أى: وترى- أيها العاقل- ببصرك الأرض يابسة لا نبات فيها، فإذا ما أنزلنا عليها بقدرتنا الماء، تحركت بسبب خروج النبات منها، وانتفخت بسبب ما يتخللها من الماء والنبات، وأنبتت بعد ذلك من كل صنف بهيج نضر حسن المنظر.
وشبيه بهذه الآية في أن إحياء الأرض بعد موتها دليل على إحياء الناس بعد موتهم، بقدرة الله- تعالى- وإرادته، قوله- : وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ، إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ «١» .
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك ما يدل على وحدانيته وقدرته فقال: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ، وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى، وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
واسم الإشارة يعود إلى المذكور من خلق الإنسان وإحياء الأرض بعد موتها..
أى: ذلك الذي ذكرناه لكم دليل واضح، وبرهان قاطع، على أن الله- تعالى- هو الإله الحق، الذي يجب أن تخلصوا له العبادة والطاعة، لأنه هو وحده الخالق لكل شيء، ولأنه هو وحده الذي يعيد الموتى إلى الحياة، ولأنه هو وحده الذي لا يعجزه شيء.
وخص- سبحانه- إحياء الموتى بالذكر، مع أنه من جملة الأشياء المقدور عليها.
للتصريح بما هو محل النزاع وهو البعث، ولدحض شبه المنكرين له.
ثم أكد- سبحانه- ذلك تأكيدا دامغا فقال: وَأَنَّ السَّاعَةَ وما تشتمل عليه من حساب وثواب وعقاب آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها أى: لا ريب ولا شك في إتيانها في الوقت الذي يريده الله- تعالى-.
وَأَنَّ اللَّهَ- تعالى- وحده يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ليحاسبهم على أعمالهم.
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد أقامت أعظم الأدلة وأوضحها على وحدانية الله- تعالى- وقدرته، وعلى أن البعث حق وصدق وأنه آت لا ريب فيه.
ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك نموذجين لصنفين من الناس، أحدهما: متكبر مغرور، والآخر مذبذب لا ثبات له في عقيدة فقال- تعالى-:
стр. 4167
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٨ الى ١٣]
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٨) ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ (٩) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (١٠) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١١) يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٢)
يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣)
قال ابن كثير- ﵀: «لما ذكر- تعالى- حال الضلال الجهال المقلدين لغيرهم في الآية الثالثة من هذه السورة وهي قوله- سبحانه-: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ، ذكر في هذه حال الدعاة إلى الضلال من رءوس الكفر والبدع، فقال: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ أى:
بلا عقل صحيح. ولا نقل صحيح صريح بل بمجرد الرأى والهوى» «١» .
ولعل مما يؤيد ما ذهب إليه ابن كثير من أن الآية الثالثة من هذه السورة في شأن المقلدين لغيرهم، أنه- سبحانه- قال فيها في شأنهم: وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ.
أما في هذه الآية فقد قال في شأن هذا النوع من الناس: ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ... أى: ليضل غيره ويصرفه عن طاعة الله- تعالى- واتباع طريقه الحق.
وقد نفت الآية الكريمة عن هذا المجادل، استناده إلى أى دليل أو ما يشبه الدليل، فهو يجادل في ذات الله- تعالى- وفي صفاته «بغير علم» يستند إليه وبغير «هدى» يهديه
стр. 4168
ويرشده إلى الحق وبغير «كتاب منير» أى: وبغير وحى ينير عقله وقلبه، ويوضح له سبيل الرشاد.
فأنت ترى أن الآية قد جردت هذا المجادل من أى مستند إليه في جداله سواء كان عقليا أم نقليا، بل أثبتت له الجهالة من جميع الجهات.
ثم صورته السورة الكريمة بعد ذلك بتلك الصورة المزرية، صورة الجاهل المغرور المتعجرف، فقال- تعالى-: ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ.
وقوله ثانِيَ من الثّنى بمعنى اللّىّ والميل عن الاستقامة. يقال: فلان ثنى الشيء إذا رد بعضه على بعض فانثنى أى: مال والتوى.
والعطف- بكسر العين- الجانب، وهذا التعبير كناية عن غروره وصلفه مع جهله. أى:
أنه مع جداله بدون علم، متكبر معجب بنفسه، معرض عن الحق، مجتهد في إضلال غيره عن سبيل الله- تعالى- وعن الطريق الذي يوصل إلى الرشاد.
ثم بين- سبحانه- سوء عاقبة هذا الجاهل المغرور المضل لغيره فقال: ولَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ أى: هوان وذلة وصغار.
وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ أى: ونجعله يوم القيامة يدرك طعم العذاب المحرق. ويصطلى به جزاء غروره وشموخه في الدنيا بغير حق.
وتقول له ملائكتنا وهي تصب عليه ألوان العذاب ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ أى: ذلك الذي تتذوقه من عذاب محرق سببه: جهلك وغرورك وإصرارك على الكفر، وحرصك على إضلالك لغيرك.
وأسند- سبحانه- سبب ما نزل بهذا الكافر من خزي وعذاب إلى يديه، لأنهما الجارحتان اللتان يزاول بهما أكثر الأعمال.
وقوله- سبحانه- وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ بيان لعدله- تعالى- مع عباده، أى: وأن الله- تعالى- ليس بذي ظلم لعباده أصلا، حتى يعذبهم بدون ذنب، بل هو عادل رحيم بهم، ومن مظاهر عدله ورحمته أنه يضاعف الحسنات، ويعاقب على السيئات، ويعفو عن كثير من ذنوب عباده.
ثم بين- سبحانه- نوعا آخر من الناس، لا يقل جرما عن سابقه فقال- تعالى-:
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ، فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ، وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ ...
стр. 4169
قال صاحب الكشاف: «على حرف» أى: على طرف من الدين لا في وسطه وقلبه.
وهذا مثل لكونهم على قلق واضطراب في دينهم: لا على سكون وطمأنينة، كالذي يكون على طرف من العسكر، فإن أحس بظفر وغنيمة قر واطمأن، وإلا فر وطار على وجهه ... » «١» .
وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها: ما أخرجه البخاري عن ابن عباس قال: كان الرجل يقدم المدينة، فإذا ولدت امرأته غلاما، ونتجت خيله. قال: هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته، ولم تنتج خيله قال: هذا دين سوء ... » «٢» .
والمتأمل في هذه الآية الكريمة يراها قد صورت المذبذبين في عقيدتهم أكمل تصوير، فهم يقيسون العقيدة بميزان الصفقات التجارية، إن ربحوا من ورائها فرحوا، وإن خسروا فيها أصابهم الغم والحزن.
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى- في شأن المنافقين: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ «٣» .
والتعبير بقوله- سبحانه- عَلى حَرْفٍ يصور هذا النوع من الناس، وكأنه يترجح في عبادته كما يترجح من يكون على طرف الشيء. فهو معرض للسقوط في أية لحظة.
والمراد من الخير في قوله- تعالى- فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ الخير الدنيوي من صحة وغنى ومنافع دنيوية.
أى: فإن نزل بهذا المذبذب في عبادته خير دنيوى اطْمَأَنَّ بِهِ أى: ثبت على ما هو عليه من عبادة ثباتا ظاهريا، وليس ثباتا قلبيا حقيقيا كما هو شأن المؤمنين الصادقين الذين لا يزحزحهم عن إيمانهم وعد أو وعيد.
وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ أى: مصيبة أو شر انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ أى: ارتد ورجع عن عبادته ودينه إلى الكفر والمعاصي.
وقوله- تعالى-: خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ بيان لسوء عاقبة صنيعه.
أى: هذا الذي يعبد الله على حرف، جمع على نفسه خسارتين، خسارة الدنيا بسبب عدم حصوله على ما يريده منها، وخسارة الآخرة بسبب ارتداده إلى الكفر وغشيان السيئات،
стр. 4170
وذلك الذي جمعه على نفسه هو الخسران الواضح، الذي لا ينازع في شأنه عاقلان، إذ لا خسران أشد وأظهر، من الخسران الذي ضيع دنياه وآخرته.
ثم بين- سبحانه- مظاهر خسران هذا المذبذب، وأحواله القبيحة فقال: يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ ...
أى: يعبد سوى الله- تعالى- أوثانا وأصناما، إن ترك عبادتها لا تستطيع أن تضره، وإن عبدها فلن تستطيع أن تنفعه.
وذلِكَ الذي يفعله هذا الشقي من عبادته لما لا يضر ولا ينفع هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ بعدا شاسعا عن كل صواب ورشاد.
ثم أضاف- سبحانه- إلى تبكيت هذا المذبذب وتقريعه تقريعا آخر فقال: يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ، لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ.
والمولى: هو كل من انعقد بينك وبينه سبب، يجعلك تواليه ويواليك، وتناصره ويناصرك.
والعشير: هو من يعاشرك ويخالطك في حياتك.
أى: يعبد هذا الإنسان الجاهل المضطرب، معبودا ضرره أقرب من منفعته، لبئس الناصر ولبئس الصاحب هذا المعبود.
فإن قيل: كيف نجمع بين هذه الآية التي جعلت المعبود الباطل ضرره أقرب من نفعه، وبين الآية السابقة عليها والتي نفت الضر والنفع نفيا تاما.
وقد أجاب العلماء عن هذا التساؤل بإجابات منها: أن لفظ «يدعو» في الآية الثانية بمعنى يقول.
وقد صدر الآلوسى تفسيره للآية بهذا الرأى فقال ما ملخصه: «قوله- تعالى- يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ. استئناف يبين مآل دعائه وعبادته غير الله- تعالى- ويقرر كون ذلك ضلالا بعيدا. فالدعاء هنا بمعنى القول.
أى: يقول الكافر يوم القيامة برفع صوت، وصراخ حين يرى تضرره بمعبوده ودخوله النار بسببه، ولا يرى منه أثرا مما كان يتوقعه منه من نفع أو دفع ضر: والله لبئس الذي يتخذ ناصرا- من دون الله- ولبئس الذي يعاشر ويخالط، فكيف بما هو ضرر محض، عار عن النفع بالكلية، وفي هذا من المبالغة في تقبيح حال الصنم والإمعان في ذمه ما لا يخفى ... » «١» .
ومنها ما ذكره الإمام القرطبي فقال: قوله- تعالى- يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ
стр. 4171
أى: هذا الذي انقلب على وجهه يدعو من ضره أدنى من نفعه، أى: في الآخرة، لأنه بعبادته دخل النار. ولم ير منه نفعا أصلا، ولكنه قال: ضره أقرب من نفعه، ترفيعا للكلام، كقوله- تعالى-: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ «١» .
