← Тафсир

Тафсир · id 23590

التفسير الوسيط لطنطاوي

محمد سيد طنطاوي

Полный текст (6 701 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

هذه الآية. وهي أول آية نزلت في القتال بعد ما نهى عنه في نيف وسبعين آية «١» . وقوله- تعالى-: وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ وعد منه- سبحانه- للمؤمنين بالنصر وحض لهم على الإقدام على الجهاد في سبيله بدون تردد أو وهن. أى: وإن الله- تعالى- لقادر على أن ينصر عباده المؤمنين. وعلى أن يمكن لهم في الأرض، وعلى أن يجعلهم الوارثين لأعدائهم الكافرين. قال الإمام ابن كثير ما ملخصه: قوله: وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ أى: هو قادر على نصر عباده المؤمنين من غير قتال، ولكنه يريد من عباده أن يبلوا جهدهم في طاعته، كما قال- تعالى-: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ، حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها، ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ، وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ.. «٢» . وإنما شرع- سبحانه- الجهاد في الوقت الأليق به، لأنهم لما كانوا بمكة، كان المشركون أكثر عددا. فلو أمر المسلمون بالقتال لشق ذلك عليهم ... فلما استقروا بالمدينة. وصارت لهم دار إسلام، ومعقلا يلجئون إليه شرع الله جهاد الأعداء، فكانت هذه الآية أول ما نزل في ذلك.. «٣» . وقوله- سبحانه-: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ.. بيان لبعض الأسباب التي من أجلها شرع الله الجهاد في سبيله. أى: إن الله- تعالى- لقدير على نصر المؤمنين الذين أخرجهم الكافرون من ديارهم بغير حق، وبغير أى سبب من الأسباب، سوى أنهم كانوا يقولون ربنا الله- تعالى- وحده، ولن نعبد من دونه إلها آخر. أى: ليس هناك ما يوجب إخراجهم- في زعم المشركين- سوى قولهم ربنا الله. ثم حرض- سبحانه- المؤمنين على القتال في سبيله، بأن بين لهم أن هذا القتال يقتضيه نظام هذا العالم وصلاحه، فقال- تعالى-: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً. والمراد بالدفع: إذن الله المؤمنين في قتال المشركين. والمراد بقوله: بَعْضَهُمْ

стр. 4202

الكافرون. وبقوله: بِبَعْضٍ المؤمنون. والصوامع: جمع صومعة، وهي بناء مرتفع يتخذه الرهبان معابد لهم. والبيع: جمع بيعة- بكسر الباء- وهي كنائس النصارى التي لا تختص بالرهبان. والصلوات: أماكن العبادة لليهود. أى: ولولا أن الله- تعالى- أباح للمؤمنين قتال المشركين، لعاث المشركون في الأرض فسادا، ولهدموا في زمن موسى وعيسى أماكن العبادة الخاصة بأتباعهما، ولهدموا في زمن الرسول ﷺ المساجد التي تقام فيها الصلاة. قال القرطبي: قوله- تعالى-: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ... أى: ولولا ما شرعه الله- تعالى- للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء لاستولى أهل الشرك. وعطلوا ما بناه أهل الديانات من مواضع العبادات ولكنه دفع بأن أوجب القتال ليتفرغ أهل الدين للعبادة. فالجهاد أمر متقدم في الأمم. وبه صلحت الشرائع، واجتمعت المتعبدات، فكأنه قال: أذن في القتال فليقاتل المؤمنون. ثم قوى هذا الأمر في القتال بقوله: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ ... الآية أى: لولا الجهاد والقتال لتغلب أهل الباطل على أهل الحق في كل أمة ... «١» . فالآية الكريمة تفيد أن الله- تعالى- قد شرع القتال لإعلاء الحق وإزهاق الباطل، ولولا ذلك لاختل هذا العالم، وانتشر فيه الفساد. والتعبير بقوله- تعالى-: لَهُدِّمَتْ بالتشديد للإشعار بأن عدم مشروعية القتال، يؤدى إلى فساد ذريع، وإلى تحطيم شديد لأماكن العبادة والطاعة لله- . وقدم الصوامع والبيع والصلوات على المساجد، باعتبار أنها أقدم منها في الوجود، أو للانتقال من الشريف إلى الأشرف. ثم ساق- سبحانه- بأسلوب مؤكد سنة من سننه التي لا تتخلف فقال: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. أى: والله لينصرن- سبحانه- من ينصر دينه وأولياءه، لأنه- تعالى- هو القوى على كل فعل يريده، العزيز الذي لا يغالبه مغالب، ولا ينازعه منازع. وقد أنجز- سبحانه- وعده وسنته، فسلط عباده المؤمنين من المهاجرين والأنصار، على

стр. 4203

أعدائه، فأذلوا الشرك والمشركين وحطموا دولتي الأكاسرة والقياصرة، وأورثهم أرضهم وديارهم. ثم وصف- سبحانه- هؤلاء المؤمنين الذين وعدهم بنصره بأكرم الصفات ليميزهم عن غيرهم فقال: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ، وَآتَوُا الزَّكاةَ، وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ. أى: ولينصرن الله- تعالى- هؤلاء المؤمنين الصادقين الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق، والذين من صفاتهم أنهم إذا ما مكنا لهم في الأرض، ونصرناهم على أعدائهم، شكروا لنا ما أكرمناهم به، فأقاموا الصلاة في مواقيتها بخشوع وإخلاص، وقدموا زكاة أموالهم للمحتاجين، وأمروا غيرهم بالمعروف ونهوه عن المنكر، ولله- تعالى- وحده عاقبة الأمور ومردها ومرجعها في الآخرة، فيجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب. فالآية الكريمة تبين أن أولى الناس بنصر الله، هم هؤلاء المؤمنون الصادقون، الذين أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ... وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ «١» . وقوله- تعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ.. «٢» . وبعد أن أذن الله- تعالى- لنبيه ﷺ وللمؤمنين في القتال، وبشرهم بالنصر.. أتبع ذلك بتسليته ﷺ عما أصابه من حزن بسبب تكذيب المشركين له ووبخ- سبحانه- أولئك المشركين على عدم اعتبارهم بمن سبقهم فقال- تعالى-: [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٤٢ الى ٥١] وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٤) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨) قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٥١)

стр. 4204

والمعنى: لا تحزن- أيها الرسول الكريم- لأن هؤلاء المشركين قد كذبوك فيما جئتهم به من عند ربك، وأعرضوا عنه، فإن قوم نوح، وقوم هود. وقوم صالح، وقوم إبراهيم، وقوم لوط، وقوم شعيب، وقوم موسى، قد كذبوا هؤلاء الأنبياء الكرام، وما يقال لك من هؤلاء المشركين، قد قيل للرسل من قبلك. قال- تعالى-: كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ «١» . واستغنى في عاد وثمود عن ذكر القوم، لاشتهارهم بهذا الاسم الذي يدل دلالة واضحة على هؤلاء الظالمين. وقال- سبحانه-: وَأَصْحابُ مَدْيَنَ ولم يقل وقوم شعيب، لأنهم هم الأسبق في التكذيب له- ﵇ على أصحاب الأيكة، ولأنهم هم أهله أما أصحاب الأيكة فكانوا غرباء عنه.

стр. 4205

وقال- سبحانه-: وَكُذِّبَ مُوسى لأنه لم يكذّب من جميع قومه وهم بنو إسرائيل. وإنما كان المكذب له هو فرعون وملأه، وللإشارة إلى أن موسى- ﵇ قد جاء إلى الناس بآيات واضحات تدل على صدقه، ومع ذلك فقد قوبل بالتكذيب من فرعون وملئه. ثم بين- سبحانه- ما حل بهؤلاء من عقوبات فقال: فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ. والإملاء: الإمهال وفي الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله ليملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» . والنكير: اسم مصدر بمعنى الإنكار، يقال: أنكرت على فلان فعله، إذا ردعته وزجرته عنه. أى: هؤلاء الأقوام الذين كذبوا أنبياءهم، لم أعاجلهم بالعقوبة، بل أمهلتهم وأمليت لهم، ثم أخذتهم أخذ عزيز مقتدر، فانظر- أيها العاقل- كيف كان إنكارى عليهم؟ لقد كان إنكارا مخيفا مهلكا فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً. وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا، وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ، وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ «١» . وقال- سبحانه- فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ بالإظهار دون الإضمار، لزيادة التشنيع عليهم والاستفهام في قوله- تعالى-: فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ للتهويل والتعجيب. أى: لقد كان إنكارا فظيعا حول حياتهم إلى موت، وعمرانهم إلى خراب، وغرورهم إلى ذلة وهوان.. فعلى مشركي قريش أن يعتبروا بذلك ويتعظوا.. وإلا فالعاقبة معروفة لهم. وبعد هذا البيان المشتمل على سوء عاقبة هذه الأمم التي كذبت رسلها.. أتبع ذلك- سبحانه- ببيان مصير كثير من الأمم الظالمة فقال: فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ، فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ، وَقَصْرٍ مَشِيدٍ. وكلمة «كأين» مركبة من كاف التشبيه، ومن أى الاستفهامية المنونة، ثم هجر معنى جزأيها وصارت كلمة واحدة بمعنى كم الخبرية المفيدة للتكثير، ويكنى بها عن عدد مبهم فتفتقر إلى تمييز بعدها. ومميزها غالبا ما يجر بمن كما في الآية وفي غيرها. قال- تعالى-: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ... «٢» ، وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ «٣» .

