أى: أوحينا إليها أمرا لا سبيل إلى التوصل إليه، ولا إلى العلم به، إلا بالوحي «١» .
والمعنى: ولقد مننا عليك يا موسى مرة أخرى، وقت أن أوحينا إلى أمك بما أوحينا من أمر عظيم الشأن، يتعلق بنجاتك من بطش فرعون.
فالتعبير بالموصول في قوله: ما يُوحى للتعظيم والتهويل، كما في قوله- تعالى- فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى.
ثم وضح- سبحانه- ما أوحاه إلى أم موسى فقال: أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ، فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ، يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ ...
وأَنِ في قوله أَنِ اقْذِفِيهِ مفسرة، لأن الإيحاء فيه معنى القول دون حروفه.
والمراد بالقذف هنا: الوضع، والمراد به في قوله فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ الإلقاء في البحر وهو نيل مصر.
والتابوت: الصندوق الذي يوضع فيه الشيء.
والمعنى: لقد كان من رعايتنا لك يا موسى أن أوحينا إلى أمك عند ما خافت عليك القتل:
أن ضعى ابنك في التابوت، ثم بعد ذلك اقذفيه بالتابوت في البحر، ويأمرنا وقدرتنا يلقى اليم بالتابوت على شاطئ البحر وساحله، وفي هذه الحالة يأخذه عدو لي وعدو له، وهو فرعون الذي طغى وقال لقومه أنا ربكم الأعلى.
والضمائر كلها تعود إلى موسى- ﵇ وقيل إن الضمير في قوله فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ.
وفي قوله فَلْيُلْقِهِ يعود إلى التابوت، والأول أرجح، لأن تفريق الضمائر هنا لا داعي له، بل الذي يقتضيه بلاغة القرآن الكريم، عودة الضمائر إلى موسى- ﵇ قال بعض العلماء: وصيغة الأمر في قوله فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ فيها وجهان معروفان عند العلماء.
أحدهما: أن صيغة الأمر معناها الخير: قال أبو حيان في البحر: وقوله فَلْيُلْقِهِ أمر معناه الخبر، وجاء بصيغة الأمر مبالغة، إذ الأمر أقطع الأفعال وأوجبها.
الثاني: أن صيغة الأمر في قوله فَلْيُلْقِهِ أريد بها الأمر الكونى القدري كقوله: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فالبحر لا بد أن يلقيه بالساحل، لأن الله
стр. 3992
- تعالى- أمره بذلك كونا وقدرا.. «١» .
وقوله يَأْخُذْهُ مجزوم في جواب الطلب وهو قوله فَلْيُلْقِهِ ... إذ أنه على الوجه الأول يكون الطلب باعتبار لفظه وصيغته.
وقوله- سبحانه- وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي بيان للمنة الثانية.
قال الآلوسى: وكلمة «منى» متعلقة بمحذوف وقع صفة لمحذوف، مؤكدة لما في تنكيرها من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية. أى: وألقيت عليك محبة عظيمة كائنة منى- لا من غيرى- قد زرعتها في القلوب، فكل من رآك أحبك «٢» .
ولقد كان من آثار هذه المحبة: عطف امرأة فرعون عليه، وطلبها منه عدم قتله، وطلبها منه كذلك أن يتخذه ولدا.
وكان من آثار هذه المحبة أن يعيش موسى في صغره معززا مكرما في بيت فرعون مع أنه في المستقبل سيكون عدوا له.
وهكذا رعاية الله- تعالى- ومحبته لموسى جعلته يعيش بين قوى الشر والطغيان آمنا مطمئنا.
قال ابن عباس: أحب الله- تعالى- موسى، وحببه إلى خلقه.
وقوله- تعالى-: وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي بيان للمنة الثالثة ...
أى: أوحيت إلى أمك بما أوحيت من أجل مصلحتك ومنفعتك وألقيت عليك محبة منى، ليحبك الناس، ولتصنع على عيني. أى: ولتربى وأنت محاط بالحنو والشفقة تحت رعايتى وعنايتي وعيني، كما يراعى الإنسان بعينه من يحبه ويهتم بأمره.
وهذا ما حدث لموسى فعلا، فقد عاش في طفولته تحت عين فرعون، وهو عدو لله- تعالى- ومع ذلك لم تستطع عين فرعون أن تمتد بسوء إلى موسى، لأن عين الله- تعالى- كانت ترعاه وتحميه من بطش فرعون وشيعته.
فالجملة الكريمة فيها من الرفق بموسى- ﵇ ومن الرعاية له، ما يعجز القلم عن وصفه.
وكيف يستطيع القلم وصف حال إنسان قال الله في شأنه: وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي.
قال صاحب الكشاف: أى: ولتربى ويحسن إليك وأنا مراعيك ومراقبك كما يراعى الرجل
стр. 3993
الشيء بعينه إذا اعتنى به، وتقول للصانع اصنع هذا على عيني إنى أنظر إليك لئلا تخالف به عن مرادى وبغيتي.
وقوله: وَلِتُصْنَعَ معطوف على علة مضمرة مثل: ليتعطف عليك.. أو حذف معلله أى: ولتصنع على عيني فعلت ذلك «١» .
ثم بين- سبحانه- المنة الرابعة على موسى فقال: إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ، فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ....
وكان ذلك بعد أن التقط آل فرعون موسى من فوق الشاطئ، وبعد أن امتنع عن الرضاعة من أى امرأة سوى أمه.
أى: وكان من مظاهر إلقاء محبتي عليك، ورعايتى لك، أن أختك بعد أن أمرتها أمك بمعرفة خبرك، سارت في طرقات مصر فأبصرتك في بيت فرعون وأنت تمتنع عن الرضاعة من أى امرأة، فقالت أختك لفعون وامرأته هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ.
أى: ألا تريدون أن أرشدكم إلى امرأة يقبل هذا الطفل الرضاعة منها، وتحفظه وترعاه، والفاء في قوله: فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ هي الفصيحة. أى: التي تفصح عن كلام مقدر.
والمعنى: بعد أن قالت أختك لفرعون وامرأته: هل أدلكم على من يكفله. أجابوها بقولهم: دلينا عليها، فجاءت بأمك فرجعناك إليها كي تسر برجوعك، ويمتلئ قلبها فرحا بلقائها بك بعد أن ألقتك في اليم، ولا تحزن بسبب فراقك عنها.
ثم حكى- سبحانه- المنة الخامسة فقال: وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وكان ذلك عند ما استنصر به رجل من قومه على رجل من أعدائه.
أى: وقتلت نفسا هي نفس القبطي، عند ما استعان بك عليه الإسرائيلى فنجيناك من الغم الذي نزل بك بسبب هذا القتل.
قال الآلوسى: وقد حل له هذا الغم من وجهين: خوف عقاب الله- تعالى- حيث لم يقع القتل بأمره- سبحانه- وخوف القصاص، وقد نجاه الله من ذلك بالمغفرة حين قال:
رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ وبالمهاجرة إلى مدين.
والغم في الأصل: ستر الشيء، ومنه الغمام لستره ضوء الشمس. ويقال: لما يغم القلب بسبب خوف أو فوات مقصود.. «٢» .
стр. 3994
وقوله- : وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً بيان للمنة السادسة التي امتن الله- تعالى- بها على موسى- ﵇.
والفتون: جمع فتن كالظنون جمع ظن. والفتن: الاختبار والابتلاء تقول: فتنت الذهب بالنار، أى: أدخلته فيها لتعلم جودته من رداءته.
والمعنى: واختبرناك وابتليناك- يا موسى- بألوان من الفتن والمحن.
ونظم- سبحانه- هذا الفتن والاختبار في سلك المنن، باعتبار أن الله- تعالى- ابتلاه بالفتن ثم نجاه منها، ونجاه من شرورها.
وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية حديثا طويلا سماه بحديث الفتون، ذكر فيه قصة مولد موسى، وإلقائه في اليم، وتربيته في بيت فرعون، وقتله للقبطي، وهروبه إلى مدين، وعودته منها إلى مصر. وتكليف الله- تعالى- له بالذهاب الى فرعون، ودعوته إلى عبادة الله وحده.. إلخ «١» .
وقوله- تعالى-: فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى أى:
فلبثت عشر سنين في قرية أهل مدين، تعمل كأجير عند الرجل الصالح. ثم جئت بعد ذلك إلى المكان الذي ناديتك فيه عَلى قَدَرٍ أى على وفق الوقت الذي قدرناه لمجيئك، وحددناه لتكليمك واستنبائك، دون أن تتقدم أو تتأخر، لأن كل شيء عندنا محدد ومقدر بوقت لا يتخلف عنه.
قال- تعالى-: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ وقال- سبحانه-: وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ وقال- : وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً.
ثم حكى- سبحانه- المنة الثامنة: فقال: وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي أى: وجعلتك محل صنيعتي وإحسانى، حيث اخترتك واصطفيتك لحمل رسالتي وتبليغها إلى فرعون وقومه، وإلى قومك بنى إسرائيل.
فالآية الكريمة تكريم عظيم لموسى- ﵇ اختاره الله- تعالى- واجتباه من بين خلقه لحمل رسالته إلى فرعون وبنى إسرائيل.
هذه ثماني منن ساقها الله- تعالى- هنا مجملة، وقد ساقها- سبحانه- في سورة القصص بصورة أكثر تفصيلا، ومن ذلك قوله- تعالى-: وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ
стр. 3995
الْمُرْسَلِينَ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ «١» .
وبعد أن ذكر- سبحانه- بعض المنن التي امتن بها على نبيه موسى- ﵇ أتبع ذلك بذكر بعض التوجيهات التي أمره بفعلها، حيث كلفه بتبليغ الدعوة إلى فرعون، فقال- تعالى-:
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٤٢ الى ٤٨]
اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي (٤٢) اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٤٣) فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى (٤٤) قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى (٤٥) قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى (٤٦)
فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى (٤٧) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨)
وقوله- سبحانه- وَلا تَنِيا فعل مضارع مصدره الونى- بفتح الواو وسكون النون- بمعنى الضعف والفتور والتراخي في الأمر.
يقال: ونى فلان في الأمر ينى ونيا- كوعد يعد وعدا- إذا ضعف وتراخى في فعله.
وقوله: أَخُوكَ فاعل لفعل محذوف. أى: وليذهب معك أخوك.
والمراد بالآيات: المعجزات الدالة على صدق موسى- ﵇، وعلى رأسها عصاه التي ألقاها فإذا هي حية تسعى، ويده التي ضمها إلى جناحه فخرجت بيضاء من غير سوء.
стр. 3996
والمعنى: اذهب يا موسى أنت وأخوك إلى حيث آمركما متسلحين بآياتى ومعجزاتي، ولا تضعفا أو تتراخيا في ذكرى وتسبيحي وتقديسي بما يليق بذاتى وصفاتي من العبادات والقربات.
فإن ذكركما لي هو عدتكما وسلاحكما وسندكما في كل أمر تقدمان عليه.