ومنها: ما ذكره بعض العلماء من أن الآية الأولى في شأن الذين يعبدون الأصنام، إذ الأصنام لا تنفع من عبدها، ولا تضر من كفر بها، ولذا قال فيها: ما لا يضره وما لا ينفعه، والقرينة على أن المراد بذلك الأصنام: التعبير بلفظة «ما» في قوله:
ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ لأن لفظ «ما» يأتى- غالبا- لما لا يعقل. والأصنام لا تعقل.
أما الآية الثانية فهي في شأن من عبد بعض الطغاة من دون الله، كفرعون القائل لقومه:
«ما علمت لكم من إله غيرى» فإن فرعون وأمثاله من الطغاة المعبودين، قد يغدقون نعم الدنيا على عابديهم. وهذا النفع الدنيوي بالنسبة لما سيلاقونه من عذاب لا شيء. فضر هذا المعبود بخلود عابده في النار. أقرب من نفعه بعرض قليل زائل من حطام الدنيا.
والقرينة على أن المراد بالمعبود الباطل في الآية الثانية بعض الطغاة الذين هم من جنس العقلاء: هي التعبير «بمن» التي تأتى- غالبا- لمن يعقل، كما قال- تعالى-: يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ.. «٢» .
ويبدو لنا أن هذا القول الأخير له وجه من القبول.
وبذلك نرى السورة الكريمة قد ساقت لنا نماذج من أحوال الناس في هذه الحياة. لكي يحذرهم المؤمنون ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة.
ثم بينت السورة الكريمة ما أعده الله- تعالى- للمؤمنين الصادقين من حسن الثواب، بعد أن صرحت بما توعد به- سبحانه- المجادلين فيه بغير علم بسوء العقاب، فقال- تعالى-:
[سورة الحج (٢٢) : آية ١٤]
إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (١٤)
стр. 4172
أى: إن الله- تعالى- بفضله وكرمه، يدخل عباده «الذين آمنوا» إيمانا حقا، «وعملوا» الأعمال «الصالحات جنات تجرى من» تحت أشجارها، «الأنهار» إن الله- تعالى- يفعل ما يريد فعله على حسب ما تقتضيه حكمته ومشيئته دون أن ينازعه في ذلك منازع. أو يعارضه معارض، فهو- سبحانه- لا يسأل عما يفعل.
ثم بين- سبحانه- أن نصره لنبيه ﷺ آت لا شك فيه مهما كره ذلك الكارهون، فقال- تعالى-:
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ١٥ الى ١٦]
مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ (١٥) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦)
وللعلماء في تفسير الآية الأولى أقوال:
أولها أن الضمير في قوله يَظُنُّ يعود إلى أعداء النبي ﷺ وفي قوله يَنْصُرَهُ يعود إليه ﷺ والمعنى: «من كان يظن» من الكافرين الكارهين للحق الذي جاء به محمد ﷺ «أن لن ينصره الله» . أى: أن لن ينصر الله نبيه ﷺ «في الدنيا والآخرة فليمدد» هذا الكافر «بسبب» أى: بحبل إلى السماء، أى: سقف بيته، لأن العرب تسمى كل ما علاك فهو سماء.
«ثم ليقطع» ثم ليختنق هذا الكافر بهذا الحبل، بأن يشده حول عنقه ويتدلى من الحبل المعلق بالسقف حتى يموت.
«فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ» أى: فليتفكر هذا الكافر في أمره، هل يزيل فعله هذا ما امتلأت به نفسه من غيظ لنصر الله- تعالى- لنبيه ﷺ ؟
كلا، فإن ما يفعله بنفسه من الاختناق والغيظ، لن يغير شيئا من نصر الله- تعالى- لنبيه ﷺ ، فليمت هذا الكافر بغيظه وكيده.
فالمقصود بالآية الكريمة: بيان أن ما قدره الله- تعالى- من نصر لنبيه ﷺ لن
стр. 4173
يحول بين تنفيذه حائل، مهما فعل الكافرون، وكره الكارهون، فليموتوا بغيظهم، فإن الله- تعالى- ناصر نبيه لا محالة.
وصح عود الضمير في قوله أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ إلى النبي ﷺ مع أنه لم يسبق له ذكر، لأن الكلام دال عليه في الآيات السابقة، إذ المراد بالإيمان في قوله- تعالى- في الآية السابقة إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ... الإيمان بصدق النبي ﷺ فيما جاء به عند ربه- تعالى-.
وعبر- سبحانه- عن اختناق هذا الحاقد بالحبل بقوله: ثُمَّ لْيَقْطَعْ لأن قطع الشيء يؤدى إلى انتهائه وهلاكه، والمفعول محذوف. والتقدير: ثم ليقطع نفسه أو حياته.
وقد صدر صاحب الكشاف تفسيره للآية بهذا القول فقال: هذا كلام قد دخله اختصار.
والمعنى: إن الله ناصر رسوله في الدنيا والآخرة، فمن كان يظن من حاسديه وأعاديه أن الله يفعل خلاف ذلك.. فليستقص وسعه، وليستفرغ مجهوده في إزالة ما يغيظه. بأن يفعل ما يفعله من بلغ به الغيظ كل مبلغ، حتى مد حبلا إلى سماء بيته فاختنق، فلينظر- هذا الحاسد- وليصور في نفسه أنه إن فعل ذلك هل يذهب نصر الله الذي يغيظه؟
وسمى- سبحانه- فعل هذا الكافر كيدا، لأنه وضعه موضع الكيد، حيث لم يقدر على غيره، أو سماه كذلك على سبيل الاستهزاء، لأنه لم يكد به محسوده، إنما كاد نفسه.
والمراد: إنه ليس في يده إلا ما ليس بمذهب لما يغيظه ... » «١» .
وثانيها: إن الضمير في قوله: لَنْ يَنْصُرَهُ يعود إلى «من» في قوله مَنْ كانَ يَظُنُّ وأن النصر هنا بمعنى الرزق..
فيكون المعنى: من كان من الناس يظن أن لن يرزقه الله في الدنيا والآخرة فليختنق، وليقتل نفسه، إذ لا خير في حياة ليس فيها رزق الله وعونه، أو فليختنق، فإن اختناقه لن يغير شيئا مما قضاه الله- تعالى-.
قال الآلوسى: واستظهر أبو حيان كون الضمير في «ينصره» عائدا على «من» لأنه المذكور، وحق الضمير أن يعود على مذكور ... وفسر النصر بالرزق.
قال أبو عبيدة: وقف علينا سائل من بنى بكر فقال: من ينصرني نصره الله- أى: من يرزقني رزقه الله.
стр. 4174
والمعنى: أن الأرزاق بيد الله- تعالى- لا تنال إلا بمشيئته، فمن ظن أن الله- تعالى- غير رازقه، ولم يصبر ولم يستسلم فليختنق، فإن ذلك لا يقلب القسمة ولا يرده مرزوقا.
والغرض: الحث على الرضا بما قسمه الله- تعالى- لا كمن يعبده على حرف ... «١» .
وثالثها: أن الآية في قوم من المسلمين استبطئوا نصر الله- تعالى- لاستعجالهم وشدة غيظهم وحنقهم على المشركين، فنزلت الآية لبيان أن كل شيء عند الله بمقدار.
ويكون المعنى: من كان من الناس يظن أن لن ينصره الله، واستبطأ حدوث ذلك، فليمت غيظا. لأن للنصر على المشركين وقتا لا يقع إلا فيه بإذن الله ومشيئته.
ويبدو أن أقرب الأقوال إلى الصواب، القول الأول، وعليه جمهور المفسرين، ويؤيده قوله- تعالى-: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ «٢» .
وقوله- سبحانه-: ... وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ، قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ «٣» .
ثم مدح- سبحانه- القرآن الكريم فقال: وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ ... أى:
ومثل ذلك الإنزال البليغ الواضح، أنزلنا القرآن آيات بينات الدلالة على معانيها الحكيمة، وتوجيهاتها السديدة.
وأن الله- تعالى- يهدى من يريد هدايته إلى صراطه المستقيم، فهو الهادي الذي ليس هناك من هاد سواه.
ثم بين- سبحانه- أن مرد الفصل بين الفرق المختلفة إليه وحده. إذ هو العليم بكل ما عليه كل فرقة من حق أو باطل، فقال- تعالى-:
[سورة الحج (٢٢) : آية ١٧]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧)
стр. 4175
ففي هذه الآية الكريمة حدثنا القرآن عن ست فرق من الناس: أما الفرقة الأولى، فهي: فرقة الذين آمنوا، والمراد بهم: الذين آمنوا بالنبي ﷺ وصدقوه واتبعوه.
وابتدأ القرآن بهم، للإشعار بأن دين الإسلام هو الدين الحق، القائم على أساس أن الفوز برضا الله- تعالى- لا ينال إلا بالإيمان والعمل الصالح، ولا فضل لأمة على أمة إلا بذلك، كما قال- تعالى-: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ.
وأما الفرقة الثانية فهي فرقة الذين هادوا أى: صاروا يهودا. يقال: هاد فلان وتهود أى:
دخل في اليهودية.
وسموا يهودا نسبة إلى «يهوذا» أحد أولاد يعقوب- ﵇، وقلبت الذال دال عند التعريب. أو سموا يهودا حين تابوا من عبادة العجل مأخوذ من هاد يهود هودا بمعنى تاب. ومنه قوله- تعالى-: إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ أى: تبنا إليك.
والفرقة الثالثة هي فرقة «الصابئين» جمع صابئ، وهو الخارج من دين إلى آخر.
يقال: صبأ الظّلف والناب والنجم- كمنع وكرم- إذا طلع.
والمراد بهم: الخارجون من الدين الحق إلى الدين الباطل. وهم قوم يعبدون الكواكب والملائكة ويزعمون أنهم على دين صابئ بن شيث بن آدم.
والفرقة الرابعة هي فرقة «النصارى» جمع نصران بمعنى نصراني كندامى وندمان. والياء في نصراني للمبالغة، وهم قوم عيسى- ﵇، قيل: سموا بذلك لأنهم كانوا أنصارا له: وقيل: إن هذا الاسم مأخوذ من الناصرة، وهي القرية التي كان عيسى قد نزل بها.
وأما الفرقة الخامسة فهي فرقة «المجوس» وهم قوم يعبدون الشمس والقمر والنار.
وقيل: هم قوم أخذوا من دين النصارى شيئا، ومن دين اليهود شيئا، ويقولون: بأن للعالم أصلين: نورا وظلمة..
وأما الفرقة السادسة والأخيرة فهي فرقة الذين أشركوا. والمشهور أنهم عبدة الأصنام والأوثان، وقيل ما يشملهم ويشمل معهم كل من اتخذ مع الله- تعالى- إلها آخر.
