← Тафсир

Тафсир · id 23590

التفسير الوسيط لطنطاوي

محمد سيد طنطاوي

Полный текст (6 701 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.

стр. 5076

أى: وما علّمنا الرسول ﷺ الشعر وإنما الذي علمناه إياه هو القرآن الكريم، المشتمل على ما يسعد الناس في دنياهم وفي آخرتهم. فالمقصود من هذه الجملة الكريمة، نفى أن يكون القرآن شعرا بأبلغ وجه لأن الذي علمه الله- تعالى- لنبيه هو القرآن وليس الشعر، وما دام الأمر كذلك فالقرآن ليس شعرا. وقوله- تعالى-: وَما يَنْبَغِي لَهُ. أى: ما علمناه الشعر، وإنما علمناه القرآن، فقد اقتضت حكمتنا أن لا نعجل الشعر في طبعه ﷺ ولا في سليقته، فحتى لو حاوله- على سبيل الفرض- فإنه لا يتأتى له، ولا يسهل عليه ولا يستقيم مع فطرته ﷺ . والضمير في قوله- تعالى-: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ يعود إلى القرآن الكريم: أى: ما هذا القرآن الكريم إلا ذكر من الأذكار النافعة، والمواعظ الناجحة، والتوجيهات الحكيمة، وهو في الوقت نفسه قُرْآنٌ مُبِينٌ أى: كتاب مقروء من الكتب السماوية الواضحة، التي لا تختلط ولا تلتبس بكلام البشر. وقد أنزلناه على الرسول الكريم لِيُنْذِرَ به مَنْ كانَ حَيًّا. أى: من كان مؤمنا عاملا ذا قلب حي، ونفس نقية، وأذن واعية، لأن من كانت هذه صفاته انتفع بالإنذار والتذكير. وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ أى: أن من كان ذا قلب فإنه ينتفع بالإنذار، أما من كان مصرا على كفره وضلاله، فإن كلمة العذاب قد حقت عليه، وصارت نهايته الإلقاء به في جهنم وبئس القرار. وقد تكلم المفسرون هنا كلاما مفصلا. عن كون القرآن ليس شعرا، وكون الرسول ﷺ ليس شاعرا، وعلى رأسهم صاحب الكشاف فقد قال ما ملخصه: كانوا يقولون لرسول الله ﷺ إنه شاعر. فرد عليهم بقوله: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ أى: أن القرآن ليس بشعر، وأين هو من الشعر. والشعر إنما هو كلام موزون مقفى يدل على معنى، فأين الوزن؟ وأين التقفية؟ وأين المعاني التي ينتحيها الشعراء من معانيه؟ وأين نظم كلامهم من نظمه وأساليبه ... وَما يَنْبَغِي لَهُ أى: وما يصح له، ولا يتطلبه إن طلبه، أى: جعلناه بحيث لو أراد قرض الشعر لم يتأت له، ولم يتسهل كما جعلناه أميا.. لتكون الحجة أثبت، والشبهة أدحض ...

стр. 5077

فإن قلت: فقوله: أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب قلت: ما هو إلا كلام من جنس كلامه ﷺ الذي كان يرمى به على السليقة. من غير صنعة ولا تكلف، إلا أنه اتفق ذلك من غير قصد إلى ذلك، ولا التفات منه إذا جاء موزونا، كما يتفق في كثير من إنشاءات الناس في خطبهم ورسائلهم، أشياء موزونة، ولا يسميها أحد شعرا، ولا يخطر ببال السامع ولا المتكلم أنها شعر ... » «١» . ثم ذكر- سبحانه- المشركين ببعض النعم التي أسبغها عليهم، والتي يرونها بأعينهم، ويعلمونها بعقولهم، وسلّى النبي ﷺ عما لقيه منهم، فقال- تعالى-: [سورة يس (٣٦) : الآيات ٧١ الى ٧٦] أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥) فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٦) والاستفهام في قوله- تعالى-: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً ... للإنكار والتعجب من أحوال هؤلاء المشركين، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام. والأنعام: جمع نعم: وهي الإبل والبقر والغنم. والمعنى: أعمى هؤلاء المشركون عن مظاهر قدرتنا، ولم يروا بأعينهم، ولم يعلموا بعقولهم. أنا خلقنا لهم مما عملته أيدينا. وصنعته قدرتنا. أنعاما كثيرة هم لها مالكون يتصرفون فيها تصرف المالك في ملكه. وأسند- سبحانه- العمل إلى الأيدى، للإشارة إلى أن خلق هذه الأنعام كان بقدرته

