وإن جعلت الم بمنزلة الصوت، كان «ذلك» مبتدأ خبره «الكتاب» ، أى: ذلك الكتاب المنزل هو الكتاب الكامل «١» ... اهـ ملخصا.
وقيل: المشار إليه الم على أنه اسم للسورة والمراد المسمى.
والْكِتابُ مصدر كتب كالكتب، وأصل الكتب ضم أديم إلى أديم بالخياطة. واستعمل عرفا في ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط، وأريد به هنا المنظوم عبارة قبل أن تنظم حروفه التي يتألف منها في الخط، تسمية للشيء باسم ما يؤول إليه.
و (الريب) في الأصل مصدر رابه الأمر إذا حصل عنده فيه ريبة، وحقيقة الريبة، قلق النفس واضطرابها، ثم استعمل في معنى الشك مطلقا. وقال ابن الأثير: الريب هو الشك مع التهمة.
و (هدى) . مصدر هداه هدى وهداية وهدية- بكسرها- فهدى، ومعناه الدلالة الموصلة إلى البغية، وضده الضلال.
و (المتقون) جمع متق، اسم فاعل من اتقى وأصله اوتقى- بوزن افتعل- من وقى الشيء وقاية، أى: صانه وحفظه مما يضره ويؤذيه.
والمعنى: ذلك الكتاب الكامل، وهو القرآن الكريم، ليس محلا لأن يرتاب عاقل أو منصف في أنه منزل من عند الله، وأنه هداية وإرشاد للمتقين الذين يجتنبون كل مكروه من قول أو فعل، حتى يصونوا أنفسهم عما يضرها ويؤذيها.
وكانت الإشارة بصيغة البعيد، لأنه سامى المنزلة أينما توجهت إليه، فإن نظرت إليه من ناحية تراكيبه فهو معجز للبلغاء، وإن نظرت إليه من ناحية معانيه فهو فوق مدارك الحكماء، وإن نظرت إليه من ناحية قصصه وتاريخه فهو أصدق محدث عن الماضين، وأدق محدد لتاريخ السابقين، فلا جرم أن كانت الإشارة في الآية باستعمال اسم الإشارة للبعيد لإظهار رفعة شأن هذا القرآن، وقد شاع في كلام البلغاء تمثيل الأمر الشريف بالشيء المرفوع في عزة المنال، لأن الشيء النفيس عزيز على أهله، فمن العادة أن يجعلوه في مكان مرتفع بعيد عن الأيدى.
وصحت الإشارة إلى الكتاب وهو لم ينزل كله بعد، لأن الإشارة إلى بعضه كالإشارة إلى الكل حيث كان بصدد الإنزال، فهو حاضر في الأذهان، فشبه بالحاضر في العيان.
ونفى عنه الريب على سبيل الاستغراق مع وقوع الريب فيه من المشركين حيث وصفوه بأنه
стр. 37
أساطير الأولين، لأنه لروعة حكمته، وسطوع حجته، لا يرتاب ذو عقل متدبر في كونه وحيا سماويا، ومصدر هداية وإصلاح.
فالجملة الكريمة تنفى الريب في القرآن عمن شأنهم أن يتدبروه، ويقبلوا على النظر فيه بروية، ومن ارتاب في القرآن فلأنه لم يقبل عليه بأذن واعية، أو بصيرة نافذة، أو قلب سليم.
وقدم جملة لا رَيْبَ فِيهِ على جملة هُدىً لِلْمُتَّقِينَ لأنه أراد أن ينفى عن ساحة كونه كتابا هاديا غبار الريب، وغيوم الشكوك، حتى يستقر في النفوس وصفه، وتطمئن القلوب لآثاره ومقاصده وهداياته.
وفصل جملة لا رَيْبَ فِيهِ عما قبلها لكمال الاتصال، حيث كانت جملة ذلِكَ الْكِتابُ مفيدة لكماله، وجملة لا رَيْبَ فِيهِ مفيدة لنفى الريب عنه.
والمراد بكونه هُدىً لِلْمُتَّقِينَ مع أنه هداية لهم ولغيرهم، لأنهم هم المنتفعون به دون سواهم.
قال تعالى: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ، وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى، أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ.
ومعنى كونه هدى لهم أنه يزيدهم هدى على ما لديهم من الهدى كما قال- تعالى-:
وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ.
ويصح أن يكون المعنى: هدى للناس الذين صاروا متقين بهذه الهداية، كما أقول: هديت مهتديا، أو كتبت مكتوبا، على معنى أنى هديت شخصا صار مهديا بهذه الهداية، وكتبت خطابا صار مكتوبا بهذه الكتابة، وهو أسلوب عربي صحيح. كما ورد في حديث «من قتل قتيلا فله سلبه» .
قال صاحب الكشاف: ومحل هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الرفع، لأنه خبر مبتدأ محذوف، أو خبر مع لا رَيْبَ فِيهِ ل «ذلك» ... والذي هو أرسخ عرقا في البلاغة أن يضرب عن هذه المحال صفحا، وأن يقال: إن قوله الم جملة برأسها أو طائفة من حروف المعجم مستقلة برأسها.
وذلِكَ الْكِتابُ جملة ثانية. ولا رَيْبَ فِيهِ ثالثة. وهُدىً لِلْمُتَّقِينَ رابعة. وقد أصيب بترتيبها مفصل البلاغة وموجب حسن النظم، حيث جيء بها متناسقة هكذا من غير نسق، وذلك لمجيئها متآخية آخذا بعضها بعنق بعض. فالثانية متحدة بالأولى معتنقة لها، وهلم جرا إلى الثالثة والرابعة: بيان ذلك أنه نبه أولا على أنه الكلام المتحدى به، ثم أشير إليه بأنه الكتاب المنعوت بغاية الكمال. فكان تقريرا لجهة التحدي، وشدا من أعضاده ثم نفى عنه أن يتشبث به من طرف الريب، فكان شهادة وتسجيلا بكماله. لأنه لا كمال أكمل من الحق
стр. 38
واليقين. ولا نقص أنقص مما للباطل والشبه.
وقيل لبعض العلماء: فيم لذتك؟ فقال: في حجة تتبختر اتضاحا، وفي شبهة تتضاءل افتضاحا. ثم أخبر عنه بأنه هدى للمتقين، فقرر بذلك كونه يقينا لا يحوم الشك حوله، وحقا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ثم لم تخل كل واحدة من الأربع- بعد أن رتبت هذا الترتيب الأنيق- من نكتة ذات جزالة. ففي الأولى الحذف والرمز إلى الغرض بألطف وجه وأرشقه. وفي الثانية ما في التعريف من الفخامة، وفي الثالثة ما في تقديم الريب على الظرف، وفي الرابعة الحذف «١» ...
ثم فصل القرآن بعد ذلك أوصاف المتقين، ومدحهم بجملة من المناقب الحميدة، فقال:
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ أى: يصدقون بما غاب عن حواسهم، كالصانع وصفاته، وكاليوم الآخر وما فيه من بعث وحساب وثواب وعقاب.
والإيمان لغة التصديق والإذعان، وهو إفعال من الأمن. وشرعا التصديق بما علم بالضرورة أنه من الدين، كالايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ... إلخ، وعدى يُؤْمِنُونَ بالباء لتضمينه معنى أقر واعترف.
والغيب: مصدر غاب يغيب، وكثيرا ما يستعمل بمعنى الغائب، وهو الظاهر من هذه الآية الكريمة. ومعناه: ما لا تدركه الحواس، ولا يعلم ببداهة العقل.
قال بعض العلماء: وخص بالذكر الإيمان بالغيب دون غيره من متعلقات الإيمان، لأن الإيمان بالغيب هو الأصل في اعتقاد إمكان ما تخبر به الرسل عن وجود الله والعالم العلوي، فإذا آمن به المرء تصدى لسماع دعوة الرسول وللنظر فيما يبلغه عن الله- تعالى- فسهل عليه إدراك الأدلة، وأما من يعتقد أنه ليس من وراء عالم الماديات عالم آخر، فقد راض نفسه على الإعراض عن الدعوة، كما هو حال الماديين الذين يقولون: «ما يهلكنا إلا الدهر «٢» :
والإيمان بالغيب: يستلزم التصديق به على وجه الجزم، وهو لا يحصل إلا عن دليل.
ولا شك أن قيام البراهين على صدق من أخبر بالغيب يجعل المؤمن بهذا الغيب مصدقا عن دليل، فنحن لا نحتاج في الإيمان بالملائكة والكتب السماوية السابقة، والرسل الذين أرسلوا من قبل، والبعث وما فيه من ثواب وعقاب، لا نحتاج في الإيمان بكل ذلك إلى دليل زائد على الأدلة التي قامت على صدق نبينا محمد ﷺ .
والإيمان بالغيب دليل على اتساع العقول، وسلامة القلوب، إذ أن معنى الإيمان بالغيب هو
стр. 39
أن عقولهم قد سلّم إدراكها، وتقشعت عنها غشاواتها، وامتد نظرها في الكائنات فأدركت أن لها مبدعا حكيما وخالقا قديرا، جعلها تسير بنظام محكم، فهذه كواكب تظهر وتغيب، وسماء مرفوعة بغير عمد، وأرض راسية لا تميد ولا تضطرب ... صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ فكان من ذلك لتلك العقول براهين قاطعة على وجود خالق مدبر، وحكيم قدير، ومبدع لا تأخذه سنة ولا نوم.
والإيمان بالغيب الذي أخبر به الصادق المصدوق ﷺ يقوى ويعظم كلما قوى الإيمان في القلوب، واستولى الصفاء على النفوس، وقد مدح النبي ﷺ المؤمنين بالغيب في أحاديث متعددة، منها ما جاء عن خالد بن دريك، عن ابن محيريز قال: قلت لابن جمعة: حدثنا حديثا سمعته من رسول الله ﷺ قال: نعم أحدثك حديثا. تغدينا مع رسول الله ﷺ ومعنا أبو عبيدة بن الجراح فقال: يا رسول الله، هل أحد خير منا؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك.
قال: نعم، قوم من بعدكم يؤمنون بي ولم يرونى» .
قال ابن كثير: فقد مدحهم على ذلك وذكر أنهم أعظم أجرا من هذه الحيثية لا مطلقا «١» .
وأخرج ابن أبى حاتم والطبراني وابن مندة وأبو نعيم عن بديلة بنت أسلّم قالت: صليت الظهر أو العصر في مسجد بنى حارثة، واستقبلنا مسجد إيلياء فصلينا سجدتين، ثم جاء من يخبرنا بأن رسول الله ﷺ قد استقبل البيت، فتحول الرجال مكان النساء، والنساء مكان الرجال، فصلينا السجدتين الباقيتين ونحن مستقبلون البيت الحرام، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «أولئك قوم آمنوا بالغيب» «٢» .
تلك أول صفة نتيجة التقوى وهي الإيمان بالغيب، أما الصفة الثانية التي مدح الله بها المتقين فهي قوله- تعالى-:
وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ.
الصلاة في اللغة الدعاء، من صلى يصلّى إذا دعا، واستعملها الشارع في العبادة ذات الركوع والسجود لاشتمالها على الدعاء، والإقامة في الأصل: الدوام والثبات، من قولك: قام الحق أى: ظهر وثبت.
ومعنى يُقِيمُونَ الصَّلاةَ: يؤدونها في أوقاتها المقدرة لها، مع تعديل أركانها، وإيقاعها مستوفية لواجباتها وسننها وآدابها وخشوعها، فإن الصلاة المقامة بحق هي تلك التي يصحبها
стр. 40
الإخلاص، واستحضار جلال الله في الركوع والسجود، وهي التي تترتب عليها الآثار العظيمة من تزكية النفس، وعفافها، وتركها لكل الشرور والآثام، كما قال- تعالى-: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ.
وقدم الإيمان بالغيب على إقامة الصلاة تعظيما لعمل القلب، واعتدادا بشرطية الإيمان في صحة أعمال الجوارح.
وقدم إقامة الصلاة على الإنفاق، لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولأنها تتكرر في اليوم خمس مرات، ولأنها صلة بين العبد وربه، والإنفاق صلته بالناس، ولأن مشروعيتها كانت سابقة على مشروعية الزكاة.
أما الصفة الثالثة التي مدح الله بها المتقين فهي قوله- تعالى-:
وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ.
أى: ومما أعطيناهم وملكناهم يتصدقون في وجوه الخير، ويمدون أيديهم بالإحسان إلى الفقير والمسكين.
والرزق عند جمهور العلماء ما صلح للانتفاع به حلالا كان أو حراما، خلافا للمعتزلة الذين يرون أن الحرام ليس برزق. والإنفاق: إخراج المال وإنفاده وصرفه، يقال: نفق- كفرح ونصر- نفد وفنى أو قلّ. وأنفق ماله أنفده، وأصل المادة يدل على الخروج والذهاب، ومنه:
نافق فلان، والنافقاء، والنفق. وقال «ينفقون» ولم يقل أنفقوا، ليشعر بأن الإنفاق منهم يتجدد بين وقت وآخر. ولم يحدد وجوه الانفاق بل تركها مطلقة لتشمل الفرض والواجب وغيرهما من وجوه الإحسان.