فالآية الكريمة تدعو موسى وهارون، كما تدعو كل مسلم في كل زمان ومكان إلى المداومة على ذكر الله- تعالى- في كل موطن، بقوة لا ضعف معها وبعزيمة صادقة لا فتور فيها ولا كلال.
وقد مدح- سبحانه- المداومين على تسبيحه وتحميده وتقديسه في كل أحوالهم فقال:
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ «١» .
قال صاحب الكشاف: قوله وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي الونى: الفتور والتقصير. أى لا تنسيانى ولا أزال منكما على ذكر حيث تقلبتما، واتخذا ذكرى جناحا تصيران به مستمدين بذلك العون والتأييد منى، معتقدين أن أمرا من الأمور لا يتمشى لأحد إلا بذكرى. ويجوز أن يريد بالذكر تبليغ الرسالة، فإن الذكر يقع على سائر العبادات، وتبليغ الرسالة من أجلها وأعظمها فكان جديرا بأن يطلق عليه اسم الذكر.. «٢» .
وقال ابن كثير: والمراد بقوله وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي أنهما لا يفتران في ذكر الله، بل يذكران الله في حال مواجهة فرعون، ليكون ذكر الله عونا لهما عليه، وقوة لهما. وسلطانا كاسرا له، كما جاء في الحديث «إن عبدى كل عبدى الذي يذكرني وهو مناجز قرنه» «٣» .
ثم أرشدهما- سبحانه- إلى الوجهة التي يتوجهان إليها فقال: اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى.
أى: اذهبا إلى فرعون لتبلغاه دعوتي، ولتأمراه بعبادتي، فإنه قد طغى وتجاوز حدوده، وأفسد في الأرض، وقال لقومه: أنا ربكم الأعلى. وقال لهم- أيضا- ما علمت لكم من إله غيرى.
قال الجمل: وقوله: اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ جمعهما في صيغة أمر الحاضر مع أن هارون لم يكن حاضرا محل المناجاة بل كان في ذلك الوقت بمصر- للتغليب فغلب الحاضر على غيره، وكذا الحال في صيغة النهى. أى: قوله وَلا تَنِيا روى أنه- تعالى- أوحى إلى هارون
стр. 3997
وهو بمصر أن يتلقى موسى- ﵇ وقيل: سمع بإقباله فتلقاه.. «١» .
وقوله- تعالى-: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى إرشاد منه- سبحانه- إلى الطريقة التي ينبغي لهما أن يسلكاها في مخاطبة فرعون.
أى: اذهبا إليه، وادعواه إلى ترك ما هو فيه من كفر وطغيان، وخاطباه بالقول اللين، وبالكلام الرقيق. فإن الكلام السهل اللطيف من شأنه أن يكسر حدة الغضب، وأن يوقظ القلب للتذكر، وأن يحمله على الخشية من سوء عاقبة الكفر والطغيان.
وهذا القول اللين الذي أمرهما الله- تعالى- به هنا قد جاء ما يفسره في آيات أخرى، وهي قوله- تعالى-: اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى. فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى، وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى ...
فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد اشتملت على ألطف أساليب المخاطبة وأرقها وألينها وأحكمها.
قال ابن كثير: قوله فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً ... هذه الآية فيها عبرة عظيمة، وهي أن فرعون كان في غاية العتو والاستكبار، وموسى كان صفوة الله من خلقه إذ ذاك، ومع هذا أمر أن لا يخاطب فرعون إلا بالملاطفة واللين كما قال يزيد الوقاشى عند قراءته لهذه الآية: يا من يتحبب إلى من يعاديه، فكيف بمن يتولاه ويناديه؟.
والحاصل أن دعوتهما له تكون بكلام رقيق لين قريب سهل، ليكون أوقع في النفوس وأبلغ وأنجع، كما قال- تعالى-: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.. «٢» .
والترجي في قوله- تعالى-: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى على بابه إلا أنه يعود إلى موسى وهارون.
أى: اذهبا إليه، وإلينا له القول، وباشرا الأمر معه مباشرة من يرجو ويطمع في نجاح سعيه، وحسن نتيجة قوله.
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: والترجي لهما أى: اذهبا على رجائكما وطمعكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو أن يثمر عمله فهو يجتهد بطوقه، ويحتشد- أى- يستعد ويتأهب- بأقصى وسعه، وجدوى إرسالهما إليه مع العلم أنه لن يؤمن، إلزام الحجة،
стр. 3998
وقطع المعذرة، كما قال- تعالى-: وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى «١» .
ويرى بعضهم أن الترجي هنا للتعليل. أى: فقولا له قولا لينا لأجل أن يتذكر أو يخشى.
قال الآلوسى: قال الفراء: «لعل» هنا بمعنى كي التعليلية.. وعن الواقديّ: أن جميع ما في القرآن من «لعل» فإنها للتعليل، إلا قوله- تعالى- وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ فإنها للتشبيه أى: كأنكم تخلدون «٢» .
ثم حكى- سبحانه- ما قاله موسى وهارون عند ما أمرهما- ﷻ بذلك فقال:
قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى.
أى: قال موسى وهارون بعد أن أمرهما ربهما بالذهاب إلى فرعون لتبليغه دعوة الحق:
يا ربنا إننا نخاف أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أى يعاجلنا بالعقوبة قبل أن ننتهي من الحديث معه في الأمر.
يقال: فرط فلان على فلان يفرط إذا عاجله بالعقوبة وأذاه بدون تمهل، ومنه قولهم:
فرس فارط، أى سابق لغيره من الخيل.
أَوْ أَنْ يَطْغى أى يزداد طغيانه، فيقول في حقك يا ربنا مالا نريد أن نسمعه، ويقول في حقنا ما نحن برءاء منه، ويفعل معنا ما يؤذينا.
وقد جمع- سبحانه- بين القولين اللذين حكاهما عنهما، لأن الطغيان أشمل من الإفراط، إذ الجملة الأولى تدل على الإسراع بالأذى لأول وهلة، أما الثانية فتشمل الإسراع بالأذى، وتشمل غيره من ألوان الاعتداء سواء أكان في الحال أم في الاستقبال.
وهنا يجيبهما الخالق- جل وعلا- بما يثبت فؤداهما، ويزيل خوفهما فقال: لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى.
أى: قال الله- تعالى- لهما لا تخافا من بطش فرعون، إننى معكما بقوتي وقدرتي ورعايتى، وإننى أسمع كلامكما وكلامه، وأرى فعلكما وفعله. لا يخفى على شيء من حالكما وحاله، فاطمئنا أننى معكما بحفظي ونصرى وتأييدى، وأن هذا الطاغية ناصيته بيدي، ولا يستطيع أن يتحرك أو يتنفس إلا بإذنى ...
ثم رسم لهما- سبحانه- طريق الدعوة فقال: فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ ...
стр. 3999
أى: فأتيا فرعون، وادخلا عليه داره أو مكان سلطانه، وقولا له بلا خوف أو وجل إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ الذي خلقك فسواك فعدلك.
وكان البدء بهذه الجملة لتوضيح أساس رسالتهما، ولإحقاق الحق من أول الأمر، ولإشعاره منذ اللحظة الأولى بأنهما قد أرسلهما ربه وربهما ورب العالمين، لدعوته إلى الدين الحق، وإلى إخلاص العبادة لله الواحد القهار، وإلى التخلي عن الكفر والطغيان. وأنهما لم يأتياه بدافع شخصى منهما وإنما أتياه بتكليف من ربه ورب العالمين.
أما الجملة الثانية التي أمرهما الله- تعالى- أن يقولاها لفرعون فقد حكاها- سبحانه- بقوله: فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ أى: فأطلق سراح بنى إسرائيل، ودعهم يعيشون أحرارا في دولتك ولا تعذبهم باستعبادهم وقهرهم، وقتل أبنائهم، واستحياء نسائهم.
قال- تعالى-: وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ، يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ، وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ «١» .
قال الآلوسى: والمراد بالإرسال: إطلاقهم من الأسر، وإخراجهم من تحت يده العادية، لا تكليفهم أن يذهبوا معهما إلى الشام، كما ينبئ عنه قوله- سبحانه- وَلا تُعَذِّبْهُمْ أى: بإبقائهم على ما كانوا عليه من العذاب، فإنهم كانوا تحت سيطرة القبط، يستخدمونهم في الأشغال الشاقة كالحفر والبناء.. «٢» .
وقوله- تعالى-: قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ جملة ثالثة تدل على صدقهما في رسالتهما.
والمراد بالآية هنا: جنسها، فتشمل العصا واليد وغيرهما من المعجزات التي أعطاها الله- تعالى- لنبيه موسى- ﵇.
أى: قد جئناك بمعجزة من ربك تثبت صدقنا، وتؤيد مدعانا، وتشهد بأنا قد أرسلنا الله- تعالى- إليك لهدايتك ودعوتك أنت وقومك إلى الدخول في الدين الحق.
فالجملة الكريمة تقرير لما تضمنه الكلام السابق من كونهما رسولين من رب العالمين، وتعليل لوجوب إطلاق بنى إسرائيل، وكف الأذى عنهم.
أما الجملة الرابعة التي أمرهما الله- تعالى- بأن يقولاها لفرعون فهي قوله- سبحانه-: وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى.
стр. 4000
أى: وقولا له- أيضا- السلامة من العذاب في الدارين لمن اتبع الهدى بأن آمن بالله- تعالى- وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ...
فالسلام مصدر بمعنى السلامة، وعلى بمعنى اللام. ويفهم من الآية الكريمة أن من لم يتبع الهدى، لا سلامة له، ولا أمان عليه.
وفي هذه الجملة من الترغيب في الدخول في الدين الحق ما فيها، ولذا استعملها النبي ﷺ في كثير من كتبه، ومن ذلك قوله ﷺ في رسالته إلى هرقل ملك الروم: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم. سلام على من اتبع الهدى..
ثم حكى- سبحانه- الجملة الخامسة التي أمر موسى وهارون أن يخاطبا بها فرعون فقال: إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى.
أى: وقولا له إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا من عند ربنا وخالقنا أَنَّ الْعَذابَ في الدنيا والآخرة عَلى مَنْ كَذَّبَ بآياته وحججه- سبحانه- وَتَوَلَّى عنها. وأعرض عن الاستجابة لها.
وبذلك نرى في هذه الآيات الكريمة أسمى ألوان الدعوة إلى الحق وأحكمها، فهي قد بدأت بالأساس الذي تقوم عليه كل رسالة سماوية إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ وثنت ببيان أهم ما أرسل موسى وهارون من أجله، فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ وثلثت بإقامة الأدلة على صدقهما قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وربعت بالترغيب والاستمالة وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى.
ثم ختمت بالتحذير والترهيب من المخالفة إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى.
