غير مذهب أهل الحضر، خصوصا إذا كانت الحالة حالة ضرورة.. «١» .
وقوله- تعالى-: ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فقال: رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ بيان لما فعله موسى وقاله بعد أن سقى للمرأتين غنمهما.
أى: فسقى موسى للمرأتين غنمهما، ثم أعرض عنهما متجها إلى الظل الذي كان قريبا منه في ذلك المكان، قيل كان ظل شجرة وقيل ظل جدار.
فقال: على سبيل التضرع إلى ربه: يا ربي: إنى فقير ومحتاج إلى أى خير ينزل منك على سواء أكان هذا الخير طعاما أم غيره.
قال الآلوسى ما ملخصه: وقوله: فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ أى: لأى شيء تنزله من خزائن كرمك إلى مِنْ خَيْرٍ جل أو قل، فَقِيرٌ أى: محتاج، وهو خبر إن.
وعدى باللام لتضمنه معنى الاحتياج. وما نكرة موصوفة، والجملة بعدها صفتها.
والرابط محذوف، ومِنْ خَيْرٍ بيان لها والتنوين فيه للشيوع، والكلام تعريض لما يطعمه، بسبب ما ناله من شدة الجوع.
يدل لذلك ما أخرجه ابن مردويه عن أنس بن مالك: قال قال رسول الله ﷺ :
«لما سقى موسى للجاريتين، ثم تولى إلى الظل، فقال: رب إنى لما أنزلت إلى من خير فقير، وإنه يومئذ فقير إلى كف من تمر» «٢» .
واستجاب الله- تعالى- لموسى دعاءه. وأرسل إليه الفرج سريعا، يدل لذلك قوله- تعالى- بعد هذا الدعاء من موسى: فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا ...
وفي الكلام حذف يفهم من السياق وقد أشار إليه ابن كثير بقوله: لما رجعت المرأتان سراعا بالغنم إلى أبيهما، أنكر حالهما ومجيئهما سريعا، فسألهما عن خبرهما فقصتا عليه ما فعل موسى- ﵇. فبعث إحداهما إليه لتدعوه إلى أبيها، كما قال- تعالى-:
فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ أى: مشى الحرائر، كما روى عن عمر بن الخطاب أنه قال: كانت مستترة بكم درعها. أى قميصها.
ثم قال ابن كثير: وقد اختلف المفسرون في هذا الرجل من هو؟ على أقوال: أحدها أنه شعيب النبي- ﵇ الذي أرسله الله إلى أهل مدين، وهذا هو المشهور عند كثيرين وقد قاله الحسن البصري وغير واحد ورواه ابن أبى حاتم.
стр. 4622
وقد روى الطبراني عن مسلمة بن سعد العنزي أنه وفد على رسول الله ﷺ فقال له: مرحبا بقوم شعيب، وأختان موسى.
وقال آخرون. بل كان ابن أخى شعيب. وقيل: رجل مؤمن من آل شعيب.
ثم قال- ﵀ ثم من المقوى لكونه ليس بشعيب، أنه لو كان إياه لأوشك أن ينص على اسمه في القرآن هاهنا. وما جاء في بعض الأحاديث من التصريح بذكره في قصة موسى لم يصح إسناده «١» .
والمعنى: ولم يطل انتظار موسى للخير الذي التمسه من خالقه- فقد جاءته إحدى المرأتين اللتين سقى لهما، حالة كونها تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ أى: على تحشم وعفاف شأن النساء الفضليات.
قالَتْ بعبارة بليغة موجزة: إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ للحضور إليه لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا أى: ليكافئك على سقيك لنا غنمنا.
واستجاب موسى لدعوة أبيها وذهب معها للقائه فَلَمَّا جاءَهُ، أى: فلما وصل موسى إلى بيت الشيخ الكبير، وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ، أى: وقص عليه ما جرى له قبل ذلك، من قتله القبطي، ومن هروبه إلى أرض مدين.
فالقصص هنا مصدر بمعنى اسم المفعول، أى: المقصوص.
قالَ أى: الشيخ الكبير لموسى لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ أى:
لا تخف يا موسى من فرعون وقومه، فقد أنجاك الله- تعالى- منهم ومن كل ظالم.
وهذا القول من الشيخ الكبير لموسى، صادف مكانه، وطابق مقتضاه، فقد كان موسى- ﵇ أحوج ما يكون في ذلك الوقت إلى نعمة الأمان والاطمئنان، بعد أن خرج من مصر خائفا يترقب.
ثم يحكى القرآن بعد ذلك، ما أشارت به إحدى الفتاتين على أبيها: فقال- تعالى-:
قالَتْ إِحْداهُما ولعلها التي جاءت إلى موسى على استحياء لتقول له: إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا.
يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ أى: قالت لأبيها بوضوح واستقامة قصد- شأن المرأة السليمة الفطرة النقية العرض القوية الشخصية- يا أبت استأجر هذا الرجل الغريب ليكفينا تعب الرعي، ومشقة العمل خارج البيت.
стр. 4623
ثم عللت طلبها بقولها: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ أى: استأجره ليرعى غنمنا، فإنه جدير بهذه المهمة، لقوته وأمانته، ومن جمع في سلوكه وخلقه بين القوة والأمانة، كان أهلا لكل خير، ومحلا لثقة الناس به على أموالهم وأعراضهم.
قال ابن كثير: قال عمر، وابن عباس، وشريح القاضي، وأبو مالك، وقتادة.. وغير واحد: لما قالت: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ قال لها أبوها: وما علمك بذلك؟ قالت: إنه رفع الصخرة التي لا يطيق حملها إلا عشرة رجال، وأنه لما جئت معه تقدمت أمامه، فقال لي: كوني من ورائي، فإذا اجتنبت الطريق فاحذفى- أى فارمى- بحصاة أعلم بها كيف الطريق لأهتدى إليه «١» .
واستجاب الشيخ الكبير لما اقترحته عليه ابنته، وكأنه أحس بصدق عاطفتها، وطهارة مقصدها وسلامة فطرتها، فوجه كلامه إلى موسى قائلا: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ.
أى: قال الشيخ الكبير لموسى مستجيبا لاقتراح ابنته: يا موسى إنى أريد أن أزوجك إحدى ابنتي هاتين.
ولعله أراد بإحداهما، تلك التي قالت له: يا أبت استأجره، لشعوره- وهو الشيخ الكبير، والأب العطوف، الحريص على راحة ابنته- بأن هناك عاطفة شريفة تمت بين قلب ابنته، وبين هذا الرجل القوى الأمين، وهو موسى- ﵇.
وفي هذه الآيات ما فيها من الإشارة إلى رغبة المرأة الصالحة، في الرجل الصالح، وإلى أنه من شأن الآباء العقلاء أن يعملوا على تحقيق هذه الرغبة.
قال الشوكانى: في هذه الآية مشروعية عرض ولى المرأة لها على الرجل، وهذه سنة ثابتة في الإسلام، كما ثبت من عرض عمر لابنته حفصة على أبى بكر وعثمان، وغير ذلك مما وقع في أيام الصحابة أيام النبوة، وكذلك ما وقع من عرض المرأة لنفسها على رسول الله ﷺ «٢» .
وقوله- سبحانه-: عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ بيان لما اشترطه الشيخ الكبير على موسى- ﵇.
стр. 4624
أى قال له بصيغة التأكيد: إنى أريد أن أزوجك إحدى ابنتي هاتين، بشرط أن تعمل أجيرا عندي لرعى غنمي ثَمانِيَ حِجَجٍ أى: ثماني سنين.
قال الجمل: وقوله: عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي في محل نصب على الحال، إما من الفاعل أو من المفعول.
أى: مشروطا على أو عليك ذلك.. وتَأْجُرَنِي مفعوله الثاني محذوف أى: تأجرنى نفسك وثَمانِيَ حِجَجٍ ظرف له.. «١» .
وقوله: فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ أى: فإن أتممت عشر سنين كأجير عندي لرعاية غنمي، أى: فهذا الإتمام من عندك على سبيل التفضل والتكرم فإنى لا أشترط عليك سوى ثماني حجج.
وقوله وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ بيان لحسن العرض الذي عرضه الشيخ على موسى.
أى: وما أريد أن أشق عليك أو أتعبك في أمر من الأمور خلال استئجارى لك، بل ستجدني- إن شاء الله- تعالى- من الصالحين، في حسن المعاملة، وفي لين الجانب، وفي الوفاء بالعهد.
وقال: سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ.. للدلالة على أنه من المؤمنين. الذين يفوضون أمورهم إلى الله- تعالى- ويرجون توفيقه ومعونته على الخير.
ثم حكى- سبحانه- ما رد به موسى فقال: قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ، وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ.
أى: قالَ موسى في الرد على الشيخ الكبير ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أى: ذلك الذي قلته لي واشترطته على، كائن وحاصل بيني وبينك، وكلانا مطالب بالوفاء به فاسم الإشارة مبتدأ، وبيني وبينك خبره، والإشارة مرجعها إلى ما تعاقدا عليه، وأى في قوله: أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ شرطية، وجوابها، فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وما مزيدة للتأكيد.
والمعنى: أى الأجلين، أى الثمانية الأعوام أو العشرة الأعوام قَضَيْتُ أى: وفيت به، وأديته معك أجيرا عندك فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ أى: فلا ظلم على، وأصل العدوان:
تجاوز الحد.
قال صاحب الكشاف ما ملخصه: أى قال موسى: ذلك الذي قلته.. قائم بيننا جميعا
стр. 4625
لا يخرج كلانا عنه لا أنا عما اشترطت على ولا أنت عما اشترطت على نفسك.. ثم قال: أى أجل من الأجلين قضيت- أطولهما أو أقصرهما- فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ أى: فلا يعتدى على في طلب الزيادة عليه. فإن قلت: تصور العدوان إنما هو في أحد الأجلين الذي هو الأقصر، وهو المطالبة بتتمة العشر، فما معنى تعليق العدوان بهما جميعا؟
قلت: معناه، كما أنى إن طولبت بالزيادة على العشر كان عدوانا لا شك فيه، فكذلك إن طولبت بالزيادة على الثماني. أراد بذلك تقرير أمر الخيار، وأنه ثابت مستقر، وأن الأجلين على السواء إما هذا وإما هذا من غير تفاوت بينهما في القضاء، وأما التتمة فهي موكولة إلى رأيى. إن شئت أتيت بها، وإلا لم أجبر عليها.. «١» .