وقوله- سبحانه-: إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ بيان لما سيكون عليه حالهم جميعا يوم القيامة، من حكم عادل سيحكم الله- تعالى- به عليهم.
أى: إن الله تعالى يحكم بين هؤلاء جميعا بحكمه العادل يوم القيامة، إنه- سبحانه- على
стр. 4176
كل شيء شهيد، بحيث لا يخفى عليه شيء من أحوال خلقه.
قال الجمل ما ملخصه: ولهذه الآية قيل: الأديان ستة. واحد للرحمن وهو الإسلام.
وخمسة للشيطان وهي ما عداه. وإنّ الثانية واسمها وخبرها في محل رفع خبر لإن الأولى.
وقوله: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ تعليل لقوله: إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ..
وكأن قائلا قال: أهذا الفصل عن علم أو لا؟ فقيل: إن الله على كل شيء شهيد. أى:
علم به علم مشاهدة» «١» .
ثم بين- سبحانه- أن الكون كله يخضع لسلطانه- تعالى- ويسجد لوجهه فقال:
[سورة الحج (٢٢) : آية ١٨]
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (١٨)
والاستفهام في قوله أَلَمْ تَرَ ... للتقرير. والرؤية هنا بمعنى العلم وذلك لأن سجود هذه الكائنات لله- تعالى- آمنا به عن طريق الإخبار دون أن نرى كيفيته.
والسجود في اللغة: التذلل والخضوع مع انخفاض بانحناء وما يشبهه. وخص في الشرع بوضع الجبهة على الأرض بقصد العبادة.
والمراد به هنا: دخول الأشياء جميعها تحت قبضة الله- تعالى- وتسخيره وانقيادها لكل ما يريده منا انقيادا تاما، وخضوعها له- بكيفية هو الذي يعلمها. فنحن نؤمن بأن هذه الكائنات تسجد لله- تعالى- ونفوض كيفية هذا السجود له- تعالى-.
والمعنى: لقد علمت- أيها العاقل- أن الله- تعالى- يسجد له، ويخضع لسلطانه جميع من في السموات وجميع من في الأرض.
стр. 4177
وقوله: وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ عطف خاص على قوله: مَنْ فِي السَّماواتِ.
ونص- سبحانه- عليها مفردا إياها بالذكر، لشهرتها، ولاستبعاد بعضهم حدوث السجود منها، ولأن آخرين كانوا يعبدون هذه الكواكب، فبين- سبحانه- أنها عابدة وساجدة لله، وليست معبودة.
وقوله- تعالى-: وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ عطف خاص على مَنْ فِي الْأَرْضِ ونص- سبحانه- عليها- أيضا- لأن بعضهم كان يعبدها، أو يعبد ما يؤخذ منها كالأصنام.
وقوله- تعالى- وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ بيان الذين اهتدوا إلى طريق الحق.
أى: ويسجد له- كذلك- كثير من الناس، وهم الذين خلصت عقولهم من شوائب الشرك والكفر، وطهرت نفوسهم من الأدناس والأوهام.
وقوله: وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ بيان لحال الذين استحبوا العمى على الهدى.
أى: وكثير من الناس حق وثبت عليهم العذاب، بسبب إصرارهم على الكفر، وإيثارهم الغي على الرشد.
ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة بما يدل على نفاذ قدرته، وعموم مشيئته فقال: وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ. إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ.
و «من» شرطية، وجوابها: «فما له من مكرم» ومكرم اسم فاعل من أكرم.
أى: ومن يهنه الله ويخزه، فما له من مكرم يكرمه، أو منقذ ينقذه مما هو فيه من شقاء، إن الله- تعالى- يفعل ما يشاء فعله بدون حسيب يحاسبه، أو معقب يعقب على حكمه «١» .
قال- تعالى-: وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ.
ثم ساق- سبحانه- بعد ذلك صورة فيها ما فيها من وجوه المقارنات بين مصير الكافرين ومصير المؤمنين. لكي ينحاز كل ذي عقل سليم إلى فريق الإيمان لا الكفر، فقال- تعالى-:
стр. 4178
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ١٩ الى ٢٤]
هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٢٢) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٢٣)
وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ (٢٤)
ذكر المفسرون في سبب نزول قوله- تعالى- هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ...
روايات أشار الإمام ابن كثير إلى معظمها فقال: «ثبت في الصحيحين عن أبى ذر: أنه كان يقسم قسما أن هذه الآية هذانِ خَصْمانِ نزلت في حمزة وصاحبيه. وعتبة وصاحبيه، يوم برزوا في بدر.
وعن قتادة قال: اختصم المسلمون وأهل الكتاب، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، فنحن أولى بالله منكم، وقال المسلمون: كتابنا يقضى على الكتب كلها، ونبينا خاتم الأنبياء، فنحن أولى بالله منكم، فأفلج الله الإسلام على من ناوأه- أى فنصر الله الإسلام-، وأنزل الآية.
وعن مجاهد في الآية: مثل الكافر والمؤمن اختصما في البعث.
وهذا القول يشمل الأقوال كلها، وينتظم فيه قصة بدر وغيرها، فإن المؤمنين يريدون نصرة دين الله، والكافرون يريدون إطفاء نور الإيمان «١» .
أى: هذان خصمان اختصموا في ذات ربهم وفي صفاته، بأن اعتقد كل فريق منهم أنه على الحق، وأن خصمه على الباطل.
قال الجمل: والخصم في الأصل مصدر ولذلك يوحد ويذكر غالبا، وعليه قوله
стр. 4179
- تعالى-: وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ «١» ويجوز أن يثنى ويؤنث، ولما كان كل خصم فريقا يجمع طوائف قال: اخْتَصَمُوا بصيغة الجمع كقوله- تعالى-:
وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فالجمع مراعاة للمعنى «٢» .
وقوله- سبحانه-: فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ ... تفصيل وبيان لحال كل خصم وفريق.
أى: فالذين كفروا جزاؤهم أنهم قطع الله- تعالى- لهم من النار ثيابا، وألبسهم إياها.
قال الآلوسى: أى أعد الله لهم ذلك، وكأنه شبه إعداد النار المحيطة بهم بتقطيع ثياب وتفصيلها لهم على قدر جثثهم. ففي الكلام استعارة تمثيلية تهكمية، وليس هناك تقطيع ثياب ولا ثياب حقيقة. وكأن جمع الثياب للإيذان بتراكم النار المحيطة بهم، وكون بعضها فوق بعض.. وعبر بالماضي، لأن الإعداد قد وقع، فليس من التعبير بالماضي لتحققه.. «٣» .
وقوله: يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ زيادة في عذابهم، أى: لم تقطع لهم ثياب من نار فحسب، وإنما زيادة على ذلك يصب من فوق رءوسهم «الحميم» أى: الماء البالغ أقصى درجات الشدة في الحرارة.
وقوله: يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ بيان للآثار التي تترتب على هذا العذاب.
والفعل «يصهر» مأخوذ من الصهر بمعنى الإذابة. يقال: صهر فلان الشحم يصهره إذا أذابه.
أى: فذلك الحميم الذي يصب من فوق رءوسهم من آثاره أنه يذاب به ما في بطونهم من الشحوم والأحشاء. كما تذاب به جلودهم- أيضا- فقوله: وَالْجُلُودُ عطف على ما الموصولة في قوله ما فِي بُطُونِهِمْ أى: يذاب به الذي في بطونهم وتذاب به أيضا جلودهم.
وقيل: إن لفظ الجلود مرفوع بفعل محذوف معطوف على «يصهر» .
والتقدير: يصهر به ما في بطونهم من أحشاء وشحوم، وتحرق به الجلود. قالوا: وذلك لأن الجلود لا تذاب وإنما تنقبض وتنكمش إذا أصليت بالنار.
والضمير في قوله- سبحانه-: وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ يعود إلى الكفرة المعذبين بهذا الحميم الذي تصهر به البطون.
стр. 4180
والمقامع: جمع مقمعة- بكسر الميم وسكون القاف وفتح الميم الثانية-، وهي آلة تستعمل في القمع عن الشيء، والزجر عنه، يقال: قمع فلان فلانا إذا قهره وأذله.
أى: وخصصت لهؤلاء الكافرين مضارب من حديد تضربهم بها الملائكة على رءوسهم زيادة في إذلالهم وقهرهم.
وقيل: إن الضمير في «لهم» يعود على خزنة النار. أى: ولخزنة النار مضارب من حديد يضربون بها هؤلاء الكافرين.
وعلى كلا القولين فالآية الكريمة تصور هوان هؤلاء الكافرين أكمل تصوير.
وقوله- سبحانه-: كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها بيان لما يقابلون به عند ما يريدون التزحزح عن النار.
أى: كلما أراد هؤلاء الكافرون أن يخرجوا من النار ومن غمها وكربها وسعيرها: أعيدوا فيها مرة أخرى، كما قال- تعالى-: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ «١» .
وقوله- تعالى-: وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ مقول لقول محذوف أى: أعيدوا فيها وقيل لهم على لسان خزنة النار: ذوقوا العذاب المحرق لأبدانكم.
هذا هو حال فريق الكافرين. وهو حال يزلزل القلوب ويرهب المشاعر، ويفزع النفوس.
ولكن القرآن كعادته في قرن الترهيب بالترغيب. لا يترك النفوس في هذا الفزع، بل يتبع ذلك بما يمسح عنها خوفها ورعبها عن طريق بيان حسن حال المؤمنين فيقول: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ....
وغير- سبحانه- الأسلوب فلم يقل: والذين آمنوا على سبيل العطف على الذين كفروا.. تعظيم لشأن المؤمنين، وإشعار بمباينة حالهم لحال خصمائهم الكافرين.
أى: إن الله- تعالى- بفضله وإحسانه يدخل عباده الذين آمنوا وعملوا في دنياهم الأعمال الصالحات، جنات عاليات تجرى من تحت أشجارها وثمارها الأنهار.
وقوله يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ بيان لما ينالون في تلك الجنات من خير وفير، وعطاء جزيل.
стр. 4181
اى: يتزينون في تلك الجنات بأساور كائنة من الذهب الخالص، ومن اللؤلؤ الثمين، أما لباسهم الدائم فيها فهو من الحرير الناعم الفاخر.
قال الآلوسى: وقوله- تعالى-: وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ غير الأسلوب حيث لم يقل ويلبسون فيها حريرا، للإيذان بأن ثبوت اللباس لهم أمر محقق غنى عن البيان.. ثم إن الظاهر أن هذا الحكم عام في كل أهل الجنة، وقيل هو باعتبار الأغلب، لما أخرجه النسائي وابن حيان وغيرهما عن أبى سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة. وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه» «١» .
قالوا: ومحله فيمن مات مصرا على ذلك.