وإيراد «من» في قوله تعالى- وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ للإشارة إلى أن مواظبتهم على إنفاق أموالهم بين الحين والحين، كفيل بتوصيلهم إلى زمرة المهتدين المفلحين، وللإشعار بأنهم ينفقون بعض أموالهم مبتعدين عن الإسراف والتبذير حتى لا يتركوا ورثتهم عالة يتكففون وجوه الناس.
هذا، وقد عنى القرآن الكريم عناية فائقة بالحض على الإنفاق في وجوه الخير، ومدح الذين يفعلون ذلك مدحا عظيما في عشرات الآيات، وذلك لأن الأمة التي يكثر فيها المنفقون لأموالهم في وجوه الخير، لا بد أن تعز كلمتها، وتسلّم من كوارث شتى، كالجهل، والفقر، والمرض.
فببذل المال تسد حاجات البؤساء، وتشاد معاهد التعليم، وتقام وسائل حفظ الصحة، وتنمو المحبة والمودة بين الأغنياء والفقراء.
стр. 41
قال تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ، وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ.
ثم أضاف القرآن إلى صفات المتقين وصفا رابعا فقال:
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ.
والمراد بقوله- تعالى- بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ القرآن الكريم، وإنما عبر عنه بلفظ الماضي- وإن كان بعضه مترقبا- تغليبا للموجود على ما لم يوجد.
والمراد بقوله- تعالى- وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ، الكتب الإلهية السابقة التي أنزلها الله على أنبيائه كموسى وعيسى وداود. وهذا كقوله- تعالى-:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ «١» .
والإيمان بما أنزل على الرسول ﷺ يستلزم الإيمان برسالته، ويستوجب العمل بما تضمنته شريعته.
وإيجاب العمل بما تضمنه القرآن الذي أنزله الله على محمد ﷺ باق على إطلاقه. أما الكتب السماوية السابقة فيكفى الإيمان بأنها كانت وحيا وهداية، وقد تضمن القرآن الكريم ما اشتملت عليه هذه الكتب من هدايات وأصبح بنزوله مهيمنا عليها، قال- تعالى-:
وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ.
وصار من المحتم على كل عاقل أن يعمل بما جاء به القرآن من توجيهات.
وقدم الإيمان بما أنزل عليه على الإيمان بما أنزل على الذين من قبله- مع أن الترتيب يقتضى العكس- لأن إيمانهم بمن قبله لا قيمة له إلا إذا آمنوا بمحمد ﷺ :
ولم يقل: ويؤمنون بما أنزل من قبلك بتكرير يؤمنون، للإشعار بأن الإيمان به وبهم واحد، لا تغاير فيه وإن تعدد متعلقه.
ويرى بعض العلماء أن المراد من الآية الكريمة، أهل الكتاب الذين آمنوا بالكتب السماوية التي نزلت قبل القرآن، نم لما نزل القرآن على النبي محمد ﷺ وعرفوا أنه الحق- آمنوا به أيضا-، فصار لهم أجران، كما جاء في الحديث الشريف، الذي ثبت في الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين يوم القيامة: رجل من
стр. 42
أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي، ورجل مملوك أدى حق الله وحق مواليه، ورجل أدب جاريته فأحسن تأديبها، ثم أعتقها.
ثم وصف الله المتقين بوصف خامس فقال: وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ الآخرة تأنيث الآخر.
وهذا اللفظ تارة يجيء وصفا ليوم القيامة مع ذكر الموصوف، كما في قوله- تعالى- «وللدار الآخرة خير للذين يتقون» وتارة بهذا المعنى ولكن بدون ذكر الموصوف، كما في الآية التي معنا، وكما في قوله- تعالى- وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا.
وسميت آخرة لأنها تأتى بعد الدنيا التي هي الدار الأولى.
ويُوقِنُونَ من الإيقان وهو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، بحيث لا يطرأ عليه شك، ولا تحوم حوله شبهة. يقال يقن الماء إذا سكن وظهر ما تحته، ويقال: يقنت- بالكسر- يقنا، وأيقنت، وتيقنت، واستيقنت بمعنى واحد.
والمعنى: وبالدار الآخرة وما فيها من بعث وحساب وثواب وعقاب هم يوقنون إيقانا قطعيا، لا أثر فيه للادعاءات الكاذبة، والأوهام الباطلة.
وفي إيراد «هم» قبل قوله «يوقنون» تعريض، بغيرهم، ممن كان اعتقادهم في أمر الآخرة غير مطابق للحقيقة أو غير بالغ مرتبة اليقين.
ولا شك أن الإيمان باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب، له أثر عظيم في فعل الخيرات، واجتناب المنكرات، لأن من أدرك أن هناك يوما سيحاسب فيه على عمله، فإنه من شأنه أن يسلك الطريق القويم الذي يكسبه رضي الله يوم يلقاه.
قال أبو حيان: وذكر لفظة هُمْ في قوله: وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ولم يذكرها في قوله:
وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ لأن وصف إيقانهم بالآخرة أعلى من وصفهم بالإنفاق فاحتاج هذا إلى التوكيد ولم يحتج ذلك إلى تأكيد ولأنه لو ذكر هم هناك لكان فيه قلق لفظي، إذ يكون التركيب «ومما رزقناهم هم ينفقون» «١» .
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك الثمار التي ترتبت على تقواهم فقال:
أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
المفلحون: من الفلاح وهو الظفر والفوز بدرك البغية، وأصله من الفلح- بسكون اللام- وهو الشق والقطع، ومنه فلاحة الأرض وهو شقها للحرث. وأستعمل منه الفلاح في الفوز، كأن الفائز شق طريقه وفلحه للوصول إلى مبتغاه، أو انفتحت له طريق الظفر وانشقت.
стр. 43
والمعنى: أولئك المتصفون بما تقدم من صفات كريمة، على نور من ربهم، وأولئك هم الفائزون بما طلبوا، الناجون مما منه هربوا، بسبب إيمانهم العميق، وأعمالهم الصالحة.
والآية الكريمة كلام مستأنف لبيان أن أولئك المتقين في المنزلة العليا من الكمال الإنسانى، فقد وصفهم- سبحانه- بأنهم على هدى عظيم، ويدل على عظم هذا الهدى إيراده بصيغة التنكير، إذ من المعلوم عند علماء البيان أن التنكير يدل بمعونة المقام على التعظيم. كما يدل- أيضا- على عظم هذا الهدى وصفه بأنه «من ربهم» ، فهو الذي وفقهم إليه، ويسر لهم أسبابه.
وفي قوله- تعالى-: عَلى هُدىً إشعار بأنهم تمكنوا منه تمكن من استعلى على الشيء، وصار في قرار راسخ منه.
وجملة «وأولئك هم المفلحون» بيان لما ظفر به المتقون الحائزون لتلك الخصال، من سعادة في الدنيا والآخرة.
وتعريف الخبر وهو الْمُفْلِحُونَ مع إيراد ضمير الفصل «هم» يفيد أن الفلاح مقصور على أولئك المتقين، فمن لم يؤمن بالغيب، أو أضاع الصلاة، أو بخل بالمال الذي منحه الله إياه فلم يؤده في وجوهه المشروعة، فإنه لا يكون من المهتدين، ولا من المفلحين الذين سعدوا في دنياهم وآخرتهم.
قال الإمام الرازي: «وفي تكرير» أُولئِكَ تنبيه على أنهم كما ثبت لهم الاختصاص بالهدى، فقد ثبت لهم الاختصاص بالفلاح- أيضا- فقد تميزوا عن غيرهم بهذين الاختصاصين، فإن قيل: فلم جيء بالعاطف؟ وما الفرق بينه وبين قوله: أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ.
قلنا: قد اختلف الخبران هاهنا فلذلك دخل العاطف، بخلاف الخبرين ثمة فإنهما متفقان، لأن التسجيل عليهم بالغفلة وتشبيههم بالبهائم شيء واحد، وكانت الثانية مقررة لما في الأولى، فهي من العطف بمعزل» «١» .
وقال صاحب الكشاف بعد تفسيره لهذه الآية الكريمة « ... فانظر كيف كرر الله التنبيه على اختصاص المتقين بنيل ما لا يناله أحد على طرق شتى، وهي: ذكر اسم الإشارة، وتكريره، وتعريف المفلحين، وتوسيط ضمير الفصل بينه وبين أولئك، ليبصرك مرتباتهم، ويرغبك في طلب ما طلبوا، وينشطك لتقديم ما قدموا، ويثبطك عن الطمع الفارغ والرجاء الكاذب
стр. 44
والتمني على الله ما لا تقتضيه حكمته ولم تسبق به كلمته ... » «١» .
وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد مدحت القرآن الكريم بما يستحقه، وأثنت على من اهتدوا بهديه، ووصفتهم بالصفات السامية، وبشرتهم بالبشارات الكريمة.
وبعد أن انتهى القرآن من بيان شأن الكتاب وأثره في الهداية والإرشاد، وتصوير حال المتقين الذين اهتدوا به، وما اكتسبوه بالهداية من أوصاف سامية، وما كان لهم على ذلك من خير العاقبة وحسن الجزاء، أقول بعد أن انتهى من بيان كل ذلك شرع في بيان حال الكافرين، وما هم عليه من سوء الحال وقبيح الأوصاف فقال:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٦ الى ٧]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٧)
ففي هاتين الآيتين بيان لأحوال طائفة ثانية من الناس، على الضد في طبيعتها وأوصافها ومآلها من الطائفة الأولى التي فازت برضوان الله.
والكفر- بالضم- ضد الإيمان. وأصله المأخوذ منه الكفر- بالفتح- وهو ستر الشيء وتغطيته، ومنه سمى الليل كافرا، لأنه يغطى كل شيء بسواده، وسمى السحاب كافرا لستره ضوء الشمس.
ثم شاع الكفر في مجرد ستر النعمة، كأن المنعم عليه قد غطى النعمة بجحوده لها. ويستعمله الشارع في عدم الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.
وسمى من لم يؤمن بما يجب الإيمان به بعد الدعوة إليه- كافرا، لأنه صار بجحوده لذلك الحق وعدم الإذعان إليه كالمغطى له.
والمراد بالذين كفروا في الآية التي معنا، طائفة معينة صمت آذانها عن الحق، عنادا وحسدا، وليس عموم الكافرين، لأن منهم من دخل في الإسلام بعد نزول هذه الآية.
стр. 45
وسواء: اسم مصدر بمعنى الاستواء والمراد به اسم الفاعل أى: مستو ولذلك يوصف به كما يوصف بالمصدر، كما في قوله- تعالى-:
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ.
أى: مستوية.
والإنذار: إخبار معه تخويف في مدة تتسع للتحفظ من المخوف، فإن لم تتسع له فهو إعلام وإشعار لا إنذار، وأكثر ما يستعمل في القرآن في التخويف من عذاب الله- تعالى-.
والمعنى: إن الذين كفروا برسالتك يا محمد مستو عندهم إنذارك وعدمه، فهم لا يؤمنون بالحق، ولا يستجيبون لداعي الهدى، لسوء استعدادهم، وفساد فطرهم.
وجاءت جملة «إن الذين كفروا: مستأنفة ولم تعطف على ما قبلها لاختلاف الغرض الذي سيق له الكلام، إذ في الجمل السابقة حديث عن الكتاب وآثاره وعظمته، وهنا حديث عن الكافرين وأحوالهم.
وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال: «فإن قلت لم قطعت قصة الكفار عن قصة المؤمنين ولم تعطف كنحو قوله: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ. وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ. وغيره من الآيات الكثيرة؟ قلت: ليس وزان هاتين القصتين وزان ما ذكرت. لأن الأولى فيما نحن فيه مسوقة لذكر الكتاب وأنه هدى المتقين، وسيقت الثانية لأن الكفار من صفتهم كيت وكيت فبين الجملتين تباين في الغرض والأسلوب، وهما على حد لا مجال فيه للعاطف» .
وقوله سَواءٌ خبر إن وعَلَيْهِمْ متعلق به، وأَ أَنْذَرْتَهُمْ مؤول بمصدر فاعل سواء.
أى: إن الذين كفروا سواء عندهم إنذارهم وعدم إنذارهم وإنما استوى لديهم الإنذار وعدمه مع أن الإنذار إنما يواجههم به نبي قوى أمين مؤيد من الله- تعالى-، لأنهم لما جحدوا نعم الله، وعموا عن آياته، وحسدوا رسوله على ما آتاه الله من فضله، صاروا بسبب ذلك في حضيض جمد معه شعورهم، وبرد فيه إحساسهم، فلا تؤثر فيهم موجعات القول، ولا تنفذ إلى قلوبهم بالغات الحجج. فهم كما قال الشاعر:
لقد أسمعت إذ ناديت حيا ... ولكن لا حياة لمن تنادى
ولم يذكر- سبحانه- التبشير مع الإنذار، لأنهم ليسوا أهلا للبشارة، ولأن الإنذار أوقع في القلوب، والذي لا يتأثر به يكون عدم تأثره بغيره أولى.
