وعدم الخوف، أى: خذها ولا تخف منها، فإن هذه الحية سنرجعها عصا كما كانت من قبل. وقوله- تعالى- سِيرَتَهَا فعلة من السّير، وهي الحالة والهيئة التي يكون عليها الإنسان، وهو منصوب بنزع الخافض. أى: سنعيدها إلى هيئتها وحالتها الأولى. قالوا: ومن الحكم التي من أجلها حول الله- تعالى- العصا إلى حية تسعى: توطين قلب موسى- ﵇ على ذلك، حتى لا يضطرب إذا ما تحولت إلى ثعبان عظيم عند ما يلقيها أمام فرعون وقومه. فقد جرت عادة الإنسان أن يقل اضطرابه من الشيء العجيب الغريب بعد رؤيته له لأول مرة. ثم وجه- سبحانه- أمرا آخر إلى عبده موسى فقال: وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى. والضم: الجمع. يقال: ضم فلان أصابعه إذا جمعها. والجناح، يطلق على العضد وعلى الجنب، وعلى الإبط. وأصله جناح الطائر وسمى بذلك لأنه يجنحه، أى: يميله عند الطيران، ثم توسع فيه فأطلق على العضد وغيره.

стр. 3987

والمراد باليد هنا: كف يده اليمنى. والسوء: الرديء والقبيح من كل شيء، وكنى به هنا عن البرص لشدة قبحه. والمعنى: واضمم- يا موسى- يدك اليمنى الى عضد يدك اليسرى بأن تجعلها تحته عند الإبط. ثم أخرجها فإنها تخرج بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ أى: تخرج منيرة مشرقة واضحة البياض دون أن يعلق بها أى سوء من برص أو مرض أو غيرهما، وإنما يكون بياضها بياضا مشرقا بقدرة الله- تعالى- وإرادته. قال الحسن البصري: أخرجها- والله- كأنها مصباح، فعلم موسى أنه قد لقى ربه- تعالى-. وقوله: تَخْرُجْ بَيْضاءَ ... جواب الأمر وهو قوله: وَاضْمُمْ يَدَكَ. وقوله: مِنْ غَيْرِ سُوءٍ احتراس لدفع توهم أن يكون بياضها بسبب مرض أو أذى، وهو متعلق بتخرج. وقوله: آيَةً أُخْرى أى: معجزة أخرى غير معجزة العصا التي سبق أن منحناها لك. كما قال- تعالى: وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ «١» . وقوله: لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى، تعليل لمحذوف، أى: فعلنا ما فعلنا من إعطائك معجزة العصا ومعجزة اليد، لنريك بهاتين المعجزتين بعض معجزاتنا الكبرى، الدالة على عظيم قدرتنا، وانفرادنا بالربوبية والأولوهية. ثم صرح- سبحانه- بالمقصود من إعطاء موسى هاتين المعجزتين العظيمتين فقال: اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى أى: اذهب يا موسى ومعك هاتان المعجزتان، فادعه إلى عبادتي وحدي، ومره فليحسن إلى بنى إسرائيل ولا يعذبهم، وانهه عن التجبر والظلم، فإنه قد طغى وبغى وتجاوز حدود الحق والعدل، وزعم للناس أنه ربهم الأعلى. وهنا التمس موسى- ﵇ العون من خالقه، لكي يتسنى له أداء ما كلفه به فقال: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي أى: أسألك يا إلهى أن توسع صدري بنور الإيمان والنبوة، وأن تجعله يتقبل تكاليفك بسرور وارتياح. وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي أى: وسهل لي ما أمرتنى به، فإنك إن لم تحطنى بهذا التيسير، فلا

