← Тафсир

Тафсир · id 23590

التفسير الوسيط لطنطاوي

محمد سيد طنطاوي

Полный текст (6 701 стр.). Показаны 5041–5080 · переход к 5046.

стр. 5041

سدا، مستو عندهم إنذارك إياهم وعدمه، فهم- لسوء استعدادهم وفساد فطرهم- لا يؤمنون بالحق الذي جئتهم به سواء دعوتهم إليه أم لم تدعهم إليه، وسواء خوفتهم بالعذاب أم لم تخوفهم به، لأنهم ماتت قلوبهم، وصارت لا تتأثر بشيء مما تدعوهم إليه.. ثم بين- سبحانه- من هم أهل للتذكير فقال: إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ. أى: إنما تنذر- أيها الرسول الكريم- إنذارا نافعا، أولئك الذين اتبعوا إرشادات القرآن الكريم وأوامره ونواهيه ... وينفع إنذارك- أيضا- مع من خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ أى: مع من خاف عقاب الرحمن دون أن يرى هذا العقاب، ودون أن يرى الله- تعالى- الذي له الخلق والأمر. هؤلاء هم الذين ينفع معهم الإنذار والتذكير والإرشاد، لأنهم فتحوا قلوبهم للحق، واستجابوا له. والفاء في قوله: فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ لترتيب البشارة أو الأمر بها، على ما قبلها من اتباع الذكر والخشية. أى: فبشر- أيها الرسول الكريم- هذا النوع من الناس، بمغفرة عظيمة منا لذنوبهم، وبأجر كريم لا يعلم مقداره أحد سوانا. ثم أكد- سبحانه- أن البعث حق، وأن الجزاء حق، لكي لا يغفل عنهما الناس، ولكي يستعدوا لهما بالإيمان والعمل الصالح فقال: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى.... أى: إنا نحن بقدرتنا وحدها نحيى الموتى بعد موتهم، ونعيدهم إلى الحياة مرة أخرى لكي نحاسبهم على أعمالهم. وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ أى: وإنا نحن الذين نسجل عليهم أعمالهم التي عملوها في الدنيا سواء أكانت هذه الأعمال صالحة أم غير صالحة. ونسجل لهم- أيضا- آثارهم التي تركوها بعد موتهم سواء أكانت صالحة كعلم نافع، أو صدقة جارية ... أم غير صالحة كدار للهو واللعب، وكرأى من الآراء الباطلة التي اتبعها من جاء بعدهم، وسنجازيهم على ذلك بما يستحقون من ثواب أو عقاب وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ أى: وكل شيء أثبتناه وبيناه في أصل عظيم، وفي كتاب واضح عندنا. ألا وهو اللوح المحفوظ، أو علمنا الذي لا يعزب عنه شيء. قال الإمام ابن كثير ما ملخصه: وفي قوله: آثارَهُمْ قولان: أحدهما: ونكتب أعمالهم التي باشروها بأنفسهم، وآثارهم التي أثروها- أى تركوها- من

стр. 5042

بعدهم، فنجزيهم على ذلك- أيضا-، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. كقوله ﷺ من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء.. والثاني: أن المراد بقوله وَآثارَهُمْ أى: آثار خطاهم إلى الطاعة أو المعصية. فقد روى مسلم والإمام أحمد عن جابر بن عبد الله قال: خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال لهم: «إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا إلى المسجد؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قد أردنا ذلك، فقال: يا بنى سلمة، دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم» . ثم قال ابن كثير: ولا تنافى بين هذا القول والذي قبله، بل في القول الثاني تنبيه ودلالة على ذلك بطريق الأولى والأحرى، فإنه إذا كانت هذه الآثار تكتب، فلأن تكتب التي فيها قدوة بهم من خير أو شر بطريق الأولى «١» . هذا، وتلك الرواية الصحيحة تشير إلى أن هذه الآية ليست مدنية- كما قيل-، لأن هذه الرواية تصرح بأن الرسول ﷺ قد قال لبنى سلمة، «دياركم تكتب آثاركم» أى: ألزموا دياركم تكتب آثاركم.. دون إشارة إلى سبب النزول. قال الآلوسى ما ملخصه: والأحاديث التي فيها أن الله- تعالى- أنزل هذه الآية، حين أراد بنو سلمة أن ينتقلوا من ديارهم. معارضة بما في الصحيحين من أن النبي ﷺ قرأ لهم هذه الآية، ولم يذكر أنها نزلت فيهم، وقراءته ﷺ لا تنافى تقدم النزول. أى: أن الآية مكية كبقية السورة «٢» . وبذلك نرى الآيات الكريمة، قد أثبتت صدق الرسول ﷺ فيما يبلغه عن ربه، وبينت الحكمة من رسالته، كما بينت أن يوم القيامة آت لا ريب فيه. ثم أمر الله- تعالى- رسوله ﷺ أن يقرأ على الناس- ليعتبروا ويتعظوا- قصة أصحاب القرية، وما جرى بينهم وبين الرسل الذين جاءوا لهدايتهم وإرشادهم إلى الطريق المستقيم فقال- تعالى-.

стр. 5043

[سورة يس (٣٦) : الآيات ١٣ الى ١٩] وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قالُوا ما أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ (١٥) قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَما عَلَيْنا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٧) قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨) قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩) قال القرطبي ما ملخصه: قوله- تعالى-: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ وهذه القرية هي «أنطاكية» في قول جميع المفسرين ... والمرسلون: قيل: هم رسل من الله على الابتداء. وقيل: إن عيسى بعثهم إلى أنطاكية للدعاء إلى الله- تعالى- «١» . ولم يرتض ابن كثير ما ذهب إليه القرطبي والمفسرون من أن المراد بالقرية «أنطاكية» كما أنه لم يرتض الرأى القائل بأن الرسل الثلاثة كانوا من عند عيسى- ﵇ فقد قال- ﵀ ما ملخصه: وقد تقدم عن كثير من السلف، أن هذه القرية هي أنطاكية، وأن هؤلاء الثلاثة كانوا رسلا من عيسى- ﵇ وفي ذلك نظر من وجوه: أحدها: أن ظاهر القصة يدل على أن هؤلاء كانوا رسل الله- لا من جهة عيسى، كما قال- تعالى-: إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ ... الثاني: أن أهل أنطاكية آمنوا برسل عيسى إليهم، وكانوا أول مدينة آمنت بالمسيح ﵇، ولهذا كانت عند النصارى، إحدى المدن الأربعة التي فيها بتاركة- أى، علماء بالدين المسيحي..

стр. 5044

الثالث: أن قصة أنطاكية مع الحواريين أصحاب عيسى، كانت بعد نزول التوراة، وقد ذكر أبو سعيد الخدري وغيره، أن الله تعالى بعد إنزاله التوراة لم يهلك أمة من الأمم عن آخرهم بعذاب يبعثه عليهم، بل أمر المؤمنين بعد ذلك بقتال المشركين ... فعلى هذا يتعين أن هذه القرية المذكورة. قرية أخرى غير أنطاكية.. فإن هذه القرية المشهورة بهذا الاسم لم يعرف أنها أهلكت، لا في الملة النصرانية ولا قبل ذلك «١» . والذي يبدو لنا أن ما ذهب إليه الإمام ابن كثير هو الأقرب إلى الصواب وأن القرآن الكريم لم يذكر من هم أصحاب القرية، لأن اهتمامه في هذه القصة وأمثالها، بالعبر والعظات التي تؤخذ منها. وضرب المثل في القرآن الكريم كثيرا ما يستعمل في تطبيق حالة غريبة، بأخرى تشبهها، كما في قوله- تعالى- ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ، كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما، فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً. وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ. فيكون المعنى: واجعل- أيها الرسول الكريم- حال أصحاب القرية، مثلا لمشركي مكة في الإصرار على الكفر والعناد، وحذرهم من أن مصيرهم سيكون كمصير هؤلاء السابقين، الذين كانت عاقبتهم أن أخذتهم الصيحة فإذا هم خامدون، لأنهم كذبوا المرسلين. وقوله- سبحانه-: إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ بدل اشتمال من أَصْحابَ الْقَرْيَةِ. والمراد بالمرسلين: الذين أرسلهم الله إلى أهل تلك القرية، لهدايتهم إلى الحق. وقوله: إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما ... بيان لكيفية الإرسال ولموقف أهل القرية ممن جاءوا لإرشادهم إلى الدين الحق. أى: إن موقف المشركين منك- أيها الرسول الكريم-، يشبه موقف أصحاب القرية من الرسل الذين أرسلناهم لهدايتهم، إذ أرسلنا إلى أصحاب هذه القرية اثنين من رسلنا، فكذبوهما. وأعرضوا عن دعوتهما. والفاء في قوله فَكَذَّبُوهُما للإفصاح، أى: أرسلنا إليهم اثنين لدعوتهم إلى إخلاص العبادة لنا فذهبا إليهم فكذبوهما. وقوله: فعززنا بثالث أى: فقو بنا الرسالة برسول ثالث، من التعزيز بمعنى التقوية، ومنه

стр. 5045

قولهم: تعزز لحم الناقة، إذا اشتد وقوى. وعزز المطر الأرض، إذا قواها وشدها. وأرض عزاز، إذا كانت صلبة قوية. ومفعول فَعَزَّزْنا محذوف لدلالة ما قبله عليه أى: فعززناهما برسول ثالث فَقالُوا أى الرسل الثلاثة لأصحاب القرية: إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ لا إلى غيركم، فأطيعونا فيما ندعوكم إليه من إخلاص العبادة لله- تعالى-، ونبذ عبادة الأصنام. ثم حكى- سبحانه- ما دار بين الرسل وأصحاب القرية من محاورات فقال: قالُوا ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا، وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ، إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ. أى: قال أصحاب القرية للرسل على سبيل الاستنكار والتطاول: أنتم لستم إلا بشرا مثلنا في البشرية، ولا مزية لكم علينا، وكأن البشرية في زعمهم تتنافى مع الرسالة، ثم أضافوا إلى ذلك قولهم: وما أنزل الرحمن من شيء مما تدعوننا إليه. ثم وصفوهم بالكذب فقالوا لهم: ما أنتم إلا كاذبون، فيما تدعونه من أنكم رسل إلينا. وهكذا قابل أهل القرية رسل الله، بالإعراض عن دعوتهم وبالتطاول عليهم، وبالإنكار لما جاءوا به، وبوصفهم بالكذب فيم يقولونه. ولكن الرسل قابلوا كل ذلك بالأناة والصبر، شأن الواثق من صدقه، فقالوا لأهل القرية: بُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ. وَما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ. أى: قالوا لهم بثقة وأدب: ربنا- وحده- يعلم إنا إليكم لمرسلون، وكفى بعلمه علما، وبحكمه حكما، وما علينا بعد ذلك بالنسبة لكم إلا أن نبلغكم ما كلفنا بتبليغه إليكم تبليغا واضحا، لا غموض فيه ولا التباس. فأنت ترى أن الرسل لم يقابلوا سفاهة أهل القرية بمثلها، وإنما قابلوا تكذيبهم لهم. بالمنطق الرصين، وبتأكيد أنهم رسل الله، وأنهم صادقون في رسالتهم، لأن قولهم رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ جار مجرى القسم في التوكيد. وقولهم: وَما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ تحديد للوظيفة التي أرسلهم الله- تعالى- من أجلها. ولكن أهل القرية لم يقتنعوا بهذا المنطق السليم، بل ردوا على الرسل ردا قبيحا، فقالوا لهم: إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ، لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ، وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ والتطير: التشاؤم. أى قالوا في الرد عليهم: إنا تشاءمنا من وجودكم بيننا، وكرهنا النظر إلى

