← Тафсир

Тафсир · id 23590

التفسير الوسيط لطنطاوي

محمد سيد طنطاوي

Полный текст (6 701 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ. فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ. ٤- ثم ذكر- سبحانه- في ست عشرة آية قصة الإفك، على الصديقة بنت الصديق، ومن بين ما اشتملت عليه هذه القصة: تنبيه المؤمنين إلى العذاب العظيم الذي أعده الله- تعالى- لمن أشاع هذا الإفك، وحض المؤمنين على التثبت من صحة الأخبار، وعلى وجوب حسن الظن بالمؤمنين، وعلى تحذيرهم من اتباع خطوات الشيطان. ثم ختمت القصة ببراءة السيدة عائشة من كل ما اتهمت به، قال- تعالى-: أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ. ٥- وبعد أن أفاضت السورة الكريمة في بيان قبح فاحشة الزنا، وفي عقوبة من يقذف المحصنات الغافلات.. أتبعت ذلك بحديث مستفيض، عن آداب الاستئذان، وعن وجوب غض البصر بالنسبة للرجال والنساء على السواء، وعن تعليم الناس الآداب القويمة. والأخلاق المستقيمة، حتى يحيا المجتمع المسلم حياة يسودها الطهر والعفاف والنقاء. قال- تعالى- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ، حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها، ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. وقال- سبحانه-: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ، ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ، إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ، وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ.... ٦- ثم حببت السورة الكريمة إلى المؤمنين والمؤمنات الزواج من أهل الدين والصلاح، دون أن يمنعهم من ذلك الفقر أو قلة ذات اليد، فإنهم إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ وعلى الذين لم يتيسر لهم وسائل الزواج، أن يعتصموا بالعفاف، حتى يغنيهم الله- تعالى- من فضله. قال- تعالى-: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ- أى زوجوا من لا زوج له من الأحرار والحرائر وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ، إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ، يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ، وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ٧- وبعد أن ساقت السورة الكريمة تلك التوجيهات السامية، التي من شأنها أن تسلح الأفراد والجماعات، بسلاح الطهر والعفاف والتستر والآداب الحميدة.. أتبعت ذلك ببيان أن الله- تعالى- هو نور العالم كله علويه وسفليه، وهو منوره بآياته التكوينية والتنزيلية الدالة

стр. 4307

على وحدانيته وقدرته، وأن أشرف البيوت في الأرض، هي بيوته التي يذكر فيها اسمه والتي يسبح له فيها بالغدو والآصال رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ. يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ. لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ، وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ. تلك هي عاقبة المؤمنين الصادقين. الذين «لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله» أما الكافرون فأعمالهم «كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، ووجد الله عنده فوفاه حسابه، والله سريع الحساب» . ٨- ثم انتقلت السورة بعد ذلك إلى الحديث عن مظاهر قدرة الله- تعالى- في هذا الكون، وأن المتأمل في هذا الوجود، يرى مظاهر قدرته- سبحانه- ظاهرة في هذا السحاب الذي يتحول إلى مطر لا غنى للناس عنه، وفي تقلب الليل والنهار. وفي خلق الدواب على أشكال مختلفة. قال- تعالى-: يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ، يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. ٩- ثم كشفت السورة الكريمة للمؤمنين عن جانب من رذائل المنافقين، لكي يحذروهم. فقال- تعالى-: وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا، ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ، إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا، أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ، بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ. ١٠- وبعد هذا التوبيخ للمنافقين على سلوكهم الذميم، وعلى نكوصهم عن حكم الله- تعالى- ورسوله ﷺ جاء وعد الله- تعالى- للمؤمنين، بالاستخلاف في الأرض، وبالتمكين في الدين، وبتبديل خوفهم أمنا، فقال- تعالى-: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ، لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ. وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ، وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً، وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ. ١١- ثم عادت السورة مرة أخرى إلى الحديث عن آداب الاستئذان، فأمرت المؤمنين أن يعودوا مماليكهم وصبيانهم الذين لم يبلغوا الحلم، على الاستئذان في الدخول عليهم ثلاث مرات

стр. 4308

من قبل صلاة الفجر، وعند وقت الظهيرة، ومن بعد صلاة العشاء، فإن هذه الأوقات قد تكون المرأة أو الرجل فيها، بحالة لا يصح الاطلاع عليها.. قال- تعالى- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ، وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ، وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ. وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ، ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ، طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ، كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. ١٢- ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة ببيان صفات المؤمنين الصادقين، وبحضهم على تكريم رسولهم ﷺ وتعظيمه وتوقيره. وببيان أن هذا الكون كله ملك لله- تعالى- وتحت قبضته وعلمه، فقال- سبحانه-: أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ، وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا، وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. ١٣- وبعد: فهذا عرض إجمالى للمقاصد التي اشتملت عليها سورة النور، ومنها نرى أن السورة الكريمة زاخرة بالأحكام الشرعية، وبالآداب الإسلامية وبالتربية الدينية وبالوسائل الوقائية التي من شأنها أن تغرس الأخلاق الكريمة في نفوس الأفراد والجماعات. وأن تجعلهم يرغبون في اعتناق الفضيلة. وينفرون من مقاربة الرذيلة. ويسعدون في دينهم ودنياهم. وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين. القاهرة- مدينة نصر المؤلف ١٥ من شهر ربيع الأول ١٤٠٥ هـ د. محمد سيد طنطاوى ٨ من ديسمبر ١٩٨٤ م

стр. 4309

التفسير قال الله تعالى: [سورة النور (٢٤) : آية ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١) افتتحت سورة النور بافتتاح لم تشترك معها فيه سورة أخرى من سور القرآن الكريم. وقوله- سبحانه-: سُورَةٌ خبر لمبتدأ محذوف. أى: هذه سورة. والسورة القرآنية: هي مجموعة من الآيات المسرودة، لها مبدأ ولها نهاية، وجمعها: سور. وكلمة سورة مأخوذة من سور المدينة، وكأن السورة القرآنية سميت بهذا الاسم لإحاطتها بآياتها إحاطة السور بما يكون بداخله. أو أنها في الأصل تطلق على المنزلة السامية، والسورة القرآنية سميت بذلك لرفعتها وعلو شأنها. قال القرطبي: والسورة في اللغة: اسم للمنزلة الشريفة، ولذلك سميت السورة من القرآن سورة. قال النابغة: ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كلّ ملك دونها يتذبذب «١» وقوله- تعالى-: وَفَرَضْناها من الفرض بمعنى القطع. وأصله قطع الشيء الصّلب والتأثير فيه. والمراد به هنا: تنفيذ أحكام الله- تعالى- على أتم وجه وأكمله. والمعنى هذه سورة قرآنية. أنزلناها عليك- أيها الرسول الكريم-، وأوجبنا ما فيها من

стр. 4310

أحكام، وآداب وتشريعات، إيجابا قطعيا، وأنزلنا فيها آيات بينات واضحات الدلالة على وحدانيتنا، وقدرتنا، وعلى صحة الأحكام التي وردت فيها، لتتذكروها وتعتبروا بها وتعتقدوا صحتها وتنفذوا ما اشتملت عليه من أمر أو نهى. وجمع- سبحانه- بين الإنزال والفرضية فقال: أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها لبيان أن الغرض منها ليس مجرد الإنزال وإنما الإنزال المصحوب بوجوب تنفيذ الأحكام والآداب التي اشتملت عليها، والتي أنزلت من أجلها. ومعلوم أن إنزال السورة كلها. يستلزم إنزال هذه الآيات منها فيكون التكرار في قوله- تعالى-: وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لكمال العناية بشأنها، كما هي الحال في ذكر الخاص بعد العام. و «لعل» في قوله- تعالى- لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ للتعليل. أى: لعلكم تتذكرون ما فيها من آيات دالة على وحدانيتنا وقدرتنا، وعلى سمو تشريعاتنا، فيؤدى بكم هذا التذكر إلى عبادتنا وطاعتنا. ثم بين- سبحانه- بعد ذلك حد الزاني والزانية، وقبح جريمة الزنا تقبيحا يحمل على النفور، وحرمها على المؤمنين تحريما قاطعا، فقال- تعالى-: [سورة النور (٢٤) : الآيات ٢ الى ٣] الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلاَّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاَّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣) فقوله- تعالى-: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي.. شروع في تفصيل الأحكام، التي أشار إليها- سبحانه- في الآية الأولى من هذه السورة، وهي قوله: سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها.... والزنا من الرجل معناه: وطء المرأة من غير ملك ولا شبهة ملك ومعناه من المرأة: أن

стр. 4311

تمكن الرجل من أن يزنى بها. والخطاب في قوله- تعالى-: فَاجْلِدُوا ... للحكام المكلفين بتنفيذ حدود الله- . قال الجمل: «وفي رفع «الزانية والزاني» وجهان: أحدهما- وهو مذهب سيبويه- أنه مبتدأ خبره محذوف. أى: فيما يتلى عليكم حكم الزانية، ثم بين ذلك بقوله: فَاجْلِدُوا.. والثاني: - وهو مذهب الأخفش وغيره- أنه مبتدأ. والخبر جملة الأمر، ودخلت الفاء لشبه المبتدأ بالشرط..» «١» . فإن قيل: ما الحكمة في أن يبدأ الله في فاحشة الزنا بالمرأة، وفي جريمة السرقة بالرجل، حيث قال: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما ... «٢» ؟. فالجواب: أن الزنا من المرأة أقبح، فإنه يترتب عليه فساد الأنساب، وإلحاق الدنس والعار بزوجها وأهلها، وافتضاح أمرها عن طريق الحمل، وفضلا عن ذلك، فإن تمكينها نفسها للرجل: هو الذي كان السبب في اقترافه هذه الفاحشة، فلهذا وغيره قدمت المرأة هنا. وأما جريمة السرقة، فالغالب أن الرجال أكثر إقداما عليها، لأنها تحتاج إلى جسارة وقوة، واجتياز للمخاطر ... لذا قدم الرجل على المرأة فيها. وقوله- تعالى- وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ.. نهى منه- سبحانه- عن التهاون في تنفيذ حدوده، وحض على إقامتها بحزم وقوة، والرأفة: أعلى درجات الرحمة. يقال: رؤف فلان بفلان- بزنة كرم- إذا اشتد في رحمته، وفي العناية بأمره. أى: أقيموا- أيها الحكام- حدود الله- تعالى- على الزانية والزاني بأن تجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة، دون أن تأخذكم شفقة أو رحمة في تنفيذ هذه الحدود، ودون أن تقبلوا في التخفيف عنهما شفاعة شفيع، أو وساطة وسيط، فإن الله- تعالى- الذي شرع هذه الحدود. وأمر بتنفيذها بكل شدة وقوة، أرحم بعباده وبخلقه منكم. والرحمة والرأفة في تنفيذ أحكامه، لا في تعطيلها. ولا في إجرائها على غير وجهها. وقوله- سبحانه-: إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ.. تأكيد لما قبله، وإلهاب لمشاعرهم، لتنفيذ حدود الله- تعالى-.