وقوله- تعالى-: وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ بيان لحسن خاتمتهم، ولعظم النعم التي أنعم الله بها عليهم.
أى: وهدى الله- تعالى- هؤلاء المؤمنين إلى القول الطيب الذي يرضى الله- تعالى- عنهم، كأن يقولوا عند دخولهم الجنة: ... الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ «٢» .
وهداهم- أيضا- خالقهم إلى الصراط المحمود، وهو صراط الذين أنعم الله عليهم بنعمة الإيمان والإسلام، فصاروا بسبب هذه النعمة يقولون الأقوال الطيبة، ويفعلون الأفعال الحميدة.
قال الشوكانى: قوله: وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ ... أى: أرشدوا إليه. قيل:
هو لا إله إلا الله. وقيل: القرآن. وقيل: هو ما يأتيهم من الله من بشارات. وقد ورد في القرآن ما يدل على هذا القول المجمل هنا، وهو قوله- سبحانه-: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ.. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا ... الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ...
ومعنى: وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ أنهم أرشدوا إلى الصراط المحمود وهو طريق الجنة، أو صراط الله الذي هو دينه القويم وهو الإسلام «٣» .
وبعد هذا الحديث المؤثر عن الخصمين وعن عاقبة كل منهما.. جاء الحديث عن المسجد
стр. 4182
الحرام، وعن مكانته، وعن الأمر ببنائه، وعن وجوب الحج إليه، وعن المنافع التي تعود على الحجاج، وعن سوء مصير من يصد الناس عن هذا المسجد، جاء قوله- تعالى-:
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٢٥ الى ٢٩]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٥) وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)
قال الإمام الرازي: اعلم أنه- تعالى- بعد أن فصل بين الكفار والمؤمنين ذكر عظم حرمة البيت، وعظم كفر هؤلاء الكافرين فقال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ.
قال ابن عباس: الآية نزلت في أبى سفيان بن حرب وأصحابه حين صدوا رسول الله ﷺ عام الحديبية عن المسجد الحرام، عن أن يحجوا ويعتمروا، وينحروا الهدى. فكره رسول الله ﷺ قتالهم، وكان محرما بعمرة، ثم صالحوه على أن يعود في العام القادم.. «١» .
стр. 4183
وصح عطف المضارع وهو «يصدون» على الماضي وهو «كفروا» لأن المضارع هنا لم يقصد به زمن معين من حال أو استقبال، وإنما المراد به مجرد الاستمرار، كما في قولهم: فلان يحسن إلى الفقراء، فإن المراد به استمرار وجود إحسانه.
ويجوز أن يكون قوله وَيَصُدُّونَ ... خبرا لمبتدأ محذوف، أى: وهم يصدون عن المسجد الحرام. وخبر إن في قوله- سبحانه-: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ... محذوف لدلالة آخر الآية عليه.
والمعنى: إن الذين أصروا على كفرهم بما أنزله الله- تعالى- على نبيه محمد ﷺ ، واستمروا على منع أهل الحق من أداء شعائر دين الله- تعالى-، ومن زيارة المسجد الحرام..
هؤلاء الكافرون سوف نذيقهم عذابا أليما.
ويصح أن يكون الخبر محذوفا للتهويل والإرهاب. وكأن وصفهم بالكفر والصد كاف في معرفة مصيرهم المهين.
قال القرطبي: قوله- تعالى-: وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ قيل إنه المسجد نفسه وهو ظاهر القرآن، لأنه لم يذكر غيره، وقيل الحرم كله، لأن المشركين صدوا رسول الله ﷺ وأصحابه عنه عام الحديبية، فنزل خارجا عنه ... وهذا صحيح لكنه قصد هنا بالذكر المهم المقصود من ذلك «١» .
وقوله- سبحانه-: الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ.. تشريف لهذا المكان حيث جعل الله- تعالى- الناس تحت سقفه سواء، وتشنيع على الكافرين الذين صدوا المؤمنين عنه.
ولفظ «سواء» قرأه جمهور القراء بالرفع على أنه خبر مقدم، والعاكف: مبتدأ، والباد معطوفة عليه أى: العاكف والباد سواء فيه. أى مستويان فيه.
وقرأه حفص عن عاصم بالنصب على أنه المفعول الثاني لقوله «جعلناه» بمعنى صيرناه.
أى: جعلناه مستويا فيه العاكف والباد. ويصح أن يكون حالا من الهاء في جَعَلْناهُ أى:
وضعناه للناس حال كونه سواء العاكف فيه والباد.
والمراد: بالعاكف فيه: المقيم فيه. يقال: عكف فلان على الشيء، إذا لازمه ولم يفارقه.
والباد: الطارئ عليه من مكان آخر. وأصله من يكون من أهل البوادي الذين يسكنون المضارب والخيام، ويتنقلون من مكان إلى آخر.
стр. 4184
أى: جعلناه للناس على العموم، يصلون فيه، ويطوفون به، ويحترمونه ويستوي تحت سقفه من كان مقيما في جواره، وملازما للتردد عليه، ومن كان زائرا له وطارئا عليه من أهل البوادي أو من أهل البلاد الأخرى سوى مكة.
فهذا المسجد الحرام يتساوى فيه عباد الله، فلا يملكه أحد منهم، ولا يمتاز فيه أحد منهم، بل الكل فوق أرضه وتحت سقفه سواء.
وقوله- تعالى-: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ تهديد لكل من يحاول ارتكاب شيء نهى الله عنه في هذا المسجد الحرام.
والإلحاد الميل. يقال: ألحد فلان في دين الله، أى: مال وحاد عنه.
و «من» شرطية وجوابها «نذقه» ومفعول «يرد» محذوف لقصد التعميم. أى: ومن يرد فيه مرادا بإلحاد، ويصح أن يكون المفعول قوله بِإِلْحادٍ على أن الباء زائدة.
أى: ومن يرد في هذا المسجد الحرام إلحادا، أى: ميلا وحيدة عن أحكام الشريعة وآدابها بسبب ظلمه وخروجه عن طاعتنا، نذقه من عذاب أليم لا يقادر قدره، ولا يكتنه كنهه.
وقد جاء هذا التهديد في أقصى درجاته لأن القرآن توعد بالعذاب الأليم كل من ينوى ويريد الميل فيه عن دين الله، وإذا كان الأمر كذلك، فمن ينوى ويفعل يكون عقابه أشد، ومصيره أقبح.
ويدخل تحت هذا التهديد كل ميل عن الحق إلى الباطل، أو عن الخير إلى الشر كالاحتقار، والغش.
ولذا قال ابن جرير بعد أن ساق الأقوال في ذلك: وأولى الأقوال التي ذكرناها في تأويل ذلك بالصواب: القول الذي ذكرناه من أن المراد بالظلم في هذا الموضع، كل معصية لله، وذلك لأن الله عم بقوله: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ ولم يخصص به ظلما دون ظلم في خبر ولا عقل، فهو على عمومه، فإذا كان ذلك كذلك فتأويل الكلام: ومن يرد في المسجد الحرام بأن يميل بظلم فيعصى الله فيه، نذقه يوم القيامة من عذاب موجع له «١» .
ثم تحدثت السورة بعد ذلك عن بناء البيت وتطهيره فقال- تعالى-: وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً....
وبوأنا من التبوؤ بمعنى النزول في المكان. يقال: بوأته منزلا أى: أنزلته فيه، وهيأته له، ومكنته منه.
стр. 4185
والمعنى: واذكر أيها العاقل لتعتبر وتتعظ وقت أن هيأنا لنبينا إبراهيم مكان بيتنا الحرام، وأرشدناه إليه، لكي يبنيه بأمرنا، ليكون مثابة للناس وأمنا.
قال بعض العلماء: والمفسرون يقولون بوأه له، وأراه إياه، بسبب ريح تسمى الخجوج، كنست ما فوق الأساس: حتى ظهر الأساس الأول الذي كان مندرسا، فبناه إبراهيم وإسماعيل عليه ... وأن محل البيت كان مربض غنم لرجل من جرهم.
وغاية ما دل عليه القرآن: أن الله بوأ مكانه لإبراهيم، فهيأه له، وعرفه إياه ليبنيه في محله، وذهبت جماعة من أهل العلم إلى أن أول من بناه إبراهيم ولم يبن قبله.
وظاهر قوله- تعالى- على لسان إبراهيم: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ... يدل على أنه كان مبنيا واندرس كما يدل عليه- أيضا- قوله هنا مَكانَ الْبَيْتِ لأنه يدل على أن له مكانا سابقا كان معروفا «١» .
و «أن» في قوله- تعالى-: أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً مفسرة، والتفسير- كما يقول الآلوسى- باعتبار أن التبوئة من أجل العبادة، فكأنه قيل: أمرنا إبراهيم بالعبادة، وذلك فيه معنى القول دون حروفه، أو لأن بوأناه بمعنى قلنا له تبوأ.
والمعنى: واذكر- أيها المخاطب- وقت أن هيأنا لإبراهيم- ﵇ مكان بيتنا الحرام، وأوصيناه بعدم الإشراك بنا، وبإخلاص العبادة لنا، كما أوصيناه- أيضا- بأن يطهر هذا البيت من الأرجاس الحسية والمعنوية الشاملة للكفر والبدع والضلالات والنجاسات، وأن يجعله مهيأ للطائفين به، وللقائمين فيه لأداء فريضة الصلاة.
قال الشوكانى: والمراد بالقائمين في قوله: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ المصلون..
وذكر الرُّكَّعِ السُّجُودِ بعده، لبيان أركان الصلاة دلالة على عظم شأن هذه العبادة، وقرن الطواف بالصلاة، لأنهما لا يشرعان إلا في البيت، فالطواف عنده والصلاة إليه «٢» .
وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة، أنه لا يجوز أن يترك عند بيت الله الحرام، قذر من الأقذار ولا نجس من الأنجاس المعنوية ولا الحسية، فلا يترك فيه أحد يرتكب مالا يرضى الله، ولا أحد يلوثه بقذر من النجاسات.
ثم ذكر- سبحانه- ما أمر به نبيه إبراهيم بعد أن بوأه مكان البيت فقال: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ، يَأْتُوكَ رِجالًا. وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ.
стр. 4186
والآذان: الإعلام. و «رجالا» أى: مشاة على أرجلهم، جمع راجل.
يقال: رجل بزنة فرح فلان يرجل فهو راجل إذا لم يكن معه ما يركبه.
والضامر: البعير المهزول من طول السفر، وهو اسم فاعل من ضمر- بزنة قعد- يضمر ضمورا فهو ضامر، إذا أصابه الهزال والتعب.
وجملة «يأتين من كل فج عميق» صفة لقوله «كل» ، والجمع باعتبار المعنى. كأنه قيل:
وركبانا على ضوامر من كل طريق بعيد..
