← Тафсир

Тафсир · id 23590

التفسير الوسيط لطنطاوي

محمد سيد طنطاوي

Полный текст (6 701 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.

стр. 4341

الشام، ليس فيها ساكن، فأنزل الله- تعالى-: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ «١» . والمراد بالبيوت في قوله- تعالى-: لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً.. البيوت المسكونة من أصحابها، بدليل قوله- سبحانه- بعد ذلك، لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ. وقوله- تعالى-: تَسْتَأْنِسُوا، من الاستئناس بمعنى الاستعلام والاستكشاف، فهو من آنس الشيء إذا أبصره ظاهرا مكشوفا، ومنه قوله- تعالى- فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً، قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً.. «٢» أى: قال لأهله إنى رأيت نارا. ويصح أن يكون من الاستئناس الذي هو ضد الاستيحاش، لأن الذي يقرع باب غيره لا يدرى أيؤذن له أم لا، فهو كالمستوحش من خفاء الحال عليه، فإذا أذن له أهل البيت في الدخول، زالت وحشته، ودخل وهو مرتاح النفس. وعلى هذا المعنى يكون الكلام من باب المجاز، حيث أطلق اللازم وهو الاستئناس، وأريد الملزوم وهو الإذن في الدخول. والمعنى: يا من آمنتم بالله- تعالى- حق الإيمان، لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم التي تسكنونها، والتي هي مسكونة لسواكم «حتى تستأنسوا» ، أى: حتى تعلموا أن صاحب البيت قد أذن لكم، ورضيت نفسه بدخولكم «وتسلموا على أهلها» أى: وتسلموا السلام الشرعي على أهل هذه البيوت الساكنين فيها. وعبر- سبحانه- عن الاستئذان في الدخول بالاستئناس، لأنه يوحى بأن القادم قد استأنس بمن يريد الدخول عليهم وهم قد أنسوا به، واستعدوا لاستقباله، فهو يدخل عليهم بعد ذلك وهم متهيئون لحسن لقائه. فإذا ما صاحب كل ذلك التسليم عليهم. كان حسن اللقاء أتم وأكمل. وقوله ذلِكُمْ: أى الاستئناس والتسليم قبل الدخول خَيْرٌ لَكُمْ من الدخول بدون استئناس أو استئذان أو تسليم. وقوله: لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ متعلق بمحذوف، ولعل هنا للتعليل. أى: أرشدناكم إلى هذا الأدب السامي، وبيناه لكم، كي تعملوا به، وتكونوا دائما متذكرين له، وتتركوا اقتحام

стр. 4342

بيوت غيركم بدون استئذان منهم. ثم بين- سبحانه- حالة أخرى توجب عليهم الاستئذان، فقال: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ ... أى: فإن لم تجدوا في هذه البيوت أحدا، بأن كانت خالية من سكانها لظرف من الظروف، فلا يصح لكم- أيضا- أن تدخلوها، حتى يؤذن لكم في دخولها ممن يملك الإذن بذلك. قال صاحب الكشاف: «وذلك أن الاستئذان لم يشرع لئلا يطلع الدامر- أى الداخل بغير إذن- على عورة، ولا تسبق عينه إلى ما لا يحل النظر إليه فقط، وإنما شرع لئلا يوقف على الأحوال التي يطويها الناس في العادة عن غيرهم، ويتحفظون من اطلاع أحد عليها، ولأنه تصرف في ملك غيرك، فلا بد من أن يكون برضاه. وإلا أشبه الغصب والتغلب» «١» . فالآية الأولى لبيان حكم دخول البيوت المسكونة بأهلها، وهذه لبيان حكم دخول البيوت الخالية من سكانها. وقوله- تعالى-: وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ بيان لما يجب عليهم في حالة عدم الإذن لهم بالدخول. أى: وإن قيل لكم من جهة أهل البيت ارجعوا ولا تدخلوا، فارجعوا ولا تلحوا في طلب الدخول، فإن هذا الرجوع هو أطهر لأخلاقكم، وأبقى لمرءوتكم. من الإلحاح في الاستئذان، ومن الوقوف على أبواب أصحابها قد تكون أحوالهم لا تسمح لكم بالدخول عليهم. وقوله- سبحانه-: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ تذييل قصد به التحذير من مخالفة ما أمر الله- تعالى- به، وما نهى- سبحانه- عنه. أى: والله- تعالى- لا تخفى عليه خافية من أعمالكم، فأصلحوها، والتزموا باتباع ما أمركم به، وما نهاكم عنه، فإنه- سبحانه- سيجازيكم عليها بما تستحقون من ثواب أو عقاب. فالمقصود من هذا الإخبار: إفادة لازمه وهو المجازاة على هذه الأعمال. وقوله- سبحانه-: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ بمنزلة الاستثناء من الأحكام التي اشتملت عليها الآيتان السابقتان. فقد ذكر المفسرون أنه لما نزلت آية الاستئذان، قال بعض الصحابة يا رسول الله. كيف

стр. 4343

بالبيوت التي بين مكة والمدينة والشام وبيت المقدس، وهي على ظهر الطريق، وليس فيها ساكن من أربابها، فنزلت هذه الآية. والمراد بالمتاع: التمتع والانتفاع بها. أى: ليس عليكم- أيها المؤمنون- حرج أو إثم في أن تدخلوا بغير استئذان بيوتا غير معدة لسكنى طائفة معينة من الناس، بل هي معدة لينتفع بها من يحتاج إليها من دون أن يتخذها مسكنا له، كالرباطات، والفنادق، والحوانيت، والحمامات، وغير ذلك من الأماكن المعدة للراحة المؤقتة لا للسكن والإقامة. وقوله: فِيها مَتاعٌ لَكُمْ أى: فيها حق تمتع وانتفاع لكم، كالوقاية من الحر والبرد. وكتبادل المنافع فيما بينكم بالبيع أو الشراء، وغير ذلك مما يتناسب مع وظيفة هذه البيوت غير المسكونة. وقوله- سبحانه-: وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ وعيد وتحذير آخر لأولئك الذين يدخلون البيوت ولا يرعون حرمتها، بل يبيحون لعيونهم ولجوارحهم، ما لم تبحه آداب الإسلام، وتعاليمه، كالتطلع إلى العورات. وما يشبه ذلك من المقاصد السيئة. أى: والله- تعالى- وحده يعلم ما تظهرونه وما تخفونه من أقوال وأعمال، وسيحاسبكم عليها، فاحذروا أن تسلكوا مسلكا لا يرضى خالقكم عنكم. هذا، ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى: ١- أن على كل إنسان- سواء أكان رجلا أم امرأة- أن يستأذن ويسلم قبل الدخول على غيره في بيته، لأن الله- تعالى- يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ... فهذا نهى صريح عن الدخول بدون استئذان. إلا أن جمهور الفقهاء يرون أن الطلب في الاستئناس على سبيل الوجوب وفي السلام على سبيل الندب، كما هو حكم السلام في غير هذا الموطن. ٢- يرى بعض العلماء أن القادم يبدأ بالاستئذان قبل السلام، كما جاء في الآية الكريمة، ويرى كثير منهم تقديم السلام على الاستئذان، لأن الواو لا تستلزم الترتيب، ولأن هناك أحاديث متعددة، تفيد أن السلام مقدم على الاستئذان، ومنها ما أخرجه الترمذي عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: «السلام قبل الكلام» «١» .

стр. 4344

وبعض العلماء فصل في هذه المسألة فقال: إن كان القادم يرى أحدا من أهل البيت، سلم أولا ثم استأذن في الدخول، وإن كان لا يرى أحدا منهم قدم الاستئذان على السلام. وهذا الرأى وجاهته ظاهرة، لأن فيه جمعا بين الأدلة. ٣- لا صحة لما ذكره بعضهم من أن أصل الآية «حتى تستأذنوا» ، وأن الكاتبين أخطئوا في كتابتهم فكتبوا «حتى تستأنسوا» ، وذلك لأن جميع الصحابة أجمعوا على كتابة «حتى تستأنسوا» في جميع نسخ المصحف العثماني، وعلى تلاوة الآية بلفظ «تستأنسوا» ومضى على ذلك إجماع المسلمين في كل مكان، سواء في كتابتهم للمصحف أم في قراءتهم له. قال القرطبي: إن مصاحف الإسلام كلها، قد ثبت فيها «حتى تستأنسوا» وصح الإجماع فيها من لدن عثمان، فهي لا تجوز مخالفتها. وإطلاق الخطأ والوهم على الكاتب في لفظ أجمع الصحابة عليه قول لا يصح.. وقد قال الله- تعالى- لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ «١» وقال- سبحانه- إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ «٢» . سورة الحجر الآية ٩. ٤- ظاهر قوله- تعالى-: حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا.. أن الاستئذان غير مقيد بعدد، إلا أن السنة الصحيحة قد بينت أن الاستئذان يكون ثلاث مرات فإن لم يؤذن له بعدها انصرف. ومن الأحاديث التي وردت في هذا المعنى ما رواه البخاري عن أبى سعيد الخدري قال: كنت في مجلس من مجالس الأنصار، إذ جاء أبو موسى- كأنه مذعور- فقال: استأذنت على عمر ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت فقال: ما منعك- أى من الدخول-؟ قلت: استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي. وقال رسول الله ﷺ : «إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع. فقال لي: لتأتين بالبينة. فهل منكم أحد سمع النبي ﷺ يقول ذلك؟ فقام معه أبى بن كعب، فأخبر عمر أن النبي ﷺ قال ذلك. قال بعض العلماء: «والراجح أن الواجب إنما هو الاستئذان مرة. فأما كمال العدد ثلاثا فهو حق المستأذن إن شاء أكمله، وإن شاء اقتصر على مرة أو مرتين. فقد ثبت أن عمر بن الخطاب استأذن على النبي ﷺ مرتين، فلم يؤذن له فرجع، فتبعه غلام فقال له: ادخل فقد أذن لك النبي ﷺ «٣» . ٥- ظاهر قوله- تعالى- لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا يفيد أنهم