стр. 4312

أى: إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر إيمانا حقا، فأقيموا حدود الله، واجلدوا الزانية والزاني مائة جلدة، لا تأخذكم بهما رأفة أو شفقة في ذلك. وقوله- سبحانه-: وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بيان لما يجب على الحكام أن يفعلوه عند تنفيذ العقوبة والأمر بشهود عذابهما للاستحباب لا للوجوب. والمراد بعذابهما: إقامة الحد عليهما، والطائفة في الأصل: اسم فاعل من الطواف، وهو الدوران والإحاطة. وتطلق الطائفة عند كثير من اللغويين على الواحد فما فوقه. قال الآلوسى: «والحق أن المراد بالطائفة هنا، جماعة يحصل بهم التشهير والزجر، وتختلف قلة وكثرة بحسب اختلاف الأماكن والأشخاص فرب شخص يحصل تشهيره وزجره بثلاثة. وآخر لا يحصل تشهيره وزجره بعشرة وللقائل بالأربعة هنا وجه وجيه» «١» . ولعل السبب في وجاهة رأى القائلين بالأربعة أن هذا العدد هو الذي يثبت به الزنا. أى: وليشهد إقامة الحد على الزانية والزاني، عدد من المؤمنين، ليكون زيادة في التنكيل بمن يرتكب هذه الفاحشة، وأدعى إلى الاعتبار والاتعاظ وأزجر لمن تسول له نفسه الإقدام على تلك الجريمة النكراء. ثم أضاف- سبحانه- إلى تقبيح أمر الزنا تقبيحا آخر أشد وأخزى فقال: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً، وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ... والظاهر أن المراد بالنكاح هنا: العقد الذي تترتب عليه المعاشرة الزوجية، لأن أكثر ورود لفظ النكاح في القرآن. أن يكون بمعنى العقد، بل قال بعضهم إنه لم يرد إلا بهذا المعنى. أى: أنه جرت العادة أن الشخص الزاني لا يتزوج إلا زانية مثله أو مشركة وكذلك المرأة الزانية لا تميل بطبعها إلا إلى الزواج من رجل زان مثلها أو من رجل مشرك وذلك لأن المؤمن بطبعه ينفر من الزواج بالمرأة الزانية، وكذلك المرأة المؤمنة تأنف من الزواج بالرجل الزاني. فالآية الكريمة تحكى بأسلوب بديع ما تقتضيه طبيعة الناس في التآلف والتزاوج، وتبين أن المشاكلة في الطباع علة للتلاقي، وأن التنافر في الطباع علة للاختلاف. وصدق رسول الله ﷺ حيث يقول: الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف. وبدئ هنا بالزاني، لأن الآية مسوقة للحديث عن النكاح، والرجل هو الذي يتولاه، وهو الأصل فيه، لأنه هو الذي يلتمسه عن طريق الخطبة وما يتبعها من خطوات توصله إلى

стр. 4313

إتمام عقد الزواج، والمرأة- في هذا الباب- تكون في العادة مطلوبة لا طالبة، ومرغوبة لا راغبة. وجمع- سبحانه- بين رغبة الزاني ورغبة الزانية لتأكيد ما يليق بكليهما من الميل الدنىء. والطبع الوضيع. والسلوك الخبيث. وأن كل واحد منهما ألعن من صاحبه في ولوج الطريق القبيح. واسم الإشارة في قوله- تعالى-: وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ يعود على الزنا. وعلى الزواج من الزواني، لما فيه من التشبيه بالفاسقين، ومن التعرض للعقوبة وسوء السيرة. أى: وحرم ذلك الذي نهيناكم عنه- وهو الزنا والاقتران بمن يرتكبه- على المؤمنين الأطهار، الذين ينزهون أنفسهم عن الوقوع في السوء والفحشاء. هذا. وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها: ما رواه الترمذي وأبو داود والنسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده قال: كان رجل يقال له «مرثد بن أبى مرثد» كان يحمل الأسارى من مكة حتى يأتى بهم المدينة. قال: وكانت امرأة بغىّ بمكة يقال لها «عناق» وكانت صديقة له- أى في الجاهلية- وأنه واعد رجلا من أسارى مكة يحمله، قال: فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة قال: فجاءت «عناق» فأبصرت سواد ظلي تحت الحائط، فلما انتهت إلى عرفتني، فقالت: مرثد؟ فقلت: مرثد فقالت: مرحبا وأهلا. هلم فبت عندنا الليلة. فقال: فقلت: يا عناق. حرم الله الزنا. فقالت: يا أهل الخيام هذا الرجل يحمل أسراكم. قال: فتبعني ثمانية ودخلت الخندمة- أى جبل بمكة- فانتهيت إلى غار ... فأعماهم الله- تعالى- عنى. ثم رجعوا فرجعت إلى صاحبي فحملته إلى المدينة، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، أنكح عناقا؟ أنكح عناقا؟ - مرتين-، فأمسك رسول الله ﷺ ولم يرد شيئا حتى نزلت هذه الآية: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً.. فقال: رسول الله ﷺ : يا مرثد. الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً.. فلا تنكحها. «١» هذا. ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هاتين الآيتين ما يأتى: ١- ظاهر قوله- تعالى-: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ.. يفيد أن هذا الجلد لكل من ارتكب هذه الفاحشة سواء أكان محصنا أم غير محصن. ولكن هذا الظاهر قد فصلته السنة الصحيحة. حيث بينت أن هذا الحد، إنما هو لغير

стр. 4314

المحصن. أما المحصن- وهو المتزوج أو من سبق له الزواج- فإن حده الرجم حتى يموت. قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه: «هذه الآية الكريمة فيها حكم الزاني في الحد» . وللعلماء فيه تفصيل ونزاع، فإن الزاني لا يخلو إما أن يكون بكرا: وهو الذي لم يتزوج، أو محصنا: وهو الذي قد وطئ في نكاح صحيح، وهو حر بالغ عاقل. فأما إذا كان بكرا لم يتزوج فإن حده مائة جلدة كما في الآية. ويزاد على ذلك أن يغرّب عاما عند جمهور العلماء. وحجتهم في ذلك ما ثبت في الصحيحين عن أبى هريرة، أن أعرابيين أتيا رسول الله ﷺ فقال أحدهما: يا رسول الله، إن ابني كان عسيفا- أى أجيرا- عند هذا فزنى بامرأته فافتديت ابني منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبرونى أن على ابني جلد مائة وتغريب عام. وأن على امرأة هذا الرجم. فقال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله: الوليدة والغنم رد عليك. وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام واغد يا أنيس- وهو رجل من قبيلة أسلم- إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها، فغدا عليها، فاعترفت فرجمها. ففي هذا دلالة على تغريب الزاني مع جلده مائة. إذا كان بكرا لم يتزوج فأما إذا كان محصنا فإنه يرجم. وثبت في الصحيحين من حديث مالك- مطولا-، أن عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- قام فخطب الناس فقال: «أيها الناس، إن الله بعث محمدا ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم فقرأناها ووعيناها، ورجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى أن يطول بالناس زمان فيقول قائل: لا نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة قد أنزلها الله، فالرجم في كتاب الله حق على من زنى من الرجال والنساء، إذا قامت البينة أو الحبل أو الاعتراف» . وقد رجم النبي ﷺ ما عزا والغامدية، إلا أن جمهور الفقهاء يرون أنه يكتفى بالرجم، ولا يجلد قبل الرجم، لأنه لم ينقل عن الرسول ﷺ أنه جلد أحدا من الزناة المحصنين قبل أن يرجمهم، ومن الفقهاء من يرى أنهم يجلدون ثم يرجمون بعد ذلك «١» وقال بعض العلماء ما ملخصه: اعلم أن رجم الزانيين المحصنين، دلت عليه آيتان من

стр. 4315

كتاب الله- تعالى-، إحداهما: نسخت تلاوتها وبقي حكمها، والثانية: باقية التلاوة والحكم. أما التي نسخت تلاوتها وبقي حكمها، فهي قوله- تعالى-: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة- وقد ورد ذلك في روايات متعددة- وتدل هذه الروايات على أن الصحابة قرءوها ووعوها. وعقلوها. وأن حكمها باق لأن النبي ﷺ فعله، والصحابة فعلوه من بعده. وأما الآية التي هي باقية التلاوة والحكم، فهي قوله- تعالى-: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ «١» ، على القول بأنها نزلت في رجم اليهوديين الزانيين بعد الإحصان، وقد رجمهما النبي ﷺ وقصة رجمه لهما مشهورة، ثابتة في الصحيح. وعليه فقوله: ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ أى: عما في التوراة من حكم الرجم، وذم المعرض عن الرجم في هذه الآية. يدل على أنه ثابت في شرعنا فدلت الآية- على هذا القول- أن الرجم ثابت في شرعنا. وهي باقية التلاوة ... «٢» ٢- كذلك أخذ العلماء من قوله- تعالى-: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ ... أنه لا تجوز الشفاعة في الحدود، كما لا يجوز إسقاط الحد لأن في ذلك تعطيلا لتنفيذ شرع الله- تعالى- على الوجه الأكمل. قال الآلوسى ما ملخصه: «قوله- تعالى-: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ.. أى في طاعته وإقامة حده الذي شرعه. والمراد النهى عن التخفيف في الجلد. بأن يجلدوهما جلدا غير مؤلم، أو بأن يكون أقل من مائة جلدة. أو بإسقاط الحد بشفاعة أو نحوها. لما صح أن الرسول ﷺ أنكر على حبّه أسامة بن زيد حين شفع في فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد المخزومية، التي سرقت قطيفة أو حليا، وقال له: «يا أسامة، أتشفع في حد من حدود الله- تعالى-، ثم قام ﷺ فخطب فقال: «أيها الناس، إنما ضل من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله- تعالى- لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» . وكما تحرم الشفاعة، يحرم قبولها، فعن الزبير بن العوام- رضى الله عنه- قال: «إذا بلغ الحد إلى الإمام، فلا عفا الله- تعالى- عنه إن عفا» «٣» .