والفج في الأصل: الفجوة بين جبلين، ويستعمل في الطريق المتسع. والمراد به هنا: مطلق الطريق وجمعه فجاج.
والعميق: البعيد، مأخوذ من العمق بمعنى البعد، ومنه قولهم: بئر عميقة، أى: بعيدة الغور.
والمعنى: وأعلم يا إبراهيم الناس بفريضة الحج يأتوك مسرعين مشاة على أقدامهم، ويأتوك راكبين على دوابهم المهزولة، من كل مكان بعيد.
قال ابن كثير: أى: ناد- يا إبراهيم- في الناس داعيا إياهم إلى الحج الى هذا البيت الذي أمرناك ببنائه، فذكر أنه قال: يا رب، وكيف أبلغ الناس وصوتي لا يصل إليهم؟
فقيل: ناد وعلينا البلاغ، فقام على مقامه، وقيل: على الحجر، وقيل: على الصفا، وقيل:
على أبى قبيس، وقال: يا أيها الناس، إن ربكم قد اتخذ بيتا فحجوه فيقال: إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض، وأجابه كل شيء سمعه من حجر ومدر وشجر، ومن كتب الله أنه يحج إلى يوم القيامة: «لبيك اللهم لبيك» «١» .
وقيل: إن الخطاب في قوله- تعالى-: وَأَذِّنْ ... للرسول ﷺ وأن الكلام عن إبراهيم- ﵇ قد انتهى عند قوله- تعالى-: وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ.
وجمهور المفسرين على أن الخطاب لإبراهيم- ﵇ لأن سياق الآيات يدل عليه، ولأن التوافد على هذا البيت موجود منذ عهد إبراهيم.
وما يزال وعد الله يتحقق منذ هذا العهد الى اليوم وإلى الغد، وما تزال أفئدة ملايين الناس تهوى إليه، وقلوبهم تنشرح لرؤيته، وتسعد بالطواف من حوله ...
وقوله- سبحانه-: لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ متعلق بقوله: يَأْتُوكَ.
стр. 4187
أى: يأتيك الناس راجلين وراكبين من كل مكان بعيد، ليشهدوا وليحصلوا منافع عظيمة لهم في دينهم وفي دنياهم.
ومن مظاهر منافعهم الدينية: غفران ذنوبهم، وإجابة دعائهم، ورضا الله- تعالى- عنهم.
ومن مظاهر منافعهم الدنيوية: اجتماعهم في هذا المكان الطاهر، وتعارفهم وتعاونهم على البر والتقوى، وتبادلهم المنافع فيما بينهم عن طريق البيع والشراء وغير ذلك من أنواع المعاملات التي أحلها الله- تعالى-.
وجاء لفظ «منافع» بصيغة التنكير، للتعميم والتعظيم والتكثير. أى: منافع عظيمة وشاملة لأمور الدين والدنيا، وليس في الإمكان تحديدها لكثرتها، وقوله وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ معطوف على قوله لِيَشْهَدُوا.
والمراد بالأيام المعلومات: الأيام العشر الأولى من شهر ذي الحجة، أو هي أيام النحر، أو يوم العيد وأيام التشريق.
والمراد ببهيمة الأنعام: الإبل والبقر والغنم.
أى: ليشهدوا منافع لهم، وليكثروا من ذكر الله ومن طاعته في تلك الأيام المباركة.
وليشكروه على ما رزقهم من بهيمة الأنعام التي يتقربون إليه- سبحانه- عن طريق ذبحها وإراقة دمائها، واستجابة لأمره- .
وقوله- سبحانه-: فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ إرشاد منه- تعالى- إلى كيفية التصرف فيها بعد ذبحها.
أى: فكلوا من هذه البهيمة بعد ذبحها، وأطعموا منها الإنسان البائس، أى: الذي أصابه بؤس ومكروه بجانب فقره واحتياجه.
قال الآلوسى: والأمر في قوله فَكُلُوا مِنْها ... للإباحة بناء على أن الأكل كان منهيا عنه شرعا، وقد قالوا: إن الأمر بعد المنع يقتضى الإباحة ويدل على سبق النهى قوله ﷺ : «كنت نهيتكم عن أكل لحوم الأضاحى فكلوا منها وادخروا» .
وقيل: لأن أهل الجاهلية كانوا يتحرجون فيه، أو للندب على مواساة الفقراء ومساواتهم في الأكل منها «١» .
стр. 4188
ثم بين- سبحانه- ما يفعلونه بعد حلهم وخروجهم من الإحرام فقال: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ، وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ.
والمراد بالقضاء هنا: الإزالة، وأصله القطع والفصل، فأريد به الإزالة على سبيل المجاز.
والتفث: الوسخ والقذر، كطول الشعر والأظفار يقال: تفث فلان- كفرح- يتفث تفثا فهو تفث، إذا ترك الاغتسال والتطيب والتنظيف فأصابته الأوساخ.
والمراد بالطواف هنا: طواف الإفاضة، الذي هو أحد أركان الحج، وبه يتم التحلل.
والعتيق: القديم حيث إنه أول بيت وضع لعبادة الله في الأرض، وقيل سمى بالعتيق لأن الله- تعالى- أعتقه من أن يتسلط عليه جبار فيهدمه أو يخربه.
والمعنى: ثم بعد حلهم وبعد الإتيان بما عليهم من مناسك. فليزيلوا عنهم أدرانهم وأوساخهم، وليوفوا نذورهم التي نذروها لله- تعالى- في حجهم، وليطوفوا طواف الإفاضة، بهذا البيت القديم الذي جعله الله- تعالى- أول بيت لعبادته، وصانه من اعتداء كل جبار أثيم.
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد توعدت كل من يصد الناس عن هذا البيت بأشد ألوان الوعيد، وبينت أن الناس فيه سواء، وتحدثت عن جانب من فضله- سبحانه- على نبيه إبراهيم- ﵇ حيث أرشده إلى مكان هذا البناء، وشرفه بتهيئته ليكون أول مكان لعبادته- تعالى-، وأمره بأن ينادى في الناس بالحج إليه، ليشهدوا منافع عظيمة لهم.
ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك الى الحديث عن الذين يعظمون حرمات الله، وعما أحله الله لعباده من الأنعام، وعن سوء عاقبة من يشرك بالله، فقال- تعالى-:
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٣٠ الى ٣٣]
ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ (٣١) ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣)
стр. 4189
واسم الإشارة ذلِكَ في قوله: ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ ... يؤتى به في مثل هذا التركيب للفصل بين كلامين، والمشهور في مثل هذا التركيب الإتيان بلفظ «هذا» كما في قوله- تعالى-: هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ «١» .
وجيء هنا بلفظ ذلك للإشعار بتعظيم شأن المتحدث عنه، وعلو منزلته، وهو يعود إلى المذكور من تهيئة مكان البيت لإبراهيم، وأمره بتطهيره ... إلخ.
قال صاحب الكشاف: قوله ذلِكَ خبر مبتدأ محذوف أى: الأمر والشأن ذلك، كما يقدم الكاتب جملة من كتابه في بعض المعاني، ثم إذا أراد الخوض في معنى آخر قال: هذا، وقد كان كذا «٢» .
والحرمات: جمع حرمة. والحرمة كل ما أمر الله- تعالى- باحترامه، ونهى عن قوله أو فعله، ويدخل في ذلك دخولا أوليا ما يتعلق بمناسك الحج كتحريم الرفث والفسوق والجدال والصيد، وتعظيم هذه الحرمات يكون بالعلم بوجوب مراعاتها، وبالعمل بمقتضى هذا العلم.
والمعنى: ذلك الذي ذكرناه لكم عن البيت الحرام وعن مناسك الحج، هو جانب من أحكام الله- تعالى- في هذا الشأن فاتبعوها، والحال أن من يعظم حرمات الله- تعالى- بأن يترك ملابستها واقترافها، فهو أى: هذا التعظيم، خير له عند ربه. إذ بسبب هذا التعظيم لتلك الحرمات ينال رضا ربه وثوابه.
وقد جاء النهى في هذه الجملة عن فعل هذه الحرمات بأبلغ أسلوب حيث عبر عن اجتنابها بالتعظيم وبأفعل التفضيل وهو لفظ «خير» وبإضافتها إلى ذاته.
فكأنه- سبحانه- يقول: إذا كان ترك هذا التعظيم لحرمات الله يؤدى إلى حصولكم على شيء من المتاع الدنيوي الزائل، فإن الاستمساك بهذا التعظيم أفضل من ذلك بكثير عند ربكم وخالقكم، فكونوا عقلاء ولا تستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير.
стр. 4190
ثم بين- سبحانه- بعض الأحكام التي تتعلق بالأنعام وهي الإبل والبقر والغنم فقال:
وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ.
أى: وأحل الله- تعالى- لكم فضلا منه ورحمة ذبح الأنعام وأكلها إلا ما يتلى عليكم تحريم ذبحه وأكله فاجتنبوه.
وهذا الإجمال هنا، قد جاء ما فصله قبل ذلك في سورة الأنعام في قوله- تعالى-: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ.
قال بعض العلماء: ثم إنه ليس المقصود بما يتلى، ما ينزل في المستقبل، كما يعطيه ظاهر الفعل المضارع، بل المراد ما سبق نزوله مما يدل على حرمة الميتة وما أهل لغير الله به. أو ما يدل على حرمة الصيد في الحرم أو حالة الإحرام.
وعلى هذا يكون السر في التعبير بالمضارع، التنبيه إلى أن ذلك المتلو ينبغي استحضاره والالتفات إليه.. والجملة معترضة لدفع ما عساه يقع في الوهم من أن تعظيم حرمات الله في الحج قد يقضى باجتناب الأنعام، كما قضى باجتناب الصيد «١» .
ثم أمرهم- سبحانه- باجتناب ما يغضبه، وحضهم على الثبات على الدين الحق فقال- تعالى-: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ. حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ والفاء في قوله: فَاجْتَنِبُوا هي الفصيحة. والرجس: الشيء المستقذر الذي تعافه النفوس. ومَنْ في قوله مِنَ الْأَوْثانِ بيانية، والأوثان: الأصنام. يدخل في حكمها ومعناها عبادة كل معبود من دون الله- تعالى- كائنا من كان.
وسماها- سبحانه- رجسا، زيادة في تقبيحها وفي التنفير منها.
والزور: الكذب والباطل وكل قول مائل عن الحق فهو زور، لأن أصل المادة التي هي الزور من الازورار بمعنى الميل والاعوجاج، ومنه قوله- تعالى-: وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ أى: تميل.
وقوله حُنَفاءَ جمع حنيف وهو المائل عن الأديان الباطلة الى الدين الحق.