وبعد أن غرس- سبحانه- الطمأنينة في قلب موسى وهارون وزودهما بأحكم الوسائل وأنجعها في الدعوة إلى الحق.. أتبع ذلك بحكاية جانب من الحوار الذي دار بينهما وبين فرعون بعد أن التقوا جميعا وجها لوجه فقال- تعالى-:
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٤٩ الى ٦٠]
قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى (٤٩) قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى (٥٠) قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى (٥١) قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى (٥٢) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى (٥٣)
كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (٥٤) مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى (٥٥) وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى (٥٦) قالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً (٥٨)
قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى (٦٠)
стр. 4001
فقوله- تعالى-: قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى حكاية لما قاله فرعون لموسى وهارون- ﵉ بعد أن ذهبا إليه ليبلغاه دعوة الحق كما أمرهما ربهما- سبحانه-.
ولم تذكر السورة الكريمة كيف وصلا إليه.. لأن القرآن لا يهتم بجزئيات الأحداث التي لا تتوقف عليها العبر والعظات، وإنما يهتم بذكر الجوهر واللباب من الأحداث.
والمعنى: قال فرعون لموسى وهارون بعد أن دخلا عليه. وأبلغاه ما أمرهما ربهما بتبليغه:
من ربكما يا موسى الذي أرسلكما إلى؟.
وكأنه- لطغيانه وفجوره- لا يريد أن يعترف بأن رب موسى وهارون هو ربه وخالقه.
كما قالا له قبل ذلك إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ.
وخص موسى بالنداء مع أنه وجه الخطاب إليهما لظنه أن موسى- ﵇ هو الأصل في حمل رسالة الحق إليه، وأن هارون هو وزيره ومعاونه أو أنه لخبثه ومكره، تجنب مخاطبة هارون لعلمه أنه أفصح لسانا من موسى- ﵉.
قال صاحب الكشاف: خاطب فرعون الاثنين، ووجه النداء إلى أحدهما وهو موسى، لأنه
стр. 4002
الأصل في النبوة، وهارون وزيره وتابعه، ويحتمل أن يحمله خبثه ودعارته- أى فسقه- على استدعاء كلام موسى دون كلام أخيه، لما عرف من فصاحة هارون والرّتة في لسان موسى، ويدل عليه قوله: أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ «١» .
ولا شك أن ما حكاه الله- تعالى- عن فرعون من قوله فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى يدل على نهاية الغرور والفجور والجحود، وشبيه بذلك قوله: - سبحانه- حكاية عنه: وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي ... «٢»
وقوله- تعالى-: فَحَشَرَ فَنادى فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى.
ثم حكى- سبحانه- بعد ذلك أن موسى قد رد على فرعون ردا يخرسه ويكبته فقال:
قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى.
وقوله خَلْقَهُ مصدر بمعنى اسم المفعول، وهو المفعول الثاني لقوله أَعْطى والمفعول الأول قوله: كُلَّ شَيْءٍ.
وللعلماء في تفسير هذه الآية الكريمة اتجاهات يؤيد بعضها بعضا، منها ما يراه بعضهم من أن معنى الآية الكريمة:
١- قال موسى في رده على فرعون: يا فرعون ربنا وربك هو الله الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي أعطى كل مخلوق من مخلوقاته، وكل شيء من الأشياء، الصورة التي تلائمه، والهيئة التي تتحقق معها منفعته ومصلحته، ثم هداه إلى وظيفته التي خلقه من أجلها، وأمده بالوسائل والملكات التي تحقق هذه الوظيفة.
وثم في قوله ثُمَّ هَدى للتراخي في الرتبة، إذ اهتداء المخلوق إلى وظيفته مرتبة تعلو كثيرا عن خلقه دون أن يفقه شيئا.
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: «أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به، كما أعطى العين الهيئة التي تطابق الإبصار، والأذن الشكل الذي يوافق الاستماع، وكذلك الأنف واليد والرجل واللسان، كل واحد منها مطابق لما علق به من المنفعة غير ناب عنه.
ثُمَّ هَدى أى: عرفه كيف يرتفق بما أعطى، وكيف يتوصل إليه ولله در هذا الجواب، وما أخصره وما أجمعه وما أبينه لمن ألقى الذهن، ونظر بعين الإنصاف وكان طالبا للحق «٣» .
стр. 4003
٢- ومنهم من يرى أن المعنى: قال موسى لفرعون: ربنا الذي أعطى كل شيء نظير خلقه في الصورة والهيئة، كالذكور من بنى آدم، أعطاهم نظير خلقهم من الإناث أزواجا، وكالذكور من البهائم أعطاها نظير خلقها في صورتها وهيئتها من الإناث أزواجا.. ثم هدى الجميع لسائر منافعهم من المطاعم والمشارب ووسائل التناسل.
وقد صدر الإمام ابن جرير تفسيره للآية بهذا المعنى فقال ما ملخصه: وقوله: قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعنى نظير خلقه في الصورة والهيئة.. ثم هداهم للمأتى الذي منه النسل والنماء كيف يأتيه، ولسائر منافعه من المطاعم والمشارب وغير ذلك «١» .
٣- ويرى بعضهم أن: المعنى أعطى كل شيء صلاحه ثم هداه إلى ما يصلحه.
٤- ومنهم من يرى أن قوله خَلْقَهُ هو المفعول الأول لأعطى، وأن قوله كُلَّ شَيْءٍ هو المفعول الثاني فيكون المعنى: قال موسى لفرعون: ربنا الذي أعطى الخلائق كل شيء يحتاجون إليه، ثم هداهم إلى طريق استعماله والانتفاع به.
ويبدو لنا أن الآية الكريمة تتسع لهذه المعاني جميعها لأنه- سبحانه- هو الذي أعطى خلقه كل شيء يحتاجون إليه في معاشهم، ثم هداهم إلى طرق الانتفاع بما أعطاهم، كما أعطى كل نوع من أنواع خلقه الصورة التي تناسبه، والشكل الذي يتناسب مع جنسه صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ....
ثم حكى- سبحانه- بعد ذلك ما قاله فرعون لموسى: قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى.
والبال في الأصل: الفكر. تقول: خطر ببالي كذا، أى: بفكرى وعقلي، ثم أطلق على الحال التي يهتم بشأنها، وهذا الإطلاق هو المراد هنا.
أى: قال فرعون بعد أن رد عليه موسى هذا الرد الحكيم: يا موسى فما حال القرون الأولى، كقوم نوح وعاد وثمود.. الذين كذبوا أنبياءهم، وعبدوا غير الله- تعالى- الذي تدعوني لعبادته؟.
وسؤاله هذا يدل على خبثه ومكره، لأنه لما سمع من موسى الجواب المفحم له على سؤاله السابق فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى أراد أن يصرف الحديث إلى منحى آخر يتعلق بأمور لا صلة لها برسالة موسى إليه وهي دعوته لعبادة الله- تعالى- وحده، وإطلاق سراح بنى إسرائيل من الأسر.
стр. 4004
ولذا رد عليه موسى- ﵇ بما يخرس لسانه، ويبطل كيده، فقال- كما حكى القرآن عنه- عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى.
أى: علم حال هذه القرون الأولى محفوظ عند ربي وحده في كتاب هو اللوح المحفوظ، وهو- سبحانه- لا يخفى عليه شيء من حالهم، وسيجازيهم بما يستحقون من ثواب أو عقاب.
وقوله: لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى مؤكد لما قبله. أى: لا يخطئ ربي في علمه، ولا ينسى شيئا مما علمه لأنه منزه عن ذلك، فالضلال هنا بمعنى الخطأ وقلة الإدراك.
وجمع- سبحانه- بين نفى الضلال والنسيان، لإفادة تنزهه عن أن يغيب شيء من أحوال هذا الكون عن علمه الشامل لكل شيء، ولبيان أن علمه باق بقاء أبديا لا نسيان معه، ولا زوال له.
ثم بين له آثار علم الله- تعالى- وقدرته فقال: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً ...
أى: هو- سبحانه- الذي جعل لكم الأرض ممهدة كالفراش، ليتسنى لكم الانتفاع بخيراتها، وقرأ الأكثرون من السبعة، مِهاداً أى: فراشا. والمهاد في الأصل ما يمهد للصبي لينام عليه.
وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا والسلك: الإدخال. أى: وجعل لكم في داخلها طرقا تنتقلون فيها من مكان إلى مكان، ومن بلدة إلى أخرى، لقضاء مصالحكم.
وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى والأزواج: الأصناف.
أى: وأنزل- سبحانه- بقدرته من السماء ماء نافعا كثيرا فأخرجنا بسبب هذا الماء من الأرض أصنافا شتى- أى متفرقة- من النبات، وهذه الأصناف مختلفة المنافع والألوان والطعوم والروائح، مما يدل على كمال قدرتنا، ونفاذ إرادتنا.
وفي قوله فَأَخْرَجْنا التفات من الغيبة إلى التكلم بصيغة التعظيم، للتنبيه على عظم شأن هذا الإخراج، وأثره الكبير في حياة الناس.
فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد اشتملت على أربع منن قد امتن الله بها على عباده، وهي: تمهيد الأرض، وجعل الطرق فيها، وإنزال المطر من السماء، وإخراج النبات المتنوع من الأرض.
وهذه المنن وإن كانت ظاهرة وواضحة في جميع فجاج الأرض، إلا أنها أظهر ما تكون وأوضح ما تكون في أرض مصر التي كان يعيش فيها فرعون حيث تبدو الأرض فيها منبسطة
стр. 4005
ممهدة على جانبي النيل الممتد امتدادا كبيرا.
وكان الأجدر بفرعون- لو كان يعقل- أن يخلص العبادة لواهب هذه المنن، ومسدي هذه النعم، وهو الله رب العالمين.
والأمر في قوله- سبحانه-: كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ للإباحة.
أى: هذه الأرض وما اشتملت عليه من طرق ومن نبات شتى هي لمنفعتكم ومصلحتكم، فكلوا- أيها الناس- من هذه الثمار المتنوعة التي انشقت عنها الأرض، وارعوا أنعامكم من إبل وبقر وغنم في المكان الصالح للرعي من هذه الأرض، واشكروا الله- تعالى- على هذه النعم لكي يزيدكم منها.
واسم الإشارة في قوله إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى يعود إلى المذكور من تلك النعم السابقة.
والنُّهى جمع نهية- بضم النون وإسكان الهاء- وهي العقل. سمى بذلك لأنه ينهى صاحبه عما لا يليق. تقول العرب: نهو الرجل- ككرم- إذا كملت نهيته، أى عقله.
والمعنى: إن في ذلك الذي ذكرناه لكم من نعمة تمهيد الأرض، وجعل الطرق فيها: وإنزال المطر عليها، وإخراج النبات منها.. إن في كل ذلك لآيات وعظات وعبر، لأصحاب العقول السليمة، والأفكار القويمة.
ثم بين- سبحانه- أن هذه الأرض منها خلق الإنسان، وإليها يعود، ومنها يبعث للحساب يوم القيامة، فقال- تعالى-: مِنْها خَلَقْناكُمْ، وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى.
والضمير في «منها، وفيها» يعود إلى الأرض المذكورة قبل ذلك في قوله- تعالى-:
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً.. والتارة: بمعنى المرة.