ولم يقل- سبحانه- سواء عليك أأنذرتهم أم لم تنذرهم.. إلخ، لأنه بالنسبة له ﷺ لا يستوي الأمران، إذ هو في حالة إنذاره لهم مثاب ومأجور، أما في حالة عدم إنذاره فهو
стр. 46
مؤاخذ من الله- تعالى- لأنه مكلف بتبليغ ما أنزل إليه من ربه.
وجملة لا يُؤْمِنُونَ مفسرة لمعنى الجملة التي قبلها ومؤكدة لها، لأنه حيث كان الإنذار وعدمه سواء، فلا يتوقع منهم الإيمان. ولذلك فصلت.
وفي هذه الجملة إخبار بعدم إيمانهم ألبتة، وذلك لأن حرف «لا» إذا دخل على الفعل المضارع- كما هنا- أفاد أن الفعل لا يقع في المستقبل حتى تقوم قرينة تقصر النفي في المستقبل على وقت محدد.
والحكمة في الإخبار بعدم إيمان هذه الطائفة المعينة من الكفار، تسلية النبي ﷺ حتى لا يكون في صدره حرج من تمردهم وعدم إيمانهم بعد أن قام بواجب دعوتهم، وفي ذلك تذكرة لكل داع مصلح بأن لا يحترق قلبه أسفا على قوم أعرضوا عن سلوك الصراط المستقيم بعد أن دعاهم إليه، وبذل قصارى جهده في تبصيرهم وإرشادهم.
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك الموانع التي حالت بينهم وبين الاهتداء إلى الحق في الماضي والمستقبل فقال تعالى:
خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ، وَعَلى سَمْعِهِمْ، وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ.
والختم: الوسم بطابع ونحوه، مأخوذ من وضع الخاتم على الشيء وطبعه فيه للاستيثاق، لكي لا يخرج منه ما هو بداخله، ولا يدخله ما هو خارج عنه.
قال القرطبي: «والختم مصدر ختمت الشيء ختما فهو مختوم مختم، شدد للمبالغة، ومعناه التغطية على الشيء والاستيثاق منه، وقد يكون محسوسا كما في ختم الكتاب والباب، وقد يكون معنويا كالختم على القلوب ... » «١»
والقلوب: جمع قلب، وهو المضغة التي توجد بالجانب الأيسر من صدر الإنسان، ويستعمل في القوة العاقلة التي هي محل الفهم والعلم.
والسمع: مصدر سمع. ويطلق على الآلة التي يقع بها السمع.
ولما كان الختم يمنع من أن يدخل في المختوم عليه شيء، استعير لإحداث هيئة في القلب والسمع تمنع من خلوص الحق إليهما.
الأبصار: جمع بصر، وهو في الأصل الإدراك بالعين، ويطلق على القوة التي يقع بها الإبصار، وعلى العين نفسها. وهذا المعنى أقرب ما تحمل عليه الأبصار في الآية. وهو الأنسب
стр. 47
لأن تجعل عليه غشاوة. ومفاد الآية أن تصير أبصارهم بحيث لا تهتدى إلى النظر في حكمة المخلوقات وعجائب المصنوعات. باعتبار وتدبر وحتى لكأنما جعلت عليها غشاوة.
والغشاوة: ما يغطى به الشيء، من غشاه إذا غطاه. يقال:
غشيه غشاوة- مثلثة- وغشاية. أى: ستره وغطاه.
فهذه الآية الكريمة تفيد عن طريق الاستعارة أو التمثيل أن هناك حواجز حصينة، وأقفالا متينة قد ضربت على قلوبهم وعلى أسماعهم، وغشاوات مطبقة على أبصارهم حتى أصبحوا لا يخيفهم نذير ولا يرغبهم بشير.
وعبر في جانب القلب والسمع بالختم، وفي جانب البصر بالغشاوة، لمعنى سام، وحكمة رائعة، ذلك أن آفة البصر معروفة، إذ غشاوة العين معروفة لنا، فالتعبير في جانب العين بالغشاوة مما يحدد لنا مدى عجزهم عن إدراك آيات الله بتلك الجارحة، وأما القلب والسمع فإنهما لما كانا لا تدرك آفتهما إلا بصعوبة، فقد صور لنا موانعهما عن الاستجابة للحق بصورة الختم.
وعبر في جانب القلب والسمع بجملة فعلية تفيد التجدد والحدوث، وفي جانب البصر بجملة اسمية تفيد الثبات والاستقرار، لأنهم قبل الرسالة ما كانوا يسمعون صوت نذير، ولا يواجهون بحجة، وإنما كان صوت النذير وصياغة البراهين بعد ظهور النبي ﷺ . وأما ما يدرك بالبصر من دلائل وجود الله وآيات قدرته، فقد كان قائما في السماوات وفي الأرض وفي الأنفس، ويصح أن يدرك قبل الرسالة النبوية، وأن يستدل به المتبصرون والمتدبرون على وجود ربهم وحكمته، فلم يكن عماهم عن آيات الله القائمة حادثا متجددا، بل هم قد صحبهم العمى من بدء وجودهم، فلما دعوا إلى التبصر والتدبر صمموا على ما كانوا عليه من عمى، وجمع القلوب والأبصار وأفرد السمع، لأن القلوب تختلف باختلاف مقدار ما تفهمه مما يلقى إليها من إنذار أو تبشير، ومن حجة أو دليل، فكان عن ذلك تعدد القلوب بتعدد الناس على حسب استعدادهم، وكذلك شأن الناس فيما تنظره أبصارهم من آيات الله في كونه، فإن أنظارهم تختلف في عمق تدبرها وضحولته، فكان من ذلك تعدد المبصرين بتعدد مقادير ما يستطيعون تدبره من آيات الله في الآفاق. وأما المسموع فهو بالنسبة للناس جميعا شيء واحد هي الحجة يناديهم بها المرسلون، والدليل يوضحه لهم النبيون.
لذلك كان الناس جميعا كأنهم على سمع واحد، فكان إفراد السمع إيذانا من الله بأن حجته واحدة، ودليله واحد لا يتعدد.
стр. 48
ونرى القرآن هنا قدم القلب في الذكر على السمع، بينما في سورة الجاثية قدم السمع في الذكر على القلب فقال:
أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ، وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ.
وذلك لأنه- سبحانه- في سورة الجاثية قد ذكر الختم معطوفا على قوله «اتخذ إلهه هواه، ومن اتخذ إلهه هواه يكون أول ما يبدو منه للناس ويعرف هو إعراضه عن النصح، ولى رأسه عن استماع الحجة، فكان مظهر عدم السماع منه أول ما يبدو للناظرين، فلذلك قدم السمع على القلب.
وأما آيتنا هذه وهي قوله- تعالى- خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ فقد جاءت إثر الآية المختومة بقوله لا يُؤْمِنُونَ. والإيمان تصديق يقوم على الحجة والبراهين، وإدراك الحجة والبرهان إنما هو بالقلب فكان التعليل المتصل الواضح لنفى الإيمان أن قلوبهم مغلقة لا تنفذ إليها الحجة، أولا يتسرب إليها نور البرهان لذلك قدم القلب على السمع.
هذا وقوله- تعالى- خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ.. إلخ. لا ينفى عنهم تبعة الكفر، لأنهم هم الذين باشروا من فاسد الأعمال، وذميم الخصال، ومتابعة الهوى، ما نسج على قلوبهم الأغلفة السميكة، وأصم إلى جانب ذلك آذانهم وأعمى أبصارهم، ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.
ولعلماء الكلام كلام طويل حول هذه المسألة فليرجع إليه من شاء.
ثم بين- سبحانه- ما يستحقونه من عذاب بسبب إغراقهم في الكفر. واستحبابهم للمعاصي فقال:
وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ.
أى: ولهم بسبب سوء أعمالهم عذاب موجع مؤلم لأبدانهم وأجسامهم.
وأصل العذاب: المنع، يقال: عذب الفرس- كضرب- امتنع عن العلف. وعذب الرجل إذا ترك المأكل والنوم، فهو عاذب وعذوب. ثم أطلق على الإيجاع الشديد لما فيه من المنع عن اقتراف الذنب. والعظيم: الكبير، من عظم الشيء، وأصله كبر عظمه، ثم استعير لكل كبير محسوسا كان أو معقولا.
ووصف العذاب بالعظيم على معنى أن سائر ما يجانسه من العذاب يكون بالنسبة إليه حقيرا هينا.
стр. 49
قال أبو حيان في البحر: وقد ذكروا في هاتين الآيتين من ضروب الفصاحة أنواعا.
الأول: الخطاب العام اللفظ، الخاص المعنى.
الثاني: الاستفهام الذي يراد به تقرير المعنى في النفس. أي: يتقرر أن الإنذار وعدمه سواء عندهم.
الثالث: المجاز ويسمى الاستعارة وهو في قوله- تعالى- خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وحقيقة الختم وضع محسوس على محسوس يحدث بينهما رقم يكون علامة للخاتم، والختم هنا معنوي فإن القلب لما لم يقبل الحق مع ظهوره استعير اسم المختوم عليه، فبين أنه من مجاز الاستعارة.
الرابع: الحذف وهو في مواضع منها إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا.. أي: القوم الذين كفروا بالله وبك وبما جئت به، ومنها لا يُؤْمِنُونَ أى بالله وبما أخبرتهم به عنه «١» .
وإلى هنا يكون القرآن قد حدثنا عن طائفتين من الناس: طائفة المتقين وما لها من جميل الصفات، وجزيل الثواب، وطائفة الكافرين وما لها من ذميم النعوت، وشديد العقاب.
ثم ابتدأ القرآن بعد ذلك حديثه عن طائفة ثالثة ليس عندها إخلاص المتقين، وليس لديها صراحة الكافرين، وإنما هي طائفة قلقة مذبذبة لا إلى هؤلاء ولا إلى أولئك، تلك الطائفة الثالثة هي طائفة المنافقين الذين فضحهم القرآن. وأماط اللثام عن خفاياهم وخداعهم فقال:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٨ الى ١٠]
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)
قال صاحب الكشاف: «افتتح- سبحانه- كتابه بذكر الذين أخلصوا دينهم لله، وواطأت قلوبهم ألسنتهم، ووافق سرهم علنهم، وفعلهم قولهم، ثم ثنى بالذين محضوا الكفر ظاهرا
стр. 50
وباطنا، قلوبا وألسنة، ثم ثلث بالذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، وأبطنوا خلاف ما أظهروا. وهم الذين قال فيهم: مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ، وسماهم المنافقين وكانوا أخبث الكفرة وأبغضهم إليه وأمقتهم عنده، لأنهم خلطوا بالكفر تمويها وتدليسا، وبالشرك استهزاء وخداعا، ولذلك أنزل فيهم: إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ
ووصف حال الذين كفروا في آيتين ووصف حال الذين نافقوا في ثلاث عشرة آية، نعى عليهم فيها خبثهم، ومكرهم، وفضحهم، وسفههم. واستجهلهم، واستهزأ بهم، وتهكم بفعلهم، وسجل طغيانهم، ودعاهم صما بكما عميا، وضرب لهم الأمثال الشنيعة. وقصة المنافقين عن آخرها معطوفة على قصة الذين كفروا، كما تعطف الجملة على الجملة» «١» .
والناس: اسم لجماعة الإنس. قال القرطبي: «واختلف النحاة في لفظ الناس فقيل: هو من أسماء الجموع، جمع إنسان وإنسانة على غير اللفظ، وتصغيره نويس، فالناس من النوس وهو الحركة، يقال: ناس، ينوس أى: تحرك. وقيل: أصله نسى، فأصل ناس نسى، قلب فصار نيس، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفا، ثم دخلت الألف واللام فقيل:
الناس، قال ابن عباس: نسى آدم عهد الله فسمى إنسانا. وقيل: سمى إنسانا لأنسه بربه، قال الشاعر:
وما سمى الإنسان إلا لأنسه ... ولا القلب إلا أنه يتقلب «٢»
واليوم الآخر: هو اليوم الذي يبتدئ بالبعث ولا ينقطع أبدا، وقد يراد منه اليوم الذي يبتدئ بالبعث وينتهى باستقرار أهل الجنة في الجنة. وأهل النار في النار.
وقال القرآن في شأن المنافقين وَمِنَ النَّاسِ مجردا إياهم من الوصفين السابقين، وصف الإيمان ووصف الكفر، لأنهم لم يكونوا بحسب ظاهر الأمر مع الكافرين، ولا بحسب باطنه مع المؤمنين، لذا عبر عنهم بالناس لينطبق التعبير على ما حاولوه لأنفسهم من أنهم لا هم مؤمنون.
ولا هم كافرون وفي ذلك مبالغة في الحط من شأنهم. فهم لم يخرجوا عن كونهم ناسا فقط، دون أن يصلوا بأوصافهم إلى أهل اليمين أو إلى أهل الشمال الصرحاء في كفرهم، بل بقوا في منحدر من الأرض، لا يمر بهم سالك الطريق المستقيم ولا سالك المعوج من الطرق.
وعبر القرآن بلفظ يَقُولُ آمَنَّا ليفيد أنه مجرد قول باللسان، لا أثر له في القلوب، وإنما هم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم.