стр. 4345

ليس عليهم استئذان في دخول بيوتهم. إلا أن هذا الظاهر يصح حمله على الزوجة. لأنه يجوز بين الزوج وزوجته من الأحوال ما لا يجوز لأحد غيرهما، ومع ذلك فإنه ينبغي أن يشعر الرجل زوجته بقدومه، حتى لا يفاجئها بما تكره له أن يطلع عليه. ورحم الله الإمام ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهذه الآيات: وهذا- أى عدم الاستئذان على الزوجة- محمول على عدم الوجوب، وإلا فالأولى أن يعلمها بدخوله ولا يفاجئها به، لاحتمال أن تكون على هيئة لا تحب أن يراها عليها.. ولهذا جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ إنه نهى أن يطرق الرجل أهله طروقا «١» . وأما بالنسبة لغير زوجته، كأمه، وأخواته، وبنيه وبناته البالغين، فإنه يلزمه أن يستأذن عليهم، لأنه إن دخل عليهم بدون استئذان، فقد تقع عينه على ما لا يصح الاطلاع عليه. ومن الأحاديث التي وردت في هذا المعنى. ما أخرجه مالك في الموطأ عن عطاء بن يسار، أن رجلا قال للنبي ﷺ : أأستأذن على أمى؟ قال: «نعم قال: ليس لها خادم غيرى، أأستأذن عليها كلما دخلت؟ قال ﷺ أتحب أن تراها عريانة؟ قال: لا.. قال: فاستأذن عليها» «٢» . وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن نافع: كان ابن عمر إذا بلغ بعض ولده الحلم، لم يدخل عليه إلا بإذن. ٦- وردت أحاديث متعددة في كيفية الاستئذان، وفي التحذير من التطلع إلى بيوت الغير بدون إذن. فمن آداب الاستئذان أن لا يقف المستأذن أمام الباب بوجهه. ولكنه يجعل الباب عن يمينه أو عن يساره، ومن الأحاديث التي وردت في ذلك ما أخرجه أبو داود عن عبد الله بن بشر قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتى باب قوم، لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر، ويقول: السلام عليكم. كذلك من آداب الاستئذان أن لا يقول المستأذن «أنا» في الرد على رب المنزل، وإنما يذكر اسمه، ففي صحيح البخاري عن جابر قال: أتيت النبي ﷺ في دين كان على أبى، فدققت الباب، فقال: من ذا؟ قلت: أنا. فقال: أنا، أنا، كأنه كرهها» «٣» . ولعل السر في النهى عن الرد بلفظ «أنا» أن هذا اللفظ يعبر به كل واحد عن نفسه، فلا تحصل به معرفة شخصية المستأذن، والمقصود بالاستئذان الإفصاح لا الإبهام.

стр. 4346

أما التحذير من التطلع إلى بيوت الغير بدون إذن، فيكفى لذلك ما جاء في الصحيحين عن أبى هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذنك فحذفته- أى: - رميته- بحصاة، ففقأت عينه، ما كان عليك من جناح» . هذه بعض الأحكام والآداب التي تتعلق بالاستئذان، ومنها نرى كيف أدب الإسلام أتباعه بهذا الأدب العالي، الذي يؤدى التمسك به إلى غرس الفضائل ومكارم الأخلاق في نفوس الأفراد والجماعات. وبعد أن نهى- سبحانه- عن دخول البيوت بدون استئذان. أتبع ذلك بالأمر بغض البصر، وحفظ الفرج، وعدم إبداء الزينة إلا في الحدود المشروعة، فقال- تعالى-: [سورة النور (٢٤) : الآيات ٣٠ الى ٣١] قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ ما ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١) قال الآلوسى: قوله- تعالى-: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ.. شروع في

стр. 4347

بيان أحكام كلية شاملة للمؤمنين كافة، يندرج فيها حكم المستأذنين عند دخول البيوت اندراجا أوليا «١» . وقوله- تعالى-: يَغُضُّوا من الغض بمعنى الخفض. يقال: غض الرجل صوته إذا خفضه. وغض بصره إذا خفضه ومنعه من التطلع إلى ما لا يحل له النظر إليه. قال الشاعر: وأغض طرفي إن بدت لي جارتى ... حتى يوارى جارتى مأواها وهو جواب الأمر «قل» أى: قل- أيها الرسول الكريم- للمؤمنين بأن يغضوا من أبصارهم عما يحرم أو يكره النظر إليه وبأن يحفظوا فروجهم عما لا يحل لهم، فإن ذلك دليل على كمال الإيمان!، وعلى حسن المراقبة وشدة الخوف من الله- تعالى-. وجمع- سبحانه- بين غض البصر وحفظ الفرج، باعتبارهما كالسبب والنتيجة. إذ أن عدم غض البصر كثيرا ما يؤدى إلى الوقوع في الفواحش، ولذا قدم- سبحانه- الأمر بغض البصر، على الأمر بحفظ الفرج. وجاء التعبير بقوله- سبحانه- قُلْ للإشعار بأن المؤمنين الصادقين، من شأنهم إذا ما أمرهم الرسول ﷺ بأمر، فإنهم سرعان ما يمتثلون ويطيعون، لأنه ﷺ مبلغ عن الله- تعالى- الذي يجب الامتثال لأمره ونهيه. وخص- سبحانه- المؤمنين بهذا الأمر، لأنهم أولى الناس بالمخاطبة. وبالإرشاد إلى ما يرفع درجاتهم، ويعلى أقدارهم. قال صاحب الكشاف: و «من» للتبعيض.. فإن قلت: كيف دخلت في غض البصر، دون حفظ الفروج؟ قلت: للدلالة على أن أمر النظر أوسع ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن ... والأجنبية ينظر إلى وجهها وكفيها ... وأما أمر الفرج فمضيق «٢» . واسم الإشارة في قوله- تعالى-: ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ يعود إلى ما ذكر من الغض والحفظ. أى: ذلك الذي كلفناك بأمر المؤمنين به- أيها الرسول الكريم- أزكى لقلوبهم، وأطهر لنفوسهم، وأنفع لهم في دنياهم وآخرتهم. وقوله- سبحانه-: إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ تحذير من مخالفة أمره- سبحانه-. أى: مرهم- أيها الرسول الكريم- بالتزام ما أمرناهم به وما نهيناهم عنه، لأننا

стр. 4348

لا يخفى علينا شيء من تصرفاتهم، ولأننا أعلم بهم من أنفسهم، وسنحاسبهم على ما يصنعون في دنياهم، يوم القيامة. ثم أرشد- سبحانه- النساء إلى ما أرشد إليه الرجال فقال: وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ، وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ، وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها. أى: وقل- أيها الرسول الكريم- للمؤمنات- أيضا- بأن الواجب عليهن أن يكففن أبصارهن عن النظر إلى ما لا يحل لهن، وأن يحفظن فروجهن عن كل ما نهى الله- تعالى- عنه، ولا يظهرن شيئا مما يتزين به، إلا ما جرت العادة بإظهاره. كالخاتم في الإصبع، والكحل في العين ... وما يشبه ذلك من الأمور التي لا غنى للمرأة عن إظهارها. ومع أن النساء يدخلن في خطاب الرجال على سبيل التغليب، إلا أن الله- تعالى- خصهن بالخطاب هنا بعد الرجال، لتأكيد الأمر بغض البصر، وحفظ الفرج، ولبيان أنه كما لا يحل للرجل أن ينظر إلى المرأة- إلا في حدود ما شرعه الله- فإنه لا يحل للمرأة كذلك أن تنظر إلى الرجل، لأن علاقتها به، ومقصده منها كمقصدها منه، ونظرة أحدهما للآخر- على سبيل الفتنة وسوء القصد- يؤدى إلى ما لا تحمد عقباه. وقوله- تعالى-: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ بيان لكيفية إخفاء بعض مواضع الزينة بعد النهى عن إبدائها. والخمر- بضم الخاء والميم- جمع خمار. وهو ما تغطى به المرأة رأسها وعنقها وصدرها، والجيوب جمع جيب، وهو فتحة في أعلى الثياب يبدو منها بعض صدر المرأة وعنقها. والمراد به هنا: محله وهو أعلى الصدر، وأصله: من الجب بمعنى القطع. أى: وعلى النساء المؤمنات أن يسترن رءوسهن وأعناقهن وصدورهن بخمرهن، حتى لا يطلع أحد من الأجانب على شيء من ذلك. قالوا: وكان النساء في الجاهلية يسدلن خمرهن من خلف رءوسهن، فتنكشف نحورهن وأعناقهن وقلائدهن، فنهى الله- تعالى- المؤمنات عن ذلك. ولقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث، منها: ما رواه البخاري عن عائشة- رضى الله عنها- قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأول- لما أنزل الله- تعالى-: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ أخذن أزرهن فشققنها فاختمرن بها. وفي رواية أنها قالت: إن لنساء قريش لفضلا، وإنى- والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقا بكتاب الله، ولا إيمانا بالتنزيل، لما نزلت هذه الآية. انقلب إليهن

стр. 4349

رجالهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها، ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته، وعلى كل ذي قرابة، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها- وهو كساء من صوف- فاعتجرت به تصديقا وإيمانا بما أنزل الله من كتابه، فأصبحن وراء رسول الله ﷺ في صلاة الصبح معتجرات كأن رءوسهن الغربان» «١» . والمقصود بزبنتهن في قوله- تعالى-: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ الزينة الخفية وهي ما عدا الوجه والكفين، كشعر الرأس والذراعين والساقين. فقد نهى الله- تعالى- النساء المؤمنات عن إبداء مواضع الزينة الخفية لكل أحد، إلا من استثناهم- سبحانه- بعد ذلك، وهم اثنا عشر نوعا، بدأهم بالبعول وهم الأزواج لأنهم هم المقصودون بالزينة، ولأن كل بدن الزوجة حلال لزوجها. أى: وعلى النساء المؤمنات أن يلتزمن الاحتشام في مظهرهن، ولا يبدين مواضع زينتهن الخفية إلا «لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بنى إخوانهن أو بنى أخواتهن» فهؤلاء الأصناف السبعة الذين ذكرهم الله- تعالى- بعد الأزواج، كلهم من المحارم الذين لا يحل للمرأة الزواج بواحد منهم، وقد جرت العادة باحتياج النساء إلى مخالطتهم، كما جرت العادة بأن الفتنة مأمونة بالنسبة لهم، فمن طبيعة النفوس الكريمة أنها تأنف من التطلع إلى المحارم بالنسبة لها. ويلحق بهؤلاء المحارم الأعمام والأخوال والمحارم من الرضاع. والأصول وإن علوا، والفروع وإن سفلوا. وقوله- تعالى-: أَوْ نِسائِهِنَّ، أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ، أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ بيان لبقية الأفراد الذين يجوز للمرأة أن تبدى زينتها الخفية أمامهم. أى: ويجوز للنساء المؤمنات أن يبدين زينتهن- أيضا- أمام نسائهن المختصات بهن بالصحبة والخدمة، وأمام ما ملكت أيمانهن من الإماء لا من العبيد البالغين، وأمام الرجال التابعين لهن طلبا للإحسان والانتفاع، والذين في الوقت نفسه قد تقدمت بهم السن، ولا حاجة لهم في النساء، ولا يعرفون شيئا من أمورهن، ولا تحدثهم أنفسهم بفاحشة، ولا يصفونهن للأجانب. فقوله- سبحانه-: غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أى: غير ذوى الحاجة من الرجال في النساء يقال: أرب الرجل إلى الشيء يا رب أربا- من باب تعب إذا احتاج إليه.