أى: من هذه الأرض خلقنا أباكم آدم، وأنتم تبع له، وفرع عنه، كما قال- تعالى-:
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ، خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
وقوله: وَفِيها نُعِيدُكُمْ أى: وفي الأرض نعيدكم عند موتكم، حيث تكون محل دفنكم واستقرار أجسادكم.
وقوله: وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى أى: ومن الأرض نخرجكم مرة أخرى أحياء يوم القيامة، للحساب والجزاء.
قال- تعالى-: فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ يَوْمَ
стр. 4006
يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ
«١» .
وقال- سبحانه-: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا، هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ «٢» .
قال ابن كثير: وهذه الآية كقوله- تعالى-: قالَ فِيها تَحْيَوْنَ، وَفِيها تَمُوتُونَ، وَمِنْها تُخْرَجُونَ «٣» .
وفي الحديث الذي في السنن أن رسول الله ﷺ حضر جنازة فلما دفن الميت أخذ قبضة من التراب فألقاها في القبر ثم قال: «منها خلقناكم» ثم أخذ أخرى وقال: «وفيها نعيدكم» ثم أخرى وقال: «ومنها نخرجكم تارة أخرى» «٤» .
وقوله- تعالى-: وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى بيان للموقف الجحودى الذي وقفه فرعون من الحجج والمعجزات التي طرحها أمامه موسى- ﵇.
وأريناه: من الرؤية البصرية المتعدية إلى مفعول واحد فلما دخلت عليها الهمزة تعدت إلى اثنين أولهما الهاء والثاني آياتنا.
والإضافة في آياتِنا قائمة مقام التعريف العهدي. أى: آياتنا المعهودة لموسى، والتي على رأسها اليد والعصا.
والمعنى: ولقد أرينا فرعون بعينيه آياتنا كلها الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا وصدق نبينا موسى، فكانت نتيجة ذلك أن كذب بها، وأبى أن يستجيب للحق..
كما قال- تعالى-: وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ «٥» .
وكما قال- سبحانه-: فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ «٦» .
والآية الكريمة تؤكد جحود فرعون وطغيانه بجملة من المؤكدات، وهي لام القسم، وقد، والرؤية البصرية، ولفظ «كل» الدال على الشمول والإحاطة.
والفاء في قوله فَكَذَّبَ للتعقيب، أى: فكذب بدون تريث أو تمهل.
والمفعول محذوف. أى: فكذب الآيات أو فكذب موسى بدون تردد أو تأخير.
والتعبير بقوله فَكَذَّبَ وَأَبى لزيادة ذمه وتحقير شأنه. لأنه لم يكتف بالتكذيب بل أضاف إلى ذلك الامتناع عن قبول الآيات، والجحود لها، والتعالي على من جاء بها كما ينبئ
стр. 4007
عنه قوله: - تعالى- بعد ذلك: قالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى أى: قال فرعون لموسى على سبيل التهديد والوعيد: يا موسى أجئتنا من المكان الذي هربت إليه، ومعك هذه الآيات التي رأيناها، لكي تخرجنا من أرضنا التي عشنا فيها وهي أرض مصر بسبب ما أظهرته أمامنا من سحر وخفة يد.
وسمى اللعين ما جاء به موسى- ﵇ من معجزات سحرا، ليزيل من أذهان قومه أثر هذه المعجزات الباهرة.
وقال: لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا ليحمل أتباعه على الوقوف في وجه موسى بإبراز أن موسى جاء ليحتل أرضهم، ويجوز أموالهم، ويجعل السلطان لغيرهم.
وقد تكرر هذا المعنى في آيات كثيرة منه قوله- تعالى-: قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ. يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ «١» .
وقوله- سبحانه-: قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا، وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ، وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ «٢» .
ثم أضاف فرعون إلى تهديده لموسى تهديدا آخر فقال: فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ، فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً.
وقوله: فَلَنَأْتِيَنَّكَ ... جواب لقسم محذوف. أى: والله لنأتينك بسحر مثله..
قال الجمل: وقوله: مَوْعِداً يجوز أن يكون زمانا، ويرجحه قوله: قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ.
والمعنى: عين لنا وقت اجتماع: ولذلك أجابهم بقوله: مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ ويجوز أن يكون مكانا، والمعنى: بين لنا مكانا معلوما نعرفه نحن وأنت فنأتيه، وهذا يؤيده قوله:
مَكاناً سُوىً.
ويجوز أن يكون مصدرا، ويؤيد هذا قوله لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ لأن المواعدة توصف بالخلف وعدمه «٣» .
وقوله: لا نُخْلِفُهُ من الإخلاف بمعنى عدم إنجاز الوعد.
وقوله: سُوىً قرأه ابن عامر وعاصم وحمزة بضم السين، وقرأه الباقون بالكسر ومعنى القراءتين واحد.
стр. 4008
وأصله من الاستواء. يقال: مكان سوى وسواء. أى: عدل ووسط، بحيث يستوي طرفاه بالنسبة للفريقين.
أى: قال فرعون لموسى مهددا ومتوعدا: أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى، والله لنأتينك بسحر مثل سحرك، فاجعل بيننا وبينك موعدا للمباراة والمنازلة، لا نخلف نحن ولا أنت هذا الموعد، وأن يكون مكان منازلتنا لك في مكان يتوسط المدينة، بحيث يستطيع جميع سكانها أن يحضروا إليه.
والمتأمل في الآية الكريمة يرى أن فرعون قد قال ما قال لموسى وهو كأنه قد جمع أطراف النصر بين يديه.
ويشهد لذلك: تصديره كلامه بالقسم فَلَنَأْتِيَنَّكَ.. وتركه لموسى اختيار الموعد الذي يناسبه فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً واشتراطه عدم الخلف في الوعد لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ واقتراحه أن يكون مكان المبارزة في وسط المدينة، حتى يراها جميع الناس مَكاناً سُوىً.
ولقد حكى القرآن أن موسى- ﵇ قد قبل تحدى فرعون، ورد عليه يقول:
قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى.
والمراد بيوم الزينة: يوم كانوا يتزينون فيه، ويجتمعون فيه، لأنه يوم عيد لهم.
قيل إنه كان يوم عاشوراء، وقيل يوم النيروز ...
أى: قال موسى لفرعون: موعد المنازلة بيني وبينكم هو يوم زينتكم وعيدكم، وفي هذا اليوم أطلب منكم أن يجمع الناس جميعا في وقت الضحى عند ارتفاع الشمس، لكي يشهدوا ما سيكون بيني وبين سحرتك يا فرعون.
وبذلك نرى أن موسى- ﵇ قد قابل تهديد فرعون له، بتهديد أشد وأعظم، فقد طلب منه أن يكون موعد المبارزة يوم العيد، كما طلب منه- أيضا- أن يجمع الناس في وقت الضحى لكي يشاهدوا تلك المباراة.
قال صاحب الكشاف: وإنما واعدهم موسى ذلك اليوم، ليكون علو كلمة الله، وظهور دينه، وكبت الكافر، وزهوق الباطل على رءوس الأشهاد وفي المجمع الغاص لتقوى رغبة من رغب في اتباع الحق، ويكل حد المبطلين وأشياعهم، ويكثر الحديث بذلك في كل بدو وحضر، ويشيع في جميع. أهل الوبر والمدر «١» .
стр. 4009
ثم حكى القرآن ما كان من فرعون بعد أن حدد موسى- ﵇ موعد المبارزة فقال: فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى.
أى: وبعد أن استمع فرعون إلى موسى، انصرف من المجلس، وولى مدبرا فَجَمَعَ كَيْدَهُ.
أى: فجمع كبار سحرته من أطراف مملكته ثُمَّ أَتى بهم في الموعد المحدد، ليتحدى موسى- ﵇.
وإلى هنا نرى الآيات الكريمة قد حكت لنا بأسلوبها البليغ جانبا من المحاورات التي دارت بين موسى وفرعون، وأرتنا كيف واجه موسى طغيان فرعون وغروره، برباطة جأش، وقوة إرادة، ومضاء عزيمة..
ثم انتقلت السورة بعد ذلك إلى الحديث عما دار بين موسى والسحرة من محاورات. انتهت بإيمانهم واعترافهم بالحق الذي جاء به موسى من عند ربه، قال- تعالى-:
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٦١ الى ٧٠]
قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى (٦١) فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى (٦٢) قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى (٦٣) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى (٦٤) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى (٦٥)
قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى (٦٧) قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى (٦٨) وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى (٦٩) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى (٧٠)
стр. 4010
فقوله- تعالى-: قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ ... حكاية لما وجهه موسى- ﵇ من نصح وإنذار. قيل: كان عددهم اثنين وسبعين، وقيل: أكثر من ذلك.
قال الجمل: قوله فَيُسْحِتَكُمْ قرأ الأخوان وحفص عن عاصم فيسحتكم- بضم الياء وكسر الحاء-. وقرأ الباقون بفتحهما. فقراءة الأخوين من أسحت الرباعي، وهي لغة نجد وتميم، وقراءة الباقين من سحت الثلاثي- وبابه قطع- وهي لغة الحجازيين.
وأصل هذه المادة. الدلالة على الاستقصاء، والنفاد، ومنه سحت الحالق الشعر، أى:
استقصاء فلم يترك منه شيئا، ويستعمل في الإهلاك والإذهاب، ونصبه بإضمار أن في جواب النهى «١» .
أى: قال موسى- ﵇ للسحرة الذين التقى بهم وجها لوجه بعد أن حشدهم فرعون أمامه، فقال لهم: الويل والهلاك لكم، لا تفتروا على الله- تعالى- كذبا، بأن تقفوا في وجهى، وتزعموا أن معجزاتي هي نوع من السحر. فإنكم لو فعلتم ذلك أهلككم الله- تعالى- وأبادكم بعذاب عظيم من عنده.
وجملة وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى معترضة لتقرير وتأكيد ما قبلها.
أى: وقد خاب وخسر كل من قال على الله- تعالى- قولا باطلا لا حقيقة له، وفرعون أول المبطلين المفترين الخاسرين، فاحذروا أن تسيروا في ركابه، أو أن تطيعوا له أمرا.
ويبدو أن هذه النصيحة الصادقة المخلصة كان لها أثرها الطيب في نفوس بعض السحرة، بدليل قوله- تعالى- بعد ذلك فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى والنجوى:
المسارة في الحديث.
أى: وبعد أن سمع السحرة من موسى نصيحته لهم وتهديده إياهم بالاستئصال والهلاك.
إذا ما استمروا في ضلالهم، اختلفوا فيما بينهم، وَأَسَرُّوا النَّجْوى أى: وبالغوا في إخفاء ما يسارون به عن موسى وأخيه- ﵉.
стр. 4011
فمنهم من قال- كما روى عن قتادة-: إن كان ما جاءنا به موسى سحرا فسنغلبه، وإن كان من عند الله فسيكون له أمر.
ومنهم من قال بعد أن سمع كلام موسى: ما هذا بقول ساحر.
ومنهم من أخذ في حض زملائه المترددين على منازلة موسى- ﵇، لأنه جاء هو وأخوه لتغيير عقائد الناس ولاكتساب الجاه والسلطان، ولسلب المنافع التي تأتى لهم أى للسحرة عن طريق السحر..