والمقصود بقوله: وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ توثيق العهد وتأكيده، وأنه لا سبيل لواحد منهما على الخروج عنه أصلا.
أى: والله- تعالى- شهيد ووكيل ورقيب على ما اتفقنا عليه، وتعاهدنا على تنفيذه، وكفى بشهادته- سبحانه- شهادة.
وقد ساق الإمام ابن كثير جملة من الآثار التي تدل على أن موسى- ﵇ قد قضى أطول الأجلين. ومن ذلك ما جاء عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: سألت جبريل: أى الأجلين قضى موسى؟ قال: «أكملهما وأتمهما، وفي رواية: أبرهما وأوفاهما» «٢» .
هذا، والمتأمل في هذه الآيات الكريمة، يرى فيها بجلاء ووضوح، ما جبل عليه موسى- ﵇ من صبر على بأساء الحياة وضرائها ومن همة عالية تحمله في كل موطن على إعانة المحتاج، ومن طبيعة إيجابية تجعله دائما لا يقف أمام مالا يرضيه مكتوف اليدين، ومن عاطفة رقيقة تجعله في كل الأوقات دائم التذكر لخالقه، كثير التضرع إليه بالدعاء.
كما يرى فيها الفطرة السوية، والصدق مع النفس، والحياء، والعفاف، والوضوح، والبعد عن التكلف والالتواء، كل ذلك متمثل في قصة هاتين المرأتين اللتين سقى لهما موسى غنمهما، واللتين جاءته إحداهما تمشى على استحياء، ثم قالت لأبيها: يا أبت استأجره.
كما يرى فيها ما كان يتحلى به ذلك الشيخ الكبير من عقل راجح، ومن قول طيب حكيم، يدخل الأمان والاطمئنان على قلب الخائف، ومن أبوة حانية رشيدة، تستجيب
стр. 4626
للعواطف الشريفة، وتعمل على تحقيق رغباتها عن طريق الزواج الذي شرعه الله- تعالى-.
ومضت السنوات العشر، التي قضاها موسى أجيرا عند الشيخ الكبير في مدين، ووفى كل واحد منهما بما وعد به صاحبه، وتزوج موسى بإحدى ابنتي الشيخ الكبير، وقرر الرجوع بأهله إلى مصر، فماذا حدث له في طريق عودته؟ يحكى لنا القرآن الكريم بأسلوبه البديع ما حدث لموسى- ﵇ بعد ذلك فيقول:
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٢٩ الى ٣٥]
فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٣٢) قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣)
وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤) قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ (٣٥)
стр. 4627
والمراد بالأجل في قوله- تعالى-: فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ.. المدة التي قضاها موسى أجيرا عند الشيخ الكبير، بجهة مدين.
والمعنى: ومكث موسى عشر سنين في مدين، فلما قضاها وتزوج بإحدى ابنتي الشيخ الكبير، استأذن منه وَسارَ بِأَهْلِهِ أى وسار بزوجته متجها إلى مصر ليرى أقاربه وذوى رحمه، أو إلى مكان آخر قيل: هو بيت المقدس.
آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً ولفظ آنَسَ من الإيناس، وهو إبصار الشيء ورؤيته بوضوح لا التباس معه، حتى لكأنه يحسه بجانب رؤيته له.
أى: وخلال سيره بأهله إلى مصر، رأى بوضوح وجلاء مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً.
أى: رأى من الجهة التي تلى جبل الطور نارا عظيمة.
قال الآلوسى: «استظهر بعضهم أن المبصر كان نورا حقيقة، إلا أنه عبر عنه بالنار، اعتبارا لاعتقاد موسى- ﵇، وقال بعضهم: كان المبصر في صور النار الحقيقة، وأما حقيقته، فوراء طور العقل، إلا أن موسى- ﵇ ظنه النار المعروفة» «١» .
وقوله- سبحانه- قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً.. حكاية لما قاله موسى- ﵇ لزوجته ومن معها عند ما أبصر النار.
أى: عند ما أبصر موسى النار بوضوح وجلاء قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا في مكانكم إِنِّي آنَسْتُ ناراً على مقربة منى وسأذهب إليها.
لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ ينفعنا في مسيرتنا، أَوْ أقتطع لكم منها جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ.
قال الجمل: قرأ حمزة: أَوْ جَذْوَةٍ بضم الجيم. وقرأ عاصم بالفتح، وقرأ الباقون بالكسر، وهي لغات في العود الذي في رأسه نار، هذا هو المشهور. وقيده بعضهم فقال: في رأسه نار من غير لهب، وقد ورد ما يقتضى وجود اللهب فيه، وقيل: الجذوة العود الغليظ سواء أكان في رأسه نار أم لم يكن. وليس المراد هنا إلا ما في رأسه نار. «٢» .
стр. 4628
وقوله: تَصْطَلُونَ من الاصطلاء بمعنى الاقتراب من النار للاستدفاء بها من البرد.
والطاء فيه مبدلة من تاء الافتعال.
أى: قال موسى لأهله امكثوا في مكانكم حتى أرجع إليكم، فإنى أبصرت نارا سأذهب إليها، لعلى آتيكم من جهتها بخبر يفيدنا في رحلتنا، أو أقتطع لكم منها قطعة من الجمر، كي تستدفئوا بها من البرد.
قال ابن كثير ما ملخصه: وكان ذلك بعد ما قضى موسى الأجل الذي كان بينه وبين صهره في رعاية الغنم، وسار بأهله. قيل: قاصدا بلاد مصر بعد أن طالت الغيبة عنها أكثر من عشر سنين، ومعه زوجته، فأضل الطريق، وكانت ليلة شاتية. ونزل منزلا بين شعاب وجبال، في برد وشتاء، وسحاب وظلام وضباب وجعل يقدح بزند معه ليورى نارا- أى: ليخرج نارا- كما جرت العادة به، فجعل لا يقدح شيئا، ولا يخرج منه شرر ولا شيء، فبينما هو كذلك إذ آنس من جانب الطور نارا.. «١» .
ثم بين- سبحانه-: ما حدث لموسى بعد أن وصل إلى الجهة التي فيها النار فقال- تعالى-: فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ، أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ.
والضمير في «أتاها» ، يعود إلى النار التي رآها. وشاطئ الوادي: جانبه، والأيمن:
صفته.
أى: فحين أتى موسى- ﵇ إلى النار التي أبصرها، نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ أى سمع نداء من الجانب الأيمن بالنسبة له، أى: لموسى وهو يسير إلى النار التي رآها، فمن لابتداء الغاية.
ويرى بعضهم أن المراد بالأيمن. أى: المبارك، مأخوذ من اليمن بمعنى البركة.
وقوله: فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ متعلق بقوله نُودِيَ أو بمحذوف حال من الشاطئ.
وقوله: مِنَ الشَّجَرَةِ بدل اشتمال من شاطئ الوادي، فإنه كان مشتملا عليها.
والبقعة: اسم للقطعة من الأرض التي تكون غير هيئة القطعة المجاورة لها وجمعها بقع- بضم الباء وفتح القاف- وبقاع.
ووصفت بالبركة: لما وقع فيها من التكليم والرسالة لموسى، وإظهار المعجزات والآيات على يديه.
стр. 4629
أى: فلما اقترب موسى من النار، نودي من ذلك المكان الطيب، الكائن على يمينه وهو يسير إليها. والمشتمل على البقعة المباركة من ناحية الشجرة.
ولعل التنصيص على الشجرة، للإشارة إلى أنها كانت الوحيدة في ذلك المكان.
وأَنْ في قوله- تعالى-: أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ تفسيرية، لأن النداء قول.
أى: نودي أن يا موسى تنبه وتذكر إنى أنا الله رب العالمين.
قال الإمام ابن كثير: وقوله- تعالى-: أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ أى:
الذي يخاطبك ويكلمك هو رب العالمين، الفعال لما يشاء لا إله غيره. ولا رب سواه، تعالى وتقدس وتنزه عن مماثلة المخلوقات في ذاته وصفاته وأقواله- سبحانه-: «١» .
«قوله- سبحانه-: وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ معطوف على قوله أَنْ يا مُوسى فكلاهما مفسر للنداء، والفاء في قوله فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ فصيحة.
والمعنى: نودي أن يا موسى إنى أنا الله رب العالمين، ونودي أن ألق عصاك، فألقاها.
فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ أى تضطرب بسرعة كَأَنَّها جَانٌّ أى: كأنها في سرعة حركتها وشدة اضطرابها جَانٌّ أى: ثعبان يدب بسرعة ويمرق في خفة ولى مدبرا ولم يعقب. أى: ولى هاربا خوفا منها، دون أن يفكر في العودة إليها. ليتبين ماذا بها، وليتأمل ما حدث لها.
يقال: عقب المقاتل إذا كر راجعا إلى خصمه، بعد أن فر من أمامه.
وهنا جاءه النداء مرة أخرى، في قوله- تعالى-: يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ.
أى: يا موسى أقبل نحو المكان الذي كنت فيه، ولا تخف مما رأيته، إنك من عبادنا الآمنين عندنا، المختارين لحمل رسالتنا.
ثم أمره- سبحانه- بأمر آخر فقال: اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ...
ولفظ اسْلُكْ من السلك- بتشديد السين مع الفتح- بمعنى إدخال الشيء في الشيء.
أى: أدخل يدك يا موسى في فتحة ثوبك، تخرج بيضاء من غير سوء مرض أو عيب وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ والجناح: اليد، والرهب: الخوف والفزع.
стр. 4630
والمقصود بالجملة الكريمة وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ إرشاد موسى إلى ما يدخل الطمأنينة على قلبه، ويزيل خوفه.
والمعنى: افعل يا موسى ما أمرناك به، فإذا أفزعك أمر يدك وما تراه من بياضها وشعاعها، فأدخلها في فتحة ثوبك، تعد إلى حالتها الأولى.
وإذا انتابك خوف عند معاينة الحية، فاضمم يدك إلى صدرك، يذهب عنك الخوف.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت ما معنى قوله: وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ؟
قلت: فيه معنيان، أحدهما: أن موسى- ﵇ لما قلب الله العصا حية فزع واضطرب، فاتقاها بيده، كما يفعل الخائف من الشيء، فقيل له: إن اتقاءك بيدك فيه غضاضة- أى منقصة- عند الأعداء فإذا ألقيتها فعند ما تنقلب حية، فأدخل يدك تحت عضدك مكان اتقائك بها، ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران: اجتناب ما هو غضاضة عليك، وإظهار معجزة أخرى.