стр. 5078

- تعالى- وحده دون أن يشاركه في ذلك مشارك، أو يعاونه معاون. كما يقول القائل: هذا الشيء فعلته بيدي وحدي، للدلالة على تفرده بفعله. والتعبير بقوله- تعالى- لَهُمْ للإشعار بأن خلق هذه الأنعام إنما حدث لمنفعتهم ومصلحتهم. وما في قوله مِمَّا عَمِلَتْ موصولة. والعائد محذوف. أى: مما عملته أيدينا. وقوله: فَهُمْ لَها مالِكُونَ بيان لإحدى المنافع المترتبة على خلق هذه الأنعام لهم. أما المنافع الأخرى فقد جاءت بعد ذلك في قوله: وَذَلَّلْناها لَهُمْ ... أى: وجعلنا هذه الأنعام مذللة ومسخرة لهم، بحيث أصبحت في أيديهم سهلة القيادة، مطواعة لما يريدونه منها، يقودونها فتنقاد للصغير والكبير. كما قال القائل: لقد عظم البعير بغير لبّ ... فلم يستغن بالعظم البعير يصرّفه الصبى بكل وجه ... ويحبسه على الخسف الجرير «١» وتضربه الوليدة بالهراوى ... فلا غير لديه ولا نكير «٢» ففي هذه الجملة الكريمة تذكير لهم بنعمة تسخير الأنعام لهم، ولو شاء- سبحانه- لجعلها وحشية بحيث ينفرون منها. والفاء في قوله: فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ تفريع على ما تقدم وركوب بمعنى مركوب. أى: وصيرنا هذه الأنعام مذللة ومسخرة لهم، فمنها ما يستعملونه في ركوبهم والانتقال عليها من مكان إلى آخر، ومنها ما يستعملونه في مآكلهم عن طريق ذبحه. وفضلا عن كل ذلك، فإنهم «لهم» في تلك الأنعام «منافع» أخرى غير الركوب وغير الأكل كالانتفاع بها في الحراثة وفي نقل الأثقال ... ولهم فيها- أيضا- «مشارب» حيث يشربون من ألبانها. والاستفهام في قوله: أَفَلا يَشْكُرُونَ للتخصيص على الشكر، أى: فهلا يشكرون الله- تعالى- على هذه النعم، ويخلصون له العبادة والطاعة. ثم بين- سبحانه- موقفهم الجحودى من هذه النعم فقال: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ.