ويبدو أن هذا الفريق الأخير هو الذي استطاع أن ينتصر على غيره من السحرة في النهاية، بدليل قوله- تعالى- بعد ذلك: قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما، وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى.
فهاتان الآيتان تشيران إلى خوف السحرة من موسى وهارون، وإلى أنهم بذلوا أقصى جهدهم في تجميع صفوفهم، وفي تشجيع بعضهم لبعض، حتى لا يستلب موسى- ﵇ منهم جاههم وسلطانهم ومنافعهم ...
أى: قال السحرة بعضهم لبعض بطريق التناجي والإسرار، ما استقر عليه رأيهم، من أن موسى وهارون ساحران يُرِيدانِ عن طريق سحرهما أن يخرجا السحرة من أرضهم مصر: ليستوليا هما وأتباعهما عليها.
ويريدان كذلك أن يذهبا بطريقتكم المثلى. أى بمذهبكم ودينكم الذي هو أمثل المذاهب وأفضلها، وبملككم الذي أنتم فيه، وبعيشكم الذي تنعمون به.
فالمثلى: مؤنث أمثل بمعنى أشرف وأفضل. وإنما أنث باعتبار التعبير بالطريقة. هذا، وهناك قراءات في قوله تعالى: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ ذكرها الإمام القرطبي.
فقال ما ملخصه: قوله- تعالى-: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ قرأ أبو عمرو: إن هذين لساحران ورويت- هذه القراءة- عن عثمان وعائشة وغيرهما من الصحابة ...
وقرأ الزهري والخليل ابن أحمد وعاصم في رواية حفص عنه إِنْ هذانِ لَساحِرانِ بتخفيف إِنْ ... وهذه القراءة سلمت من مخالفة المصحف ومن فساد الإعراب، ويكون معناها: ما هذان إلا ساحران.
стр. 4012
وقرأ المدنيون والكوفيون: إِنْ هذانِ بتشديد إن لَساحِرانِ فوافقوا المصحف وخالفوا الإعراب.
فهذه ثلاث قراءات قد رواها الجماعة من الأئمة..
والعلماء في قراءة أهل المدينة والكوفة ستة أقوال: الأول أنها لغة بنى الحارث بن كعب وزبيد وخثعم..، يجعلون رفع المثنى ونصبه وخفضه بالألف.. وهذا القول من أحسن ما حملت عليه الآية «١» .
والفاء في قوله- تعالى-: فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ... فصيحة، أى: إذا كان الأمر كذلك من أن موسى وهارون قد حضرا ليخرجاكم من أرضكم بسحرهما.. فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ أى: فأحكموا سحركم واعزموا عليه ولا تجعلوه متفرقا.
يقال: أجمع فلان رأيه وأزمعه، إذا عزم عليه وأحكمه واستعد لتنفيذه وقوله ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا أى: ثم ائتوا جميعا مصطفين، حتى يكون أمركم أكثر هيبة في النفوس، وأعظم وقعا على القلوب، وأدعى إلى الترابط والثبات وقوله وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى تذييل مؤكد لما قبله.
أى: وقد أفلح وفاز بالمطلوب في يوم النزال من طلب العلو، وسعى من أجله، واستطاع أن يتغلب على خصمه، لأننا إذا تغلبنا على موسى كانت لنا الجوائز العظمى، وإذا تغلب علينا خسرنا خسارة ليس هناك ما هو أشد منها.
وحانت ساعة المبارزة والمنازلة. فتقدم السحرة نحو موسى- ﵇ وقالوا له- كما حكى القرآن عنهم-:.. يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى.
والإلقاء في الأصل: طرح الشيء، ومفعول «تلقى» محذوف للعلم به، والمراد به العصا.
أى قال السحرة لموسى على سبيل التخيير الذي يبدو فيه التحدي والتلويح بالقوة:
يا موسى إما أن تلقى أنت عصاك قبلنا، وإما أن تتركنا لنلقى حبالنا وعصينا قبلك.
قال الآلوسى: خيروه- ﵇ وقدموه على أنفسهم إظهارا للثقة بأمرهم.
وقيل. مراعاة للأدب معه- ﵇. و «أن» مع ما في حيزها منصوب بفعل مضمر. أى، إما تختار إلقاءك أو تختار كوننا أول من ألقى. أو مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف.
أى: «الأمر إما إلقاؤك أو كوننا أول من ألقى..» «٢» .
стр. 4013
ثم حكى القرآن بعد ذلك أن موسى- ﵇ ترك فرصة البدء لهم، واستبقى لنفسه الجولة الأخيرة، فقال- تعالى-: قالَ بَلْ أَلْقُوا، فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى. والتخيل: هو إبداء أمر لا حقيقة له. ومنه الخيال، وهو الطيف الطارق في النوم.
أى: قال موسى- ﵇ للسحرة في الرد على تخييرهم له، ابدءوا أنتم بإلقاء ما معكم من حبال وعصى.
والفاء في قوله: فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ ... فصيحة وهي معطوفة على كلام محذوف، وإذا هي الفجائية.
أى: قال لهم موسى بل ألقوا أنتم أولا، فامتثلوا أمره وألقوا ما معهم، فإذا حبالهم وعصيهم التي طرحوها، جعلت موسى- لشدة اهتزازها واضطرابها- يخيل إليه من شدة سحرهم، أن هذه الحبال والعصى حيات تسعى على بطونها.
قال ابن كثير: وذلك أنهم أودعوها من الزئبق ما كانت تتحرك بسببه وتضطرب وتميد، بحيث يخيل للناظر أنها تسعى باختيارها، وإنما كانت حيلة، وكانوا جمّا غفيرا، وجمعا كبيرا- أى السحرة- فألقى كل منهم عصا وحبلا حتى صار الوادي ملآن حيات، يركب بعضها بعضا.. «١» .
ويبدو أن فعل السحرة هذا، قد أثر في موسى- ﵇ بدليل قوله- تعالى-:
فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى.
والإيجاس: الإخفاء والإضمار، والخيفة: الخوف. أى فأخفى موسى- ﵇ في نفسه شيئا من الخوف، حين رأى حبال السحرة وعصيهم كأنها حيات تسعى على بطونها، وخوفه هذا حدث له بمقتضى الطبيعة البشرية عند ما رأى هذا الأمر الهائل من السحر، وبمقتضى أن يؤثر هذا السحر في نفوس الناس فيصرفهم عما سيفعله.
وهنا ثبته الله- تعالى- وقواه، وأوحى إليه- سبحانه- بقوله: قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى.
أى: قلنا له عند ما أوجس في نفسه خيفة من فعل السحرة: لا تخف يا موسى مما فعلوه، إنك أنت الأعلى عليهم بالغلبة والظفر. أنت الأعلى لأن معك الحق ومعهم الباطل.
وقد أكد الله- تعالى- هذه البشارة لموسى بجملة من المؤكدات أحدها: إن المؤكدة،
стр. 4014
وثانيها: تكرير الضمير وثالثها: التعبير بالعلو المفيد للاستعلاء عليهم.
وقوله- سبحانه-: وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا.. زيادة في تشجيعه وتثبيته.
وتلقف من اللقف بمعنى الأخذ للشيء بسرعة وخفة. يقال: لقف فلان يلقفه لقفا ولقفانا، إذا تناوله بسرعة وحذق باليد أو الفم.
وفي هذه الكلمات ثلاث قراءات سبعية، أحدها: «تلقّف» بتاء مفتوحة مخففة، بعدها لام مفتوحة، ثم قاف مشددة وفاء ساكنة، وأصل الفعل تتلقف، فحذفت إحداهما تخفيفا، وهو مجزوم في جواب الأمر وهو أَلْقِ.
وثانيها: تَلْقَفْ كالقراءة السابقة مع ضم الفاء، على أن الفعل خبر لمبتدأ محذوف.
أى: وألق ما في يمينك فهي تلقف ما صنعوا.
وثالثها: تَلْقَفْ بفتح التاء وسكون اللام وفتح القاف المخففة وجزم الفعل كالقراءة الأولى.
والمراد بما في يمينه عصاه، كما جاء ذلك صريحا في آيات أخرى منها قوله- تعالى-:
فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ.
وعبر عنها بقوله: ما فِي يَمِينِكَ على سبيل التهويل من شأنها، أو لتذكيره بما شاهده منها بعد أن قال الله- تعالى- له قبل ذلك وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى.. قالَ أَلْقِها يا مُوسى، فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى....
والمعنى: وألق يا موسى ما في يمينك تبتلع كل ما صنعه السحرة من تمويه وتزوير وتخييل، جعل الناس يتوهمون أن حبالهم وعصيهم تسعى.
قال ابن كثير: وذلك أنها صارت تنينا هائلا- أى حية عظيمة- ذا عيون وقوائم وعنق ورأس وأضراس، فجعلت تتبع تلك الحبال والعصى حتى لم تبق منها شيئا إلا تلقفته وابتلعته، والسحرة والناس ينظرون إلى ذلك عيانا جهارا نهارا.. فقامت المعجزة، واتضح البرهان، وبطل ما كانوا يعملون «١» .
وقوله: إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ تعليل لقوله تَلْقَفْ ما صَنَعُوا وما موصولة وهي اسم إن، وكَيْدُ خبرها، والعائد محذوف.
والتقدير: وألق يا موسى عصاك تلقف ما صنعوه، فإن الذي صنعوه إنما هو كيد من جنس كيد السحرة وصنعهم وتمويههم.
стр. 4015
وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ أى ولا يفوز هذا الجنس من الناس حَيْثُ أَتى أى: حيث كان فحيث ظرف مكان أريد به التعميم.
أى: أن الساحر لا يفلح ولا يفوز أينما كان، وحيثما أقبل، وأنّى اتجه، لأنه يصنع للناس التخييل والتمويه والتزوير والتزييف للحقائق.
قال صاحب الكشاف: «فإن قلت: لم وحد ساحر ولم يجمع؟ قلت: لأن القصد في هذا الكلام إلى معنى الجنسية، لا إلى معنى العدد. فلو جمع لخيل أن المقصود هو العدد «١» .
ثم كانت بعد ذلك المفاجأة الكبرى فقد آمن السحرة حين رأوا ما رأوا بعد أن ألقى موسى ما في يمينه، قال- تعالى-: فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى.
قال الآلوسى: «والفاء في قوله فَأُلْقِيَ ... فصيحة معربة عن جمل غنية عن التصريح» .
أى: فزال الخوف، وألقى موسى ما في يمينه، وصارت حية، وتلقفت حبالهم وعصيهم، وعلم السحرة أن ذلك معجزة، فخروا سجدا لله على وجوههم قائلين آمنا برب هارون وموسى.. «٢» .
والحق أن التعبير بقوله- تعالى-: فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً.. يدل على قوة البرهان الذي عاينوه، حتى لكأنهم أمسكهم إنسان وألقاهم ساجدين بالقوة لعظم المعجزة التي عاينوها، وأطلق- سبحانه- عليهم اسم السحرة في حال سجودهم له- تعالى- وإيمانهم به، نظرا إلى حالهم الماضية.