стр. 3988

طاقة لي بحمل أعباء هذه الرسالة. قال صاحب الكشاف: «لما أمره بالذهاب إلى فرعون الطاغي- لعنه الله- عرف أنه كلف أمرا عظيما، وخطبا جسيما يحتاج معه إلى احتمال مالا يحتمله إلا ذو جأش رابط، وصدر فسيح، فاستوهب ربه أن يشرح صدره، ويفسح قلبه، ويجعله حليما حمولا يستقبل ما عسى يرد عليه من الشدائد التي يذهب معها صبر الصابر.. وأن يسهل عليه في الجملة أمره الذي هو خلافة الله في أرضه، وما يصحبها من مزاولة معاظم الشئون، ومقاساة جلائل الخطوب. «١» . وقوله: وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي دعاء ثالث تضرع به إلى خالقه- تعالى- أى: وأسألك يا رب أن تحل عقدة من لساني حتى يفهم الناس قولي لهم، وحديثي معهم، فهما يتأتى منه المقصود، فمن للتبعيض، أى: واحلل عقده كائنة من عقده. وقد روى أنه كان بلسانه حبسة، والأرجح أن هذا هو الذي عناه، ويؤيده قوله- تعالى- في آية أخرى: وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي، إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ «٢» . قال ابن كثير: «ذلك لما كان أصابه من اللثغ، حين عرض عليه- فرعون- التمرة والجمرة، فأخذ الجمرة فوضعها على لسانه.. وما سأل أن يزول ذلك بالكلية، بل حيث يزول العي، ويحصل لهم فهم ما يريد منه وهو قدر الحاجة ولو سأل الجميع لزال، ولكن الأنبياء لا يسألون إلا بقدر الحاجة، ولهذا بقيت بقية. قال الحسن البصري: سأل موسى ربه أن يحل عقدة واحدة من لسانه، ولو سأل أكثر من ذلك لأعطى «٣» . وقوله- سبحانه-: وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي دعاء آخر تضرع به إلى ربه في أمر خارجى عنه، بعد أن دعاه في أمر يتعلق بصدره ولسانه. وقوله: وَزِيراً من الموازرة وهي المعاونة. يقال: وازرت فلانا موازرة، إذا أعنته على أمره. أو من الوزر- بفتح الواو والزاى- وهو الملجأ الذي يعتصم به الإنسان لينجو من الهلاك. أى: وأسألك- يا إلهى- أن تجعل لي «وزيرا» أى: معينا وظهيرا من أهلى في إبلاغ

стр. 3989

رسالتك، وهذا الوزير والمعين هو أخى هارون، الذي أسألك أن تقوى به ظهري، وأن تجعله شريكا لي في تبليغ رسالتك، حتى نؤديها على الوجه الأكمل وكأن موسى- ﵇ قد علم من نفسه حدة الطبع، وسرعة الانفعال، فالتجأ إلى ربه لكي يعينه بأخيه هارون، ليقويه ويتشاور معه في الأمر الجليل الذي هو مقدم عليه، وهو تبليغ رسالة الله إلى فرعون الذي طغى وبغى وقال لقومه أنا ربكم الأعلى. قال ابن عباس: نبئ هارون ساعتئذ حين نبئ موسى. وقوله: كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً تعليل للدعوات الصالحات التي تضرع بها موسى إلى ربه- تعالى-. أى: أجب- يا إلهى- دعائي بأن تشرح صدري.. وتشد بأخى هارون أزرى، كي نسبحك تسبيحا كثيرا، ونذكرك ذكرا كثيرا، إنك- سبحانك- كنت وما زلت بنا بصيرا، لا يخفى عليك شيء من أمرنا أو من أمر خلقك، فأنت المطلع على حالنا وعلى ضعفنا، وأنت العليم بحاجتنا إليك وإلى عونك ورعايتك. بهذه الدعوات الخاشعات ابتهل موسى إلى ربه، وأطال الابتهال في بسط حاجته، وكشف ضعفه.. فماذا كانت النتيجة؟. لقد كانت النتيجة أن أجاب الله له دعاءه، وحقق له مطالبه، وذكره ببعض مننه عليه فقال- تعالى-:. [سورة طه (٢٠) : الآيات ٣٦ الى ٤١] قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى (٣٦) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي (٣٩) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى (٤٠) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١)