стр. 5046

وجوهكم، وإذا لم ترحلوا عنا، وتكفوا عن دعوتكم لنا إلى ما لا نريده، لنرجمنكم بالحجارة، وليمسنكم منا عذاب شديد الألم قد ينتهى بقتلكم وهلاككم. قال صاحب الكشاف: قوله تَطَيَّرْنا بِكُمْ أى: تشاءمنا بكم، وذلك أنهم كرهوا دينهم، ونفرت منه نفوسهم، وعادة الجهال أن يتيمنوا بكل شيء مالوا إليه، واشتهوه وآثروه وقبلته طباعهم، ويتشاءموا مما نفروا عنه وكرهوه، فإن أصابهم خير أو بلاء، قالوا: ببركة هذا وبشؤم هذا.. «١» . ولكن الرسل قابلوا هذا التهديد- أيضا- بالثبات، والمنطق الحكيم فقالوا لهم: طائِرُكُمْ مَعَكُمْ، أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ. أى: قال الرسل لأهل القرية: ليس الأمر كما ذكرتم من أننا سبب شؤمكم، بل الحق أن شؤمكم معكم، ومن عند أنفسكم، بسبب إصراركم على كفركم، وإعراضكم عن الحق الذي جئناكم به من عند خالقكم. وجواب الشرط لقوله: أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ محذوف، والتقدير: أئن وعظتم وذكرتم بالحق، وخوفتم من عقاب الله.. تطيرتم وتشاءمتم. وقوله: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ إضراب عما يقتضيه الاستفهام والشرط من كون التذكير سببا للشؤم. أى: ليس الأمر كما ذكرتم من أن وجودنا بينكم هو سبب شؤمكم، بل الحق أنكم قوم عادتكم الإسراف في المعاصي، وفي إيثار الباطل على الحق، والغي على الرشد، والتشاؤم على التيامن. ثم بين- سبحانه- بعد تلك المحاورة التي دارت بين أهل القرية وبين الرسل، والتي تدل على أن أهل القرية كانوا مثلا في السفاهة والكراهة للخير والحق. بين- سبحانه- بعد ذلك ما دار بين أهل القرية، وبين رجل صالح منهم ساءه أن يرى من قومه تنكرهم لرسل الله- تعالى- وتطاولهم عليهم، وتهديدهم لهم بالرجم: فقال- تعالى-:

стр. 5047

[سورة يس (٣٦) : الآيات ٢٠ الى ٣٢] وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧) وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ (٢٩) يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٠) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ (٣١) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٣٢) «١» وقوله- سبحانه-: وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى ... معطوف على كلام محذوف يفهم من سياق القصة، والتقدير: وانتشر خبر الرسل بين أصحاب القرية، وعلم الناس بتهديد بعضهم لهم وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ أى من أبعد مواضعها رَجُلٌ يَسْعى أى: رجل ذو فطرة سليمة، يسرع

стр. 5048

الخطا لينصح قومه، وينهاهم عن إيذاء الرسل ويأمرهم باتباعهم. قالوا: وهذا الرجل كان اسمه حبيب النجار، لأنه كان يشتغل بالنجارة. وقد أكثر بعض المفسرين هنا من ذكر صناعته وحاله قبل مجيئه، ونحن نرى أنه لا حاجة إلى ذلك، لأنه لم يرد نص صحيح يعتمد عليه فيما ذكروه عنه. ويكفيه فخرا هذا الثناء من الله- تعالى- عليه بصرف النظر عن اسمه أو صنعته أو حاله، لأن المقصود من هذه القصة وأمثالها في القرآن الكريم هو الاعتبار والافتداء بأهل الخير. وعبر هنا بالمدينة بعد التعبير عنها في أول القصة بالقرية للإشارة إلى سعتها، وإلى أن خبر هؤلاء الرسل قد انتشر فيها من أولها إلى آخرها. والتعبير بقوله: يَسْعى: يدل على صفاء نفسه، وسلامة قلبه، وعلو همته، ومضاء عزيمته، حيث أسرع بالحضور إلى الرسل وإلى قومه، ليعلن أمام الجميع كلمة الحق، ولم يرتض أن يقبع في بيته- كما يفعل الكثيرون- بل هرول نحو قومه، ليقوم بواجبه في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. وقوله- تعالى-: قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ بيان لما بدأ ينصح قومه به بعد وصوله إليهم. أى: قالَ لقومه على سبيل الإرشاد والنصح يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ الذين جاءوا لهدايتكم إلى الصراط المستقيم، ولإنقاذكم من الضلال المبين الذي انغمستم فيه. ثم أكد هذه الدعوة بقوله: اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ اتبعوا هؤلاء الرسل الذين جاءوا بأمر ربكم إليكم، ليرشدوكم الى الطريق الحق، والحال أنهم في أنفسهم ثابتون على الهدى، راسخون في التمسك بالعقيدة السليمة. ثم أخذ بعد ذلك في حض قومه على اتباع الحق، عن طريق بيان الأسباب التي حملته على الإيمان، حتى يستثير قلوبهم نحو الهدى، فقال- كما حكى القرآن عنه-: وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً؟ إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ. إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ. إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ. أى: قال الرجل الصالح لقومه: وأى مانع يمنعني من أن أعبد الله- تعالى- وحده، لأنه هو الذي خلقني ولم أكن قبل ذلك شيئا مذكورا، وهو الذي إليه يكون مرجعكم بعد مماتكم، فيحاسبكم على أعمالكم في الدنيا، ويجازيكم عليها بما تستحقون من ثواب أو عقاب.

стр. 5049

والاستفهام في قوله: أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً.. للإنكار والنفي. أى: لا يصح ولا يجوز أن اتخذ معه في العبادة آلهة أخرى، كائنة ما كانت هذه الآلهة، لأنه إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً من النفع، حتى ولو كان هذا النفع في نهاية القلة والحقارة. وَلا يُنْقِذُونِ: ولا تستطيع هذه الآلهة إنقاذى وتخليصي مما يصيبني من ضر أراد الرحمن أن ينزله بي. إِنِّي إِذاً لو اتخذت هذه الآلهة شريكا مع الله في العبادة لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ أى: لأكونن في ضلال واضح لا يخفى على أحد من العقلاء. ثم ختم حديثه معهم بإعلان إيمانه بكل صراحة وقوة فقال: إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ، الذي خلقكم ورزقكم فَاسْمَعُونِ أى: فاسمعوا ما نطقت به، واشهدوا لي بأنى آمنت بربكم الذي خلقكم وخلقني، وكفرت بهؤلاء الشركاء، ولن أشرك معه- سبحانه- في العبادة أحدا. مهما كانت النتائج. وهكذا نرى الرجل الصالح الذي استقر الإيمان في قلبه ومشاعره ووجدانه يدافع عن الحق الذي آمن به دفاعا قويا دون أن يخشى أحدا إلا الله، ويدعو قومه بشتى الأساليب إلى اتباعه ويقيم لهم ألوانا من الأدلة على صحة ما يدعو إليه. ثم يصارحهم في النهاية، ويشهدهم على هذه المصارحة، بأنه قد آمن بما جاء به الرسل إيمانا لا يقبل الشك أو التردد، ولا يثنيه عنه وعد أو وعيد أو إيذاء أو قتل. ورحم الله صاحب الكشاف، فقد أجاد في تصوير هذه المعاني فقال ما ملخصه: قوله: اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ كلمة جامعة في الاستجابة لدعوة الرسل، أى: لا تخسرون معهم شيئا من دنياكم، وتربحون صحة دينكم، فينتظم لكم خير الدنيا وخير الآخرة. ثم أبرز الكلام في معرض المناصحة لنفسه، وهو يريد مناصحتهم، وليتلطف بهم ويداريهم.. فقال: وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. ثم قال: إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ يريد فاسمعوا قولي وأطيعونى، فقد نهيتكم على الصحيح الذي لا معدل عنه، أن العبادة لا تصح إلا لمن منه مبتدؤكم وإليه مرجعكم.. «١» .

стр. 5050

ولكن هذه النصائح الغالية الحكيمة من الرجل الصالح لقومه، لم تصادف أذنا واعية بل إن سياق القصة بعد ذلك ليوحى بأن قومه قتلوه، فقد قال- تعالى- بعد أن حكى نصائح هذا الرجل لقومه، قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ.... أى: قالت الملائكة لهذا الرجل الصالح عند موته على سبيل البشارة: ادخل الجنة بسبب إيمانك وعملك الطيب. قال الآلوسى: قوله: قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ.. استئناف لبيان ما وقع له بعد قوله ذلك. والظاهر أن الأمر المقصود به الإذن له بدخول الجنة حقيقة، وفي ذلك إشارة إلى أن الرجل قد فارق الحياة، فعن ابن مسعود أنه بعد أن قال ما قال قتلوه.. وقيل: الأمر للتبشير لا للإذن بالدخول حقيقة، أى: قالت ملائكة الموت وذلك على سبيل البشارة له بأنه من أهل الجنة- يدخلها إذا دخلها المؤمنون بعد البعث «١» . وقوله- تعالى-: قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ. بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ استئناف بيانى لبيان ما قاله عند البشارة. أى: قيل له ادخل الجنة بسبب إيمانك وعملك الصالح، فرد وقال: يا ليت قومي الذين قتلوني ولم يسمعوا نصحى، يعلمون بما نلته من ثواب من ربي، فقد غفر لي- سبحانه-، وجعلني من المكرمين عنده، بفضله وإحسانه.. قال ابن كثير: ومقصوده- من هذا القول- أنهم لو اطلعوا على ما حصل عليه من ثواب ونعيم مقيم، لقادهم ذلك إلى اتباع الرسل، فرحمه الله ورضى عنه، فلقد كان حريصا على هداية قومه. روى ابن أبى حاتم أن عروة بن مسعود الثقفي، قال للنبي ﷺ : ابعثني إلى قومي أدعوهم إلى الإسلام، فقال له ﷺ «إنى أخاف أن يقتلوك» ، فقال: يا رسول الله، لو وجدوني نائما ما أيقظونى. فقال له رسول الله ﷺ «انطلق إليهم» فانطلق إليهم، فمر على اللات والعزى فقال: لأصبحنك غدا بما يسوؤك، فغضبت ثقيف فقال لهم: يا معشر ثقيف: أسلموا تسلموا- ثلاث مرات-. فرماه رجل منهم فأصاب أكحله فقتله- والأكحل: عرق في وسط الذراع- فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «هذا مثله كمثل صاحب يس قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ. بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ «٢» .