стр. 4316

٣- يرى كثير من الفقهاء أن التحريم في قوله- تعالى-: وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ للتنزيه، وعبر عنه بلفظ «حرّم» للتغليظ والتنفير من الإقدام على زواج المؤمن من الزانية، أو على زواج المؤمنة من الزاني. ويرى آخرون أن التحريم على ظاهره، وأنه لا يجوز للمؤمن أن يتزوج بالزانية. وكذلك لا يجوز للمؤمنة أن تتزوج بالزاني. وقد فصل القول في هذه المسألة بعض العلماء فقال ما ملخصه: اعلم أن العلماء اختلفوا في جواز نكاح العفيف بالزانية ونكاح العفيفة بالزاني. فذهب جماعة من أهل العلم منهم الأئمة الثلاثة- أبو حنيفة ومالك والشافعى- إلى جواز نكاح الزانية مع الكراهة التنزيهية.. لأن الله- تعالى- قال: ... وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ ... «١» وهو شامل بعمومه الزانية والعفيفة. وقالت جماعة أخرى من أهل العلم: لا يجوز تزويج الزاني العفيفة، ولا عكسه، وهو مذهب الإمام أحمد. وقد روى عن الحسن وقتادة. ومن أدلتهم الآية التي نحن بصددها، وهي قوله- تعالى-: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً لأنها قد حرمت في نهايتها أن يتزوج التقى بالزانية، أو التقية بالزاني «٢» . وعلى أية حال فالمتدبر في هاتين الآيتين يراهما، تشددان العقوبة على من يرتكب جريمة الزنا، وتنفران من الاقتراب منها وممن يقع فيها أعظم تنفير، لأن الإسلام حرص على أن ينتشر العفاف والطهر بين أفراد المجتمع الإسلامى، وشرع من وسائل الوقاية ما يحمى الأفراد والجماعات من الوقوع في هذه الرذيلة. وبعد أن نفر- سبحانه- من جريمة الزنا أعظم تنفير، وأمر بتنفيذ عقوبته في مرتكبها بدون رأفة أو تساهل ... أتبع ذلك بتشريعات أخرى من شأنها أن تحمى أعراض الناس وأنفسهم من اعتداء المعتدين، فقال- تعالى-:

стр. 4317

[سورة النور (٢٤) : الآيات ٤ الى ٥] وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) وقوله- تعالى- يَرْمُونَ من الرمي، وأصله القذف بشيء صلب أو ما يشبهه تقول: رمى فلان فلانا بحجر. إذا قذفه به. والمراد به هنا: الشتم والقذف بفاحشة الزنا، أو ما يستلزمه كالطعن في النسب. قال الإمام الرازي: وقد أجمع العلماء على أن المراد هنا: الرمي بالزنا. وفي الآية أقوال تدل عليه. أحدها: تقدم ذكر الزنا. وثانيها: أنه- تعالى- ذكر المحصنات، وهن العفائف، فدل ذلك على أن المراد بالرمي رميهن بضد العفاف، وثالثها: قوله ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ يعنى على صحة ما رموهن به، ومعلوم أن هذا العدد من الشهود غير مشروط إلا بالزنا، ورابعها: انعقاد الإجماع على أنه لا يجب الجلد بالرمي بغير الزنا. فوجب أن يكون المراد هنا هو الرمي بالزنا..» «١» . و «المحصنات» جمع محصنة، والإحصان في اللغة بمعنى المنع، يقال: هذه درع حصينة، أى: مانعة صاحبها من الجراحة. ويقال هذا موضع حصين، أى: مانع من يريده بسوء. والمراد بالمحصنات هنا: النساء العفيفات البعيدات عن كل ريبة وفاحشة. وسميت المرأة العفيفة بذلك. لأنها تمنع نفسها من كل سوء. قالوا: ويطلق الإحصان على المرأة والرجل، إذا توفرت فيهما صفات العفاف. والإسلام، والحرية، والزواج. وإنما خص- سبحانه- النساء بالذكر هنا: لأن قذفهن أشنع، والعار الذي يلحقهن بسبب ذلك أشد، وإلا فالرجال والنساء في هذه الأحكام سواء. وقوله- تعالى-: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ.. مبتدأ، أخبر عنه بعد ذلك بثلاث

стр. 4318

جمل، وهي قوله: «فاجلدوهم..، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا، وأولئك هم الفاسقون» . والمعنى أن الذين يرمون النساء العفيفات بالفاحشة، ثم لم يأتوا بأربعة شهداء يشهدون لهم على صحة ما قذفوهن به، فاجلدوا- أيها الحكام- هؤلاء القاذفين ثمانين جلدة، عقابا لهم على ما تفوهوا به من سوء في حق هؤلاء المحصنات، ولا تقبلوا لهؤلاء القاذفين شهادة أبدا بسبب إلصاقهم التهم الكاذبة بمن هو برىء منها. وأولئك هم الفاسقون. أى: الخارجون على أحكام شريعة الله- تعالى- وعلى آدابها السامية. فأنت ترى أن الله- تعالى- قد عاقب هؤلاء القاذفين للمحصنات بثلاث عقوبات. أولاها: حسية، وتتمثل في جلدهم ثمانين جلدة، وهي عقوبة قريبة من عقوبة الزنا. وثانيتها: معنوية، وتتمثل في عدم قبول شهادتهم، بأن تهدر أقوالهم، ويصيرون في المجتمع أشبه ما يكونون بالمنبوذين، الذين إن قالوا لا يصدق الناس أقوالهم، وإن شهدوا لا تقبل شهادتهم، لأنهم انسلخت عنهم صفة الثقة من الناس فيهم. وثالثتها: دينية، وتتمثل في وصف الله- تعالى- لهم بالفسق. أى: بالخروج عن طاعته- سبحانه- وعن آداب دينه وشريعته. وما عاقب الله- تعالى- هؤلاء القاذفين في أعراض الناس، بتلك العقوبات الرادعة، إلا لحكم من أهمها: حماية أعراض المسلمين من ألسنة السوء، وصيانتهم من كل ما يخدش كرامتهم، ويجرح عفافهم. وأقسى شيء على النفوس الحرة الشريفة الطاهرة، أن تلصق بهم التهم الباطلة. وعلى رأس الرذائل التي تؤدى إلى فساد المجتمع، ترك ألسنة السوء. تنهش أعراض الشرفاء، دون أن تجد هذه الألسنة من يخرسها أو يردعها. وقد اتفق الفقهاء على أن الاستثناء في قوله- تعالى- إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا يعود على الجملة الأخيرة. بمعنى أن صفة الفسق لا تزول عن هؤلاء القاذفين للمحصنات إلا بعد توبتهم وصلاح حالهم. أى: وأولئك القاذفون للمحصنات دون أن يأتوا بأربعة شهداء على صحة ما قالوه. هم الفاسقون الخارجون عن طاعة الله- تعالى-، إلا الذين تابوا منهم من بعد ذلك توبة صادقة نصوحا، وأصلحوا أحوالهم وأعمالهم، فإن الله- تعالى- كفيل بمغفرة ذنوبهم، وبشمولهم برحمته. كما اتفقوا- أيضا- على أن هذا الاستثناء لا يعود إلى العقوبة الأولى وهي الجلد، لأن

стр. 4319

هذه العقوبة يجب أن تنفذ عليهم، متى ثبت قذفهم للمحصنات، حتى ولو تابوا وأصلحوا. والخلاف إنما هو في العقوبة الوسطى وهي قبول شهادتهم، فجمهور الفقهاء يرون صحة عودة الاستثناء عليها بعد التوبة، فيكون المعنى: إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا، فاقبلوا شهادتهم. ويرى الإمام أبو حنيفة أن الاستثناء لا يرجع إلى قبول شهادتهم، وإنما يرجع فقط إلى العقوبة الأخيرة وهي الفسق، فهم لا تقبل شهادتهم أبدا أى: طول مدة حياتهم، حتى وإن تابوا وأصلحوا. وقد فصل القول في هذه المسألة الإمام القرطبي فقال ما ملخصه: «تضمنت الآية ثلاثة أحكام في القاذف: جلده، ورد شهادته أبدا، وفسقه. فالاستثناء غير عامل في جلده وإن تاب- أى أنه يجلد حتى ولو تاب. وعامل في فسقه بإجماع. أى: أن صفة الفسق تزول عنه بعد ثبوت توبته. واختلف الناس في عمله في رد الشهادة. فقال أبو حنيفة وغيره: «لا يعمل الاستثناء في رد شهادته. وإنما يزول فسقه عند الله- تعالى-. وأما شهادة القاذف فلا تقبل ألبتة. ولو تاب وأكذب نفسه، ولا بحال من الأحوال. وقال الجمهور: الاستثناء عامل في رد الشهادة، فإذا تاب القاذف قبلت شهادته، وإنما كان ردها لعلة الفسق، فإذا زال بالتوبة قبلت شهادته مطلقا، قبل الحد وبعده. وهو قول عامة الفقهاء. ثم اختلفوا في صورة توبته، فمذهب عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- والشعبي وغيره: أن توبته لا تكون- مقبولة- إلا إذا كذب نفسه في ذلك القذف الذي حد فيه. وقالت فرقة منها مالك وغيره: توبته أن يصلح ويحسن حاله، وإن لم يرجع عن قوله بتكذيب، وحسبه الندم على قذفه، والاستغفار منه، وترك العود إلى مثله» «١» . ويبدو لنا أن ما أفتى به أمير المؤمنين عمر بن الخطاب هو الأولى بالقبول، لأن اعتراف القاذف بكذبه، فيه محو لآثار هذا القذف، وفيه تبرئة صريحة للمقذوف، وهذه التبرئة تزيده انشراحا وسرورا، وترد إليه اعتباره بين أفراد المجتمع. كما يبدو لنا أن الأولى في هذه الحالة أن تقبل شهادة القاذف، بعد هذه التوبة التي صاحبها

стр. 4320

اعتراف منه بكذبه فيما قال. لأن إقدامه على تكذيب نفسه قرينة على صدق توبته وصلاح حاله. وهكذا يحمى الإسلام أعراض أتباعه، بهذه التشريعات الحكيمة، التي يؤدى اتباعها إلى السعادة في الدنيا والآخرة. ثم انتقلت السورة الكريمة من الحديث عن حكم القذف بصفة عامة، إلى الحديث عن حكم القذف إذا ما حدث بين الزوجين، فقال- تعالى-: [سورة النور (٢٤) : الآيات ٦ الى ١٠] وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (٨) وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠) ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات روايات متعددة، منها ما أخرجه البخاري عن ابن عباس، أن هلال بن أمية، قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن السحماء، فقال له الرسول ﷺ : «البينة أو حدّ في ظهرك» . فقال: يا رسول الله، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل النبي ﷺ يقول له: «البينة أو حد في ظهرك» . فقال هلال: والذي بعثك بالحق إنى لصادق ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد. فنزل جبريل بهذه الآيات. فانصرف النبي ﷺ فأرسل إليهما، فجاء هلال فشهد، والنبي ﷺ يقول: إن الله يعلم أن أحدكم كاذب، فهل منكما تائب؟ ثم قامت زوجته فشهدت، فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا: إنها موجبة- أى للعذاب ولغضب الله- تعالى-.