стр. 4206

قال الآلوسى: وقوله: فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ منصوب بمضمر يفسره قوله- تعالى-: أَهْلَكْناها أى: فأهلكنا كثيرا من القرى أهلكناها.. أو مرفوع على الابتداء، وجملة أَهْلَكْناها خبره. أى: فكثير من القرى أهلكناها.. وقوله: وَهِيَ ظالِمَةٌ جملة حالية من مفعول أهلكنا.. «١» . ولفظ خاوِيَةٌ بمعنى ساقطة أو خالية. يقال خوى البيت يخوى إذا سقط أو خلا ممن يسكنه. والعروش: جمع عرش وهو سقف البيت، ويسمى العريش: وكل ما يهيأ ليستظل به فهو عريش. وبئر معطلة أى: مهجورة لهلاك أهلها، يقال: بأر فلان الأرض إذا حفرها ليستخرج منها الماء. والمشيد: المجصص بالشّيد وهو الجصّ. يقال: شاد فلان بيته يشيده، إذا طلاه بالشّيد. والمعنى: وكثير من القوى أهلكناها بسبب ظلمهم وكفرهم، فإذا ما نظرت إليها وجدتها خالية من أهلها، وقد سقطت سقوفها على جدرانها. وكثير من الآبار التي كانت تتفجر بالماء عطلناها وصارت مهجورة، وكثير- أيضا- من القصور المشيدة الفخمة أخليناها من أهلها. وذلك لأنهم كذبوا رسلنا، وجحدوا نعمنا، فدمرناهم تدميرا. وجعلنا مساكنهم من بعدهم أثرا بعد عين. فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد اشتملت على أشد ألوان الوعيد والتهديد لكفار قريش الذين كذبوا الرسول ﷺ وأعرضوا عن دعوته. وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً «٢» . ثم ينتقل القرآن الكريم من هذا التهديد الشديد، إلى التوبيخ والتقريع لهؤلاء المشركين، الذين لا يعتبرون ولا يتعظون فيقول: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها، أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها ...

стр. 4207

والاستفهام للتوبيخ والإنكار، والفاء للعطف على مقدر يستدعيه المقام. والمعنى: إن مصارع الغابرين وديارهم، يمر بها كفار قريش، ويعرفونها، فهم يرون في طريقهم إلى الشام قرى صالح وقرى قوم لوط.. قال- تعالى-: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ «١» . والشأن في هذه الرؤية أن تجعل صاحبها يعتبر ويتعظ، متى كان عنده قلب يعقل ما يجب فهمه، أو أذن تسمع ما يجب سماعه وتنفيذه، ولكن هؤلاء الجاهلين يرون مصارع الغابرين فلا يعقلون، ولا يعتبرون، ويسمعون الأحاديث عن تلك الآبار المعطلة، والقصور الخالية من سكانها، والمنازل المهدمة، فلا يتعظون. وقوله- تعالى-: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ بيان لسبب انطماس بصائرهم، وقسوة قلوبهم. والضمير في قوله فَإِنَّها للقصة. أى: فإن الحال أنه لا يعتد بعمى الأبصار، ولكن الذي يعتد به هو عمى القلوب التي في الصدور، وهؤلاء المشركون قد أصيبوا بالعمى الذي هو أشنع عمى وأقبحه. وهو عمى القلوب عن الفهم وقبول الحق. وذكر- سبحانه- أن مواضع القلوب في الصدور، لزيادة التأكيد، ولزيادة إثبات العمى لتلك القلوب التي حدد- سبحانه- موضعها تحديدا دقيقا. قال الآلوسى: فالكلام تذييل لتهويل ما نزل بهم من عدم فقه القلب، وأنه العمى الذي لا عمى بعده، بل لا عمى إلا هو، أو المعنى: إن أبصارهم صحيحة سالمة لا عمى بها. وإن العمى بقلوبهم، فكأنه قيل: أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب ذات بصائر، فإن الآفة ببصائر قلوبهم لا بأبصار عيونهم، وهي الآفة التي كل آفة دونها. كأنه يحثهم على إزالة المرض وينعى عليهم تقاعدهم عنها «٢» . ثم أكد- سبحانه- انطماس بصائرهم، حيث بين أنهم بدل أن يتوبوا إلى الله ويستغفروه، استعجلوا العذاب فقال: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ، وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ. وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ. أى: أن هؤلاء الطغاة بدل أن يسيروا في الأرض فيعتبروا ويتعظوا، أخذوا يطلبون منك- أيها الرسول الكريم- نزول العذاب عاجلا، على سبيل الاستهزاء بك والاستخفاف بما هددناهم به، ويقولون لك: متى هو؟.

стр. 4208

فالجملة الكريمة وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ خبرية في اللفظ، استفهامية في المعنى. وقوله- سبحانه-: وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ جملة حالية جيء بها لتهديدهم على استعجالهم العذاب، أى: والحال أن الله- تعالى- لن يخلف ما وعدهم به من العذاب، بل هو منجزه في الوقت الذي يريده هو وليس الذي يريدونه هم. وقوله- سبحانه-: وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ جملة مستأنفة سيقت لبيان أن حساب الأزمان في تقدير الله- تعالى- يخالف ما يقدره البشر. أى: دعهم- أيها الرسول الكريم- يستعجلون العذاب، فذلك دأب الظالمين في كل حين، وسبيل الجاهلين في كل زمان، وأعلمهم أن الله- تعالى- لن يخلف وعده إياهم به في الوقت المحدد لذلك، وإن يوما عنده- تعالى- كألف سنة مما يعده هؤلاء في دنياهم، وسيأتيهم هذا اليوم الذي يطول عليهم طولا شديدا، لما يرون فيه من عذاب مهين. قال القرطبي: قوله- تعالى-: وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ قال ابن عباس ومجاهد: يعنى من الأيام التي خلق فيها السموات والأرض. وقال عكرمة: يعنى من أيام الآخرة، أعلمهم الله إذ استعجلوه بالعذاب في أيام قصيرة أنه يأتيهم به في أيام طويلة. وقال الفراء: هذا وعيد لهم بامتداد عذابهم في الآخرة. وقيل المعنى: وإن يوما في الخوف والشدة في الآخرة كألف سنة من سنى الدنيا فيها خوف وشدة.. «١» . ثم أكد- سبحانه- أن إملاءه للظالمين، سيعقبه العذاب الأليم، فقال: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ. أى: وكثير من القرى الظالمة أمهلت عقوبة أهلها إلى أجل مسمى، ثم أخذتها بعد ذلك أخذا شديدا، جعلهم في قراهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها، وسيرجعون إلينا فيجدون عذابا أشد وأبقى، إذ أن مصيرهم إلىّ لا إلى غيرى. وبعد هذا العرض لمصارع الغابرين وبيان سنة الله- تعالى- في المكذبين، يأمر- سبحانه- نبيه ﷺ أن يرشد الناس إلى مصيرهم فيقول: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ. أى: قل- أيها الرسول الكريم- للناس، إن وظيفتي أن أنذركم وأخوفكم من عذاب الله، بدون التباس أو غموض.

стр. 4209

فَالَّذِينَ آمَنُوا وعملوا الأعمال الصالحات لهم من ربهم مغفرة واسعة، ورزق كريم، لا انقطاع معه ولا امتناع. وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أى: والذين بذلوا كل جهودهم في إبطال آياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا وصدق رسلنا، وأسرعوا في تكذيبها وغالبوا المؤمنين وعارضوهم ليظهروهم بمظهر العاجز عن الدفاع عن دينهم وعن عقيدتهم. أُولئِكَ الموصوفون بهذا السعى الأثيم أَصْحابُ الْجَحِيمِ أى: الملازمون للنار المتأججة ملازمة المالك لما يملكه. ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك الى الحديث عن فضل الله- تعالى- على أنبيائه ورسله حيث عصمهم من كيد الشيطان ووسوسته وحفظ دعوتهم من تكذيب المكذبين، وعبث العابثين.. فقال- تعالى-: [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٥٢ الى ٥٤] وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤) قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات: قد ذكر كثير من المفسرين ها هنا قصة الغرانيق «١» ، وما كان من رجوع كثير من المهاجرين إلى أرض الحبشة، ظنا منهم أن مشركي

стр. 4210

قريش قد أسلموا. ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح. ثم قال- ﵀: قال ابن أبى حاتم: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة، عن أبى بشر، عن سعيد بن جبير قال: قرأ رسول الله ﷺ بمكة سورة النجم، فلما بلغ هذا الموضع: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى. وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى. قال: فألقى الشيطان على لسانه: «تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن ترتجى» . قالوا: - أى المشركون-: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم، فسجد وسجدوا، فأنزل الله- تعالى- هذه الآية وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ.. «١» . وجمع- سبحانه- بين الرسول والنبي، لأن المقصود بالرسول من بعث بكتاب، وبالنبي من بعث بغير كتاب، أو المقصود بالرسول من بعث بشرع جديد، وبالنبي من بعث لتقرير شرع من قبله. ولفظة تَمَنَّى هنا: فسره العلماء بتفسيرين: أولهما: أنه من التّمنّى، بمعنى محبة الشيء، وشدة الرغبة في الحصول عليه، ومفعول «ألقى» محذوف والمراد بإلقاء الشيطان في أمنيته: محاولته صرف الناس عن دعوة الحق، عن طريق إلقاء الأباطيل في نفوسهم، وتثبيتهم على ما هم فيه من ضلال. والمعنى: وما أرسلنا من قبلك- يا محمد- من رسول ولا نبي، إلا إذا تمنى هداية قومه إلى الدين الحق الذي جاءهم به من عند ربه، ألقى الشيطان الوساوس والشبهات في طريق أمنيته لكي لا تتحقق هذه الأمنية، بأن يوهم الشيطان الناس بأن هذا الرسول أو النبي ساحر أو مجنون، أو غير ذلك من الصفات القبيحة التي برأ الله- تعالى- منها رسله وأنبياءه. قال- تعالى-: كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَواصَوْا بِهِ، بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ «٢» . والآية الكريمة على هذا التفسير واضحة المعنى، ويؤيدها الواقع، إذ أن كل رسول أو نبي بعثه الله- تعالى- كان حريصا على هداية قومه، وكان يتمنى أن يؤمنوا جميعا، بل إن الرسول ﷺ كاد يهلك نفسه هما وغما بسبب إصرار قومه على الكفر.