стр. 51
وحكى القرآن عن هؤلاء المنافقين أنهم اقتصروا في إظهار الإيمان على ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر، ليزيدوا في التمويه على المؤمنين بادعاء أنهم أحاطوا بالإيمان من طرفيه، لأن من يؤمن بالله واليوم الآخر، استجابة لدعوة الرسول ﷺ فإن من شأنه أن يكون- أيضا- مؤمنا برسل الله وملائكته وكتبه.
وقد كذبهم الله- تعالى- في دعواهم الإيمان، فقال:
وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ.
فهذه الجملة الكريمة رد لما ادعوه من الإيمان، ونفى له على أبلغ وجه، إذ جاء النفي مؤكدا بالباء في قوله بِمُؤْمِنِينَ. ثم ان الجملة نفت عنهم الإيمان على سبيل الإطلاق، فهم ليسوا بمؤمنين لا بالله ولا باليوم الآخر، ولا بكتب الله ولا برسله ولا بملائكته.
ثم بين- سبحانه- الدوافع التي دفعتهم إلى أن يقولوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ فقال:
يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا.
والخدع في أصل اللغة: الإخفاء والإبهام، يقال خدعه- كمنعه- خدعا، ختله وأراد به مكروها من حيث لا يعلم وأصله من خدع الضب حارسه إذ أظهر الإقبال عليه ثم خرج من باب آخر.
وخداعهم لله- تعالى- معناه إظهارهم الإيمان وإبطانهم الكفر ليحقنوا دماءهم وأموالهم، ويفوزوا بسهم من الغنائم، وسمى فعلهم هذا خداعا لله- تعالى- لأن صورته صورة الخداع، فالجملة الكريمة مسوقة على أسلوب المشاكلة، ولا يجوز حملها على الحقيقة، لأنه- سبحانه- لا يخفى عليه صنع المنافقين بل لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. قال- تعالى- إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ.
أما خداعهم للمؤمنين فمن مظاهره إظهارهم لهم أنهم إخوانهم في العقيدة وأنهم لا يريدون لهم إلا الخير. بينما هم في الحقيقة يضمرون لهم العداوة ويتربصون بهم الدوائر.
وجاءت الآية الكريمة هكذا بدون عطف، لأنها جواب سؤال نشأ من الآية السابقة، إذ أن قول المنافقين «آمنا» وما هم بمؤمنين، يثير في نفس السامعين استفهاما عما يدعو هؤلاء لمثل تلك الحال المضطربة والحياة القلقة المقامة على الكذب، فكان الجواب: إنهم يفعلون ذلك محاولين مخادعة المؤمنين، جهلا منهم بصفات خالقهم.
стр. 52
وقال القرآن: يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا. ولم يذكر مخادعتهم للرسول ﷺ ، ولعل الحكمة في ذلك أن القرآن يعتبر مخادعة الله مخادعة لرسوله، لأنه هو الذي بعثه إليهم، وهو المبلغ عن الله أحكامه وشرائعه. قال- تعالى-:
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ وقال- تعالى- مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ.
ثم بين- سبحانه- غفلتهم وغباءهم فقال: وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ.
الأنفس: جمع نفس بمعنى ذات الشيء وحقيقته. وتطلق على الجوهر اللطيف الذي يكون به الحس والحركة والإدراك.
ويشعرون: مضارع شعر بالشيء- كنصر وكرم- يقال: شعر بالشيء أى: فطن له، ومنه الشاعر لفطنته، لأنه يفطن لما لا يفطن له غيره من غريب المعاني ودقائقها.
والشعور: العلم الحاصل بالحواس، ومنه مشاعر الإنسان أى: حواسه.
والمعنى: أن هؤلاء المنافقين لم يخادعوا الله لعلمه بما يسرون، ولم يخادعوا المؤمنين لأن الله يدفع عنهم ضرر خداع المنافقين، وإنما يخدعون أنفسهم لأن ضرر المخادعة عائد عليهم، ولكنهم لا يشعرون بذلك. لأن ظلام الغي خالط قلوبهم، فجعلهم عديمي الشعور، فاقدى الحس.
وأتى بجملة «وما يخدعون إلا أنفسهم» ، بأسلوب القصر مع أن خداعهم للمؤمنين قد ينالهم بسببه ضرر، لأن أولئك المنافقين سيصيبهم عذاب شديد بسبب ذلك، أما المؤمنون فحتى لو نالهم ضرر فلهم عند الله ثوابه.
ونفى عنهم الشعور مع سلامة مشاعرهم، لأنهم لم ينتفعوا من نعمتها، ولم يستعملوها فيما خلقت له، فكانوا كالفاقدين لها.
ثم بين- سبحانه- العلة في خداعهم لله وللمؤمنين فقال: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ.
والمرض: العلة في البدن ونقيضه الصحة، وقد يستعمل على وجه الاستعارة فيما يعرض للمرء فيخل بكمال نفسه، كسوء العقيدة والحسد، والبغضاء والنفاق، وهو المراد هنا.
وسمى ما هم فيه من نفاق وكفر مرضا، لكونه مانعا لهم من إدراك الفضائل. كما أن مرض الأبدان يمنعها من التصرف الكامل.
وجعل القرآن قلوبهم ظرفا للمرض، للإشعار بأنه تمكن منها تمكنا شديدا كما يتمكن الظرف من المظروف فيه.
стр. 53
ثم أخبر- سبحانه- بأنهم بسبب سوء أعمالهم قد زادهم الله ضلالا وخسرا فقال:
فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً.
لأنهم استمروا في نفاقهم وشكهم، ومن سنة الله أن المريض إذا لم يعالج مرضه زاد لا محالة مرضه، إذ المرض ينشئ المرض، والانحراف يبدأ يسيرا ثم تنفرج الزاوية في كل خطوة وتزداد.
والمعنى: أن هؤلاء المنافقين قد زادهم الله رجسا على رجسهم، ومرضا على مرضهم، وحسدا على حسدهم، لأنهم عموا وصموا عن الحق، ولأنهم كانوا يحزنون لأى نعمة تنزل بالمؤمنين. كما قال- تعالى-: إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ، وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها.
ثم بين- سبحانه- سوء عاقبتهم فقال: وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ.
أَلِيمٌ أى: مؤلم وموجع وجعا شديدا. من ألم- كفرح- فهو ألم، وآلمه يؤلمه إيلاما، أى:
أوجعه إيجاعا شديدا.
والكذب: الإخبار عن الشيء بخلاف الواقع. ولقد كان المنافقون كاذبين في قولهم «آمنا بالله وباليوم الآخر» وهم غير مؤمنين، وجعلت الآية الكريمة العذاب الأليم مرتبا على كذبهم مع أنهم كفرة، والكفر أكبر معصية من الكذب، للإشعار بقبح الكذب، وللتنفير منه بأبلغ وجه، فهؤلاء المنافقون قد جمعوا الخستين، الكفر الذي توعد الله مرتكبه بالعذاب العظيم، والكذب الذي توعد الله مقترفه بالعقاب الأليم.
وعبر بقوله: كانُوا يَكْذِبُونَ لإفادة تجدد الكذب وحدوثه منهم حينا بعد حين، وأن هذه الصفة هي أخص صفاتهم، وأبرز جرائمهم، ثم وصفهم الله- تعالى- بعد ذلك بجملة من الرذائل والقبائح مضافة إلى قبائحهم السابقة فقال:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ١١ الى ١٣]
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ (١٢) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ (١٣)
стр. 54
الفساد: خروج الشيء عن حالة الاعتدال والاستقامة، وعن كونه منتفعا به، وضده الصلاح، يقال: فسد الشيء فسادا، وأفسده إفسادا.
والمراد به هنا كفرهم، ومعاصيهم، ومن كفر بالله وانتهك محارمه فقد أفسد في الأرض، لأن الأرض لا تصلح إلا بالتوحيد والطاعة.
ومن أبرز معاصى هؤلاء المنافقين، ما كانوا يدعون إليه في السر من تكذيب الرسول ﷺ وإلقاء الشبه في طريق دعوته، والتحالف مع المشركين ضد المسلمين كلما وجدوا إلى ذلك سبيلا.
وسلك القرآن هذا الأسلوب فقال: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ بالبناء للمفعول دون أن يسند الفعل إلى فاعله، لأن مصدر القول المعبر عن النهى عن الإفساد ليس مصدرا واحدا، فقد يصل آذانهم هذا النهى مرة من صريح القول. وأخرى مما كانوا يقابلون به من ناحية الرسول ﷺ وأصحابه من تجهم وإعراض.
وعلق بالفعل الذي هو الإفساد قوله: فِي الْأَرْضِ إيذانا بأن الإفساد مهما ضاقت حدوده، فإنه لا بد يوما أن يتعدى الحدود إلى ما وراء ذلك فقد يعم ويشمل إذا لم يشتد في الاحتياط له، لذلك جعل ظرف إفسادهم الأرض كلها مع أنهم موجودون في بقعة محصورة هي المدينة المنورة.
ولقد حكى القرآن جوابهم على نصيحة الناصحين وما فيه من تبجح وادعاء فقال:
قالُوا: إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ.
فقد بالغوا في الرد فحصروا أنفسهم أولا في الإصلاح مبالغة المفجوع الذي أذهلته المفاجأة بكشف أستار حقيقته، فتراهم لم يقتصروا على أن يقولوا: إنا مصلحون بل قالوا «إنما» .
ثم أكدوا الجملة بكونها اسمية ليدلوا بذلك على أن شأنهم في الإصلاح ثابت لازم.
قال الراغب: صوروا إفسادهم بصورة الإصلاح لما في قلوبهم من المرض، كما في قوله- تعالى- أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً. وقوله: وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ. وقوله: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا. الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً.
ولقد كذبهم الله- تعالى- تكذيبا مؤكدا في دعواهم أنهم مصلحون فقال:
أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ.
فأنت ترى أن القرآن الكريم قد وضع في الرد عليهم جملة صدرها بأداة الاستفتاح إيذانا بأن
стр. 55
ما قالوه يجب أن يهمل إهمالا، بل يجب أن يكون وصفهم بالإفساد قضية مبتدأة مقررة حتى يتلقاها السامع وهو منتبه النفس، حاضر الذهن.
ثم أكد الجملة بعدة تأكيدات منها: وصل «ألا» «بإن» الدالة على تأكيد الخبر وتحقيقه، ومنها تأكيد الضمير بضمير منفصل حتى يتم التصاق الخبر بالمبتدأ، ومنها اسمية الجملة، ومنها إفادة قصرهم على الإفساد في مقابل تأكيدهم أنهم هم المصلحون.
ولما كان هذا الرد المؤكد عليهم يستدعى عجبا، لأنهم زعموا أنهم لا حال لهم إلا الإصلاح، مع أنهم في الحقيقة لا حال لهم إلا الإفساد، لما كان الأمر كذلك، فقد أزال القرآن هذا العجب بقوله:
وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ.
أى: أنهم ما قالوه إلا عن غباء استولى على إحساسهم، ونفى عنهم الشعور بما يصدر عنهم من الفساد، فأمسوا لا يدركون من شأن أنفسهم شيئا، ومن أسوأ ألوان الجهل أن يكون الإنسان مفسدا ولا يشعر بذلك، مع أن أثر فساده ظاهر في العيان، مرئى لكل ذي حس.
فعدم شعورهم بالفساد الواقع منهم منبئ باختلاف آلات إدراكهم، حتى صاروا يحسبون الفساد صلاحا، والشر خيرا.
وليس عدم شعورهم رافعا العقاب عنهم، لأن الجاهل لا يعذر بجهله خصوصا إذا كان جهله يزول بأدنى تأمل لوضوح الأدلة، وسطوع البراهين.
ثم بين القرآن أن الناصحين قد أمروهم بالمعروف بعد أن نهوهم عن المنكر فقال:
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ، قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ.
المراد من الناس: المؤمنون بالرسول ﷺ الصادقون في إيمانهم.
السفهاء: جمع سفيه، وأصل السفه: الخفة والرقة والتحرك والاضطراب يقال: ثوب سفيه، إذا كان رديء النسج خفيفه، أو كان باليا رقيقا. وتسفهت الريح الشجر. أى: مالت به. وزمام سفيه: كثير الاضطراب، لمنازعة الناقة إياه، وشاع في خفة العقل وضعف الرأى.
وهو المعنى المقصود بالسفهاء في الآية. فقد كان المنافقون يصفون المسلمين بذلك فيما بينهم.
وروى أنهم كانوا يقولون: أنؤمن كما آمن سفيه بنى فلان، وسفيه بنى فلان؟! فأوحى الله للنبي ﷺ بهذا الذي كانوا يقولونه.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم وصفوهم بالسفه وهم العقلاء المراجيح؟ قلت لأن المنافقين لجهلهم وإخلالهم بالنظر، اعتقدوا أن ما هم فيه هو الحق، وأن ما عداه باطل، ومن
стр. 56
ركب متن الباطل كان سفيها، ولأنهم كانوا في رئاسة من قومهم ويسار، وكان أكثر المؤمنين فقراء ومنهم موال كصهيب وبلال وخباب، فدعوهم سفهاء تحقيرا لشأنهم «١» اهـ ملخصا.