стр. 4350

ويجوز لهن كذلك إظهار زينتهن أمام الأطفال الذين لم يظهروا على عورات النساء، أى: الذين لم يعرفوا ما العورة، ولم يستطيعوا بعد التمييز بينها وبين غيرها، ولم يبلغوا السن التي يشتهون فيها النساء. يقال: ظهر على الشيء إذا اطلع عليه وعرفه، ويقال: فلان ظهر على فلان إذا قوى عليه وغلبه. فهؤلاء اثنا عشر نوعا من الناس، ليس عليهم ولا على المرأة حرج، في أن يروا منها موضع الزينة الخفية، كالرأس والذراعين، والساقين، لانتفاء الفتنة التي من أجلها كان الستر والغطاء. فأما الزوج فله رؤية جميع جسدها. ثم نهى- سبحانه- النساء المؤمنات عن إبداء حركات تعلن عن زينتهن المستورة، بل عليهن أن يلتزمن من خلال خروجهن من بيوتهن الأدب والاحتشام والمشي الذي يصاحب الوقار والاتزان، فقال- تعالى-: وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ. أى: ولا يصح للنساء المؤمنات أن يضربن بأرجلهن في الأرض، ليسمعن غيرهن من الرجال أصوات حليهن الداخلية، بقصد التطلع إليهن، والميل نحوهن بالمحادثة أو ما يشبهها. فالمقصود من الجملة الكريمة نهى المرأة المسلمة، عن استعمال أى حركة أو فعل من شأنه إثارة الشهوة والفتنة كالمشية المتكلفة، والتعطر الملفت للنظر، وما إلى ذلك من ألوان التصنع الذي من شأنه تهييج الغرائز الجنسية. ثم ختم- سبحانه- تلك الآية الجامعة لأنواع من الأدب السامي، بدعوة المؤمنين إلى التوبة الصادقة. فقال- تعالى-: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. أى: وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون والمؤمنات، توبة صادقة نصوحا تجعلكم تخشونه- سبحانه- في السر والعلن، لكي تنالوا الفلاح والنجاح في دنياكم وأخراكم. قال القرطبي: «ليس في القرآن الكريم آية أكثر ضمائر من هذه الآية. جمعت خمسة وعشرين ضميرا للمؤمنات ما بين مرفوع ومجرور..» «١» . هذا، ومن الأحكام والآداب التي اشتملت عليها هاتان الآيتان ما يأتى: ١- وجوب غض البصر وحفظ الفرج، لأن الإسلام يهدف إلى مجتمع طاهر من الدنس،

стр. 4351

نظيف من الخنا، مجتمع لا تمنع فيه الشهوات الحلال وإنما تمنع منه الشهوات الحرام، مجتمع لا تختلس فيه العيون النظرات السيئة ولا تتطلع فيه الأبصار إلى ما لا يحل لها التطلع إليه، فالله- تعالى- يقول: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا «١» ويقول: يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ «٢» . وقد وردت أحاديث متعددة في الأمر بغض البصر، وحفظ الفرج، ومن ذلك ما أخرجه الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة، العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه. وروى الإمام مسلم في صحيحه عن جرير بن عبد الله قال: سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجأة- أى البغتة من غير قصد- فقال: «اصرف بصرك» «٣» . ٢- أنه لا يحل للمرأة أن تبدى زينتها لأجانب، إلا ما ظهر منها، لأن الله- تعالى- يقول: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها. قال الإمام القرطبي ما ملخصه: «أمر الله- تعالى- النساء بألا يبدين زينتهن للناظرين، إلا ما استثناه من الناظرين في باقى الآية، حذارا من الافتتان، ثم استثنى ما يظهر من الزينة، واختلف الناس في قدر ذلك. فقال ابن مسعود: ظاهر الزينة هو الثياب.. وقال سعيد بن جبير والأوزاعى: الوجه والكفان والثياب.. وقال ابن عباس وقتادة: ظاهر الزينة هو الكحل والسوار والخضاب.. ونحو هذا، فمباح أن تبديه لكل من ظهر عليها من الناس. وقال ابن عطية: ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية، بأن المرأة مأمورة بأن لا تبدى، وأن لا تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء فيما يظهر، بحكم ضرورة حركة فيما لا بد منه، أو إصلاح شأن ونحو ذلك، «فما ظهر» على هذا الوجه مما تؤدى إليه الضرورة في النساء فهو المعفو عنه. قلت: أى القرطبي-: وهذا قول حسن، إلا أنه لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورهما، عادة وعبادة، صح أن يكون الاستثناء راجعا إليهما.

стр. 4352

يدل على ذلك ما رواه أبو داود عن عائشة، أن أسماء بنت أبى بكر، دخلت على رسول الله ﷺ وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها وقال: «يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفيه» . وقال بعض علمائنا: «إن المرأة إذا كانت جميلة وخيف من وجهها وكفيها الفتنة فعليها ستر ذلك» «١» . هذا، وفي هذه المسألة كلام كثير للعلماء فارجع إليه إن شئت «٢» . وإلى هنا ترى السورة الكريمة قد نهت عن الزنا، ووضعت في طريقه السدود الوقائية والنفسية. حيث حرمت الاختلاط، وأمرت بالاستئذان، وبغض البصر، وبحفظ الفرج، وبعدم التبرج، وبالإكثار من التوبة إلى الله- تعالى-. ثم أتت بعد ذلك بالعلاج الإيجابى، الذي من شأنه أن يصرف الإنسان عن فاحشة الزنا المحرمة، لأنه سيجد فيما أحله الله- تعالى- ما يغنيه عنها، وذلك عن طريق الأمر بتيسير الزواج، والحض عليه. قال- تعالى-: [سورة النور (٢٤) : الآيات ٣٢ الى ٣٤] وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣) وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤)

стр. 4353

والخطاب في قوله- تعالى-: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ.. للأولياء والسادة، والأيامى: جمع أيم- بفتح الهمزة وتشديد الياء المكسورة.. وهو كل ذكر لا أنثى معه، وكل أنثى لا ذكر معها بكرا أو ثيبا. والمراد بالأيامى هنا الأحرار والحرائر. وقوله- تعالى- مِنْ عِبادِكُمْ جمع عبد وهو الرقيق، و «وإمائكم» جمع أمة. والمراد من الإنكاح هنا: المعاونة والمساعدة في الزواج، والعمل على إتمامه بدون عوائق لا تؤيدها شريعة الله- تعالى-. أى: زوّجوا- أيها الأولياء والسادة- من لا زوج له من الرجال المسلمين أو النساء المسلمات، ويسروا لهم هذا الأمر ولا تعسروه، لأن الزواج هو الطريق المشروع لقضاء الشهوة، ولحفظ النوع الإنسانى، ولصيانة الأنساب من الاختلاط، ولإيجاد مجتمع تفشو فيه الفضيلة، وتموت فيه الرذيلة. وزوجوا- أيضا الصالحين للزواج من عبيدكم وإمائكم فإن هذا الزواج أكرم لهم وأحفظ لعفتهم. قال صاحب الكشاف «فإن قلت لم خص الصالحين؟ قلت: ليحصن دينهم، ويحفظ عليهم صلاحهم، ولأن الصالحين من الأرقاء. هم الذين مواليهم يشفقون عليهم.. فكانوا مظنة للتوصية بشأنهم.. وأما المفسدون منهم فحالهم عند مواليهم على عكس ذلك» «١» . والأمر في قوله- تعالى-: وَأَنْكِحُوا يرى جمهور العلماء أنه للندب، بدليل أنه قد وجد أيامى في العهد النبوي ولم يجبروا على الزواج، ولو كان الأمر للوجوب، لأجبروا عليه.. ويرى بعضهم أنه للوجوب. قال الإمام ابن كثير: اشتملت هذه الآيات الكريمات على جمل من الأحكام المحكمة، والأوامر المبرمة، فقوله- تعالى-: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ هذا أمر بالتزويج، وقد ذهب طائفة من العلماء إلى وجوبه، على كل من قدر

стр. 4354

عليه، واحتجوا بظاهر قوله ﷺ : «يا معشر الشباب. من استطاع منكم الباءة» - أى القدرة على الزواج- فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحفظ للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» «١» - أى: وقاية-. ويبدو لنا أن الزواج يختلف حكمه باختلاف الأحوال، فمن كان- مثلا قادرا على الزواج، ويخشى إذا ترك الزواج أن يقع في الفاحشة: فإن الزواج بالنسبة له يكون واجبا عليه. بخلاف من أمن الوقوع في الفاحشة، فإن الزواج بالنسبة له يكون مندوبا أو مستحبا. ولذا قال الإمام القرطبي: «اختلف العلماء في هذا الأمر- أى في قوله- تعالى- وَأَنْكِحُوا- على ثلاثة أقوال: فقال علماؤنا يختلف الحكم في ذلك باختلاف حال المؤمن من خوف العنت، ومن عدم صبره.. فإذا خاف الهلاك في الدين أو الدنيا فالنكاح حتم. وإن لم يخش شيئا، وكانت الحال مطلقة، فالنكاح مباح. قال الشافعى: إنه قضاء لذة فكان مباحا كالأكل والشرب. وقال مالك وأبو حنيفة: هو مستحب «٢» . وقوله- سبحانه-: إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ حض لمن يملك عقد الزواج على أن لا يجعل الفقر حائلا دون إتمامه. لأن الأرزاق بيد الله- تعالى- وحده. أى: زوجوا- أيها الأولياء والسادة- من كان أهلا للزواج، وصالحا له وراغبا فيه، من رجالكم ونسائكم، ولا يمنعكم فقرهم من إتمامه، فإنهم إن يكونوا فقراء اليوم، فالله- تعالى- قادر على أن يغنيهم في الحال أو في المستقبل متى شاء ذلك، فإن قدرته- لا يعجزها شيء، وكم من أناس كانوا فقراء قبل الزواج، ثم صاروا أغنياء بعده، لأنهم قصدوا بزواجهم حفظ فروجهم، وتنفيذ ما أمرتهم به شريعة الإسلام. روى الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة حق على الله عونهم: الناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء، والغازي في سبيل الله» «٣» . فهذا عهد أخذه الله- تعالى- على ذاته- فضلا منه وكرما- ولن يخلف الله- عهده.