стр. 4211

قال- تعالى-: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً «١» . إلا أن قوم كل رسول أو نبي منهم من آمن به. ومنهم من أعرض عنه بسبب إغراء الشيطان لهم، وإيهامهم بأن ما هم عليه من ضلال هو عين الهدى. وإلى هذا التفسير أشار صاحب الكشاف بقوله: «قوله- تعالى-: مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ دليل بين على تغاير الرسول والنبي. والفرق بينهما أن الرسول من الأنبياء: من جمع إلى المعجزة الكتاب المنزل عليه والنبي غير الرسول: من لم ينزل عليه كتاب وإنما أمر أن يدعو الناس إلى شريعة من قبله. والسبب في نزول هذه الآية أن رسول الله ﷺ لما أعرض عنه قومه وشاقوه، وخالفته عشيرته ولم يشايعوه على ما جاء به: تمنى لفرط ضجره من إعراضهم، ولحرصه وتهالكه على إسلامهم أن لا ينزل عليه ما ينفرهم، لعله يتخذ ذلك طريقا إلى استمالتهم واستنزالهم عن غيهم وعنادهم «٢» . أما التفسير الثاني للفظ تَمَنَّى فهو أنه بمعنى قرأ وتلا. ومنه قول حسان بن ثابت، في رثاء عثمان بن عفان رضى الله عنه: تمنى كتاب الله أول ليله ... وآخره لاقى حمام المقادر أى: قرأ وتلا كتاب الله في أول الليل. وفي آخر الليل وافاه أجله. ومفعول أَلْقَى على هذا المعنى محذوف- أيضا- والمراد بما يلقيه الشيطان في قراءته: ما يلقيه في معناها من أكاذيب وأباطيل، ليصد الناس عن اتباع ما يقرؤه الرسول وما يتلوه، وليس المراد أنه يلقى فيها ما ليس منها بالزيادة أو بالنقص، فإن ذلك محال بالنسبة لكتاب الله- تعالى- الذي تكفل- سبحانه- بحفظه فقال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ «٣» . والمعنى: وما أرسلنا من قبلك- أيها الرسول الكريم- من رسول ولا نبي إلا إذا قرأ شيئا مما أنزلناه عليه، ألقى الشيطان في معنى قراءته الشبه والأباطيل، ليصد الناس عن اتباع ما يتلوه عليهم هذا الرسول أو النبي. قال الآلوسى- ﵀: والمعنى: وما أرسلنا من قبلك رسولا ولا نبيا، إلا وحاله أنه

стр. 4212

إذا قرأ شيئا من الآيات، ألقى الشيطان الشبه والتخيلات فيما يقرؤه على أوليائه، ليجادلوه بالباطل، ويردوا ما جاء به، كما قال- تعالى- ... وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ ... «١» . وقال- سبحانه-: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً.. «٢» . وهذا كقولهم عند سماع قراءة الرسول ﷺ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ: إن محمدا يحل ذبيحة نفسه ويحرم ما ذبحه الله. وكقولهم عند سماع قراءته لقوله- تعالى- إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ. حَصَبُ جَهَنَّمَ.. «٣» إن عيسى قد عبد من دون الله، وكذلك الملائكة قد عبدوا من دون الله. «٤» . والآية الكريمة لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ على هذا التفسير- أيضا- واضحة المعنى، إذ المراد بما يلقيه الشيطان في قراءة الرسول أو النبي، تلك الشبه والأباطيل التي يلقيها في عقول الضالين، فيجعلهم يؤولونها تأويلا سقيما ويفهمونها فهما خاطئا. وقوله- تعالى-: فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ بيان لسنته- سبحانه- التي لا تتخلف في إحقاق الحق. وإبطال الباطل. وقوله فَيَنْسَخُ من النسخ بمعنى الإزالة. يقال: نسخت الشمس الظل إذا أزالته. أى: فيزيل- سبحانه- بمقتضى قدرته وحكمته ما ألقاه الشيطان في القلوب التي شاء الله- تعالى- لها الإيمان والثبات على الحق ثم يحكم- سبحانه- آياته بأن يجعلها متقنة، لا تقبل الرد، ولا تحتمل الشك في كونها من عنده- والله عليم بجميع شئون خلقه، حكيم في كل أقواله وأفعاله وتصرفاته. ثم بين- سبحانه- بعد ذلك أن الحكمة في إلقاء الشيطان لشبهه وضلالته هي امتحان الناس فقال: لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ.... أى: فعل ما فعل- سبحانه- ليجعل ما يلقيه الشيطان من تلك الشبه في القلوب فتنة واختبارا وامتحانا، للذين في قلوبهم مرض، أى: شك وارتياب، وهم المنافقون، وللذين قست قلوبهم، وهم الكافرون المجاهرون بالجحود والعناد. فقوله- تعالى-: لِيَجْعَلَ.. متعلق ب أَلْقَى أى: ألقى الشيطان في أمنية الرسل والأنبياء ليجعل الله- تعالى- ذلك الإلقاء فتنة للذين في قلوبهم مرض.

стр. 4213

ومعنى كونه فتنة لهم: أنه سبب لتماديهم في الضلال، وفي إصرارهم على الفسوق والعصيان. ثم بين- سبحانه- سوء عاقبة الفريقين فقال: وَإِنَّ الظَّالِمِينَ، وهم من في قلوبهم مرض، ومن قست قلوبهم لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ أى لفي خلاف للحق شديد. بسبب نفاقهم وكفرهم. ثم بين- سبحانه- حكمة أخرى لما فعله الشيطان من إلقاء الشبه والوساوس في القلوب فقال: وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ، فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ. والضمير في أَنَّهُ يعود إلى ما جاء به الرسل والأنبياء من عند ربهم. أى: وفعل ما فعل- سبحانه- أيضا، ليعلم العلماء من عباده، الذين حبب- سبحانه- إليهم الإيمان، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، أن ما جاء به الرسل والأنبياء هو الحق الثابت من ربك، فيزدادوا إيمانا به فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ أى: فتخضع وتسكن وتطمئن إليه نفوسهم. ووَ إِنَّ اللَّهَ- تعالى- لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا به وصدقوا أنبياءه ورسله إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يوصلهم إلى السعادة في الدنيا والآخرة. هذا، وقد أبطل العلماء- قديما وحديثا- قصة الغرانيق، ومن العلماء القدماء الذين تصدوا لهذا الإبطال الإمام الفخر الرازي، فقد قال ما ملخصه: قصة الغرانيق باطلة عند أهل التحقيق، واستدلوا على بطلانها بالقرآن والسنة والمعقول. أما القرآن فمن وجوه منها قوله- تعالى-: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ «١» وقوله- سبحانه-: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى «٢» ، وقوله- : قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي، إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ.. «٣» . وأما السنة، فقد قال الإمام البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل وأيضا فقد روى البخاري في صحيحه أن النبي ﷺ قرأ سورة «والنجم» وسجد فيها المسلمون والمشركون والإنس والجن، وليس فيه حديث الغرانيق. وروى هذا الحديث من طرق كثيرة وليس فيها ألبتة حديث الغرانيق.

стр. 4214

وأما المعقول فمن وجوه منها: أن من جوز على الرسول ﷺ تعظيم الأوثان فقد كفر، لأن من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه ﷺ كان نفى الأوثان. ومنها: أننا لو جوزنا ذلك لارتفع الأمان عن شرعه.. فإنه لا فرق في العقل بين النقصان عن الوحى وبين الزيادة فيه. فبهذه الوجوه عرفنا على سبيل الإجمال أن هذه القصة موضوعة. أكثر ما في الباب أن جمعا من المفسرين ذكرها. لكنهم ما بلغوا حد التواتر. وخبر الواحد لا يعارض الدلائل النقلية والعقلية المتواترة «١» . وقال بعض العلماء ما ملخصه: اعلم أن مسألة الغرانيق مع استحالتها شرعا، ودلالة القرآن على بطلانها، لم تثبت من طريق صالح للاحتجاج به، وصرح بعد ثبوتها خلق كثير من علماء الحديث كما هو الصواب. والحاصل: أن القرآن دل على بطلانها، ولم تثبت من جهة النقل، مع استحالة الإلقاء على لسانه ﷺ شرعا ولو على سبيل السهو. والذي يظهر لنا أنه الصواب: هو أن ما يلقيه الشيطان في قراءة النبي: الشكوك والوساوس المانعة من تصديقها وقبولها، كإلقائه عليهم أنها سحر أو شعر أو أساطير الأولين.. والدليل على هذا المعنى: أن الله- تعالى- بين أن الحكمة في الإلقاء المذكور امتحان الخلق، لأنه قال: لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ... ثم قال: وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ... فهذا يدل على أن الشيطان يلقى عليهم، أن الذي يقرؤه النبي ليس بحق، فيصدقه الأشقياء، ويكذبه المؤمنون الذين أوتوا العلم، ويعلمون أنه الحق لا الكذب، كما يزعم لهم الشيطان في إلقائه ... » «٢» . ثم بين- سبحانه- أن الكافرين سيستمرون على شكهم في القرآن حتى تأتيهم الساعة، وأنه- تعالى- سيحكم بين الناس يوم القيامة، فيجازى الذين أساءوا بما عملوا. ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى. فقال- : [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٥٥ الى ٥٩] وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٥٧) وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩)