وقد رد الله عليهم بما يكبتهم ويفضحهم فقال:
أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ لأنهم أعرضوا عن النظر في الدليل وباعوا آخرتهم بدنياهم، وهذا أقصى ما يبلغه الإنسان من سفه العقل.
وقد تضمن هذا الرد تسفيههم وتكذيبهم في دعوى سفه الصادقين في إيمانهم، فإن قوله- تعالى- أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ يفيد أن السفه مقصور عليهم فلا يتجاوزهم إلى المؤمنين، وقد تضمنت هذه الجملة من المؤكدات ما تضمنته الجملة السابقة في قوله- تعالى- أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ.
وإنما قال في الآية السابقة «ولكن لا يشعرون» وقال في هذه الآية وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ لأن الآية السابقة وصفتهم بالإفساد، وهو من المحسوسات التي تدرك بأدنى نظر فيناسبه نفى الشعور الذي هو الإدراك بالمشاعر: الحواس، أما هذه الآية فقد وصفتهم بالسفه، وهو ضعف الرأى والجهل بالأمور، وهذا لا يدركه الشخص في نفسه إلا بعد نظر وإمعان فكر. فيناسبه نفى العلم.
ثم بين القرآن ما هم عليه من سلوك ذميم، وأنهم يقابلون الناس بوجوه مختلفة فقال:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٤ الى ١٦]
وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)
وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا يقال لقيته ولاقيته إذا استقبلته وصادفته وكان قريبا منك. والمصدر
стр. 57
اللقاء واللقى واللقية. والمقصود: استقبلوهم وكانوا في مواجهتهم وقريبا منهم. ومرادهم بقولهم «آمنا» أخلصنا الإيمان بقلوبنا لأن الإقرار باللسان معلوم منهم.
وإذا خلوا إلى شياطينهم، أى: انفردوا مع رؤسائهم وقادتهم المشبهين الشياطين في تمردهم وعتوهم وصدهم عن سبيل الحق. يقال: خلا به وإليه ومعه، خلوا وخلاء وخلوة: سأله أن يجتمع به في خلوة ففعل وأخلاه معه.
أو المعنى: وإذا مضوا وذهبوا إلى شياطينهم، يقال: خلا بمعنى مضى وذهب، ومنه قوله تعالى قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ. أى مضت.
وعبر عن حالهم مع المؤمنين بالملاقاة، وعن حالهم مع الشياطين بالخلوة إيذانا بأن هؤلاء المنافقين لا أنس لهم بالمؤمنين، ولا طمأنينة منهم إليهم فهم لا يجالسونهم ولا يسامرونهم، وإنما كل ما هنالك أن يلقوهم في عرض طريق، أما شأنهم مع شياطينهم فهم إليهم يركنون، وإليهم يتسامرون ويتحادثون، لذلك هم بهم يخلون.
والمعية في قولهم إِنَّا مَعَكُمْ، المراد منها موافقتهم في دينهم، وأكدوا ما خاطبوا به شياطينهم بحرف التأكيد، إذ قالوا إِنَّا مَعَكُمْ ليزيلوا ما قد يجرى في خواطرهم من أنهم فارقوا دينهم وانقلبوا إلى دين الإسلام بقلوبهم ولم يؤكدوا ما خاطبوا به المؤمنين، إذ قالوا لهم آمَنَّا ولم يقولوا «إنا آمنا» ليوهموهم أنهم بمرتبة لا ينبغي أن يترددوا في إيمانهم حتى يحتاجوا إلى تأكيد.
وقوله- تعالى- حكاية عنهم: إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ. وارد مورد الجواب عما قد يعترض به عليهم شياطينهم إذا قالوا لهم: كيف تدعون أنكم معنا مع أنكم توافقون المؤمنين في عقيدتهم وتشاركونهم في مظاهر دينهم؟
فكان جوابهم عليهم إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ والاستهزاء: السخرية والاستخفاف بالغير، يقال: هزأ منه وبه- كمنع وسمع- واستهزأ به، أى: سخر.
والمعنى: إننا نظهر للمؤمنين الموافقة على دينهم استخفافا بهم وسخرية منهم، لا أن ذلك صادر منا عن صدق وإخلاص.
ثم بين- سبحانه- موقفه منهم فقال: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ.
حمل بعض العلماء استهزاء الله بهم على الحقيقة وإن لم يكن من أسمائه المستهزئ، لأن معناه يحتقرهم على وجه شأنه أن يتعجب منه، وهذا المعنى غير مستحيل على الله، فيصح إسناده إليه- تعالى- على وجه الحقيقة.
стр. 58
ويرى جمهور العلماء أن الاستهزاء لا ينفك عن التلبيس كأن يظهر المستهزئ استحسان الشيء وهو في الواقع غير حسن، أو يقر المستهزأ به على أمر غير صواب، وهذا المعنى لا يليق بجلال الله، فيجب حمل الاستهزاء المسند إليه تعالى على معنى يليق بجلاله، فيحمل على ما يلزم على الاستهزاء من الانتقام والعقوبة والجزاء المقابل لاستهزائهم، وسمى ذلك استهزاء على سبيل المشاكلة»
كما في قوله تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها.
وهذا دليل على غيرة الله على عباده المؤمنين، وانتقامه من كل من يستهزئ بهم أو يؤذيهم.
وعبر بالمضارع في قوله يَسْتَهْزِئُ للإيذان بأن احتقاره لهم، أو مجازاتهم على استهزائهم يتجدد ويقع المرة بعد الأخرى:
ثم بين- سبحانه- لونا آخر من ألوان غضبه عليهم فقال: وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ.
المد: الإمهال والمطاولة والزيادة، من المد بمعنى الإمهال، يقال: مده في غيه- من باب رد- أمهله وطول له، ويقال: مد الجيش وأمده إذا ألحق به ما يقويه ويكثره ويزيده، وقيل:
أكثر ما يستعمل المد في المكروه، والإمداد في المحبوب، والطغيان: مجاوزة الحد، ومنه طغا الماء، أى: ارتفع.
ويعمهون: يعمون عن الرشد، أو يتحيرون ويترددون بين الإظهار والإخفاء، أو بين البقاء على الكفر وتركه إلى الإيمان. يقال: عمه- كفرح ومنع- عمها، إذا تردد وتحير، فهو عمه وعامه، وهم عمهون وعمه كركع والمعنى: أن الله تعالى يجازى هؤلاء المنافقين على استهزائهم وخداعهم، ويمكنهم من المعاصي أو يملى لهم ليزدادوا إثما. حال كونهم يعمون عن الرشد، فلا يبصرون الحق حقا ولا الباطل باطلا.
ثم بين- سبحانه- لونا من ألوان غبائهم وبلادتهم فقال: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى.
الاشتراء: أخذ السلعة بالثمن. والمراد: أنهم استبدلوا ماكره الله من الضلالة بما أحبه من الهدى قال ابن عباس: أخذوا الضلالة وتركوا الهدى.
والمشار إليه ب «أولئك» هم المنافقون: الموصوفون في الآيات السابقة بالكذب والمخادعة، والإفساد في الأرض، ورمى المؤمنين بالسفاهة واستهزائهم بهم.
والسر في الإشارة إليهم والتعبير عنهم بأولئك تمييزهم وتوضيحهم بأكمل صورة وأجلى بيان.
стр. 59
إذ من المعروف عند علماء البلاغة أن اسم الإشارة إذا أشير به إلى أشخاص وصفوا بصفات يلاحظ فيه تلك الصفات، فهو بمنزلة إعادة ذكرها وإحضارها في أذهان المخاطبين. فتكون تلك الصفات، وهي هنا الكذب والمخادعة وما عطف عليها، كأنها ذكرت في هذه الآية مرة أخرى ليعرف بها علة الحكم الوارد بعد اسم الإشارة، وهو هنا اشتراء الضلالة بالهدى. أى:
اختيارها. واستبدالها به.
وعبرت الآية بالاشتراء على سبيل الاستعارة ليتحدد مقدار رغبتهم في الضلالة، وزهدهم في الهدى، فإن المشترى في العادة يكون شديد الرغبة فيما يشترى، رغبة تجعله شديد الزهد فيما يبذله من ثمن. فهم راغبون في الضلالة، زاهدون في الهدى.
وقوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى لا يقتضى أنهم كانوا على هدى من ربهم فتركوه، بل يكفى فيه أن يجعل تمكنهم من الهدى لقيام أدلته. بمنزلة الهدى الحاصل بالفعل.
ثم بين سبحانه نتيجة أخذهم الضلالة وتركهم الهدى فقال:
فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ أى: أنهم لم يحصلوا من اشترائهم الضلالة بالهدى على الربح، وإذا كانت التجارة الحقيقية قد يفوت صاحبها الربح، ولكنه لا يقع في خسارة بأن يبقى له رأس ماله محفوظا، فإن التجارة المقصودة من الآية هي استبدال الضلالة بالهدى، لا يقابل الربح فيها إلا الخسران، فإذا نفى عنها الربح فذلك يعنى أنها تجارة خاسرة.
ثم قال- تعالى-: وَما كانُوا مُهْتَدِينَ أى: وما كانوا مهتدين إلى سبيل الرشاد وما تتجه إليه العقول الراجحة من الدين الحق، وما كانوا مهتدين إلى طرق التجارة الرابحة، فهم أولا لم يربحوا في تجارتهم بل خسروها، وهم ثانيا ذهب نور الهدى من حولهم فبقوا في ظلمة الضلال.
وما أوجع أن يجتمع على التاجر خسارته وتورطه، وما أوجع أن يجتمع عليه أن ينقطع عن غايته، وأن يكون في ظلمة تعوقه عن التبصر.
وبعد أن وصف الله تعالى حال المنافقين في الآيات السابقة، ساق مثلين لتوضيح سوء تصرفهم، وشدة حيرتهم واضطرابهم. فقال تعالى:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٧ الى ٢٠]
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (١٩) يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)
стр. 60
وقوله تعالى: مَثَلُهُمْ أى: صفتهم، وأصل المثل بمعنى المثل- بكسر الميم وسكون الثاء- والمثل النظير والشبيه، ثم أطلق على القول السائر المعروف لمماثلة مضربه- وهو الذي يضرب فيه- لمورده الذي ورد فيه أولا، ولا يكون إلا فيما فيه غرابة ثم استعير للصفة أو الحال أو القصة إذا كان لها شأن عجيب وفيها غرابة، وعلى هذا المعنى يحمل المثل في هذه الآية، وإنما تضرب الأمثال لإيضاح المعنى الخفى وتقريب المعقول من المحسوس، وعرض الغائب في صورة الشاهد، فيكون المعنى الذي ضرب له المثل أوقع في القلوب، وأثبت في النفوس.
واستوقد النار: طلب وقودها بسطوع نارها واندلاع لهيبها، أو أوقدها لأن أوقد واستوقد قد يكونان بمعنى واحد كأجاب واستجاب.
والنار: جوهر لطيف حار محرق من نار ينور إذا نفر لحركتها واضطرابها، وأضاءت ما حوله: جعلت ما حوله مضيئا، أو أشرقت فيما حوله. وحول الشيء: ما يحيط به من جميع نواحيه، ولذا قيل للعام حول، للفه ودورانه حتى يعود كما كان.
والنور: الضوء الذي يكون للشيء المضيء، وهو مأخوذ من النار..
ومعنى: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ سلبه منهم، وفي إسناد ذهب إلى الله تعالى- إشعار بأن النور الذي سلب عنهم لن يستطيع أحد أن يرده عليهم، لأن الذي سلبه عنهم إنما هو الله الغالب على أمره.
وقال بِنُورِهِمْ ولم يقل بنارهم، لأن إيقاد النار يكون للإضاءة وللإحراق والمقصود من إيقاد النار الواردة في المثل إنما هو الإضاءة.
وقال بِنُورِهِمْ ولم يقل بنوره، مع أن الضمير يعود على الَّذِي اسْتَوْقَدَ وهو بحسب
стр. 61
الظاهر مفرد، لأن الَّذِي قد يطلق أحيانا بمعنى الذين، كما في قوله تعالى: وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا أو لأن الَّذِي أريد منه جنس المستوقد، لا مستوقد بعينه، فصار في معنى جماعة من المستوقدين. وصح أن يعود عليه ضمير الجمع في قوله بِنُورِهِمْ لذلك.
وأورد الظلمات بصيغة الجمع للمبالغة في شدتها، فكأنها لشدة كثافتها ظلمات بعضها فوق بعض، وأكد هذا بقوله لا يُبْصِرُونَ أى: أن هذه الظلمات بالغة في الشدة حتى أولئك المحاطين بها لا يتأتى لهم أن يبصروا، كما أن الشان كذلك بالنسبة للذين طمس على أعينهم.
وعبر- سبحانه- بقوله: وَتَرَكَهُمْ ولم يقل: ذهب بنورهم وبقوا في ظلمات، ليدل بذلك على قطع الصلة بينهم وبين ربهم، وأنهم متروكون غضبا عليهم ونكاية بهم.