والثاني: أن يراد بضم جناحه إليه، تجلده وضبط نفسه، وتشدده عند انقلاب العصا حية، حتى لا يضطرب ولا يرهب ... «١» .
واسم الإشارة في قوله، فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه.. يعود إلى العصا واليد. والتذكير لمراعاة الخبر وهو بُرْهانانِ والبرهان: الحجة الواضحة النيرة التي تلجم الخصم، وتجعله لا يستطيع معارضتها. أى: فهاتان المعجزتان اللتان أعطيناك إياهما يا موسى، وهما العصا واليد، حجتان واضحتان كائنتان مِنْ رَبِّكَ فاذهب بهما إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ لكي تبلغهم رسالتنا، وتأمرهم بإخلاص العبادة لنا.
إِنَّهُمْ أى: فرعون وملئه كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ أى: خارجين من الطاعة إلى المعصية. ومن الحق إلى الباطل.
وهنا تذكر موسى ما كان بينه وبين فرعون وقومه من عداوة، فقال: رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ إذا ذهبت إليهم بهذه الآيات. وهو ﵇ لا يقول ذلك، هروبا من تبليغ رسالة الله- تعالى- وإنما ليستعين برعايته- وبحفظه.
عند ما يذهب إلى هؤلاء الأقوام الفاسقين.
ثم أضاف إلى ذلك قوله: وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً أى هو أقدر منى على المدافعة عن الدعوة وعلى تبيان الحق وتوضيحه.
стр. 4631
فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي، إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ والردء: العون والنصير.
يقال: ردأته على عدوه وأردأته، إذا أعنته عليه. وردأت الجدار إذا قويته بما يمنعه من أن ينقض.
أى: فأرسل أخى هارون معى إلى هؤلاء القوم، لكي يساعدني ويعينني على تبليغ رسالتك. ويصدقني فيما سأدعوهم إليه، ويخلفني إذا ما اعتدى على. إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ إذا لم يكن معى أخى هارون يعينني ويصدقني.
والمتأمل في هذا الكلام الذي ساقه الله- تعالى- على لسان موسى- ﵇ يرى فيه إخلاصه في تبليغ رسالة ربه، وحرصه على أن يؤتى هذا التبليغ ثماره الطيبة على أكمل صورة، وأحسن وجه.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت تصديق أخيه ما الفائدة فيه؟
قلت: ليس الغرض بتصديقه أن يقول له صدقت، أو يقول للناس صدق أخى، وإنما هو أن يلخص بلسانه الحق، ويبسط القول فيه، ويجادل به الكفار كما يصدق القول بالبرهان.
وفضل الفصاحة إنما يحتاج إليه لذلك، لا لقوله: صدقت، فإن سحبان وباقلا يستويان فيه «١» .
ثم حكى القرآن بعد ذلك، أن الله- تعالى- قد أجاب لموسى رجاءه فقال: قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ.
شد العضد: كناية عن التقوية له، لأن اليد تشتد وتقوى، بشدة العضد وقوته. وهو من المرفق إلى الكتف.
أى قال- سبحانه- لقد استجبنا لرجائك يا موسى، وسنقويك ونعينك بأخيك وَنَجْعَلُ لَكُما بقدرتنا ومشيئتنا سُلْطاناً أى: حجة وبرهانا وقوة تمنع الظالمين فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بأذى ولا يتغلبان عليكما بحجة.
وقوله بِآياتِنا متعلق بمحذوف. أى: فوضا أمركما إلى، واذهبا إلى فرعون وقومه بآياتنا الدالة على صدقكما.
وقوله- تعالى-: أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ مؤكد لمضمون ما قبله. من تقوية قلب موسى، وتبشيره بالغلبة والنصر على أعدائه.
أى: أجبنا طلبك يا موسى، وسنقويك بأخيك، فسيرا إلى فرعون وقومه، فسنجعل لكما
стр. 4632
الحجة عليهم. وستكونان أنتما ومن اتبعكما من المؤمنين أصحاب الغلبة والسلطان على فرعون وجنده.
ونفذ موسى وهارون- ﵉ أمر ربهما- فذهبا إلى فرعون ليبلغاه دعوة الحق، وليأمراه بإخلاص العبادة لله- تعالى-.
وتحكى الآيات الكريمة بعد ذلك ما دار بين موسى وبين فرعون وقومه من محاورات ومجادلات، انتهت بانتصار الحق، وهلاك الباطل.. تحكى الآيات كل ذلك فتقول:
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٣٦ الى ٤٣]
فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦) وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٣٧) وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ (٣٨) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠)
وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣)
стр. 4633
والمراد بالآيات في قوله- تعالى- فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ: العصا واليد.
وجمعهما تعظيم لشأنهما، ولاشتمال كل واحدة منهما على دلائل متعددة على صدق موسى- ﵇ فيما جاء به من عند ربه- تعالى-.
والمعنى: ووصل موسى إلى فرعون وقومه، ليأمرهم بعبادة الله وحده، فلما جاءهم بالمعجزات التي أيدناه بها، والتي تدل على صدقه دلالة واضحة.
قالُوا له على سبيل التبجح والعناد ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً أى: قالوا له:
ما هذا الذي جئت به يا موسى إلا سحر أتيت به من عند نفسك.
ثم أكدوا قولهم الباطل هذا بآخر أشد منه بطلانا، فقالوا- كما حكى القرآن عنهم-:
وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ.
أى: وما سمعنا بهذا الذي جئتنا به يا موسى، من الدعوة إلى عبادة الله وحده ومن إخبارك لنا بأنك نبي.. ما سمعنا بشيء من هذا كائنا أو واقعا في عهد آبائنا الأولين وقولهم هذا يدل على إعراضهم عن الحق، وعكوفهم على ما ألفوه بدون تفكر أو تدبر وقد رد عليهم موسى ردا منطقيا حكيما، حكاه القرآن في قوله: وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ ...
أى: وقال موسى في رده على فرعون وملئه: ربي الذي خلقني وخلقكم، أعلم منى ومنكم بمن جاء بالهدى والحق من عنده، وسيحكم بيني وبينكم بحكمه العادل.
ولم يصرح موسى- ﵇ بأنه يريد نفسه، بالإتيان بالهداية لهم من عند الله- تعالى- ليكفكف من عنادهم وغرورهم، وليرخى لهم حبل المناقشة، حتى يخرس ألسنتهم عن طريق المعجزات التي أيده الله- تعالى- بها.
وقوله: وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ معطوف على ما قبله.
أى: وربي- أيضا- أعلم منى ومنكم بمنى تكون له النهاية الحسنة، والعاقبة الحميدة.
قال الآلوسي: وقوله: وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ وهي الدنيا، وعاقبتها أن يختم للإنسان بها، بما يفضى به إلى الجنة بفضل الله- تعالى- وكرمه. «١»
стр. 4634
وقوله- سبحانه- إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ تذييل قصديه ببان سنة من سننه- تعالى- التي لا تتخلف أى إنه- سبحانه- قد اقتضت سنته أن لا يفوز الظالمون بمطلوب بل الذين يفوزون بالعاقبة الحميدة هم الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا.
ولكن هذا الرد المهذب الحكيم من موسى- ﵇، لم يعجب فرعون المتطاول المغرور فأخذ في إلقاء الدعاوى الكاذبة، التي حكاها القرآن عنه في قوله: وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي.
أى: وقال فرعون لقومه- على سبيل الكذب والفجور- يا أيها الأشراف من أتباعى.
إنى ما علمت لكم من إله سواي.
وقوله هذا يدل على ما بلغه من طغيان وغرور، فكأنه يقول لهم: إنى لم أعلم بأن هناك إلها لكم سواي، ومالا أعلمه فلا وجود له.
وقد قابل قومه هذا الهراء والهذيان، بالسكوت والتسليم، شأن الجهلاء الجبناء وصدق الله إذ يقول: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ «١» ثم تظاهر بعد ذلك بأنه جاد في دعواه أمام قومه بأنه لا إله لهم سواه، وأنه حريص على معرفة الحقيقة، فقال لوزيره هامان: فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى.
والصرح: البناء الشاهق المرتفع. أى: فاصنع لي يا هامان من الطين آجرا قويا، ثم هيئ لي منه بناء عاليا مكشوفا. أصعد عليه، لعلى أرى إله موسى من فوقه. والمراد بالظن في قوله: وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ اليقين. أى: وإنى لمتيقن أن موسى من الكاذبين في دعواه أن هناك إلها غيرى.. في هذا الكون.
وهكذا. استخف فرعون بعقول قومه الجاهلين الجبناء، فأفهمهم أنه لا إله لهم سواه، وأن موسى كاذب فيما ادعاه.
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى- وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ. أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى. وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ، وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ. وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ. «٢»
قال ابن كثير: وذلك لأن فرعون، بنى هذا الصرح، الذي لم ير في الدنيا بناء أعلى منه،
стр. 4635
وإنما أراد بهذا أن يظهر لرعيته، تكذيب موسى فيما قاله من أن هناك إلها غير فرعون. ولهذا قال: وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ أى: في قوله إن ثم ربا غيرى. «١»
ثم بين- سبحانه- الأسباب التي حملت فرعون على هذا القول الساقط الكاذب، فقال: وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ.
والاستكبار: التعالي والتطاول على الغير بحمق وجهل. أى: وتعالى فرعون وجنوده في الأرض التي خلقناها لهم، دون أن يكون لهم أى حق في هذا التطاول والتعالي، وظنوا واعتقدوا أنهم إلينا لا يرجعون، لمحاسبتهم ومعاقبتهم يوم القيامة.
فماذا كانت نتيجة ذلك التطاول والغرور، والتكذيب بالبعث والحساب؟ لقد كانت نتيجته كما قال- تعالى- بعد ذلك: فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ.
والنبذ: الطرح والإهمال للشيء لحقارته وتفاهته.
أى: فأخذنا فرعون وجنوده بالعقاب الأليم أخذا سريعا حاسما فألقينا بهم في البحر، كما يلقى بالنواة أو الحصاة التي لا قيمة لها، ولا اعتداد بها.
فَانْظُرْ أيها العاقل نظر تدبر واعتبار كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ؟ لقد كانت عاقبتهم الإغراق الذي أزهق أرواحهم واستأصل باطلهم.
وَجَعَلْناهُمْ أى: فرعون وجنوده، أَئِمَّةً في الكفر والفسوق والعصيان بسبب أنهم يَدْعُونَ، غيرهم إلى ما يوصل إِلَى النَّارِ وسعيرها والاحتراق بها.
وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ أى: ويوم القيامة لا يجدون من ينصرهم، بأن يدفع العذاب عنهم بأية صورة من الصور.
وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا التي قضوا حياتهم فيها في الكفر والضلال، أتبعناهم فيها لَعْنَةً أى: طردا وإبعادا عن رحمتنا.
وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ والشيء المقبوح: هو المطرود المبعد عن كل خير.
أى: وهم يوم القيامة- أيضا- من المبعدين عن رحمتنا، بسبب كفرهم وفسوقهم.
والتعبير بقوله- سبحانه-: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ يتناسب كل التناسب مع ما كانوا عليه في الدنيا من تطاول وغرور واستعلاء.
стр. 4636
فهؤلاء الذين كانوا في الدنيا كذلك، صاروا في الآخرة محل الازدراء وقبح الهيئة والاشمئزاز من كل عباد الله المخلصين.
ثم ختم- سبحانه- قصة موسى ببيان جانب مما منحه- له من نعم فقال:
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ أى آتيناه التوراة لتكون هداية ونورا مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى أى: أنزلنا التوراة على موسى، من بعد إهلاكنا للقرون الأولى من الأقوام المكذبين، كقوم نوح وهود وصالح وغيرهم.
قال الآلوسى: «والتعرض لبيان كون إيتائها بعد إهلاكهم للإشعار بأنها نزلت بعد مساس الحاجة إليها، تمهيدا لما يعقبه من بيان الحاجة الداعية إلى إنزال القرآن الكريم على رسول الله ﷺ فإن إهلاك القرون الأولى. من موجبات اندراس معالم الشرائع، وانطماس آثارها، المؤديين إلى اختلال نظام العالم وفساد أحوال الأمم وكل ذلك يستدعى تشريعا جديدا. «١»
وقوله- تعالى- بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً منصوب على أنه مفعول لأجله أو حال أى: آتيناه التوراة من أجل أن تكون أنوارا لقلوبهم يبصرون بها الحقائق، كما يبصرون بأعينهم المرئيات، ومن أجل أن تكون هداية لهم إلى الصراط المستقيم، ورحمة لهم من العذاب.
وقوله- سبحانه- لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ تعليل لهذا الإيتاء، وحض لهم على الشكر.
أى آتيناهم الكتاب الذي عن طريقه يعرفون الحق من الباطل.. كي يكونوا دائما متذكرين لنعمنا، وشاكرين لنا على هدايتنا لهم ورحمتنا بهم.
وإلى هنا نرى السورة الكريمة، قد حدثتنا عن جوانب متعددة من حياة موسى- ﵇.
حدثتنا عن رعاية الله- تعالى- له حيث أراد له أن يعيش في بيت فرعون وأن يحظى برعاية امرأته، وأن يعود بعد ذلك إلى أمه كي تقر عينها به، دون أن يصيبه أذى من فرعون الذي كان يذبح الذكور من بنى إسرائيل ويستحيى نساءهم.
ثم حدثتنا عن رعاية الله- تعالى- له، بعد أن بلغ أشده واستوى، حيث نجاه من القوم الظالمين، بعد أن قتل واحدا منهم.
ثم حدثتنا عن رعاية الله- تعالى- له، بعد أن خرج من مصر خائفا يترقب متجها إلى
стр. 4637
قرية مدين، التي قضى فيها عشر سنين أجيرا عند شيخ كبير من أهلها.
ثم حدثتنا عن رعاية الله- تعالى- له، بعد أن قضى تلك المدة، وسار بأهله متجها إلى مصر، وكيف أن الله- تعالى- أمره بتبليغ رسالته إلى فرعون وقومه، وأنه- ﵇ قد لبى أمر ربه- سبحانه- وبلغ رسالته على أتم وجه وأكمله، فكانت العاقبة الطيبة له ولمن آمن به، وكانت النهاية الأليمة لفرعون وجنوده.
وهكذا طوفت بنا السورة الكريمة مع قصة موسى- ﵇ ذلك التطواف الذي نرى فيه رعاية الله- تعالى- لموسى، وإعداده لحمل رسالته، كما نرى فيه نماذج متنوعة لأخلاقه الكريمة، ولهمته العالية، ولصبره على تكاليف الدعوة، ولسنن الله- تعالى- في خلقه، تلك السنن التي لا تتخلف في بيان أن العاقبة الحسنة للمتقين، والعاقبة القبيحة للكافرين والفاسقين.
ثم بدأت السورة بعد ذلك في تسلية الرسول ﷺ ، وفي بيان أن هذا القرآن من عند الله، وفي بيان جانب من شبهات المشركين، ثم تلقين الرسول ﷺ الرد المزهق لها..
لنستمع إلى الآيات الكريمة التي تحكى لنا بأسلوبها البليغ، هذه المعاني وغيرها فتقول:
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٤٤ الى ٥١]
وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥) وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦) وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧) فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ (٤٨)
قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٩) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠) وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١)
стр. 4638
والخطاب في قوله- تعالى-: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ.. للرسول ﷺ والمراد بجانب الغربي: الجانب الغربي لجبل الطور الذي وقع فيه الميقات، وفيه تلقى موسى التوراة من ربه- تعالى-.
أى: وما كنت- أيها الرسول الكريم- حاضرا في هذا المكان، إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ أى، وقت أن كلفناه بحمل رسالتنا، وأنزلنا إليه التوراة، لتكون هداية ونورا له ولقومه.
وَما كُنْتَ أيضا- أيها الرسول الكريم- مِنَ الشَّاهِدِينَ لذلك، حتى تعرف حقيقة ما كلفنا به أخاك موسى، فتبلغه للناس عن طريق المشاهدة.
فالمقصود بالآية بيان أن ما بلغه الرسول ﷺ للناس عن أخبار الأولين، إنما بلغه عن طريق الوحى الذي أوحاه الله- تعالى- إليه، وليس عن طريق آخر.
قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: يقول- تعالى- منبها على برهان نبوة محمد ﷺ حيث أخبر بالغيوب الماضية خبرا كأن سامعه شاهد وراء لما تقدم، وهو رجل أمى لا يقرأ شيئا من الكتب، نشأ بين قوم لا يعرفون شيئا من ذلك، كما أنه لما أخبره عن مريم وما كان من أمرها، قال- تعالى-: وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ «١» .
стр. 4639
ثم قال- تعالى-: تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ، ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ. «١»
وقوله- سبحانه-: وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ بيان للأسباب التي من أجلها قص الله- تعالى- على نبيه ﷺ أخبار الأمم السابقة.
أى: أنت أيها الرسول الكريم- لم تكن معاصرا لتلك الأحداث ولكن أخبرناك بها عن طريق الوحى، والسبب في ذلك أن بينك وبين موسى وغيره من الأنبياء أزمانا طويلة، تغيرت فيه الشرائع والأحكام، وعميت على الناس الأنباء، فكان من الخير والحكمة أن نقص عليك أخبار السابقين بالحق الذي لا يحوم حوله باطل، حتى يعرف الناس الأمور على وجهها الصحيح.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف يتصل قوله: وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً بهذا الكلام؟
قلت: اتصاله به وكونه استدراكا له، من حيث إن معناه: ولكنا أنشأنا بعد عهد الوحى إلى عهدك قرونا طويلة فَتَطاوَلَ على آخرهم: وهو القرن الذي أنت فيهم الْعُمُرُ.
أى: أمد انقطاع الوحى، واندرست العلوم، فوجب إرسالك إليهم، فأرسلناك وأكسبناك- أى: وأعطيناك- العلم بقصص الأنبياء.. فذكر سبب الوحى الذي هو إطالة الفترة ودل به على المسبب، على عادة الله- تعالى- في اختصاراته «٢» وقوله- سبحانه-: وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا مؤكدة لمضمون ما قبله. من عدم معرفة الرسول ﷺ لأخبار السابقين إلا عن طريق الوحى.
وقوله: ثاوِياً من الثواء بمعنى الإقامة. يقال: ثوى فلان بالمكان يثوى ثواء فهو ثاو، إذا أقام فيه. والمثوى: المنزل، ومنه الأثر القائل: أصلحوا مثاويكم، أى: منازلكم.
أى: وما كنت- أيها الرسول الكريم- مقيما في أهل مدين، وقت تلاوتك على أهل مكة المكرمة، قصة موسى والشيخ الكبير وما جرى بينهما، حتى تنقلها إليهم بطريق المشاهدة وإنما أنت أخبرتهم بها عن طريق وحينا الصادق المتمثل فيما أنزلناه عليك من آيات القرآن البينات.
стр. 4640
فالضمير في قوله تَتْلُوا عَلَيْهِمْ يعود على أهل مكة. والجملة حالية.
ويرى أكثر المفسرين أن الضمير لأهل مدين، أى وما كنت مقيما في أهل مدين، تقرأ عليهم آياتنا، وتتعلم منهم، والجملة حالية- أيضا- أو خبر ثان.
وعلى كلا التفسيرين فالمقصود بالجملة الكريمة إثبات أن ما أخبر به الرسول ﷺ عن الأولين، إنما هو عن طريق الوحى ليس غير.
وقوله- سبحانه-: وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ أى: ولكنا كنا مرسلين لك، وموحين إليك بتلك الآيات وفيها ما فيها عن أخبار الأولين. لإحقاق الحق وإبطال الباطل.
ثم ساق- سبحانه- ما يؤكد هذه المعاني تأكيدا قويا، حتى يخرس ألسنة الكافرين، فقال- تعالى-: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا.
أى وما كنت- أيضا أيها الرسول الكريم- بجانب الجبل المسمى بالطور وقت أن نادينا موسى، وكلفناه بحمل رسالتنا، وأعطيناه التوراة، وأوحينا إليه بما أوحينا من أحكام وتشريعات.
وقوله- تعالى-: وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ أى: ولكن فعلنا ما فعلنا، بأن أرسلناك إلى الناس، وقصصنا عليك ما نريده من أخبار الأولين، من أجل رحمتنا بك وبالناس، حتى يعتبروا ويتعظوا بأحوال السابقين، فالعاقل من اتعظ بغيره.
فقوله- تعالى-: رَحْمَةً منصوب على أنه مفعول لأجله، أو على المصدرية.
وقوله- سبحانه-: لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ متعلق بالفعل المعلل بالرحمة، والمراد بالقوم: أهل مكة وغيرهم ممن بعث الرسول ﷺ إليهم.