стр. 4321

قال ابن عباس: فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت. وفي رواية فشهدت في الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ففرق الرسول ﷺ بينهما، وقضى أن لا يدعى ولدها لأب ولا يرمى ولدها، ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد..» «١» . والمراد بالرمي في قوله- تعالى- وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ الرمي بفاحشة الزنا. وقوله- تعالى-: وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ أى: ولم يكن لهؤلاء الأزواج الذين قذفوا زوجاتهم بالزنا من يشهد معهم سوى أنفسهم. وقوله: فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أى: فشهادة أحدهم التي ترفع عنه حد القذف، أن يشهد «أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين» فيما رماها به من الزنا. قال الجمل ما ملخصه: «قوله- تعالى- وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ في رفع أنفسهم وجهان: أحدهما أنه بدل من شهداء، والثاني، أنه نعت له على أن إلا بمعنى غير، ولا مفهوم لهذا القيد. بل يلاعن ولو كان واجدا للشهود الذين يشهدون بزناها. وقوله: فَشَهادَةُ مبتدأ، وخبره «أربع شهادات» أى: فشهادتهم المشروعة أربع شهادات ... » «٢» . وقرأ الجمهور: «أربع شهادات» بالنصب على المصدر، لأن معنى: فشهادة. أن يشهد. والتقدير: فعليهم أن يشهد أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين فيما قاله. وقوله- سبحانه-: وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ بيان لما يجب على القاذف بعد أن شهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين. أى: والشهادة الخامسة بعد الأربع المتقدمة، أن يشهد القاذف بأن لعنة الله- تعالى- عليه، إن كان من الكاذبين، في رميه لزوجته بالزنا. قال الآلوسى: وإفرادها- أى الشهادة الخامسة- بالذكر، مع كونها شهادة- أيضا-، لاستقلالها بالفحوى ووكادتها في إفادتها ما يقصد بالشهادة من تحقيق الخبر، وإظهار الصدق. وهي مبتدأ، خبره قوله- تعالى- أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ «٣» . ثم بين- سبحانه- ما يجب على المرأة لكي تبرئ نفسها مما رماها به زوجها فقال:

стр. 4322

وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ. وقوله- تعالى- وَيَدْرَؤُا من الدّرء بمعنى الدفع. يقال: درأ فلان التهمة عن نفسه، إذا دفعها عن نفسه، وتبرأ منها. والمراد بالعذاب هنا: العذاب الدنيوي وهو الحد الذي شرعه الله- تعالى- في هذا الشأن. أى: أن الزوجة التي رماها زوجها بفاحشة الزنا يدفع عنها الحد ويرفع، إذا شهدت أربع شهادات بالله، إن زوجها لمن الكاذبين فيما قذفها به. وقوله- سبحانه- وَالْخامِسَةُ بالنصب عطفا على أَرْبَعُ شَهاداتٍ. أى: يدرأ عنها العذاب إذا شهدت أربع شهادات بالله أن زوجها كاذب فيما رماها به، ثم تشهد بعد ذلك شهادة خامسة مؤداها: أن غضب الله عليها، إن كان زوجها من الصادقين، في اتهامه إياها بفاحشة الزنا. وجاء من جانب المرأة التعبير بقوله- تعالى-: أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها ليكون أشد في زجرها عن الكذب، واعترافها بالحقيقة بدون إنكار، لأن العقوبة الدنيوية أهون من غضب الله- تعالى- عليها في حالة كذبها. ثم ختم- سبحانه- هذه الآيات ببيان جانب من فضله- تعالى- على خلقه فقال: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ، وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ. وجواب «لولا» محذوف. وجاءت الآية بأسلوب الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، للعناية بشأن مقام الامتنان والفضل من الله- تعالى- عليهم بتشريع هذه الأحكام. أى: ولولا أن الله- تعالى- تفضل عليكم ورحمكم- أيها المؤمنون- بسبب ما شرعه لكم في حكم الذين يرمون أزواجهم بالفاحشة.. لولا ذلك لحصل لكم من الفضيحة ومن الحرج ما لا يحيط به الوصف، ولكنه- سبحانه- شرع هذه الأحكام سترا للزوجين، وتخفيفا عليهما. وحضا لهما على التوبة الصادقة النصوح، وأن الله- تعالى- «تواب» أى: كثير القبول لتوبة التائب متى صدق فيها، «حكيم» أى: في كل ما شرعه لعباده. هذا، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآيات، أن قاذف زوجته بفاحشة الزنا، إذا لم يأت بأربعة شهداء على صحة ما قاله. فإنه يكون مخيرا بين أن يلاعن، وبين أن يقام عليه الحد. بخلاف من قذف أجنبية محصنة بفاحشة الزنا، فإنه يقام عليه الحد، إذا لم يأت بأربعة

стр. 4323

شهداء على أنه صادق في قوله. قال بعض العلماء: ولعلك تقول: لماذا كان حكم قاذف زوجته، مخالفا لحكم قاذف الأجنبية؟ وما السر في أنه جاء مخففا.؟ والجواب: أنه لا ضرر على الزوج بزنا الأجنبية؟ وأما زنا زوجته فيلحقه به العار. وفساد البيت. فلا يمكنه الصبر عليه، ومن الصعب عليه جدا أن يجد البينة. فتكليفه إياها فيه من العسر والحرج ما لا يخفى. وأيضا فإن الغالب في الرجل أنه لا يرمى زوجته بتلك الفاحشة، إلا عن حقيقة. لأن في هذا الرمي إيذاء له، وهتكا لحرمته، وإساءة لسمعته.. فكان رميه إياها بالقذف دليل صدقه. إلا أن الشارع أراد كمال شهادة الحال. بذكر كلمات اللعان المؤكدة بالأيمان، فجعلها- منضمة إلى قوة جانب الزوج- قائمة مقام الشهود في قذف الأجنبى» «١» . كذلك أخذ العلماء من هذه الآيات أن كيفية اللعان بين الزوجين، أن يبدأ بالزوج فيقول أمام القاضي: أشهد بالله إنى لمن الصادقين، وفي المرة الخامسة يقول: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين- أى فيما رمى به زوجته-، وكذلك المرأة تقول في لعانها أربع مرات: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين. وفي المرة الخامسة تقول: غضب الله عليها إن كان من الصادقين- أى فيما قاله زوجها في حقها-. فإذا ما قالا ذلك. سقط عنهما الحد، وفرق القاضي بينهما فراقا أبديا. قال القرطبي: «قال مالك وأصحابه: وبتمام اللعان تقع الفرقة بين المتلاعنين فلا يجتمعان أبدا. ولا يتوارثان. ولا يحل له مراجعتها أبدا لا قبل زوج ولا بعده. وقال أبو حنيفة وغيره: لا تقع الفرقة بعد فراغهما من اللعان حتى يفرق الحاكم بينهما. وقال الشافعى: إذا أكمل الزوج الشهادة والالتعان. فقد زال فراش امرأته. التعنت أو لم تلتعن. لأن لعانها إنما هو لدرء الحد عنها لا غير. وليس لالتعانها في زوال الفراش معنى..» «٢» . وبعد أن بين- سبحانه- حكم القذف بالنسبة للمحصنات. وبالنسبة للزوجات، أتبع- ذلك بإيراد مثل لما قاله المنافقون في شأن السيدة عائشة- رضى الله عنها-. ولما كان يجب على المؤمنين أن يفعلوه في مثل هذه الأحوال، فقال- تعالى-:

стр. 4324

[سورة النور (٢٤) : الآيات ١١ الى ١٨] إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١) لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٣) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٤) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨) قال الإمام ابن كثير ما ملخصه: «هذه الآيات نزلت في شأن السيدة عائشة- رضى الله عنها- حين رماها أهل الإفك والبهتان من المنافقين، بما قالوه من الكذب البحت، والفرية التي غار الله- تعالى- لها ولنبيه ﷺ فأنزل براءتها صيانة لعرض الرسول ﷺ . جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة أنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه. فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج سهمي- وكان ذلك في غزوة بنى المصطلق على الأرجح-، فخرجت مع النبي ﷺ ، وذلك بعد ما أنزل الحجاب، وأنا أحمل في هودج وأنزل فيه

стр. 4325

فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوته تلك، وقفل ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، حتى جاوزت الجيش. فلما قضيت من شأنى أقبلت إلى الراحلة، فلمست صدري، فإذا عقد لي قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فاحتبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بي، فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري. وهم يحسبون أنى فيه. وكان النساء إذ ذاك خفافا، لم يثقلهن اللحم، فلم يستنكر القوم حين رفعوه خفة الهودج، فاحتملوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي بعد ما سار الجيش. فجئت منزلهم، وليس فيه أحد منهم فيممت منزلي الذي كنت فيه. وظننت أن القوم سيفقدونني فيرجعون إلى. فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيناي فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمى، قد عرّس- أى تأخر- من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم، فأتانى فعرفني حين رآني. وقد كان يراني قبل أن يضرب علينا الحجاب. فاستيقظت باسترجاعه حتى عرفني. فخمرت وجهى بجلبابي، والله ما كلمني كلمة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، حين أناخ راحلته، فوطئ على يديها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة. حتى أتينا الجيش، بعد ما نزلوا في نحو الظهيرة. فهلك من هلك في شأنى، وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبى بن سلول..» «١» . وقد افتتحت هذه الآيات الكريمة بقوله- تعالى-: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ. والإفك: أشنع الكذب وأفحشه، يقال أفك فلان- كضرب وعلم- أفكا وإفكا، أى: كذب كذبا قبيحا. والعصبة: الجماعة من العشرة إلى الأربعين، من العصب وهو الشد، لأن كل واحد منها يشد الآخر ويؤازره. أى: إن الذين قالوا ما قالوا من كذب قبيح، وبهتان شنيع، على السيدة عائشة- رضى الله عنها- هم جماعة ينتسبون إليكم- أيها المسلمون- بعضهم قد استزلهم الشيطان. - كمسطح بن أثاثة- وبعضهم يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر والنفاق- كعبد الله بن أبى بن سلول- وأتباعه. وفي التعبير بقوله- تعالى- عُصْبَةٌ: إشعار بأنهم جماعة لها أهدافها الخبيثة، التي

стр. 4326

تواطئوا على نشرها، وتكاتفوا على إشاعتها، بمكر وسوء نية. وقوله- سبحانه-: لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ.. تسلية للنبي ﷺ ولأصحابه المؤمنين الصادقين، عما أصابهم من هم وغم بسبب هذا الحديث البالغ نهاية دركات الكذب والقبح. أى: لا تظنوا- أيها المؤمنون- أن حديث الإفك هذا هو شر لكم، بل هو خير لكم، لأنه كشف عن قوى الإيمان من ضعيفه. كما فضح حقيقة المنافقين وأظهر ما يضمرونه من سوء للنبي ﷺ ولأهل بيته، وللمؤمنين، كما أنكم قد نلتم بصبركم عليه وتكذيبكم له أرفع الدرجات عند الله تعالى. ثم بين- سبحانه- ما أعده لهؤلاء الخائضين في حديث الإفك من عقاب فقال: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ. أى لكل واحد من هؤلاء الذين اشتركوا في إشاعة حديث الإفك العقاب الذي يستحقه بسبب ما وقع فيه من آثام، وما اقترفه من سيئات. وقوله- تعالى-: وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ بيان لسوء عاقبة من تولى معظم إشاعة هذا الحديث الكاذب. والكبر- بكسر الكاف وضمها- مصدر لمعظم الشيء وأكثره. أى: والذي تولى معظم الخوض في هذا الحديث الكاذب، وحرض على إشاعته، له عذاب عظيم لا يقادر قدره من الله- تعالى-. والمقصود بهذا الذي تولى كبره. عبد الله بن أبى بن سلول، رأس المنافقين وزعيمهم، فهو الذي قاد حملته، واضطلع بالنصيب الأكبر لإشاعته. روى أنه لما جاء صفوان بن المعطل يقود راحلته وعليها عائشة- رضى الله عنها- قال عبد الله بن أبى لمن حوله: من هذه؟ قالوا عائشة فقال- لعنه الله-: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ثم جاء يقودها، والله ما نجت منه وما نجا منها. وقال ابن جرير: «والأولى بالصواب قول من قال، الذي تولى كبره عبد الله بن أبى بن سلول، وذلك أنه لا خلاف بين أهل العلم بالسير، وأن الذي بدأ بذكر الإفك. وكان يجمع أهله ويحدثهم به، هو عبد الله بن أبى بن سلول» «١» . وقال الآلوسى: «والذي تولى كبره.. كما في صحيح البخاري عن الزهري عن عروة عن