стр. 4215

قال الجمل: «لما ذكر- سبحانه- حال الكافرين أولا، ثم حال المؤمنين ثانيا، عاد إلى شرح حال الكافرين، فهو رجوع لقوله: وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ والمرية بالكسر والضم. لغتان مشهورتان «١» . والضمير في قوله: مِنْهُ يعود إلى القرآن الكريم، أو إلى ما جاء به الرسول من عند ربه، وقيل إلى ما ألقاه الشيطان. وقد رجح ابن جرير كونه للقرآن فقال: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: هي كناية من ذكر القرآن الذي أحكم الله آياته وذلك أن لك من ذكر قوله: وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ.. أقرب منه من ذكر قوله فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ.. «٢» . والمعنى ولا يزال الذين كفروا في شك وريب مما أوحاه الله إليك من قرآن، بسبب قسوة قلوبهم، واستيلاء الجحود والعناد على نفوسهم. وسيستمرون على هذه الحال حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ أى: القيامة بَغْتَةً أى: فجأة أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ أى: لا مثل له في هوله وشدة عذابه ولا يوم بعده، إذ كل يوم يلد ما بعده عن الأيام إلا هذا اليوم وهو يوم القيامة فإنه لا يوم بعده. قال ابن كثير: «وقوله: أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ قال مجاهد: قال أبى بن كعب: هو يوم بدر.

стр. 4216

وكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير وقتادة وغير واحد واختاره ابن جرير. وفي رواية عن عكرمة ومجاهد هو يوم القيامة لا ليلة له، وكذا قال الضحاك والحسن. وهذا القول هو الصحيح، وإن كان يوم بدر من جملة ما أو عدوا به، لكن هذا هو المراد، ولهذا قال: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ كقوله: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ «١» . ثم بين- سبحانه- مظاهر قدرته، وشمول قهره لغيره فقال: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ.. والتنوين في قوله يَوْمَئِذٍ عوض عن جملة. أى: السلطان القاهر، والتصرف الكامل، يوم تأتيهم الساعة بغتة، أو يوم يأتيهم عذابها يكون لله- تعالى- وحده، كما أن الحكم بين الناس جميعا يكون له وحده- سبحانه- فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الأعمال الصَّالِحاتِ يكونون في هذا اليوم فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا التي جاءتهم بها رسلنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ أى: لهم عذاب ينالون بسببه ما ينالون من هوان وذل. وَالَّذِينَ هاجَرُوا من ديارهم فِي سَبِيلِ إعلاء كلمة الله ونصرة دينه ثُمَّ قُتِلُوا أى: قتلهم الكفار في الجهاد أَوْ ماتُوا أى: على فراشهم. هؤلاء وهؤلاء لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ- تعالى- بفضله وكرمه رِزْقاً حَسَناً يرضيهم ويسرهم يوم يلقونه. حيث يبوئهم جنته. قال- تعالى-: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ.. «٢» . وقال- سبحانه- وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ «٣» . وقوله- : وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ تذييل قصد به بيان أن عطاءه- سبحانه- فوق كل عطاء، لأنه يرزق من يشاء بغير حساب، ويعطى من يشاء دون أن ينازعه منازع، أو يعارضه معارض، أو ينقص مما عنده شيء. وقوله- تعالى-: لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ.. استئناف مقرر لما قبله.

стр. 4217

و «مدخلا» أى: إدخالا، من أدخل يدخل- بضم الياء- وهو مصدر ميمى للفعل الذي قبله، والمفعول محذوف. أى: ليدخلنهم الجنة إدخالا يرضونه. وقرأ نافع مُدْخَلًا- بفتح الميم- على أنه اسم مكان أريد به الجنة، أى: ليدخلنهم مكانا يرضونه وهو الجنة. وَإِنَّ اللَّهَ- تعالى- لَعَلِيمٌ بالذي يرضيهم، وبالذي يستحقه كل إنسان من خير أو شر حَلِيمٌ فلا يعاجل بالعقوبة، بل يستر ويعفو عن كثير. ثم بشر- سبحانه- عباده الذين يقع عليهم العدوان بالنصر على من ظلمهم، فقال- تعالى-: [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٦٠ الى ٦٢] ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢) واسم الإشارة ذلك، في قوله- تعالى- ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ. يعود إلى ما ذكره- سبحانه- قبل ذلك من أن الملك له يوم القيامة، ومن الرزق الحسن الذي منحه للمهاجرين في سبيله ثم قتلوا أو ماتوا. والعقاب: مأخوذ من التعاقب، وهو مجيء الشيء بعد غيره. والمراد به هنا: مجازاة الظالم بمثل ظلمه. قال القرطبي: قال مقاتل: نزلت هذه الآية في قوم من مشركي مكة. لقوا قوما من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم: فقالوا: إن أصحاب محمد ﷺ يكرهون القتال في الشهر الحرام فاحملوا عليهم فناشدهم المسلمون أن لا يقاتلوهم في الشهر الحرام. فأبى

стр. 4218

المشركون إلا القتال، فحملوا عليهم فثبت المسلمون ونصرهم الله على المشركين، وحصل في أنفس المسلمين شيء من القتال في الشهر الحرام، فأنزل الله الآية. فمعنى مَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ أى: من جازى الظالم بمثل ما ظلمه، فسمى جزاء العقوبة عقوبة لاستواء الفعلين في الصورة فهي مثل: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها «١» . وقوله ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ أى: أن الظالم المبتدئ بالظلم عاد مرة أخرى فبغى على المظلوم وآذاه. وقوله لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ وعد مؤكد منه- سبحانه- بنصرة المظلوم، والجملة جواب قسم محذوف. أى والله لينصرن- سبحانه- المظلوم على الظالم في الحال أو المآل. قوله: إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ تعليل للنصرة، وبيان بأن المظلوم عند ما ترك العفو عن الظالم، لا يؤاخذه- سبحانه- على ذلك، مادام لم يتجاوز في رد العدوان الحدود المشروعة، وهي الانتصار على القصاص بالمثل. أى: إن الله- تعالى- لكثير العفو عن عباده، وكثير المغفرة لذنوبهم وخطاياهم. ثم بين- سبحانه- أن نصره للمظلوم مرجعه إلى شمول قدرته على كل شيء، فقال- تعالى-: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ. ومعنى: يولج: يدخل. يقال: ولج فلان منزله، إذا دخله. أى: ذلك الذين فعلناه من نصرة المبغى عليه على الباغي، كائن بسبب أن قدرتنا لا يعجزها شيء، ومن مظاهر ذلك أننا ندخل جزءا من الليل في النهار فيقصر الليل ويزيد النهار، وندخل جزءا من النهار في الليل فيحصل العكس. وأنتم ترون ذلك بأعينكم، وتشاهدون كيف يسيران بهذا النظام البديع. وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ أى: وأن الله- تعالى- سميع لكل المسموعات، بصير بكل المبصرات، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. وقوله- سبحانه-: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ.. بيان لحقيته- للعبادة والطاعة والخضوع التام. واسم الإشارة يعود إلى ما وصف به نفسه قبل ذلك من صفات القدرة الباهرة والعلم التام. أى: ذلك الذي تراه- أيها العاقل- في هذا الكون من مخلوقات، ومن نصر للمظلوم، ومن إدخال الليل في النهار وإدخال النهار في الليل، سببه أن الله- تعالى- هو الإله الحق

стр. 4219

الذي يجب أن تعنو له الوجوه. وأن ما عداه من معبودات آلهة باطلة ما أنزل الله بها من سلطان. وَأَنَّ اللَّهَ- تعالى- وحده هُوَ الْعَلِيُّ أى: العالي على جميع الكائنات بقدرته، وكل شيء دونه الْكَبِيرُ أى: العظيم الذي لا يدانيه في عظمته أحد. فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة، قد وصفت الله- تعالى- بما هو أهل له من صفات الجلال والكمال. ثم ساق- سبحانه- بعد ذلك ما يدل على سعة فضله ورحمته بعباده فقال: [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٦٣ الى ٦٦] أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٦٥) وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ (٦٦) والاستفهام في قوله: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً.. للتقرير. وقوله: مُخْضَرَّةً أى: ذات خضرة بسبب النبات الذي ينبته الله فيها بعد نزول المطر عليها. والمعنى: لقد رأيت ببصرك وعلمت ببصيرتك أيها المخاطب أن الله- تعالى- قد أنزل من السماء ماء، فتصير الأرض بسببه ذات خضرة، وفي ذلك أعظم الأدلة على كمال قدرته، وعظيم رحمته بعباده. وقال- سبحانه- فَتُصْبِحُ بصيغة المضارع، لاستحضار صورة الاخضرار، الذي