стр. 3990

قوله- سبحانه-: قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى حكاية لما رد الله- تعالى- به على نبيه موسى- ﵇ بعد أن تضرع إليه بتلك الدعوات النافعات. والسؤال هنا بمعنى المسئول، كالأكل بمعنى المأكول. قال الآلوسى: «والإيتاء: عبارة عن تعلق إرادته- تعالى- بوقوع تلك المطالب وحصولها له- ﵇ ألبتة، وتقديره- تعالى- إياها حتما، فكلها حاصلة له- ﵇ وإن كان وقوع بعضها بالفعل مرتبا بعد، كتيسير الأمر، وشد الأزر.. «١» . أى: قال الله- تعالى- لموسى بعد أن ابتهل إليه- سبحانه- بما ابتهل: لقد أجبنا دعاءك يا موسى، وأعطيناك ما سألتنا إياه، فطب نفسا وقر عينا. وقوله- تعالى-: وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى تذكير منه- سبحانه- لموسى، بجانب من النعم التي أنعم بها عليه، حتى يزداد ثباتا وثقة بوعد الله- تعالى- ولذا صدرت الجملة بالقسم. أى: وبعزتي وجلالي لقد مننا عليك، وأحسنا إليك مَرَّةً أُخْرى قبل ذلك، ومنحناك من رعايتنا قبل أن تلتمس منا أن نشرح لك صدرك، وأن نيسر لك أمرك ... ثم فصل- سبحانه- هذه المنن التي امتن بها على عبده موسى، فذكر ثمانية منها: أما أول هذا المنن فتتمثل في قوله- تعالى-: إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى. وإِذْ ظرف لقوله مَنَنَّا والإيحاء: الإعلام في خفاء.. وإيحاء الله- تعالى- إلى أم موسى كان عن طريق الإلهام أو المنام أو غيرهما. قال صاحب الكشاف: «الوحى إلى أم موسى: إما أن يكون على لسان نبي في وقتها، كقوله- تعالى-: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أو يبعث إليها ملكا لا على وجه النبوة كما بعث إلى مريم. أو يريها ذلك في المنام فتتنبه عليه أو يلهمها كقوله- تعالى-: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ.

стр. 3991

أى: أوحينا إليها أمرا لا سبيل إلى التوصل إليه، ولا إلى العلم به، إلا بالوحي «١» . والمعنى: ولقد مننا عليك يا موسى مرة أخرى، وقت أن أوحينا إلى أمك بما أوحينا من أمر عظيم الشأن، يتعلق بنجاتك من بطش فرعون. فالتعبير بالموصول في قوله: ما يُوحى للتعظيم والتهويل، كما في قوله- تعالى- فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى. ثم وضح- سبحانه- ما أوحاه إلى أم موسى فقال: أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ، فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ، يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ ... وأَنِ في قوله أَنِ اقْذِفِيهِ مفسرة، لأن الإيحاء فيه معنى القول دون حروفه. والمراد بالقذف هنا: الوضع، والمراد به في قوله فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ الإلقاء في البحر وهو نيل مصر. والتابوت: الصندوق الذي يوضع فيه الشيء. والمعنى: لقد كان من رعايتنا لك يا موسى أن أوحينا إلى أمك عند ما خافت عليك القتل: أن ضعى ابنك في التابوت، ثم بعد ذلك اقذفيه بالتابوت في البحر، ويأمرنا وقدرتنا يلقى اليم بالتابوت على شاطئ البحر وساحله، وفي هذه الحالة يأخذه عدو لي وعدو له، وهو فرعون الذي طغى وقال لقومه أنا ربكم الأعلى. والضمائر كلها تعود إلى موسى- ﵇ وقيل إن الضمير في قوله فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ. وفي قوله فَلْيُلْقِهِ يعود إلى التابوت، والأول أرجح، لأن تفريق الضمائر هنا لا داعي له، بل الذي يقتضيه بلاغة القرآن الكريم، عودة الضمائر إلى موسى- ﵇ قال بعض العلماء: وصيغة الأمر في قوله فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ فيها وجهان معروفان عند العلماء. أحدهما: أن صيغة الأمر معناها الخير: قال أبو حيان في البحر: وقوله فَلْيُلْقِهِ أمر معناه الخبر، وجاء بصيغة الأمر مبالغة، إذ الأمر أقطع الأفعال وأوجبها. الثاني: أن صيغة الأمر في قوله فَلْيُلْقِهِ أريد بها الأمر الكونى القدري كقوله: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فالبحر لا بد أن يلقيه بالساحل، لأن الله