стр. 5079

أى: إن هؤلاء الكافرين لم يقابلوا نعمنا عليهم بالشكر، وإنما قابلوها بالجحود والبطر. فقد تركوا عبادتنا، واتخذوا من دوننا آلهة أخرى لا تنفع ولا تضر، متوهمين أنها تنصرهم عند ما يطلبون نصرها. وراجين أن تدفع عنهم ضرا عند التماس ذلك منها. وقوله- تعالى-: لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ.. دفع لما توهموه من نصرهم ونفى لما توقعوه من نفعهم. أى: هذه الآلهة المزعومة، لا يستطيعون نصر هؤلاء الكافرين. لأنهم أعجز من أن ينصروا أنفسهم، فضلا عن نصرهم لغيرهم. وقال- سبحانه-: لا يَسْتَطِيعُونَ بالواو والنون على طريقة جمع العقلاء بناء على زعم المشركين أن هذه الأصنام تنفع أو تضر أو تعقل. والضمير «هم» في قوله- تعالى-: وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ يعود إلى المشركين، والضمير في قوله لَهُمْ يعود إلى الآلهة المزعومة. أى: وهؤلاء الكفار- لجهالتهم وانطماس بصائرهم- قد صاروا في الدنيا بمنزلة الجند الذين أعدوا أنفسهم لخدمة هذه الآلهة والدفاع عنها. والحضور عندها لخدمتها، ورعايتها وحفظها. ويرى بعضهم أن الضمير «هم» للآلهة، والضمير في «لهم» للمشركين، عكس القول الأول، فيكون المعنى: وهؤلاء الآلهة لا يستطيعون نصر المشركين وهم أى الآلهة- «لهم» أى: للمشركين، «جند محضرون» أى: جند محضرون معهم إلى النار، ليلقوا فيها كما يلقى الذين عبدوهم، كما قال- تعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ. والفاء في قوله- تعالى-: فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ للإفصاح. أى: إذا كان حال هؤلاء المشركين كما ذكرنا لك- أيها الرسول الكريم من الجهالة والغفلة، فأعرض عنهم، ولا تحزن عليهم، ولا تبال بأقوالهم. وقوله- سبحانه-: إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ تعليل للنهى عن الحزن بسبب أقوالهم. أى لا تحزن- أيها الرسول الكريم- بسبب أقوالهم الباطلة، فإنا نعلم علما تاما ما يسرونه من حقد عليك، وما يعلنونه من أعمال قبيحة، وسنعاقبهم على كل ذلك العقاب الذي يستحقونه. فالآية الكريمة تسلية للرسول ﷺ عما كان يلقاه من هؤلاء المشركين.

стр. 5080

ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة، بإقامة الأدلة الساطعة على أن البعث حق، وعلى أن قدرته- تعالى- لا يعجزها شيء، فقال- تعالى-: [سورة يس (٣٦) : الآيات ٧٧ الى ٨٣] أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣) وقد ذكروا في سبب نزول هذه الآيات، أن أبىّ بن خلف جاء إلى رسول الله ﷺ وفي يده عظم رميم، وهو يفتته ويذريه في الهواء ويقول: يا محمد، أتزعم أن الله يبعث هذا؟ فقال ﷺ : نعم. يميتك الله- تعالى- ثم يبعثك، ثم يحشرك إلى النار» . ونزلت هذه الآيات إلى آخر السورة ... والمراد بالإنسان: جنسه. ويدخل فيه المنكرون للبعث دخولا أوليا. وأصل النطفة: الماء القليل الذي يبقى في الدلو أو القربة. وجمعها نطف ونطاف. يقال: نطفت القربة، إذا تقاطر ماؤها بقلة. والمراد بها هنا: المنى الذي يخرج من الرجل، إلى رحم المرأة. والخصيم: الشديد الخصام والجدال لغيره، والمراد به هنا: الكافر والمجادل بالباطل. والمعنى: أبلغ الجهل بهذا الإنسان، أنه لم يعلم أنا خلقناه بقدرتنا، من ذلك الماء المهين