وجملة ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ صفة لقوله قَوْماً وما موصولة مفعول ثان لتنذر، وقوله: مِنْ نَذِيرٍ متعلق.
أى: أرسلناك رحمة، لتنذر قوما العقاب الذي أتاهم من نذير من قبلك، وكما قال- تعالى-: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ.
ويصح أن تكون ما نافية ومِنْ في قوله مِنْ نَذِيرٍ للتأكيد، فيكون المعنى: أرسلناك رحمة لتنذر هؤلاء المشركين من أهل مكة الذين لم يأتهم نذير من قبلك منذ أزمان متطاولة. إذ الفترة التي بينك وبين أبيهم إسماعيل تزيد على ألفى سنة.
ورسالة إسماعيل إليهم قد اندرست معالمها، فكانت الحكمة والرحمة تقتضيان إرسالك إليهم لتنذرهم سوء عاقبة الشرك.
стр. 4641
أما معظم الرسل من قبلك- كموسى وعيسى وزكريا ويحيى وداود وسليمان فكانت مع تباعد زمانها عنك- أيضا- إلى غيرهم من بنى إسرائيل، ومن الأمم الأخرى. المتناثرة في أطراف الجزيرة العربية.
فالمراد بالقوم على هذا الرأى: العرب المعاصرون له ﷺ كما قال- تعالى-:
لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ.
ولعل هذا الرأى أقرب إلى سياق الآيات، وإلى إقامة الحجة على مشركي قريش، الذين وقفوا من الرسول ﷺ موقف المكذب لرسالته، المعادى لدعوته.
وقوله- سبحانه-: لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ تذييل قصد به حضهم على التذكر والاعتبار.
أى: أرسلناك إليهم كي يتذكروا ما ترشدهم إليه، ويعتبروا بما جئتهم به، ويخشوا سوء عاقبة مخالفة إنذارك لهم.
ثم أبطل- سبحانه- ما يتعللون به من معاذير فقال: وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ، فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
ولَوْلا الأولى: امتناعية، تدل على امتناع الجواب لوجود الشرط، وجوابها محذوف لدلالة الكلام عليه، و «أن» وما في حيزها في محل رفع بالابتداء.
ولَوْلا الثانية: تحضيضية، وجوابها قوله فَنَتَّبِعَ آياتِكَ.. وجملة فَيَقُولُوا عطف على أَنْ تُصِيبَهُمْ ومن جملة ما في حيز لَوْلا الأولى.
والمعنى: ولولا أن تصيب هؤلاء المشركين مُصِيبَةٌ أى عقوبة شديدة. بسبب اقترافهم الكفر والمعاصي فَيَقُولُوا على سبيل التعلل عند نزول العقوبة بهم رَبَّنا أى:
يا ربنا هلا أرسلت إلينا رسولا من عندك فَنَتَّبِعَ آياتِكَ الدالة على صدقه وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ به وبما جاء به من آيات من عندك.
أى: ولولا قولهم هذا، وتعللهم بأنهم ما حملهم على الكفر، إلا عدم مجيء رسول إليهم يبشرهم وينذرهم.. لولا ذلك لما أرسلناك إليهم، ولكنا أرسلناك إليهم لنقطع حجتهم، ونزيل تعللهم، ونثبت لهم أن استمرارهم على كفرهم- بعد إرسالك إليهم، كان بسبب عنادهم وجحودهم، واستحواذ الشيطان عليهم.
قال الإمام ابن كثير: قوله- تعالى-: وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ أى: وأرسلناك إليهم- يا محمد لتقيم عليهم الحجة، ولتقطع عذرهم إذا جاءهم عذاب من الله بسبب كفرهم، فيحتجوا بأنهم لم يأتهم رسول ولا نذير، كما قال- تعالى- بعد ذكره إنزال كتابه
стр. 4642
المبارك وهو القرآن: أَنْ تَقُولُوا: إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا، وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ. أَوْ تَقُولُوا: لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ، فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ.. «١»
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك موقفهم بعد مجيء الرسول ﷺ إليهم فقال: فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا: لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى.
أى: ظل مشركو قريش أزمانا متطاولة دون أن يأتيهم رسول ينذرهم ويبشرهم فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا متمثلا في رسولنا محمد ﷺ وفيما أيدناه به من معجزات دالة على صدقه، وعلى رأسها القرآن الكريم.
لما جاءهم هذا الرسول الكريم قالُوا على سبيل التعنت والجحود: هلا أوتى هذا الرسول مثل ما أوتى موسى، من توراة أنزلت عليه جملة واحدة ومن معجزات حسية منها العصا واليد والطوفان، والجراد ... إلخ.
وقوله- : أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ.. رد عليهم لبيان أن ما قالوه هو من باب العناد والتعنت، والاستفهام لتقرير كفرهم وتأكيده.
أى: قالوا ما قالوا على سبيل الجحود، والحال أن هؤلاء المشركين كفروا كفرا صريحا بما أعطاه الله- تعالى- لموسى من قبلك- يا محمد- من معجزات، كما كفروا بالمعجزات التي جئت بها من عند ربك، فهم دينهم الكفر بكل حق.
ثم حكى- سبحانه- بعض أقوالهم الباطلة فقال: قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا، وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ.
وقوله: سِحْرانِ خبر لمبتدأ محذوف. أى: قالوا ما يقوله كل مجادل بغير علم:
هما- أى ما جاء به موسى وما جاء به محمد- عليهما الصلاة والسلام، سِحْرانِ تَظاهَرا أى: تعاونا على إضلالنا، وإخراجنا عن ديننا، وقالوا- أيضا- إِنَّا بِكُلٍّ أى بكل واحد مما جاءوا به كافِرُونَ كفرا لا رجوع معه إلى ما جاء به هذان النبيان- عليهما الصلاة والسلام-.
قال الآلوسى: وقوله: قالُوا استئناف مسوق لتقرير كفرهم المستفاد من الإنكار السابق، وبيان كيفيته، وسِحْرانِ، يعنون بهما ما أوتى نبينا وما أوتى موسى..
стр. 4643
تَظاهَرا أى: تعاونا بتصديق كل واحد منهما الآخر، وتأييده إياه، وذلك أن أهل مكة بعثوا رهطا منهم إلى رؤساء اليهود في عيد لهم، فسألوهم عن شأنه ﷺ فقالوا: إنا نجده في التوراة بنعته وصفته، فلما رجع الرهط وأخبروهم بما قالت اليهود. قالوا ذلك.
وقرأ الأكثرون قالوا ساحران تظاهرا وأرادوا بهما محمد وموسى- عليهما الصلاة والسلام- «١» .
ثم أمر الله- تعالى- رسوله ﷺ أن يتحداهم، وأن يفحمهم بما يخرس ألسنتهم فقال: قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
أى: قل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء الجاحدين: لقد أنزل الله- تعالى- على موسى التوراة. وأنزل القرآن على، وأنا مؤمن بهما كل الإيمان، فإن كنتم أنتم مصرون على كفركم فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، هُوَ أَهْدى مِنْهُما أى هو أوضح منهما وأبين في الإرشاد إلى الطريق المستقيم.
وقوله أَتَّبِعْهُ مجزوم في جواب الأمر المحذوف، أى: إن تأتوا به أتبعه.. إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في زعمكم أن القرآن والتوراة نوع من السحر.
فالآية الكريمة تتهكم بهم، وتسخر منهم، بأسلوب بديع معجز، لأنه من المعروف لكل عاقل أنهم ليس في استطاعتهم- ولا في استطاعة غيرهم- أن يأتوا بكتاب. أهدى من الكتابين اللذين أنزلهما- سبحانه- على نبيين كريمين من أنبيائه، هما موسى ومحمد- عليهما الصلاة والسلام-.
ولذا قال صاحب الكشاف ما ملخصه: وهذا الشرط يأتى به المدل بالأمر المتحقق لصحته، لأن امتناع الإتيان بكتاب أهدى من الكتابين. أمر معلوم متحقق. لا مجال فيه للشك، ويجوز أن يقصد بحرف الشك التهكم بهم «٢» .
وقوله- سبحانه-: فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ زيادة في تثبيت قلب النبي ﷺ وتسليته عما أصابه منهم من أذى.
أى: فإن لم يفعلوا ما تحديتهم به، من الإتيان بكتاب هو أهدى من الكتابين.
فَاعْلَمْ- أيها الرسول الكريم- أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ الباطلة، وشهواتهم الزائفة، عند ما يجادلونك في شئون دعوتك.
стр. 4644
والاستفهام في قوله: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ.. للنفي والإنكار.
أى: ولا أحد أضل ممن اتبع هواه وشيطانه، دون أن تكون معه هداية من الله- تعالى- تهديد إلى طريق الحق، لأن هذا الضال قد استحب العمى على الهدى. وآثر الغواية على الرشد.
وقوله- سبحانه-: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ تذييل مبين لسنة الله- تعالى- في خلقه.
أى: إنه- سبحانه- جرت سنته أن لا يهدى القوم الظالمين إلى طريق الحق بسبب إصرارهم على الباطل، وتجاوزهم لكل حدود الحق والخير.
ثم أكد- سبحانه- قطع أعذارهم وحججهم بقوله: وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ، لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ.
وقوله. وَصَّلْنا من الوصل الذي هو ضد القطع، والتضعيف فيه للتكثير.
أى: ولقد أنزلنا هذا القرآن عليك- أيها الرسول الكريم- متتابعا، وأنت أوصلته إليهم كذلك، ليتصل تذكيرك لهم، عن طريق ما اشتمل عليه من عقائد وآداب وأحكام وقصص.
لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ أى: ليكون ذلك أقرب إلى تذكرهم وتعقلهم وتدبرهم، لأن استماعهم في كل يوم. أو بين الحين والحين إلى جديد منه، أدعى إلى تذكرهم واعتبارهم.
فالمقصود بالآية الكريمة. قطع كل حجة لهم، وبيان أن القرآن الكريم قد أنزله- سبحانه- متتابعا ولم ينزله جملة واحدة، لحكم من أعظمها اتصال التذكير بهداياته بين حين وآخر، على حسب ما يجد في المجتمع من أحداث.
وبذلك نرى الآيات الكريمة، قد أقامت ألوانا من الحجج والبراهين، على صدق النبي ﷺ فيما يبلغه عن ربه، وعلى أن هذا القرآن من عند الله، كما حكت جانبا من شبهات المشركين، وردت عليها بما يبطلها.