وهكذا النفوس النقية عند ما يتبين لها الحق، لا تلبث أن تفيء إليه، وتستجيب لأهله. قال الكرخي: خروا ساجدين لله لأنهم كانوا في أعلى طبقات السحر، فلما رأوا ما فعله موسى خارجا عن صناعتهم، عرفوا أنه ليس من السحر ألبتة «٣» .
وقال صاحب الكشاف: «ما أعجب أمرهم، قد ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود.
ثم ألقوا رءوسهم بعد ساعة للشكر والسجود. فما أعظم الفرق بين الإلقاءين» «٤» .
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك ما توعد فرعون به السحرة، وموقفهم من هذا الوعيد فقال- تعالى-:
стр. 4016
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٧١ الى ٧٦]
قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى (٧١) قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى (٧٣) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى (٧٥)
جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)
أى: قال فرعون للسحرة بعد أن شاهدهم وقد خروا لله- تعالى- ساجدين: آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ أى: هل آمنتم لموسى وصدقتموه في دعوته وانقدتم له، قبل أن أعطيكم الإذن بذلك. فالاستفهام للتقريع والتهديد.
إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ أى: أن موسى الذي انقدتم له لهو كبيركم وشيخكم الذي علمكم فنون السحر، فأنتم تواطأتم معه. وآمنتم به لأنكم من أتباعه.
وغرضه من هذا القول صرف الناس عن التأسى بهم، وعن الإيمان بالحق الذي آمن به السحرة والظهور أمام قومه بمظهر الثبات والتماسك بعد أن استبد به وبهم الخوف والهلع، من هول ما رأوه.
ثم أضاف إلى قوله هذا تهديدا أشد فقال: فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ، وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ.
أى: فو الله لأقطعن أيديكم اليمنى- مثلا- مع أرجلكم اليسرى، ولأصلبنكم على
стр. 4017
جذوع النخل، لتكونوا عبرة لغيركم ممن تسول له نفسه أن يفعل فعلكم.
فالمراد من قوله «من خلاف» أى: من الجهة المخالفة أو من الجانب بأن يقطع اليد اليمنى ومعها الرجل اليسرى، لأن ذلك أشد على الإنسان من قطعهما من جهة واحدة إذ قطعهما من جهة واحدة يبقى عنده شيء كامل صحيح، بخلاف قطعهما من جهتين مختلفتين فإنه إفساد للجانبين.
واختار أن يصلبهم في جذوع النخل، لأن هذه الجذوع أخشن من غيرها والتصليب عليها أشق من التصليب على غيرها، وأظهر للرائى لعلوها عن سواها. فهو لطغيانه وفجوره اختار أقسى ألوان العذاب ليصبها على هؤلاء المؤمنين.
قال الجمل: قوله: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ يحتمل أن يكون حقيقة. وفي التفسير أنه نقر جذوع النخل حتى جوفها ووضعهم فيها فماتوا جوعا وعطشا.
ويحتمل أن يكون مجازا وله وجهان: أحدهما: أنه وضع حرفا مكان آخر، والأصل على جذوع النخل، والثاني: أنه شبه تمكنهم بتمكن من حواه الجذع واشتمل عليه.
وقال الكرخي «في» بمعنى «على» مجازا، من حيث إنه شبه تمكن المصلوب بالجذع، بتمكن المظروف في الظرف وهذا هو المشهور «١» .
وقوله: وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى تهديد فوق تهديد، ووعيد إثر وعيد.
أى: والله لتعلمن أيها السحرة أينا أشد تعذيبا لكم، وأبقى في إنزال الهلاك بكم، أنا أم موسى وربه.
وكأنه بهذا التهديد يريد أن يهون من كل عذاب سوى عذابه لهم، ومن كل عقاب غير عقابه إياهم.
وهذا التهديد التي حكاه الله- تعالى- هنا، قد جاء ما يشبهه في آيات أخرى منها قوله- تعالى-: قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ، إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ «٢» .
ثم حكى- سبحانه- أن السحرة بعد أن استقر الإيمان في قلوبهم، قد قابلوا تهديد فرعون لهم بالاستخفاف وعدم الاكتراث فقال: قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ،
стр. 4018
وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ ...
أى: قال السحرة في ردهم على تهديد فرعون لهم: لن نختارك يا فرعون ولن نرضى بأن نكون من حزبك، ولن نقدم سلامتنا من عذابك.. على ما ظهر لنا من المعجزات التي جاءنا بها موسى، والتي على رأسها عصاه التي ألقاها فإذا هي تبتلع حبالنا وعصينا.
وجملة «والذي فطرنا» الواو فيها للعطف على «ما» في قوله ما جاءَنا.
أى: لن نختارك يا فرعون على الذي جاءنا من البينات على يد موسى، ولا على الذي فطرنا أى خلقنا وأوجدنا في هذه الحياة.
ويصح أن تكون هذه الواو للقسم، والموصول مقسم به، وجواب القسم محذوف دل عليه ما قبله، والمعنى: وحق الذي فطرنا لن نؤثرك يا فرعون على ما جاءنا من البينات.
وقوله: فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ تصريح منهم بأن تهديده لهم لا وزن له عندهم، ورد منهم على قوله: فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ.
أى: لن نقدم طاعتك على طاعة خالقنا بعد أن ظهر لنا الحق، فافعل ما أنت فاعله، ونفذ ما تريد تنفيذه في جوارحنا، فهي وحدها التي تملكها، أما قلوبنا فقد استقر الإيمان فيها، ولا تملك شيئا من صرفها عما آمنت به.
قال بعض العلماء: واعلم أن العلماء اختلفوا: هل فعل بهم فرعون ما توعدهم به، أو لم يفعله بهم؟.
فقال قوم: قتلهم وصلبهم، وقوم أنكروا ذلك، وأظهر هما عندي: أنه لم يقتلهم، وأن الله عصمهم منه لأجل إيمانهم الراسخ بالله- تعالى- لأن الله قال لموسى وهارون: أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ «١» .
وقوله: إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا، إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا تعليل لعدم مبالاتهم بتهديده لهم.
أى: افعل يا فرعون ما أنت فاعله بأجسامنا، فإن فعلك هذا إنما يتعلق بحياتنا في هذه الحياة الدنيا، وهي سريعة الزوال، وعذابها أهون من عذاب الآخرة.
إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا وخالقنا ومالك أمرنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا السالفة، التي اقترفناها بسبب الكفر والإشراك به- سبحانه-.
وَليغفر لنا ما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ لكي نعارض به موسى- عليه
стр. 4019
السلام- معارضة من هو على الباطل لمن هو على الحق، وقد كنا لا نملك أن نعصيك.
وخصوا السحر بالذكر مع دخوله في خطاياهم، للإشعار بشدة نفورهم منه، وبكثرة كراهيتهم له بعد أن هداهم الله إلى الإيمان.
وقوله: وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى تذييل قصدوا به الرد على قول فرعون لهم: وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى.
أى: والله- تعالى- خير ثوابا منك يا فرعون، وأبقى جزاء وعطاء، فإن ثوابه- سبحانه- لا نقص معه، وعطاءه أبقى من كل عطاء.
وقوله- : إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً ... يصح أن يكون كلاما مستأنفا ساقه الله- تعالى- لبيان سوء عاقبة المجرمين، وحسن عاقبة المؤمنين.
ويصح أن يكون من بقية كلام السحرة في ردهم على فرعون.
والمعنى: إِنَّهُ أى الحال والشأن مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ يوم القيامة في حال كونه مُجْرِماً.
أى: مرتكبا لجريمة الكفر والشرك بالله- تعالى- فَإِنَّ لَهُ أى: لهذا المجرم جَهَنَّمَ يعذب فيها عذابا شديدا من مظاهره أنه لا يَمُوتُ فِيها فيستريح وَلا يَحْيى حياة فيها راحة.
كما قال- تعالى-: وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا، وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها، كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ «١» .
ثم بين- سبحانه- حسن عاقبة المؤمنين فقال: وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً به إيمانا حقا، وقَدْ عَمِلَ الأعمال الصَّالِحاتِ بجانب إيمانه. فَأُولئِكَ الموصوفون بتلك الصفات لَهُمُ بسبب إيمانهم وعملهم الصالح الدَّرَجاتُ الْعُلى أى: المنازل الرفيعة، والمكانة السامية.
وقوله: جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يدل على الدرجات العلى.
أى: لهم جنات باقية دائمة تجرى من تحت أشجارها وثمارها الأنهار خالِدِينَ فِيها خلودا أبديا.
وَذلِكَ العطاء الجزيل الباقي جزاء من تزكى، أى من تطهر وتجرد من دنس الكفر والمعاصي.
стр. 4020
وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد صورت لنا بأسلوبها البليغ المؤثر، تلك المحاورات الطويلة التي دارت بين موسى وفرعون والسحرة.. والتي انتهت بانتصار الحق واندحار الباطل.
ثم ساق- سبحانه- جانبا من النعم التي أنعم بها على بنى إسرائيل، وحذرهم من جحودها، فقال- تعالى-:
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٧٧ الى ٨٢]
وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى (٧٧) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى (٧٩) يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى (٨٠) كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى (٨١)
وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى (٨٢)
قال الآلوسى ما ملخصه: وقوله- سبحانه-: وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي ... حكاية إجمالية لما انتهى اليه أمر فرعون وقومه، وقد طوى- سبحانه- ذكر ما جرى عليهم بعد أن تغلب موسى على السحرة.. وبعد أن مكث موسى يبلغهم دعوة الله- تعالى- مدة طويلة ويطلب منهم إرسال بنى إسرائيل معه» «١» .
وصدرت الآية الكريمة باللام الموطئة للقسم وبقد تأكيدا لهذا الإيحاء، وتقريرا له ...
أى: والله لقد أوحينا إلى عبدنا موسى- ﵇ وقلنا له: سر بعبادي من بنى إسرائيل في أول الليل متجها بهم من مصر إلى البحر الأحمر فإذا ما وصلت إليه، فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً.
стр. 4021
أى: فاجعل لهم طريقا في البحر يابسا، فالضرب هنا بمعنى الجعل كما في قولهم: ضرب له في ماله سهما. إذا جعل له سهما.
والمراد بالطريق جنسه فإن الطرق التي حدثت بعد أن ضرب موسى بعصاه البحر. كانت اثنى عشر طريقا بعدد أسباط بنى إسرائيل.
وعبر- سبحانه- عن بنى إسرائيل الذين خرجوا مع موسى بعنوان العبودية لله- تعالى- للإشعار بعطفه- عليهم ورحمته بهم، وللتنبيه على طغيان فرعون حيث استعبد واستذل عبادا للخالق- سبحانه- وجعلهم عبيدا له..