стр. 4355

وقوله- سبحانه-: وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ أى: والله- تعالى- واسع الغنى لا تنفد خزائنه، ولا ينتهى ما عنده من خير، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. ثم أرشد- سبحانه- الذين لا يجدون وسائل النكاح، إلى ما يعينهم على حفظ فروجهم، فقال: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ. والاستعفاف: طلب العفة، واختيار طريق الفضيلة التي من وسائلها ما أشار إليه- سبحانه- في قوله: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ. والمعنى: وعلى المؤمنين والمؤمنات «الذين لا يجدون نكاحا» أى: الذين لا يجدون الوسائل والأسباب التي توصلهم إلى الزواج بسبب ضيق ذات اليد، أو ما يشبه ذلك، عليهم أن يتحصنوا بالعفاف وأن يصونوا أنفسهم عن الفواحش، وأن يستمروا على ذلك حتى يرزقهم الله- تعالى- من فضله رزقا، يستعينون به على إتمام الزواج. فهذه الجملة الحكيمة وعد كريم من الله- تعالى- للتائقين إلى الزواج، العاجزين عن تكاليفه بأنه- سبحانه- سيرزقهم من فضله ما يعينهم على التمكن منه، متى اعتصموا بطاعته، وحافظوا على أداء ما أمرهم به. قال صاحب الكشاف: «وما أحسن ما رتب هذه الأوامر: حيث أمر- أولا- بما يعصم من الفتنة ويبعد عن مواقعة المعصية، وهو غض البصر. ثم بالنكاح الذي يحصن به الدين، ويقع به الاستغناء بالحلال عن الحرام، ثم بالحمل على النفس الأمارة بالسوء، وعزفها عن الطموح إلى الشهوة عند العجز عن النكاح إلى أن يرزق القدرة عليه» «١» . ثم حض- سبحانه- على إعانة الأرقاء لكي يتخلصوا من رقهم ويصيروا أحرارا. فقال: وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً، وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ. والمراد بالكتاب هنا: المكاتبة التي تكون بين السيد وعبده، بأن يقول السيد لعبده: إن أديت إلى كذا من المال فأنت حر لوجه الله، فإذا قبل العبد ذلك وأدى ما طلبه منه سيده، صار حرا. أى: والذين يطلبون المكاتبة من عبيدكم- أيها الأحرار.. فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا، أى: أمانة وقدرة على الكسب، وأعينوهم على التحرر من رقهم بأن تعطوهم شيئا من

стр. 4356

المال الذي آتاكم الله إياه، بفضله وإحسانه. وهكذا نرى الإسلام يأمر أتباعه الذين رزقهم الله نعمة الحرية، أن يعينوا مماليكهم على ما يمكنهم من الحصول على هذه النعمة. ومن العلماء من يرى أن الأمر في قوله- تعالى-: فَكاتِبُوهُمْ وفي قوله وَآتُوهُمْ للوجوب، لأنه هو الذي يتناسب مع حرص شريعة الإسلام على تحرير الأرقاء. ثم نهى- سبحانه- عن رذيلة كانت موجودة في المجتمع، لكي يطهره منها، فقال: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ- إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً- لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا. قال الآلوسى: أخرج مسلم وأبو داود عن جابر أن جارية لعبد الله بن أبى بن سلول يقال لها «مسيكة» وأخرى يقال لها «أميمة» كان يكرههما على الزنا، فشكتا ذلك إلى الرسول ﷺ فنزلت. وأخرج ابن مردويه عن على- رضى الله عنه- أنهم كانوا في الجاهلية يكرهون إماءهم على الزنا، ويأخذون أجورهن، فنهوا عن ذلك في الإسلام، ونزلت الآية.. «١» . والفتيات جمع فتاة والمراد بهن هنا الإماء، وعبر عنهن بقوله «فتياتكم» على سبيل التكريم لهن، ففي الحديث الشريف: «لا يقولن أحدكم عبدى وأمتى ولكن فتاي وفتأتي» . والبغاء- بكسر الباء- زنى المرأة خاصة، مصدر بغت المرأة تبغى بغاء إذا فجرت. والتحصن: التصون والتعفف عن الزنا. والمعنى: ولا تكرهوا- أيها الأحرار- فتياتكم اللائي تملكوهن على الزنا إن كرهنه وأردن العفاف والطهر، لكي تنالوا من وراء إكراههن على ذلك، بعض المال الذي يدفع لهن نظير افتراشهن. وقوله- تعالى- إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً ليس المقصود منه أنهن إن لم يردن التحصن يكرهن على ذلك، وإنما المراد منه بيان الواقع الذي نزلت من أجله الآية، وهو إكراههم لإمائهم على الزنا مع نفورهن منه. ولأن الإكراه لا يتصور عند رضاهن بالزنا واختيارهن له، وإنما يتصور عند كراهتهن له، وعدم رضاهن عنه، ولأن في هذا التعبير تعبيرا لهم، فكأنه- سبحانه- يقول لهم: كيف يقع منكم إكراههن على البغاء وهن إماء يردن العفة ويأبين الفاحشة؟ ألم يكن

стр. 4357

الأولى بكم والأليق بكرامتكم أن تعينوهن على العفاف والطهر، بدل أن تكرهوهن على ارتكاب الفاحشة من أجل عرض من أعراض الحياة الدنيا؟. وقوله- تعالى-: وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ بيان لمظهر من مظاهر فضل الله- تعالى- ورحمته- بعباده. أى: ومن يكره إماءه على البغاء فإن الله- تعالى- بفضله وكرمه من بعد إكراهكم لهن، غفور رحيم لهن، أما أنتم يا من أكرهتموهن على الزنا فالله وحده هو الذي يتولى حسابكم، وسيجازيكم بما تستحقون من عقاب. فمغفرة الله- تعالى- ورحمته إنما هي للمكرهات على الزنا، لا للمكرهين لهن على ذلك. قال بعض العلماء: قوله- تعالى-: فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ قيل: غفور لهن. وقيل: غفور لهم. وقيل: غفور لهن ولهم. والأظهر: أن المعنى لهن، لأن المكره لا يؤاخذ بما يكره عليه، بل يغفره الله له، لعذره بالإكراه. فالموعود بالمغفرة والرحمة، هو المعذور بالإكراه دون المكره- بكسر الراء- لأنه غير معذور بفعله القبيح «١» . ثم ختم- سبحانه- هذه التشريعات الحكيمة. والتوجيهات السديدة، بقوله- تعالى-: وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ، وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ. وقوله مُبَيِّناتٍ قرأها بعض القراء السبعة بفتح الياء المشددة، وقرأها الباقون بكسرها. فعلى قراءة الفتح يكون المعنى: وبالله لقد أنزلنا إليكم- أيها المؤمنون- في هذه السورة وغيرها آيات بيّنّا لكم معانيها، وجعلناها واضحة الدلالة على ما شرعناها لكم من أحكام وآداب وحدود. وعلى قراءة الكسر يكون المعنى: وبالله لقد أنزلنا إليكم آيات، هي مبينات موضحات لكل ما أنتم في حاجة إلى بيانه ومعرفته من آداب وتشريعات، فإسناد التبيين هنا إلى الآيات على سبيل المجاز. وقوله: وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ معطوف على «آيات» . والمراد بالمثل: الأخبار العجيبة التي ذكرها- سبحانه- عن السابقين. أى، أنزلنا إليكم آيات واضحات في ذاتها وموضحة لغيرها. وأنزلنا إليكم- أيضا-

стр. 4358

قصصا عجيبة، من أخبار السابقين الذين خلوا من قبلكم، لتهتدوا بها فيما يقع بينكم من أحداث. فمثلا: لا تتعجبوا من كون عائشة- رضى الله عنها- قد اتهمت بما هي منه بريئة. فقد اتّهمت من قبلها مريم بالفعل الفاضح الذي برأها الله تعالى منه، واتهم يوسف- ﵇: بما هو منه برىء، وألقى في السجن بضع سنين مع براءته. فيوسف ومريم وعائشة، قد برأهم الله- تعالى- مما رموا به، وكفى بشهادة الله شهادة. وقوله وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ أى: وجعلنا هذه الآيات التي أنزلنا إليكم موعظة يتعظ بها المتقون، الذين صانوا أنفسهم عن محارم الله، وراقبوه- سبحانه- في السر والعلن، فانتفعوا بها دون غيرهم من المفسدين والفاسقين. فأنت ترى أن الله- تعالى- قد وصف الآيات التي أنزلها على عباده المؤمنين بثلاث صفات. وصفها- أولا- بأنها بينة في ذاتها أو مبينة لغيرها، ووصفها- ثانيا- بأنها مشتملة على الأمثال العجيبة لأحوال السابقين، ووصفها- ثالثا- بأنها موعظة للمتقين الذين تستشعر قلوبهم دائما الخوف من الله- تعالى-. وما ذكره الله- تعالى- قبل هذه الآية من آداب وأحكام يتناسق مع التعقيب كل التناسق، ويتجاوب معه كل التجاوب. وكيف لا يكون كذلك، والقرآن هو كلام الله الذي أعجز كل البلغاء والفصحاء، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا. ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك، إلى الحديث عن جلال الله- تعالى- ونوره وعظمته وعن بيوته التي أذن لها أن ترفع، وعن الرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن طاعته وتقديسه، وعن الجزاء الحسن الذي أعده الله- سبحانه- لهؤلاء الأخيار، فقال:

стр. 4359

[سورة النور (٢٤) : الآيات ٣٥ الى ٣٨] اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥) فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (٣٦) رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٨) قال الإمام القرطبي ما ملخصه: «قوله- تعالى-: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ. النور في كلام العرب: الأضواء المدركة بالبصر. واستعمل مجازا فيما صح من المعاني ولاح. فيقال: كلام له نور.. وفلان نور البلد. فيجوز أن يقال: لله- تعالى- نور، من جهة المدح، لأنه أوجد جميع الأشياء، ونور جميع الأشياء منه ابتداؤها، وعنه صدورها، وهو- سبحانه- ليس من الأضواء المدركة، جل وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. واختلف العلماء في تأويل هذه الآية: فقيل: المعنى: به وبقدرته أنارت أضواؤها. واستقامت أمورها، وقامت مصنوعاتها، فالكلام على التقريب للذهن، كما يقال: الملك نور أهل البلد، أى: به قوام أمرها.. فهو- أى النور- في الملك مجاز. وهو في صفة الله- تعالى- حقيقة محضة. قال ابن عرفة: أى منور السموات والأرض. وقال مجاهد: مدبر الأمور في السموات والأرض.

стр. 4360

وقال ابن عباس: المعنى: الله هادي السموات والأرض. والأول أعم للمعاني وأصح مع التأويل «١» . ويبدو لنا أن أقرب الأقوال إلى الصواب هو الذي رجحه الإمام القرطبي فيكون معنى الجملة الكريمة: الله- تعالى- هو نور العالم كله علويه وسفليه، بمعنى منوره بالمخلوقات التكوينية، وبالآيات التنزيلية، وبالرسالات السماوية، الدالة دلالة واضحة على وجوده- سبحانه- وعلى وحدانيته، وقدرته، وسائر صفاته الكريمة، والهادية إلى الحق، وإلى ما به صلاح الناس في دنياهم وآخرتهم. قال ابن كثير: «وقد ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل يقول: «اللهم لك الحمد أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت نور السموات والأرض ومن فيهن» . وقال ﷺ في دعائه يوم آذاه المشركون من أهل الطائف: «أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحل بي غضبك، أو ينزل بي سخطك، لك العتبى- أى الرجوع عن الذنب- حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك» «٢» . وأضاف- سبحانه- نوره إلى السموات والأرض، للدلالة على سعة إشراق هذا النور، وعموم سنائه، وتمام بهائه في الكون كله. ثم قرب- نوره إلى الأذهان فقال: مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ ... أى: صفة نوره العجيبة الشأن في الإضاءة والسطوع، كصفة مشكاة- وهي الفتحة الصغيرة في الجدار دون أن تكون نافذة فيه- هذه المشكاة فيها مصباح، أى: سراج ضخم ثاقب تشع منه الأنوار. وقال- سبحانه-: مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ لأن وجود المصباح في هذه المشكاة يكون أجمع لنوره، وأحصر لضيائه، فيبدو قويا متألقا، بخلاف ما لو كان المصباح في مكان نافذ فإنه لا يكون كذلك. الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ أى: في قنديل من الزجاج الصافي النقي، الذي يقيه الريح، ويزيده توهجا وتألقا.