стр. 4220

اتصفت به الأرض بعد نزول المطر عليها، وصيغة الماضي لا تفيد دوام استحضارها، لأن الفعل الماضي يفيد انقطاع الشيء. ولم ينصب هذا الفعل المضارع في جواب الاستفهام، لأن الاستفهام تقريرى فهو في معنى الخبر، والخبر لا جواب له، فكأنه قيل: لقد رأيت، ولأن السببية هنا غير متحققة، إذ الرؤية لا يتسبب عنها اخضرار الأرض، وإنما اخضرارها يكون بسبب نزول المطر. وقد أشار صاحب الكشاف إلى ذلك فقال: فإن قلت: هلا قيل: فأصبحت؟ ولم صرف إلى لفظ المضارع؟. قلت: لنكتة فيه وهي إفادة بقاء أثر المطر زمانا بعد زمان، كما تقول: أنعم علىّ فلان عام كذا، فأروح وأغدو شاكرا له. ولو قلت: فرحت وغدوت لم يقع ذلك الموقع. فإن قلت: فما له رفع ولم ينصب جوابا للاستفهام؟. قلت: لو نصب لأعطى ما هو عكس الغرض، لأن معناه إثبات الاخضرار فينقلب بالنصب إلى نفى الاخضرار. مثاله أن تقول لصاحبك ألم تر أنى أنعمت عليك فتشكر. إن نصبته فأنت ناف لشكره. شاك تفريطه فيه، وإن رفعته فأنت مثبت للشكر وهذا وأمثاله مما يجب أن يرغب له من اتسم بالعلم في علم الإعراب وتوقير أهله. «١» . وقال بعض العلماء ما ملخصه: فإن قيل: كيف قال فتصبح مع أن اخضرار الأرض قد يتأخر عن صبيحة المطر. فالجواب: أن تصبح هنا بمعنى تصير، والعرب تقول: فلان أصبح غنيا، أى: صار غنيا، أو أن الفاء للتعقيب، وتعقيب كل شيء بحسبه، كقوله- تعالى-: ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً، فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً، فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً ... «٢» مع أن بين كل شيئين أربعين يوما، كما جاء في الحديث الصحيح.. «٣» . ثم ختم- سبحانه- الآية بقوله: إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ أى: إن الله- تعالى- لطيف بعباده. ومن مظاهر لطفه بهم، إنزاله المطر على الأرض للانتفاع بما تنبته من كل زوج بهيج، وهو- تعالى- خبير بأحوال عباده، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة من هذه الأحوال. فإنه- سبحانه- لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ خلقا وملكا وتصرفا وَإِنَّ اللَّهَ

стр. 4221

لَهُوَ الْغَنِيُّ عن كل ما سواه الْحَمِيدُ أى: المستوجب للحمد من كل خلقه. وقوله- تعالى-: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ، وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ، وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ... بيان لألوان أخرى من النعم التي أنعم بها على بنى آدم. أى: لقد علمت- أيضا- أيها العاقل، أن الله- تعالى- سخر لكم يا بنى آدم- ما في الأرض من دواب وشجر وأنهار، وغير ذلك مما تحتاجونه لحياتكم، وسخر لمنفعتكم السفن التي تجرى في البحر بتقديره وإرادته وإذنه. وهو- سبحانه- الذي يمسك السماء ويمنعها من أن تقع على الأرض، فتهلك من فيها، ولو شاء لأذن لها في الوقوع فسقطت على الأرض فأهلكت من عليها. قال الجمل: وقوله: إِلَّا بِإِذْنِهِ: الظاهر أنه استثناء مفرغ من أعم الأحوال، وهو لا يقع إلا في الكلام الموجب إلا أن قوله: وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ في قوة النفي. أى: لا يتركها تقع في حالة من الأحوال إلا في حالة كونها ملتبسة بمشيئة الله- تعالى- فالباء للملابسة «١» . وقوله- سبحانه-: إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ أى: لكثير الرأفة والرحمة بهم، ومن علامات ذلك أنه سخر لهم ما في الأرض وسخر لهم الفلك، وأمسك السماء عنهم، ولم يسقطها عليهم. وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً «٢» . ثم ختم- سبحانه- هذه النعم بما هو أجلها وأعظمها فقال: وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ أى: بعد أن كنتم أمواتا في بطون أمهاتكم، وقبل أن ينفخ بقدرته الروح فيكم. ثُمَّ يُمِيتُكُمْ أى: بعد انقضاء آجالكم في هذه الحياة ثُمَّ يُحْيِيكُمْ أى: عند البعث والحساب. إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ أى: لكثير الجحود والكفران لنعم ربه التي لا تحصى. فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد ذكرت أنواعا متعددة من الأدلة على قدرته- سبحانه-، كما ذكرت ألوانا من نعمه على عباده، ومن ذلك إنزال الماء من السماء فتصبح

стр. 4222

الأرض مخضرة بعد أن كانت يابسة. وتسخير ما في الأرض للإنسان، وتسخير الفلك لخدمته ومنفعته، وإمساك السماء أن تقع على الأرض إلا بمشيئته- تعالى- وإيجادنا من العدم بقدرته ورحمته. وبعد أن عرضت السورة الكريمة دلائل قدرة الله- تعالى- ورحمته بعباده أتبعت ذلك ببيان أنه- سبحانه- قد جعل لكل أمة شرعة ومنهاجا، وأمرت النبي ﷺ أن يمضى في طريقه لتبليغ رسالة الله- تعالى- دون أن يلتفت إلى ممارات المشركين له، وأن يفوض الحكم فيهم إليه- سبحانه- فهو العليم بكل شيء، فقال- تعالى-: [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٦٧ الى ٧٠] لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ (٦٧) وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (٦٨) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٦٩) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠) قال الآلوسى: قوله- تعالى-: لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ ... كلام مستأنف جيء به لزجر معاصريه ﷺ من أهل الأديان السماوية عن منازعته، ببيان حال ما تمسكوا به من الشرائع، وإظهار خطئهم «١» . والمراد بالأمة هنا: القوم الذين يدينون بشريعة معينة. والمراد بالمنسك المنهج والشريعة التي يتبعونها في عقيدتهم وفي معاملاتهم ... أى: شرعنا لكل أمة من الأمم السابقة منهجا يسيرون عليه في اعتقادهم وفي طريقة حياتهم، فالأمة التي وجدت من مبعث موسى الى مبعث عيسى- ﵉ شريعتها التوراة، والأمة التي وجدت من مبعث عيسى حتى مبعث محمد ﷺ شريعتها الإنجيل، والأمة التي وجدت منذ مبعث محمد ﷺ إلى يوم القيامة شريعتها القرآن.

стр. 4223

وعلى كل أمة أدركت بعثة محمد ﷺ أن تتبعه فيما جاء به من عند ربه، لأن شريعته هي الشريعة الناسخة لما قبلها، والمهيمنة عليها. ويرى بعضهم أن المراد بالمنسك هنا: المكان الذي يذبحون فيه ذبائحهم تقربا إلى الله- تعالى-. وقد رجح الإمام ابن جرير ذلك فقال ما ملخصه: وأصل المنسك في كلام العرب: الموضع المعتاد الذي يعتاده الرجل ويألفه لخير أو شر. يقال: إن لفلان منسكا يعتاده، يراد مكانا يغشاه ويألفه لخير أو شر. وقد اختلف أهل التأويل في معنى المنسك هنا، فقيل: عيد، وقيل: إراقة الدم.. والصواب من القول في ذلك أن يقال: عنى بذلك إراقة الدم أيام النحر بمنى، لأن المناسك التي كان المشركون جادلوا فيها رسول الله ﷺ كانت إراقة الدم في هذه الأيام ... ولذلك قلنا: عنى بالمنسك في هذا الموضع: الذبح.. «١» . ويبدو لنا أن القول الأول، وهو تفسير المنسك بالشريعة الخاصة أقرب إلى الصواب لشموله للذبح وغيره. والضمير في قوله: هُمْ ناسِكُوهُ يعود لكل أمة. أى: جعلنا لكل أمة شريعة تسير على تعاليمها، وتنهج على نهجها.. والفاء في قوله- تعالى-: فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ لترتيب النهى على ما قبلها. والمنازعة: المجادلة والمخاصمة. والمراد بالأمر: ما جاء به النبي ﷺ من عند ربه- تعالى- من تشريعات وأحكام. أى: قد جعلنا لكل أمة من الأمم السابقة شريعة تتبع تعاليمها، وما دام الأمر كذلك، فاسلك أنت وأتباعك- أيها الرسول الكريم- الشريعة التي أوحيناها إليك، وأمرناك باتباعها، ولا تلتفت إلى مخاصمة من ينازعك في ذلك من اليهود أو النصارى أو غيرهم، فإن منازعتهم لك فيما جئت به من عند ربك، يدل على جهلهم وسوء تفكيرهم، لأن ما جئت به من عند ربك مصدق لشريعتهم، ومهيمن عليها وناسخ لها. ثم أرشده- سبحانه- إلى ما يجب عليه نحو دينه فقال: وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ. أى: وادع هؤلاء الذين ينازعونك فيما جئتهم به من الحق، وأدع غيرهم معهم إلى ترك التنازع والتخاصم، وإلى الدخول في دين الإسلام: فإنك أنت على الصراط المستقيم، الذي