ثم تمدح السورة الكريمة بعد ذلك، طائفة من أهل الكتاب، استقامت قلوبهم، وخلصت نفوسهم من العناد، فاستقبلوا آيات الله- تعالى- ومن جاء بها استقبالا يدل على صدق إيمانهم، فقال- تعالى-:
стр. 4645
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٥٢ الى ٥٥]
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ (٥٥)
ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات روايات منها: أنها نزلت في سبعين من القسيسين بعثهم النجاشيّ إلى النبي ﷺ فلما قدموا عليه، قرأ عليهم سورة يس، فجعلوا يبكون وأسلموا.
وقيل: نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه الذين أسلموا من اليهود.
وقيل: نزلت في نصارى نجران.
وعلى أية حال فالآيات الكريمة تمدح قوما من أهل الكتاب أسلموا، وتعرض بالمشركين الذين أعرضوا عن دعوة الإسلام، مع أن في اتباعها سعادتهم ورشدهم.
والضمير في قوله مِنْ قَبْلِهِ يعود إلى القرآن الكريم، أو إلى النبي ﷺ والمراد بالموصول من آمن من أهل الكتاب، والمراد بالكتاب التوراة والإنجيل.
أى: الذين آتيناهم الكتاب من اليهود والنصارى من قبل نزول القرآن عليك- أيها الرسول الكريم- هم به يؤمنون، لأنهم يرون فيه الحق الذي لا باطل معه، والهداية التي لا ننشوبها ضلالة.
وَإِذا يُتْلى عليهم هذا القرآن قالُوا بفرح وسرور آمَنَّا بِهِ بأنه كلام الله- تعالى- إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا أى: إنه الكتاب المشتمل على الحق الكائن من عند ربنا وخالقنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ أى: من قبل نزوله مُسْلِمِينَ وجوهنا لله- تعالى-، ومخلصين له العبادة.
стр. 4646
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: أى فرق بين الاستئنافين إِنَّهُ وإِنَّا؟
قلت: الأول تعليل للإيمان به، لأن كونه حقا من الله حقيق بأن يؤمن به. والثاني: بيان لقوله: آمَنَّا بِهِ لأنه يحتمل أن يكون إيمانا قريب العهد وبعيده، فأخبروا أن إيمانهم به متقادم، لأن آباءهم القدماء قرءوا في الكتب الأول ذكره وأبناءهم من بعدهم، «١» .
ثم بين- سبحانه- ما أعده لهؤلاء الأخيار من ثواب فقال: أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا.
أى: أولئك الموصوفون بتلك الصفات الكريمة يؤتون أجرهم مضاعفا بسبب صبرهم على مغالبة شهواتهم، وبسبب صبرهم على ما يستلزمه اتباع الحق من تكاليف.
قال القرطبي: قوله- تعالى- أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا ثبت في صحيح مسلم عن أبى موسى أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين:
رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه، وأدرك النبي ﷺ فآمن به واتبعه وصدقه فله أجران، وعبد مملوك أدى حق الله- وحق سيده فله أجران، ورجل كانت له أمة فغذاها فأحسن تغذيتها، ثم أدبها فأحسن تأديبها، ثم أعتقها وتزوجها، فله أجران» .
قال علماؤنا: لما كان كل واحد من هؤلاء مخاطبا بأمرين من جهتين استحق كل واحد منهم أجرين، فالكتابى كان مخاطبا من جهة نبيه، ثم إنه خوطب من جهة نبينا، فأجابه واتبعه فله أجر الملتين» «٢» .
وقوله- تعالى- وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ بيان لصفة أخرى من صفاتهم الحسنة.
ويَدْرَؤُنَ من الدرء بمعنى الدفع ومنه الحديث الشريف: «ادرءوا الحدود بالشبهات» .
أى: لا يقابلون السيئة بمثلها، وإنما يعفون ويصفحون، ويقابلون الكلمة الخبيثة بالكلمة الحسنة.
وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ أى: ومما أعطيناهم من مال يتصدقون، بدون إسراف أو تقتير.
وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ أى: وإذا سمعوا الكلام الساقط الذي لا خير فيه.
انصرفوا عنه تكرما وتنزها.
стр. 4647
وَقالُوا لمن تطاول عليهم وآذاهم، لنا أعمالنا، التي سيحاسبنا الله- تعالى- عليها وَلَكُمْ- أيضا- أعمالكم، التي سيحاسبكم الله- تعالى- عليها.
سَلامٌ عَلَيْكُمْ أى: سلام متاركة منا عليكم، وإعراض عن سفاهتكم، فليس المراد بالسلام هنا: سلام التحية، وإنما المقصود به سلام المتاركة والإعراض.
لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ أى: إن ديننا ينهانا عن طلب صحبة الجاهلين، وعن المجادلة معهم.
قال ابن كثير ما ملخصه: لما انتهى وقد أهل الكتاب من لقائه مع النبي ﷺ ، وآمنوا به، وقاموا عنه، اعترضهم أبو جهل في نفر من قريش، فقالوا لهم: خيبكم الله من ركب، بعثكم من وراءكم من أهل دينكم، ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تكد تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم، وصدقتموه فيما قال، ما نعلم وفدا أحمق منكم.. فقالوا لهم: سلام عليكم، لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه، ولكم ما أنتم عليه، «١» .
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك أن الهداية منه وحده، ورد على أقوال المشركين، وبين سنة من سننه في خلقه، كما بين أن ما عنده- سبحانه- أفضل وأبقى، من شهوات الدنيا وزينتها، فقال- تعالى-:
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٥٦ الى ٦١]
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦) وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٧) وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ (٥٨) وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاَّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ (٥٩) وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٠)
أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١)
стр. 4648
والمعنى: إِنَّكَ- أيها الرسول الكريم- لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ أى:
لا تستطيع بقدرتك الخاصة أن تهدى إلى الإيمان من تريد هدايته إليه.
وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ أى: ولكن الله- تعالى- وحده، هو الذي يملك هداية من يشاء هدايته إلى الإيمان، فهو- سبحانه- الخالق لكل شيء، وقلوب العباد تحت تصرفه- تعالى- يهدى من يشاء منها ويضل من يشاء، على حسب مشيئته وحكمته، التي تخفى على الناس.
وَهُوَ- سبحانه- أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ أى: بالقابلين للهداية المستعدين لها.
فبلغ- أيها الرسول الكريم- ما كلفناك به، ثم اترك بعد ذلك قلوب الناس إلى خالقهم، فهو- سبحانه- الذي يصرفها كيف يشاء.
قال بعض العلماء: وإن الإنسان ليقف أمام هذا الخبر، مأخوذا بصرامة هذا الدين واستقامته، فهذا عم رسول الله ﷺ وكافله وحاميه والذائد عنه، لا يكتب الله له الإيمان، على شدة حبه لرسول الله ﷺ وشدة حب الرسول له أن يؤمن. «١»
ذلك أنه إنما قصد إلى عصبية القرابة وحب الأبوة، ولم يقصد إلى العقيدة، وقد علم الله منه ذلك فلم يقدر له ما كان يحبه له ﷺ ويرجوه، فأخرج هذا الأمر- أى الهداية- من خاصة رسوله ﷺ وجعله خاصا بإرادته- سبحانه- وتقديره. وما على الرسول
стр. 4649
إلا البلاغ، وما على الداعين بعده إلا النصيحة، والقلوب بعد ذلك بين أصابع الرحمن والهدى والضلال وفق ما يعلمه من قلوب العباد، واستعدادهم للهدى والضلال «١» .
ثم حكى- سبحانه- جانبا من الاعتذارات الواهية التي تذرع بها المشركون في عدم الدخول في الإسلام.
فقال- تعالى-: وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا والتخطف:
الانتزاع بسرعة. يقال: فلان اختطفه الموت. إذا أخذه بغتة بدون إمهال.
وقد ذكروا في سبب نزولها، أن بعض المشركين أتى النبي ﷺ فقال له: يا محمد، نحن نعلم أنك على الحق، ولكنا نخشى إن اتبعناك، وخالفنا العرب، أن يتخطفونا من أرضنا، وإنما نحن أكلة رأس- أى: قليلون لا نستطيع مقاومة العرب.
وقد رد الله- تعالى- على تعللهم هذا بقوله: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا. وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ.
وقوله: يُجْبى إِلَيْهِ أى: يحمل إليه، يقال جبى فلان الماء في الحوض إذا جمعه فيه، وحمله إليه.
والاستفهام لتقريعهم على قولهم هذا الذي يخالف الحقيقة.
أى: كيف قالوا ذلك، مع أننا قد جعلنا لهم حرما ذا أمان يعيشون من حوله، وتأتيهم خيرات الأرض من كل مكان، وقد فعلنا ذلك معهم وهم مشركون، فكيف نعرضهم للخطف وهم مؤمنون.
قال صاحب الكشاف: وكانت العرب في الجاهلية حولهم- أى حول أهل مكة- يتغاورون ويتناحرون وهم آمنون مطمئنون في حرمهم، وبحرمة البيت هم قارون بواد غير ذي زرع، والثمرات والأرزاق تجبى إليهم من كل مكان، فإذا خولهم الله ما خولهم من الأمن والرزق بحرمة البيت وحدها، وهم كفرة عبدة أصنام، فكيف يستقيم أن يعرضهم للتخطف والخوف، ويسلبهم الأمن، إذا ضموا إلى حرمة البيت حرمة، الإسلام.. «٢» .
والتعبير بقوله- سبحانه-: يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً للإشعار بكثرة الخيرات والثمرات، التي تأتى إلى أهل مكة من كل جانب من جوانب الأرض، ومن كل نوع من أنواع ثمارها. والجملة الكريمة صفة من صفات الحرم.
стр. 4650
وقوله- تعالى-: مِنْ لَدُنَّا أى: من جهتنا ومن عندنا وليس من عند غيرنا الذين تخشون غضبهم أو تخطفهم لكم، إن اتبعتم الرسول ﷺ .
فالمقصود بهذه الجملة الكريمة بيان سعة فضل الله- تعالى-، وأنه هو القادر على كل شيء.
وقوله- تعالى- وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ متعلق بقوله أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً.
أى: لقد جعلنا لهم حرما ذا أمن، وأفضنا عليهم من خيرات الأرض، ولكن أكثرهم يجهلون هذه الحقيقة، ويجهلون أن اتباعهم للدين الحق، يؤدى إلى سعادتهم في حياتهم وبعد مماتهم.