стр. 5051

وقال صاحب الكشاف ما ملخصه: وقوله: يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ.. إنما تمنى علم قومه بحاله، ليكون علمهم بها سببا لاكتساب مثلها لأنفسهم، بالتوبة عن الكفر، والدخول في الإيمان.. وفي حديث مرفوع: «نصح قومه حيا وميتا» . وفيه تنبيه عظيم على وجوب كظم الغيظ والحلم عن أهل الجهل والترؤف على من أدخل نفسه في غمار الأشرار وأهل البغي، والتشمر في تخليصه، والتلطف في افتدائه، والاشتغال بذلك عن الشماتة به، والدعاء عليه، ألا ترى كيف تمنى الخير لقتلته، وللباغين له الغوائل وهم كفرة وعبدة أصنام.. «١» . ثم بين- سبحانه- ما نزل بأصحاب القرية من عذاب أهلكهم فقال: وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ: أى: من بعد موته. مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ لأنهم كانوا أحقر وأهون من أن نفعل معهم ذلك. وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ أى: وما صح وما استقام في حكمتنا أن ننزل عليهم جندا من السماء، لهوان شأنهم، وهوان قدرهم. إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً أى: ما كانت عقوبتنا لهم إلا صيحة واحدة صاحها بهم جبريل بأمرنا. فَإِذا هُمْ خامِدُونَ أى: هامدون ميتون، شأنهم في ذلك كشأن النار التي أصابها الخمود والانطفاء، بعد أن كانت مشتعلة ملتهبة، يقال. خمدت النار تخمد خمودا. إذا سكن لهيبها، وانطفأ شررها، وخمد الرجل- كقعد- إذا مات وانقطعت أنفاسه. وهكذا كانت نهاية الذين كذبوا المرسلين، وقتلوا المصلحين، فقد نزلت بهم عقوبة الله- تعالى- فجعلتهم في ديارهم جاثمين. وبعد أن بين- سبحانه- سوء مصارع المكذبين، أتبع ذلك بدعوة الناس إلى الاتعاظ بذلك من قبل فوات الأوان، فقال- تعالى-: يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ. والحسرة: الغم والحزن على ما فات، والندم عليه ندما لا نفع من ورائه، كأن المتحسر قد انحسرت عنه قواه وذهبت، وصار في غير استطاعته إرجاعها. و «يا» حرف نداء. و «حسرة» منادى ونداؤها على المجاز بتنزيلها منزلة العقلاء.

стр. 5052

والمراد بالعباد: أولئك الذين كذبوا الرسل، وآثروا العمى على الهدى، ويدخل فيهم دخولا أوليا أصحاب تلك القرية المهلكة. والمقصود من الآية الكريمة، التعجب من حال هؤلاء المهلكين، وبيان أن حالهم تستحق التأثر والتأسف والاعتبار، لأنها حالة تدل على بؤسهم وظلمهم لأنفسهم وجهلهم. والمعنى: يا حسرة على العباد الذين أهلكوا بسبب إصرارهم على كفرهم احضرى فهذا أوان حضورك، فإن هؤلاء المهلكين كانوا في دنياهم ما يأتيهم من رسول من الرسل، إلا كانوا به يستهزئون، ويتغامزون، ويستخفون به وبدعوته، مع أنهم- لو كانوا يعقلون. لقابلوا دعوة رسلهم بالطاعة والانقياد. قال صاحب الكشاف: قوله: يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ... نداء للحسرة عليهم، كأنما قيل لها: تعالى يا حسرة فهذه من أحوالك التي حقك أن تحضرى فيها، وهي حال استهزائهم بالرسل. والمعنى: أنهم أحقاء بأن يتحسر عليهم المتحسرون، ويتلهف عليهم المتلهفون. أو هم متحسر عليهم من جهة الملائكة والمؤمنين من الثقلين. وقرئ: يا حسرة العباد، على الإضافة إليهم لاختصاصها بهم، من حيث إنها موجهة إليهم «١» . أى: يا حسرة العباد منهم على أنفسهم، بسبب تكذيبهم لرسلهم، واستهزائهم بهم. ثم وبخ- سبحانه- كفار مكة، بسبب عدم اعتبارهم بمن سبقهم فقال: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ. والقرون: جمع قرن. وهم القوم المقترنون في زمن واحد. و «كم» خبرية بمعنى كثير. أى: ألم يعلم كفار مكة أننا أهلكنا كثيرا من الأمم السابقة عليهم، بسبب إصرارهم على كفرهم، واستهزائهم برسلهم، وأن هؤلاء المهلكين لا يرجعون إليهم ليخبروهم بما جرى لهم، لأنهم لن يستطيعوا ذلك في الدنيا، لحكمة أرادها الله- تعالى-. ولكن الجميع سيعودون إليه- سبحانه- وسيبعثهم يوم القيامة من قبورهم للحساب والجزاء، كما قال- تعالى-: وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ. و «إن» حرف نفى، و «كل» مبتدأ، والتنوين فيه عوض عن المضاف إليه

стр. 5053

و «لما» بمعنى إلا. و «جميع» خبر المبتدأ. و «محضرون» خبر ثان. أى: لقد علم أهل مكة وغيرهم أننا أهلكنا كثيرا من القرى الظالم أهلها. وأن هؤلاء المهلكين لن يرجعوا إلى أهل مكة في الدنيا، ولكن الحقيقة التي لا شك فيها أنه ما من أمة من الأمم، أو جماعة من الجماعات المتقدمة أو المتأخرة إلا ومرجعها إلينا يوم القيامة، لنحاسبها على أعمالها، ولنجازيها بالجزاء الذي تستحقه. كما قال- سبحانه- في آية أخرى: وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ «١» . ثم ساق- سبحانه- بعد ذلك ألوانا من الأدلة الدالة على وحدانيته وقدرته، وهذه الأدلة منها ما هو أرضى، ومنها ما هو سماوي، ومنها ما هو بحرى، وكلها تدل- أيضا- على فضله ورحمته، قال- تعالى-: [سورة يس (٣٦) : الآيات ٣٣ الى ٤٤] وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٣٥) سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠) وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ (٤٢) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلاَّ رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ (٤٤)

стр. 5054

قال الإمام الرازي ما ملخصه قوله: وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وجه تعلقه بما قبله، أنه- سبحانه- لما قال: وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ كان ذلك إشارة إلى الحشر، فذكر ما يدل على إمكانه قطعا لإنكارهم واستبعادهم، وعنادهم فقال: وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها.. أى: وكذلك نحيى الموتى ... «١» . والمراد بالآية هنا: العلامة والبرهان والدليل. والمراد بالأرض الميتة: الأرض الجدباء التي لا نبات فيها. والمراد بالحب: جنسه من حنطة وشعير وغيرهما. أى: ومن العلامات الواضحة لهؤلاء المشركين على قدرتنا على إحياء الموتى، أننا ننزل الماء على الأرض الجدباء. فتهتز وتربو، وتخرج ألوانا وأصنافا من الحبوب التي يعيشون عليها. ويأكلون منها. ونكر- سبحانه- لفظ آيَةٌ للإشعار بأنها آية عظيمة، كان ينبغي لهؤلاء المشركين أن يلتفتوا إليها، لأنهم يشاهدون بأعينهم الأرض القاحلة السوداء، كيف تتحول إلى أرض خضراء بعد نزول المطر عليها. والله- تعالى- الذي قدر على ذلك، قادر- أيضا- على إحياء الموتى وإعادتهم إلى الحياة. وقوله: أَحْيَيْناها كلام مستأنف مبين لكيفية كون الأرض الميتة آية. وقدم- سبحانه- الجار والمجرور في قوله فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ للدلالة على أن الحب هو الشيء الذي تكون منه معظم المأكولات التي يعيشون عليها، وأن قلّته تؤدى الى القحط والجوع.

стр. 5055

ثم بين- سبحانه- بعض النعم الأخرى التي تحملها الأرض لهم فقال: وَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ، وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ. والآية الكريمة معطوفة على قوله أَحْيَيْناها، ونخيل: جمع نخل، كعبيد جمع عبد، وأعناب: جمع عنب: والعيون، جمع عين. والمراد بها الآبار التي تسقى بها الزروع. أى: أحيينا هذه الأرض الميتة بالماء.. وجعلنا فيها- بقدرتنا ورحمتنا- بساتين كثيرة من نخيل وأعناب، وفجرنا وشققنا فيها كثيرا من الآبار والعيون التي تسقى بها تلك الزروع والثمار. وخص النخيل والأعناب بالذكر، لأنها أشهر الفواكه المعروفة لديهم، وأنفعها عندهم. واللام في قوله: لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ متعلق بقوله: وَجَعَلْنا..... والضمير في قوله: مِنْ ثَمَرِهِ يعود إلى المذكور من الجنات والنخيل والأعناب. أو إلى الله- تعالى-. أى: وجعلنا في الأرض ما جعلنا من جنات ومن نخيل ومن أعناب، ليأكلوا ثمار هذه الأشياء التي جعلناها لهم، وليشكرونا على هذه النعم. و «ما» في قوله: وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ الظاهر أنها نافية والجملة حالية، والاستفهام للحض على الشكر. أى: جعلنا لهم في الأرض جنات من نخيل وأعناب، ليأكلوا من ثمار ما جعلناه لهم، وإن هذه الثمار لم تصنعها أيديهم، وإنما الذي أوجدها وصنعها هو الله- تعالى- بقدرته ومشيئته. وما دام الأمر كذلك، فهلا شكرونا على نعمنا، وأخلصوا العبادة لنا. قال ابن كثير: وقوله: وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أى: وما ذاك كله إلا من رحمتنا بهم، لا بسعيهم ولا كدهم، ولا بحولهم وقوتهم. قاله ابن عباس وقتادة. ولهذا قال: أَفَلا يَشْكُرُونَ أى: فهلا يشكرونه على ما أنعم به عليهم من هذه النعم التي لا تعد ولا تحصى «١» . ويصح أن تكون «ما» هنا موصولة فيكون المعنى: ليأكلوا من ثمره ومن الذي عملته أيديهم من هذه الثمار كالعصير الناتج منها، وكغرسهم لتلك الأشجار وتعهدها بالسقى وغيره، إلى أن آتت أكلها.