стр. 4224

لا اعوجاج فيه ولا التباس. ثم بين له- سبحانه- ما يفعله إذا ما لجّوا في منازعتهم له فقال: وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ. أى: وإن أبوا إلا مجادلتك بعد أن ظهر الحق، ولزمتهم الحجة، فقل لهم- أيها الرسول الكريم- أمرى وأمركم إلى الله- تعالى-، فهو الذي يتولى الحكم بيني وبينكم يوم القيامة، لأنه- سبحانه- هو العليم بحالي وحالكم. وهذه الجملة الكريمة قد تضمنت تهديدهم على استمرارهم في جدالهم بعد أن تبين لهم الحق، كما تضمنت وجوب إعراض الرسول ﷺ عنهم. ثم أكد- سبحانه- هذا التهديد والإعراض فقال: اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ أيها المسلمون وبين هؤلاء الكافرين يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ في الدنيا تَخْتَلِفُونَ من أمرنا هذا الدين، وحينئذ يتبين من هو على الحق ومن هو على الباطل، وسيجازى- سبحانه- كل فريق بما يستحقه من ثواب أو عقاب. ثم ختم- سبحانه- هذه الآيات بتأكيد علمه بكل شيء فقال: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ ... أى: لقد علمت- أيها الرسول الكريم- وتيقنت، أن الله- تعالى- لا يعزب عن علمه مثقال ذرة مما يحصل في السموات والأرض من أقوال أو أفعال. إِنَّ ذلِكَ الذي يجرى في السموات والأرض كائن وثابت فِي كِتابٍ هو اللوح المحفوظ المشتمل على جميع أحوال الخلق. إِنَّ ذلِكَ الذي ذكرناه لك من الحكم بين الناس، ومن العلم بأحوالهم ومن تسجيل أعمالهم عَلَى اللَّهِ- تعالى- يَسِيرٌ وهين، لأنه- سبحانه- له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين. ثم وبخ- سبحانه- الكافرين على جهلهم، حيث عبدوا من دونه مالا ينفعهم ولا يضرهم، وحيث كرهوا الحق وأصحابه، فقال- تعالى-: [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٧١ الى ٧٢] وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٧١) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢)

стр. 4225

أى: أن هؤلاء المشركين الذين ينازعونك فيما جئتهم به من عند ربك، يتركون ما تدعوهم إليه- أيها الرسول الكريم- من إخلاص للعبادة لله- تعالى- ويعبدون من دونه- سبحانه- آلهة أخرى لا دليل لهم على عبادتها من عقل أو نقل. إذ قوله- سبحانه-: ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً نفى لأن يكون لهم دليل سمعي على عبادتها وقوله- تعالى-: وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ نفى لأن يكون لهم دليل عقلي على عبادتها. والتنكير في قوله: «سلطانا، وعلم» للتقليل. أى: لا دليل لهم أصلا لا من جهة السمع، ولا من جهة العقل، ومع ذلك يتمسكون بهذه العبادة الباطلة. وقوله- تعالى-: وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ تهديد بسوء المصير لهؤلاء المشركين. أى: وما للظالمين الذين وضعوا العبادة في غير موضعها، من نصير ينصرهم من عقاب الله وعذابه، لأنهم بسبب عبادتهم لغير الله- تعالى-، قد قطعوا عن أنفسهم كل رحمة ومغفرة. ثم بين- سبحانه- أنهم بجانب ضلالهم، تأخذهم العزة بالإثم إذا ما نصحهم الناصحون بالإقلاع عن هذا الضلال فقال: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ، يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا ... وقوله يَسْطُونَ من السطو، بمعنى الوثب والبطش بالغير. يقال: سطا فلان على فلان، إذا بطش به بضرب أو شتم أو سرقة أو ما يشبه ذلك. أى: وإذا تتلى على هؤلاء الظالمين، آياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا، من قبل عبادنا المؤمنين تَعْرِفُ- أيها الرسول الكريم- فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا بهذه الآيات البينات الْمُنْكَرَ أى: ترى في وجوههم الإنكار لها، والغضب منها ومن قارئها، والكراهية والعبوس عند سماعها. بل ويكادون فوق ذلك، يبطشون بالمؤمنين الذين يتلون عليهم آياتنا، ويعتدون عليهم بالسب تارة، وبالضرب تارة أخرى.

стр. 4226

وذلك لأن هؤلاء الظالمين، حين عجزوا عن مقارعة الحجة بالحجة لجئوا إلى السطو والعدوان، وهذا شأن الطغاة الجاهلين في كل زمان ومكان. ثم أمر الله- تعالى- رسوله ﷺ أن يقول لهؤلاء الطغاة على سبيل التهديد والوعيد، ما من شأنه أن يردعهم عن سطوهم وبغيهم فقال: قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ. أى: قل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء الظالمين ألا أخبركم بما هو أشد ألما من غيظكم على من يتلو عليكم آياته، ومن همكم بالسطو عليه؟. أشد من كل ذلك النَّارُ التي وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا أى: وعدهم بدخولها، وبالاصطلاء بسعيرها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ مصير هؤلاء الكافرين. قال الجمل: وقوله: النَّارُ خبر مبتدأ محذوف، كأن سائلا سأل فقال: وما الأشر؟ فقيل: النار، أى: هو النار. وحينئذ فالوقف على ذلكم، أو على النار. ويصح أن يكون لفظ النار مبتدأ، والخبر: وعدها الله. وعلى هذا فالوقف على: كفروا.. «١» . ثم وجه- سبحانه- نداء إلى الناس. بين فيه أن كل آلهة تعبد من دونه- فهي باطلة وهي أعجز من أن تدافع عن نفسها، وأن كل عابد لها هو جاهل ظالم. فقال- تعالى-: [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٧٣ الى ٧٦] يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤) اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٧٦)

стр. 4227

والمثل: الشبيه والنظير، ثم أطلق على القول السائر المعروف، لمماثلة مضربه- وهو الذي يضرب فيه- بمورده- وهو الذي ورد فيه أولا- ولا يكون إلا لما فيه غرابة. وإنما تضرب الأمثال لإيضاح المعنى الخفى، وتقريب الشيء المعقول من الشيء المحسوس، وعرض الغائب في صورة المشاهد، فيكون المعنى الذي ضرب له المثل أوقع في القلوب، وأثبت في النفوس. وسمى الله- تعالى- ما ساقه في هذه الآية الكريمة مثلا، لأن ما يفعله المشركون من عبادتهم لآلهة عاجزة، يشبه المثل في غرابته وفي التعجب من فعله. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: الذي جاء به- سبحانه- ليس بمثل فكيف سماه مثلا؟. قلت: قد سميت الصفة أو القصة الرائعة الملتقاة بالاستغراب مثلا، تشبيها لها ببعض الأمثال المسيرة، لكونها مستحسنة مستغربة عندهم «١» . والمعنى: يا أيها الناس لقد بينا لكم قصة مستغربة وحالا عجيبة. لما يعبد من دون الله- تعالى- فاستمعوا إليها بتدبر وتعقل. وقوله: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ.. بيان للمثل وتفسير له. والذباب: اسم جنس واحده ذبابة- وهي حشرة معروفة بطيشها وضعفها وقذارتها. أى: إن المعبودات الباطلة التي تعبدونها أيها المشركون، لن تستطيع أن تخلق ذبابة واحدة، حتى لو اشتركت جميعها في محاولة خلق هذه الذبابة. قال صاحب الكشاف: وهذا من أبلغ ما أنزله الله في تجهيل قريش، واستركاك عقولهم. والشهادة على أن الشيطان قد خزمهم بخزائمه- أى قد ربطهم برباطه، حيث وصفوا بالإلهية- التي تقتضي الاقتدار على المقدورات كلها- صورا وتماثيل، يستحيل منها أن تقدر على أقل ما خلقه وأذله وأصغره وأحقره، ولو اجتمعوا لذلك وتساندوا.. «٢» .

стр. 4228

وقوله- سبحانه-: وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ بيان لعجز تلك الآلهة الباطلة من أمر آخر سوى الخلق. أى: وفضلا عن عجز تلك الأصنام مجتمعة عن خلق ذبابة، فإنها إذا اختطف الذباب منها شيئا من الأشياء لا تستطيع استرداده منه لعجزها عن ذلك. قال القرطبي: وخص الذباب لأربعة أمور تخصه: لمهانته وضعفه، ولاستقذاره وكثرته، فإذا كان هذا الذي هو أضعف الحيوان وأحقره، لا يقدر من عبدوه من دون الله- تعالى- على خلق مثله، ودفع أذيته، فكيف يجوز أن يكونوا آلهة معبودين، وأربابا مطاعين، وهذا من أقوى حجة وأوضح برهان «١» . ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة بما يدل على عجز الخاطف والمخطوف منه فقال: ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ. قال الآلوسى: والطالب: عابد غير الله- تعالى- والمطلوب: الآلهة، وكون عابد ذلك طالب لدعائه إياه، واعتقاده نفعه، وضعفه لطلبه النفع من غير جهته، وكون الآخر مطلوبا ظاهرا كضعفه. وقيل: «الطالب الذباب يطلب ما يسلبه من الآلهة، والمطلوب: الآلهة، على معنى المطلوب منه ما يسلب..» «٢» . وعلى أية حال فإن هذا التعليل يدل دلالة واضحة على عجز كل معبود باطل، وأنه قد تساوى في عجزه مع أضعف مخلوقات الله وأحقرها. ثم بين- سبحانه- بعد ذلك أن هؤلاء المشركين، قد وضعوا الأمور في غير موضعها، لجهلهم وغبائهم فقال: ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ.... أى: ما عظموا الله حق تعظيمه، وما عرفوه حق معرفته، حيث تركوا عبادة الواحد القهار، وعبدوا ما يعجز عن رد ما سلبه الذباب منه. إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ على خلق كل شيء عَزِيزٌ لا يغالبه مغالب، ولا يدافعه مدافع. ثم بين- سبحانه- أن له مطلق التصرف في اختيار رسله فقال: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ.... أى: الله- تعالى- وحده هو الذي يختار من بين ملائكته رسلا يرسلهم لتبليغ وحيه إلى