стр. 4327

عائشة: هو عبد الله بن أبى- عليه اللعنة- وقد سار على ذلك أكثر المحدثين. أخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عمر، أنه بعد نزول هذه الآيات في براءة السيدة عائشة دعا الرسول ﷺ أبا عبيدة بن الجراح فجمع الناس، ثم تلاها عليهم. ثم بعث إلى عبد الله بن أبى. فجيء به فضربه حدين، ثم بعث إلى حسان بن ثابت، ومسطح. وحمنة بنت جحش فضربوا ضربا وجيعا.. وقيل إن ابن أبى لم يحد أصلا، لأنه لم يقر، ولم يلتزم إقامة البينة عليه تأخيرا لجزائه إلى يوم القيامة» «١» . ثم وجه- سبحانه- المؤمنين إلى الطريق الذي كان يجب عليهم أن يسلكوه في مثل هذه الأحوال فقال: لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً، وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ. و «لولا» حرف تحضيض بمعنى هلا والمراد «بأنفسهم» هنا إخوانهم في الدين والعقيدة. أى: هلا وقت أن سمعتم- أيها المؤمنون والمؤمنات- حديث الإفك هذا ظننتم «بأنفسكم» . أى: بإخوانكم وبأخواتكم ظنا حسنا جميلا، وقلتم: هذا الحديث الذي أذاعه المنافقون كذب شنيع وبهتان واضح لا يصدقه عقل أو نقل. وفي التعبير عن إخوانهم وأخواتهم في الدين بأنفسهم، أسمى ألوان الدعوة إلى غرس روح المحبة والمودة والإخاء الصادق بين المؤمنين، حتى لكأن الذي يظن السوء بغيره إنما ظنه بنفسه. وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: ... ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ ... «٢» . وقوله- سبحانه-: ... وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ... «٣» . قال أبو حيان- ﵀: «وعدل بعد الخطاب- في الآية الأولى- إلى الغيبة في هذه الآية-، وعن الضمير إلى الظاهر، فلم يجئ التركيب ظننتم بأنفسكم خيرا وقلتم هذا إفك مبين. ليبالغ- سبحانه- في التوبيخ بطريقة الالتفات، وليصرح بلفظ الإيمان، دلالة على أن الاشتراك فيه، مقتض في أن لا يصدق مؤمن على أخيه قول عائب ولا طاعن، وفيه تنبيه على أن المؤمن إذا سمع قالة سوء في أخيه أن يبنى الأمر فيه على ظن الخير، وأن يقول بناء على ظنه: هذا إفك مبين. هكذا باللفظ الصريح ببراءة أخيه، كما يقول المستيقن المطلع على حقيقة الحال، وهذا من الأدب الحسن، ومعنى بأنفسهم، أى: كأن يقيس فضلاء المؤمنين

стр. 4328

والمؤمنات هذا الأمر على أنفسهم. فإذا كان ذلك يبعد عليهم قضوا بأنه في حق من هو خير منهم أبعد..» «١» . ولقد فعل المؤمنون الصادقون ذلك، فها هو ذا أبو أيوب خالد بن زيد الأنصارى، قالت له امرأته أم أيوب: يا أبا أيوب، أما تسمع ما يقوله الناس في عائشة- رضى الله عنها-؟ قال: نعم، وذلك الكذب. أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا. والله ما كنت لأفعله. قال: فعائشة والله خير منك «٢» . وفي رواية أن أبا أيوب قال لزوجته أم أيوب: ألا ترين ما يقال؟ فقالت له: لو كنت بدل صفوان أكنت تظن بحرمة رسول الله ﷺ سوءا؟ قال: لا، فقالت: ولو كنت أنا بدل عائشة- رضى الله عنها- ما خنت رسول الله ﷺ فعائشة خير منى، وصفوان خير منك «٣» . وهكذا المؤمنون الأطهار الأخيار، يبنون أمورهم على حسن الظن بالناس. ورحم الله صاحب الانتصاف. فقد علق على ما قالته أم أيوب لزوجها فقال: ولقد ألهمت- أم أيوب- بنور الإيمان إلى هذا السر الذي انطوى عليه التعبير عن الغير من المؤمنين بالنفس، فإنها نزلت زوجها منزلة صفوان ونفسها منزلة عائشة، ثم أثبتت لنفسها ولزوجها البراءة والأمانة، حتى أثبتتها لصفوان وعائشة بالطريق الأولى- رضى الله عنها- «٤» . ثم وصف- سبحانه- الخائضين في حديث الإفك بالكذب لأنهم قالوا قولا بدون دليل، فقال: لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ أى: هلا جاء هؤلاء الذين افتروا على السيدة عائشة ما افتروا، بأربعة شهداء يشهدون لهم على ثبوت ما تفوهوا به. فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ أى: وما داموا لم يأتوا بهم- ولن يأتوا بهم- فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ أى: في حكمه- سبحانه- وفي شريعته هُمُ الْكاذِبُونَ كذبا قبيحا تشمئز منه النفوس، ويسجل عليهم الخزي والعار إلى يوم القيامة. ثم بين- سبحانه- جانبا من مظاهر فضله ورحمته بالمؤمنين فقال: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ.

стр. 4329

و «لولا» هنا لامتناع الشيء لوجود غيره، و «أفضتم» من الإفاضة بمعنى التوسع في الشيء. والاندفاع فيه بدون تريث أو تحقق، وأصله من قولهم: «أفاض فلان الإناء، إذا ملأه حتى فاض» . أى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته بكم- أيها المؤمنون- في الدنيا بإعطائكم فرصة للتوبة. وفي الآخرة بقبول توبتكم، لولا ذلك «لمسكم» أى: لنزل بكم بسبب ما أفضتم فيه من حديث الإفك عذاب عظيم، لا يعلم مقدار ألمه وشدته إلا الله- تعالى-. ثم صور- سبحانه- أحوالهم في تلك الفترة العصيبة من تاريخ الدعوة الإسلامية فقال: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ. و «إذ» ظرف لقوله- تعالى- لَمَسَّكُمْ. أى: لمسكم عذاب عظيم. وقت تلقيكم هذا الحديث السيئ لسانا عن لسان باستخفاف واستهتار! ويأخذه بعضكم عن بعض بدون تحرج أو تدبر. وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ أى: وتقولون بأفواهكم قولا تلوكه الأفواه، دون أن يكون معه بقية من علم أو بينة أو دليل. ففي هاتين الجملتين زجر شديد لأولئك الذين خاضوا في حديث الإفك، بدون تدبر أو تعقل، حتى لكأنهم- وقد أفلت منهم الزمام، واستزلهم الشيطان- ينطقون بما ينطقون به بأفواههم لا بوعيهم، وبألسنتهم لا بعقولهم، ولا بقلوبهم، وإنما هم يتفوهون بكلمات لا علم لهم بحقيقتها. ولا دليل معهم على صدقها. وهذا كله يتنافى مع ما يقتضيه الإيمان الصحيح من تثبت ومن حسن ظن بالمؤمنين. ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة بما هو أشد في الزجر والتهديد فقال: وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ. أى: وتحسبون أن ما خضتم فيه من كذب على الصديقة بنت الصديق شيئا هينا، والحال أن ما فعلتموه ليس كذلك، بل هو عند الله- تعالى- وفي حكمه شيء عظيم، تضج لهوله الأرض والسماء لأن ما خضتم فيه يسيء إلى النبي ﷺ ويسيء إلى أهل بيته، ويسيء إلى صحابى جليل هو صفوان، ويسيء إلى بيت الصديق- رضى الله عنه- بل ويسيء إلى الجماعة الإسلامية كلها. ثم يوجههم- سبحانه- مرة أخرى إلى ما كان يجب عليهم أن يفعلوه في مثل هذه الأحوال فيقول: وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا، سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ.

стр. 4330

وأصل معنى «سبحانك» تنزيه الله- تعالى- عن كل نقص. ثم شاع استعماله في كل أمر يتعجب منه. وهذا المعنى هو المراد هنا. والبهتان: هو الكذب الذي يبهت ويحير سامعه لشناعته وفظاعته، يقال: بهت فلان فلانا إذا قال عليه ما لم يقله وما لم يفعله. أى: وهلا وقت أن سمعتم- أيها المؤمنون- حديث الإفك ممن افتراه واخترعه، قلتم له على سبيل الزجر والردع والإفحام: ما يكون لنا أن نتكلم بهذا. أى: ما يصح منا إطلاقا أن نتكلم بهذا الحديث البالغ أقصى الدركات في الكذب والافتراء. وقلتم له أيضا- على سبيل التعجب من شناعة هذا الخبر: «سبحانك» ، أى: نتعجب يا ربنا من شناعة ما سمعناه، فإن ما سمعناه عن أم المؤمنين عائشة كذب يبهت ويدهش من يسمعه، وهو في الشناعة لا تحيط بوصفه عبارة. وهكذا يؤدب الله- تعالى- عباده المؤمنين بالأدب السامي، حيث يأمرهم في مثل هذه الأحوال، أن ينزهوا أسماعهم عن مجرد الاستماع إلى ما يسيء إلى المؤمنين، وأن يتحرجوا من مجرد النطق بمثل حديث الإفك، وأن يستنكروا ذلك على من يتلفظ به. ثم نهى- سبحانه- المؤمنين من العودة إلى مثل هذا الأمر العظيم فقال: يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. أى: يعظكم الله تعالى أيها المؤمنون- بما يرقق قلوبكم، ويحذركم من العودة إلى الخوض في حديث الإفك، أو فيما يشبهه من أحاديث باطلة، وعليكم أن تمتثلوا ما آمركم به، وما أنهاكم عنه امتثالا كاملا، إن كنتم مؤمنين إيمانا كاملا. فقوله- تعالى- إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ من باب تهييجهم وإثارة حماستهم للاستجابة لوعظه وتحذيره- سبحانه-. وقوله- تعالى- وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ إبراز لما تفضل به- سبحانه- عليهم من تعليم وتوجيه وحسن تربية. أى: ويبين الله- تعالى- لكم الآيات التي تسعدكم في دنياكم وآخرتكم متى اتبعتم ما اشتملت عليه من آداب وأحكام، والله- تعالى- «عليم» بأحوال خلقه «حكيم» في جميع ما يأمر به، أو ينهى عنه. ثم يواصل القرآن الكريم توجيهاته الحكيمة للمؤمنين، فيهدد الذين يحبون أن تشيع

стр. 4331

الفاحشة في الذين آمنوا بالعذاب الأليم، وينهى المؤمنين وينهى المؤمنين عن اتباع خطوات الشيطان، قال تعالى: [سورة النور (٢٤) : الآيات ١٩ الى ٢٢] إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (١٩) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (٢٠) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١) وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢) قال الإمام الرازي: «اعلم أنه- سبحانه- بعد أن بين ما على أهل الإفك، وما على من سمع منهم، وما ينبغي أن يتمسك به المؤمنون من آداب، أتبعه بقوله: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا.. ليعلم أن من أحب ذلك فقد شارك في هذا الذم، كما شارك فيه من فعله ومن لم ينكره، وليعلم أهل الإفك كما أن عليهم العقوبة فيما أظهروه، فكذلك يستحقون العقوبة بما أسروه، من محبة إشاعة الفاحشة في المؤمنين «١» .