стр. 5056

قال الشوكانى: وقوله: وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ معطوف على ثمره، أى: ليأكلوا من ثمره، ويأكلوا مما عملته أيديهم كالعصير والدبس ونحوهما وكذلك ما غرسوه وحفروه على أن «ما» موصولة، وقيل: هي نافية، والمعنى: لم يعملوه بأيديهم، بل العامل له هو الله.. «١» . ثم أثنى- سبحانه- على ذاته بما هو أهل له من ثناء فقال: سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ، وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ. ولفظ: سُبْحانَ اسم مصدر منصوب على أنه مفعول مطلق بفعل محذوف، والتقدير: سبحت الله سبحانا: أى: تسبيحا. بمعنى نزهته تنزيها عن كل سوء، وعظمته تعظيما. و «من» في الآية الكريمة للبيان. أى: ننزه الله- تعالى- تنزيها عن كل سوء. ونعظمه تعظيما لا نهاية له، فهو- الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها أى: الأنواع، والأصناف كلها ذكورا وإناثا. مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ أى: خلق الأصناف كلها التي تنبت في الأرض من حبوب وغيرها. وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ أى: وخلقها من أنفسهم إذ الذكر من الأنثى، والأنثى من الذكر. وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ أى: وخلق هذه الأصناف كلها من أشياء لا علم لهم بها، وإنما مرد علمها إليه وحده- تعالى- كما قال- سبحانه- وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ. فالمقصود من الآية الكريمة بيان لمظهر من مظاهر قدرته- تعالى- وبديع خلقه، حيث خلق الأصناف كلها، نرى بعضها نابتا في الأرض، ونرى بعضها متمثلا في الإنسان المكون من ذكر وأنثى، وهناك مخلوقات أخرى لا يعلمها إلا الله- تعالى-. وبعد أن بين- سبحانه- مظاهر قدرته عن طريق التأمل في الأرض التي نعيش عليها، عقب ذلك ببيان مظاهر قدرته عن طريق التأمل في تقلب الليل والنهار، وتعاقب الشمس والقمر، فقال- تعالى-: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ. فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ. وقوله: نَسْلَخُ من السلخ بمعنى الكشط والإزالة، يقال: سلخ فلان جلد الشاة، إذا أزاله عنها. والمراد هنا: إزالة ضوء النهار عن الليل، ليبقى لليل ظلمته. قال صاحب الكشاف: سلخ جلد الشاة، إذا كشطه عنها وأزاله. ومنه: سلخ الحية

стр. 5057

لخرشائها- أى: لجلدها- فاستعير ذلك لإزالة الضوء وكشفه عن مكان الليل، وملقى ظله «١» . أى: ومن البراهين والعلامات الواضحة، الدالة على وحدانية الله، وقدرته على إحياء الموتى، وجود الليل والنهار بهذه الطريقة التي نشاهدها، حيث ينزع- سبحانه- عن الليل النهار، فيبقى لليل ظلامه، ويصير الناس في ليل مظلم، بعد أن كانوا في نهار مضيء. فمعنى: فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ: فإذا هم داخلون في الظلام، بعد أن كانوا بعيدين عنه. يقال: أظلم القوم. إذا دخلوا في الظلام. وأصبحوا، إذا دخلوا في وقت الصباح. وقوله- تعالى-: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها بيان لدليل آخر على قدرته- تعالى- وهو معطوف على قوله- تعالى- قبل ذلك: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ ... قال الآلوسى ما ملخصه: وقوله: لِمُسْتَقَرٍّ لَها أى لحد معين تنتهي إليه.. شبه بمستقر المسافر إذا انتهى من سيره، والمستقر عليه اسم مكان، واللام بمعنى إلى.. ويصح أن يكون اسم زمان، على أنها تجرى إلى وقت لها لا تتعداه، وعلى هذا فمستقرها: انتهاء سيرها عند انقضاء الدنيا.. «٢» . والمعنى: وآية أخرى لهم على قدرتنا، وهي أن الشمس تجرى إلى مكان معين لا تتعداه، وإلى زمن محدد لا تتجاوزه، وهذا المكان وذلك الزمان، كلاهما لا يعلمه إلا الله- تعالى-. قال بعض العلماء: قوله- تعالى-: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها أى: والشمس تدور حول نفسها، وكان المظنون أنها ثابتة في موضعها الذي تدور فيه حول نفسها. ولكن عرف أخيرا أنها ليست مستقرة في مكانها، وإنما هي تجرى فعلا.. تجرى في اتجاه واحد، في هذا الفضاء الكونى الهائل بسرعة حسبها الفلكيون باثنى عشر ميلا في الثانية. والله ربها الخبير بجريانها وبمصيرها يقول: إنها تجرى لمستقر لها، هذا المستقر الذي ستنتهى إليه لا يعلمه إلا هو- سبحانه- ولا يعلم موعده سواه. وحين نتصور أن حجم هذه الشمس يبلغ نحو مليون ضعف لحجم أرضنا هذه، وأن هذه الكتلة الهائلة تتحرك أو تجرى في الفضاء لا يسندها شيء، حين نتصور ذلك، ندرك طرفا من صفة القدرة التي تصرف هذا الوجود عن قوة وعن علم «٣» .

стр. 5058

وقد ساق القرطبي عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث فقال: وفي صحيح مسلم عن أبى ذر قال سألت رسول الله ﷺ عن قوله- تعالى-: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها قال مستقرها تحت العرش. ولفظ البخاري عن أبى ذر قال: قال النبي ﷺ لي حين غربت الشمس. «تدرى أين تذهب» ؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها. فقال لها: ارجعي من حيث جئت. فتطلع من مغربها. فذلك قوله- تعالى-: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها «١» . واسم الإشارة في قوله ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ يعود الى الجري المفهوم من «تجرى» . أى: ذلك الجريان البديع العجيب المقدر الشمس، تقدير الله- تعالى- العزيز الذي لا يغلبه غالب، العليم بكل شيء في هذا الكون علما لا يخفى معه قليل أو كثير من أحوال هذا الكون. ثم ذكر- سبحانه- آية أخرى تتعلق بكمال قدرته فقال: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ ... ولفظ القمر قرأه جمهور القراء بالنصب على أنه مفعول لفعل محذوف يفسره ما بعده. والمنازل جمع منزل. والمراد بها أماكن سيره في كل ليلة، وهي ثمان وعشرون منزلا، تبدأ من أول ليلة في الشهر، إلى الليلة الثامنة والعشرين منه. ثم يستتر القمر ليلتين إن كان الشهر تاما. ويستتر ليلة واحدة إن كان الشهر تسعا وعشرين ليلة. أى: وقدرنا سير القمر في منازل، بأن ينزل في كل ليلة في منزل لا يتخطاه ولا يتقاصر عنه، إذ كل شيء عندنا بمقدار.. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو «والقمر» بالرفع على الابتداء، وخبره جملة «قدرناه» . قال الآلوسى ما ملخصه. قوله: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ- بالنصب- أى: وصيرنا سيره، أى: محله الذي يسير فيه «منازل» فقدّر بمعنى صيّر الناصب لمفعولين. والكلام على

стр. 5059

حذف مضاف، والمضاف المحذوف مفعوله الأول ومَنازِلَ مفعوله الثاني. وقرأ الحرميان وأبو عمرو: وَالْقَمَرَ بالرفع، على الابتداء، وجملة قَدَّرْناهُ خبره. والمنازل: جمع منزل، والمراد به المسافة التي يقطعها القمر في يوم وليلة «١» . وقوله- سبحانه-: حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ تصوير بديع لحالة القمر وهو في آخر منازله. والعرجون: هو قنو النخلة ما بين الشماريخ إلى منبته منها، وهو الذي يحمل ثمار النخلة سواء أكانت تلك الثمار مستوية أم غير مستوية. وسمى عرجونا من الانعراج، وهو الانعطاف والتقوس، شبه به القمر في دقته وتقوسه واصفراره. أى: وصيرنا سير القمر في منازل لا يتعداها ولا يتقاصر عنها، فإذا صار في آخر منازله، أصبح في دقته وتقوسه كالعرجون القديم، أى: العتيق اليابس. قال بعض العلماء: والذي يلاحظ القمر ليلة بعد ليلة. يدرك ظل التعبير القرآنى العجيب حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ وبخاصة ظل ذلك اللفظ «القديم» . فالقمر في لياليه الأولى هلال. وفي لياليه الأخيرة هلال. ولكنه في لياليه الأولى يبدو وكأن فيه نضارة وقوة. وفي لياليه الأخيرة يطلع وكأنما يغشاه سهوم ووجوم، ويكون فيه شحوب وذبول. ذبول العرجون القديم. فليست مصادفة أن يعبر القرآن عنه هذا التعبير الموحى العجيب «٢» . وقوله- تعالى-: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ، وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ، وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ بيان لدقة نظامه- سبحانه- في كونه، وأن هذا الكون الهائل يسير بترتيب في أسمى درجات الدقة، وحسن التنظيم. أى: لا يصح ولا يتأتى للشمس أن تدرك القمر في مسيره فتجتمع معه بالليل. وكذلك لا يصح ولا يتأتى الليل أن يسبق النهار، بأنه يزاحمه في محله أو وقته، وإنما كل واحد من الشمس والقمر، والليل والنهار، يسير، في هذا الكون بنظام بديع قدره الله- تعالى- له، بحيث لا يسبق غيره، أو يزاحمه في سيره. قال الإمام ابن كثير: قوله- تعالى-: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ قال

стр. 5060

مجاهد: لكل منهما حد لا يعدوه، ولا يقصر دونه، إذا جاء سلطان هذا ذهب هذا، وإذا ذهب سلطان هذا جاء سلطان هذا.. وقال عكرمة: يعنى أن لكل منهما سلطانا فلا ينبغي للشمس أن تطلع بالليل. وقوله: وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ يقول: لا ينبغي إذا كان الليل أن يكون ليل آخر، حتى يكون النهار.. «١» . وقوله- تعالى-: وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ التنوين في «كل» عوض عن المضاف إليه.. قال الآلوسى: والفلك: مجرى الكواكب، سمى بذلك لاستدارته، كفلكة المغزل، وهي الخشبة المستديرة في وسطه، وفلكة الخيمة، وهي الخشبة المستديرة التي توضع على رأس العمود لئلا تتمزق الخيمة «٢» . أى: وكل من الشمس والقمر، والليل والنهار، في أجزاء هذا الكون يسيرون بانبساط وسهولة، لأن قدرة الله- تعالى- تمنعهم من التصادم أو التزاحم أو الاضطراب. ثم ذكر- سبحانه- نوعا آخر من النعم التي امتن بها على عباده فقال: وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ. وللمفسرين في تفسير هذه الآية أقوال منها: أن الضمير في «لهم» يعود إلى أهل مكة، والمراد بذريتهم: أولادهم صغارا أو كبارا، والمراد بالفلك المشحون: جنس السفن. فيكون المعنى: ومن العلامات الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا، أننا حملنا- بفضلنا ورحمتنا- أولادهم صغارا وكبارا في السفن المملوءة بما ينفعهم دون أن يصيبهم أذى، وسخرنا لهم هذه السفن لينتقلوا فيها من مكان إلى آخر. ويرى بعضهم أن الضمير في «لهم» يعود إلى الناس عامة، والمراد بذريتهم آباؤهم الأقدمون، والمراد بالفلك المشحون: سفينة نوح- ﵇ التي أنجاه الله- تعالى- فيها بمن معه من المؤمنين، الذين لم يبق على وجه الأرض من ذرية آدم غيرهم. فيكون المعنى: وعلامة ودليل واضح للناس جميعا على قدرتنا، أننا حملنا- بفضلنا ورحمتنا- آباءهم الأقدمين الذين آمنوا بنوح- ﵇ في السفينة التي أمرناه بصنعها، والتي كانت مليئة ومشحونة، بما ينتفعون به في حياتهم.