قال الجمل: «وقوله يَبَساً صفة لقوله طَرِيقاً وصف به لما يؤول إليه، لأنه لم يكن يبسا بعد. وإنما مرت عليه الصبا فجففته. وقيل: هو في الأصل مصدر وصف به للمبالغة، أو على حذف مضاف، أو جمع يابس كخادم وخدم وصف به الواحد مبالغة» «١» .
وقوله- سبحانه-: لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى تذييل قصد به تثبيت فؤاد موسى- ﵇ وإدخال الطمأنينة على قلبه.
والدرك: اسم مصدر بمعنى الإدراك. والجملة في محل نصب على الحال من فاعل «اضرب» .
أى: اضرب لهم طريقا في البحر يابسا، حالة كونك غير خائف من أن يدركك فرعون وجنوده من الخلف، وغير وجل من أن يغرقكم البحر من أمامكم.
فالآية الكريمة قد اشتملت على كل ما من شأنه أن يغرس الأمان والاطمئنان في قلب موسى ومن معه.
ثم بين- سبحانه- موقف فرعون بعد أن علم بأن موسى قد خرج بقومه من مصر فقال- تعالى-: فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ.
أى: وبعد أن علم فرعون بخروج موسى وبنى إسرائيل من مصر، جمع جنوده وأسرع في طلب موسى ومن معه، فكانت نتيجة ذلك، أن أغرق الله- تعالى- فرعون وجنوده في البحر. وأهلكهم عن آخرهم ...
والتعبير بالاسم المبهم الذي هو الموصول في قوله فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ يدل على تعظيم ما غشيهم وتهويله، أى: فعلاهم وغمرهم من ماء البحر ما لا يعلم كنهه إلا الله- تعالى- بحيث صاروا جميعا في طيات أمواجه.
стр. 4022
ونظيره قوله- تعالى-: إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى وقوله: فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى.
قال صاحب الكشاف: قوله- تعالى-: ما غَشِيَهُمْ من باب الاختصار ومن جوامع الكلم التي تستقل مع قلتها بالمعاني الكثيرة. أى: غشيهم مالا يعلم كنهه إلا الله- تعالى- وقرئ فغشاهم من اليم ما غشاهم، والتغشية: التغطية ... «١» .
وقوله- سبحانه-: وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى بيان لحال فرعون قبل أن يهلكه الله- تعالى- بالغرق.
أى: وأضل فرعون في حياته قومه عن طريق الحق، وما هداهم إليها وإنما هداهم إلى طريق الغي والباطل، فكانت عاقبتهم جميعا الاستئصال والدمار.
وما اشتملت عليه الآيتان من إجمال بالنسبة لتلك الأحداث، قد جاء مفصلا في آيات أخرى ومن ذلك قوله- تعالى- في سورة الشعراء: وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ. فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ. إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ. وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ. وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ. فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ. كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ. فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ. فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ. قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ. فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ. فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ. وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ. وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ. ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ «٢» .
ثم ذكر- سبحانه- بنى إسرائيل بنعمه عليهم فقال: يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ فرعون وجنده، بأن أغرقناهم أمام أعينكم وأنتم تنظرون إليهم، بعد أن كانوا يسومونكم سوء العذاب.
وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ أى: وواعدنا نبيكم موسى في هذا المكان لإعطائه التوراة لهدايتكم وإصلاح شأنكم، وهذا الوعد هو المشار إليه بقوله- تعالى-:
وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً.
قال صاحب الكشاف: ذكرهم النعمة في نجاتهم وهلاك عدوهم، وفيما واعد موسى من المناجاة بجانب الطور، وكتب التوراة في الألواح. وإنما عدى المواعدة إليهم لأنها لا بستهم واتصلت بهم حيث كانت لنبيهم ونقبائهم، وإليهم رجعت منافعها التي قام بها دينهم وشرعهم
стр. 4023
وفيما أفاض عليهم من سائر نعمه وأرزاقه.. «١» .
وقال القرطبي ما ملخصه: وقوله: جانِبَ نصب على المفعول الثاني لقوله واعدنا..
والْأَيْمَنَ نصب لأنه نعت للجانب، إذ ليس للجبل يمين ولا شمال.
وتقدير الآية: وواعدناكم إتيان جانب الطور ثم حذف المضاف. أى: أمرنا موسى أن يأمركم بالخروج معه ليكلمه بحضرتكم فتسمعوا الكلام وقيل: وعد موسى بعد إغراق فرعون أن يأتى جانب الطور الأيمن فيؤتيه التوراة، فالوعد كان لموسى، ولكن خوطبوا به لأن الوعد كان لأجلهم.. «٢» .
وقوله: وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى نعمة ثالثة من نعمه- سبحانه- عليهم.
والمن: مادة حلوة لزجة تشبه العسل كانت تسقط على الشجر من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.
والسلوى: طائر لذيذ الطعم، يشبه الطائر الذي يسمى السمانى، كانوا يأخذونه ويتلذذون بأكله.
وقيل: هما كناية عما أنعم الله به عليهم، وهما شيء واحد، سمى أحدهما «منا» لامتنان الله- تعالى- عليهم، وسمى الثاني «سلوى» لتسليتهم به.
أى: ونزلنا عليكم بفضلنا ورحمتنا وأنتم في التيه تلك المنافع والخيرات التي تأخذونها من غير كد أو تعب.
والأمر في قوله- سبحانه- كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ للإباحة، والجملة مقول لقول محذوف. أى: وقلنا لهم كلوا من طيبات ما رزقناكم من المن والسلوى، ومن غيرهما من اللذائذ التي أحلها الله لكم.
وقوله- تعالى-: وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فيحل عليكم غضبى ومن يحلل عليه غضبى فقد هوى تحذير لهم من تجاوز الحدود التي شرعها الله- تعالى- لهم، إذ الطغيان مجاوزة الحد في كل شيء.
والضمير في قوله فِيهِ يعود إلى الموصول الذي هو ما في قوله:
ما رَزَقْناكُمْ ويحل- بكسر الحاء- بمعنى يجب. يقال: حل أمر الله على فلان يحل حلالا بمعنى وجب.
стр. 4024
وقرأ الكسائي فَيَحِلَّ بضم الحاء بمعنى ينزل يقال: حل فلان بالمكان يحل- بالضم حلولا، إذا نزل به.
والمعنى: كلوا يا بنى إسرائيل من الطيبات التي رزقكم الله إياها واشكروه عليها، ولا تتجاوزوا فيما رزقناكم الحدود التي شرعناها لكم، فإنكم إذا فعلتم ذلك حق عليكم غضبى، ونزل بكم عقابي، ومن حق عليه غضبى ونزل به عقابي فَقَدْ هَوى أى: إلى النار.
وأصله السقوط من مكان مرتفع كجبل ونحوه. يقال: هوى فلان- بفتح الواو- يهوى- بكسرها- إذا سقط إلى أسفل، ثم استعمل في الهلاك للزومه له.
ثم فتح- سبحانه- باب الأمل لعباده فقال: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ أى: لكثير المغفرة لِمَنْ تابَ من الشرك والمعاصي وَآمَنَ بكل ما يجب الإيمان به وَعَمِلَ صالِحاً أى:
وعمل عملا مستقيما يرضى الله- تعالى-. ثُمَّ اهْتَدى أى: ثم واظب على ذلك، وداوم على استقامته وصلاحه إلى أن لقى الله- تعالى-.
وثم في قوله ثُمَّ اهْتَدى للتراخي النسبي، إذ أن هناك فرقا كبيرا بين من يتوب إلى الله- تعالى- ويقدم العمل الصالح، ويستمر على ذلك إلى أن يلقى الله- تعالى- وبين من لا يداوم على ذلك.
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن فتنة قوم موسى- ﵇ بعد أن ذهب لمناجاة ربه، وكيف انقادوا لخديعة السامري لهم.. فقال- تعالى-:
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٨٣ الى ٨٩]
وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى (٨٣) قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى (٨٤) قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥) فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦) قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧)
فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ (٨٨) أَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً (٨٩)
стр. 4025
وهذه الآيات الكريمة تحكى قصة ملخصها: أن موسى ﵇ بعد أن أهلك الله- تعالى- فرعون وجنوده، سار ببني إسرائيل متجها ناحية جبل الطور، ثم تركهم مستخلفا عليهم أخاه هارون، وذهب لمناجاة ربه ومعه سبعون من وجهائهم، ثم عجل من بينهم شوقا للقاء ربه، فأخبره- سبحانه- بما أحدثه قومه في غيبته عنهم. وجملة وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى مقول لقول محذوف.
والمعنى: وقلنا لموسى: أى شيء جعلك تتعجل المجيء إلى هذا المكان قبل قومك وتخلفهم وراءك، مع أنه ينبغي لرئيس القوم أن يتأخر عنهم في حالة السفر، ليكون نظره محيطا بهم ونافذا عليهم؟.
فأجاب موسى معتذرا لربه- تعالى- بقوله: هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي أى: على مقربة منى، وسيلحقون بي بعد زمن قليل وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى أى: وقد حملني على أن أحضر قبلهم، شوقي إلى مكالمتك- يا إلهى- وطمعي في زيادة رضاك عنى.
فموسى- ﵇ قد علل تقدمه على قومه في الحضور بعلتين: الأولى: أنهم كانوا على مقربة منه. والثانية: حرصه على استدامة رضى ربه عنه.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: وَما أَعْجَلَكَ سؤال عن سبب العجلة، فكان الذي ينطبق عليه من الجواب أن يقال: طلب زيادة رضاك أو الشوق في كلامك. وقوله:
هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي كما ترى غير منطبق عليه؟.
قلت: قد تضمن ما واجهه به رب العزة شيئين: أحدهما: إنكار العجلة في نفسها، والثاني: السؤال عن سببها الحامل عليها، فكان أهم الأمرين إلى موسى بسط العذر، وتمهيد العلة في نفس ما أنكر عليه، فاعتل بأنه لم يوجد منى إلا تقدم يسير، مثله لا يعتد به في العادة، ولا يحتفل به، وليس بيني وبين من سبقته إلا مسافة قريبة، يتقدم بمثلها الوفد رئيسهم
стр. 4026
ومقدمهم. ثم عقبه بجواب السؤال عن السبب فقال: وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى «١» .
وقوله- تعالى-: قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ إخبار منه- سبحانه- بما فعله قومه بعد مفارقته لهم.
وكلمة فَتَنَّا من الفتن ومعناه لغة: وضع الذهب في النار ليتبين أهو خالص أم زائف.
والفتنة تطلق في القرآن بإطلاقات متعددة منها: الدخول في النار كما في قوله- تعالى-:
يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ. ومنها الحجة كما في قوله- تعالى-: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ. ومنها: الاختبار والامتحان، كما في قوله- سبحانه-: أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
. ومنها الإضلال والإشراك، كما في قوله- تعالى-: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وقوله- سبحانه-: وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً ...
ويبدو أن المراد بالفتنة هذا المعنى الأخير وهو الإضلال والشرك، لأن فتنتهم كانت بسبب عبادتهم للعجل في غيبة موسى- ﵇.
ويدل على هذا قوله- تعالى-: وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ ...