стр. 5081

الذي يخرج من الرجل فيصب في رحم المرأة، وأن من أوجده من هذا الماء قادر على أن يعيده إلى الحياة بعد الموت. لقد كان من الواجب عليه أن يدرك ذلك، ولكنه لغفلته وعناده، بادر بالمبالغة في الخصومة والجدل الباطل. وجاهر بذلك مجاهرة واضحة، مع علمه بأصل خلقته. قال الآلوسى ما ملخصه: وقوله- تعالى-: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ كلام مستأنف مسوق لبيان بطلان إنكارهم البعث، بعد ما شاهدوا في أنفسهم ما يوجب التصديق به ... والهمزة للإنكار والتعجب من أحوالهم، وإيراد الإنسان مورد الضمير، لأن مدار الإنكار متعلق بأحواله من حيث هو إنسان. والمراد بالإنسان الجنس. والخصيم إنما هو الكافر المنكر للبعث مطلقا. وقوله: فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ عطف على الجملة المنفية، داخل في حيز الإنكار والتعجب كأنه قيل: أو لم ير أنا خلقناه من أخس الأشياء وأمهنها، فأظهر الخصومة في أمر يشهد بصحته مبدأ فطرته شهادة بينة ... » «١» . وقوله- تعالى-: وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ معطوف على الكلام المتقدم، وداخل في حيز الإنكار. أى: أن هذا الإنسان الجاهل المجادل بالباطل، لم يكتف بذلك، بل ضرب لنا مثلا هو في غاية الغرابة، حيث أنكر قدرتنا على إحياء الموتى، وعلى بعثهم يوم القيامة، فقال: - دون أن يفطن إلى أصل خلقته- من يحيى العظام وهي رميم، أى: وهي بالية أشد البلى. فرميم بزنة فعيل بمعنى فاعل. من رمّ اللازم بمعنى بلى، أو بمعنى مفعول، من رم المتعدى بمعنى أبلى. يقال: رمه إذا أبلاه. فيستوى فيه المذكر والمؤنث. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم سمى قوله: مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ مثلا؟ قلت: لما دل عليه من قصة عجيبة شبيهة بالمثل، وهي إنكار قدرة الله- تعالى- على إحياء الموتى.. مع أن ما أنكر من قبيل ما يوصف الله- تعالى- بالقدرة عليه، بدليل النشأة الأولى.. «٢» . ثم لقن الله- تعالى- رسوله ﷺ الجواب الذي يخرس ألسنة المنكرين للبعث فقال: قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ...

стр. 5082

أى: قل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء الجاهلين المنكرين لإعادة الحياة إلى الأجساد بعد موتها، قل لهم: يحيى هذه الأجسام والأجساد البالية، الله- تعالى- الذي أوجدها من العدم دون أن تكون شيئا مذكورا، ومن قدر على إيجاد الشيء من العدم قادر من باب أولى على إعادته بعد هلاكه. وهو- سبحانه- بكل شيء في هذا الوجود عليم علما تاما، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، سواء أكان هذا الشيء صغيرا أم كبيرا، مجموعا أم مفرقا. قال الشوكانى: وقد استدل أبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعى بهذه الآية على أن العظام مما تحله الحياة- أى أنها بعد الموت تكون نجسة. وقال الشافعى: لا تحله الحياة، وأن المراد بقوله: مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ من يحيى أصحاب العظام على تقدير مضاف محذوف. ورد بأن هذا التقدير خلاف الظاهر» «١» . وقوله- تعالى-: الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ دليل آخر على إمكانية البعث وهو بدل من قوله- تعالى- قبل ذلك: الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ.... والمراد بالشجر الأخضر: الشجر النّدى الرطب، كشجر المرخ والعفار وهما نباتان أخضران إذا ضرب أحدهما بالآخر اتقدت منهما شرارة نار بقدرة الله- تعالى-. قال ابن كثير المراد بذلك سرح- أى: شجر المرخ والعفار. ينبت بأرض الحجاز فيأتى من أراد قدح نار وليس معه زناد، فيأخذ منه عودين أخضرين، ويقدح أحدهما بالآخر، فتتولد النار من بينهما، كالزناد سواء سواء. روى هذا عن ابن عباس- رضى الله عنهما- وفي المثل: «لكل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار» «٢» . أى: لكل شجر حظ من النار، ولكن أكثر الأشجار حظا من النار: المرخ والعفار. فهو مثل يضرب في تفضيل بعض الشيء على بعض. أى: قل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء المنكرين للبعث، يحيى الأجساد البالية الله- تعالى- الذي أنشأها أول مرة، والذي جعل لكم- بفضله ورحمته وقدرته- من الشجر الأخضر الرطب نارا، فإذا أنتم من هذا الشجر الأخضر توقدون النار. وتنتفعون بها في كثير