стр. 5061

قال الجمل: وإطلاق الذرية على الأصول صحيح، فإن لفظ الذرية مشترك بين الضدين، الأصول والفروع لأن الذرية من الذرء بمعنى الخلق. والفروع مخلوقون من الأصول، والأصول خلقت منها الفروع. فاسم الذرية يقع على الآباء كما يقع على الأولاد «١» . وهذا الرأى الثاني قد اختاره الإمام ابن كثير ولم يذكر سواه، فقد قال ﵀: يقول- تعالى-: ودلالة لهم- أيضا- على قدرته- تعالى- تسخيره البحر ليحمل السفن، فمن ذلك- بل أوله- سفينة نوح التي أنجاه الله فيها بمن معه من المؤمنين، ولهذا قال: وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ أى: آباءهم. فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ أى: في السفينة المملوءة بالأمتعة والحيوانات، التي أمره الله أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين «٢» . وقوله- تعالى-: وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ بيان لنعمة أخرى من نعمه- تعالى- على عباده. والضمير في قوله- تعالى-: مِنْ مِثْلِهِ يعود على السفن المشبهة لسفينة نوح- ﵇. قال القرطبي: ما ملخصه قوله- تعالى-: وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ والأصل ما يركبونه ... والضمير في «من مثله» للإبل. خلقها لهم للركوب في البر، مثل السفن المركوبة في البحر، والعرب تشبه الإبل بالسفن. وقيل إنه للإبل والدواب وكل ما يركب. والأصح أنه للسفن. أى: خلقنا لهم سفنا أمثالها، أى: أمثال سفينة نوح يركبون فيها. قال الضحاك وغيره: هي السفن المتخذة بعد سفينة نوح- ﵇ «٣» . ثم بين- سبحانه- مظهرا آخر من مظاهر فضله على الناس فقال: وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ. إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ. الصريخ: المغيث. أى: فلا مغيث لهم. أو فلا إغاثة لهم، على أنه مصدر كالصراخ، لأن المستغيث الخائف ينادى من ينقذه، فيصرخ المغيث له قائلا: جاءك الغوث والعون. والاستثناء هنا مفرغ من أعم العلل. أى: وإن نشأ أن نغرق هؤلاء المحمولين في السفن أغرقناهم، دون أن يجدوا من يغيثهم

стр. 5062

منا، أو من ينقذهم من الغرق، سوى رحمتنا بهم، وفضلنا عليهم، وتمتيعنا إياهم بالحياة إلى وقت معين تنقضي عنده حياتهم. فالآيتان الكريمتان تصوران مظاهر قدرة الله ورحمته بعباده أكمل تصوير وذلك لأن السفن التي تجرى في البحر- مهما عظمت- تصير عند ما تشتد أمواجه في حالة شديدة من الاضطراب، ويغشى الراكبين فيها من الهول والفزع ما يغشاهم، وفي تلك الظروف العصيبة لا نجاة لهم مما هم فيه إلا عن طريق رعاية الله- تعالى- ورحمته بهم. ثم ذكر- سبحانه- جانبا من رد المشركين السيئ على من يدعوهم إلى الخير، ومن جهالاتهم حيث تعجلوا العذاب الذي لا محيص لهم عنه، ومن أحوالهم عند قيام الساعة، فقال- تعالى-: [سورة يس (٣٦) : الآيات ٤٥ الى ٥٤] وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥) وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤٦) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٧) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨) ما يَنْظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤)

стр. 5063

وقوله- تعالى-: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ.. حكاية لموقف المشركين من الناصحين لهم، وكيف أنهم صموا آذانهم عن سماع الآيات التنزيلية، بعد صممهم عن التفكر في الآيات التكوينية. أى: وإذا قال قائل لهؤلاء المشركين على سبيل النصح والإرشاد: اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ أى: احذروا ما تقدم من ذنوبكم وما تأخر، وصونوا أنفسكم عن ارتكاب المعاصي التي ارتكبها الظالمون من قبلكم، فأهلكوا بسببها وأبيدوا، وآمنوا بالله ورسوله واعملوا العمل الصالح، لعلكم بسبب ذلك تنالون الرحمة من الله- تعالى-. وجواب «إذا» محذوف دل عليه ما بعده، والتقدير: إذا قيل لهم ذلك أعرضوا عن الناصح، واستخفوا به، وتطاولوا عليه. ويشهد لهذا الجواب المحذوف قوله- تعالى- بعد ذلك: وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ. و «من» الأولى مزيدة لتأكيد إعراضهم وصممهم عن سماع الحق، والثانية للتبعيض. أى: ولقد بلغ الجحود والجهل والعناد عند هؤلاء المشركين، أنهم ما تأتيهم آية من الآيات التي تدل على وحدانية الله- تعالى- وقدرته، وعلى أن الرسول ﷺ صادق في دعوته، إلا كانوا عن كل ذلك معرضين إعراضا تاما، شأنهم في ذلك شأن الجاحدين من قبلهم. وأضاف- سبحانه- إليه الآيات التي أتتهم، لتفخيم شأنها، وبيان أنها آيات عظيمة، كان من شأنهم- لو كانوا يعقلون- أن يتدبروها، ويتبعوا من جاء بها. ثم حكى- سبحانه- موقفا آخر، من مواقفهم القبيحة ممن نصحهم وأرشدهم إلى الصواب، فقال- تعالى-: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ، قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ.... وقد ذكروا في سبب نزول هذه الآية روايات منها: أن أبا بكر الصديق- رضى الله عنه- كان يطعم مساكين المسلمين، فلقيه أبو جهل فقال له: يا أبا بكر: أتزعم أن الله قادر على إطعام هؤلاء؟.

стр. 5064

قال نعم. قال: فما باله لم يطعمهم؟ قال أبو بكر: ابتلى- سبحانه- قوما بالفقر، وقوما بالغنى، وأمر الفقراء بالصبر، وأمر الأغنياء بالإعطاء. فقال أبو جهل: والله يا أبا بكر: إن أنت إلا في ضلال، أتزعم أن الله قادر على إطعام هؤلاء وهو لا يطعمهم، ثم تطعمهم أنت.. فنزلت هذه الآية. وقيل: كان العاصي بن وائل السهمي، إذا سأله المسكين قال له: اذهب إلى ربك فهو أولى منى بك. ثم يقول: قد منعه الله فأطعمه أنا.. «١» . والمعنى. وإذا قال قائل من المؤمنين لهؤلاء الكافرين: أنفقوا على المحتاجين شيئا من الخير الكثير الذي رزقكم الله- تعالى- إياه. قال الكافرون- على سبيل الاستهزاء والسخرية- للمؤمنين: هؤلاء الفقراء الذين طلبتم منا أن ننفق عليهم، لو شاء الله لأطعمهم ولأغناهم كما أغنانا. إِنْ أَنْتُمْ أيها المؤمنون إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ في أمركم لنا بالإنفاق عليهم أو على غيرهم. قال الشوكانى ما ملخصه: وقوله: أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ حكاية لتهكم الكافرين، وقد كانوا سمعوا المؤمنين يقولون: إن الرزاق هو الله، وإنه يغنى من يشاء، ويفقر من يشاء، فكأنهم حاولوا بهذا القول الإلزام للمؤمنين، وقالوا: نحن نوافق مشيئة الله فلا نطعم من لم يطعمه الله. وهذا غلط منهم ومكابرة ومجادلة بالباطل، فإن الله- سبحانه- أغنى بعض خلقه وأفقر بعضا، وأمر الغنى أن يطعم الفقير، وابتلاه به فيما فرض له من ماله من الصدقة، وقولهم: مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ هو وإن كان كلاما صحيحا في نفسه، ولكنهم لما قصدوا به الإنكار لقدرة الله، وإنكار جواز الأمر بالإنفاق مع قدرة الله، كان احتجاجهم من هذه الحيثية باطلا. وقوله: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ من تتمة كلام الكفار. وقيل: هو رد من الله عليهم.. «٢» . ثم يحكى القرآن إنكارهم للبعث، واستهزاءهم بمن يؤمن به فيقول: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. أى: ويقول الكافرون للمؤمنين- على سبيل الاستهزاء والتكذيب بالبعث- مَتى هذَا الْوَعْدُ

стр. 5065

الذي تعدوننا به من أن هناك بعثا، وحسابا وجزاء ... أحضروه لنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فيما تعدوننا به. وهنا يجيء الرد الذي يزلزلهم، عن طريق بيان بعض مشاهد يوم القيامة، فيقول- سبحانه-: ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ. فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ. المراد بالصيحة هنا: النفخة الأولى التي ينفخها إسرافيل بأمر الله- تعالى- فيموت جميع الخلائق. وقوله يَخِصِّمُونَ أى: يختصمون في أمور دنياهم. وفي هذا اللفظ عدة قراءات سبعية. منها قراءة أبو عمرو وابن كثير: وَهُمْ يَخِصِّمُونَ- بفتح الياء والخاء وتشديد الصاد مع الفتح- ومنها قراءة عاصم والكسائي: وَهُمْ يَخِصِّمُونَ بفتح الياء وكسر الخاء وتشديد الصاد مع الكسر. ومنها قراءة حمزة يَخِصِّمُونَ بإسكان الخاء وكسر الصاد مع التخفيف. أى: أن هؤلاء الكافرين الذين يستنكرون قيام الساعة، ويستبعدون حصولها، جاهلون غافلون، فإن الساعة آتية لا ريب فيها، وستحل بهم بغتة فإنهم ما ينتظرون إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً يصيحها إسرافيل بأمرنا، فتأخذهم هذه الصيحة وتصعقهم وتهلكهم وَهُمْ يَخِصِّمُونَ أى: وهم يتخاصمون ويتنازعون في أمور دنياهم. وعند ما تنزل بهم هذه الصيحة، لا يستطيع بعضهم أن يوصى بعضا بما يريد أن يقول له ولا يستطيعون جميعا الرجوع إلى أهليهم، لأنهم يصعقون في أماكنهم التي يكونون فيها عند حدوث هذه الصيحة. فأنت ترى أن الآيتين الكريمتين قد اشتملتا على أبلغ تصوير لأهوال علامات يوم القيامة، ولسرعة مجيء هذه الأهوال. أخرج الشيخان عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما، فلا يتبايعانه، ولا يطويانه، ولتقومن الساعة والرجل يليط حوضه- أى يسده بالطين- فلا يسقى منه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن ناقته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فمه فلا يطعمها» «١» .