هذا، وللعلماء رأيان في تطبيق هذا المثل على المنافقين، أما الرأى الأول فيرى أصحابه، أن هذا المثل قد ضرب في قوم دخلوا في الإسلام عند وصول النبي ﷺ إلى المدينة، ثم تحولوا بعد ذلك إلى الكفر والنفاق فيقال في تطبيق هذا المثل عليهم: إن قصة هؤلاء المنافقين الذين اكتسبوا بإيمانهم نورا، ثم أبطلوا ذلك بنفاقهم، ووقعوا في حيرة عظيمة، كقصة من استوقدوا نارا فلما أضاءت ما حولهم، سلب الله منهم الضوء فراحوا في ظلام لا يهتدون إلى الخروج منه سبيلا.
وأما الرأى الثاني فيرى أصحابه أن هذا المثل إنما ضرب في قوم لم يسبق لهم إيمان وإنما دخلوا في الإسلام من أول أمرهم نفاقا، فيقال في تطبيق هذا المثل عليهم: إن قصة هؤلاء الذين دخلوا في الإسلام نفاقا، فظفروا بحقن دمائهم وبغنائم الجهاد وسائر أحكام المسلمين، وتمتعوا بذلك في الدنيا قليلا ثم صاروا إلى ظلمات العذاب الدائم في الآخرة- قصة هؤلاء كقصة من استوقدوا نارا لتضيء لهم وينتفعوا بها، فأضاءت ما حولهم قليلا، ثم طفئت وصاروا إلى ظلمة شديدة مطبقة.
ثم قال- تعالى-: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ.
قال القرطبي: والصمم في كلام العرب: الانسداد، يقال: قناة صماء إذا لم تكن مجوفة، وصممت القارورة إذا سددتها. فالأصم من انسدت خروق مسامعه. والأبكم الذي لا ينطق ولا يفهم، والعمى ذهاب البصر. وليس الغرض مما ذكرناه نفى الإدراكات عن حواسهم جملة، وإنما الغرض نفيها من جهة ما «١» .
والآية الكريمة خبر لضمير مقدر يعود على المنافقين، أى: هم صم بكم عمى.
стр. 62
ووصف المنافقون بهذه الصفات لأنهم وإن كانت لهم آذان تسمع، وألسنة تنطق، وأعين تبصر، إلا أنهم لا يسمعون خيرا. ولا يتكلمون بما ينفعهم ولا يبصرون مسلكا من مسالك الهداية، ومن كان كذلك كان هو ومن فقد حواسه سواء، فقد صرف الله عنهم عنايته ووكلهم إلى أنفسهم.
ووردت هذه الصفات مجردة من حرف العطف، فلم يقل: صم وبكم وعمى، لما عرف من استعمالات البلغاء. أن تجريد أمثال هذه الأوصاف من حرف العطف يفيد تأكيدها، حيث إن المتكلم قد قصد إلى تقرير كل صفة منها على حدة.
ومعنى فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ، لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه، أو لا يرجعون عن الضلالة بعد أن اشتروها.
والفاء في قوله- تعالى- فَهُمْ للتفريع أو التسبيب، لأنها توحى بأن عدم رجوعهم عما هم فيه من النفاق متفرع على تلك الآفات، ومسبب عن هذه العاهات.
ثم ساق- سبحانه- المثل الثاني فقال: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ.
«أو» للتسوية بين الشيئين وهي مفيدة أن التمثيل بأيهما أو بمجموعهما يؤدى إلى المقصود، فهي مانعة خلو مجوزة للجمع بينهما.
و (الصيب) - كسيد- المطر، من الصوب وهو النزول. يقال: صاب صوبا، إذا نزل أو انحدر، سمى به المطر لنزوله، وفي الجملة الكريمة إيجاز بحذف ما دل عليه المقام دلالة واضحة. والتقدير: أو كمثل ذوى صيب. والمعنى أن قصة هؤلاء المنافقين مشبهة بقصة الذي استوقد نارا، أو بقصة ذوى صيب.
والسماء: كل ما علاك من سقف ونحوه، والمراد بها السحاب.
والرعد: الصوت الذي يسمع بسبب اصطدام سحابتين محملتين بشحنتين كهربيتين إحداهما موجبة والأخرى سالبة.
والبرق: هو الضوء الذي يحدث بسبب الاصطدام ذاته.
وإيراد هذه الألفاظ بصفة التنكير للتهويل، ويكون المعنى: أو أن مثل هؤلاء المنافقين كمثل قول نزل بهم المطر من السماء تصحبه ظلمات كأنها سواد الليل، ورعد يصم الآذان، وبرق يخطف الأبصار وصواعق تحرق ما تصيبه.
ثم قال- تعالى-: يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ.
стр. 63
الصواعق: جمع صاعقة من الصعق وهو شدة الصوت الذي يصحبه- غالبا- قطعة من نار لا تأتى على شيء إلا أهلكته.
(ومن) في قوله- تعالى-: مِنَ الصَّواعِقِ للتعليل. وإنما كانت الصواعق داعية إلى سدهم آذانهم بأصابعهم، من جهة أنها قد تفضى بصوتها الهائل إلى الموت، وجاء هذا مصرحا به في قوله- تعالى- حَذَرَ الْمَوْتِ.
والمعنى: يسدون آذانهم من أجل الصواعق خوفا من أن تقتلهم بشدة صوتها.
ومن المعروف أن الذي يجعل في الآذان عند الفزع بعض الأصابع لا كلها، إلا أنه عبر بالأصابع مبالغة في فرط فزعهم وشدة اضطرابهم، ومسايرة للمألوف في اللغة من نسبة ما يكون لبعض الشيء إلى ذلك الشيء، حيث يكون المراد جليا واضحا. وهو مجاز مرسل من باب إطلاق الكل وإرادة البعض.
وقوله: حَذَرَ الْمَوْتِ يدل على أنهم لم يموتوا من تلك المفزعات وهذه المروعات. إمدادا في عذابهم. ومطاولة في نكالهم.
وقوله- تعالى-: وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ جملة معترضة في أثناء ضرب المثل بذوي الصيب.
وإحاطته- سبحانه- بالكافرين على معنى أنهم لا مهرب لهم منه، فهو محيط بهم إحاطة تامة وهو قادر على النكال بهم متى شاء وكيف شاء.
ولم يقل محيط بهم مع تقدم مرجع الضمير وهو أصحاب الصيب، إيذانا بأنهم إنما استحقوا ذلك العذاب بكفرهم.
ثم قال- تعالى-: يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ.
يكاد من الأفعال التي تدخل على اسم يسند اليه فعل بعده نحو الْبَرْقُ يَخْطَفُ. فتدل على أن المسند إليه وهو البرق قد قارب أن يقع منه الفعل وهو خطف الأبصار.
والخطف: الأخذ بسرعة. والأبصار: جمع بصر، وهو قوة مودعة في العين يدرك بها الألوان والأشكال.
والمعنى: أن البرق لشدة لمعانه يقرب من أن يخطف أبصارها، وهو تصوير بليغ لشدة ذلك البرق، وترك بيان شدة الرعد اكتفاء بما ذكره في جانب البرق، ولم يذكر توقيهم للأعين بوضع شيء عليها اكتفاء بما ذكره في توقى الآذان أو لأنهم شغلوا بالآذان عن الأعين.
وقوله- تعالى-: كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وصف رائع لما يصنعه
стр. 64
أهل الصيب في حالتي ظهور البرق واختفائه.
وكل ظرف، وما مصدرية ولاتصالها بكل أفادت الشرط والعامل فيها هو جوابها وهو مَشَوْا وأَضاءَ بمعنى لمع، وأَظْلَمَ من الإظلام وهو اختفاء النور. وقامُوا أى وقفوا وثبتوا في مكانهم. من قام الماء إذا جمد. ويقال: قامت الدابة إذا وقفت.
والمعنى: أنهم إذا صادفوا من البرق وميضا انتهزوا ذلك الوميض فرصة، فخطوا خطوات يسيرة، وإذا خفى لمعانه وقفوا في مكانهم، فالجملة الكريمة تدل على فرط حرصهم على النجاة من شدة ما هم فيه من أهوال.
ثم قال- تعالى-: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ.
لو: أداة شرط، وشاء بمعنى أراد. أى: لو أراد الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لزاد في قصف الرعد فأصمهم، وفي ضوء البرق فأعماهم. أو يقال: إن قصف الرعد ولمعان البرق المذكورين في المثل سببان كافيان لأن يذهبا بسمع ذوى الصيب وأبصارهم لو شاء الله ذلك.
فيكون قوله تعالى: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ، إشعارا بأن تأثير الأسباب في مسبباتها إنما هو بإرادته- تعالى-.
وخص السمع والبصر بالذهاب مع أنها من جملة مشاعرهم، لأهمّيّتها. ولأنها هي التي سبق ذكرها، أو من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى، لأنه إذا كان قادرا على إذهاب ما حافظوا عليه، كان قادرا على غيره من باب أولى.
ثم ختم الآية بقوله- تعالى- إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
الشيء في أصل اللغة كل ما يصح أن يعلم ويخبر عنه، ويحمل في هذه الآية على الممكن خاصة موجودا كأن أو معدوما، لأن القدرة إنما تتعلق بالممكنات دون الواجب والمستحيل.
والقدير: الفعال لما يريد، يقال: قدره على الشيء أقدره قدرة وقدرا.
وهذه الجملة الكريمة بمنزلة الاستدلال على ما تضمنته الجملة السابقة من أن الله تعالى قادر على أن يذهب بأسماع أصحاب الصيب وأبصارهم متى شاء.
وتطبيق هذا المثل على المنافقين يقال فيه: إن أصحاب الصيب لضعفهم وخورهم لا يطيقون سماع الرعد الهائل، ولا يستطيعون فتح أعينهم في البرق اللامع، فيجعلون أصابعهم في آذانهم فزعا من قصف الرعد، وخوفا من صواعق تجلجل فوق رءوسهم فتدعهم حصيدا خامدين، وكذلك حال هؤلاء المنافقين فإنهم لضعف بصائرهم، وانطماس عقولهم، تشتد عليهم زواجر القرآن ووعيده وتهديده وأوامره ونواهيه، فتشمئز قلوبهم ويصرفون عنه أسماعهم
стр. 65
خشية أن تتلى عليهم آيات تقع على أسماعهم وقع الصواعق المهلكة.
قال ابن كثير: «وذهب ابن جرير ومن تبعه من المفسرين إلى أن هذين المثلين مضروبان لصنف واحد من المنافقين، وتكون «أو» في قوله تعالى أَوْ كَصَيِّبٍ بمعنى الواو، كقوله تعالى «ولا تطع منهم آثما أو كفورا» أو تكون للتخيير، أى، اضرب لهم مثلا بهذا وإن شئت بهذا، أو للتساوى مثل: جالس الحسن أو ابن سيرين. قلت: وهذا يكون باعتبار أجناس المنافقين، فإنهم أصناف ولهم أحوال وصفات كما ذكرها الله تعالى في سورة براءة بقوله: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي. وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ. إلخ. فجعل هذين المثلين لصنفين منهم أشد مطابقة لأحوالهم وصفاتهم «١» .»
هذا، ويرى فضيلة المرحوم الدكتور محمد عبد الله دراز. أن المثلين لطائفتى الكافرين والمنافقين، فالمثل الأول وهو قوله تعالى «مثلهم كمثل الذين استوقد نارا» ينطبق تمام الانطباق على الأوصاف التي ذكرها الله للكافرين وأن الذي ينطبق على صفات المنافقين إنما هو المثل الثاني وحده وهو قوله تعالى أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ.. فقد ضرب الله لكلتا الطائفتين مثلا يناسبها.
قال فضيلته: فضرب مثلا للمصرّين المختوم على قلوبهم بقوم كانوا يسيرون في ظلام الليل فيهم رجل استوقد لهم نارا يهتدون بضوئها، فلما أضاءت ما حوله لم يفتح بعض القوم أعينهم لهذا الضوء الباهر، بل لأمر ما سلبوا نور أبصارهم، وتعطلت سائر حواسهم عند هذه المفاجأة، فذلك مثل النور الذي طلع به محمد ﷺ في تلك الأمة على فترة من الرسل، فتفتحت له البصائر المستنيرة هنا وهناك، لكنه لم يوافق أهواء المستكبرين الذين ألفوا العيش في ظلام الجاهلية، فلم يرفعوا له رأسا بل نكسوا على رؤسهم، ولم يفتحوا له عينا بل خروا عليه صما وعميانا.
وضرب مثلا للمترددين المخادعين بقوم جاءتهم السماء بغيث منهمر في ليلة ذات رعد وبرق، فأما الغيث فلم يلقوا له بالا ولم ينالوا منه نيلا، فلا شربوا منه قطرة، ولا استنبتوا به ثمرة.. وأما تلك التقلبات الجوية من الظلمات والرعد والبرق فكانت هي مثار اهتمامهم، ومناط تفكيرهم، ولذلك جعلوا يترصدونها، ويدبرون أمورهم على وفقها، لابسين لكل حال لبوسها: سيرا تارة، ووقوفا تارة، واختفاء تارة أخرى.