стр. 4332

ومعنى «تشيع» تنتشر وتكثر، ومنه قولهم: شاع الحديث. إذا ظهر بين الناس. والفاحشة: هي الصفة البالغة أقصى دركات القبح، كالرمى بالزنا وما يشبه ذلك. وهي صفة لموصوف محذوف. أى: الخصلة الفاحشة، والمقصود بمحبة شيوعها: محبة شيوع خبرها بين عامة الناس. والمعنى: إن الذين يحبون أن تنتشر قالة السوء بين صفوف المؤمنين، وفي شأنهم، لكي يلحقوا الأذى بهم، هؤلاء الذين يحبون ذلك «لهم» بسبب نواياهم السيئة «عذاب أليم في الدنيا» كإقامة الحد عليهم، وازدراء الأخيار لهم، ولهم- أيضا- عذاب أليم «في الآخرة» وهو أشد وأبقى من عذاب الدنيا. «والله» تعالى وحده «يعلم» ما ظهر وما خفى من الأمور والأحوال «وأنتم» أيها الناس- «لا تعلمون» إلا ما كان ظاهرا منها، فعاملوا الناس على حسب ظواهرهم، واتركوا بواطنهم لخالقهم، فهو- سبحانه- الذي يتولى محاسبتهم عليها. فالآية الكريمة يؤخذ منها: أن العزم على ارتكاب القبيح، منكر يعاقب عليه صاحبه، وأن محبة الفجور وشيوع الفواحش في صفوف المؤمنين، ذنب عظيم يؤدى إلى العذاب الأليم في الدنيا والآخرة، لأن الله- تعالى- علق الوعيد الشديد في الدارين على محبة انتشار الفاحشة في الذين آمنوا. ثم ذكر- سبحانه- المؤمنين بفضله عليهم مرة أخرى، لكي يزدادوا اعتبارا واتعاظا فقال وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ. وجواب «لولا» محذوف، كما أن خبر المبتدأ محذوف، والتقدير: ولولا فضل الله عليكم، ورحمته بكم موجودان، لعاجلكم بالعقوبة. ولكنه- سبحانه- لم يعاجلكم بها، لأنه شديد الرأفة والرحمة بعباده، ولو يؤاخذهم بما كسبوا ما ترك عليها من دابة. ثم وجه- سبحانه- نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن اتباع خطوات الشيطان، فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ، وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ ... والخطوات: جمع خطوة. وهي في الأصل تطلق على ما بين القدمين. والمراد بها هنا: طرقه ومسالكه ووساوسه، التي منها الإصغاء إلى حديث الإفك، والخوض فيه. وما يشبه ذلك من الأقوال الباطلة، والأفعال القبيحة. أى: يا من آمنتم بالله حق الإيمان، احذروا أن تسلكوا المسالك التي يغريكم بسلوكها

стр. 4333

الشيطان، فإن الشيطان وظيفته الإغراء بالشر لا بالخير، والأمر بالفحشاء والمنكر، وليس بالفضائل والمعروف. وجواب الشرط في قوله: وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ محذوف، والتقدير: ومن يتبع خطوات الشيطان يقع في الضلال والعصيان، فإن الشيطان لا يأمر إلا بالفحشاء والمنكر. وخاطبهم- سبحانه- بصفة الإيمان، لتحريك قوة الإيمان في قلوبهم، ولتهييجهم على الاستجابة لما أرشدهم إليه- سبحانه-. وقوله- سبحانه- وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً.. بيان لمظاهر فضله- تعالى- ولطفه بعباده المؤمنين. والمراد بالتزكية هنا: التطهير من أرجاس الشرك، ومن الفسوق والعصيان. أى: ولولا فضل الله عليكم- أيها المؤمنون- ورحمته بكم- ما طهر أحد منكم من دنس الذنوب والمعاصي طول حياته، ولكن الله- تعالى- بفضله ورحمته يطهر من يشاء تطهيره من الأرجاس والأنجاس. بأن يقبل توبته. ويغسل حوبته. «والله» - تعالى- «سميع» لدعاء عباده ومناجاتهم إياه «عليم» بما يسرونه وما يعلنونه من أقوال وأفعال. ثم حض- أصحاب النفوس النقية الطاهرة، على المواظبة على ما تعودوه من سخاء وسماحة، فقال: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ، أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ. وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وقد صح أن هذه الآية الكريمة نزلت في شأن أبى بكر- رضى الله عنه- عند ما أقسم أن لا يعطى مسطح بن أثاثة شيئا من النفقة أو الصدقة. وكان مسطح قريبا لأبى بكر. وكان من الفقراء الذين تعهد- أبو بكر رضى الله عنه- بالإنفاق عليهم لحاجتهم وهجرتهم وقرابتهم منه. وقوله: وَلا يَأْتَلِ أى: ولا يحلف. يقال: آلى فلان وائتلى. إذا حلف ومنه قوله- تعالى-: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ.. «١» أى: يحلفون. أى: ولا يحلف «أولوا الفضل منكم والسعة» أى أصحاب الزيادة منكم في قوة الدين. وفي سعة المال «أن يؤتوا أولى القربى..» أى: على أن لا يعطوا أولى القربى والمساكين

стр. 4334

والمهاجرين في سبيل الله، شيئا من أموالهم. فالكلام في قوله: «أن يؤتوا» على تقدير حرف الجر، أى: لا يحلفوا على أن لا يؤتوا، وحذف حرف الجر قبل المصدر المنسبك من أن وصلتهما مطرد، ومفعول «يؤتوا» الثاني محذوف. أى: أن يؤتوا أولى القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله، النفقة التي تعودوا أن يقدموها لهم. وقوله- تعالى-: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا تحريض على العفو والصفح. والعفو معناه: التجاوز عن خطأ المخطئ ونسيانه، مأخوذ من عفت الريح الأثر، إذا طمسته وأزالته. والصفح: مقابلة الإساءة بالإحسان، فهو أعلى درجة من العفو. أى: قابلوا- أيها المؤمنون- إساءة المسيء بنسيانها، وبمقابلتها بالإحسان. وقوله: أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ أى: ألا تحبون- أيها المؤمنون أن يغفر الله لكم ذنوبكم، بسبب عفوكم وصفحكم عمن أساء إليكم؟ فالجملة الكريمة ترغيب في العفو والصفح بأبلغ أسلوب، وقد صح أن أبا بكر- رضى الله عنه- لما سمع الآية قال: بلى والله يا ربنا، إنا لنحب أن تغفر لنا، وأعاد إلى مسطح نفقته، وفي رواية: أنه- رضى الله عنه- ضاعف لمسطح نفقته. قال الآلوسى: «وفي الآية من الحث على مكارم الأخلاق ما فيها. واستدل بها على فضل الصديق- رضى الله عنه- لأنه داخل في أولى الفضل قطعا، لأنه وحده أو مع جماعة سبب النزول، ولا يضر في ذلك الحكم لجميع المؤمنين كما هو الظاهر..» «١» . ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة بما يرفع من شأن العفو والصفح فقال: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. أى: والله- تعالى- كثير المغفرة، وواسع الرحمة بعباده، فكونوا- أيها المؤمنون- أصحاب عفو وصفح عمن أساء إليكم. وبعد أن أمر- سبحانه- المؤمنين بالعفو والصفح عمن استزلهم الشيطان، فخاضوا في حديث الإفك ثم ندموا وتابوا، أتبع ذلك ببيان سوء عاقبة المصريين على خبثهم وعلى محبة إشاعة الفاحشة في صفوف الجماعة الإسلامية فقال- تعالى-:

стр. 4335

[سورة النور (٢٤) : الآيات ٢٣ الى ٢٦] إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥) الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦) والمعنى: «إن الذين يرمون» بالفاحشة النساء «المحصنات» أى: المانعات أنفسهن عن كل سوء وريبة «الغافلات» أى: الغافلات عن أن تدور الفاحشة بأذهانهن، لأنهن طبعن على التخلق بالأخلاق الفاضلة الكريمة، فهن فوق كونهن محصنات، لا يخطر السوء ببالهن لطهارة معدنهن. «المؤمنات» أى: الكاملات الإيمان بالله- تعالى-، وبصدق رسوله ﷺ ، وبكل ما يجب الإيمان به. وقوله- سبحانه-: لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ أى: طردوا من رحمة الله- تعالى- في الدنيا وفي الآخرة، وفوق كل ذلك «لهم» منه- تعالى- «عذاب عظيم» لا تحيط العبارة بوصفه. وجملة «يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون» مقررة لمضمون ما قبلها، مبينة لحلول وقت ذلك العذاب بهم. أى: لهم عذاب عظيم يوم القيامة، يوم يقفون أمام الله- تعالى- للحساب فتشهد عليهم ألسنتهم، وأيديهم، وأرجلهم، بما كانوا يعملونه في الدنيا من أعمال سيئة، وبما كانوا يقولونه من أقوال قبيحة. فالمراد بشهادة هذه الجوارح، نطقها وإخبارها عما كانوا يعملونه في الدنيا.