والمعنى: مادام الأمر كما ذكرت لكم، فاجتنبوا- أيها الناس عبادة الأوثان أو تعظيمها، واجتنبوا- أيضا- القول المائل عن الحق، وليكن شأنكم وحالكم الثبات على الدين الحق، وعلى إخلاص العبادة لله- تعالى- الذي خلقكم، وخلق كل شيء.
стр. 4191
وهذه الجملة الكريمة مؤكدة لما سبق من وجوب تعظيم حرمات الله، ومن وجوب التمسك بما أحله الله والبعد عما حرمه.
قال الآلوسى: قوله- تعالى-: وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ تعميم بعد تخصيص، فإن عبادة الأوثان رأس الزور، لما فيها من ادعاء الاستحقاق، كأنه- تعالى- لما حث على تعظيم الحرمات، أتبع ذلك بما فيه رد لما كانت الكفرة عليه من تحريم البحائر والسوائب ونحوهما، والافتراء على الله- تعالى- بأنه حكم بذلك. ولم يعطف قول الزور على الرجس، بل أعاد العامل لمزيد الاعتناء. والإضافة بيانية.. «١» .
وجملة حُنَفاءَ لِلَّهِ وجملة غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ حالان مؤكدتان لما قبلهما من وجوب اجتناب عبادة الأوثان، واجتناب قول الزور.
أى: اجتنبوا ما أمرناكم باجتنابه حال كونكم ثابتين على الدين الحق، مخلصين لله العبادة.
ثم صور- سبحانه- حال من يشرك بالله تصويرا تنخلع له القلوب، ويحمل كل عاقل على اجتناب هذا الرجس فقال: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ، أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ.
أى: ومن يشرك بالله- تعالى- في عبادته، ومات على ذلك، فكأنما سقط من السماء إلى الأرض، فاختطفته جوارح الطير بسرعة فمزقت أوصاله، أو تسقطه الريح في مكان بعيد أشد البعد بحيث لا يعثر له على أثر.
والمقصود من هذه الجملة تقبيح حال الشرك والمشركين، وبيان أن الوقوع في الشرك يؤدى إلى الهلاك الذي لا نجاة معه بحال، لأن من يسقط من السماء فتتمزق أوصاله، وتتخطفه الطير أو تلقى به الريح في مكان بعيد لا يطمع له في نجاة، بل هو هالك لا محالة.
فالجملة الكريمة مقررة لوجوب اجتناب الشرك بأبلغ صورة.
قال صاحب الكشاف: يجوز في هذا التشبيه أن يكون من المركب والمفرق، فإن كان تشبيها مركبا فكأنه قال: من أشرك بالله فقد أهلك نفسه إهلاكا ليس بعده نهاية، بأن صور حاله بصورة حال من خر من السماء فاختطفته الطير فتفرق مزعا- أى قطعا- في حواصلها، أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطاوح- أى المقاذف- البعيدة.
وإن كان مفرقا فقد شبه الإيمان في علوه بالسماء، والذي ترك الإيمان وأشرك بالله بالساقط
стр. 4192
من السماء، والأهواء التي تتوزع أفكاره بالطير المختطفة، والشيطان الذي يطوح به في وادي الضلالة، بالريح التي تهوى بما عصفت به في بعض المهاوى المتلفة «١» .
ثم أمر- سبحانه- بتعظيم شعائره بعد أن أمر بتعظيم حرماته فقال: ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ.
قال القرطبي: والشعائر: جمع شعيرة، وهي كل شيء لله- تعالى- فيه أمر أشعر به وأعلم. ومنه شعار القوم في الحرب، أى: علامتهم التي يتعارفون بها. ومنه إشعار البدنة وهو الطعن في جانبها الأيمن حتى يسيل الدم فيكون علامة لها.. فشعائر الله: إعلان دينه لا سيما ما يتعلق بالمناسك. وقال قوم: المراد هنا تسمين البدن. والاهتمام بأمرها.. «٢» .
والمعنى: ذلك الذي أمرناكم به أو نهيناكم عنه عليكم امتثاله وطاعته، والحال أن من يعظم شعائر الله، التي من بينها الذبائح التي يتقرب بها إليه- تعالى- يكون تعظيمه إياها عن طريق تسمينها، وحسن اختيارها يكون دليلا على تقوى القلوب، وحسن صلتها بالله- سبحانه- وخشيتها منه، وحرصها على رضاه- .
قال الآلوسى: وتعظيمها أن تختار حسانا سمانا غالية الأثمان. روى أنه ﷺ أهدى مائة بدنة فيها جمل لأبى جهل في أنفه برة- أى حلقة- من ذهب. وعن عمر أنه أهدى نجيبة طلبت منه بثلاثمائة دينار، فسأل النبي ﷺ أن يبيعها ويشترى بثمنها بدنا فنهاه عن ذلك، وقال له: بل أهدها.. «٣» .
وفي إضافة هذه الشعائر إلى الله- تعالى-: حض على الاهتمام بها وفعل ما يرضى الله- تعالى- بالنسبة لها.
والضمير المؤنث في قوله فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ يعود على الفعلة التي يتضمنها الكلام، أو إلى الشعائر بحذف المضاف، أى: فإن تعظيمها أى الشعائر من تقوى القلوب، فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه.
وقوله- سبحانه-: لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ بيان لبعض مظاهر نعم الله- تعالى- عليهم في هذه الأنعام.
أى: لكم- أيها المؤمنون- في تلك الأنعام التي تقدمونها قربة لله- تعالى- «منافع» تصل إليكم عن طريق ركوبها ولبنها ونسلها.. وهذه المنافع موقوتة إلى وقت معين، هو وقت
стр. 4193
ذبحها أو وقت تعيبنها وتسميتها هديا، أما بعد ذلك فاتركوا الانتفاع بها للفقراء والمحتاجين، فهذا أكثر ثوابا لكم عند الله- تعالى-.
وقوله- سبحانه- ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ بيان لمكان ذبحها.
والمحل مأخوذ من حل الشيء يحل- بالكسر- حلولا إذا وجب أو انتهى أجله. والمراد به في الآية مكان الحلول، أى: المكان الذي ينتهى فيه أجل تلك الأنعام، أو المكان الذي يجب ذبحها فيه.
والمعنى: لكم في تلك الانعام منافع إلى أجل مسمى ثم المكان الذي تذبح فيه منته إلى البيت العتيق. ومتصل به.
والمقصود بهذا المحل الحرم كله، لأن البيت ليس مكانا للذبح.
وبعضهم يرى أن المراد بالمحل في قوله: ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ: تحلل الحجاج من إحرامهم بعد أداء شعائر الحج المعبر عنها بقوله- تعالى-: ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ....
قال القرطبي: قوله- تعالى-: ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ يريد أنها تنتهي إلى البيت، وهو الطواف فقوله: مَحِلُّها مأخوذ من إحلال المحرم.
والمعنى: أن شعائر الحج كلها من الوقوف بعرفة ورمى الجمار والسعى ينتهى إلى طواف الإفاضة بالبيت العتيق. فالبيت على هذا التأويل مراد بنفسه.. «١» .
ثم بين- سبحانه- أنه قد شرع لكل أمة الذبائح التي ينتفعون بها، لكي يذكروه- سبحانه- ويشكروه ويخلصوا له العبادة، ولكي يطعموا منها السائل والمحتاج، فقال- تعالى-:
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٣٤ الى ٣٧]
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥) وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧)
стр. 4194
والمنسك- بفتح السين وكسرها- مأخوذ من النسك بمعنى العبادة، فيجوز أن يراد به النسك نفسه، ويجوز أن يراد به مكانه أو زمانه.
ويبدو أن المراد به هنا عبادة خاصة وهي الذبح تقربا إلى الله- تعالى-.
قال الآلوسى: والمنسك موضع النسك إذا كان اسم مكان، أو النسك إذا كان مصدرا.
وفسره مجاهد هنا بالذبح وإراقة الدماء على وجه التقرب إليه- تعالى- فجعله مصدرا، وحمل النسك على عبادة خاصة، وهو أحد استعمالاته وإن كان في الأصل بمعنى العبادة مطلقا، وشاع في أعمال الحج.. «١» .
وجملة وَلِكُلِّ أُمَّةٍ ... معطوفة على قوله- تعالى- قبل ذلك: لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى.
والمعنى: جعلنا لكم- أيها المؤمنون- منافع كثيرة في هذه الأنعام الى وقت معين، ثم تكون نهايتها وذبحها عند البيت الحرام، كما جعلنا وشرعنا لمن قبلكم من الأمم شعيرة الذبح ليتقربوا بها إلينا، وأرشدناهم إلى المكان الذي يذبحون فيه، وإلى أفضل الطرق التي تجعل، ذبائحهم مقبولة عندنا.
وفي هذه الجملة الكريمة وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً، تحريك لنفوسهم نحو الإقدام على إراقة الدم تقربا إلى الله، لأن هذه الذبائح ليست من شعائر هذه الأمة وحدها، وإنما هي من شعائرها ومن شعائر الأمم التي سبقتها.
стр. 4195
وقوله- تعالى-: لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ بيان للعلة التي من أجلها شرعت تلك الذبائح.
أى: شرعناها لكم وللأمم السابقة عليكم للإكثار من ذكر الله عند ذبحها فهو- سبحانه- الذي رزقكم إياها بفضله وإحسانه، فعليكم أن تكثروا من ذكره وشكره، ليزيدكم من خيره ورزقه.
وفي هذه الجملة الكريمة تقريع وتوبيخ لمن يذكرون غير اسم الله- تعالى- عند الذبح، وتأكيد لوجوب ذكر اسمه- تعالى-، حتى لكأن المقصود الأعظم من وراء ذبح هذه الأنعام، هو المداومة على ذكر اسم الله- وعلى شكره- سبحانه- على نعمه، أما ما سوى ذلك كالأكل منها، والانتفاع بها.. فهي مقاصد فرعية.
ثم عقب- سبحانه- على ذلك بتقرير وحدانيته، وبوجوب إسلام الوجه إليه، فقال:
فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا.
أى: شرعنا لكم ذلك لأن إلهكم إله واحد لا شريك له لا في ذاته ولا في صفاته، فله وحده أسلموا وجوهكم، وأخلصوها لعبادته وطاعته.
فجملة فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ بمثابة العلة لما قبلها من تخصيص اسمه الكريم بالذكر عند الذبح، لأن تفرده- سبحانه- بالألوهية يستلزم هذا التخصيص.
وقوله- تعالى-: فَلَهُ أَسْلِمُوا مرتب على ما قبله، لأنه متى ثبت أن المستحق للعبادة والطاعة هو الله الواحد الأحد، فعليهم أن يسلموا وجوههم إليه.