стр. 4361

هذه الزُّجاجَةُ في ذاتها كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ أى شديد الإنارة، نسبة إلى الدر في صفائه وسنائه وإشراقه وحسنه. يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ أى: هذا المصباح يستمد نوره من زيت شجرة مباركة أى: كثيرة المنافع، زيتونة أى: هي شجرة الزيتون. فحرف «من» لابتداء الغاية، والكلام، على حذف مضاف، أى: من زيت شجرة، مباركة: صفة لشجرة، وزيتونة: بدل أو عطف بيان من شجرة. ووصف- سبحانه- شجرة الزيتون بالبركة، لطول عمرها. وتعدد فوائدها التي من مظاهرها: الانتفاع بزيتها وخصبها وورقها وثمارها. قال- تعالى- وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ. وقوله- سبحانه-: لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ صفة أخرى لشجرة الزيتون. أى: أن هذه الشجرة ليست متميزة إلى مكان معين أو جهة معينة بل هي مستقبلة للشمس طول النهار، تسطع عليها عند شروقها وعند غروبها وما بين ذلك، فترتب على تعرضها للشمس طول النهار، امتداد حياتها، وعظم نمائها وحسن ثمارها. وقوله- تعالى-: يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ صفة ثالثة لتلك الشجرة. أى، أنها يكاد زيتها من شدة صفائه ونقائه يضيء دون أن تمسه النار، فهو زيت من نوع خاص، بلغ من الشفافية أقصاها، ومن الجودة أعلاها. قال بعض العلماء: وقد شبّه في الآية نور الله، بمعنى أدلته، وآياته- سبحانه- من حيث دلالتها على الهدى والحق، وعلى ما ينفع الخلق في الحياتين شبه ذلك بنور المشكاة التي فيها زجاجة صافية، وفي تلك الزجاجة مصباح يتقد بزيت بلغ الغاية في الصفاء والرقة والإشراق، حتى يكاد يضيء بنفسه من غير أن تمسه نار» «١» . وقوله- سبحانه-: نُورٌ عَلى نُورٍ أى: هو نور عظيم متضاعف، كائن على نور عظيم مثله، إذ أن نور الله- تعالى- لا حد لتضاعفه، ولا نهاية لعمقه بخلاف الأنوار الأخرى. فإن لتضاعفها حدا محدودا مهما كان إشراقها وضوؤها. فقوله: نُورُ خبر لمبتدأ محذوف، أى: هو نور. وقوله عَلى نُورٍ متعلق بمحذوف هو صفة له، مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة. أى: كائن على نور مثله.

стр. 4362

ثم بين- سبحانه- سنة من سننه فقال: يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ أى: يهدى الله- تعالى- لنوره العظيم من يشاء هدايته من عباده، بأن يوفقهم للإيمان، والعمل بتعاليم الإسلام، وللسير على طريق الحق والرشاد. ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة بقوله: وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. أى: ويضرب الله- تعالى- الأمثال للناس، لكي يقرب لهم الأمور وييسر لهم المسائل، ويبرز لهم المعقول في صورة المحسوس، والله- تعالى- بكل شيء عليم، سواء أكان هذا الشيء ظاهرا أم باطنا، معقولا أم محسوسا. قال بعض العلماء ما ملخصه: هذه الآية الكريمة من الآيات التي صنفت فيها مصنفات، منها «مشكاة الأنوار» للإمام الغزالي ... ومنها ما قاله الإمام ابن القيم عنها في كتابه «الجيوش الإسلامية» . فقد قال- ﵀: سمى الله تعالى- نفسه نورا، وجعل كتابه نورا، ورسوله ﷺ نورا، ودينه نورا، واحتجب عن خلقه بالنور وجعل دار أوليائه نورا يتلألأ. قال- تعالى- اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وقد فسر بكونه منور السموات والأرض وهادي أهل السموات والأرض فبنوره اهتدى أهل السموات والأرض. وهذا إنما هو فعله. وإلا فالنور الذي هو من أوصافه قائم به. ومنه اشتق اسم النور الذي هو أحد الأسماء الحسنى..» «١» . ثم بين- سبحانه- بعد ذلك أكثر الأماكن والأشخاص انتفاعا بنوره، فقال- تعالى-: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ، يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ. رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ. وقوله فِي بُيُوتٍ متعلق بقوله: يُسَبِّحُ. والمراد بهذه البيوت: المساجد كلها، وعلى رأسها المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى. و «أذن» بمعنى أمر وقضى، وفاعل «يسبح» قوله «رجال» . والغدو والغداة: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، والآصال جمع أصيل، وهو ما بين العصر وغروب الشمس. أى: هذا هو نور الله- تعالى- الذي يهدى إليه من يشاء من عباده، وعلى رأس أولئك

стр. 4363

العباد الذين هداهم الله- سبحانه- إلى ما يحبه ويرضاه، هؤلاء الرجال الذين يعبدونه ويقدسونه في تلك المساجد التي أمر- سبحانه- بتشييدها وتعظيم قدرها، وصيانتها من كل سوء أو نجس، إنهم يسبحونه وينزهونه عن كل نقص، ويتقربون إليه بالصلوات وبالطاعات. في تلك المساجد في أول النهار وفي آخره، وفي غير ذلك من الأوقات. وخص- سبحانه- أوقات الغدو والآصال بالذكر، لشرفها وكونها أشهر ما تقع فيه العبادات. وقوله- تعالى-: رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ مدح وتكريم لهؤلاء الرجال. أى: يسبح لله- تعالى- في تلك المساجد بالغدو والآصال، رجال من شأنهم ومن صفاتهم، أنهم لا يشغلهم، «تجارة» مهما عظمت، «ولا بيع» ، مهما اشتدت حاجتهم إليه «عن ذكر الله» أى: عن تسبيحه وتحميده وتكبيره وتمجيده وطاعته. ولا تشغلهم- أيضا- هذه التجارات والبيوع عن «إقام الصلاة» في مواقيتها بخشوع وإخلاص، وعن «إيتاء الزكاة» للمستحقين لها. وذلك لأنهم «يخافون يوما» هائلا شديدا هو يوم القيامة الذي «تتقلب فيه القلوب والأبصار» أى تضطرب فيه القلوب والأبصار فلا تثبت من شدة الهول والفزع. ثم بين- سبحانه- الأسباب التي حملتهم على الإكثار من هذه الطاعات فقال: لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ. أى: إنهم يكثرون من تسبيح الله بالغدو والآصال، دون أن يشغلهم عن ذلك أى شاغل، لأنهم يرجون منه- سبحانه- أن يجزيهم أحسن الجزاء على أعمالهم، وأن يزيدهم من فضله وإحسانه، بما يليق بكرمه وامتنانه. «والله» - تعالى- «يرزق من يشاء» أن يرزقه «بغير حساب» أى: بدون حدود، ولا قيود، وبدون حصر لما يعطيه، لأن خزائنه لا تنقص ولا تنفد، حتى يحتاج إلى عد وحساب لما يخرج منها. فالجملة الكريمة تذييل قصد به التقرير للزيادة التي يتطلع إليها هؤلاء الرجال الصالحون، ووعد منه- بأنه سيرزقهم رزقا يزيد عما يتوقعونه. وبذلك نرى الآيات قد طوفت بنا مع نور الله- ومثلت له بما من شأنه أن يجعل النفوس يشتد استمساكها بالحق الذي جاء به رسول الله ﷺ من عند ربه، ومدحت مدحا عظيما أولئك الرجال الأخيار، الذين يكثرون من طاعة الله- تعالى- في بيوته

стр. 4364

التي أمر برفعها، دون أن يشغلهم عن ذلك شاغل، وبشرتهم بالعطاء الواسع الذي سيعطيهم الله إياه بفضله وكرمه. وبعد تلك الصورة المشرقة التي بينها- سبحانه- لمن هداهم لنوره، أتبع ذلك بضرب مثلين لأعمال الكفار، فقال- تعالى-: [سورة النور (٢٤) : الآيات ٣٩ الى ٤٠] وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠) قال الآلوسى: قوله- تعالى- وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ عطف على ما قبله، من باب عطف القصة على القصة، أو على مقدر ينساق إليه ما قبله، كأنه قيل: الذين آمنوا أعمالهم حالا ومآلا كما وصف والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة «١» . والمراد بأعمالهم هنا: الأعمال الصالحة التي كانوا يعملونها في الدنيا كالإحسان إلى الفقراء، وصلة الأرحام وما يشبه ذلك. والسراب: هو الشعاع الذي يتراءى للناظر من بعيد كأنه ماء. ويكون ذلك في وسط النهار عند اشتداد الحر، في الأماكن الواسعة، وسمى سرابا لأنه يرى من بعيد يتسرب فوق الأرض كأنه ماء، مع أنه ليس بماء ولا غيره. والباء في قوله بِقِيعَةٍ بمعنى في. والقيعة: جمع قاع وهو ما انبسط واتسع من الأرض. دون أن يكون فيه زرع، وفوقه يتراءى السراب. والجار والمجرور متعلق بمحذوف، صفة للسراب.

стр. 4365

أى: والذين كفروا بالحق لما جاءهم: أعمالهم الصالحة في الدنيا التي يتوقعون الخير من ورائها، تكون بالنسبة لهم يوم القيامة، كسراب كائن في صحراء واسعة، «يحسبه الظمآن ماء» . أى: يظن الشخص الذي اشتد به العطش أنه ماء. وخص- سبحانه- هذا الحسبان بالظمآن، مع أن كل من يراه يظنه ماء لأن هذا الذي اشتد به العطش أشد حرصا على طلبه من غيره، فالتشبيه به أتم وأكمل. و «حتى» في قوله- سبحانه-: حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً غاية لمحذوف، والتقدير: هذا السراب يظنه الظمآن ماء فيسرع نحوه، حتى إذا ما وصل إليه، لم يجد ما حسبه ماء وعلق عليه آماله شيئا أصلا، لا ماء ولا غيره. فأنت ترى أن الله- تعالى- قد شبه ما يعمله الكافرون من أعمال البر في الدنيا، التي يظنونها نافعة لهم- شبه هذه الأعمال من حيث خيبة أملهم فيها بسراب يحسبه الظمآن ماء، فيذهب إليه ليروى عطشه، فإذا ما وصل إليه لم يجده شيئا، فيخيب أمله، وتشتد حسرته. قال الإمام الرازي: فإن قيل: قوله: «حتى إذا جاءه» يدل على كونه شيئا، وقوله: «لم يجده شيئا» مناقض له؟ قلنا: الجواب عنه من وجوه ثلاثة: الأول: المراد معناه أنه لم يجد شيئا نافعا، كما يقال: فلان ما عمل شيئا وإن كان قد اجتهد الثاني: حتى إذا جاءه أى: جاء موضع السراب لم يجد السراب شيئا، فاكتفى بذكر السراب عن ذكر موضعه. الثالث: الكناية للسراب، لأن السراب يرى من بعيد بسبب الكثافة كأنه ضباب وهباء، وإذا قرب منه رق وانتثر وصار كالهواء، «١» . وقوله- سبحانه-: وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ معطوف على جملة «لم يجده» فهو داخل التشبيه أى: ووجد الظمآن حكم الله- تعالى- وقضاءه فيه عند السراب، فوفاه- سبحانه- حسابه الذي يستحقه كاملا غير منقوص. وفي هذه الجملة الكريمة من التصوير المرعب للكافر ما فيها. حيث شبهته بالظمآن الذي ذهب مسرعا ليروى ظمأه مما ظنه ماء فلما وصل إليه لم يجد ماء، وإنما وجد الله- تعالى- الذي كفر به وجحد وحدانيته- عنده، فوفاه حسابه الذي يستحقه من العذاب بدلا من وجود الماء الذي أتعب نفسه في السعى إليه.