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ، أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ، وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ «١» .
ثم بين- سبحانه- الأسباب الحقيقية التي تؤدى إلى زوال النعم، التي من بينها نعمة الأمان والاطمئنان، فقال- تعالى-: وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها.
وكم هنا خبرية للتكثير، وبَطِرَتْ من البطر، بمعنى الأشر والغرور واستعمال نعم الله- تعالى- في غير ما خلقت له.
أى: وكثيرا من أهل قرى كانت أحوالهم كحال أهل مكة في الأمن وسعة الرزق، فلما بطروا معيشتهم، واستعملوا نعمنا في الشر لا في الخير، وفي الفسوق لا في الطاعة، أخذناهم أخذ عزيز مقتدر، بأن دمرناهم وقراهم تدميرا.
إذا فبطر النعمة وعدم الشكر عليها، هو السبب الحقيقي في الهلاك، وليس اتباع الهدى، كما زعم أولئك المشركون الجاهلون.
قال القرطبي: «بين- سبحانه- لمن توهم، أنه لو آمن لقاتلته العرب وتخطفته، أن الخوف في ترك الإيمان أكثر، فكم من قوم كفروا ثم حل بهم البوار. والبطر: الطغيان بالنعمة» .
ومَعِيشَتَها أى: في معيشتها، فلما حذف «في» تعدى الفعل، كما في قوله- تعالى-: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا «٢» .
стр. 4651
ثم بين- سبحانه- مآل مساكن هؤلاء الطاغين فقال: فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا.
أى: فتلك مساكن هؤلاء الطغاة ترونها يا أهل مكة في أسفاركم- إنها لم تسكن من بعدهم إلا زمانا قليلا، كالذي يرتاح بها وهو مسافر ثم يتركها إلى غير عودة إليها، لأنها صارت غير صالحة لذلك لشؤمها.
وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ أى: وكنا نحن وحدنا الوارثين لها منهم، لأنهم لم يتركوا أحدا يرث منازلهم وأموالهم، أو لأنها صارت خرابا لا تصلح للسكن.
ثم بين- سبحانه- مظهرا من مظاهر عدالته، وسنة من سننه التي كتبها على نفسه فقال- تعالى-: وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا ...
والمراد ب أُمِّها أكبرها وأعظمها كمكة بالنسبة للجزيرة العربية.
أى: إن حكمة الله- تعالى- وعدالته قد اقتصت، أن لا يهلك قرية من القرى التي كفر أهلها، حتى يبعث في كبرى تلك القرى وأصلها رسولا من رسله الكرام، يتلو على أهلها آياته، ويبلغهم دعوته، ويبين لهم الحق من الباطل.
وحكمة إرسال الرسول في كبرى تلك القرى، لأنها المركز والعاصمة، التي تبلغ الرسالة إلى القرى التابعة لها، ولأنها في العادة- المكان المختار لسكنى وجهاء القوم ورؤسائهم.
قال ابن كثير ما ملخصه: وفي هذه الآية دلالة على أن النبي ﷺ المبعوث من أم القرى- وهي مكة-، رسول إلى جميع القرى من عرب وأعجام، كما قال- تعالى-:
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها..، وقال- تعالى-:
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً. وثبت في الصحيحين أنه قال: بعثت إلى الأحمر والأسود، ولذا ختم به الرسالة والنبوة، فلا نبي بعده، ولا رسول، بل شرعه باق بقاء الليل والنهار إلى يوم القيامة، «١» .
وقوله- سبحانه-: وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ معطوف على ما قبله. وهو قوله: وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى ومؤكد له.
أى: وما كنا في حال من الأحوال بمهلكى هذه القرى، إلا في حال ظلم أهلها لأنفسهم، عن طريق تكذيبهم لرسلنا وإعراضهم عن آياتنا، وإيثارهم الكفر على الإيمان.
стр. 4652
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى- وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ.
ثم بين- سبحانه- أن هذه الدنيا وما فيها من متاع، هي شيء زهيد وضئيل بالنسبة لما ادخره- لعباده الصالحين من خيرات، فقال: وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها.
أى: وما أعطيتموه- أيها الناس- من خير، وما أصبتموه من مال فهو متاع زائل من أعراض الحياة الدنيا الزائلة وحطامها الذي لا دوام له، ومهما كثر فهو إلى نفاد، ومهما طال فله نهاية، فأنتم تتمتعون بزينة الحياة الدنيا ثم تتركونها لغيركم.
وَما عِنْدَ اللَّهِ- تعالى- من ثواب وعطاء جزيل في الآخرة، هو في نفسه خَيْرٌ وَأَبْقى لأن لذته خالصة من الشوائب والأكدار وبهجته لا تنتهي ولا تزول.
أَفَلا تَعْقِلُونَ هذه التوجيهات الحكيمة، وتعملون بمقتضاها، فإن من شأن العقلاء أن يؤثروا الباقي على الفاني، والذي هو خير على الذي هو أدنى.
ثم نفى- سبحانه- التسوية بين أهل الجنة وأهل النار بأبلغ أسلوب فقال: أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ، كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا.
فالاستفهام للإنكار ونفى المساواة بين الفريقين، والمراد بالوعد: الموعود به وهو الجنة ونعيمها.
أى: إنه لا يستوي في عرف أى عاقل، حال المؤمنين الذين وعدناهم وعدا حسنا بالجنة ونعيمها، وهم سيظفرون بما وعدناهم به لا محالة، وحال أولئك الكافرين والفاسقين الذين متعناهم إلى حين بمتاع الدنيا الزائلة.
وقوله- سبحانه-: ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ معطوف على مَتَّعْناهُ وداخل معه في حيز الصلة، ومؤكد لإنكار المساواة.
أى: ثم هو هذا الذي متعناه بمتاع الحياة الدنيا الزائل، من المحضرين لعذابنا في النار، والمحضرين: جمع محضر. اسم مفعول من أحضره.
وهذا التعبير يشعر بإحضاره إلى النار وهو مكره خائف، من العذاب المهين الذي أعدّ له، فالآية الكريمة قد نفت بأبلغ أسلوب- المساواة بين المؤمنين والكافرين.
стр. 4653
ثم حكى- سبحانه- جانبا من أقوال المشركين يوم القيامة، ومن أحوالهم السيئة، ورد أمرهم وأمر غيرهم إليه وحده- فقال:
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٦٢ الى ٧٠]
وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ (٦٣) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ (٦٦)
فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧) وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٦٩) وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)
والظرف في قوله- سبحانه-: وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ منصوب بفعل مقدر، ونداؤهم نداء إهانة وتحقير. والنداء صادر عن الله- تعالى-.
أى: واذكر- أيها المخاطب- لتتعظ وتعتبر، حال أولئك الظالمين، يوم يناديهم الله- تعالى- فيقول لهم: أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أى: أين شركائى الذين كنتم في الدنيا تزعمونهم شركائى، لكي ينصروكم أو يدفعوا عنكم العذاب.
стр. 4654
فمفعولا تَزْعُمُونَ محذوفان، لدلالة الكلام عليهما. والمقصود بهذا الاستفهام أَيْنَ شُرَكائِيَ الخزي والفضيحة، إذ من المعلوم أنه لا شركاء لله- تعالى- لا في ذاته ولا في صفاته.
والمراد بالذين حق عليهم القول في قوله- تعالى-: قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ ... رؤساؤهم في الكفر، ودعاتهم إليه كالشياطين، ومن يشبهونهم في التحريض على الضلال.
أى قال: رؤساؤهم ودعاتهم إلى الكفر، الذين ثبت عليهم العذاب بسبب إصرارهم على الفسوق والجحود.
رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أى: يا ربنا هؤلاء هم أتباعنا الذين أضللناهم.
أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا أى: دعوناهم إلى الضلالة التي كنا عليها فأطاعونا فيما دعوناهم إليه.
قال صاحب الكشاف ما ملخصه: قوله: هؤُلاءِ مبتدأ، والَّذِينَ أَغْوَيْنا صفته، والراجع إلى الموصول محذوف وأَغْوَيْناهُمْ الخبر. والكاف صفة لمصدر محذوف تقديره: أغويناهم فغووا غيا مثل ما غوينا، يعنون أنا لم نغو إلا باختيارنا، لا أن فوقنا مغوين أغوونا بقسر منهم وإلجاء. أودعونا إلى الغي وسولوه لنا، فهؤلاء كذلك غووا باختيارهم، لأن إغواءنا لهم، لم يكن إلا وسوسة وتسويلا. لا قسرا أو إلجاء «فلا فرق إذا بين غينا وغيهم..» «١» .
وقوله- سبحانه- تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ من كلام الرؤساء والشياطين، فهو مقرر لما قبله، ومؤكد له.
أى: تبرأنا إليك منهم، ومن ادعائهم أننا أجبرناهم على الضلالة والغواية، والحق أنهم ما كانوا يعبدوننا، بل كانوا يعبدون ما سولته لهم أهواؤهم وشهواتهم الباطلة.
فالآية الكريمة تحكى تبرؤ رءوس الكفر من أتباعهم يوم القيامة، ومن الآيات التي وردت في هذا المعنى قوله- تعالى-: وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي، فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ.. «٢» .
стр. 4655
وقوله- سبحانه-: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا «١» .
ثم وجه- سبحانه- إليهم توبيخا آخر فقال: وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ.
أى: وقيل لهؤلاء الكافرين على سبيل الفضيحة والتقريع: اطلبوا من شركائكم الذين توهمتم فيهم النفع والضر أن يشفعوا لكم، أو أن ينقذوكم مما أنتم فيه من عذاب، فطلبوا منهم ذلك لشدة حيرتهم وذلتهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ ولم يلتفتوا إليهم.
وَرَأَوُا الْعَذابَ أى: ورأى الشركاء والمشركون العذاب ماثلا أمام أعينهم.
ولَوْ في قوله: لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ شرطية، وجوابها محذوف. والتقدير:
لو أنهم كانوا في الدنيا مهتدين إلى طريق الحق. لما أصابهم هذا العذاب المهين.
ويجوز أن تكون للتمني فلا تحتاج إلى جواب، ويكون المعنى. ورأوا العذاب. فتمنوا أن لو كانوا ممن هداهم الله- تعالى- إلى الصراط المستقيم في الدنيا.
ثم وجه- سبحانه- إليهم نداء آخر لا يقل عن سابقه في فضيحتهم وتقريعهم فقال- تعالى-: ويوم يناديهم فيقول: ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ.