ثم أمر الله- تعالى- نبيه ﷺ أن يبشر المخبتين برضاه- سبحانه- وبمثوبته فقال: وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ أى: المتواضعين لله- تعالى- المطمئنين إلى عدالة قضائه فيهم، ولفظ الْمُخْبِتِينَ من الإخبات. وهو في الأصل نزول الخبت- بفتح الخاء وسكون الباء.
أى: المكان المنخفض، ثم استعمل في اللين والتواضع. يقال: فلان مخبت، أى:
متواضع خاشع لله رب العالمين.
وحذف- سبحانه- المبشر به لتهويله وتعظيمه، أى: وبشر- أيها الرسول الكريم- هؤلاء المتواضعين لله- تعالى- بالثواب العظيم، والأجر الكبير الذي لا تحيط بوصفه عبارة.
ثم مدحهم- سبحانه- بأربع صفات فقال: الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ...
أى: بشر هؤلاء المخبتين الذين من صفاتهم أنهم إذا سمعوا ذكر الله- تعالى- وصفاته،
стр. 4196
وحسابه لعباده يوم القيامة، خافت قلوبهم، وحذرت معصيته- تعالى-.
والذين من صفاتهم كذلك: الصبر على ما يصيبهم من مصائب ومحن في هذه الحياة، والمداومة على أداء الصلاة في مواقيتها بإخلاص وخشوع، والإنفاق مما رزقهم الله- تعالى- على الفقراء والمحتاجين.
فإن قيل: كيف نجمع بين هذه الآية التي وصفت المؤمنين الصادقين بأنهم إذا ذكر الله وجلت قلوبهم. وبين قوله- تعالى- في آية أخرى: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ.
فالجواب: أنه لا تنافى بين الآيتين، لأن من شأن المؤمن الصادق أنه إذا استحضر وعيد الله وحسابه لعباده يوم القيامة، امتلأ قلبه بالخشية والخوف والوجل.
فإذا ما استحضر بعد ذلك رحمته- سبحانه- وسعة عفوه، اطمأن قلبه وسكن روعه، وثبت يقينه، وانشرح صدره، واستسلم لقضاء الله وقدره بدون تردد أو تشكك أو جزع.
فالوجل والاطمئنان أمران يجدهما المؤمن في قلبه، في وقتين مختلفين. وفي حالتين متمايزتين.
ويؤخذ من هاتين الآيتين: أن التواضع لله- تعالى-، والمراقبة له- سبحانه- والصبر على بلائه، والمحافظة على فرائضه.. كل ذلك يؤدى إلى رضاه- ، وإلى السعادة الدنيوية والأخروية.
ثم أكد سبحانه- ما سبق الحديث عنه من وجوب ذكر اسمه- تعالى- عند الذبح، ومن وجوب شكره على نعمه فقال: وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ.
والبدن: جمع بدنة. وهي الإبل خاصة التي تهدى إلى البيت الحرام للتقرب بها إلى الله- تعالى- وقيل: البدن تطلق على الإبل والبقر.
وسميت بهذا الاسم لبدانتها وضخامتها. يقال: بدن الرجل- بوزن كرم- إذا كثر لحمه، وضخم جسمه.
أى: وشرعنا لكم- أيها المؤمنون- التقرب إلينا بالإبل البدينة السمينة وجعلنا ذلك شعيرة من شعائر ديننا، وعلامة من العلامات الدالة على قوة إيمان من ينفذ هذه الشعيرة بتواضع وإخلاص.
وقوله- تعالى- لَكُمْ فِيها خَيْرٌ جملة مستأنفة مقررة لما قبلها. أى: لكم فيه خير في الدنيا عن طريق الانتفاع بألبانها ووبرها.. ولكم فيها خير في الآخرة عن طريق الثواب الجزيل الذي تنالونه من خالقكم بسبب استجابتكم لما أرشدكم إليه.
стр. 4197
وقوله- تعالى-: فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ إرشاد لما يقوله الذابح عند ذبحها.
وصواف: جمع صافة. أى: قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن استعدادا للذبح!.
أى: إذا ما هيأتم هذه الإبل للذبح، فاذكروا اسم الله عليها، بأن تقولوا عند نحرها:
بسم الله والله أكبر، اللهم منك وإليك.
وقوله- سبحانه-: فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ بيان لما ينبغي عليهم فعله بعد ذبحها.
ووجبت بمعنى سقطت: وهو كناية عن موتها. يقال: وجب الجدار إذا سقط، ووجبت الشمس إذا غابت.
والقانع: هو الراضي بما قدره الله- تعالى- له، فلا يتعرض لسؤال الناس مأخوذ من قنع يقنع- كرضى يرضى- وزنا ومعنى.
والمعتر: هو الذي يسأل غيره ليعطيه. يقال: فلان يعترى الأغنياء، أى: يذهب إليهم طالبا عطاءهم.
وقيل: القانع هو الطامع الذي يسأل غيره، والمعتر: هو الذي يتعرض للعطاء من غير سؤال وطلب.
أى: فإذا ما سقطت جنوب هذه الإبل على الأرض، وأعددتموها للأكل فكلوا منها، وأطعموا الفقير القانع الذي لا يسألكم، والفقير المعتر الذي يتعرض لكم بالسؤال والطلب.
ثم بين- سبحانه- مظاهر فضله عليهم، حيث ذلل هذه الأنعام لهم فقال: كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
وقوله كَذلِكَ نعت لمصدر محذوف. أى: مثل ذلك التسخير البديع سخرنا لكم هذه الأنعام، وذللناها لكم، وجعلناها منقادة لأمركم، لعلكم بعد أن شاهدتم هذه النعم، وانتفعتم بها، تكونون من الشاكرين لنا، والمستجيبين لتوجيهاتنا وإرشادنا.
قال صاحب الكشاف: منّ الله على عباده واستحمد إليهم، بأن سخر لهم البدن مثل التسخير الذي رأوا وعلموا. يأخذونها منقادة للأخذ طيعة، فيعقلونها ويحبسونها صافة قوائمها، ثم يطعنون في لبانها. ولولا تسخير الله لم تطعن، ولم تكن بأعجز من بعض الوحوش التي هي أصغر منها جرما، وأقل قوة، وكفى بما يتأبد من الإبل شاهدا على ذلك «١» .
стр. 4198
ثم ختم- سبحانه- الحديث عن شعائر الحج، بتوجيه عباده إلى وجوب الإخلاص له، والاستجابة لأمره، وشكره على نعمه، فقال- تعالى-: لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ....
أى: لن يصل إلى الله- تعالى- لحم هذه الأنعام ودماؤها، من حيث هي لحوم ودماء، ولكن الذي يصل إليه- سبحانه- ويثيبكم عليه، هو تقواكم ومراقبتكم له- سبحانه- وخوفكم منه، واستقامتكم على أمره وإخلاصكم العبادة له.
قالوا: وفي هذا إشارة إلى قبح ما كان يفعله المشركون، من تقطيعهم للحوم الأنعام، ونشرها حول الكعبة، وتلطيخها بالدماء، وتحذير للمسلمين من أن يفعلوا فعل هؤلاء الجهلاء، إذ رضا الله- تعالى- لا ينال بذلك، وإنما ينال بتقوى القلوب.
ثم كرر- سبحانه- تذكيره إياهم بنعمه، ليكون أدعى إلى شكره وطاعته فقال:
كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ، لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ.
أى: كهذا التسخير العجيب الذي ترونه سخرنا لكم هذه الأنعام لكي تكبروا الله وتعظموه وتقدسوه بسبب هدايته لكم إلى الإيمان.
وبشر- أيها الرسول الكريم- المحسنين لأقوالهم وأفعالهم، بثوابنا الجزيل وبعطائنا الواسع.
وبذلك ترى أن سورة الحج قد سبحت بنا سبحا طويلا في حديثها عن البيت الحرام، وعن آداب الحج ومناسكه وأحكامه، وعن الجزاء الحسن الذي أعده- تعالى- للمستجيبين لأمره.
وبعد هذا الحديث عن الشعائر والمناسك، أذن- سبحانه- للمؤمنين بالقتال في سبيله، للدفاع عن دينه وشعائره، ووعدهم- بالنصر متى نصروه وحافظوا على فرائضه ... فقال- تعالى-:.
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٣٨ الى ٤١]
إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)
стр. 4199
قال الفخر الرازي: اعلم أنه- تعالى- لما بين ما يلزم في الحج ومناسكه وما فيه من منافع الدنيا والآخرة، وما كان من صد الكفار عنه، أتبع ذلك ببيان ما يزيل الصد. ويؤمن معه التمكن من الحج فقال- تعالى- إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا.. «١» .
ومفعول «يدافع» محذوف. وجاء التعبير بقوله- تعالى- يُدافِعُ بصيغة المفاعلة، للمبالغة في الدفاع والدفع، أو للدلالة على أن ذلك حاصل للمؤمنين كلما حصل من الكافرين عدوان عليهم.
أى: إن الله- تعالى- بفضله وكرمه يدافع عن المؤمنين أعداءهم وخصومهم، فيرد كيدهم في نحورهم.
ويصح أن يكون يُدافِعُ بمعنى يدفع، ويؤيده قراءة ابن كثير وأبى عمرو. أى: أن الله- تعالى- يدفع السوء عن عباده المؤمنين الصادقين، ويجعل العاقبة لهم على أعداءهم.
فالجملة الكريمة بشارة للمؤمنين، وتقوية لعزائمهم حتى يقبلوا على ما شرعه الله لهم من جهاد أعدائهم، بثبات لا تردد معه، وبأمل عظيم في نصر الله وتأييده.
وقوله- سبحانه-: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ تعليل لوعده- سبحانه- للمؤمنين بالدفاع عنهم، وبجعل العاقبة لهم.
стр. 4200
والخوان: هو الشديد الخيانة، والكفور: هو المبالغ في كفره وجحوده، فاللفظان كلاهما صيغة مبالغة.
قال الآلوسى: وصيغة المبالغة فيهما لبيان أن المشركين كذلك، لا للتقييد المشعر بمحبة الخائن والكافر ... «١» .
أى: إن الله- تعالى- يدافع عن المؤمنين لمحبته لهم، ويبغض هؤلاء الكافرين الذين بلغوا في الخيانة والكفر أقصى الدركات.
وأوثر التعبير بقوله- تعالى- لا يُحِبُّ على قوله: يبغض أو يكره، للإشعار بأن المؤمنين هم أحباء الله- تعالى-، وللتعريض بهؤلاء الكافرين الذين تجاوزوا كل حد في كراهيتهم لأهل الحق.
ثم رخص- سبحانه- للمؤمنين بأن يقاتلوا في سبيله فقال: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا....
وقوله- تعالى- أُذِنَ فعل ماض مبنى للمجهول مأخوذ من الإذن بمعنى الإباحة والرخصة. والمقصود إباحة مشروعية القتال، وقد قالوا: بأن هذه الآيات أول ما نزل في شأن مشروعية القتال.
أخرج الإمام أحمد والترمذي عن ابن عباس قال: لما خرج النبي ﷺ من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم ليهلكن، فنزلت هذه الآيات.
وقرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي أُذِنَ بالبناء الفاعل. والمأذون لهم فيه هو القتال، وهو محذوف في قوة المذكور بدليل قوله يُقاتَلُونَ والباء في قوله بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا للسببية.
أى: أذن الله- تعالى- للمؤمنين، ورخص لهم، بأن يقاتلوا أعداءهم الذين ظلموهم، وآذوهم، واعتدوا عليه، بعد أن صبر هؤلاء المؤمنون على أذى أعدائهم صبرا طويلا.
قال الآلوسى: والمراد بالموصول أصحاب النبي ﷺ الذين في مكة، فقد نقل الواحدي وغيره، أن المشركين كانوا يؤذونهم، وكانوا يأتون النبي ﷺ بين مضروب ومشجوج ويتظلمون إليه فيقول لهم: اصبروا فإنى لم أومر بالقتال حتى هاجر ﷺ فنزلت
стр. 4201
هذه الآية. وهي أول آية نزلت في القتال بعد ما نهى عنه في نيف وسبعين آية «١» .
وقوله- تعالى-: وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ وعد منه- سبحانه- للمؤمنين بالنصر وحض لهم على الإقدام على الجهاد في سبيله بدون تردد أو وهن.
أى: وإن الله- تعالى- لقادر على أن ينصر عباده المؤمنين. وعلى أن يمكن لهم في الأرض، وعلى أن يجعلهم الوارثين لأعدائهم الكافرين.
قال الإمام ابن كثير ما ملخصه: قوله: وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ أى: هو قادر على نصر عباده المؤمنين من غير قتال، ولكنه يريد من عباده أن يبلوا جهدهم في طاعته، كما قال- تعالى-: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ، حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها، ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ، وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ.. «٢» .
وإنما شرع- سبحانه- الجهاد في الوقت الأليق به، لأنهم لما كانوا بمكة، كان المشركون أكثر عددا. فلو أمر المسلمون بالقتال لشق ذلك عليهم ...
فلما استقروا بالمدينة. وصارت لهم دار إسلام، ومعقلا يلجئون إليه شرع الله جهاد الأعداء، فكانت هذه الآية أول ما نزل في ذلك.. «٣» .
وقوله- سبحانه-: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ..
بيان لبعض الأسباب التي من أجلها شرع الله الجهاد في سبيله.
أى: إن الله- تعالى- لقدير على نصر المؤمنين الذين أخرجهم الكافرون من ديارهم بغير حق، وبغير أى سبب من الأسباب، سوى أنهم كانوا يقولون ربنا الله- تعالى- وحده، ولن نعبد من دونه إلها آخر.
أى: ليس هناك ما يوجب إخراجهم- في زعم المشركين- سوى قولهم ربنا الله.
ثم حرض- سبحانه- المؤمنين على القتال في سبيله، بأن بين لهم أن هذا القتال يقتضيه نظام هذا العالم وصلاحه، فقال- تعالى-: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً.
والمراد بالدفع: إذن الله المؤمنين في قتال المشركين. والمراد بقوله: بَعْضَهُمْ
стр. 4202
الكافرون. وبقوله: بِبَعْضٍ المؤمنون.
والصوامع: جمع صومعة، وهي بناء مرتفع يتخذه الرهبان معابد لهم.
والبيع: جمع بيعة- بكسر الباء- وهي كنائس النصارى التي لا تختص بالرهبان.
والصلوات: أماكن العبادة لليهود.
أى: ولولا أن الله- تعالى- أباح للمؤمنين قتال المشركين، لعاث المشركون في الأرض فسادا، ولهدموا في زمن موسى وعيسى أماكن العبادة الخاصة بأتباعهما، ولهدموا في زمن الرسول ﷺ المساجد التي تقام فيها الصلاة.
قال القرطبي: قوله- تعالى-: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ... أى:
ولولا ما شرعه الله- تعالى- للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء لاستولى أهل الشرك.
وعطلوا ما بناه أهل الديانات من مواضع العبادات ولكنه دفع بأن أوجب القتال ليتفرغ أهل الدين للعبادة. فالجهاد أمر متقدم في الأمم. وبه صلحت الشرائع، واجتمعت المتعبدات، فكأنه قال: أذن في القتال فليقاتل المؤمنون. ثم قوى هذا الأمر في القتال بقوله: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ ... الآية أى: لولا الجهاد والقتال لتغلب أهل الباطل على أهل الحق في كل أمة ... «١» .
فالآية الكريمة تفيد أن الله- تعالى- قد شرع القتال لإعلاء الحق وإزهاق الباطل، ولولا ذلك لاختل هذا العالم، وانتشر فيه الفساد.
والتعبير بقوله- تعالى-: لَهُدِّمَتْ بالتشديد للإشعار بأن عدم مشروعية القتال، يؤدى إلى فساد ذريع، وإلى تحطيم شديد لأماكن العبادة والطاعة لله- .
وقدم الصوامع والبيع والصلوات على المساجد، باعتبار أنها أقدم منها في الوجود، أو للانتقال من الشريف إلى الأشرف.
ثم ساق- سبحانه- بأسلوب مؤكد سنة من سننه التي لا تتخلف فقال: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ.
أى: والله لينصرن- سبحانه- من ينصر دينه وأولياءه، لأنه- تعالى- هو القوى على كل فعل يريده، العزيز الذي لا يغالبه مغالب، ولا ينازعه منازع.
وقد أنجز- سبحانه- وعده وسنته، فسلط عباده المؤمنين من المهاجرين والأنصار، على
стр. 4203
أعدائه، فأذلوا الشرك والمشركين وحطموا دولتي الأكاسرة والقياصرة، وأورثهم أرضهم وديارهم.
ثم وصف- سبحانه- هؤلاء المؤمنين الذين وعدهم بنصره بأكرم الصفات ليميزهم عن غيرهم فقال: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ، وَآتَوُا الزَّكاةَ، وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ.
أى: ولينصرن الله- تعالى- هؤلاء المؤمنين الصادقين الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق، والذين من صفاتهم أنهم إذا ما مكنا لهم في الأرض، ونصرناهم على أعدائهم، شكروا لنا ما أكرمناهم به، فأقاموا الصلاة في مواقيتها بخشوع وإخلاص، وقدموا زكاة أموالهم للمحتاجين، وأمروا غيرهم بالمعروف ونهوه عن المنكر، ولله- تعالى- وحده عاقبة الأمور ومردها ومرجعها في الآخرة، فيجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب.
فالآية الكريمة تبين أن أولى الناس بنصر الله، هم هؤلاء المؤمنون الصادقون، الذين أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ...
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ «١» .
وقوله- تعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ.. «٢» .
وبعد أن أذن الله- تعالى- لنبيه ﷺ وللمؤمنين في القتال، وبشرهم بالنصر.. أتبع ذلك بتسليته ﷺ عما أصابه من حزن بسبب تكذيب المشركين له ووبخ- سبحانه- أولئك المشركين على عدم اعتبارهم بمن سبقهم فقال- تعالى-:
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٤٢ الى ٥١]
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٤) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨) قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٥١)
стр. 4204
والمعنى: لا تحزن- أيها الرسول الكريم- لأن هؤلاء المشركين قد كذبوك فيما جئتهم به من عند ربك، وأعرضوا عنه، فإن قوم نوح، وقوم هود. وقوم صالح، وقوم إبراهيم، وقوم لوط، وقوم شعيب، وقوم موسى، قد كذبوا هؤلاء الأنبياء الكرام، وما يقال لك من هؤلاء المشركين، قد قيل للرسل من قبلك.
قال- تعالى-: كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ «١» .
واستغنى في عاد وثمود عن ذكر القوم، لاشتهارهم بهذا الاسم الذي يدل دلالة واضحة على هؤلاء الظالمين.
وقال- سبحانه-: وَأَصْحابُ مَدْيَنَ ولم يقل وقوم شعيب، لأنهم هم الأسبق في التكذيب له- ﵇ على أصحاب الأيكة، ولأنهم هم أهله أما أصحاب الأيكة فكانوا غرباء عنه.
стр. 4205
وقال- سبحانه-: وَكُذِّبَ مُوسى لأنه لم يكذّب من جميع قومه وهم بنو إسرائيل.
وإنما كان المكذب له هو فرعون وملأه، وللإشارة إلى أن موسى- ﵇ قد جاء إلى الناس بآيات واضحات تدل على صدقه، ومع ذلك فقد قوبل بالتكذيب من فرعون وملئه.
ثم بين- سبحانه- ما حل بهؤلاء من عقوبات فقال: فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ.
والإملاء: الإمهال وفي الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى أن رسول الله ﷺ قال:
«إن الله ليملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» .
والنكير: اسم مصدر بمعنى الإنكار، يقال: أنكرت على فلان فعله، إذا ردعته وزجرته عنه.
أى: هؤلاء الأقوام الذين كذبوا أنبياءهم، لم أعاجلهم بالعقوبة، بل أمهلتهم وأمليت لهم، ثم أخذتهم أخذ عزيز مقتدر، فانظر- أيها العاقل- كيف كان إنكارى عليهم؟ لقد كان إنكارا مخيفا مهلكا فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً. وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا، وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ، وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ «١» .
وقال- سبحانه- فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ بالإظهار دون الإضمار، لزيادة التشنيع عليهم والاستفهام في قوله- تعالى-: فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ للتهويل والتعجيب. أى: لقد كان إنكارا فظيعا حول حياتهم إلى موت، وعمرانهم إلى خراب، وغرورهم إلى ذلة وهوان.. فعلى مشركي قريش أن يعتبروا بذلك ويتعظوا.. وإلا فالعاقبة معروفة لهم.
وبعد هذا البيان المشتمل على سوء عاقبة هذه الأمم التي كذبت رسلها.. أتبع ذلك- سبحانه- ببيان مصير كثير من الأمم الظالمة فقال: فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ، فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ، وَقَصْرٍ مَشِيدٍ.
وكلمة «كأين» مركبة من كاف التشبيه، ومن أى الاستفهامية المنونة، ثم هجر معنى جزأيها وصارت كلمة واحدة بمعنى كم الخبرية المفيدة للتكثير، ويكنى بها عن عدد مبهم فتفتقر إلى تمييز بعدها. ومميزها غالبا ما يجر بمن كما في الآية وفي غيرها. قال- تعالى-: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ... «٢» ، وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ «٣» .