стр. 3992

- تعالى- أمره بذلك كونا وقدرا.. «١» . وقوله يَأْخُذْهُ مجزوم في جواب الطلب وهو قوله فَلْيُلْقِهِ ... إذ أنه على الوجه الأول يكون الطلب باعتبار لفظه وصيغته. وقوله- سبحانه- وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي بيان للمنة الثانية. قال الآلوسى: وكلمة «منى» متعلقة بمحذوف وقع صفة لمحذوف، مؤكدة لما في تنكيرها من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية. أى: وألقيت عليك محبة عظيمة كائنة منى- لا من غيرى- قد زرعتها في القلوب، فكل من رآك أحبك «٢» . ولقد كان من آثار هذه المحبة: عطف امرأة فرعون عليه، وطلبها منه عدم قتله، وطلبها منه كذلك أن يتخذه ولدا. وكان من آثار هذه المحبة أن يعيش موسى في صغره معززا مكرما في بيت فرعون مع أنه في المستقبل سيكون عدوا له. وهكذا رعاية الله- تعالى- ومحبته لموسى جعلته يعيش بين قوى الشر والطغيان آمنا مطمئنا. قال ابن عباس: أحب الله- تعالى- موسى، وحببه إلى خلقه. وقوله- تعالى-: وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي بيان للمنة الثالثة ... أى: أوحيت إلى أمك بما أوحيت من أجل مصلحتك ومنفعتك وألقيت عليك محبة منى، ليحبك الناس، ولتصنع على عيني. أى: ولتربى وأنت محاط بالحنو والشفقة تحت رعايتى وعنايتي وعيني، كما يراعى الإنسان بعينه من يحبه ويهتم بأمره. وهذا ما حدث لموسى فعلا، فقد عاش في طفولته تحت عين فرعون، وهو عدو لله- تعالى- ومع ذلك لم تستطع عين فرعون أن تمتد بسوء إلى موسى، لأن عين الله- تعالى- كانت ترعاه وتحميه من بطش فرعون وشيعته. فالجملة الكريمة فيها من الرفق بموسى- ﵇ ومن الرعاية له، ما يعجز القلم عن وصفه. وكيف يستطيع القلم وصف حال إنسان قال الله في شأنه: وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي. قال صاحب الكشاف: أى: ولتربى ويحسن إليك وأنا مراعيك ومراقبك كما يراعى الرجل

стр. 3993

الشيء بعينه إذا اعتنى به، وتقول للصانع اصنع هذا على عيني إنى أنظر إليك لئلا تخالف به عن مرادى وبغيتي. وقوله: وَلِتُصْنَعَ معطوف على علة مضمرة مثل: ليتعطف عليك.. أو حذف معلله أى: ولتصنع على عيني فعلت ذلك «١» . ثم بين- سبحانه- المنة الرابعة على موسى فقال: إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ، فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ.... وكان ذلك بعد أن التقط آل فرعون موسى من فوق الشاطئ، وبعد أن امتنع عن الرضاعة من أى امرأة سوى أمه. أى: وكان من مظاهر إلقاء محبتي عليك، ورعايتى لك، أن أختك بعد أن أمرتها أمك بمعرفة خبرك، سارت في طرقات مصر فأبصرتك في بيت فرعون وأنت تمتنع عن الرضاعة من أى امرأة، فقالت أختك لفعون وامرأته هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ. أى: ألا تريدون أن أرشدكم إلى امرأة يقبل هذا الطفل الرضاعة منها، وتحفظه وترعاه، والفاء في قوله: فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ هي الفصيحة. أى: التي تفصح عن كلام مقدر. والمعنى: بعد أن قالت أختك لفرعون وامرأته: هل أدلكم على من يكفله. أجابوها بقولهم: دلينا عليها، فجاءت بأمك فرجعناك إليها كي تسر برجوعك، ويمتلئ قلبها فرحا بلقائها بك بعد أن ألقتك في اليم، ولا تحزن بسبب فراقك عنها. ثم حكى- سبحانه- المنة الخامسة فقال: وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وكان ذلك عند ما استنصر به رجل من قومه على رجل من أعدائه. أى: وقتلت نفسا هي نفس القبطي، عند ما استعان بك عليه الإسرائيلى فنجيناك من الغم الذي نزل بك بسبب هذا القتل. قال الآلوسى: وقد حل له هذا الغم من وجهين: خوف عقاب الله- تعالى- حيث لم يقع القتل بأمره- سبحانه- وخوف القصاص، وقد نجاه الله من ذلك بالمغفرة حين قال: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ وبالمهاجرة إلى مدين. والغم في الأصل: ستر الشيء، ومنه الغمام لستره ضوء الشمس. ويقال: لما يغم القلب بسبب خوف أو فوات مقصود.. «٢» .

стр. 3994

وقوله- : وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً بيان للمنة السادسة التي امتن الله- تعالى- بها على موسى- ﵇. والفتون: جمع فتن كالظنون جمع ظن. والفتن: الاختبار والابتلاء تقول: فتنت الذهب بالنار، أى: أدخلته فيها لتعلم جودته من رداءته. والمعنى: واختبرناك وابتليناك- يا موسى- بألوان من الفتن والمحن. ونظم- سبحانه- هذا الفتن والاختبار في سلك المنن، باعتبار أن الله- تعالى- ابتلاه بالفتن ثم نجاه منها، ونجاه من شرورها. وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية حديثا طويلا سماه بحديث الفتون، ذكر فيه قصة مولد موسى، وإلقائه في اليم، وتربيته في بيت فرعون، وقتله للقبطي، وهروبه إلى مدين، وعودته منها إلى مصر. وتكليف الله- تعالى- له بالذهاب الى فرعون، ودعوته إلى عبادة الله وحده.. إلخ «١» . وقوله- تعالى-: فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى أى: فلبثت عشر سنين في قرية أهل مدين، تعمل كأجير عند الرجل الصالح. ثم جئت بعد ذلك إلى المكان الذي ناديتك فيه عَلى قَدَرٍ أى على وفق الوقت الذي قدرناه لمجيئك، وحددناه لتكليمك واستنبائك، دون أن تتقدم أو تتأخر، لأن كل شيء عندنا محدد ومقدر بوقت لا يتخلف عنه. قال- تعالى-: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ وقال- سبحانه-: وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ وقال- : وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً. ثم حكى- سبحانه- المنة الثامنة: فقال: وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي أى: وجعلتك محل صنيعتي وإحسانى، حيث اخترتك واصطفيتك لحمل رسالتي وتبليغها إلى فرعون وقومه، وإلى قومك بنى إسرائيل. فالآية الكريمة تكريم عظيم لموسى- ﵇ اختاره الله- تعالى- واجتباه من بين خلقه لحمل رسالته إلى فرعون وبنى إسرائيل. هذه ثماني منن ساقها الله- تعالى- هنا مجملة، وقد ساقها- سبحانه- في سورة القصص بصورة أكثر تفصيلا، ومن ذلك قوله- تعالى-: وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ

стр. 3995

الْمُرْسَلِينَ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ «١» . وبعد أن ذكر- سبحانه- بعض المنن التي امتن بها على نبيه موسى- ﵇ أتبع ذلك بذكر بعض التوجيهات التي أمره بفعلها، حيث كلفه بتبليغ الدعوة إلى فرعون، فقال- تعالى-: [سورة طه (٢٠) : الآيات ٤٢ الى ٤٨] اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي (٤٢) اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٤٣) فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى (٤٤) قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى (٤٥) قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى (٤٦) فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى (٤٧) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨) وقوله- سبحانه- وَلا تَنِيا فعل مضارع مصدره الونى- بفتح الواو وسكون النون- بمعنى الضعف والفتور والتراخي في الأمر. يقال: ونى فلان في الأمر ينى ونيا- كوعد يعد وعدا- إذا ضعف وتراخى في فعله. وقوله: أَخُوكَ فاعل لفعل محذوف. أى: وليذهب معك أخوك. والمراد بالآيات: المعجزات الدالة على صدق موسى- ﵇، وعلى رأسها عصاه التي ألقاها فإذا هي حية تسعى، ويده التي ضمها إلى جناحه فخرجت بيضاء من غير سوء.
следующие страницы →