стр. 5066

ثم بين- سبحانه- حالهم عند النفخة الثانية فقال: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ.. والمراد بالنفخ هنا: النفخة الثانية التي يكون معها البعث والحساب. والصور: القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل، ولا يعلم كيفيته سوى الله- تعالى-: والأجداث: جمع جدث- بفتحتين- كفرس وأفراس- وهي القبور. وينسلون: أى: يسرعون بطريق الجبر والقهر لا بطريق الاختيار، والنّسلان: الإسراع في السير. أى: ونفخ في الصور النفخة الثانية، فإذا بهؤلاء الكافرين الذين كانوا يستبعدون البعث وينكرونه، يخرجون من قبورهم سراعا- وبدون اختيار منهم- متجهين إلى ربهم ومالك أمرهم ليقضى فيهم بقضائه العادل. قالُوا بعد خروجهم من قبورهم بسرعة وفزع يا وَيْلَنا أى: يا هلاكنا احضر فهذا أوان حضورك. ثم يقولون بفزع أشد: مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا أى من أثارنا من رقادنا، وكأنهم لهول ما شاهدوا قد اختلطت عقولهم، وأصيبت بالهول، فتوهموا أنهم كانوا نياما. قال ابن كثير- ﵀ قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا يعنون قبورهم التي كانوا يعتقدون في الدار الدنيا أنهم لا يبعثون منها، فلما عاينوا ما كذبوه في محشرهم قالوا: يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا، وهذا لا ينفى عذابهم في قبورهم، لأنه بالنسبة إلى ما بعده في الشدة كالرقاد. وقوله: هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ رد من الملائكة أو من المؤمنين عليهم. أو هو حكاية لكلام الكفرة في رد بعضهم على بعض على سبيل الحسرة واليأس. و «ما» موصولة والعائد محذوف، أى: هذا الذي وعده الرحمن والذي صدّقه المرسلون. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: إذا جعلت «ما» مصدرية، كان المعنى: هذا وعد الرحمن، وصدق المرسلين، على تسمية الموعود والمصدق فيه بالوعد والصدق، فما وجه قوله: وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ؟ إذا جعلتها موصولة؟. قلت: تقديره: هذا الذي وعده الرحمن، والذي صدقه المرسلون، بمعنى: والذي صدق فيه المرسلون، من قولهم: صدقوهم الحديث والقتال ...

стр. 5067

ثم بين- سبحانه- سرعة امتثالهم وحضورهم للحساب فقال: إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ. أى: ما كانت النفخة التي حكيت عنهم آنفا إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً صاحها إسرافيل بإذننا وأمرهم فيها بالقيام من قبورهم فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ دون أن يتخلف أحد منهم لدينا محضرون ومجموعون للحساب والجزاء. فَالْيَوْمَ وهو يوم القيامة لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً من الظلم، وإنما كل نفس توفى حقها. وقوله- تعالى- وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أى: ولا تجزون إلا جزاء ما كنتم تعملونه في الدنيا، فالجملة الكريمة تأكيد وتقرير لما قبلها. وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً، وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ «١» . وبعد هذا الحديث المتنوع عن أحوال الكافرين يوم القيامة، جاء الحديث عما أعده الله- تعالى- بفضله وكرمه للمؤمنين، وعما يقال للكافرين في هذا اليوم من تبكيت وتأنيب فقال- تعالى-: [سورة يس (٣٦) : الآيات ٥٥ الى ٦٤] إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ (٥٦) لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ (٥٧) سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨) وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤)

стр. 5068

فقوله- تعالى-: إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ بيان لأحوالهم الطيبة، بعد بيان أحوال الكافرين السيئة. والشغل: الشأن الذي يشغل الإنسان عما سواه من الشئون، لكونه أهم عنده من غيره، وما فيه من التنكير للتفخيم، كأنه قيل: في شغل أى شغل. وفاكهون. أى: متنعمون متلذذون في النعمة التي تحيط بهم، مأخوذ من الفكاهة- بفتح الفاء- وهي طيب العيش مع النشاط. يقال: فكه الرجل فكها وفكاهة فهو فكه وفاكه، إذا طاب عيشه، وزاد سروره، وعظم نشاطه وسميت الفاكهة بذلك لتلذذ الإنسان بها. أى: يقال للكافرين في يوم الحساب والجزاء زيادة في حسرتهم- إن أصحاب الجنة اليوم في شغل عظيم، يتلذذون فيه بما يشرح صدورهم، ويرضى نفوسهم، ويقر عيونهم، ويجعلهم في أعلى درجات التنعم والغبطة. وعبر عن حالهم هذه بالجملة الاسمية المؤكدة، للإشعار بأن هذه الحال ثابتة لهم ثبوتا تاما، بفضل الله- تعالى- وكرمه. ثم بين- سبحانه- جانبا من كيفية هذا التمتع بالجنة ونعيمها فقال: هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ. و «هم» مبتدأ، و «أزواجهم» معطوف عليه. و «متكئون» خبر المبتدأ. قال الامام الرازي. ولفظ الأزواج هنا يحتمل وجهين: أحدهما: أشكالهم في الإحسان. وأمثالهم في الإيمان، كما قال- تعالى-: وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ. وثانيهما: الأزواج هم المفهومون من زوج المرأة وزوجة الرجل، كما في قوله- تعالى-: إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ ... «١» . ويبدو أن المراد بالأزواج هنا: حلائلهم اللاتي أحلهن الله لهم، زيادة في مسرتهم وبهجتهم، وعلى هذا سار عامة المفسرين. والظلال: جمع ظل أو ظلة، وهي ما يظل الإنسان ويقيه من الحر. والأرائك: جمع أريكة وهي ما يجلس عليه الإنسان من سرير ونحوه للراحة والمتعة. أى: أن أصحاب الجنة هم وحلائلهم يجلسون على الأرائك متكئين في متعة ولذة.

стр. 5069

لَهُمْ فِيها أى في الجنة فاكِهَةٌ كثيرة متنوعة وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ أى: ولهم فوق ذلك جميع ما يطلبونه من مطالب وما يتمنونه من أمنيات. فقوله: يَدَّعُونَ يصح أن يكون من الدعاء بمعنى الطلب، كما يصح أن يكون من الادعاء بمعنى التمني. يقال: ادع علىّ ما شئت أى: تمن علىّ ما شئت. ويقال: فلان في خير ما يدّعى، أى: في خير ما يتمنى. ثم ختم- سبحانه- هذا العطاء الجزيل للمؤمنين بقوله: سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ. وللمفسرين في إعراب قوله: سَلامٌ أقوال منها: أنه مبتدأ خبره الناصب للفظ قَوْلًا أى: سلام يقال لهم قولا ... «١» . وقد أشار صاحب الكشاف إلى بعض هذه الأقوال فقال: وقوله: سَلامٌ بدل من قوله ما يَدَّعُونَ كأنه قال لهم: سلام يقال لهم قولا من جهة رب رحيم. والمعنى: أن الله- تعالى- يسلم عليهم بواسطة الملائكة، أو بغير واسطة، مبالغة في تكريمهم، وذلك غاية متمناهم.. «٢» . وقد ذكر الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية بعض الأحاديث، منها ما رواه ابن أبى حاتم- بسنده- عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «بينما أهل الجنة في نعيمهم، إذ سطح لهم نور، فرفعوا رءوسهم فإذا الرب- تعالى- قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة. فذلك قوله: سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ قال: فينظر إليهم وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ماداموا ينظرون إليه. حتى يحتجب عنهم، ويبقى نوره وبركته عليهم وفي ديارهم» «٣» . والمتأمل في هذه الآيات الكريمة- كما يقول الإمام الفخر الرازي- يراها تشير إلى أن أصحاب الجنة ليسوا في تعب، كما تشير إلى وحدتهم، وإلى حسن المكان، وإلى إعطائهم كل ما يحتاجونه، وإلى تلذذهم بالنعيم وإلى تلقيهم لأجمل تحية..» «٤» . هذا هو حال المؤمنين، وهذا بعض ما يقال لهم من ألفاظ التكريم، فماذا يقال للمجرمين.

стр. 5070

لقد بين- سبحانه- بعد ذلك ما يقال للمجرمين فقال: وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ أى: ويقال للمجرمين في هذا اليوم- على سبيل الزجر والتأنيب انفردوا- أيها المجرمون- عن المؤمنين، واتجهوا إلى ما أعد لكم من عذاب في جهنم، بسبب كفركم وجحودكم للحق. يقال: امتاز وتميز القوم بعضهم عن بعض، إذا انفصل كل فريق عن غيره. قال تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ. فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ «١» . وقوله- تعالى- بعد ذلك: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ من جملة ما يقال لهم- أيضا- على سبيل التقريع والتوبيخ. والعهد بالشيء: الوصية به، والمراد به هنا: وصية الله- تعالى- للناس على ألسنة رسله، أن يخلصوا له العبادة والطاعة، وأن يخالفوا: ما يوسوس لهم به الشيطان من شرك ومعصية قال الآلوسى: والمراد بالعهد هنا. ما كان منه- تعالى- على ألسنة الرسل- ﵈ من الأوامر والنواهي التي من جملتها قوله- تعالى- يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ.... وقيل: هو الميثاق المأخوذ عليهم في عالم الذر، إذ قال- سبحانه- أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى. وقيل: هو ما نصب لهم من الحجج العقلية والسمعية الآمرة بعبادة الله- تعالى- الزاجرة عن عبادة غيره ... والمراد بعبادة الشيطان: طاعته فيما يوسوس به إليهم، ويزينه لهم، عبر عنها بالعبادة لزيادة التحذير والتنفير عنها «٢» . والمعنى: لقد عهدت إليكم- يا بنى آدم- عهدا مؤكدا على ألسنة رسلي، أن لا تعبدوا الشيطان وأن لا تستمعوا لوسوسته، وأن لا تتبعوا خطواته، لأنه لكم عدو ظاهر العداوة، بحيث لا تخفى عداوته على أحد من العقلاء. فجملة إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ تعليل لوجوب الانتهاء عن طاعة الشيطان.