стр. 4336

وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا، قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ.. «١» . وقوله- سبحانه- الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ «٢» . والمراد بالدين في قوله- تعالى-: يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ.. الجزاء الذي يستحقونه بسبب آثامهم. ويوفيهم: من التوفية بمعنى إعطاء الشيء كاملا ووافيا. وقوله: «يومئذ» ظرف ليوفيهم. أى: في هذا اليوم العظيم وهو القيامة. الذي تشهد فيه الجوارح على صاحبها، يجازى الله- تعالى- هؤلاء الفاسقين الجزاء الحق العادل الذي يستحقونه بسبب رميهم النساء المحصنات الغافلات المؤمنات بالفاحشة. «ويعلمون» علما لا مجال معه للشك أو الريب عند ما يشاهدون العذاب «أن الله» - تعالى- هو الإله «الحق» في ذاته وصفاته وأفعاله، وأنه- هو «المبين» أى: المظهر لما أبطنته النفوس، وخبأته الضمائر، والقادر على مجازاة الذين أساءوا بما عملوا، وعلى مجازاة الذين أحسنوا بالحسنى. ثم ختم- سبحانه- الآيات التي نزلت في حديث الإفك بتقرير سنته الإلهية، التي نشاهدها في واقع الناس- وهي: أن شبيه الشيء منجذب إليه، وأن الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف. وما تناكر منها اختلف» . - كما جاء في الحديث الشريف- فقال- تعالى-: «الخبيثات للخبيثين» أى: الخبيثات من النساء، مختصات بالخبيثين من الرجال «والخبيثون» من الرجال مختصون «بالخبيثات» من النساء، «والطيبات» منهن «للطيبين» منهم. «والطيبون» - أيضا- منهم «للطيبات» منهن. وهكذا يألف الشكل شكله، والطيور على أشكالها تقع، وإذا كان النبي ﷺ هو أطيب الطيبين، فلا يمكن أن تكون زوجاته ﷺ وعلى رأسهن عائشة، إلا من أطيب الطيبات من النساء، وأطهر الطاهرات منهن. ثم جاءت شهادة الله- تعالى- وهي تغنى عن كل شهادة- بما يثبت براءة عائشة-

стр. 4337

رضى الله عنها- من كل ما افتراه عليها المفترون، جاء قوله- سبحانه- أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ. أى: أولئك، الطيبون والطيبات، وعلى رأسهم رسول الله ﷺ وأهل بيته. وعلى رأس أهل بيته عائشة- رضى الله عنها- مبرءون مما يقولون أى: مما يقوله الخبيثون والخبيثات في شأنهم. وأولئك الطيبون والطيبات «لهم مغفرة» عظيمة من الله- تعالى- ولهم «رزق كريم» هو جنة عرضها السموات والأرض، جزاء إيمانهم وعملهم الصالح وصبرهم على الأذى. هذا هو حديث القرآن عن حديث الإفك، الذي أشاعه الفاسقون عن السيدة عائشة- رضى الله عنها- وكان مقصدهم الأكبر من وراء ذلك هو الطعن في نبوة الرسول ﷺ . ولكن الله- تعالى- رد عليهم بما يكبتهم ويخرس ألسنتهم. هذا، ويؤخذ من هذه الآيات الكريمة جملة من الأحكام والآداب من أهمها ما يأتى: ١- غيرة الله- تعالى- على حرمة نبيه ﷺ ودفاعه- سبحانه- عن أوليائه، ورده لكيد المنافقين في نحورهم. قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات: «هذه الآيات نزلت في شأن عائشة أم المؤمنين- رضى الله عنها- حين رماها أهل الإفك والبهتان من المنافقين. بما قالوه من الكذب البحت والفرية التي غار الله- تعالى- لها ولنبيه- صلوات الله وسلامه عليه- فأنزل الله- سبحانه- براءتها، صيانة لعرض الرسول ﷺ » «١» . ٢- تسلية الله- تعالى- لعباده المؤمنين، عما أصابهم من هم وغم بسبب هذا الحديث المفترى على الصديقة بنت الصديق- رضى الله عنهما-، وقد ظل هذا الحديث يتردد في جنبات المدينة، حتى نزلت هذه الآيات الكريمة، لإحقاق الحق وإبطال الباطل. ومن مظاهر هذه التسلية قوله- تعالى- لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ.. قال صاحب الكشاف: ومعنى كونه خيرا لهم أنهم اكتسبوا فيه الثواب العظيم، لأنه كان بلاء.. ومحنة ظاهرة. وأنه نزلت فيه ثماني عشرة آية، كل واحدة منها مستقلة، بما هو تعظيم لشأن رسول الله ﷺ وتسلية له. وتنزيه لأم المؤمنين- رضوان الله عليها- وتطهير لأهل البيت. وتهويل لمن تكلم في ذلك، أو سمع به فلم تمجه أذناه، وعدة ألطاف للسامعين والتالين إلى يوم القيامة. وفوائد دينية وأحكام وآداب لا تخفى على متأمليها» «٢» .

стр. 4338

٣- إرشاد المؤمنين إلى أن من أنجع الوسائل لمحاربة الإشاعات الكاذبة، أن يحسن بعضهم الظن ببعض، وأن يكتموا هذه الإشاعات حتى تموت في مهدها، وأن يزجروا من يتفوه بها. أو من يعمل على ترويجها. وأن يظهروا له احتقارهم، ونفورهم من مجرد سماعها. وهذا الإرشاد الحكيم، نراه في آيات متعددة من هذه القصة، ومن ذلك قوله- تعالى-: لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً، وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ. وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا. سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ. ٤- بيان جانب من مظاهر فضل الله- تعالى- ورحمته بعباده المؤمنين، الذين سبقتهم ألسنتهم بالخوض في حديث الإفك، أو في سماعه.. ثم تابوا بعد ذلك مما وقعوا فيه. ويتجلى هذا الفضل العظيم، في قوله- تعالى-: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ. وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ. وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً، وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ، وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. ٥- تحذير المؤمنين تحذيرا شديدا، عن مغبة الوقوع مرة أخرى. فيما وقع فيه بعضهم من الخوض في حديث الإفك، وفيما يشبهه من أحداث، وبيان أن ما حدث من بعضهم يتنافى مع ما يقتضيه الإيمان، ومع آداب الإسلام. ومن الآيات التي وردت في هذا التحذير قوله- تعالى-: يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. ٦- تهديد الذين افتروا حديث الإفك بخبث وبسوء نية، وبإصرار على نشر قالة السوء في صفوف المؤمنين.. تهديدهم بأشد ألوان العذاب في الدنيا والآخرة، ووصفهم بأقبح الصفات التي تدعو إلى نبذهم والبعد عنهم. ومن الآيات التي وردت في ذلك قوله- تعالى-: لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ، فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ. وقوله- سبحانه-: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ. وقوله- : إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ. قال صاحب الكشاف- ﵀ عند تفسيره لهذه الآيات ما ملخصه: «ولو فليت

стр. 4339

القرآن كله وفتشت عما أوعد به العصاة، لم تر الله- تعالى- قد غلظ في شيء تغليظه في الإفك على عائشة- رضوان الله عليها. وأنزل- سبحانه- من الآيات القوارع، المشحونة بالوعيد الشديد. ما أنزل في حديث الإفك، ولو لم ينزل الله إلا هذه الثلاث- يعنى قوله- تعالى-: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ.. إلى قوله- سبحانه- وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ لكفى بها. حيث جعل القذفة ملعونين في الدارين جميعا، وبأن جوارحهم تشهد عليهم بما أفكوا وبهتوا.. فأوجز- سبحانه- في ذلك وأشبع، وفصل وأجمل، وأكد وكرر ... وما ذلك إلا لإظهار علو منزلة رسوله ﷺ ونفى التهمة عن حرمته..» «١» . ٧- توجيه المؤمنين الصادقين إلى العفو والصفح، عمن شارك في حديث الإفك بالقول، أو بالسماع، أو بالرضا به، ما دام هؤلاء المشاركون قد تابوا وندموا على ما وقع منهم، ندما يدل على حسن توبتهم، كأن يعترفوا بخطئهم أو يعتذروا عما فرط منهم. ويشهد لهذا التوجيه قوله- تعالى- في شأن أبى بكر الصديق، بعد أن أقسم أن لا ينفق على مسطح- وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا، أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. ٨- تكريم السيدة عائشة- رضى الله عنها- تكريما يظل ملازما لها إلى أن يرث الله- تعالى- الأرض ومن عليها. فقد برأها- سبحانه- مما افتراه عليها المفترون، وشهد بحصانتها وغفلتها عن السوء، وقوة إيمانها، وطيب عنصرها، وأنزل في شأنها قرآنا يتلى إلى يوم القيامة، ويكفيها فخرا قوله- تعالى-: أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ. لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ. وقد ساق بعض العلماء كثيرا من الأحاديث التي تدل على فضلها وعلى حب النبي ﷺ لها، فقال ما ملخصه: «وفي الجملة فإن أهل السنة مجمعون على تعظيم عائشة. وعلى محبة النبي ﷺ لها، ففي الصحيح عن عمرو بن العاص قال: قلت يا رسول الله. أى النساء أحب إليك؟ قال: «عائشة» . وثبت في الصحيح- أيضا- أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة لما يعلمون من محبته ﷺ إياها.. وكان في مرضه الذي مات فيه يقول: أين أنا اليوم؟ استبطاء ليوم

стр. 4340

عائشة. ثم استأذن نساءه- رضى الله عنهن- أن يمرّض في بيتها، وفيه توفى في حجرها» «١» . هذه بعض الأحكام والآداب التي تؤخذ من هذه الآيات، ومن أراد المزيد فليرجع إلى أمهات كتب التفسير، ففيها ما يشبع وينفع. وبعد أن بين- سبحانه- قبح جريمة الزنا، وشناعة جريمة القذف، وعقوبة كل من يقع في هاتين الجريمتين، أتبع ذلك ببيان الآداب التي تحمل المتمسك بها على التحلي بالفضيلة والنقاء والطهر ... وبدأ- سبحانه- بآداب الاستئذان فقال- تعالى-: [سورة النور (٢٤) : الآيات ٢٧ الى ٢٩] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (٢٩) ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات، أن امرأة من الأنصار جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إنى أكون في بيتي على حال لا أحب أن يراني عليها أحد، لا والد ولا ولد، فيأتى الأب فيدخل على وإنه لا يزال يدخل على رجل من أهلى وأنا على تلك الحال، فكيف أصنع؟ فنزل قوله- تعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا. فقال أبو بكر- رضى الله عنه- يا رسول الله، أفرأيت الخانات والمساكن في طرق

стр. 4341

الشام، ليس فيها ساكن، فأنزل الله- تعالى-: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ «١» . والمراد بالبيوت في قوله- تعالى-: لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً.. البيوت المسكونة من أصحابها، بدليل قوله- سبحانه- بعد ذلك، لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ. وقوله- تعالى-: تَسْتَأْنِسُوا، من الاستئناس بمعنى الاستعلام والاستكشاف، فهو من آنس الشيء إذا أبصره ظاهرا مكشوفا، ومنه قوله- تعالى- فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً، قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً.. «٢» أى: قال لأهله إنى رأيت نارا. ويصح أن يكون من الاستئناس الذي هو ضد الاستيحاش، لأن الذي يقرع باب غيره لا يدرى أيؤذن له أم لا، فهو كالمستوحش من خفاء الحال عليه، فإذا أذن له أهل البيت في الدخول، زالت وحشته، ودخل وهو مرتاح النفس. وعلى هذا المعنى يكون الكلام من باب المجاز، حيث أطلق اللازم وهو الاستئناس، وأريد الملزوم وهو الإذن في الدخول. والمعنى: يا من آمنتم بالله- تعالى- حق الإيمان، لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم التي تسكنونها، والتي هي مسكونة لسواكم «حتى تستأنسوا» ، أى: حتى تعلموا أن صاحب البيت قد أذن لكم، ورضيت نفسه بدخولكم «وتسلموا على أهلها» أى: وتسلموا السلام الشرعي على أهل هذه البيوت الساكنين فيها. وعبر- سبحانه- عن الاستئذان في الدخول بالاستئناس، لأنه يوحى بأن القادم قد استأنس بمن يريد الدخول عليهم وهم قد أنسوا به، واستعدوا لاستقباله، فهو يدخل عليهم بعد ذلك وهم متهيئون لحسن لقائه. فإذا ما صاحب كل ذلك التسليم عليهم. كان حسن اللقاء أتم وأكمل. وقوله ذلِكُمْ: أى الاستئناس والتسليم قبل الدخول خَيْرٌ لَكُمْ من الدخول بدون استئناس أو استئذان أو تسليم. وقوله: لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ متعلق بمحذوف، ولعل هنا للتعليل. أى: أرشدناكم إلى هذا الأدب السامي، وبيناه لكم، كي تعملوا به، وتكونوا دائما متذكرين له، وتتركوا اقتحام