والسامري: اسم للشخص الذي كان سببا في ضلال بنى إسرائيل، قيل: كان من زعماء بنى إسرائيل وينسب إلى قبيلة تعرف بالسامرة.
وقيل: إنه كان من قوم يعبدون البقر، وقيل غير ذلك من أقوال مظنونة غير محققة.
أى: قال الله- تعالى- لموسى: فإنا قد أضللنا قومك من بعد مفارقتك لهم، وكان السبب في ضلالهم السامري، حيث دعاهم إلى عبادة العجل فانقادوا له وأطاعوه.
وقوله- تعالى-: فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً بيان لما كان منه- ﵇ بعد أن علم بضلال قومه.
وكان رجوع موسى إليهم بعد أن ناجى ربه، وتلقى منه التوراة.
قال الآلوسى ما ملخصه: فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ عند رجوعه المعهود أى: بعد ما استوفى الأربعين «ذا القعدة وعشر ذي الحجة» وأخذ التوراة لا عقيب الإخبار المذكور، فسببية ما قبل الفاء لما بعدها إنما هي باعتبار قيد الرجوع المستفاد من قوله غَضْبانَ أَسِفاً لا باعتبار نفسه، وإن كانت داخلة عليه حقيقة، فإن كون الرجوع بعد تمام الأربعين أمر مقرر مشهور لا يذهب الوهم إلى كونه عند الإخبار المذكور ... » «٢» .
стр. 4027
والمعنى فرجع موسى إلى قومه- بعد مناجاته لربه وبعد تلقيه التوراة حالة كونه غَضْبانَ أَسِفاً أى: غضبان شديد الغضب.
فالمراد بالأسف شدة الغضب، وقيل المراد به الحزن والجزع.
ثم بين- سبحانه- ما قاله موسى لقومه بعد رجوعه إليهم فقال: قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً ...
أى: قال لهم على سبيل الزجر والتوبيخ يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا لا سبيل لكم إلى إنكاره، ومن هذا الوعد الحسن: إنزال التوراة لهدايتكم وسعادتكم، وإهلاك عدوكم أمام أعينكم. فلماذا أعرضتهم عن عبادته وطاعته مع أنكم تعيشون في خيره ورزقه..؟.
ثم زاد في تأنيبهم وفي الإنكار عليهم فقال: أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي.
فالاستفهام في قوله أَفَطالَ.. للنفي والإنكار وأَمْ منقطعة بمعنى بل.
والمعنى: أفطال عليكم الزمان الذي فارقتكم فيه؟ لا إنه لم يطل حتى تنسوا ما أمرتكم به، بل إنكم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم، فأخلفتم موعدي الذي وعدتمونى إياه وهو أن تثبتوا على إخلاص العبادة لله- تعالى-.
ومعنى إرادتهم حلول الغضب عليهم، أنهم فعلوا ما يستوجب ذلك وهو طاعتهم للسامري في عبادتهم للعجل.
قال ابن جرير: كان إخلافهم موعده: عكوفهم على عبادة العجل، وتركهم السير على أثر موسى للموعد الذي كان الله وعدهم، وقولهم لهارون إذ نهاهم عن عبادة العجل ودعاهم إلى السير معه في أثر موسى: لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى «١» .
ثم حكى- سبحانه- معاذيرهم الواهية التي تدل على بلادة عقولهم، وانتكاس أفكارهم، وتفاهة شخصيتهم فقال- تعالى-: قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا ...
وقوله بِمَلْكِنا قرأه نافع وعاصم- بفتح الميم وسكون اللام- أى: بأمرنا. وقرأه حمزة والكسائي بِمَلْكِنا بكسر الميم وسكون اللام- أى: بطاقتنا: وقرأه الباقون- بضم الميم وسكون اللام- أى: بسلطاننا، وهو مصدر مضاف لفاعله ومفعوله محذوف، أى: بملكنا أمرنا.
أى: قال بنو إسرائيل لنبيهم موسى على سبيل الاعتذار الذي هو أقبح من ذنب:
стр. 4028
ما أخلفنا موعدك فعبدنا العجل بأمرنا وطاقتنا واختيارنا، فقد كان الحال أكبر من أن يدخل تحت سلطاننا، ولو خلينا بيننا وبين أنفسنا ولم يسول لنا السامري ما سول لبقينا على العهد الذي عاهدناك عليه، وهو أن نعبد الله- تعالى- وحده.
وقوله: وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ حكاية لبقية ما قالوه من أعذر قبيحة.
ولفظ: «حملنا» قرأه ابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم- بضم الحاء وتشديد الميم- على أنه فعل ونائب فاعل، وقرأه الباقون- بفتح الحاء والميم- على أنه فعل وفاعل.
قال الآلوسى ما ملخصه: والمراد بالقوم: القبط، وبالأوزار: الأحمال وتسمى بها الآثام، وقصدوا بذلك ما استعاروه من القبط من الحلي في عيد لهم قبل الخروج من مصر، وقيل:
استعاروه باسم العرس. وقيل: هي ما ألقاه البحر على الساحل مما كان على الذين غرقوا وهم فرعون وجنوده فأخذ بنو إسرائيل ذلك على أنه غنيمة مع أنها غنيمة مع أنها لم تكن حلالا لهم «١» .
أى: قال بنو إسرائيل لموسى: ما أخلفنا عهدك بأمرنا ولكنا حملنا أثقالا وأحمالا من زينة القبط التي أخذناها منهم بدون حق فَقَذَفْناها في النار بتوجيه من السامري، فَكَذلِكَ أى: فكما ألقينا ما معنا أَلْقَى السَّامِرِيُّ ما معه من تلك الزينة.
قال ابن كثير: وحاصل ما اعتذر به هؤلاء الجهلة أنهم تورعوا عن زينة القبط، فألقوها عنهم، فعبدوا العجل، فتورعوا عن الحقير، وفعلوا الأمر الكبير.. «٢» .
ثم بين- سبحانه- ما صنعه لهم السامري من تلك الحلي فقال: فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ.
والخوار: الصوت المسموع.
أى: فكانت نتيجة ما قذفوه من الحلي في النار، أن أخرج السامري لهم من ذلك عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ أى: صوت كصوت البقر.
قيل: إن الله- تعالى- خلق الحياة في ذلك العجل على سبيل الاختبار والامتحان لهم.
وقيل: لم تكن به حياة، ولكن السامري صنعه لهم بدقة، وجعل فيه منافذ إذا دخلت فيها الريح أخرجت منه صوتا كصوت خوار البقر.
стр. 4029
فقال بنو إسرائيل عند ما رأوا العجل الذي صنعه لهم السامري: هذا إلهكم وإله موسى فاعبدوه، لأن موسى نسى إلهه هنا، وذهب ليبحث عنه في مكان آخر، فالضمير في قوله فَنَسِيَ يعود لموسى.
وقولهم هذا يدل على بلادتهم وسوء أدبهم مع نبيهم، فهم لم يكتفوا بعبادة العجل، بل زعموا أن نبيهم الداعي لهم إلى توحيد الله، قد كان يعبد العجل وأنه قد نسى مكانه فذهب يبحث عنه.
وقيل: إن الذي حدث منه النسيان هو السامري، وأن النسيان بمعنى الترك، أى: فترك السامري ما كان عليه من الإيمان الظاهري، ونبذ الدين الذي بعث الله- تعالى- به موسى، وحض الناس على عبادة العجل الذي صنعه لهم.
والقول الأول أرجح، لأنه هو الظاهر من معنى الآية الكريمة، ولأنه هو المأثور عن السلف.
قال ابن جرير: «وأولى الأقوال بالصواب عندنا أن يكون فَنَسِيَ خبرا من الله- تعالى- عن السامري، وأنه وصف موسى بأنه نسى ربه، وأن ربه الذي ذهب يريده هو العجل الذي أخرجه السامري، لإجماع الحجة من أهل التأويل عليه، ولأنه عقيب ذكر موسى، وهو أن يكون خبرا من السامري عنه بذلك أشبه من غيره» «١» .
وقوله- تعالى-: أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا، وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً تقريع لهم على جهلهم وغبائهم وسوء أدبهم.
والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام، أى: أبلغ عمى البصيرة عند هؤلاء السفهاء أنهم لم يفطنوا إلى أن هذا العجل الذي اتخذوه إلها، لا يستطيع أن يجيبهم إذا سألوه أو خاطبوه، ولا يرد عليهم قولا يقولونه له، ولا يملك لهم شيئا لا من الضر ولا من النفع.
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا، اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ «٢» .
ثم بين- سبحانه- موقف هارون- ﵇ من هؤلاء الجاهلين الذين عبدوا العجل، فقال- تعالى-:
стр. 4030
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٩٠ الى ٩١]
وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى (٩١)
وجملة: وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ ... قسمية مؤكدة لما قبلها.
أى: والله لقد نصح هارون- ﵇ عبدة العجل من قومه، قبل رجوع موسى إليهم، فقال لهم مستعطفا:.. يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ.. أى: يا قوم إن ضلالكم وكفركم إنما هو بسبب عبادتكم العجل، فالضمير في بِهِ يعود إلى العجل.
وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ هو وحده المستحق للعبادة والطاعة.
وجمع- سبحانه- بين لفظي الرب والرحمن، لجذبهم نحو الحق، واستمالتهم نحوه، وللتنبيه على أنهم متى تابوا قبل الله توبتهم، لأنه- سبحانه- هو الرحمن الرحيم.
والفاء في قوله: فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي لترتيب ما بعدها على ما قبلها.
أى: وما دام الأمر كذلك فاتبعوني وأطيعوا أمرى، في الثبات على الحق، وفي نبذ عبادة العجل، وفي المحافظة على ما عاهدكم عليه موسى- ﵇.
ولكن هذه النصيحة الحكيمة من هارون لهم لم تجد أذنا صاغية. بل قابلوا نصيحته لهم بالاستخفاف والتصميم على ما هم فيه من ضلال، إذ قالوا في الرد عليه: لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ أى: سنستمر على عبادة العجل، وسنواظب على هذه العبادة مواظبة تامة حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى فنرى ماذا سيكون منه.
فهم لجهالاتهم وانطماس بصائرهم، وسوء أدبهم، يرون أن هارون- ﵇ ليس أهلا للنصيحة والطاعة، مع أنه قد خاطبهم بأحكم أسلوب، وألطف منطق.
قال الرازي: واعلم أن هارون- ﵇ سلك في هذا الوعظ أحسن الوجوه لأنه زجرهم عن الباطل- أولا- بقوله: يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ ثم دعاهم إلى معرفة الله- ثانيا- بقوله: وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ ثم دعاهم- ثالثا- إلى معرفة النبوة بقوله:
فَاتَّبِعُونِي ثم دعاهم- رابعا- إلى الشرائع بقوله: وَأَطِيعُوا أَمْرِي.
وهذا هو الترتيب الجيد، لأنه لا بد قبل كل شيء من إماطه الأذى عن الطريق وهو إزالة الشبهات، ثم معرفة الله- تعالى- هي الأصل، ثم النبوة، ثم الشريعة: فثبت أن هذا