стр. 5071

وقوله: وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ بيان لما يجب عليهم أن يفعلوه بعد النهى عما يجب عليهم أن يجتنبوه. و «أن» في قوله أَنْ لا تَعْبُدُوا وفي قوله وَأَنِ اعْبُدُونِي مفسرة، والجملة الثانية معطوفة على الأولى. أى: لقد عهدت إليكم بأن تتركوا عبادة الشيطان، وعهدت إليكم أن تعبدونى وحدي دون غيرى. والإشارة في قوله: هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ تعود إلى إخلاص العبادة لله- تعالى-. أى: هذا الذي أمرتكم به من إخلاص العبادة والطاعة لي هو الطريق الواضح المستقيم، الذي يوصلكم إلى عز الدنيا، وسعادة الآخرة. وقوله- سبحانه- وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ استئناف مسوق لتأكيد النهى عن طاعة الشيطان. ولتشديد التوبيخ لمن اتبع خطواته. «وجبلا كثيرا» بمعنى: خلقا كثيرا حتى إنهم لكثرتهم كالجبل العظيم. ولفظ «جبلّا» قرأه نافع وعاصم- بكسر الجيم والباء، وقرأه ابن كثير وحمزة والكسائي جِبِلًّا بضم الجيم وتسكين الباء مع تخفيف اللام وجميع القراءات بمعنى واحد. أى: ولقد أغوى الشيطان منكم يا بنى آدم خلقا كثيرا، فهل عقلتم ذلك، واتعظتم بما فعله مع كثير من أبناء جنسكم، وأخلصتم لنا العبادة والطاعة، واتخذتم الشيطان عدوا لكم كما صرح بعداوتكم. وبالعمل على إغوائكم. قال- تعالى-: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا، إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ «١» . وقال- سبحانه- حكاية عنه. قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ «٢» . وبعد هذا التوبيخ لمن أطاعوا الشيطان، يقال لهم في النهاية: هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ. أى: هذه جهنم ماثلة أمام أعينكم أيها الكافرون، وهي التي كنتم توعدون بها في الدنيا. وكنتم تقابلون ذلك بالسخرية والتكذيب.

стр. 5072

اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ أى: ذوقوا حرها ولهيبها وسعيرها، بسبب كفركم في الدنيا، وموتكم على هذا الكفر. والأمر في قوله- تعالى-: اصْلَوْهَا للتحقير والإهانة، كما في قوله- تعالى-: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ والذين يأمرونهم بذك هم خزنة النار، بأمر من الله- تعالى- ثم تنتقل السورة الكريمة فتحكى لنا جانبا آخر من أحوال الكافرين في هذا اليوم العصيب، كما تحكى لنا جانبا من مظاهر قدرة الله- تعالى- فتقول: [سورة يس (٣٦) : الآيات ٦٥ الى ٦٨] الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥) وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦) وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ (٦٧) وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ (٦٨) والمراد باليوم في قوله- تعالى-: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ ... يوم القيامة. وقوله: نَخْتِمُ من الختم، والختم الوسم على الشيء بطابع ونحوه. مأخوذ من وضع الخاتم على الشيء وطبعه فيه للاستيثاق، لكي لا يخرج منه ما هو بداخله، ولا يدخله ما هو خارج عنه. أى: في يوم القيامة نختم على أفواه الكافرين فنجعلها لا تنطق، وإنما تكلمنا أيديهم، وتشهد عليهم أرجلهم بما كانوا يكسبونه في الدنيا من أقوال باطلة، وأفعال قبيحة. قالوا: وسبب الختم على أفواههم، أنهم أنكروا أنهم كانوا مشركين في الدنيا، كما حكى عنهم- سبحانه- ذلك في قوله- تعالى-: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ «١» .

стр. 5073

أو ليكونوا معروفين لأهل الموقف في ذلك اليوم العصيب، أو لأن إقرار غير الناطق أبلغ في الحجة من إقرار الناطق، أو ليعلموا أن أعضاءهم التي ارتكبت المعاصي في الدنيا، قد صارت شهودا عليهم في الآخرة. وجعل- سبحانه- ما تنطق به الأيدى كلاما، وما تنطق به الأرجل شهادة، لأن مباشرة المعاصي- غالبا- تكون بالأيدى، أما الأرجل فهي حاضرة لما ارتكب بالأيدى من سيئات، وقول الحاضر على غيره شهادة بما له، أما قول الفاعل فهو إقرار ونطق بما فعله. قال الجمل: وقال الكرخي: أسند سبحانه فعل الختم إلى نفسه، وأسند الكلام والشهادة إلى الأيدى والأرجل، لئلا يكون فيه احتمال أن ذلك منهم كان جبرا، أو قهرا. والإقرار مع الإجبار غير مقبول. فقال: تكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم، أى باختيارها بعد إقدار الله لها على الكلام، ليكون أدل على صدور الذنب منهم «١» . وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات جملة من الأحاديث. التي صرحت بأن أعضاء الإنسان تشهد عليه يوم القيامة بما ارتكبه في الدنيا من سيئات. ومن تلك الأحاديث ما جاء عن أنس بن مالك- رضى الله عنه- أنه قال: كنا عند النبي ﷺ فضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: «أتدرون مم أضحك؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال من مجادلة العبد ربه يوم القيامة. يقول: رب ألم تجرني من الظلم؟ فيقول: بلى، فيقول: لا أجيز علىّ إلا شاهدا من نفسي، فيقول الله- تعالى- له: كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا، وبالكرام الكاتبين شهودا. قال: فيختم على فيه، ويقال لأركانه- أى لأعضائه-: انطقى. فتنطق بما عمله، ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول: بعدا وسحقا فعنكن كنت أناضل» . «٢» . وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ. حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ «٣» . ثم بين- سبحانه- أن هؤلاء الكافرين هم في قبضته في كل وقت فقال: وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ.

стр. 5074

وقوله: لَطَمَسْنا الطمس إزالة أثر الشيء عن طريق محوه. يقال: طمست الشيء طمسا- من باب ضرب- بمعنى محوته وأزلت أثره، والمطموس والطميس الأعمى. ومفعول المشيئة محذوف. والصراط: الطريق وهو منصوب بنزع الخافض. أى: ولو نشاء طمس أعينهم بأن نمحو عنها الرؤية والإبصار لفعلنا، ولكنا لم نفعل بهم ذلك فضلا منا عليهم، ورحمة بهم، فكان من الواجب عليهم أن يقابلوا نعمنا بالشكر لا بالكفر. وقوله- سبحانه-: فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ معطوف على لَطَمَسْنا على سبيل الفرض. أى: لو نشاء محو أبصارهم لمحوناها، فلو أرادوا في تلك الحالة المبادرة إلى الطريق ليسيروا فيه، أو ليعبروه لما استطاعوا ذلك. لأنهم كيف يستطيعون ذلك وهم لا يبصرون شيئا. فالاستفهام في قوله- تعالى-: فَأَنَّى يُبْصِرُونَ لاستبعاد اجتيازهم الطريق، ونفى قدرتهم على التصرف. وقوله- سبحانه-: وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ، فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ والمسخ: تبديل الخلقة وتحويلها من حال إلى حال، ومن هيئة إلى هيئة. أى: وفي قدرتنا إذا شئنا، أن نغير صورهم الإنسانية إلى صور أخرى قبيحة، كأن نحولهم إلى قردة أو حيوانات وهم عَلى مَكانَتِهِمْ أى: وهم في مكانهم الذي يقيمون فيه فَمَا اسْتَطاعُوا بسبب هذا المسخ مُضِيًّا أى: ذهابا إلى مقاصدهم وَلا يَرْجِعُونَ أى: ولما استطاعوا- أيضا- إذا ذهبوا أن يرجعوا. أى: في إمكاننا أن نمسخهم وهم جالسون في أماكنهم، فلا يقدرون أن يمضوا إلى الأمام، أو أن يعودوا إلى الخلف. فالمقصود بالآيتين الكريمتين تهديدهم على استمرارهم في كفرهم، وبيان أنهم تحت قدرة الله- تعالى- وفي قبضته، وأنه- سبحانه- قادر على أن يفعل بهم ما يشاء من طمس للأبصار، ومن مسخ للصور، ومن غير ذلك مما يريده- تعالى-. ثم بين- سبحانه- أحوال الإنسان عند ما يتقدم به العمر فقال: وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ. وقوله: نُعَمِّرْهُ من التعمير، بمعنى إطالة العمر. قال القرطبي: وقوله: نُنَكِّسْهُ قرأه عاصم وحمزة- بضم النون الأولى وتشديد

стр. 5075

الكاف- من التنكيس. وقرأه الباقون: نُنَكِّسْهُ- بفتح النون الأولى وضم الكاف- من نكست الشيء أنكسه نكسا إذا قلبته على رأسه فانتكس. قال قتادة: المعنى: أنه يصير إلى حال الهرم الذي يشبه حال الصبا ... قال الشاعر: من عاش أخلقت الأيام جدّته ... وخانه ثقتاه السمع والبصر فطول العمر يصير الشباب هرما، والقوة ضعفا، والزيادة نقصا.. وقد استعاذ النبي ﷺ من أن يرد إلى أرذل العمر..» «١» . والمعنى: «ومن نطل عمره ننكسه في الخلق» أى: نرده إلى أرذل العمر، فنجعله- بقدرتنا- ضعيفا بعد أن كان قويا، وشيخا بعد أن كان شابا فتيا، وناقص العقل بعد أن كان مكتمله ... أَفَلا يَعْقِلُونَ ذلك- أيها الناس- مع أنه من الأمور المشاهدة أمام أبصاركم، وتعرفون أن من قدر على تحويل الإنسان من ضعف إلى قوة، ومن قوة إلى ضعف.. قادر- أيضا- على إعادته إلى الحياة مرة أخرى بعد موته. وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ، ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً، ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً، يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ «٢» . وقوله- سبحانه- وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً «٣» . وبذلك نرى الآيات الكريمة، قد هددت الكافرين بسوء المصير إذا استمروا في كفرهم، وبينت جانبا من فضل الله- تعالى- عليهم، لعلهم يفيئون إلى رشدهم، ويشكرونه على نعمه. ثم رد- سبحانه- على الكافرين الذين وصفوا النبي ﷺ بأنه شاعر، كما قالوا عن القرآن أنه شعر، فقال- تعالى-: [سورة يس (٣٦) : الآيات ٦٩ الى ٧٠] وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ (٧٠)