стр. 4366

«والله» - تعالى- «سريع الحساب» ، لأنه لا يشغله حساب عن حساب ولا عمل عن عمل، بل حساب الناس جميعا عنده- كحساب النفس الواحدة. وقوله- تعالى-: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ، يَغْشاهُ مَوْجٌ، مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ، مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ، ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ مثال آخر لأعمال الكافرين التي لا ينتفعون بها مع أنهم يعتقدون أنها ستنفعهم. فحرف «أو» للتقسيم، وما بعدها معطوف على قوله- سبحانه- قبل ذلك، «كسراب بقيعة» . والمعنى: أو أن الأعمال الحسنة في الدنيا لهؤلاء الكافرين، مثلها- من حيث خلوها عن نور الحق وعن النفع- كمثل «ظلمات» كثيفة «في بحر لجي» أى: عميق الماء كثيره، من اللج وهو معظم ماء البحر. «يغشاه موج» أى: هذا البحر اللجى. يغطيه ويستره ويعلوه موج عظيم «من فوقه موج» آخر أشد منه «من فوقه سحاب» أى: من فوق تلك الأمواج الهائلة الشديدة، سحاب كثيف متراكم قائم. «ظلمات بعضها فوق بعض» أى: هذه الأمواج المتلاطمة، وتحتها البحر العميق المظلم، وفوقها السحب الفاتحة الداكنة، هي ظلمات بعضها فوق بعض، «إذا أخرج يده لم يكد يراها» أى: إذا أخرج الواقع في تلك الظلمات يده التي هي جزء منه، لم يكد يراها من شدة تراكم الظلمات. قال الآلوسى: «إذا أخرج» أى: من ابتلى بهذه الظلمات «يده» وجعلها بمرأى منه، قريبة من عينيه لينظر إليها «لم يكد يراها» أى: لم يقرب من رؤيتها، وهي أقرب شيء إليه، فضلا عن أن يراها.. «١» . ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة ببيان سنة من سننه التي لا تتخلف فقال: وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ. والمعنى: وأى إنسان لم يشأ الله- تعالى- أن يجعل له نورا يهديه إلى الصراط المستقيم فما لهذا الإنسان من نور يهديه إلى الحق والخير، من أى مخلوق كائنا من كان، إذ أن الذي يملك منح النور الهادي إنما هو الله- تعالى- وحده.

стр. 4367

قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهاتين الآيتين ما ملخصه: هذان مثلان ضربهما الله- تعالى- لنوعى الكفار، فأما المثال الأول، فهو للكفار الدعاة إلى كفرهم، الذين يحسبون أنهم على شيء من الأعمال والاعتقادات وليسوا في نفس الأمر على شيء «فمثلهم في ذلك كالسراب الذي يرى في القيعان من الأرض عن بعد كأنه بحر طام. وهذا المثال مثال لذوي الجهل المركب- أى الذين يعتقدون الباطل ويزعمون أنه الحق- والمثال الثاني لأصحاب الجهل البسيط، وهم الأغشام والمقلدون لأئمة الكفر فمثلهم كما قال- تعالى-: «أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ..» «١» . وبعد أن أورد- سبحانه- هذين المثلين للذين كفروا وأعمالهم، أتبع ذلك ببيان أن الكون كله يسبح بحمد الله- تعالى- وأن الكون كله في ملكه وقبضته، فقال- تعالى-: [سورة النور (٢٤) : الآيات ٤١ الى ٤٢] أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (٤١) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢) والاستفهام في قوله- تعالى-: أَلَمْ تَرَ.. للتقرير. والرؤية: بمعنى العلم. والتسبيح: مشتق من السبح، وهو المر السريع في الماء أو في الهواء. فالمسبح: مسرع في تنزيه الله- تعالى- وتقديسه وإثبات ما يليق بجلاله من صفات الكمال. والمعنى: لقد علمت أيها الرسول الكريم علما يشبه المشاهدة في اليقين، أن الله- تعالى- يسبحه ويقدسه وينزهه عن كل ما لا يليق به- جميع من في السموات، وجميع من في الأرض. وقوله- تعالى-: وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ برفع، «والطير» على أنه معطوف على «من» وبنصب «صافات» على أنه حال.

стр. 4368

أى: والطير- أيضا- تسبح لله- تعالى- حال كونها صافات أجنحتها في الجو، دون أن يمسكها أحد إلا هو- سبحانه-. وخص الطيور بالذكر مع أنها مندرجة تحت من في السموات والأرض لعدم استقرارها بصفة دائمة على الأرض، فهي- في مجموعها- تارة على الأرض، وتارة في الجو. وذكرها في حال بسطها لأجنحتها لأن هذه الحالة من أعجب أحوالها، حيث تكون في الجو باسطة لأجنحتها بدون تحريك، مما يدل على بديع صنع الله في خلقه. وصدق الله إذ يقول: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ.. «١» . وقوله- تعالى-: كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ استئناف لبيان مظهر من مظاهر قدرة الله- تعالى- وحكمته، حيث ألهم- سبحانه- كل مخلوق من مخلوقاته كيفية التسبيح لخالقه- . والتنوين في «كل» عوض عن المضاف إليه، والضمير المحذوف الذي هو فاعل «علم» يعود على المصلى والمسبح. أى: كل واحد ممن يصلى لله- تعالى- ويسبح بحمده- سبحانه-، قد علم معنى صلاته ومعنى تسبيحه، فهو لم يعبد الله اتفاقا أو بلا روية، وإنما عبده- تعالى- عن قصد ونية، ولكن بكيفية نفوض معرفتها إلى الخالق- وحده. ومنهم من يرى أن الضمير في «علم» يعود إلى الله- تعالى- فيكون المعنى: كل واحد من هؤلاء المصلين والمسبحين، قد علم- سبحانه- صلاتهم وتسبيحهم له علما تاما شاملا. قال بعض العلماء ما ملخصه: واعلم أن الأظهر أن يكون ضمير الفاعل المحذوف في قوله كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ راجعا إلى المصلين والمسبحين أى: كل من المصلين قد علم صلاة نفسه، وكل من المسبحين قد علم تسبيح نفسه، لأنه على هذا القول يكون قوله- تعالى-: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ من باب التأسيس. أما على القول بأن الضمير يعود إلى الله- تعالى-. أى: كل واحد منهم قد علم الله صلاته وتسبيحه. فيكون قوله- تعالى-: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ من باب التأكيد اللفظي، والتأسيس للأحكام أولى من التأكيد لها. والظاهر أن الطير تسبح وتصلى صلاة وتسبيحا يعلمها الله، ونحن لا نعلمهما كما قال-

стр. 4369

تعالى- وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ.. «١» . وبعد أن بين- سبحانه- أن جميع مخلوقاته تسبح بحمده وأنه- تعالى- عليم بأفعالهم لا يخفى عليه شيء منها، أتبع ذلك ببيان أن هذا الكون ملك له وحده، فقال: «ولله ملك السموات والأرض» لا لأحد غيره، لا استقلالا ولا اشتراكا، بل هو وحده- سبحانه- المالك لهما ولمن فيهما «وإلى الله المصير» أى: وإليه وحده مصيرهم ورجوعهم بعد موتهم، فيجازى كل مخلوق من مخلوقاته بما يستحق من ثواب أو عقاب. ثم لفت- سبحانه- بعد ذلك أنظار عباده إلى مظاهر قدرته في هذا الكون، حيث يزجى السحاب، ثم يؤلف بينه، ثم يجعله ركاما ... وحيث نوع مخلوقاته مع أنها جميعا من أصل واحد فقال- تعالى-: [سورة النور (٢٤) : الآيات ٤٣ الى ٤٥] أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (٤٤) وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥) قوله- تعالى- يُزْجِي من الإزجاء بمعنى الدفع بأناة ورفق. يقال: زجى الراعي إبله تزجية، إذا ساقها برفق. وأزجت الريح السحاب، أى: دفعته.

стр. 4370

والمعنى: لقد علمت- أيها العاقل- ورأيت بعينيك، أن الله- تعالى- يسوق بقدرته السحاب الذي في الجو، سوقا رفيقا إلى حيث يريد. ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ أى: يسوق- سبحانه- السحاب سوقا هادئا سهلا. ثم بعد ذلك يصل بعضه ببعض، ويجمع بعضه مع بعض، ثم بعد ذلك يَجْعَلُهُ رُكاماً أى: متراكما بعضه فوق بعض. يقال ركم فلان الشيء يركمه ركما، إذا جمعه، وألقى بعضه على بعض، ومنه: الرمل المتراكم، أى: المجتمع. وهذا الذي حكاه القرآن من سوق الله- تعالى- للسحب ثم تجميعها، ثم تحويلها إلى قطع ضخمة متراكمة متكاثفة كقطع الجبال، يراه الراكب للطائرات بوضوح وتسليم بقدرة الله- تعالى-، الذي أحسن كل شيء خلقه. وقوله- سبحانه-: فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ بيان لما يترتب على هذا السوق الرفيق، والتجمع الدقيق من آثار. والودق: المطر. وهو في الأصل مصدر ودق السحاب يدق ودقا، إذا نزل منه المطر. والخلال: جمع خلل- كجبال وجبل- والمراد بها الفتوق والشقوق. قال القرطبي: في «الودق» قولان: أحدهما: أنه البرق.. والثاني: أنه المطر. وهو قول الجمهور يقال: ودقت السحابة فهي وادقة. وودق المطر يدق ودقا. أى: قطر «١» . أى: يسوق الله- تعالى- السحاب إلى حيث يشاء بقدرته، ثم يؤلف بينه، ثم يجعله متراكما بعضه فوق بعض، فترى- أيها العاقل- المطر يخرج من فتوق هذا السحاب المتراكم ومن فروجه، تارة بشدة وعنف، وتارة بهدوء ورفق. وقوله- تعالى-: وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ، فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ. وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ.. بيان لمظهر آخر من مظاهر قدرته- سبحانه-. أى: وينزل- سبحانه- من جهة السماء قطعا من السحاب كأنها القطع من الجبال في عظمها وضخامتها، «فيها من برد» أى: في تلك القطع من السحاب الكثير من البرد، وهو شيء ينزل من السحاب يشبه الحصى، ويسمى حب الغمام: وحب المزن. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما الفرق بين «من» الأولى، والثانية، والثالثة في قوله وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ؟.

стр. 4371

قلت الأولى لابتداء الغاية، والثانية للتبعيض، والثالثة للبيان، أو الأوليان للابتداء. والآخرة للتبعيض. فإن قلت: ما معنى «من جبال فيها من برد» ؟ قلت: فيه معنيان: أحدهما: أن يخلق الله في السماء جبال برد. كما في الأرض جبال حجر، والثاني: أن يريد الكثرة بذكر الجبال، كما يقال: فلان يملك جبالا من ذهب «١» . وقوله- تعالى-: فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ أى: فيصيب بالذي ينزله من هذا البرد من يشاء إصابته من عباده، ويصرفه عمن يشاء صرفه عنهم، إذ الإصابة والصرف بمقتضى حكمته وإرادته. ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة بقوله: يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ. والسنا: شدة الضوء. يقال: سنا الشيء يسنو سنا، إذا أضاء. أى: يكاد ضوء برق السحاب الموصوف بما مر من الإزجاء والتأليف والتراكم.. يخطف الأبصار من شدة إضاءته، وزيادة لمعانه وسرعة توهجه. وبعد أن ساق- سبحانه- هذا الدليل العلوي على وحدانيته وقدرته. أتبعه بدليل زمنى يحسه الناس ويشاهدونه في حياتهم فقال: يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ أى: يعاقب بينهما فيأتى بهذا، ويذهب بذاك، وينقص أحدهما ويزيد في الآخر، ويجعل أولهما وقتا لحلول نعمه والثاني لنزول نقمه، أو العكس، فهو- سبحانه- صاحبهما والمتصرف فيها «إن في ذلك» التقليب والإزجاء والتأليف، وغير ذلك من مظاهر قدرته المبثوثة في الآفاق «لآيات» عظيمة «لأولى الأبصار» التي تبصر قدرة الله- تعالى- وتعتبر بها، فتخلص له العبادة والطاعة. ثم ساق- سبحانه- دليلا ثالثا من واقع خلق كل دابة، وبديع صنعه فيما خلقه فقال: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ ... والدابة: اسم لكل حيوان ذي روح، سواء أكان من العقلاء أم من غيرهم. وهذا اللفظ مأخوذ من الدبيب، بمعنى المشي الخفيف. وتطلق الدابة في العرف على ذوات الأربع، والمراد بها هنا ما هو أعم من ذلك. قال بعض العلماء: «وهذه الحقيقة الضخمة التي يعرضها القرآن بهذه البساطة، حقيقة أن كل دابة خلقت من ماء، قد تعنى وحدة العنصر الأساسى في تركيب الأحياء جميعا، وهو

стр. 4372

الماء، وقد تعنى ما يحاول العلم الحديث أن يتبعه من أن الحياة خرجت من البحر، ونشأت أصلا في الماء، ثم تنوعت الأنواع وتفرعت الأجناس. ولكنا نحن على طريقتنا في عدم تعليق الحقائق القرآنية الثابتة على النظريات العلمية القابلة للتعديل والتبديل.. لا نزيد على هذه الإشارة شيئا، مكتفين بإثبات الحقيقة القرآنية، وهي أن الله- تعالى- خلق الأحياء كلها من الماء، فهي ذات أصل واحد، ثم هي- كما ترى العين- متنوعة الأشكال.. «١» . وقال الإمام الرازي: فإن قيل لماذا نكر الماء هنا، وجاء معرفا في قوله- تعالى-: وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ «٢» ؟ والجواب: إنما جاء هنا منكرا، لأن المعنى، أنه خلق كل دابة من نوع من الماء يختص بتلك الدابة، وإنما جاء معرفا في قوله وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ لأن المقصود هناك، كونهم مخلوقين من هذا الجنس، وهاهنا بيان أن ذلك الجنس ينقسم إلى أنواع كثيرة «٣» . وقوله- تعالى-: فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ.. تفصيل لهذه المخلوقات التي خلقت من الماء. والضمير في «منهم» يعود إلى «كل» باعتبار معناه، وفيه تغليب العاقل على غيره. أى: فمن هذه الدواب من يمشى على بطنه كالزواحف وما يشبهها، «ومنهم من يمشى على رجلين» كالإنس والطير «ومنهم من يمشى على أربع» كالأنعام والوحوش «يخلق الله» - تعالى- «ما يشاء» خلقه من دواب وغيرها على وفق إرادته وحكمته «إن الله على كل شيء قدير» فلا يعجزه- سبحانه- خلق ما يريد خلقه، ولا يمنعه من ذلك مانع، بل كل شيء خاضع لقدرته- . وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة قد ساقت ألوانا من الأدلة على قدرة الله- تعالى-. منها ما يتعلق بالكائن العلوي، ومنها ما يتعلق بالزمان، ومنها ما يتعلق بخلق أنواع الدواب على اختلاف أشكالها. وبعد أن ساقت السورة ما ساقت من الأحكام والآداب ومن الأدلة على وحدانية الله-

стр. 4373

تعالى- وقدرته، أتبعت ذلك بالحديث عن طائفة المنافقين، الذين لم ينتفعوا بآيات الله، ولم يتأدبوا بأدب المؤمنين.. فقال- تعالى-: [سورة النور (٢٤) : الآيات ٤٦ الى ٥٤] لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦) وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠) إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٥٢) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٥٣) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٥٤) وقوله- سبحانه-: مُبَيِّناتٍ قرأها بعض القراء السبعة، بفتح الياء المشددة-

стр. 4374

بصيغة اسم المفعول- فيكون المعنى: بالله لقد أنزلنا على عبدنا محمد ﷺ آيات بيناها ووضحناها، وجعلناها خالية من اللبس والغموض. وقرأها الباقون بكسر الياء المشددة- بصيغة اسم الفاعل- فيكون المعنى: لقد أنزلنا آيات مبينات للأحكام والحدود والآداب التي شرعها الله- تعالى- فعلى هذه القراءة يكون المفعول محذوفا. وقوله- تعالى-: وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أى: والله- تعالى- بفضله وإحسانه يهدى من يشاء هدايته إلى الصراط المستقيم، الذي هو طريق الإسلام. وسبيل الحق والرشاد. والضمير في قوله- تعالى-: وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا يعود على طائفة من الذين لم يهدهم- سبحانه- إلى الصراط المستقيم، وهم المنافقون. أى: أن هؤلاء المنافقين يقولون بألسنتهم فقط: آمنا بالله وبالرسول، وأطعنا الله والرسول في كل أمر أو نهى. ثم بين- سبحانه- أنهم كاذبون في دعواهم الإيمان والطاعة فقال: ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ. أى: يدعون أنهم يؤمنون بالله وبالرسول، ويطيعون أحكامهما، وحالهم أن عددا كبيرا منهم يعرضون عما يقتضيه الإيمان والطاعة، من أدب مع الله- تعالى- ومع رسوله ﷺ ، ومن انقياد لأحكام الإسلام. وقوله- سبحانه-: وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ نفى لدعواهم الإيمان، وتوبيخ لهم على أقوالهم التي يكذبها واقعهم، أى: وما أولئك المنافقون الذي يقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا، بالمؤمنين على الحقيقة، لأنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، ولأنهم لو كانوا يؤمنون حقا. لما أعرضوا عن أحكام الله- تعالى-، وعن طاعة رسوله ﷺ . ثم بين- سبحانه- حالة أخرى من أحوالهم الذميمة فقال: وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ. أى: أن هؤلاء المنافقين من صفاتهم- أيضا- أنهم إذا ما دعاهم داع إلى أن يجعلوا شريعة الله- تعالى- هي الحكم بينهم وبين خصومهم، إذا فريق كبير منهم يعرض عن هذا الداعي، ويسرع إلى التحاكم إلى الطاغوت. كما في قوله- تعالى-: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ، يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ

стр. 4375

يَكْفُرُوا بِهِ، وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً.. «١» . والتعبير عنهم بقوله «إذا فريق منهم معرضون» إشعار بأنهم بمجرد دعوتهم إلى الحق، ينفرون من الداعي نفورا شديدا بدون تدبر أو تمهل، لأنهم يعلمون علم اليقين أن الحق عليهم لا لهم، أما إن لاح لهم أن الحق لهم لا عليهم، فإنهم يهرولون نحو الرسول ﷺ يطلبون حكمه، ولذا قال- تعالى- وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ، يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ. والإذعان: الانقياد والطاعة، يقال: أذعن فلان لفلان، إذا انقاد له وخضع لأمره. أى: وإن يكن لهؤلاء المنافقين الحق على غيرهم، يأتوا إلى الرسول ﷺ منقادين طائعين راضين بحكمه، لأنهم واثقون من أنه ﷺ لن يبخسهم شيئا من حقوقهم لا يأتون إليه مذعنين في كل الأحوال، وإنما يأتون إليه ﷺ مذعنين لحكمه عند ما يكونون أصحاب حق في قضية من القضايا الدنيوية التي تحصل بينهم وبين غيرهم. ثم يعقب القرآن الكريم على تصرفاتهم القبيحة بإثبات نفاقهم، وبالتعجيب من ترددهم وريبهم، وباستنكار ما هم عليه من خلق ذميم فيقول: أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، أَمِ ارْتابُوا، أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ..؟! وقوله: يَحِيفَ من الحيف، وهو الميل إلى أحد الجانبين، يقال: حاف فلان في قضائه، إذا جار وظلم. أى: ما بال هؤلاء المنافقين يعرضون عن أحكام الإسلام ولا يقبلون على حكم الرسول ﷺ إلا إذا كانت لهم حقوق عند غيرهم أسبب ذلك أنهم مرضى القلوب بالنفاق وضعف الإيمان؟ أم سبب ذلك أنهم يشكون في صدق نبوته ﷺ ؟ أم سببه أنهم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله؟ لا شك أن هذه الأسباب كلها قد امتلأت بها قلوبهم الفاسدة، وفضلا عن ذلك فهناك سبب أشد وأعظم، وهو حرصهم على الظلم ووضع الأمور في غير مواضعها، ولذا ختم- سبحانه- الآية الكريمة بقوله: بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ. أى: بل أولئك المنافقون هم الظالمون لأنفسهم ولغيرهم، حيث وضعوا الأمور في غير موضعها، وآثروا الغي على الرشد، والكفر على الإيمان. قال الجمل: وقوله: أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ.. إلخ استنكار واستقباح لإعراضهم المذكور، وبيان لمنشئه بعد استقصاء عدة من القبائح المحققة فيهم، والاستفهام للإنكار لكن

стр. 4376

النفي المستفاد به لا يتسلط على هذه الأمور الثلاثة، لأنها واقعة لهم، وقائمة بهم، والواقع لا ينفى، وإنما هو متسلط على منشئتها وسببيتها لإعراضهم.. «١» . ثم بين- سبحانه- بعد ذلك ما هو واجب على المؤمنين إذا ما دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم، أن يقولوا سمعنا وأطعنا. ولفظ «قول» منصوب على أنه خبر «كان» واسمها أن المصدرية مع ما في حيزها، وهو: أن يقولوا سمعنا وأطعنا. والمعنى: أن من صفات المؤمنين الصادقين، أنهم إذا ما دعوا إلى حكم شريعة الله- تعالى- التي أوحاها إلى رسوله ﷺ أن يقولوا عند ما يدعون لذلك: سمعنا وأطعنا، بدون تردد أو تباطؤ.. «وأولئك» الذين يفعلون ذلك «هم المفلحون» فلاحا تاما في الدنيا والآخرة. ثم بين- سبحانه- ما يترتب على طاعة الله ورسوله فقال: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ- تعالى- في السر والعلن وَيَتَّقْهِ في كل الأحوال فَأُولئِكَ الذين يفعلون ذلك هُمُ الْفائِزُونَ بالنعيم المقيم، والرضوان العظيم. ثم عادت السورة الكريمة إلى استكمال الحديث عن المنافقين، فقال- تعالى- وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ، لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ. والجهد: الوسع والطاقة، من جهد نفسه يجهدها- بفتح الهاء فيهما- إذا اجتهد في الشيء، وبذل فيه أقصى وسعه. أى: وأقسم هؤلاء المنافقون بالأيمان الموثقة بأشد وسائل التوثيق، بأنهم متى أمرهم الرسول ﷺ بالخروج معه للجهاد ليخرجن سراعا تلبية لأمره. وهنا يأمر الله- تعالى- نبيه ﷺ أن يرد عليهم ردا كله تهكم وسخرية بهم، بسبب كذبهم فيقول: قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ. أى: قل لهم- أيها الرسول الكريم- على سبيل السخرية والزجر، لا تقسموا على ما تقولون، فإن طاعتكم معروف أمرها، ومفروغ منها، فهي طاعة باللسان فقط. أما الفعل فيكذبها. وذلك كما تقول لمن اشتهر بالكذب: لا تحلف لي على صدقك، فأمرك معروف لا يحتاج إلى قسم أو دليل.

стр. 4377

ثم عقب- سبحانه- على هذه السخرية منهم بقوله: إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ أى: إن الله- تعالى- مطلع اطلاعا تاما على ظواهركم وبواطنكم فلا يحتاج منكم إلى قسم أو توكيد لأقوالكم، وقد علم- سبحانه- أنكم كاذبون في حلفكم. ثم يأمر- سبحانه- رسوله ﷺ أن يرشدهم إلى الطاعة الصادقة. لا طاعتهم الكاذبة فيقول: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ طاعة ظاهرة وباطنة، طاعة مصحوبة بصدق الاعتقاد، وكمال الإخلاص، فإن هذه الطاعة هي المقبولة منكم. وقوله- سبحانه- فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ تحذير لهم من التمادي في نفاقهم وكذبهم. أى: مرهم- أيها الرسول الكريم- بالطاعة الصادقة، فإن توليتم- أيها المنافقون- عن دعوة الحق وأعرضتم عن الصراط المستقيم، فإن الرسول الكريم ليس عليه سوى ما حملناه إياه. وهو التبليغ والإنذار والتبشير، وأما أنتم فعليكم ما حملتم، أى: ما أمرتم به من الطاعة له ﷺ وهو قد فعل ما كلفناه به، أما أنتم فحذار أن تستمروا في نفاقكم. ثم أرشدهم- سبحانه- إلى طريق الفوز والفلاح فقال: وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا. أى: وإن تطيعوا أيها المنافقون- رسولنا ﷺ في كل ما يأمركم به أو ينهاكم عنه، تهتدوا إلى الحق، وتظفروا بالسعادة. وقوله- تعالى-: وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ تذييل مقرر لما قبله. من أن مغبة الإعراض عائدة عليهم. كما أن فائدة الطاعة راجعة لهم. أى: وما على الرسول الذي أرسلناه لإرشادكم إلى ما ينفعكم إلا التبليغ الواضح، والنصح الخالص، والتوجيه الحكيم. وبذلك ترى هذه الآيات الكريمة قد كشفت عن رذائل المنافقين، وحذرتهم من التمادي في نفاقهم، وأرشدتهم إلى ما يفيدهم ويسعدهم، كما وضحت ما يجب أن يكون عليه المؤمنون الصادقون من طاعة لله- تعالى- ولرسوله ﷺ . ثم تركت السورة الكريمة الحديث عن المنافقين، لتسوق وعد الله الذي لا يتخلف للمؤمنين الصادقين، قال- تعالى-:

стр. 4378

[سورة النور (٢٤) : الآيات ٥٥ الى ٥٧] وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٥٥) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦) لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧) قال الإمام ابن كثير: «هذا وعد من الله- تعالى- لرسوله ﷺ بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض أى: أئمة الناس والولاة عليهم، وبهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد، وقد فعل ﵎ ذلك.. فإنه لم يمت رسول الله ﷺ حتى فتح عليه مكة وخيبر والبحرين، وسائر جزيرة العرب، ولهذا ثبت في الصحيح عن رسوله الله ﷺ أنه قال: «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتى ما زوى لي منها ... » «١» . وفي تصدير الآية الكريمة بقوله- تعالى-: وَعَدَ اللَّهُ.. بشارة عظيمة للمؤمنين، بتحقيق وعده- تعالى-، إذ وعد الله لا يتخلف. كما قال- تعالى-: وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ «٢» . والخطاب للرسول ﷺ وللمؤمنين، ومن بيانية، والآية الكريمة مقررة لمضمون ما قبلها، وهو قوله- تعالى-: وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ... أى: وعد الله- تعالى- بفضله وإحسانه، الذين صدقوا في إيمانهم من عباده، والذين

стр. 4379

جمعوا مع الإيمان الصادق، العمل الصالح، وعدهم ليستخلفهم في الأرض، أى: ليجعلنهم فيها خلفاء يتصرفون فيها تصرف أصحاب العزة والسلطان والغلبة، بدلا من أعدائهم الكفار. قال الآلوسى: واللام في قوله «ليستخلفنهم» واقعة في جواب القسم المحذوف. ومفعول وعد الثاني محذوف دل عليه الجواب. أى: وعد الله الذين آمنوا استخلافهم، وأقسم ليستخلفنهم.. و «ما» في قوله «كما استخلف» مصدرية والجار والمجرور متعلق بمحذوف. وقع صفة لمصدر محذوف، أى: ليستخلفنهم استخلافا كائنا كاستخلافه «الذين من قبلهم» من الأمم المؤمنة، الذين أسكنهم الله- تعالى- في الأرض بعد إهلاك أعدائهم من الكفرة الظالمين «١» . هذا هو الوعد الأول للمؤمنين: أن يجعلهم- سبحانه- خلفاءه في الأرض. كما جعل عباده الصالحين من قبلهم خلفاءه، وأورثهم أرض الكفار وديارهم. وأما الوعد الثاني فيتجلى في قوله- تعالى- وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ. والتمكين: التثبيت والتوطيد والتمليك. يقال: تمكن فلان من الشيء، إذا حازه وقدر عليه. أى: وعد الله المؤمنين بأن يجعلهم خلفاءه في أرضه، وبأن يجعل دينهم وهو دين الإسلام الذي ارتضاه لهم. ثابتا في القلوب، راسخا في النفوس. باسطا سلطانه على أعدائه، له الكلمة العليا في هذه الحياة، ولمخالفيه الكلمة السفلى. وأما الوعد الثالث فهو قوله- سبحانه-: «وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا» . أى: وعدهم الله- تعالى- بالاستخلاف في الأرض، وبتمكين دينهم. وبأن يجعل لهم بدلا من الخوف الذي كانوا يعيشون فيه، أمنا واطمئنانا، وراحة في البال، وهدوءا في الحال. قال الربيع بن أنس عن أبى العالية في هذه الآية: كان النبي ﷺ وأصحابه بمكة نحوا من عشر سنين. يدعون إلى الله وحده.. وهم خائفون، فلما قدموا المدينة أمرهم الله بالقتال، فكانوا بها خائفين، يمسون في السلاح ويصبحون في السلاح. فصبروا على ذلك ما شاء الله. ثم إن رجلا من الصحابة قال: يا رسول الله: «أبد الدهر نحن خائفون هكذا؟ أما يأتى علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح؟ فقال ﷺ لن تغبروا- أى: لن تمكثوا- إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ليست فيهم حديدة» .

стр. 4380

وأنزل الله هذه الآية فأظهر الله نبيه على جزيرة العرب فآمنوا ووضعوا السلاح.. «١» . ولكن هذا الاستخلاف والتمكين والأمان متى يتحقق منه- سبحانه- لعباده؟ لقد بين الله- تعالى- الطريق إلى تحققه فقال يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً فهذه الجملة الكريمة يصح أن تكون مستأنفة، أى: جوابا لسؤال تقديره متى يتحقق هذا الاستخلاف والتمكين والأمان بعد الخوف للمؤمنين؟ فكان الجواب: يعبدونني عبادة خالصة تامة مستكملة لكل شروطها وآدابها وأركانها، دون أن يشركوا معى في هذه العبادة أحدا كائنا من كان. كما يصح أن تكون حالا من الذين آمنوا، فيكون المعنى: وعد الله- تعالى- عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات، بالاستخلاف في الأرض، وبتمكين دينهم فيها. وبتبديل خوفهم أمنا، في حال عبادتهم له- سبحانه- عبادة لا يشوبها شرك أو رياء أو نقص. وروى الإمام أحمد عن أبى بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : «بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة، والدين والنصر والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا، لم يكن له في الآخرة نصيب» «٢» . ذلك هو وعد الله- تعالى- لعباده الذين أخلصوا له العبادة والطاعة، وأدوا ما أمرهم به، واجتنبوا ما نهاهم عنه، أما الذين انحرفوا عن طريق الحق. وجحدوا نعمه- سبحانه- عليهم، فقد بين عاقبتهم فقال: وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ. أى: ومن كفر بعد كل هذه النعم التي وعدت بها عبادي الصالحين، واستعمل هذه النعم في غير ما خلقت له، فأولئك الكافرون الجاحدون هم الفاسقون عن أمرى، الخارجون عن وعدى، الناكبون عن صراطي. وهكذا نرى الآية الكريمة قد جمعت أطراف الحكمة من كل جوانبها، فقد رغبت المؤمنين في إخلاص العبادة لله- تعالى- بأسمى ألوان الترغيب، حيث بينت لهم أن هذه العبادة سيترتب عليها الاستخلاف والتمكين والأمان. ثم رهبت من الكفر والجحود، وبينت أن عاقبتهما الفسوق والحرمان من نعم الله- تعالى-. ثم بين- سبحانه- بعد ذلك أهم أركان هذه العبادة فقال: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ، وَآتُوا الزَّكاةَ، وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ، لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ.
следующие страницы →