فكانوا إذا رأوا عرضا قريبا وسفرا قاصدا وبرقت لهم (بروق) الأمل في الغنيمة ساروا مع
стр. 66
المؤمنين جنبا إلى جنب، وإذا دارت رحا الحرب وانقضت صواعقها منذرة بالموت والهزيمة أخذوا حذرهم وفروا من وجه العدو قائلين «إن بيوتنا عورة» حتى إذا كانت الثالثة فلم يلمحوا من الآمال بارقة ولم يتوقعوا من الآلام صاعقة، بل اشتبهت عليهم الأمور فهناك يقفون متربصين لا يتقدمون ولا يتأخرون، ولكن يلزمون شقة الحياد ريثما تنقشع سحابة الشك فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ، وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
ذلك دأب المنافقين في كل أمرهم، إن توقعوا ربحا عاجلا التمسوه في أى صف وجدوه، وإن توقعوا أذى كذلك تنكروا للفئة التي ينالهم في سبيلها شيء مكروه وإذا أظلم عليهم الأمر قاموا بعيدا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء أما الذي يؤمن بالله واليوم الآخر فإن له قبلة واحدة يولى وجهه شطرها، هي قبلة الحق لا يخشى فيها لومة لائم:
وليس يبالى حين يقتل مسلما ... على أى جنب كان في الله مصرعه «١» .
هذا هو رأى فضيلة الدكتور دراز، وهو رأى مستساغ يتمشى مع روح الآيات وأهداف السورة، وأياما كان فالمثلان يصوران أحوال المبطلين بصورة حسية واضحة تتجلى فيها بلاغة القرآن الكريم في إبراز المعاني المعقولة في صورة محسة واضحة من شأنها أن تهدى الناس إلى طريق الحق والرشاد.
وبعد أن بينت السورة الكريمة أقسام الناس الثلاثة، وعاقبة كل قسم منهم، ساقت لهم نداء عاما دعتهم فيه إلى عبادة الله وحده، قال تعالى:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢١ الى ٢٢]
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)
стр. 67
ففي هاتين الآيتين توجيه للناس إلى الأمر الذي خلقوا من أجله وهو عبادة الله دون ما سواه، وبيان البراهين الساطعة التي تدل على وحدانية الله وعظيم قدرته.
و «يا» حرف نداء وهو أكثر حروف النداء استعمالا، فهو أصل حروف النداء.
و «أى» اسم مبهم لكن يزول إبهامه بالاسم المقصود بالنداء الذي يأتى بعده.
و «ها» المتصلة به مؤكدة للتنبيه المستفاد من النداء.
و «العبادة» الخضوع البالغ الغاية.
وقد كثر النداء في القرآن الكريم بهذه الطريقة لما فيها من التأكيد الذي كثيرا ما يقتضيه المقام.
وفي ذكره تعالى باسم الرب، وإضافته إلى المخاطبين، تقوية لداعية إقبالهم على عبادته.
فإن الإنسان إذا اتجه بفكره إلى معنى كون الله مالكا له، أو مربيا له وتذكر ما يحفه به من رفق، وما يجود به عليه من إنعام، لم يلبث أن يخصه بأقصى ما يستطيع من الخضوع والخشوع والإجلال.
وإفراد اسم الرب دل على أن المراد رب جميع الخلق وهو الله تعالى، إذ ليس ثمة رب يستحق هذا الاسم بالإفراد والإضافة إلى جميع الناس إلا الله.
ثم بين- سبحانه- الموجبات التي من شأنها أن تحملهم على عبادته وحده فقال «الذي خلقكم والذين من قبلكم» .
والخلق: أصله الإيجاد على تقدير وتسوية، ويطلق في القرآن وفي عرف الشريعة على إيجاد الأشياء المعدومة، فهو إخراجها من العدم إلى الوجود إخراجا لا صنعة فيه للبشر.
والمعنى: اجعلوا أيها الناس عبادتكم لله تعالى وحده، لأنه هو الذي أوجدكم في أحسن تقويم بعد أن كنتم في عدم، كما أوجد الذين تقدموكم.
وقدم وصفه بخلق المخاطبين مع أنه متأخر بالزمان عن خلق من تقدموهم، لأن علم الإنسان بأحوال نفسه أظهر من علمه بأحوال غيره.
وقوله تعالى: وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ فيه رد على الدهريين من المخاطبين الذين يزعمون أنهم إنما خلقهم آباؤهم فقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر.
فكان قوله: وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ تذكيرا لهم بأن آباءهم الأولين لا بد أن ينتهوا إلى أب أول قد خلقه الله تعالى.
стр. 68
وجملة «لعلكم تتقون» تعليل للأمر بالعبادة، ولذلك فصلت.
و «لعل» حرف موضوع ليدل على الترجي، وهو توقع حصول الشيء عند ما يحصل سيبه وتنتفى موانعه. والشيء المتوقع حصوله في الآية هو التقوى وسببه العبادة، إذ بالعبادة يستعد الإنسان لأن يبلغ درجة التقوى وهي الفوز بالهدى والفلاح، والترجي قد يكون من جهة المتكلم وهو الشائع وقد تستعمل لعل في الكلام على أن يكون الترجي مصروفا للمخاطب، فيكون المترجى هو المخاطب لا المتكلم، وعلى هذا الوجه يحمل الترجي في هذه الآية، لاستحالة توقع حصول الشيء من عالم الغيب والشهادة، لأن توقع الإنسان لحصول الشيء هو أن يكون مترددا بين الوقوع وعدمه مع رجحان الوقوع، وعليه فيكون المعنى: اعبدوا ربكم راجين أن تكونوا من المتقين، الذين بلغوا الغاية في الهدى والفلاح.
ثم أضاف- سبحانه- أسبابا أخرى تحمل الناس على عبادته وطاعته فقال: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً.
الفراش: ما يفترشه الإنسان ليستقر عليه بنحو الجلوس أو المنام. أى: اجعلوا عبادتكم لله الذي صير الأرض لأجلكم مهادا كالبساط المفروش، فذللها لكم ولم يجعلها صعبة غليظة، لكي يتهيأ لكم الاستقرار عليها. والتقلب في مناكبها، والانتفاع بما أودع الله في باطنها من خيرات.
وتصوير الأرض بصورة الفراش لا ينافي كونها كروية، لأن الكرة إذا عظمت جدا كانت القطعة منها كالسطح في إمكان الانتفاع بها.
وَالسَّماءَ بِناءً يقال لسقف البيت بناء أى: جعل السماء كالسقف للأرض، لأنها تظهر كالقبة المضروبة فوقها كما قال- تعالى- وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ.
وقدم خلق الأرض على خلق السماء لأن الأرض أقرب إلى المخاطبين، وانتفاعهم بها أظهر وأكثر من انتفاعهم بالسماء.
قال بعض الأدباء: «إذا تأملت هذا العالم وجدته كالبيت المعد فيه كل ما يحتاج إليه، فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض ممدودة كالبساط، والنجوم منورة كالمصابيح، والإنسان كما لك البيت المتصرف فيه وضروب النبات مهيأة لمنافعه، وضروب الحياة مصروفة لمصالحه «فهذه جملة واضحة دالة على أن العالم مخلوق بتدبير كامل، وتقدير شامل، وحكمة بالغة، وقدرة غير متناهية» .
стр. 69
ثم قال- تعالى- وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ:
السماء: السحاب. والثمرات: ما ينتجه الشجر. والرزق: ما يصلح لأن ينتفع به. والباء في. (به) للسببية.
أى: أنه جعل الماء سببا في خروج الثمرة، وهو القادر على أن ينشئها بلا سبب كما أنشأ الأسباب.
وأورد ماءً ورِزْقاً في صيغة التنكير التي تستعمل عند إرادة بعض أفراد المعنى الذي وضع له اللفظ لغة، وذلك لأن من الماء ما لم ينزل من السماء، ومن الرزق ما لا يكون من الثمرات. فمعنى الجملة الكريمة: أنزل من السماء بعض الماء، فأخرج به من الثمرات بعض ما يكون رزقا لكم.
ثم قال- تعالى- فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
الأنداد: جمع ند، وهو مثل الشيء الذي يضاده وينافره ويتباعد عنه.
وأصله من: ند البعير يند ندا وندادا وندا، إذا تفرد وذهب على وجهه شاردا.
والمعنى: فلا تجعلوا لله أمثالا ونظراء تعبدونها وتسمونها آلهة، وتعتقدون فيها النفع والضر، وتجعلون لها ما لله تعالى وحده، وأنتم تعلمون أنها أشياء لا يصح جعلها أندادا مساوية له تعالى وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أى: وأنتم من ذوى العلم والنظر، فلو تأملتم أدنى تأمل لانصرفتم بقوة إلى عبادة الله وحده. ولتركتم الإشراك به.
وصدرت الجملة الكريمة بالفاء لترتبها على الكلام السابق، المترتب على الأمر بعبادة الله وحده.
وسمى القرآن الشركاء المزعومين أندادا تهكما بالعابدين لها، ولأن المشركين لما تركوا عبادة الله إلى عبادة الأوثان، وسموها آلهة شابهت حالهم حال من يعتقد أنها آلهة، قادرة على مخالفته ومضادته، وذلك معنى جعلها أندادا الذي هو مصب النهى في الآية.
وجملة (وأنتم تعلمون) ، حالية، ومفعول تعلمون متروك، لأن الفعل لم يقصد تعليقه بمفعول، بل قصد إثباته لفاعله فقط فنزل منزلة اللازم، وفي هذه الجملة مبالغة في زجرهم عن عبادة الأوثان من دون الله، لأن ارتكاب الباطل من الجاهل قبيح، وهو من العالم ببطلانه أشد قبحا، وأدعى إلى أن يقابل بأغلظ ألوان الإنكار. كما أن فيها إثارة لهممهم ليقلعوا عن عبادة غير الله، فإن من كان من ذوى العلم لا يصح منه أن يفعل أفعال من لا عقل له، وهذا لون جليل من ألوان التربية، فإن من سمات المربى الناجح أن يجمع بين القسوة في النهى عن القبيح، وبين إثارة همة الموعوظ حتى لا يقتل همته باليأس، لأن الإنسان إذا ساءت ظنونه بنفسه
стр. 70
خارت عزيمته، وفترت همته.
هذا، وقد استفاضت الأحاديث النبوية التي تدعو إلى توحيد الله، وتنهى عن الإشراك، ومن ذلك ما جاء في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: قلت يا رسول الله أى الذنب أعظم عند الله؟ (قال أن تجعل لله ندا وهو خلقك) .
قال الإمام ابن كثير: وهذه الآية دالة على توحيده- تعالى- بالعبادة وحده لا شريك له، فإن من تأمل هذه الموجودات السفلية والعلوية واختلاف أشكالها وألوانها وطباعها ومنافعها، علم قدرة خالقها وحكمته وعلمه وإتقانه وعظيم سلطانه، كما قال بعض الأعراب وقد سئل:
ما الدليل على وجود الله- تعالى-؟ فقال: يا سبحان الله!! إن البعر ليدل على البعير وإن أثر القدم يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا يدل هذا على وجود اللطيف الخبير) «١» .
وبعد أن ساق- سبحانه- في هاتين الآيتين البراهين الساطعة الدالة على وحدانية الله ونفى عقيدة الشرك، أورد بعد ذلك الدلائل الدالة على صدق النبي ﷺ فيما يبلغه عن ربه، وعلى أن هذا القرآن ليس من صنع بشر، وإنما هو كلام واهب القوى والقدر فقال- تعالى-:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٣ الى ٢٤]
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (٢٤)
ففي هاتين الآيتين انتقال لإثبات الجزء الثاني من جزأى الإيمان، وهو صدق النبي ﷺ في رسالته، بعد أن تم إثبات الجزء الأول من ذلك وهو وحدانية الله- تعالى- وعظيم قدرته.
والمعنى: إن رتبتم أيها المشركون في شأن هذا القرآن الذي أنزلناه على عبدنا محمد على مهل وتدريج، فأتوا أنتم بسورة من مثله في سمو الرتبة، وعلو الطبقة واستعينوا على ذلك بآلهتكم وبكل من تتوقعون منهم العون، ليساعدوكم في مهمتكم، أو ليشهدوا لكم أنكم أتيتم بما يماثله، إن كنتم صادقين في زعمكم أنكم تقدرون على معارضة القرآن الكريم.
стр. 71
والمقصود بقوله: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا ... نفى الريب عن المنزل عليه وهو محمد ﷺ بنفيه عن المنزل وهو القرآن الكريم.
والتعبير عن اعتقادهم في حقه بالريب للإيذان بأن أقصى ما يمكن صدوره عنهم هو الارتياب في شأنه، أو للتنبيه على أن كلامهم في شأن القرآن هو بمنزلة الريب الضعيف لكمال وضوح الدلائل الدالة على أن القرآن من عند الله- تعالى-.
وعبر بقوله: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ ولم يقل: وإن ارتبتم فيما نزلنا، للإشارة إلى أن ذات القرآن لا يتطرق إليها ريب، ولا يطير إلى أفقها شرارة من شك، وأنه إن أثير حوله أى شك فمرجعه إلى انطماس بصيرتهم، وضعف تفكيرهم، واستيلاء الحقد والعناد على نفوسهم.