стр. 4342

بيوت غيركم بدون استئذان منهم. ثم بين- سبحانه- حالة أخرى توجب عليهم الاستئذان، فقال: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ ... أى: فإن لم تجدوا في هذه البيوت أحدا، بأن كانت خالية من سكانها لظرف من الظروف، فلا يصح لكم- أيضا- أن تدخلوها، حتى يؤذن لكم في دخولها ممن يملك الإذن بذلك. قال صاحب الكشاف: «وذلك أن الاستئذان لم يشرع لئلا يطلع الدامر- أى الداخل بغير إذن- على عورة، ولا تسبق عينه إلى ما لا يحل النظر إليه فقط، وإنما شرع لئلا يوقف على الأحوال التي يطويها الناس في العادة عن غيرهم، ويتحفظون من اطلاع أحد عليها، ولأنه تصرف في ملك غيرك، فلا بد من أن يكون برضاه. وإلا أشبه الغصب والتغلب» «١» . فالآية الأولى لبيان حكم دخول البيوت المسكونة بأهلها، وهذه لبيان حكم دخول البيوت الخالية من سكانها. وقوله- تعالى-: وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ بيان لما يجب عليهم في حالة عدم الإذن لهم بالدخول. أى: وإن قيل لكم من جهة أهل البيت ارجعوا ولا تدخلوا، فارجعوا ولا تلحوا في طلب الدخول، فإن هذا الرجوع هو أطهر لأخلاقكم، وأبقى لمرءوتكم. من الإلحاح في الاستئذان، ومن الوقوف على أبواب أصحابها قد تكون أحوالهم لا تسمح لكم بالدخول عليهم. وقوله- سبحانه-: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ تذييل قصد به التحذير من مخالفة ما أمر الله- تعالى- به، وما نهى- سبحانه- عنه. أى: والله- تعالى- لا تخفى عليه خافية من أعمالكم، فأصلحوها، والتزموا باتباع ما أمركم به، وما نهاكم عنه، فإنه- سبحانه- سيجازيكم عليها بما تستحقون من ثواب أو عقاب. فالمقصود من هذا الإخبار: إفادة لازمه وهو المجازاة على هذه الأعمال. وقوله- سبحانه-: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ بمنزلة الاستثناء من الأحكام التي اشتملت عليها الآيتان السابقتان. فقد ذكر المفسرون أنه لما نزلت آية الاستئذان، قال بعض الصحابة يا رسول الله. كيف

стр. 4343

بالبيوت التي بين مكة والمدينة والشام وبيت المقدس، وهي على ظهر الطريق، وليس فيها ساكن من أربابها، فنزلت هذه الآية. والمراد بالمتاع: التمتع والانتفاع بها. أى: ليس عليكم- أيها المؤمنون- حرج أو إثم في أن تدخلوا بغير استئذان بيوتا غير معدة لسكنى طائفة معينة من الناس، بل هي معدة لينتفع بها من يحتاج إليها من دون أن يتخذها مسكنا له، كالرباطات، والفنادق، والحوانيت، والحمامات، وغير ذلك من الأماكن المعدة للراحة المؤقتة لا للسكن والإقامة. وقوله: فِيها مَتاعٌ لَكُمْ أى: فيها حق تمتع وانتفاع لكم، كالوقاية من الحر والبرد. وكتبادل المنافع فيما بينكم بالبيع أو الشراء، وغير ذلك مما يتناسب مع وظيفة هذه البيوت غير المسكونة. وقوله- سبحانه-: وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ وعيد وتحذير آخر لأولئك الذين يدخلون البيوت ولا يرعون حرمتها، بل يبيحون لعيونهم ولجوارحهم، ما لم تبحه آداب الإسلام، وتعاليمه، كالتطلع إلى العورات. وما يشبه ذلك من المقاصد السيئة. أى: والله- تعالى- وحده يعلم ما تظهرونه وما تخفونه من أقوال وأعمال، وسيحاسبكم عليها، فاحذروا أن تسلكوا مسلكا لا يرضى خالقكم عنكم. هذا، ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى: ١- أن على كل إنسان- سواء أكان رجلا أم امرأة- أن يستأذن ويسلم قبل الدخول على غيره في بيته، لأن الله- تعالى- يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ... فهذا نهى صريح عن الدخول بدون استئذان. إلا أن جمهور الفقهاء يرون أن الطلب في الاستئناس على سبيل الوجوب وفي السلام على سبيل الندب، كما هو حكم السلام في غير هذا الموطن. ٢- يرى بعض العلماء أن القادم يبدأ بالاستئذان قبل السلام، كما جاء في الآية الكريمة، ويرى كثير منهم تقديم السلام على الاستئذان، لأن الواو لا تستلزم الترتيب، ولأن هناك أحاديث متعددة، تفيد أن السلام مقدم على الاستئذان، ومنها ما أخرجه الترمذي عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: «السلام قبل الكلام» «١» .

стр. 4344

وبعض العلماء فصل في هذه المسألة فقال: إن كان القادم يرى أحدا من أهل البيت، سلم أولا ثم استأذن في الدخول، وإن كان لا يرى أحدا منهم قدم الاستئذان على السلام. وهذا الرأى وجاهته ظاهرة، لأن فيه جمعا بين الأدلة. ٣- لا صحة لما ذكره بعضهم من أن أصل الآية «حتى تستأذنوا» ، وأن الكاتبين أخطئوا في كتابتهم فكتبوا «حتى تستأنسوا» ، وذلك لأن جميع الصحابة أجمعوا على كتابة «حتى تستأنسوا» في جميع نسخ المصحف العثماني، وعلى تلاوة الآية بلفظ «تستأنسوا» ومضى على ذلك إجماع المسلمين في كل مكان، سواء في كتابتهم للمصحف أم في قراءتهم له. قال القرطبي: إن مصاحف الإسلام كلها، قد ثبت فيها «حتى تستأنسوا» وصح الإجماع فيها من لدن عثمان، فهي لا تجوز مخالفتها. وإطلاق الخطأ والوهم على الكاتب في لفظ أجمع الصحابة عليه قول لا يصح.. وقد قال الله- تعالى- لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ «١» وقال- سبحانه- إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ «٢» . سورة الحجر الآية ٩. ٤- ظاهر قوله- تعالى-: حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا.. أن الاستئذان غير مقيد بعدد، إلا أن السنة الصحيحة قد بينت أن الاستئذان يكون ثلاث مرات فإن لم يؤذن له بعدها انصرف. ومن الأحاديث التي وردت في هذا المعنى ما رواه البخاري عن أبى سعيد الخدري قال: كنت في مجلس من مجالس الأنصار، إذ جاء أبو موسى- كأنه مذعور- فقال: استأذنت على عمر ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت فقال: ما منعك- أى من الدخول-؟ قلت: استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي. وقال رسول الله ﷺ : «إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع. فقال لي: لتأتين بالبينة. فهل منكم أحد سمع النبي ﷺ يقول ذلك؟ فقام معه أبى بن كعب، فأخبر عمر أن النبي ﷺ قال ذلك. قال بعض العلماء: «والراجح أن الواجب إنما هو الاستئذان مرة. فأما كمال العدد ثلاثا فهو حق المستأذن إن شاء أكمله، وإن شاء اقتصر على مرة أو مرتين. فقد ثبت أن عمر بن الخطاب استأذن على النبي ﷺ مرتين، فلم يؤذن له فرجع، فتبعه غلام فقال له: ادخل فقد أذن لك النبي ﷺ «٣» . ٥- ظاهر قوله- تعالى- لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا يفيد أنهم

стр. 4345

ليس عليهم استئذان في دخول بيوتهم. إلا أن هذا الظاهر يصح حمله على الزوجة. لأنه يجوز بين الزوج وزوجته من الأحوال ما لا يجوز لأحد غيرهما، ومع ذلك فإنه ينبغي أن يشعر الرجل زوجته بقدومه، حتى لا يفاجئها بما تكره له أن يطلع عليه. ورحم الله الإمام ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهذه الآيات: وهذا- أى عدم الاستئذان على الزوجة- محمول على عدم الوجوب، وإلا فالأولى أن يعلمها بدخوله ولا يفاجئها به، لاحتمال أن تكون على هيئة لا تحب أن يراها عليها.. ولهذا جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ إنه نهى أن يطرق الرجل أهله طروقا «١» . وأما بالنسبة لغير زوجته، كأمه، وأخواته، وبنيه وبناته البالغين، فإنه يلزمه أن يستأذن عليهم، لأنه إن دخل عليهم بدون استئذان، فقد تقع عينه على ما لا يصح الاطلاع عليه. ومن الأحاديث التي وردت في هذا المعنى. ما أخرجه مالك في الموطأ عن عطاء بن يسار، أن رجلا قال للنبي ﷺ : أأستأذن على أمى؟ قال: «نعم قال: ليس لها خادم غيرى، أأستأذن عليها كلما دخلت؟ قال ﷺ أتحب أن تراها عريانة؟ قال: لا.. قال: فاستأذن عليها» «٢» . وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن نافع: كان ابن عمر إذا بلغ بعض ولده الحلم، لم يدخل عليه إلا بإذن. ٦- وردت أحاديث متعددة في كيفية الاستئذان، وفي التحذير من التطلع إلى بيوت الغير بدون إذن. فمن آداب الاستئذان أن لا يقف المستأذن أمام الباب بوجهه. ولكنه يجعل الباب عن يمينه أو عن يساره، ومن الأحاديث التي وردت في ذلك ما أخرجه أبو داود عن عبد الله بن بشر قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتى باب قوم، لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر، ويقول: السلام عليكم. كذلك من آداب الاستئذان أن لا يقول المستأذن «أنا» في الرد على رب المنزل، وإنما يذكر اسمه، ففي صحيح البخاري عن جابر قال: أتيت النبي ﷺ في دين كان على أبى، فدققت الباب، فقال: من ذا؟ قلت: أنا. فقال: أنا، أنا، كأنه كرهها» «٣» . ولعل السر في النهى عن الرد بلفظ «أنا» أن هذا اللفظ يعبر به كل واحد عن نفسه، فلا تحصل به معرفة شخصية المستأذن، والمقصود بالاستئذان الإفصاح لا الإبهام.
следующие страницы →