стр. 5076

أى: وما علّمنا الرسول ﷺ الشعر وإنما الذي علمناه إياه هو القرآن الكريم، المشتمل على ما يسعد الناس في دنياهم وفي آخرتهم. فالمقصود من هذه الجملة الكريمة، نفى أن يكون القرآن شعرا بأبلغ وجه لأن الذي علمه الله- تعالى- لنبيه هو القرآن وليس الشعر، وما دام الأمر كذلك فالقرآن ليس شعرا. وقوله- تعالى-: وَما يَنْبَغِي لَهُ. أى: ما علمناه الشعر، وإنما علمناه القرآن، فقد اقتضت حكمتنا أن لا نعجل الشعر في طبعه ﷺ ولا في سليقته، فحتى لو حاوله- على سبيل الفرض- فإنه لا يتأتى له، ولا يسهل عليه ولا يستقيم مع فطرته ﷺ . والضمير في قوله- تعالى-: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ يعود إلى القرآن الكريم: أى: ما هذا القرآن الكريم إلا ذكر من الأذكار النافعة، والمواعظ الناجحة، والتوجيهات الحكيمة، وهو في الوقت نفسه قُرْآنٌ مُبِينٌ أى: كتاب مقروء من الكتب السماوية الواضحة، التي لا تختلط ولا تلتبس بكلام البشر. وقد أنزلناه على الرسول الكريم لِيُنْذِرَ به مَنْ كانَ حَيًّا. أى: من كان مؤمنا عاملا ذا قلب حي، ونفس نقية، وأذن واعية، لأن من كانت هذه صفاته انتفع بالإنذار والتذكير. وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ أى: أن من كان ذا قلب فإنه ينتفع بالإنذار، أما من كان مصرا على كفره وضلاله، فإن كلمة العذاب قد حقت عليه، وصارت نهايته الإلقاء به في جهنم وبئس القرار. وقد تكلم المفسرون هنا كلاما مفصلا. عن كون القرآن ليس شعرا، وكون الرسول ﷺ ليس شاعرا، وعلى رأسهم صاحب الكشاف فقد قال ما ملخصه: كانوا يقولون لرسول الله ﷺ إنه شاعر. فرد عليهم بقوله: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ أى: أن القرآن ليس بشعر، وأين هو من الشعر. والشعر إنما هو كلام موزون مقفى يدل على معنى، فأين الوزن؟ وأين التقفية؟ وأين المعاني التي ينتحيها الشعراء من معانيه؟ وأين نظم كلامهم من نظمه وأساليبه ... وَما يَنْبَغِي لَهُ أى: وما يصح له، ولا يتطلبه إن طلبه، أى: جعلناه بحيث لو أراد قرض الشعر لم يتأت له، ولم يتسهل كما جعلناه أميا.. لتكون الحجة أثبت، والشبهة أدحض ...

стр. 5077

فإن قلت: فقوله: أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب قلت: ما هو إلا كلام من جنس كلامه ﷺ الذي كان يرمى به على السليقة. من غير صنعة ولا تكلف، إلا أنه اتفق ذلك من غير قصد إلى ذلك، ولا التفات منه إذا جاء موزونا، كما يتفق في كثير من إنشاءات الناس في خطبهم ورسائلهم، أشياء موزونة، ولا يسميها أحد شعرا، ولا يخطر ببال السامع ولا المتكلم أنها شعر ... » «١» . ثم ذكر- سبحانه- المشركين ببعض النعم التي أسبغها عليهم، والتي يرونها بأعينهم، ويعلمونها بعقولهم، وسلّى النبي ﷺ عما لقيه منهم، فقال- تعالى-: [سورة يس (٣٦) : الآيات ٧١ الى ٧٦] أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥) فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٦) والاستفهام في قوله- تعالى-: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً ... للإنكار والتعجب من أحوال هؤلاء المشركين، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام. والأنعام: جمع نعم: وهي الإبل والبقر والغنم. والمعنى: أعمى هؤلاء المشركون عن مظاهر قدرتنا، ولم يروا بأعينهم، ولم يعلموا بعقولهم. أنا خلقنا لهم مما عملته أيدينا. وصنعته قدرتنا. أنعاما كثيرة هم لها مالكون يتصرفون فيها تصرف المالك في ملكه. وأسند- سبحانه- العمل إلى الأيدى، للإشارة إلى أن خلق هذه الأنعام كان بقدرته

стр. 5078

- تعالى- وحده دون أن يشاركه في ذلك مشارك، أو يعاونه معاون. كما يقول القائل: هذا الشيء فعلته بيدي وحدي، للدلالة على تفرده بفعله. والتعبير بقوله- تعالى- لَهُمْ للإشعار بأن خلق هذه الأنعام إنما حدث لمنفعتهم ومصلحتهم. وما في قوله مِمَّا عَمِلَتْ موصولة. والعائد محذوف. أى: مما عملته أيدينا. وقوله: فَهُمْ لَها مالِكُونَ بيان لإحدى المنافع المترتبة على خلق هذه الأنعام لهم. أما المنافع الأخرى فقد جاءت بعد ذلك في قوله: وَذَلَّلْناها لَهُمْ ... أى: وجعلنا هذه الأنعام مذللة ومسخرة لهم، بحيث أصبحت في أيديهم سهلة القيادة، مطواعة لما يريدونه منها، يقودونها فتنقاد للصغير والكبير. كما قال القائل: لقد عظم البعير بغير لبّ ... فلم يستغن بالعظم البعير يصرّفه الصبى بكل وجه ... ويحبسه على الخسف الجرير «١» وتضربه الوليدة بالهراوى ... فلا غير لديه ولا نكير «٢» ففي هذه الجملة الكريمة تذكير لهم بنعمة تسخير الأنعام لهم، ولو شاء- سبحانه- لجعلها وحشية بحيث ينفرون منها. والفاء في قوله: فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ تفريع على ما تقدم وركوب بمعنى مركوب. أى: وصيرنا هذه الأنعام مذللة ومسخرة لهم، فمنها ما يستعملونه في ركوبهم والانتقال عليها من مكان إلى آخر، ومنها ما يستعملونه في مآكلهم عن طريق ذبحه. وفضلا عن كل ذلك، فإنهم «لهم» في تلك الأنعام «منافع» أخرى غير الركوب وغير الأكل كالانتفاع بها في الحراثة وفي نقل الأثقال ... ولهم فيها- أيضا- «مشارب» حيث يشربون من ألبانها. والاستفهام في قوله: أَفَلا يَشْكُرُونَ للتخصيص على الشكر، أى: فهلا يشكرون الله- تعالى- على هذه النعم، ويخلصون له العبادة والطاعة. ثم بين- سبحانه- موقفهم الجحودى من هذه النعم فقال: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ.

стр. 5079

أى: إن هؤلاء الكافرين لم يقابلوا نعمنا عليهم بالشكر، وإنما قابلوها بالجحود والبطر. فقد تركوا عبادتنا، واتخذوا من دوننا آلهة أخرى لا تنفع ولا تضر، متوهمين أنها تنصرهم عند ما يطلبون نصرها. وراجين أن تدفع عنهم ضرا عند التماس ذلك منها. وقوله- تعالى-: لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ.. دفع لما توهموه من نصرهم ونفى لما توقعوه من نفعهم. أى: هذه الآلهة المزعومة، لا يستطيعون نصر هؤلاء الكافرين. لأنهم أعجز من أن ينصروا أنفسهم، فضلا عن نصرهم لغيرهم. وقال- سبحانه-: لا يَسْتَطِيعُونَ بالواو والنون على طريقة جمع العقلاء بناء على زعم المشركين أن هذه الأصنام تنفع أو تضر أو تعقل. والضمير «هم» في قوله- تعالى-: وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ يعود إلى المشركين، والضمير في قوله لَهُمْ يعود إلى الآلهة المزعومة. أى: وهؤلاء الكفار- لجهالتهم وانطماس بصائرهم- قد صاروا في الدنيا بمنزلة الجند الذين أعدوا أنفسهم لخدمة هذه الآلهة والدفاع عنها. والحضور عندها لخدمتها، ورعايتها وحفظها. ويرى بعضهم أن الضمير «هم» للآلهة، والضمير في «لهم» للمشركين، عكس القول الأول، فيكون المعنى: وهؤلاء الآلهة لا يستطيعون نصر المشركين وهم أى الآلهة- «لهم» أى: للمشركين، «جند محضرون» أى: جند محضرون معهم إلى النار، ليلقوا فيها كما يلقى الذين عبدوهم، كما قال- تعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ. والفاء في قوله- تعالى-: فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ للإفصاح. أى: إذا كان حال هؤلاء المشركين كما ذكرنا لك- أيها الرسول الكريم من الجهالة والغفلة، فأعرض عنهم، ولا تحزن عليهم، ولا تبال بأقوالهم. وقوله- سبحانه-: إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ تعليل للنهى عن الحزن بسبب أقوالهم. أى لا تحزن- أيها الرسول الكريم- بسبب أقوالهم الباطلة، فإنا نعلم علما تاما ما يسرونه من حقد عليك، وما يعلنونه من أعمال قبيحة، وسنعاقبهم على كل ذلك العقاب الذي يستحقونه. فالآية الكريمة تسلية للرسول ﷺ عما كان يلقاه من هؤلاء المشركين.

стр. 5080

ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة، بإقامة الأدلة الساطعة على أن البعث حق، وعلى أن قدرته- تعالى- لا يعجزها شيء، فقال- تعالى-: [سورة يس (٣٦) : الآيات ٧٧ الى ٨٣] أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣) وقد ذكروا في سبب نزول هذه الآيات، أن أبىّ بن خلف جاء إلى رسول الله ﷺ وفي يده عظم رميم، وهو يفتته ويذريه في الهواء ويقول: يا محمد، أتزعم أن الله يبعث هذا؟ فقال ﷺ : نعم. يميتك الله- تعالى- ثم يبعثك، ثم يحشرك إلى النار» . ونزلت هذه الآيات إلى آخر السورة ... والمراد بالإنسان: جنسه. ويدخل فيه المنكرون للبعث دخولا أوليا. وأصل النطفة: الماء القليل الذي يبقى في الدلو أو القربة. وجمعها نطف ونطاف. يقال: نطفت القربة، إذا تقاطر ماؤها بقلة. والمراد بها هنا: المنى الذي يخرج من الرجل، إلى رحم المرأة. والخصيم: الشديد الخصام والجدال لغيره، والمراد به هنا: الكافر والمجادل بالباطل. والمعنى: أبلغ الجهل بهذا الإنسان، أنه لم يعلم أنا خلقناه بقدرتنا، من ذلك الماء المهين
следующие страницы →