وأتى بإن المفيدة للشك مع أن كونهم في ريب مما نزل على النبي ﷺ أمر محقق، تنزيلا للمحقق منزلة المشكوك فيه، وتنزيها لساحة القرآن عن أن يتحقق الشك فيه من أى أحد، وتوبيخا لهم على وضعهم الأمور في غير مواضعها.
ووجه الإتيان بفي الدالة على الظرفية، للإشارة إلى أنهم قد امتلكهم الريب وأحاط بهم إحاطة الظرف بالمظروف.
وقال نَزَّلْنا دون أنزلنا، لأن المراد النزول على سبيل التدريج، ومن المعروف أن القرآن قد نزل منجما في مدة تزيد على عشرين سنة.
قال صاحب الكشاف: (فإن قلت: لم قيل: (مما نزلنا) على لفظ التنزيل دون الإنزال؟
قلت: لأن المراد النزول على سبيل التدريج والتنجيم وذلك أنهم كانوا يقولون: لو كان هذا القرآن من عند الله، لم ينزل هكذا نجوما سورة بعد سورة، وآيات عقب آيات، على حسب النوازل، وعلى سنن ما نرى عليه أهل الخطابة والشعر من وجود ما يوجد منهم مفرقا حينا فحينا حسب ما يعن لهم من الأحوال المتجددة ... فقيل لهم: إن ارتبتم في هذا الذي وقع إنزاله هكذا على مهل وتدريج، فهاتوا أنتم نوبة واحدة من نوبه، وهاتوا نجما فردا من نجومه: سورة من أصغر السور، أو آيات شتى مفترقات، وهذا غاية التبكيت ومنتهى إزاحة العلل) «١» اهـ ملخصا.
والمراد بالعبد في قوله- تعالى-: عَلى عَبْدِنا محمد ﷺ وفي إضافته إلى الله- تعالى- تنبيه على شرف منزلته عنده، واختصاصه به.
وفي ذكره ﷺ باسم العبودية، تذكير لأمته بهذا المعنى، حتى لا يغالوا في تعظيمه فيدعوا
стр. 72
ألوهيته كما غالت بعض الفرق في تعظيم أنبيائها أو زعمائهم فادعت ألوهيتهم.
والسورة: الطائفة من القرآن المسماة باسم خاص، والتي أقلها ثلاث آيات، والضمير في قوله (من مثله) يعود على المنزل وهو القرآن.
والمراد من مثل القرآن: ما يشابهه في حسن النظم، وبراعة الأسلوب وحكمة المعنى. وهذا الوجه من الإعجاز يتحقق في كل سورة.
وقيل: إن الضمير في قوله (من مثله) يعود على المنزل عليه القرآن، وهو النبي ﷺ ولكن الرأى الأول أرجح.
قال الإمام الرازي ما ملخصه: وعود الضمير إلى القرآن أرجح لوجوه:
أحدها: أن ذلك مطابق لسائر الآيات الواردة في باب التحدي لا سيما ما ذكره في سورة يونس من قوله: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ ...
وثانيها: أن البحث إنما وقع في المنزل وهو القرآن، لأنه قال: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا.. فوجب صرف الضمير إليه، ألا ترى أن المعنى، وإن ارتبتم في أن القرآن منزل من عند الله فهاتوا أنتم شيئا مما يماثله، وقضية الترتيب لو كان الضمير مردودا إلى رسول الله ﷺ أن يقال: وإن ارتبتم في أن محمدا منزل عليه فهاتوا قرآنا مثله.
وثالثها: أن الضمير لو كان عائدا إلى القرآن لاقتضى كونهم عاجزين عن الإتيان بمثله سواء اجتمعوا أو انفردوا وسواء كانوا أميين أو عالمين، أما لو كان عائدا إلى محمد ﷺ فذلك لا يقتضى إلا كون آحادهم من الأميين عاجزين عنه، لأنه لا يكون مثل محمد إلا الشخص الأمى، فأما لو اجتمعوا وكانوا قارئين لم يكونوا مثل محمد، لأن الجماعة لا تماثل الواحد. والقارئ لا يكون مثل الأمى، ولا شك أن الإعجاز على الوجه الأول أقوى.
ورابعها: أننا لو صرفنا الضمير إلى محمد ﷺ لكان ذلك يوهم أن صدور مثل القرآن مما لم يكن مثل محمد في كونه أميا ممكن، ولو صرفناه إلى القرآن لدل ذلك على أن صدور مثله من الأمى ومن غير الأمى ممتنع فكان هذا أولى) «١» .
وقوله- تعالى-: وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ معطوف على قوله: فَأْتُوا بِسُورَةٍ.
وادعوا: من الدعاء، والمراد به هنا: طلب حضور المدعو أى: نادوهم.
وشهداءكم: أى: آلهتكم، جمع شهيد وهو القائم بالشهادة، فقد كانوا يزعمون أن آلهتهم
стр. 73
تشهد لهم يوم القيامة بأنهم على حق. وقيل: الشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر أو الناصر أو الإمام، وكأنه سمى به لأنه يحضر المجالس وتبرم بمحضره الأمور.
ودون: بمعنى غير: وتطلق في أصل اللغة على أدنى مكان من الشيء، ومنه تدوين الكتب لأنه إدناء البعض من البعض، ودونك هذا أى: خذه من أدنى مكان منك، ثم استعير للتفاوت في الرتب فقيل: زيد دون عمرو أى: في الشرف، ومنه الشيء الدون، ثم اتسع فيه فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد، وتخطى أمر إلى أمر.
قال الجمل: (والمعنى) : وادعوا إلى المعارضة من حضركم أو رجوتم معونته من إنسكم وجنكم وآلهتكم غير الله، فإنه لا يقدر على أن يأتى بمثله إلا الله..، أو ادعوا من دون الله شهداء يشهدون لكم بأن ما أتيتم به مثله، ولا تستشهدوا بالله، فإن الاستشهاد به من عادة المبهوت العاجز عن إقامة الحجة، أو شهداءكم الذين اتخذتموهم من دون الله آلهة وزعمتم أنها تشهد لكم يوم القيامة «١» ... ) .
وفي أمرهم بدعوة أصنامهم وهي جماد، وفي تسميتها شهداء مع إضافتها إليهم مع أنها لا تعقل ولا تنطق، في كل ذلك أقوى ألوان التهكم، لكي يثير في نفوسهم من الألم ما قد يكون سببا لتنبيههم إلى جهلهم، وانصرافهم عن ضلالهم.
وقوله- تعالى-: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ جملة معترضة في آخر الكلام وجواب الشرط محذوف دل عليه الكلام السابق دلالة واضحة حتى صار ذكره في نظم الكلام مما ينزل به عن مرتبة البلاغة.
والمعنى: إن كنتم صادقين في زعمكم أنكم تقدرون على معارضة القرآن فأتوا بسورة من مثله. وادعوا آلهتكم وبلغاءكم وجميع البشر ليعينوكم أو ليشهدوا لكم أنكم أتيتم بما يماثله في حكمة معانيه وحسن بيانه.
وفي هذه الآية الكريمة إثارة لحماستهم، إذ عرض بعدم صدقهم، فتتوفر دواعيهم على المعارضة التي زعموا أنهم أهل لها.
ثم قال- تعالى-: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ.
المعنى: فإن لم تفعلوا أى: تعارضوا القرآن، وتبين لكم أن أحدا لا يستطيع معارضته، فخافوا العذاب الذي أعده الله للجاحدين وهو النار التي وقودها الناس والحجارة» .
والوقود: ما يلقى في النار لإضرامها كالحطب ونحوه، والحجارة: الأصنام التي كانوا
стр. 74
يعبدونها من دون الله كما قال- تعالى-: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ.
واقتران المشركين بما كانوا يعبدون في النار مبالغة في إيلامهم وتحسيرهم والاقتصار على ذكر الناس والحجارة لا يؤخذ منه أن ليس في النار غيرهما بدليل ما ذكر في مواضع أخرى من القرآن أن الجن والشياطين يدخلونها.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: انتفاء إتيانهم بالسورة واجب فهلا جيء ب «إذا» الذي للوجوب دون «ان» الذي للشك؟ قلت: فيه وجهان:
أحدهما: أن يساق القول معهم على حسب حسبانهم وطمعهم، وأن العجز عن المعارضة كان قبل التأمل كالمشكوك فيه لديهم لاتكالهم على فصاحتهم واقتدارهم على الكلام.
والثاني: أن يتهكم بهم كما يقول الموصوف بالقوة الواثق من نفسه بالغلبة على من يعاديه:
إن غلبتك لم أبق عليك وهو يعلم أنه غالبه ويتيقنه تهكما به «١» .
وقال: فإن لم تفعلوا، ولم يقل فإن لم تأتوا بسورة من مثله، لأن قوله فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا جار مجرى الكناية التي تعطى اختصارا ووجازة تغنى عن طول المكنى عنه، ولأن الإتيان ما هو إلا فعل من الأفعال، تقول: أتيت فلانا. فيقال لك: نعم ما فعلت.
وجملة وَلَنْ تَفْعَلُوا جملة معترضة بين الشرط والجزاء، جيء بها لتأكيد عجزهم عن معارضته. فإن في نفيها في المستقبل بإطلاق تأكيدا لنفيها في الحال.
قال الإمام الرازي: (فإن قيل: فما معنى اشتراطه في اتقاء النار انتفاء إتيانهم بسورة من مثله؟ فالجواب أنه إذا ظهر عجزهم عن المعارضة صح عندهم صدق رسول الله ﷺ وإذا صح ذلك ثم لزموا العناد استوجبوا العقاب بالنار، فاتقاء النار يوجب ترك العناد، فأقيم المؤثر مقام الأثر، وجعل قوله: فَاتَّقُوا النَّارَ قائما مقام قوله فاتركوا العناد، وهذا هو الإيجاز الذي هو أحد أبواب البلاغة، وفيه تهويل لشأن العناد، لإنابة اتقاء النار منابه متبعا ذلك بتهويل صفة النار) «٢» .
ومعنى أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ هيئت لهم، لأنهم الذين يخلدون فيها، أو أنهم خصوا بها وإن كانت معدة للفاسقين- أيضا لأنه يريد بذلك نارا مخصوصة لا يدخلها غيرهم كما قال- تعالى- إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ.
стр. 75
وفي هذه الآية الكريمة معجزة من نوع الإخبار بالغيب، إذ لم تقع المعارضة من أحد في أيام النبوة وفيما بعدها إلى هذا العصر.
قال صاحب الكشاف: (فإن قلت: من أين لك أنه إخبار بالغيب على ما هو عليه حتى يكون معجزة؟ قلت: لأنهم لو عارضوه بشيء لم يمتنع أن يتواصفه الناس ويتناقلوه، إذ خفاء مثله فيما عليه مبنى العادة محال، لا سيما والطاعنون فيه أكثف عددا من الذابين عنه، فحين لم ينقل علم أنه إخبار بالغيب على ما هو به، فكان معجزة) «١» .
وقال بعض العلماء: (هذه الآية الجليلة من جملة الآيات التي صدعت بتحدى الكافرين بالتنزيل الكريم) . وقد تحداهم الله في غير موضع منه فقال في سورة القصص:
قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وقال في سورة الإسراء: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً وقال في سورة يونس: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ، قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. وكل هذه الآيات مكية.
ثم تحداهم أيضا في المدينة بهذه الآية وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ.. إلخ. فعجزوا عن آخرهم، وهم فرسان الكلام، وأرباب النظام، وقد خصوا من البلاغة والحكم ما لم يخص به غيرهم من الأمم، جعل الله لهم ذلك طبعا وخلقة وفيهم غريزة وقوة. يأتون منه على البديهة بالعجب ويدلون به إلى كل سبب، فيخطبون، ويمدحون، ويقدحون، ويتوسلون، ويتوصلون، ويرفعون، ويضعون، فيأتون بالسحر الحلال ... ومع هذا فلم يتصد لمعارضة القرآن منهم أحد، ولم ينهض- لمقدار سورة منه- ناهض من بلغائهم، ولم ينبض منهم عرق العصبية مع اشتهارهم بالإفراط في المضارة والمضادة. وقد جرد لهم النبي ﷺ الحجة أولا، والسيف آخرا فلم يعارضوا إلا السيف وحده، وما أعرضوا عن معارضة الحجة إلا لعلمهم أنهم أعجز من المعارضة، وبذلك يظهر أن في قوله- تعالى- وَلَنْ تَفْعَلُوا معجزة أخرى، فإنهم ما فعلوا، وما قدروا....
وحيث عجز عرب ذلك العصر فما سواهم أعجز في هذا الأمر.... فدل على أن القرآن ليس من كلام البشر، بل هو كلام خالق القوى والقدر أنزله تصديقا لرسوله، وتحقيقا لمقوله «٢» ...
وبعد أن ذكر القرآن الكفار ومآلهم، عطف على ذلك ذكر المؤمنين وما يفوزون به من نعيم