стр. 4229

أنبيائه، كما اختار جبريل- ﵇ لهذه الوظيفة، وهو الذي يختار من بين الناس رسلا، كما اختار إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وغيرهم لهذه المهمة، فهو- سبحانه- أعلم حيث يجعل رسالته. إِنَّ اللَّهَ- تعالى- سَمِيعٌ لأقوال عباده بَصِيرٌ بأحوالهم، لا تخفى عليه خافية من شئونهم. يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ أى: يعلم ما قدموا من أعمال، وما يعملون الآن، وما سيعملونه في المستقبل إذ أن علمه- سبحانه- ليس مقيدا بزمان أو مكان وَإِلَى اللَّهِ تعالى وحده تُرْجَعُ الْأُمُورُ كلها لا إلى غيره. ثم وجه- سبحانه- في نهاية السورة نداء إلى عباده المؤمنين، أمرهم فيه بالمداومة على طاعته، وبالإخلاص في عبادته، وبالجهاد في سبيله، وبالاعتصام بحبله، فقال- تعالى-: [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٧٧ الى ٧٨] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨) والمراد بالركوع والسجود هنا: الصلاة، وعبر عنها بهما، لأنهما أهم أركانها، وناداهم- سبحانه- بصفة الإيمان، لحضهم على الامتثال لما أمروا به. أى: يا من آمنتم بالله- تعالى- وبملائكته وبكتبه وبرسله وباليوم الآخر حافظوا على أداء الصلاة في مواقيتها بخشوع وإخلاص، لأن هذه الصلاة من شأنها أن تنهاكم عن الفحشاء والمنكر، وأن ترفع درجاتكم عند خالقكم.

стр. 4230

وقوله- تعالى-: وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ أى: واعبدوا ربكم الذي تولاكم برعايته وتربيته في كل مراحل حياتكم، عبادة خالصة لوجهه الكريم. وقوله: وَافْعَلُوا الْخَيْرَ تعميم بعد التخصيص، إذ فعل الخير يشمل كل قول وعمل يرضى الله- تعالى-: كإنفاق المال في وجوه البر، وكصلة الرحم وكالإحسان إلى الجار وكغير ذلك من الأفعال التي حضت عليها تعاليم الإسلام. وقوله- تعالى-: لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ تذييل قصد به التحريض على امتثال ما أمرهم الله- تعالى- به، والفلاح: الظفر بالمطلوب. أى: أدوا الصلاة بخشوع ومواظبة، واعبدوا ربكم عبادة خالصة، وافعلوا الخير الذي يقربكم من خالقكم، لكي تنالوا رضاه وثوابه- . فكلمة «لعل» للتعليل، ويصح أن تكون على معناها الحقيقي وهو الرجاء، ولكن على تقدير صدوره من العباد، فيكون المعنى: وافعلوا الخير حالة كونكم راجين الفلاح، ومتوقعين الفوز والنجاح. والمتأمل في هذه الآية الكريمة يراها أنها قد جمعت أنواع التكاليف الشرعية، وأحاطت بها من كل جوانبها. قال الآلوسى ما ملخصه: وهذه الآية آية سجدة عند الشافعى وأحمد، لظاهر ما فيها من الأمر بالسجود، ولحديث عقبة بن عامر قال: قلت يا رسول الله أفضلت سورة الحج على سائر القرآن بسجدتين؟ قال: نعم فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما. وذهب أبو حنيفة ومالك إلى أنها ليست آية سجدة، لأنها مقرونة بالأمر بالركوع، والمعهود في مثله من القرآن، كونه أمرا بما هو ركن للصلاة، كما في قوله- تعالى-: يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ وما روى من حديث عقبة إسناده ليس بالقوى «١» . وبعد أن أمر- سبحانه- بالصلاة وبالعبادة وبفعل الخير، أتبع ذلك بالأمر بالجهاد فقال- تعالى-: وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ. والجهاد مأخوذ من الجهد، وهو بذل أقصى الطاقة في مدافعة العدو. وهي أنواع، أعظمها: جهاد أعداء الله- تعالى- من الكفار والمنافقين والظالمين والمبتدعين في دين الله- تعالى- ما ليس منه. كذلك من أنواع الجهاد: جهاد النفس الأمارة بالسوء، وجهاد الشيطان.

стр. 4231

وإضافة «حق» إلى «جهاد» في قوله: حَقَّ جِهادِهِ من إضافة الصفة الى الموصوف أى: وجاهدوا- أيها المؤمنون- في سبيل الله- تعالى- ومن أجل إعلاء كلمته، ونصر شريعته، جهادا كاملا صادقا لا تردد معه ولا تراجع. قال صاحب الكشاف: قوله: وَجاهِدُوا ... أمر بالغزو وبمجاهدة النفس والهوى. وهو الجهاد الأكبر. عن النبي ﷺ أنه رجع من بعض غزواته فقال: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» فِي اللَّهِ أى: في ذات الله ومن أجله. يقال: هو حق عالم، وجد عالم، ومنه حَقَّ جِهادِهِ. فإن قلت: ما وجه هذه الإضافة وكان القياس حق الجهاد فيه، أو حق جهادكم فيه، كما قال: وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ؟. قلت: الإضافة تكون بأدنى ملابسة واختصاص. فلما كان الجهاد مختصا بالله من حيث إنه مفعول لوجهه ومن أجله صحت إضافته إليه.. «١» . وجملة «هو اجتباكم» مستأنفة، لبيان علة الأمر بالجهاد، والاجتباء: الاختيار والاصطفاء. أى: جاهدوا- أيها المؤمنون- من أجل إعلاء كلمة الله، لأنه- سبحانه- هو الذي اختاركم للذب عن دينه، واصطفاكم لحرب أعدائه، وجدير بمن اختاره الله واصطفاه أن يكون مطيعا له. ثم بين- سبحانه- بعض مظاهر لطفه بعباده فقال: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ. أى: ومن مظاهر رحمته بكم- أيها المؤمنون- أنه سبحانه لم يشرع في هذا الدين الذي تدينون به ما فيه مشقة بكم، أو ضيق عليكم: وإنما جعل أمر هذا الدين، مبنى على اليسر والتخفيف ورفع الحرج، ومن قواعده التي تدل على ذلك: أن الضرر يزال. وأن المشقة تجلب التيسير: وأن اليقين لا يرفع بالشك، وأن الأمور تتبع مقاصدها، وأن التوبة الصادقة النصوح تجب ما قبلها من ذنوب. ومن الآيات التي تدل على أن هذا الدين مبنى على التيسير ورفع الحرج قوله- تعالى-: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ... «٢» وقوله- سبحانه-: ... يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ... «٣» .

стр. 4232

وفي الحديث الشريف: «بعثت بالحنيفية السمحاء» . قال بعض العلماء: وأنت خبير بأن هناك فرقا كبيرا، بين المشقة في الأحكام الشرعية، وبين الحرج والعسر فيها، فإن الأولى حاصلة وقلما يخلو منها تكليف شرعي، إذ التكليف هو التزام ما فيه كلفة ومشقة، أما المشقة الزائدة عن الحد التي تصل إلى حد الحرج، فهي المرفوعة عن المكلفين. فقد فرض الله الصلاة على المكلف، وأوجب عليه أداءها، وهذا شيء لا حرج فيه. ثم هو إذا لم يستطيع الصلاة من قيام، فله أن يؤديها وهو قاعد أو بالإيماء.. وهكذا جميع التكاليف الشرعية «١» . والخلاصة: أن هذا الدين الذي جاءنا به محمد ﷺ من عند ربه- مبنى على التخفيف والتيسير، لا على الضيق والحرج، والذين يجدون فيه ضيقا وحرجا، هم الناكبون عن هديه، الخارجون على تعاليمه. ورحم الله الإمام القرطبي فقد قال: «رفع الحرج إنما هو لمن استقام على منهاج الشرع، وأما السراق وأصحاب الحدود فعليهم الحرج، وهم جاعلوه على أنفسهم بمفارقتهم الدين..» «٢» . والمراد بالملة في قوله- تعالى-: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ الدين والشريعة، ولفظ «ملة» هنا منصوب بنزع الخافض. أى: ما جعل عليكم- أيها المؤمنون- في دينكم من حرج، كما لم يجعل ذلك- أيضا- في ملة أبيكم إبراهيم. ويصح أن يكون منصوبا على المصدرية بفعل دل عليه ما قبله من نفى الحرج بعد حذف المصدر المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. أى: وسع عليكم في دينكم توسعة ملة أبيكم إبراهيم. ووصف- سبحانه- إبراهيم- ﵇ بالأبوة لهذه الأمة، لأن رسول هذه الأمة ﷺ ينتهى نسبه إلى إبراهيم، ورسول هذه الأمة ﷺ كالأب لها، من حيث إنه ﷺ جاءها من عند ربه- بما يحييها ويسعدها. والضمير «هو» في قوله- تعالى-: هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا.. يعود

стр. 4233

إلى الله- تعالى- أى: هو- سبحانه- الذي سماكم المسلمين من قبل نزول هذا القرآن. وسماكم- أيضا- بهذا الإسلام في هذا القرآن. وقيل: الضمير «هو» يعود إلى إبراهيم أى: إبراهيم هو الذي سماكم المسلمين. ومن وجوه ضعف هذا القول: أن الله- تعالى- قال: وَفِي هذا أى سماكم المسلمين. في هذا القرآن، وإبراهيم- ﵇ لحق بربه قبل نزول هذا القرآن بأزمان طويلة، وأيضا فإن السياق يؤيد أن الضمير «هو» يعود إلى الله- تعالى- لأن الأفعال السابقة كقوله هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ تعود إليه- . ثم بين- سبحانه- أسباب هذا الاجتباء والاصطفاء فقال: لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ. والمراد بشهادة الرسول على أمته: الإخبار بأنه قد بلغهم رسالة ربه. والمراد بشهادة هذه الأمة على غيرها من الناس: الإخبار بأن الرسل الذين أرسلهم الله- تعالى- إلى هؤلاء الناس، قد بلغوهم رسالة ربهم، ونصحوهم بإخلاص العبادة لله وحده. ويؤيد ذلك ما رواه البخاري عن أبى سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : يدعى نوح- ﵇ يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب. فيقال له: هل بلغت ما أرسلت به؟ فيقول: نعم. فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير. فيقال له: من يشهد لك؟ فيقول: محمد ﷺ وأمته، فيشهدون أنه قد بلغ» . وشبيه بهذه الجملة قوله- تعالى-: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً «١» . والمعنى: فعلنا ما فعلنا من اجتبائكم، والتيسير عليكم، وتسميتكم بالمسلمين، ليكون الرسول ﷺ شهيدا عليكم يوم القيامة بأنه قد بلغكم ما أمر بتبليغه إليكم، ولتكونوا أنتم شهداء على الناس بأن رسلهم قد بلغوهم رسالة ربهم. وما دام الأمر كذلك فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ أيها المؤمنون بأن تؤدوها في أوقاتها بإخلاص وخشوع وَآتُوا الزَّكاةَ التي كلفكم الله- تعالى- بإيتائها إلى مستحقيها وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ أى: التجئوا إليه، واستعينوا به في كل أموركم فإنه- سبحانه- هُوَ مَوْلاكُمْ

стр. 4234

أى: ناصركم ومتولى شئونكم، ومالك أمركم، وهو- تعالى- فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ أى: هو- نعم المالك لأمركم، ونعم النصير القوى لشأنكم. وبعد: فهذه سورة الحج، وهذا تفسير محرر لها. نسأل الله- تعالى- أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. د. محمد سيد طنطاوى

стр. 4235

فهرس إجمالى لتفسير سورة مريم رقمها/ الآية المفسرة/ الصفحة مقدمة ٥ تعريف بسورة مريم ٩ ١/ كهيعص ذكر رحمة ربك/ ١٢ ٧/ يا زكريا إنا نبشرك بغلام/ ١٦ ١٢/ يا يحيى خذ الكتاب بقوة/ ٢٠ ١٦/ واذكر في الكتاب مريم/ ٢٢ ٢٢/ فحملته فانتبذت به مكانا/ ٢٧ ٢٧/ فأتت به قومها تحمله/ ٣٢ ٣٤/ ذلك عيسى ابن مريم قول الحق/ ٣٥ ٤١/ واذكر في الكتاب إبراهيم/ ٤٠ ٥١/ واذكر في الكتاب موسى/ ٤٤ ٥٤/ واذكر في الكتاب إسماعيل/ ٤٦ ٥٦/ واذكر في الكتاب إدريس/ ٤٧ ٥٨/ أولئك الذين أنعم الله عليهم/ ٤٨ ٦٤/ وما نتنزل إلا بأمر ربك/ ٥٤ ٦٦/ ويقول الإنسان أإذا ما مت/ ٥٦ ٧٣/ وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات/ ٦٢ ٧٧/ أفرأيت الذي كفر بآياتنا/ ٦٧ ٨١/ واتخذوا من دون الله آلهة/ ٦٩ ٨٨/ وقالوا اتخذ الرحمن ولدا/ ٧٣ ٩٦/ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا/ ٧٦

стр. 4236

فهرس إجمالى لتفسير «سورة طه» رقمها/ الآية المفسرة/ الصفحة مقدمة ٨١ تعريف بسورة طه ٨٣ ١/ طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى/ ٨٥ ٩/ وهل أتاك حديث موسى/ ٨٩ ١٧/ وما تلك بيمينك يا موسى/ ٩٤ ٣٦/ قال قد أوتيت سؤلك يا موسى/ ١٠٠ ٤٢/ اذهب أنت وأخوك بآياتى ولا تنيا/ ١٠٦ ٤٩/ قال فمن ربكما يا موسى/ ١١١ ٦١/ قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا/ ١٢٠ ٧١/ قال آمنتم له قبل أن آذن لكم/ ١٢٧ ٧٧/ ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي/ ١٣١ ٨٣/ وما أعجلك عن قومك يا موسى/ ١٣٥ ٩٠/ ولقد قال لهم هارون من قبل/ ١٤١ ٩٢/ قال يا هارون ما منعك/ ١٤٢ ٩٥/ قال فما خطبك يا سامرى/ ١٤٤ ٩٩/ كذلك نقص عليك من أنباء/ ١٤٨ ١٠٥/ ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها/ ١٥١ ١١٣/ وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا/ ١٥٥ ١١٥/ ولقد عهدنا إلى آدم من قبل/ ١٥٧ ١٢٤/ ومن أعرض عن ذكرى فإن له/ ١٦٤ ١٣٠/ فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك/ ١٦٧ ١٣٣/ وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه/ ١٧١

стр. 4237

فهرس إجمالى لتفسير «سورة الأنبياء» رقمها/ الآية المفسرة/ الصفحة مقدمة ١٧٧ تمهيد بين يدي السورة ١٧٩ ١/ اقترب للناس حسابهم/ ١٨٢ ٧/ وما أرسلنا قبلك إلا رجالا/ ١٨٧ ١٠/ لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم/ ١٨٩ ١٦/ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما/ ١٩٣ ٢١/ أم اتخذوا آلهة من الأرض ١٩٦ ٢٦/ وقالوا اتخذوا الرحمن ولدا/ ٢٠٠ ٣٠/ أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض/ ٢٠٢ ٣٤/ وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد/ ٢٠٦ ٤٢/ قل من يكلؤكم بالليل والنهار/ ٢١٢ ٤٨/ ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان/ ٢١٨ ٥١/ ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل/ ٢٢٠ ٥٩/ قالوا من فعل هذا بآلهتنا/ ٢٢٤ ٦٦/ قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم/ ٢٢٧ ٧٤/ ولوطا آتيناه حكما وعلما/ ٢٣١ ٧٦/ ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له/ ٢٣٢ ٧٨/ وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث/ ٢٣٣ ٨٣/ وأيوب إذ نادى ربه أنى مسنى الضر/ ٢٤٠ ٨٥/ وإسماعيل وإدريس وذا الكفل/ ٢٤٢ ٨٧/ وذا النون إذ ذهب مغاضبا/ ٢٤٣ ٨٩/ وزكريا إذ نادى ربه/ ٢٤٦ ٩١/ والتي أحصنت فرجها/ ٢٤٧

стр. 4238

رقمها/ الآية المفسرة/ الصفحة ٩٢/ إن هذه أمتكم أمة واحدة/ ٢٤٨ ٩٣/ وتقطعوا أمرهم بينهم/ ٢٤٨ ١٠١/ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى/ ٢٥٤ ١٠٤/ يوم نطوى السماء كطي السجل للكتب/ ٢٥٥

стр. 4239

فهرس إجمالى لتفسير «سورة الحج» رقمها/ الآية المفسرة/ الصفحة مقدمة ٢٦٥ تعريف بسورة الحج ٢٦٧ ١/ يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة/ ٢٧٢ ٣/ ومن الناس من يجادل في الله بغير علم/ ٢٧٥ ٥ يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث/ ٢٧٧ ٨/ ومن الناس من يجادل في الله بغير علم/ ٢٨٣ ١٤/ إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات/ ٢٨٧ ١٥/ من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة/ ٢٨٨ ١٧/ إن الذين آمنوا والذين هادوا/ ٢٩٠ ١٨/ ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض/ ٢٩٢ ١٩/ هذان خصمان اختصموا في ربهم/ ٢٩٣ ٢٥/ إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله/ ٢٩٨ ٣٠/ ذلك ومن يعظم حرمات الله/ ٣٠٤ ٣٤/ ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا/ ٣٠٩ ٣٨/ إن الله يدافع عن الذين آمنوا/ ٣١٤ ٤٢/ وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم/ ٣١٩ ٥٢/ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي/ ٣٢٥ ٥٥/ ولا يزال الذين كفروا في مرية منه/ ٣٣٠ ٦٠/ ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به/ ٣٣٣ ٦٣/ ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء/ ٣٣٥ ٦٧/ لكل أمة جعلنا منسكا/ ٣٣٨ ٧١/ ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا/ ٣٤٠ ٧٣/ يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له/ ٣٤٢ ٧٧/ يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا/ ٣٤٥

стр. 4240

[المجلد العاشر] سورة المؤمنون بسم الله الرّحمن الرّحيم رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) صدق الله العظيم
следующие страницы →