أى: واذكر- أيها العاقل- حال هؤلاء الكافرين يوم يناديهم المنادى من قبل الله- فيقول لهم: ما الذي أجبتم به رسلكم عند ما أمروكم بإخلاص العبادة لله- تعالى- ونهوكم عن الإشراك والكفر؟
فالمقصود من السؤال الأول: توبيخهم على إشراكهم، والمقصود من السؤال الثاني، توبيخهم على تكذيبهم لرسلهم، ولذا وقفوا من هذه الأسئلة موقف الحائر المذهول المكروب، كما قال- تعالى-: فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ.
أى: فخفيت عليهم الحجج التي يجيبون بها على هذه الأسئلة، وصاروا لفرط دهشتهم وذهولهم عاجزين عن أن يسأل بعضهم بعضا عن الإجابة.
وعدى فَعَمِيَتْ بعلى، لتضمنه معنى الخفاء قال- سبحانه- فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ ولم يقل: فعموا عن الأنباء، للمبالغة في بيان ذهولهم وصمتهم المطبق في ذلك اليوم العسير، حتى لكأنما الأنباء والأخبار عمياء لا تصل إليهم، ولا تعرف شيئا عنهم.
стр. 4656
والتعبير بقوله- سبحانه- فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ يشعر بزيادة حيرتهم وفرط دهشتهم فهم جميعا قد صاروا في حالة من الإبلاس والحيرة، جعلتهم يتساوون في العجز والجهل.
وكعادة القرآن الكريم في الجمع بين حال الكافرين وحال المؤمنين، أتبع الحديث عن الكافرين، بالحديث عن المؤمنين فقال: فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى هذا التائب المؤمن المواظب على الأعمال الصالحة أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ أى من الفائزين بالمطلوب.
قال ابن كثير: وعسى من الله- موجبة، فإن هذا واقع بفضل الله ومنّه- أى وعطائه- لا محالة «١» .
ثم بين- سبحانه- أن مرد الأمور جميعها إليه، وأنه هو صاحب الخلق والأمر فقال:
وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ.
أى: وربك- أيها الرسول الكريم- يخلق ما يشاء أن يخلقه، ويختار من يختار من عباده لحمل رسالته، ولتبليغ دعوته. لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ.
وما في قوله- تعالى- ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ نافية والخيرة من التخير وهي بمعنى الاختيار، والجملة مؤكدة لما قبلها من أنه- سبحانه- يخلق ما يشاء ويختار.
أى: وربك وحده يخلق ما يشاء خلقه ويختار ما يشاء اختياره لشئون عباده، وما صح وما استقام لهؤلاء المشركين أن يختاروا شيئا لم يختره الله- تعالى- أو لم يرده، إذ كل شيء في هذا الوجود خاضع لإرادته وحده- ولا يملك أحد كائنا من كان أن يقترح عليه شيئا ولا أن يزيد أو ينقص في خلقه شيئا.
وليس لهؤلاء المشركين أن يختاروا للنبوة أو لغيرها أحدا لم يختره الله- تعالى- لذلك، فالله- أعلم حيث يجعل رسالته.
قال القرطبي ما ملخصه: قوله: ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ أى: ليس يرسل من اختاروه هم.
وقيل: يجوز أن تكون ما في موضع نصب بيختار، ويكون المعنى، ويختار الذي كان لهم فيه الخيرة.
والصحيح الأول لإطباقهم الوقف على قوله وَيَخْتارُ، وما نفى عام لجميع الأشياء، أن يكون للعبد فيها شيء سوى اكتسابه بقدرة الله- .
стр. 4657
وقال الثعلبي: وما نفى، أى ليس لهم الاختيار على الله. وهذا أصوب، كقوله- تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ.. «١» .
وقوله- تعالى-: سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ تنزيه له- عن الشرك والشركاء.
أى تنزه الله- تعالى- وتقدس بذاته وصفاته عن إشراك المشركين، وضلاك الضالين.
ثم بين- سبحانه- أن علمه شامل لكل شيء فقال: وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ.
أى: وربك- أيها الرسول الكريم- يعلم علما تاما ما تخفيه صدور هؤلاء المشركين من أسرار، وما تعلنه من أقوال، وسيحاسبهم على كل ذلك حسابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
وَهُوَ اللَّهُ- سبحانه- لا إله إلا هو يستحق العبادة والخضوع لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ.
أى: في الدنيا، وله الحمد- أيضا- في الآخرة، وله وحده الْحُكْمُ النافذ وَإِلَيْهِ وحده تُرْجَعُونَ للحساب لا إلى غيره.
ثم أمر- سبحانه- نبيه ﷺ أن يذكر الناس بمظاهر قدرته- سبحانه- في هذا الكون، وأن يوقظ مشاعرهم للتأمل في ظاهرتين كونيتين، هما الليل والنهار، فإن التدبر فيما اشتملتا عليه من تنظيم دقيق، من شأنه أن يبعث على الإيمان بقدرة موجدهما، وهو الله . قال- تعالى-:
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٧١ الى ٧٥]
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤) وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥)
стр. 4658
السرمد: الدائم الذي لا ينقطع، والمراد به هنا: دوام الزمان من ليل أو نهار.
والمعنى: قل- أيها الرسول الكريم- للناس ليعتبروا ويتعظوا وينتبهوا إلى مظاهر قدرتنا ورحمتنا، أخبرونى ماذا كان يحصل لكم إن جعل الله- تعالى- عليكم الزمان ليلا دائما إلى يوم القيامة، مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ- تعالى- يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ تبصرون عن طريقه عجائب هذا الكون، وتقضون فيه حوائجكم أَفَلا تَسْمَعُونَ ما أرشدناكم إليه سماع تدبر وتفهم واعتبار يهديكم إلى طاعة الله- تعالى- وشكره على نعمه.
ثم قال لهم: أخبرونى بعد ذلك، لو جعل الله- تعالى- عليكم الزمان ضياء دائما إلى يوم القيامة مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ- تعالى- يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أى: تستريحون فيه من عناء العمل والكد والتعب بالنهار أَفَلا تُبْصِرُونَ أى: أفلا تبصرون هذه الدلائل الساطعة الدالة على قدرة الله- تعالى- ورأفته بكم.
إن دوام الزمان على هيئة واحدة من ليل أو نهار، يؤدى إلى اختلال الحياة، وعدم توفر أسباب المعيشة السليمة لكم، بل ربما أدى إلى هلاككم.
إن المشاهد من أحوال الناس، أنهم مع وجود الليل لساعات محدودة، يشتاقون لطلوع الفجر، لقضاء مصالحهم، ومع وجود النهار لساعات محدودة- أيضا- يتطلعون إلى حلول الليل، ليستريحوا فيه من عناء العمل.
وختم- سبحانه- الآية الأولى بقوله: أَفَلا تَسْمَعُونَ لأن حاسة السمع- فيما لو
стр. 4659
كان الليل سرمدا- هي أكثر الحواس استعمالا في تلك الحالة المفترضة، وختم الآية الثانية بقوله: أَفَلا تُبْصِرُونَ، لأن حاسة البصر- فيما لو كان النهار سرمدا- من أكثر الحواس استعمالا في هذه الحالة.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: هلا قيل: بنهار تتصرفون فيه، كما قيل «بليل تسكنون فيه،؟
قلت ذكر الضياء- هو ضوء الشمس- لأن المنافع التي تتعلق به متكاثرة، ليس التصرف في المعاش وحده، والظلام ليس بتلك المنزلة «١» .
وقوله- سبحانه-: وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ، وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ بيان لمظاهر فضل الله- تعالى- على الناس، حيث جعل الليل والنهار على تلك الحالة التي يعيشون فيها.
أى: ومن رحمته بكم- أيها الناس- أنه- سبحانه- لم يجعل زمان الليل سرمدا، ولا زمان النهار، بل جعلهما متعاقبين، وجعل لكل واحد منهما زمانا محددا مناسبا لمصالحكم ومنافعكم، فالليل تسكنون فيه وتريحون فيه أبدانكم، والنهار تنتشرون فيه لطلب الرزق من الله تعالى.
وقد فعل- سبحانه- ذلك لمصلحتكم، كي تشكروه على نعمه، وتخلصوا له العبادة والطاعة.
وبعد هذا الحديث عن مشاهد الكون، عادت السورة- للمرة الثالثة- إلى الحديث عن أحوال المجرمين يوم القيامة، فقال- تعالى-: وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ.
أى: كن متذكرا- أيها العاقل- لتعتبر وتتعظ، حال المجرمين يوم القيامة، يوم يناديهم الله- تعالى- على سبيل التقريع والتأنيب فيقول لهم: أين شركائى الذين كنتم في دنياكم تزعمون أنهم شركائى في العبادة والطاعة.
إنهم لا وجود لهم إلا في عقولكم الجاهلة، وأفكاركم الباطلة، وتقاليدكم السقيمة.
قال- تعالى-: وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ، وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ، لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ «٢» .
стр. 4660
وقوله- تعالى-: وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً أى: أخرجنا بسرعة من كل أمة من الأمم شهيدا يشهد عليهم، والمراد به الرسول الذي أرسله- سبحانه- إلى تلك الأمة المشهود عليها. فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ أى: فقلنا لهؤلاء المشركين- بعد أن شهد عليهم أنبياؤهم بأنهم قد بلغوهم رسالة الله- قلنا لهم: هاتوا برهانكم وأدلتكم على صحة ما كنتم عليه من شرك وكفر في الدنيا: والأمر هنا للتعجيز والإفضاح.
ولذا عقب- سبحانه- عليهم بقوله: فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ أى: فعجزوا عن الإتيان بالبرهان، وعلموا أن العبادة الحق إنما هي لله- تعالى- وحده. وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ أى: وغاب عنهم ما كانوا يفترونه في حياتهم، من أن معبوداتهم الباطلة ستشفع لهم يوم القيامة.
وبعد هذا البيان المتنوع عن دعاوى المشركين والرد عليها، وعن أحوالهم يوم القيامة، وعن أحوال المؤمنين الصادقين.. بعد كل ذلك، ختم- سبحانه- قصة موسى- ﵇ التي جاء الحديث عنها في كثير من آيات هذه السورة- ختمها بقصة قارون الذي كان من قوم موسى- ﵇ فقال- تعالى-:
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٧٦ الى ٨٤]
إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقَّاها إِلاَّ الصَّابِرُونَ (٨٠)
فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ (٨١) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (٨٢) تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤)