← Тафсир

Тафсир · id 23590

التفسير الوسيط لطنطاوي

محمد سيد طنطاوي

Полный текст (6 701 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.

стр. 4586

والدابة: اسم لكل حيوان ذي روح، سواء أكان ذكرا أم أنثى، عاقلا أم غير عاقل، من الدبيب وهو في الأصل: المشي الخفيف، واختصت في العرف بذوات القوائم الأربع. والمراد بوقوع القول عليهم: قرب قيام الساعة، وانتهاء الوقت الذي يقبل فيه الإيمان من الكافر. أو الذي تنفع فيه التوبة. والمعنى إذا دنا وقت قيام الساعة. وانتهى الوقت الذي ينفع فيه الإيمان أو التوبة.. أخرجنا للناس بقدرتنا وإرادتنا، دابة من الأرض تكلمهم، فيفهمون كلامها، ويعرفون أن موعد قيام الساعة قد اقترب. وأَنَّ النَّاسَ أى: الكافرين كانُوا بِآياتِنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا لا يُوقِنُونَ بها، ولا يصدقون أن هناك بعثا وحسابا. فخروج الدابة علامة من علامات الساعة الكبرى، يخرجها الله- ليعلم الناس قرب انتهاء الدنيا وأن الحساب العادل للمؤمنين والكافرين، آت لا شك فيه، وأن التوبة لن تقبل في هذا الوقت، لأنها جاءت في غير وقتها المناسب. وقد ذكر بعض المفسرين أوصافا كثيرة، منها أن طولها ستون ذراعا وأن رأسها رأس ثور، وأذنها أذن فيل، وصدرها صدر أسد.. إلخ. ونحن نؤمن بأن هناك دابة تخرج في آخر الزمان، وأنها تكلم الناس بكيفية يعلمها الله- أمّا ما يتعلق بالمكان الذي تخرج منه هذه الدابة، وبالهيئة التي تكون عليها من حيث الطول والقصر، فنكل ذلك إلى علمه- سبحانه- حيث لم يرد حديث صحيح يعتمد عليه في بيان ذلك. وقوله- سبحانه-: وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ بيان إجمالى لحال المكذبين بالساعة عند قيامها، بعد بيان بعض أشراطها. والظرف متعلق بمحذوف. والحشر: الجمع، قالوا والمراد بهذا الحشر: حشر الكافرين إلى النار، بعد حشر الخلائق جميعها، والفصل بينهم. والفوج: يطلق في الأصل على الجماعة التي تسير بسرعة، ثم توسع فيه فصار يطلق على كل جماعة، وإن لم يكن معها مرور أو إسراع. وقوله: يُوزَعُونَ من الوزع. بمعنى الكف والمنع، يقال: وزعه عن الشيء، إذا كفه عنه، ومنعه من غشيانه، والوازع في الحرب، هو الموكل بتنظيم الصفوف، ومنع الاضطراب فيها. والمعنى: واذكر- أيها العاقل لتعتبر وتتعظ- يوم نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ من الأمم فَوْجاً.

стр. 4587

أى: جماعة من الذين كانوا يكذبون في الدنيا بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا فَهُمْ يُوزَعُونَ أى: فهم يقفون بين أيدينا، داخرين صاغرين، بحيث لا يتقدم أحد منهم على أحد، وإنما يتحركون ويساقون إلى حيث نريد منهم، ويتجمعون جميعا ليلقوا مصيرهم المحتوم. وأفرد- سبحانه- هؤلاء المكذبين بالذكر. - مع أن الحشر يشمل الناس جميعا- لإبراز الحال السيئة التي يكونون عليها عند ما يجمعون للحساب دون أن يشذ منهم أحد، ودون أن يتحرك أولهم حتى يجتمع معه آخرهم.. ثم بين- سبحانه- أحوالهم بعد ذلك فقال: حَتَّى إِذا جاؤُ أى: حتى إذا ما وصلوا إلى موقف الحساب قال الله- تعالى- لهم على سبيل التأنيب والتوبيخ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي الدالة على وحدانيتي وعلى أن الآخرة حق. وأن الحساب حق وجملة، «ولم تحيطوا بها علما» حالية، لزيادة التشنيع عليهم. والتجهيل لهم. أى: أكذبتم بآياتى الدالة على أن البعث حق، دون أن تتفكروا فيها، ودون أن يكون عندكم أى علم أو دليل على صحة هذا التكذيب. ثم أضاف- سبحانه- إلى هذا التوبيخ لهم، توبيخا أشد وأعظم، فقال: أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. أى: إذا لم تكونوا قد كذبتم بآياتى، فقولوا لنا ماذا كنتم تعملون، فإننا لا يخفى علينا شيء منها، ولا نعاقبكم إلا عليها. ولا شك أن هذا التساؤل المقصود منه تأنيبهم وتقريعهم، والاستهزاء بهم، لأنه من المعروف أنهم كذبوا بآيات الله، وأنهم قد قضوا حياتهم في الكفر والضلال، ولذا وقفوا واجمين لا يحيرون جوابا، فكانت النتيجة كما قال- تعالى- بعد ذلك: وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ. أى: وحل العذاب عليهم بسبب ظلمهم وجحودهم، فاستقبلوه باستسلام وذلة، دون أن يستطيعوا النطق بكلمة تنفعهم. أو بحجة يدافعون بها عن أنفسهم.. فالمقصود بوقوع القول عليهم: إقامة الحجة عليهم، ونزول العذاب بهم واستحقاقهم له بسبب ظلمهم وكفرهم. وبعد هذا التوبيخ لهم وهم في ساحة الحشر، انتقلت السورة إلى توبيخهم على فعلتهم حين كانوا في الدنيا. فتقول: أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ، وَالنَّهارَ مُبْصِراً. أى: أبلغت الغفلة والجهالة بهؤلاء المكذبين- أنهم يعيشون في هذا الكون ليأكلوا ويشربوا ويتمتعوا، دون أن يعتبروا أو يتفكروا.

стр. 4588

لقد أوجدنا لهم ليلا يسكنون فيه، وأوجدنا لهم نهارا يبتغون فيه أرزاقهم، وجعلنا الليل والنهار بهذا المقدار، لتتيسر لهم أسباب الحياة والراحة، فكيف لم يهتدوا إلى أن لهذا الكون خالقا حكيما قادرا؟ إِنَّ فِي ذلِكَ الذي جعلناه، لهم، من وجود الليل والنهار بهذه الطريقة لَآياتٍ بينات واضحات على وحدانيتنا وقدرتنا لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ بأن الله- تعالى- هو الخالق لكل شيء وهو الإله الحق لا إله سواه. وذلك، لأن من تأمل في تعاقب الليل والنهار بتلك الصورة البديعة المطردة، وفي اختلافهما طولا وقصرا، وظلمة وضياء.. أيقن بأن لهذا الكون إلها واحدا قادرا على إعادة الحياة إلى الأموات، ليحاسبهم على أعمالهم. قال الآلوسى: وقوله: وَالنَّهارَ مُبْصِراً أى: ليبصروا بما فيه من الإضاءة، وطرق التقلب في أمور معاشهم، فبولغ حيث جعل الإبصار الذي هو حال الناس حالا له، ووصفا من أوصافه التي جعل عليها بحيث لم ينفك عنها، ولم يسلك في الليل هذا المسلك. لما أن تأثير ظلام الليل في السكون، ليس بمثابة تأثير ضوء النهار في الإبصار «١» . وقوله- سبحانه-: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ... معطوف على قوله- تعالى- قبل ذلك وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً والصور، القرن الذي ينفخ فيه نفخة الصّعق والبعث، وذلك يكون عند النفخة الثانية.. والنافخ: إسرافيل- ﵇. قال القرطبي ما ملخصه: والصحيح في الصور أنه قرن من نور، ينفخ فيه إسرافيل. والصحيح- أيضا- في النفخ في الصور أنهما نفختان. وأن نفخة الفزع إنما تكون راجعة إلى نفخة الصعق لأن الأمرين لازمان لهما.. والمراد- هنا النفخة الثانية- أى: يحيون فزعين، يقولون: «من بعثنا من مرقدنا» ويعاينون من الأمر ما يهولهم ويفزعهم: «٢» والمعنى واذكر- أيها العاقل- يوم ينفخ إسرافيل في الصور بإذن الله- تعالى- وأمره فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ أى: خافوا وانزعجوا، وأصابهم الرعب، لشدة ما يسمعون، وهول ما يشاهدون، في هذا اليوم الشديد. وقوله: إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ استثناء ممن يصيبهم الفزع.

стр. 4589

أى: ونفخ في الصور ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله- تعالى- لهم عدم الفزع والخوف. والمراد بهؤلاء الذين لا يفزعون، قيل: الأنبياء، وقيل: الشهداء، وقيل: الملائكة. ولعل الأنسب أن يكون المراد ما يعم هؤلاء السعداء وغيرهم، ممن رضى الله عنهم ورضوا عنه، لأنه لم يرد نص صحيح يحددهم. وقوله- سبحانه-: وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ أى: وكل واحد من هؤلاء الفزعين المبعوثين عند النفخة، أتوا إلى موقف الحشر، للوقوف بين يدي الله- تعالى- داخِرِينَ أى: صاغرين أذلاء. يقال: دخر فلان- كمنع وفرح- دخرا ودخورا. إذا صغر وذل. وقوله- تعالى-: وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ.. معطوف على قوله- سبحانه- قبل ذلك: يُنْفَخُ فِي الصُّورِ. أى: في هذا اليوم الهائل الشديد، يفزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، وترى الجبال الراسيات الشامخات، تَحْسَبُها جامِدَةً أى ثابتة في أماكنها، والحال أنها تمر في الجو مر السحاب، الذي تسيره الرياح سيرا حثيثا. وهكذا تصور الآيات الكريمة أهوال ذلك اليوم هذا التصوير البديع المعجز المؤثر، فالناس جميعا- إلا من شاء الله- فزعون وجلون، والجبال كذلك كأنها قد أصابها ما أصاب الناس، حتى لكأنها- وهي تسرع الخطا-. السحاب في خفته ومروقه وتناثره، ثم يعقب- سبحانه- على كل ذلك بقوله صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ. ولفظ صُنْعَ يجوز أن يكون منصوبا على الإغراء أى: انظروا صنع الله- تعالى- الذي أتقن كل شيء فقد أحسن- سبحانه- ما خلقه وأحكمه، وجعله في أدق صورة، وأكمل هيئة، وصدق الله- تعالى- إذ يقول وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً. قال صاحب فتح القدير: وانتصاب «صنع» على المصدرية، أى: صنع الله ذلك صنعا. وقيل هو مصدر مؤكد لقوله: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وقيل منصوب على الإغراء «١» . وجملة: إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ تعليل لما قبله. أى: صنع الله ما خلقه على هذا

стр. 4590

الإحكام العجيب، والإتقان البديع، لأنه- سبحانه- خبير بما تفعلونه ومطلع على ما تخفونه وما تعلنونه. ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة ببيان جزاء من أحسن، وبيان جزاء من أساء، وببيان منهج الرسول ﷺ في دعوته فقال- تعالى-: [سورة النمل (٢٧) : الآيات ٨٩ الى ٩٣] مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠) إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٣) وقوله- سبحانه-: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها بيان وتفصيل لمظاهر علم الله- تعالى- لكل ما يفعله الناس، الذي أشير إليه قبل ذلك بقوله: إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ. والمراد بالحسنة: كل ما يقوله أو يفعله المسلم من قول طيب، ومن عمل صالح، فيشمل النطق بالشهادتين، وأداء ما كلف الله الإنسان بأدائه من فرائض وواجبات، واجتناب السيئات والشبهات. أى: من جاء بالفعلة الحسنة، فله من الله- تعالى- ما هو خير منها من ثواب وعطاء حسن، كما قال- تعالى- في آية أخرى: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها. فالمراد بما هو خير منها: الثواب الذي يمنحه الله- تعالى- لمن أتى بها. وقوله- تعالى-: وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ تقرير لما قبله، وبشارة للمؤمنين الذين جاءوا بالحسنات، بالأمان والاطمئنان.

стр. 4591

أى: وهم من الفزع الكائن للناس في يوم البعث والحساب، آمنون مطمئنون، كما قال- سبحانه-: لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ «١» وكما قال- تعالى- أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ «٢» . ثم بين- سبحانه- سوء عاقبة من يأتى بالسيئات فقال: وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ. قال ابن كثير: قال ابن مسعود: وأبو هريرة، وابن عباس، وأنس بن مالك، وعطاء، وسعيد بن جبير، وغيرهم: مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ أى الشرك. ولعل مما يؤيد أن المراد بالسيئة هنا: الشرك. قوله- تعالى-: فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ لأن هذا الجزاء الشديد، يتناسب مع رذيلة الشرك- والعياذ بالله-. أى: ومن جاء بالفعلة الشنيعة في السوء، وهي الإشراك بالله فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ أى: فألقوا بسبب شركهم في النار على وجوههم منكوسين. يقال: كب فلان فلانا على وجهه، وأكبه، إذا نكسه وقلبه على وجهه. وفي كبهم على وجوههم في النار، زيادة في إهانتهم وإذلالهم لأن الوجه هو مجمع المحاسن، ومحل المواجهة للغير. والاستفهام في قوله- تعالى-: هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ لزيادة توبيخهم وتقريعهم والجملة بإضمار قول محذوف. أى: والذين جاءوا بالأفعال السيئة في دنياهم، يكبون على وجوههم في النار يوم القيامة، ويقال لهم على سبيل الزجر والتأنيب: ما حل بكم من عذاب هو بسبب أعمالكم وشرككم. وكون المراد بالسيئة هنا الشرك، لا يمنع من أن الذي يرتكب السيئات من المسلمين، يعاقب عليها ما لم يتب منها فالله- تعالى- يقول: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ. مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ، وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً «٣» . ثم يأمر الله- تعالى- نبيه أن يعلن للناس منهجه في دعوته فيقول: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها. وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ...

стр. 4592

والمراد بالبلدة الذي حرمها: مكة المكرمة التي عظم الله- تعالى- حرمتها، فجعلها حرما آمنا، لا يسفك فيها دم، ولا يصاد فيها صيد، ولا يعضد فيها شجر. وقوله: الَّذِي حَرَّمَها صفة للرب. وخصت مكة بالذكر: تشريفا لها، ففيها البيت الحرام الذي هو أول بيت وضع في الأرض. أى: قل- أيها الرسول الكريم- للناس: إن الله- تعالى- أمرنى أن أخلص لله- سبحانه- عبادتي، فهو رب البلد الحرام مكة، ورب كل شيء، وله جميع ما في هذا الكون خلقا، وملكا، وتصرفا. وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ أى: وأمرنى كذلك أن أكون من الثابتين على دينه، المنقادين لأمره، المسلمين له وجوههم، وأمرنى- أيضا- أن أتلو القرآن على مسامعكم، لأنه هو معجزتي الدالة على صدقى. فَمَنِ اهْتَدى إلى الحق الذي جئته به، وبينته له فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ أى: فإن منافع هدايته تعود إلى نفسه. وَمَنْ ضَلَّ عن طريق الحق، وأعرض عن دعوتي، فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ. أى: ومن ضل عن الهدى بعد أن نصحته وأرشدته، فقد أمرنى ربي أن أقول له: إنما أنا من المنذرين للضالين بسوء العاقبة، ولست عليهم بحفيظ، أو بمكره إياهم على الإيمان. ثم ختم السورة الكريمة بهذا التوجيه الكريم، للرسول ﷺ فقال- تعالى-: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ. أى: وقل- أيها الرسول الكريم- للناس: الثناء كله، والفضل كله، لله- تعالى- وحده. وهو- سبحانه- سَيُرِيكُمْ آياتِهِ الدالة على وحدانيته وقدرته فَتَعْرِفُونَها أى: فتعرفون صدقها.. وصدق الله- ففي كل يوم، بل في كل ساعة، يرى عباده بعض آياته الدالة على وحدانيته وقدرته، في أنفسهم، وفي آفاق هذا الكون وما أحكم قوله- تعالى-: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ. ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بهذه الجملة التي تحمل طابع التهديد والوعيد لمن خالف أمره، فقال- تعالى-: وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.

стр. 4593

أى: وما ربك- أيها الرسول الكريم- بغافل عما يعمله الناس، وما يقولونه لك، وما يتهمونك به، فسر في طريقك، وبلغ ما أمرك- سبحانه- بتبليغه، فإن العاقبة لك ولأتباعك المؤمنين، أما الكافرون والمنافقون فنحن الذي سنتولى حسابهم.. وبعد: فهذا تفسير لسورة «النمل» نسأل الله- تعالى- أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. القاهرة- مدينة نصر مساء الخميس ١٥ من جمادى الآخرة ١٤٠٥ هـ الموافق ٧/ ٣/ ١٩٨٥ م د. محمد سيد طنطاوى

стр. 4594

تفسير سورة القصص

стр. 4595

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة وتمهيد ١- سورة القصص، هي السورة الثامنة والعشرون في ترتيب المصحف، وكان نزولها بعد سورة النمل. فترتيب نزولها موافق لترتيبها في المصحف. وعدد آياتها ثمانون آية. ٢- قال القرطبي: وهي مكية كلها في قول الحسن، وعكرمة، وعطاء. وقال ابن عباس وقتادة: إلا آية نزلت بين مكة والمدينة. وقال ابن سلام: بالجحفة في وقت هجرة الرسول ﷺ إلى المدينة، وهي قوله- تعالى-: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ ... «١» . فعن نحيى بن سلام قال: بلغني أن النبي ﷺ حين هاجر، نزل عليه جبريل بالجحفة وهو متوجه من مكة إلى المدينة فقال له: أتشتاق يا محمد إلى بلدك التي ولدت فيها؟ قال: نعم، فقرأ عليه: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ ... «٢» . ٣- والمتدبر لهذه السورة الكريمة، يرى أكثر من نصفها، في الحديث عن قصة موسى- ﵇. فهي تبدأ بقوله- تعالى-: طسم. تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ، نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ... ٤- ثم تحدثت السورة الكريمة بعد ذلك، عما ألهم الله- تعالى- به أم موسى بعد ولادتها له، وعن حالتها النفسية بعد أن عرفت أن ابنها قد التقطه من اليم أعداؤها. وعما قالته لأخته، وعن فضل الله- تعالى- عليها ورحمته بها، حيث أعاد إليها ابنها موسى، قال- تعالى-: فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ، وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ.

стр. 4596

٥- ثم بين- سبحانه- جانبا من مظاهر فضله على موسى- ﵇ بعد أن بلغ أشده واستوى، وبعد أن قتل رجلا من أعدائه، وكيف أنه خرج من المدينة خائفا يترقب، قال: رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. وقد أجاب الله- تعالى- له دعاءه، فنجاه منهم، ويسر له الوصول إلى جهة مدين، فعاش هناك عشر سنين، أجيرا عند شيخ كبير من أهلها، وتزوج موسى- ﵇ بعد انقضاء تلك المدة، بإحدى ابنتي هذا الشيخ الكبير. قال- تعالى- حاكيا بعض ما قاله هذا الشيخ لموسى: قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ، فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ، وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ. قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ، وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ. ٦- ثم بين- سبحانه- بعد ذلك، أن موسى بعد أن قضى المدة التي تعاقد عليها مع الرجل الصالح، وبعد أن تزوج ابنته، سار بها متجها إلى مصر، وفي الطريق رأى نارا، فلما ذهب إليها، أمره ربه- تعالى- بأن يذهب إلى فرعون وقومه ليأمرهم بإخلاص العبادة له- وذهب موسى- ﵇ إليهم، وبلغهم رسالة ربه، ولكنهم كذبوه، فكانت عاقبتهم كما قال- تعالى-: فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ... ٧- وبعد هذا الحديث المفصل عن قصة موسى- ﵇ أخذت السورة الكريمة في تسلية الرسول ﷺ عما أصابه من قومه، فذكرت له ما يدل على أن هذا القرآن من عند الله- تعالى- وأمرته أن يتحدى المشركين به، وبينت له أنه- ﵊ لا يستطيع أن يهدى من يحبه ولكن الله هو الذي يهدى من يشاء هدايته، وحكت جانبا من أقوال المشركين وردت عليها، كما حكت جانبا من المصير السيئ الذي سيكونون عليه يوم القيامة، فقال- تعالى-: وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ، فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ ... وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ: أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ. وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ، فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ، وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ. ٨- ثم عادت السورة بعد ذلك للحديث عن قصة تتعلق برجل كان من قوم موسى: وهو قارون، فأخبرتنا بجانب من النعم التي أنعم الله- تعالى- بها عليه، وكيف أنه قابل هذه النعم بالجحود والكنود، دون أن يستمع إلى نصح الناصحين، أو وعظ الواعظين، وكيف أن

стр. 4597

الذين يريدون الحياة الدنيا تمنوا أن يكونوا مثله، وكيف أن الذين أوتوا العلم قالوا لهم على سبيل الزجر: وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً، وَلا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ وكيف أن الذين يريدون الحياة الدنيا قالوا بعد أن رأوا مصرع قارون: لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا ... ثم ختم- سبحانه- هذه القصة، ببيان سنة من سننه التي لا تتخلف فقال- تعالى-: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً، وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ. ٩- وبعد أن انتهت السورة الكريمة، عن الحديث المتنوع من قصص السابقين، ومن التعقيبات الحكيمة عليها.. بعد كل ذلك، جاء الأمر من الله- تعالى- بإخلاص العبادة له، والنهى عن الإشراك به فقال- سبحانه- وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ، كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ، لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. ١٠- وبعد، فهذا عرض مجمل لما اشتملت عليه سورة القصص من مقاصد وأهداف، ومن هذا العرض، ترى أن السورة الكريمة قد اهتمت بأمور من أهمها ما يأتى: (أ) تثبيت المؤمنين، وتقوية عزائمهم، وتبشيرهم بأن العاقبة لهم، وبأن الله- تعالى- سيجعل من ضعفهم قوة، ومن قلتهم كثرة، كما جعل من موسى وقومه أمة منتصرة بعد أن كانت مهزومة، وغالبة بعد أن كانت مغلوبة. ترى هذه التقوية والبشارة في مثل قوله- تعالى-: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ. وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ. (ب) أن السورة الكريمة تعطينا صورة زاخرة بالمعاني الكريمة والمؤثرة، عن حياة موسى- ﵇ فهي تحكى لنا حالة أمه. وأحاسيسها، وخلجات قلبها، وخوفها، عند ولادته، وبعد ولادته، وبعد إلقائه في اليم، وبعد أن علمت بالتقاط آل فرعون له، وبعد رد الله- تعالى- إليها ابنها، فضلا منه- سبحانه- ورحمة. كما تحكى لنا ما جبل عليه موسى- ﵇ من مروءة عالية جعلته يأبى أن يرى مظلوما فلا ينصره، ومحتاجا فلا يعينه. فعند ما رأى امرأتين عاجزتين عن سقى غنمهما، قال لهما: ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ، وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَسَقى لَهُما ...

стр. 4598

وعند ما رأى مظلوما يستنصره، ما كان منه إلا أن نصره، وقال: رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ. (ج) تأكيد أن هذا القرآن من عند الله، بدليل أن هذا القرآن قد قص على النبي ﷺ وعلى الناس، قصصا لا علم لهم بحقيقتها قبل أن يقصها عليهم. قال- تعالى-: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ، إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ، وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ. وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا، وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ، لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. (د) اهتمت السورة اهتماما واضحا، ببيان مظاهر قدرة الله- تعالى- في هذا الكون، هذه القدرة التي نراها في إهلاك الظالمين والمغرورين، حتى ولو ساندتهم جميع قوى الأرض. كما نراها في الرد على كفار مكة الذين زعموا، أن اتباعهم للحق يؤدى إلى تخطفهم والاعتداء عليهم وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا، أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ، وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها، فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا، وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ، وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا، وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ.. والخلاصة، أن سورة القصص على رأس السور المكية، التي حضت المؤمنين على الثبات والصبر، وساقت لهم من أخبار السابقين، ما يزيدهم إيمانا على إيمانهم. ويقينا على يقينهم، بأن الله- تعالى- سيجعل العاقبة لهم.. القاهرة- مدينة نصر صباح السبت: ٢ من رجب سنة ١٤٠٥ هـ ٢٣/ ٢/ ١٩٨٥ م المؤلف د. محمد سيد طنطاوى

стр. 4599

التفسير قال الله- تعالى-: [سورة القصص (٢٨) : الآيات ١ الى ٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ (٦) سورة القصص من السور التي افتتحت ببعض الحروف الهجائية.. وقد رجحنا أن هذه الحروف، قد افتتحت بها بعض سور القرآن الكريم، للإيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن الكريم. فكأن الله- تعالى- يقول لهؤلاء المعارضين في أن القرآن من عند الله- تعالى-: هاكم القرآن ترونه مؤلفا من حروف هي من جنس الحروف الهجائية، ومنظوما من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم. فإن كنتم في شك في كون هذا القرآن من عند الله، فهاتوا مثله، أو عشر سور من مثله

стр. 4600

أو سورة واحدة من مثله وادعوا من شئتم من الخلق لكي يعاونكم في ذلك. فلما عجزوا- وهم أهل الفصاحة والبيان- ثبت أن غيرهم أعجز، وأن هذا القرآن من عند الله- تعالى-. وتِلْكَ اسم إشارة، والمشار إليه الآيات. والمراد بها آيات القرآن الكريم، ويندرج فيها آيات هذه السورة التي معنا. الْكِتابِ: مصدر كتب كالكتب. وأصله ضم أديم إلى آخر بالخياطة، واستعمل عرفا في ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط. والمراد به: القرآن الكريم. والْمُبِينِ: أى: الواضح المظهر للحق من الباطل، من أبان بمعنى أظهر. أى: تلك الآيات التي أنزلناها عليك- أيها الرسول الكريم- هي آيات الكتاب المظهر للحق من الباطل، والموضح للخير من الشر، والكاشف عن حقائق الأمور، وعن قصص الأولين. ثم بين- سبحانه-: ما سيقصه على رسول الله ﷺ في هذه السورة فقال: نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. وقوله- تعالى- نَتْلُوا من التلاوة بمعنى القراءة المرتلة التي يقصد منها التذكير والإرشاد. والنبأ: الخبر العظيم المشتمل على أمور من شأنها أن يهتم الناس بها. وموسى- ﵇: هو ابن عمران بن يصهر بن ماهيث بن لاوى بن يعقوب- ﵇ وكانت ولادة موسى في حوالى القرن الثالث عشر قبل الميلاد. وفرعون: اسم كان يطلق في القديم على كل ملك لمصر، كما يقال لملك الروم: قيصر، ولملك اليمن: تبع. ويرى كثير من المؤرخين أن فرعون مصر، الذي ولد وبعث في عهده موسى- ﵇ هو منفتاح ابن الملك رمسيس الثاني. قال الآلوسى ما ملخصه: والظاهر أن مِنْ في قوله نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ ... تبعيضية. والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع صفة لمفعول نَتْلُوا المحذوف. وقوله بِالْحَقِّ حال من فاعل نَتْلُوا أى: نتلو ملتبسين بالحق، أو من مفعوله، أى: نتلو شيئا من نبئهما ملتبسا بالحق ... «١» .

стр. 4601

والمعنى: نتلو عليك- أيها الرسول الكريم- تلاوة كلها حق وصدق، شيئا عجيبا، وخبرا هاما، يتعلق بقصة موسى- ﵇، وبقصة فرعون. وقوله- سبحانه-: لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أى: نتلو عليك هذه الآيات، لقوم يؤمنون بها، وينتفعون بما اشتملت عليه من هدايات وعبر وعظات. وقوله- تعالى-: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ، وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً ... كلام مستأنف لتفصيل ما أجمله من النبأ. وقوله عَلا فِي الْأَرْضِ أى تكبر فيها وطغى، من العلو بمعنى الارتفاع. والمقصود أنه جاوز كل حد في غروره وظلمه وعدوانه. والمراد بالأرض: أرض مصر وما يتبعها من بلاد. وشِيَعاً جمع شيعة، وهم الأتباع والجماعات، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعته. أى: إن فرعون طغى وبغى وتجبر في الأرض، وجعل أهلها شيعا وأتباعا له، وصار يستعمل كل طائفة منهم، فيما يريده من أمور دولته، فهذه الطائفة للبناء، وتلك للسحر، وثالثة لخدمته ومناصرته على ما يريد.. وجملة يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ لبيان حال الذين جعلهم شيعا وأحزابا. والمراد بهذه الطائفة: بنو إسرائيل. أى: أنه بعد أن جعل أهل مملكته شيعا وأحزابا اختص طائفة منهم بالإذلال والقهر والظلم، فصار يذبح أبناءهم ويستحيى نساءهم. أى: يذبح الذكور من بنى إسرائيل بمجرد ولادتهم، ويترك الإناث أحياء. قال الإمام الرازي ما ملخصه: وفي ذبح الذكور دون الإناث مضرة من وجوه: أحدها: أن ذبح الأبناء يقتضى فناء الرجال. وذلك يقتضى انقطاع النسل.. ثانيها: أن هلاك الذكور يقتضى فساد مصالح النساء في المعيشة، فإن المرأة لتتمنى الموت إذا انقطع عنها تعهد الرجال.. ثالثها: أن قتل الذكور عقب الحمل الطويل، وتحمل الكد، والرجاء القوى في الانتفاع به، من أعظم العذاب.. رابعها: أن بقاء النساء بدون الذكران من أقاربهن، يؤدى إلى صيرورتهن مستفرشات للأعداء، وذلك نهاية الذل والهوان «١» .

стр. 4602

قالوا: وإنما كان فرعون يذبح الذكور من بنى إسرائيل دون الإناث، لأن الكهنة أخبروه، بأن مولودا سيولد من بنى إسرائيل، يكون ذهاب ملك فرعون على يده. وقوله- سبحانه-: إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ تعليل وتأكيد لما كان عليه فرعون من تجبر وطغيان. أى: إن فرعون كان من الراسخين في الفساد والإفساد، ولذلك فعل ما فعل من ظلم لغيره، ومن تطاول جعله يقول للناس: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى. ثم بين- سبحانه- ما اقتضته إرادته وحكمته، من تنفيذ وعيده في القوم الظالمين، مهما احتاطوا وحذروا، ومن إنقاذه للمظلومين بعد أن أصابهم من الظلم ما أصابهم فقال: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ، وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ، وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ. وقوله نَمُنَّ من المن بمعنى التفضل، ومنه قوله- تعالى-: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ... أى: لقد تفضل عليهم، وأحسن إليهم. وقوله: وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ من التمكين، وأصله: أن نجعل للشيء مكانا يستقر فيه، ويحل به. ثم استعير للتسليط وللحصول على القوة بعد الضعف، وللعز بعد الذل. وقوله: يَحْذَرُونَ من الحذر، بمعنى الاحتراس والاحتراز من الوقوع في الأمر المخيف. يقال: حذر فلان فلانا، إذا خافه واحترس منه. قال الشوكانى: والواو، في قوله وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ للعطف على جملة، إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ لأن بينهما تناسبا من حيث إن كل واحدة منهما، للتفسير والبيان للنبأ. ويجوز أن تكون حالا من فاعل يَسْتَضْعِفُ بتقدير مبتدأ. أى: ونحن نريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض.. والأول أولى «١» . والمعنى: لقد طغا فرعون وبغى، ونحن بإرادتنا وقدرتنا نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ ونتفضل على بنى إسرائيل، الذين استضعفوا في الأرض، بأن ننجيهم من ظلمه، وننقذهم من قهره وبغيه. وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ للأرض المباركة، التي نعطيهم إياها متى آمنوا وأصلحوا، كما قال- تعالى-: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها، وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا، وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ

стр. 4603

وَما كانُوا يَعْرِشُونَ. «١» . وقوله- تعالى-: وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ أى: ونجعلهم أقوياء راسخى الأقدام في الأرض التي نورثهم إياها، بعد القوم الظالمين. وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما أى: ونطلع فرعون وهامان- وهو وزير فرعون- وجنودهما التابعين لهما مِنْهُمْ أى: من بنى إسرائيل المستضعفين في الأرض ما كانُوا يَحْذَرُونَ أى ما كانوا يحاولون دفعه واتقاءه، فقد كان فرعون وجنده يقتلون الذكور من بنى إسرائيل، خوفا من ظهور غلام منهم يكون هلاك فرعون على يده. قال ابن كثير: أراد فرعون بحوله وقوته، أن ينجو من موسى. فما نفعه ذلك، بل نفذ الله- تعالى- حكمه. بأن يكون إهلاك فرعون على يد موسى، بل يكون هذا الغلام الذي احترزت من وجوده- يا فرعون-، وقتلت بسببه ألوفا من الولدان، إنما منشؤه ومرباه على فراشك وفي دارك ... وهلاكك وهلاك جندك على يديه، لتعلم أن رب السموات العلا، هو القاهر الغالب العظيم، الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن «٢» . وهكذا تعلن السورة الكريمة في مطلعها، أن ما أراده الله- تعالى- لا بد أن يتم، أمام أعين فرعون وجنده، مهما احتاطوا ومهما احترسوا، وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ. ثم فصل- سبحانه- الحديث عن موسى- ﵇ فذكر ما ألهمه لأمه عند ولادته. وما قالته امرأة فرعون له عند التقاط آل فرعون لموسى، وما كانت عليه أم موسى من حيرة وقلق، وما قالته لأخته، وكيف رد الله- تعالى- بفضله وكرمه موسى إلى أمه.. لنستمع إلى السورة الكريمة، وهي تفصل هذه الأحداث، بأسلوبها البديع المؤثر فتقول: [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٧ الى ١٣] وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ (٨) وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩) وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠) وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١١) وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ (١٢) فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٣)

стр. 4604

قال الإمام الرازي: اعلم أنه- تعالى- لما قال: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا ابتدأ بذكر أوائل نعمه في هذا الباب فقال: وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ «١» . والوحى إلى أم موسى، يجوز أن يكون عن طريق الإلهام، كما في قوله- تعالى-: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ... أو عن طريق المنام، أو عن طريق إرسال ملك أخبرها بذلك. قال الآلوسى: والظاهر أن الإيحاء إليها كان بإرسال ملك، ولا ينافي ذلك الإجماع على

стр. 4605

عدم نبوتها، لما أن الملائكة- ﵈ قد ترسل إلى غير الأنبياء وتكلمهم. والظاهر- أيضا- أن هذا الإيحاء كان بعد الولادة.. وقيل: كان قبلها ... «١» . وأَنْ في قوله أَنْ أَرْضِعِيهِ مفسرة، لأن الوحى فيه معنى القول دون حروفه. والخوف: حالة نفسية تعترى الإنسان، فتجعله مضطرب المشاعر، لتوقعه حصول أمر يكرهه. والحزن: اكتئاب نفسي يحدث للإنسان من أجل وقوع ما يكرهه، كموت عزيز لديه. أو فقده لشيء يحبه.. وفي الكلام حذف يعرف من السياق، والتقدير: وحملت أم موسى به في الوقت الذي كان فرعون يذبح الأبناء، ويستحيى النساء، وأخفت حملها عن غيرها، فلما وضعته أصابها ما أصابها من خوف وفزع على مصير ابنها، وهنا ألهمناها بقدرتنا وإرادتنا. وقذفنا في قلبها أن أرضعيه في خفاء وكتمان فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ من فرعون وحاشيته أن يقتلوه كما قتلوا غيره من أبناء بنى إسرائيل. فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ أى: في البحر والمراد به نهر النيل، وسمى بحرا لاتساعه، وإن كان الغالب إطلاق البحر على المياه غير العذبة. وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي أى: ولا تخافي عليه من حصول مكروه له، ولا تحزني لمفارقته لك، فهو في رعايتنا وحمايتنا، ومن رعاه الله- تعالى- وحماه، فلا خوف عليه ولا حزن. وجملة إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ تعليل للنهى عن الخوف والحزن، وتبشير لها بأن ابنها سيعود إليها، وسيكون من رسل الله- . قال صاحب الكشاف: فإن قلت ما المراد بالخوفين- في الآية- حتى أوجب أحدهما ونهى عن الآخر؟. قلت: أما الأول، فالخوف عليه من القتل، لأنه كان إذا صاح خافت أن يسمع الجيران صوته، فينموا عليه. وأما الثاني: فالخوف عليه من الغرق ومن الضياع، ومن الوقوع في يد بعض العيون المبثوتة من قبل فرعون في تطلب الولدان. فإن قلت: ما الفرق بين الخوف والحزن؟ قلت: الخوف، غم يلحق الإنسان لشيء متوقع.

стр. 4606

والحزن: غم يلحقه لشيء وقع، فنهيت عنهما جميعا وأومنت بالوحي إليها، ووعدت بما يسليها، ويطمئن قلبها، ويملؤها غبطة وسرورا، وهو رده إليها. وجعله من المرسلين.. «١» . وهكذا نجد الآية الكريمة قد اشتملت على أبلغ الأساليب وأبدعها، في بيان قدرة الله- تعالى- ورعايته لمن يريد رعايته. قالوا: مدح الأصمعى امرأة لإنشادها شعرا حسنا، فقرأت هذه الآية الكريمة ثم قالت له: أبعد هذه الآية فصاحة، لقد اشتملت على أمرين وهما أَرْضِعِيهِ فَأَلْقِيهِ ونهيين وهما لا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي وخبرين إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ وبشارتين في ضمن الخبرين وهما: الرد والجعل المذكوران. والفاء في قوله: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً.. هي الفصيحة. والالتقاط: وجود الشيء والحصول عليه من غير طلب ولا قصد. والمراد بآل فرعون: جنوده وأتباعه الذين عثروا على التابوت الذي به موسى، وحملوه إلى فرعون. والحزن- بالتحريك، وبضم فسكون- نقيض السرور، وفعله كفرح. يقال: حزنه الأمر وأحزنه. أى: جعله حزينا. واللام في قوله: لِيَكُونَ ... هي لام العاقبة والصيرورة. قال القرطبي: قوله- تعالى-: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً لما كان التقاطهم إياه يؤدى إلى كونه عدوا لهم وحزنا، فاللام في لِيَكُونَ لام العاقبة والصيرورة، لأنهم إنما أخذوه ليكون لهم قرة عين، فكان عاقبة ذلك أن كان لهم عدوا وحزنا، فذكر الحال بالمآل كما في قول الشاعر: وللمنايا تربى كل مرضعة ... ودورنا لخراب الدهر نبنيها أى: فعاقبة البناء: الخراب، وإن كان في الحال مفروحا به «٢» . ويرى بعضهم أن اللام هنا يصح أن تكون للتعليل، بمعنى، أن الله- تعالى- سخر بمشيئته وإرادته فرعون وآله. لالتقاط موسى، ليجعله لهم عدوا وحزنا، فكأنه- سبحانه- يقول: قدرنا عليهم التقاطه بحكمتنا وإرادتنا، ليكون لهم عدوا وحزنا. إلى هذا المعنى أشار الإمام ابن كثير بقوله: قال محمد بن إسحاق وغيره اللام هنا لام العاقبة لا لام التعليل، لأنهم لم يريدوا بالتقاطه ذلك- أى: لم يريدوا بالتقاطه العداوة

стр. 4607

والحزن-، ولا شك أن ظاهر اللفظ يقتضى ما قالوا. ولكن إذا نظرنا إلى معنى السياق، فإنه تبقى اللام للتعليل، لأن معناه: أن الله- تعالى- قيضهم لالتقاطه ليجعله لهم عدوا وحزنا، فيكون أبلغ في إبطال حذرهم منه «١» . ومع وجاهة الرأيين، إلا أننا نميل إلى الرأى الثاني، لأنه- كما قال الإمام ابن كثير- أبلغ في إبطال حذرهم منه، ولأن قوله- تعالى-: إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ يشير إلى أن اللام للتعليل.. والمعنى: ونفذت أم موسى ما أوحيناه إليها، فأرضعت ابنها موسى. وألقته في اليم حين خافت عليه القتل، فالتقطه آل فرعون من اليم، ليكون لهم عدوا وحزنا، وليعلموا أن ما أردناه لا بد أن يتم مهما احترسوا واحتاطوا وحذروا، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. وقوله- تعالى-: إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ تعليل لما قبله، وخاطِئِينَ أى: مرتكبين للخطيئة التي هي الذنب العظيم، كقوله- تعالى- في قوم نوح- ﵇: مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً.... وكقوله- سبحانه- في شأن الكافرين بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ. فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ «٢» . أى: فعلنا ما فعلنا من جعل موسى عدوا وحزنا لفرعون وآله، لأن فرعون ووزيره هامان، وجنودهما الذين يناصرونهما، كانوا مرتكبين للذنوب العظيمة في كل ما يأتون ويذرون، ومن مظاهر ذلك قتلهم لذكور بنى إسرائيل، وإبقاؤهم لإناثهم. وقوله- سبحانه-: وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ، لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً ... بيان لما أنطق الله به امرأة فرعون للدفاع عن موسى- ﵇. قال الجمل: وامرأة فرعون هي: آسيا بنت مزاحم، وكانت من خيار النساء، ومن بنات الأنبياء، وكانت أما للمساكين ترحمهم وتتصدق عليهم «٣» . ويكفى في مدحها قوله- تعالى-: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ، وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ «٤» .

стр. 4608

أى: وقالت امرأة فرعون بعد أن أخرج موسى من التابوت، ورأته بين أيدى فرعون وآله: قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ أى: هذا الطفل هو قرة عين لي ولك، أى: هو محل السرور والفرح لعيني ولعينك يا فرعون. فالجملة الكريمة كناية عن السرور به، إذ لفظ قُرَّتُ مأخوذ من القرار بمعنى الاستقرار، وذلك لأن العين إذا رأت ما تحبه، استقر نظرها عليه، وانشغلت به عن غيره. ثم أضافت إلى ذلك قولها لا تَقْتُلُوهُ والخطاب لفرعون وجنده. ثم عللت النهى عن قتله بقولها: عَسى أَنْ يَنْفَعَنا في مستقبل حياتنا، فنجني من ورائه خيرا. أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً لنا، فإن هيئته وصورته تدل على النجابة والجمال واليمن وهكذا شاءت إرادة الله- تعالى-، أن تجعل امرأة فرعون، سببا في إنقاذ موسى من القتل، وفي أن يعيش في بيت فرعون، ليكون له في المستقبل عدوا وحزنا. وقوله- تعالى-: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ جملة حالية، أى: فعلوا ما فعلوا والحال أنهم لا يشعرون أن هلاكهم سيكون على يديه. والظاهر أن هذه الجملة من كلام الله- تعالى-، وليست حكاية لما قالته امرأة فرعون. ثم صورت السورة الكريمة تصويرا بديعا مؤثرا، ما كانت عليه أم موسى من لهفة وقلق، بعد أن فارقها ابنها، فقال- تعالى-: وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً ... أى: وبعد أن ألقت أم موسى به في اليم، والتقطه آل فرعون، وعلمت بذلك أصبح قلبها وفؤادها خاليا من التفكير في أى شيء في هذه الحياة، إلا في شيء واحد وهو مصير ابنها موسى- ﵇. وفي هذا التعبير ما فيه من الدقة في تصوير حالتها النفسية، حتى لكأنها صارت فاقدة لكل شيء في قلبها سوى أمر ابنها وفلذة كبدها. قال ابن كثير: قوله- تعالى-: وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً من كل شيء من أمور الدنيا إلا من موسى. قاله ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن البصري، وقتادة.... وغيرهم «١» . وإِنْ في قوله- تعالى-: إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ هي المخففة من الثقيلة واسمها

стр. 4609

ضمير الشأن، وتبدى بمعنى تظهر، من بدا الشيء يبدو بدوا وبداء إذا ظهر ظهورا واضحا. والضمير في بِهِ يعود إلى موسى- ﵇. أى: وصار فؤاد أم موسى فارغا من كل شيء سوى التفكير في مصيره، وإنها كادت لتصرح للناس بأن الذي التقطه آل فرعون، هو ابنها، وذلك لشدة دهشتها وخوفها عليه من فرعون وجنده. وجواب الشرط في قوله- تعالى-: لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها محذوف دل عليه ما قبله. أى: لولا أن ربطنا على قلبها بقدرتنا وإرادتنا. بأن ثبتناه وقويناه، لأظهرت للناس أن الذي التقطه آل فرعون هو ابنها. وأصل الربط: الشد والتقوية للشيء. ومنه قولهم فلان رابط الجأش، أى: قوى القلب. وقوله- تعالى-: لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ علة لتثبيت قلبها وتقويته، فهو متعلق بقوله: رَبَطْنا. أى: ربطنا على قلبها لتكون من المصدقين بوعد الله- تعالى-، وأنه سيرد إليها ابنها، كي تقر عينها ولا تحزن. ثم بين- سبحانه- ما فعلته أم موسى بعد ذلك فقال: وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ.. أى لم تسكت أم موسى بعد أن علمت بالتقاط آل فرعون له، بل قالت لأخت موسى قُصِّيهِ أى تتبعى أثره وخبره وما آل إليه أمره. يقال: قص فلان أثر فلان فهو يقصه، إذا تتبعه، ومنه القصص للأخبار المتتبعة. والفاء في قوله- سبحانه-: فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ هي الفصيحة. والجنب: الجانب. أى: فقصت أخت موسى أثره، فأبصرته عن جانب منها، وكأنها لا تريد أن تطلع أحدا على أنها تبحث عن أخيها. وتتبع أثره والجار والمجرور حال من الفاعل، أى: بصرت به مستخفية كائنة عن جنب. قال الآلوسى: عَنْ جُنُبٍ أى عن بعد، وقيل عن شوق إليه.. وقال الكرماني جُنُبٍ صفة لموصوف محذوف، أى عن مكان جنب بعيد وكأنه من الأضداد، فإنه يكون بمعنى القريب- أيضا- كالجار الجنب. وقيل على جانب.. وقيل: النظر عن جنب، أن

стр. 4610

تنظر الشيء كأنك لا تريده «١» . والتعبير بقوله- تعالى- فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ يشعر بأن أخت موسى أبصرت أخاها إبصارا فيه مخادعة لآل فرعون، حتى لا تجعلهم يشعرون بأنها تبحث عنه. ويشهد لذلك قوله- تعالى-: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ أى: وهم- أى آل فرعون- لا يشعرون أنها أخته تبحث عنه وتتبع أخباره. ثم بين- سبحانه- مظهرا من مظاهر حكمته وقدرته وتدبيره لأمر موسى كي يعود إلى أمه، فقال- تعالى-. وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ.... والمراد بالتحريم هنا: المنع، والمراضع: جمع مرضع- بضم الميم وكسر الضاد- وهي المرأة التي ترضع. أى: ومنعنا موسى بقدرتنا وحكمتنا من أن يرضع من المرضعات وكان ذلك من قبل أن تعلم بخبره أمه وأخته. قال ابن كثير: قوله- تعالى-: وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ أى: تحريما قدريا، وذلك لكرامة الله له، صانه عن أن يرتضع غير ثدي أمه، لأنه- سبحانه- جعل ذلك سببا إلى رجوعه إلى أمه، لترضعه وهي آمنة بعد أن كانت خائفة.. «٢» . وقوله- سبحانه-: فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ حكاية لما قالته أخت موسى لفرعون وحاشيته، والاستفهام للتحضيض. أى: وبعد أن بصرت أخت موسى به عن جنب، ورأت رفضه للمراضع، وبحثهم عمن يرضعه، قالت: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ أى: يقومون بتربيته وإرضاعه من أجل راحتكم وراحته، وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ أى: وهم لا يمنعونه ما ينفعه في تربيته وغذائه، ولا يقصرون فيما يعود عليه بالخير والعافية. وقوله- سبحانه-: فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ معطوف على كلام محذوف، والتقدير: فسمعوا منها ما قالت، ودلتهم على أمه، فرددناه إليها، كي يطمئن قلبها وتقر عينها برجوع ولدها إليها، ولا تحزن لفراقه. ولتعلم أن وعد الله- تعالى- حق، أى: أن وعده- سبحانه- لا خلف فيه، بل هو كائن لا محالة.

стр. 4611

وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ أى: ولكن أكثر الناس لا يعلمون هذه الحقيقة حق العلم، ولذا يستعجلون الأمور، دون أن يفطنوا إلى حكمته- سبحانه- في تدبير أمر خلقه. وبذلك نرى هذه الآيات قد صاغت لنا بأبلغ أسلوب، جانبا من حياة موسى- ﵇، ومن رعاية الله- تعالى- له، وهو ما زال في سن الرضاعة. ثم قص علينا- سبحانه- جانبا من حياة موسى- ﵇ بعد أن بلغ أشده واستوى، فقال- تعالى-: [سورة القصص (٢٨) : الآيات ١٤ الى ٢١] وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ (١٧) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨) فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩) وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠) فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١)

стр. 4612

وقوله- سبحانه- وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى بيان لجانب من النعم التي أنعم الله- تعالى- بها على موسى في تلك المرحلة من حياته. ولَمَّا ظرف بمعنى حين. والأشد: قوة الإنسان، واشتعال حرارته من الشدة بمعنى القوة والارتفاع يقال: شد النهار إذا ارتفع. وهو مفرد جاء بصيغة الجمع ولا واحد له من لفظه. وقوله: وَاسْتَوى من الاستواء بمعنى الاكتمال وبلوغ الغاية والنهاية. أى- وحين بلغ موسى- ﵇ منتهى شدته وقوته، واكتمال عقله، قالوا: وهي السن التي كان فيها بين الثلاثين والأربعين. آتَيْناهُ بفضلنا وقدرتنا حُكْماً أى: حكمة وهي الإصابة في القول والفعل، وقيل: النبوة. وَعِلْماً أى: فقها في الدين، وفهما سليما للأمور، وإدراكا قويما لشئون الحياة. وقوله- سبحانه-: وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ بيان لسنة من سننه- تعالى- التي لا تتخلف. أى: ومثل هذا الجزاء الحسن، والعطاء الكريم، الذي أكرمنا به موسى وأمه نعطى ونجازي المحسنين، الذين يحسنون أداء ما كلفهم الله- تعالى- به. فكل من أحسن في أقواله وأعماله، أحسن الله- تعالى- جزاءه، وأعطاه الكثير من آلائه. ثم حكى- سبحانه- بعض الأحداث التي تعرض لها موسى- ﵇ في تلك الحقبة من عمره فقال: وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها. والمراد بالمدينة: مصر، وقيل: ضاحية من ضواحيها، كعين شمس، أو منف. وجملة عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها حال من الفاعل. أى: دخلها مستخفيا. قيل: والسبب في دخوله على هذه الحالة، أنه بدت منه مجاهرة لفرعون وقومه بما

стр. 4613

يكرهون، فخافهم وخافوه. فاختفى وغاب، فدخلها متنكرا «١» . أى: وفي يوم من الأيام، وبعد أن بلغ موسى سن القوة والرشد، دخل المدينة التي يسكنها فرعون وقومه: عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها أى: دخلها مستخفيا في وقت كان أهلها غافلين عما يجرى في مدينتهم من أحداث، بسبب راحتهم في بيوتهم في وقت القيلولة، أو ما يشبه ذلك. فَوَجَدَ موسى فِيها أى في المدينة رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ أى: يتخاصمان ويتنازعان في أمر من الأمور. هذا مِنْ شِيعَتِهِ أى: أحد الرجلين كان من طائفته وقبيلته. أى: من بنى إسرائيل: وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ أى: والرجل الثاني كان من أعدائه وهم القبط الذين كانوا يسيمون بنى إسرائيل سوء العذاب. فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ أى: فطلب الرجل الإسرائيلى من موسى، أن ينصره على الرجل القبطي. والاستغاثة: طلب الغوث والنصرة، ولتضمنه معنى النصرة عدى بعلى. فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ والفاء هنا فصيحة. والوكز: الضرب بجميع الكف. قال القرطبي: والوكز واللكز واللهز بمعنى واحد، وهو الضرب بجميع الكف «٢» . أى: فاستجاب موسى لمن استنصر به، فوكز القبطي، أى: فضربه بيده مضمومة أصابعها في صدره، فَقَضى عَلَيْهِ أى: فقتله. وهو لا يريد قتله، وإنما كان يريد دفعه ومنعه من ظلم الرجل الإسرائيلى. والتعبير بقوله- تعالى-: فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ يشير إلى أن موسى- ﵇ كان على جانب عظيم من قوة البدن، كما يشير- أيضا- إلى ما كان عليه من مروءة عالية. حملته على الانتصار للمظلوم بدون تقاعس أو تردد. ولكن موسى- ﵇ بعد أن رأى القبطي جثة هامدة، استرجع وندم، وقال: هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ أى: قال موسى: هذا الذي فعلته وهو قتل القبطي، من عمل الشيطان ومن وسوسته. ومن تزيينه.

стр. 4614

إِنَّهُ أى: الشيطان عَدُوٌّ للإنسان مُضِلٌّ له عن طريق الحق مُبِينٌ أى: ظاهر العداوة والإضلال. ثم أضاف إلى هذا الندم والاسترجاع، ندما واستغفارا آخر فقال: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي، فَغَفَرَ لَهُ. أى: قال موسى- ﵇ بعد قتله القبطي بدون قصد- مكررا الندم والاستغفار: يا رب إنى ظلمت نفسي، بتلك الضربة التي ترتب عليها الموت، فاغفر لي ذنبي، فَغَفَرَ الله- تعالى- لَهُ ذنبه، إِنَّهُ- سبحانه- هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ثم أكد موسى ﵇ للمرة الثالثة، توبته إلى ربه، وشكره إياه على نعمه، فقال: رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ. والظهير: المعين لغيره والناصر له. يقال: ظاهر فلان فلانا إذا أعانه. ويطلق على الواحد والجمع. ومنه قوله- تعالى: وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ. قال صاحب الكشاف: قوله بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ يجوز أن يكون قسما جوابه محذوف، تقديره: أقسم بإنعامك على بالمغفرة لأتوبن فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ وأن يكون استعطافا، كأنه قال: رب اعصمني بحق ما أنعمت على من المغفرة فلن أكون- إن عصمتني- ظهيرا للمجرمين. وأراد بمظاهرة المجرمين إما صحبة فرعون وانتظامه في جملته، وتكثيره سواده، حيث كان يركب بركوبه، كالولد مع الوالد. وكان يسمى ابن فرعون. وإما مظاهرة من أدت مظاهرته إلى الجرم والإثم، كمظاهرة الإسرائيلى المؤدية إلى القتل الذي لم يحل له.. «١» . وهذه الضراعة المتكررة إلى الله- تعالى- من موسى- ﵇، تدل على نقاء روحه، وشدة صلته بربه، وخوفه منه، ومراقبته له- سبحانه-، فإن من شأن الأخيار في كل زمان ومكان، أنهم لا يعينون الظالمين، ولا يقفون إلى جانبهم. قال القرطبي: ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: من مشى مع مظلوم ليعينه على مظلمته، ثبت الله قدميه على الصراط يوم القيامة، يوم تزل الأقدام، ومن مشى مع ظالم ليعينه على ظلمه، أزل الله قدميه على الصراط يوم تدحض فيه الأقدام «٢» . ثم بين- سبحانه- ما كان من أمر موسى بعد هذه الحادثة فقال: فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ.

стр. 4615

أى: واستمر موسى- ﵇ بعد قتله للقبطي، يساوره القلق، فأصبح يسير في طرقات المدينة التي حدث فيها القتل، خائِفاً من وقوع مكروه به يَتَرَقَّبُ ما سيسفر عنه هذا القتل من اتهامات وعقوبات ومساءلات. والتعبير بقوله خائِفاً يَتَرَقَّبُ يشعر بشدة القلق النفسي الذي أصاب موسى- ﵇ في أعقاب هذا الحادث، كما يشعر- أيضا- بأنه- ﵇ لم يكن في هذا الوقت على صلة بفرعون وحاشيته، لأنه لو كان على صلة بهم، ربما دافعوا عنه، أو خففوا المسألة عليه. وفَإِذَا في قوله- تعالى- فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ فجائية. ويستصرخه: أى: يستغيث به، مأخوذ من الصراخ وهو رفع الصوت، لأن من عادة المستغيث بغيره أن يرفع صوته طالبا النجدة والعون. أى: وبينما موسى على هذه الحالة من الخوف والترقب، فإذا بالشخص الإسرائيلى الذي نصره موسى بالأمس، يستغيث به مرة أخرى من قبطى آخر ويطلب منه أن يعينه عليه. وهنا قال موسى- ﵇ لذلك الإسرائيلى المشاكس: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ. والغوى: فعيل من أغوى يغوى، وهو بمعنى مغو، كالوجيع والأليم بمعنى: الموجع والمؤلم. والمراد به هنا: الجاهل أو الخائب أو الضال عن الصواب. أى: قال له موسى بحدة وغضب: إنك لضال بين الضلال ولجاهل واضح الجهالة، لأنك تسببت في قتلى لرجل بالأمس، وتريد أن تحملني اليوم على أن أفعل ما فعلته بالأمس، ولأنك لجهلك تنازع من لا قدرة لك على منازعته أو مخاصمته. ومع أن موسى- ﵇ قد قال للإسرائيلى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ إلا أن همته العالية، وكراهيته للظلم، وطبيعته التي تأبى التخلي عن المظلومين كل ذلك دفعه إلى إعداد نفسه لتأديب القبطي، ويحكى القرآن ذلك فيقول: فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما ... والبطش: هو الأخذ بقوة وسطوة. يقال: بطش فلان بفلان إذا ضربه بعنف وقسوة. أى: فحين هيأ موسى- ﵇ نفسه للبطش بالقبطي الذي هو عدو لموسى وللإسرائيلى، حيث لم يكن على دينهما. قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ، إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ، وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ.

стр. 4616

ويرى بعض المفسرين، أن القائل لموسى هذا القول، هو الإسرائيلى، الذي طلب من موسى النصرة والعون، وسبب قوله هذا: أنه توهم أن موسى يريد أن يبطش به دون القبطي، عند ما قال له: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ. فيكون المعنى: قال الإسرائيلي لموسى بخوف وفزع: يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا- هي نفس القبطي- بالأمس، وما تريد بفعلك هذا إلا أن تكون جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ أى: ظالما قتالا للناس في الأرض، وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ الذين يصلحون، بين الناس، فتدفع التخاصم بالتي هي أحسن. ويرى بعضهم أن القائل لموسى هذا القول هو القبطي، لأنه فهم من قول موسى للإسرائيلى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ أنه- أى: موسى- هو الذي قتل القبطي بالأمس. وقد رجح الإمام الرازي هذا الوجه الثاني فقال: والظاهر هذا الوجه، لأنه- تعالى- قال: فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى فهذا القول إذن منه- أى من القبطي- لا من غيره- وأيضا قوله: إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ لا يليق إلا بأن يكون قولا من كافر- وهو القبطي-. وما رجحه الإمام الرازي هو الذي نميل إليه، وإن كان أكثر المفسرين قد رجحوا الرأى الأول، وسبب ميلنا إلى الرأى الثاني، أن السورة الكريمة قد حكت ما كان عليه فرعون وملؤه من علو وظلم واضطهاد لبنى إسرائيل، ومن شأن الظالمين أنهم يستكثرون الدفاع عن المظلومين، بل ويتهمون من يدافع عنهم بأنه جبار في الأرض، لذا نرى أن القائل هذا القول لموسى، هو القبطي، وليس الإسرائيلى- والله أعلم بمراده-. وقوله- سبحانه-: وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى.. معطوف على كلام محذوف يرشد إليه السياق. والتقدير: وانتشر خبر قتل موسى للقبطي بالمدينة، فأخذ فرعون وقومه في البحث عنه لينتقموا منه.. وجاء رجل- قيل هو مؤمن من آل فرعون- من أقصى المدينة، أى: من أطرافها وأبعد مكان فيها يَسْعى أى: يسير سيرا سريعا نحو موسى، فلما وصل إليه قال له: يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ وهم زعماء قوم فرعون. يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ أى: يتشاورون في أمرك ليقتلوك، أو يأمر بعضهم بعضا بقتلك، وسمى التشاور بين الناس ائتمارا، لأن كلا من المتشاورين يأمر الآخر، ويأتمر بأمره. ومنه قوله- تعالى-: وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ أى: وتشاوروا بينكم بمعروف.

стр. 4617

وقوله: فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ أى: قال الرجل لموسى: مادام الأمر كذلك يا موسى فاخرج من هذه المدينة، ولا تعرض نفسك للخطر، إنى لك من الناصحين بذلك، قبل أن يظفروا بك ليقتلوك. واستجاب موسى لنصح هذا الرجل فَخَرَجَ مِنْها أى: من المدينة، حالة كونه خائِفاً من الظالمين يَتَرَقَّبُ التعرض له منهم، ويعد نفسه للتخفى عن أنظارهم. وجعل يتضرع إلى ربه قائلا: رَبِّ نَجِّنِي بقدرتك وفضلك مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ بأن تخلصني من كيدهم، وتحول بينهم وبيني، فأنا ما قصدت بما فعلت، إلا دفع ظلمهم وبغيهم. وإلى هنا تكون السورة الكريمة، قد قصت علينا هذا الجانب من حياة موسى، بعد أن بلغ أشده واستوى، وبعد أن دفع بهمته الوثابة ظلم الظالمين، وخرج من مدينتهم خائفا يترقب، ملتمسا من خالقه- النجاة من مكرهم. ثم حكت لنا السورة الكريمة بعد ذلك، ما كان منه عند ما توجه إلى جهة مدين، وما حصل له في تلك الجهة من أحداث، فقال- تعالى-: [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٢٢ الى ٢٨] وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ (٢٢) وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤) فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)

стр. 4618

ولفظ تِلْقاءَ في قوله- تعالى-: وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ منصوب على الظرفية المكانية، وهو في الأصل اسم مصدر. يقال دارى تلقاء دار فلان، إذا كانت محاذية لها. ومَدْيَنَ اسم لقبيلة شعيب- ﵇ أو لقريته التي كان يسكن فيها، سميت بذلك نسبة إلى مدين بن إبراهيم- ﵇. وإنما توجه إليها موسى- ﵇، لأنها لم تكن داخلة تحت سلطان فرعون وملئه. أى: وبعد أن خرج موسى من مصر خائفا يترقب، صرف وجهه إلى جهة قرية مدين التي على أطراف الشام جنوبا، والحجاز شمالا. صرف وجهه إليها مستسلما لأمر ربه، متوسلا إليه بقوله: عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ. أى: قال على سبيل الرجاء في فضل الله- تعالى- وكرمه: عسى ربي الذي خلقني بقدرته، وتولاني برعايته وتربيته، أن يهديني ويرشدني إلى أحسن الطرق التي تؤدى بي إلى النجاة من القوم الظالمين. فالمراد بسواء السبيل: الطريق المستقيم السهل المؤدى. إلى النجاة، من إضافة الصفة إلى الموصوف أى: عسى أن يهديني ربي إلى الطريق الوسط الواضح. وأجاب الله- تعالى- دعاءه، ووصل موسى بعد رحلة شاقة مضنية إلى أرض مدين،

стр. 4619

ويقص علينا القرآن ما حدث له بعد وصوله إليها فيقول: وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ، وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ، وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ. قال القرطبي: ووروده الماء: معناه بلغه، لا أنه دخل فيه. ولفظة الورود قد تكون بمعنى الدخول في المورود، وقد تكون بمعنى الاطلاع عليه والبلوغ إليه وإن لم يدخل، فورود موسى هذا الماء كان بالوصول إليه.. «١» . وقوله- تعالى-: تَذُودانِ من الذود بمعنى الطرد والدفع والحبس. يقال: ذاد فلان إبله عن الحوض، ذودا وذيادا إذا حبسها ومنعها من الوصول إليه. والمعنى وحين وصل موسى- ﵇ إلى الماء الذي تستقي منه قبيلة مدين وجد أمة أى جماعة كثيرة مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ أى: يسقون إبلهم وغنمهم، ودوابهم المختلفة. وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ أى: ووجد بالقرب منهم. أو في جهة غير جهتهم. امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ أى: امرأتين تطردان وتمنعان أغنامهما أو مواشيهما عن الماء، حتى ينتهى الناس من السقي، ثم بعد ذلك هما تسقيان دوابهما، لأنهما لا قدرة لهما على مزاحمة الرجال. وهنا قال لهما موسى- صاحب الهمة العالية، والمروءة السامية، والنفس الوثابة نحو نصرة المحتاج- قال لهما بما يشبه التعجب: ما خَطْبُكُما؟ أى: ما شأنكما؟ وما الدافع لكما إلى منع غنمكما من الشرب من هذا الماء، مع أن الناس يسقون منه؟ وهنا قالتا له على سبيل الاعتذار وبيان سبب منعهما لمواشيهما عن الشرب: لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ، وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ. ويصدر: من أصدر- والصدر عن الشيء: الرجوع عنه، وهو ضد الورود. يقال: صدر فلان عن الشيء. إذا رجع عنه. قال الشوكانى: قرأ الجمهور «يصدر» بضم الياء وكسر الدال- مضارع أصدر المتعدى بالهمزة، وقرأ ابن عامر وأبو عمرو «يصدر» بفتح الياء وضم الدال- من صدر يصدر اللازم، فالمفعول على القراءة الأولى محذوف. أى: يرجعون مواشيهم.. «٢» والرِّعاءُ جمع الراعي، مأخوذ من الرعي بمعنى الحفظ.

стр. 4620

أى: قالتا لموسى- ﵇: إن من عادتنا أن لا نسقى. مواشينا حتى يصرف الرعاء دوابهم عن الماء، ويصبح الماء خاليا لنا، لأننا لا قدرة لنا على المزاحمة، وليس عندنا رجل يقوم بهذه المهمة، وأبونا شيخ كبير في السن لا يقدر- أيضا- على القيام بمهمة الرعي والمزاحمة على السقي. وبعد أن سمع موسى منهما هذه الإجابة، سارع إلى معاونتهما- شأن أصحاب النفوس الكبيرة، والفطرة السليمة، وقد عبر القرآن عن هذه المسارعة بقوله: فَسَقى لَهُما. أى: فسقى لهما مواشيهما سريعا. من أجل أن يريحهما ويكفيهما عناء الانتظار وفي هذا التعبير إشارة إلى قوته، حيث إنه استطاع وهو فرد غريب بين أمة من الناس يسقون- أن يزاحم تلك الكثرة من الناس، وأن يسقى للمرأتين الضعيفتين غنمهما. دون أن يصرفه شيء عن ذلك. رحم الله صاحب الكشاف. فقد أجاد عند عرضه لهذه المعاني. فقال ما ملخصه: «قوله: فَسَقى لَهُما أى: فسقى غنمهما لأجلهما. وروى أن الرعاة كانوا يضعون على رأس البئر حجرا لا يقله إلا سبعة رجال.. فأقله وحده. وإنما فعل ذلك رغبة في المعروف وإغاثة للملهوف والمعنى: أنه وصل إلى ذلك الماء، وقد ازدحمت عليه أمة من الناس، متكافئة العدد، ورأى الضعيفتين من ورائهم، مع غنمهما مترقبتين لفراغهم. فما أخطأت همته في دين الله تلك الفرصة، مع ما كان به من النصب والجوع، ولكنه رحمهما فأغاثهما، بقوة قلبه، وبقوة ساعده. فإن قلت: لم ترك المفعول غير مذكور في قوله يَسْقُونَ وتَذُودانِ قلت: لأن الغرض هو الفعل لا المفعول. ألا ترى أنه إنما رحمهما لأنهما كانتا على الذياد وهم على السقي، ولم يرحمهما لأن مذودهما غنم ومسقيهم إبل مثلا. فإن قلت: كيف طابق جوابهما سؤاله؟ قلت: سألهما عن سبب الذود فقالتا: السبب في ذلك أننا امرأتان ضعيفتان مستورتان لا نقدر على مزاحمة الرجال، فلا بد لنا من تأخير السقي إلى أن يفرغوا، وما لنا رجل يقوم بذلك، وأبونا شيخ كبير، فقد أضعفه الكبر، فلا يصلح للقيام به، فهما قد أبدتا إليه عذرهما في توليهما السقي بأنفسهما. فإن قلت: كيف ساغ لنبي الله الذي هو شعيب- ﵇ أن يرضى لا بنتيه بسقى الماشية؟ قلت، الأمر في نفسه ليس بمحظور، فالدين لا يأباه، وأما المروءة فالناس مختلفون في ذلك. والعادات متباينة فيه.. وأحوال العرب فيه خلاف أحوال العجم. ومذهب أهل البدو

стр. 4621

غير مذهب أهل الحضر، خصوصا إذا كانت الحالة حالة ضرورة.. «١» . وقوله- تعالى-: ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فقال: رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ بيان لما فعله موسى وقاله بعد أن سقى للمرأتين غنمهما. أى: فسقى موسى للمرأتين غنمهما، ثم أعرض عنهما متجها إلى الظل الذي كان قريبا منه في ذلك المكان، قيل كان ظل شجرة وقيل ظل جدار. فقال: على سبيل التضرع إلى ربه: يا ربي: إنى فقير ومحتاج إلى أى خير ينزل منك على سواء أكان هذا الخير طعاما أم غيره. قال الآلوسى ما ملخصه: وقوله: فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ أى: لأى شيء تنزله من خزائن كرمك إلى مِنْ خَيْرٍ جل أو قل، فَقِيرٌ أى: محتاج، وهو خبر إن. وعدى باللام لتضمنه معنى الاحتياج. وما نكرة موصوفة، والجملة بعدها صفتها. والرابط محذوف، ومِنْ خَيْرٍ بيان لها والتنوين فيه للشيوع، والكلام تعريض لما يطعمه، بسبب ما ناله من شدة الجوع. يدل لذلك ما أخرجه ابن مردويه عن أنس بن مالك: قال قال رسول الله ﷺ : «لما سقى موسى للجاريتين، ثم تولى إلى الظل، فقال: رب إنى لما أنزلت إلى من خير فقير، وإنه يومئذ فقير إلى كف من تمر» «٢» . واستجاب الله- تعالى- لموسى دعاءه. وأرسل إليه الفرج سريعا، يدل لذلك قوله- تعالى- بعد هذا الدعاء من موسى: فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا ... وفي الكلام حذف يفهم من السياق وقد أشار إليه ابن كثير بقوله: لما رجعت المرأتان سراعا بالغنم إلى أبيهما، أنكر حالهما ومجيئهما سريعا، فسألهما عن خبرهما فقصتا عليه ما فعل موسى- ﵇. فبعث إحداهما إليه لتدعوه إلى أبيها، كما قال- تعالى-: فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ أى: مشى الحرائر، كما روى عن عمر بن الخطاب أنه قال: كانت مستترة بكم درعها. أى قميصها. ثم قال ابن كثير: وقد اختلف المفسرون في هذا الرجل من هو؟ على أقوال: أحدها أنه شعيب النبي- ﵇ الذي أرسله الله إلى أهل مدين، وهذا هو المشهور عند كثيرين وقد قاله الحسن البصري وغير واحد ورواه ابن أبى حاتم.

стр. 4622

وقد روى الطبراني عن مسلمة بن سعد العنزي أنه وفد على رسول الله ﷺ فقال له: مرحبا بقوم شعيب، وأختان موسى. وقال آخرون. بل كان ابن أخى شعيب. وقيل: رجل مؤمن من آل شعيب. ثم قال- ﵀ ثم من المقوى لكونه ليس بشعيب، أنه لو كان إياه لأوشك أن ينص على اسمه في القرآن هاهنا. وما جاء في بعض الأحاديث من التصريح بذكره في قصة موسى لم يصح إسناده «١» . والمعنى: ولم يطل انتظار موسى للخير الذي التمسه من خالقه- فقد جاءته إحدى المرأتين اللتين سقى لهما، حالة كونها تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ أى: على تحشم وعفاف شأن النساء الفضليات. قالَتْ بعبارة بليغة موجزة: إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ للحضور إليه لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا أى: ليكافئك على سقيك لنا غنمنا. واستجاب موسى لدعوة أبيها وذهب معها للقائه فَلَمَّا جاءَهُ، أى: فلما وصل موسى إلى بيت الشيخ الكبير، وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ، أى: وقص عليه ما جرى له قبل ذلك، من قتله القبطي، ومن هروبه إلى أرض مدين. فالقصص هنا مصدر بمعنى اسم المفعول، أى: المقصوص. قالَ أى: الشيخ الكبير لموسى لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ أى: لا تخف يا موسى من فرعون وقومه، فقد أنجاك الله- تعالى- منهم ومن كل ظالم. وهذا القول من الشيخ الكبير لموسى، صادف مكانه، وطابق مقتضاه، فقد كان موسى- ﵇ أحوج ما يكون في ذلك الوقت إلى نعمة الأمان والاطمئنان، بعد أن خرج من مصر خائفا يترقب. ثم يحكى القرآن بعد ذلك، ما أشارت به إحدى الفتاتين على أبيها: فقال- تعالى-: قالَتْ إِحْداهُما ولعلها التي جاءت إلى موسى على استحياء لتقول له: إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا. يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ أى: قالت لأبيها بوضوح واستقامة قصد- شأن المرأة السليمة الفطرة النقية العرض القوية الشخصية- يا أبت استأجر هذا الرجل الغريب ليكفينا تعب الرعي، ومشقة العمل خارج البيت.

стр. 4623

ثم عللت طلبها بقولها: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ أى: استأجره ليرعى غنمنا، فإنه جدير بهذه المهمة، لقوته وأمانته، ومن جمع في سلوكه وخلقه بين القوة والأمانة، كان أهلا لكل خير، ومحلا لثقة الناس به على أموالهم وأعراضهم. قال ابن كثير: قال عمر، وابن عباس، وشريح القاضي، وأبو مالك، وقتادة.. وغير واحد: لما قالت: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ قال لها أبوها: وما علمك بذلك؟ قالت: إنه رفع الصخرة التي لا يطيق حملها إلا عشرة رجال، وأنه لما جئت معه تقدمت أمامه، فقال لي: كوني من ورائي، فإذا اجتنبت الطريق فاحذفى- أى فارمى- بحصاة أعلم بها كيف الطريق لأهتدى إليه «١» . واستجاب الشيخ الكبير لما اقترحته عليه ابنته، وكأنه أحس بصدق عاطفتها، وطهارة مقصدها وسلامة فطرتها، فوجه كلامه إلى موسى قائلا: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ. أى: قال الشيخ الكبير لموسى مستجيبا لاقتراح ابنته: يا موسى إنى أريد أن أزوجك إحدى ابنتي هاتين. ولعله أراد بإحداهما، تلك التي قالت له: يا أبت استأجره، لشعوره- وهو الشيخ الكبير، والأب العطوف، الحريص على راحة ابنته- بأن هناك عاطفة شريفة تمت بين قلب ابنته، وبين هذا الرجل القوى الأمين، وهو موسى- ﵇. وفي هذه الآيات ما فيها من الإشارة إلى رغبة المرأة الصالحة، في الرجل الصالح، وإلى أنه من شأن الآباء العقلاء أن يعملوا على تحقيق هذه الرغبة. قال الشوكانى: في هذه الآية مشروعية عرض ولى المرأة لها على الرجل، وهذه سنة ثابتة في الإسلام، كما ثبت من عرض عمر لابنته حفصة على أبى بكر وعثمان، وغير ذلك مما وقع في أيام الصحابة أيام النبوة، وكذلك ما وقع من عرض المرأة لنفسها على رسول الله ﷺ «٢» . وقوله- سبحانه-: عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ بيان لما اشترطه الشيخ الكبير على موسى- ﵇.

стр. 4624

أى قال له بصيغة التأكيد: إنى أريد أن أزوجك إحدى ابنتي هاتين، بشرط أن تعمل أجيرا عندي لرعى غنمي ثَمانِيَ حِجَجٍ أى: ثماني سنين. قال الجمل: وقوله: عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي في محل نصب على الحال، إما من الفاعل أو من المفعول. أى: مشروطا على أو عليك ذلك.. وتَأْجُرَنِي مفعوله الثاني محذوف أى: تأجرنى نفسك وثَمانِيَ حِجَجٍ ظرف له.. «١» . وقوله: فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ أى: فإن أتممت عشر سنين كأجير عندي لرعاية غنمي، أى: فهذا الإتمام من عندك على سبيل التفضل والتكرم فإنى لا أشترط عليك سوى ثماني حجج. وقوله وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ بيان لحسن العرض الذي عرضه الشيخ على موسى. أى: وما أريد أن أشق عليك أو أتعبك في أمر من الأمور خلال استئجارى لك، بل ستجدني- إن شاء الله- تعالى- من الصالحين، في حسن المعاملة، وفي لين الجانب، وفي الوفاء بالعهد. وقال: سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ.. للدلالة على أنه من المؤمنين. الذين يفوضون أمورهم إلى الله- تعالى- ويرجون توفيقه ومعونته على الخير. ثم حكى- سبحانه- ما رد به موسى فقال: قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ، وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ. أى: قالَ موسى في الرد على الشيخ الكبير ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أى: ذلك الذي قلته لي واشترطته على، كائن وحاصل بيني وبينك، وكلانا مطالب بالوفاء به فاسم الإشارة مبتدأ، وبيني وبينك خبره، والإشارة مرجعها إلى ما تعاقدا عليه، وأى في قوله: أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ شرطية، وجوابها، فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وما مزيدة للتأكيد. والمعنى: أى الأجلين، أى الثمانية الأعوام أو العشرة الأعوام قَضَيْتُ أى: وفيت به، وأديته معك أجيرا عندك فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ أى: فلا ظلم على، وأصل العدوان: تجاوز الحد. قال صاحب الكشاف ما ملخصه: أى قال موسى: ذلك الذي قلته.. قائم بيننا جميعا

стр. 4625

لا يخرج كلانا عنه لا أنا عما اشترطت على ولا أنت عما اشترطت على نفسك.. ثم قال: أى أجل من الأجلين قضيت- أطولهما أو أقصرهما- فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ أى: فلا يعتدى على في طلب الزيادة عليه. فإن قلت: تصور العدوان إنما هو في أحد الأجلين الذي هو الأقصر، وهو المطالبة بتتمة العشر، فما معنى تعليق العدوان بهما جميعا؟ قلت: معناه، كما أنى إن طولبت بالزيادة على العشر كان عدوانا لا شك فيه، فكذلك إن طولبت بالزيادة على الثماني. أراد بذلك تقرير أمر الخيار، وأنه ثابت مستقر، وأن الأجلين على السواء إما هذا وإما هذا من غير تفاوت بينهما في القضاء، وأما التتمة فهي موكولة إلى رأيى. إن شئت أتيت بها، وإلا لم أجبر عليها.. «١» . والمقصود بقوله: وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ توثيق العهد وتأكيده، وأنه لا سبيل لواحد منهما على الخروج عنه أصلا. أى: والله- تعالى- شهيد ووكيل ورقيب على ما اتفقنا عليه، وتعاهدنا على تنفيذه، وكفى بشهادته- سبحانه- شهادة. وقد ساق الإمام ابن كثير جملة من الآثار التي تدل على أن موسى- ﵇ قد قضى أطول الأجلين. ومن ذلك ما جاء عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: سألت جبريل: أى الأجلين قضى موسى؟ قال: «أكملهما وأتمهما، وفي رواية: أبرهما وأوفاهما» «٢» . هذا، والمتأمل في هذه الآيات الكريمة، يرى فيها بجلاء ووضوح، ما جبل عليه موسى- ﵇ من صبر على بأساء الحياة وضرائها ومن همة عالية تحمله في كل موطن على إعانة المحتاج، ومن طبيعة إيجابية تجعله دائما لا يقف أمام مالا يرضيه مكتوف اليدين، ومن عاطفة رقيقة تجعله في كل الأوقات دائم التذكر لخالقه، كثير التضرع إليه بالدعاء. كما يرى فيها الفطرة السوية، والصدق مع النفس، والحياء، والعفاف، والوضوح، والبعد عن التكلف والالتواء، كل ذلك متمثل في قصة هاتين المرأتين اللتين سقى لهما موسى غنمهما، واللتين جاءته إحداهما تمشى على استحياء، ثم قالت لأبيها: يا أبت استأجره. كما يرى فيها ما كان يتحلى به ذلك الشيخ الكبير من عقل راجح، ومن قول طيب حكيم، يدخل الأمان والاطمئنان على قلب الخائف، ومن أبوة حانية رشيدة، تستجيب
следующие страницы →