стр. 5083

من أحوال حياتكم. وإذا فمن قدر على إحداث النار من الشجر الأخضر- مع ما فيه من المائية المضادة لها- كان أقدر على إعادة الأجساد بعد فنائها. ثم أضاف- سبحانه- إلى توبيخهم على جهلهم وكفرهم توبيخا آخر. فقال: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ. والاستفهام- كسابقه- للإنكار والتعجيب من جهالاتهم، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام والضمير في «مثلهم» يعود إلى المنكرين للبعث. والمعنى: إن من قدر على خلق السموات والأرض- وهما في غاية العظم- قادر من باب أولى على إعادة خلق البشر، الذي هو صغير الشكل، ضعيف القوة. وجملة: بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ جواب من جهته- تعالى- وتصريح بما أفاده الاستفهام الإنكارى، من تقرير ما بعد النفي، وتأكيد قدرته- سبحانه- على الخلق والإعادة. لأن «بلى» حرف جواب، يؤتى به لإثبات فعل ورد قبله منفيا. أى: بلى إنه لقادر- سبحانه- على أن يخلق مثلهم، وعلى أن يعيدهم للحياة مرة أخرى، وهو- سبحانه- «الخلاق» أى: الكثير المخلوقات «العليم» أى: الكثير العلم بحيث لا يخفى عليه شيء. ثم أكد- سبحانه- شمول قدرته لكل شيء فقال: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. أى: إنما شأنه- سبحانه- في إيجاد الشيء، أنه إذا أراد إحداثه، أن يقول له كن، أى: كن موجودا فيكون، أى: فهذا الشيء يكون ويوجد في الحال ... قال الشاعر: إذا ما أراد الله أمرا فإنما ... يقول له «كن» قولة فيكون ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بتنزيهه- تعالى- عن كل نقص، فقال فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. أى: فتنزه الله- تعالى- الذي له ملك كل شيء ملكا تاما، والذي إليه المرجع والمآب، عن كل ما يقوله الكافرون من عدم قدرته على إحياء الموتى. فهو- سبحانه- لا يعجزه شيء، ولا يخفى على علمه شيء، ولا يحول دون قدرته شيء أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ.

стр. 5084

وبعد: فهذا تفسير محرر لسورة «يس» نسأل الله- تعالى- أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصبحه وسلم. كتبه الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى. القاهرة- مدينة نصر: صباح الثلاثاء ٥ من ذي القعدة سنة ١٤٠٥ هـ- الموافق ٢٣/ ٧/ ١٩٨٥ م

стр. 5085

تفسير سورة الصّافّات

стр. 5086

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة وتمهيد ١- سورة الصافات هي السورة السابعة والثلاثون في ترتيب المصحف، وكان نزولها كما ذكر صاحب الإتقان- بعد سورة «الأنعام» «١» . ومعنى ذلك أن نزولها كان في السنة الرابعة أو الخامسة من البعثة، لأننا قد سبق أن قلنا عند تفسيرنا لسورة الأنعام، أنه يغلب على الظن أن نزولها كان في السنة الرابعة من البعثة «٢» . ٢- قال الآلوسى: هي مكية ولم يحكوا في ذلك خلافا. وهي مائة وإحدى وثمانون آية عند البصريين، ومائة واثنتان وثمانون آية عند غيرهم «٣» . وتعتبر هذه السورة- من حيث عدد الآيات- السورة الثالثة من بين السور المكية، ولا يفوقها في ذلك سوى سورتي الأعراف والشعراء. ٣- وسميت بهذا الاسم لافتتاحها بقوله- تعالى-: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا. وقد سماها بعض العلماء بسورة «الذبيح» ، وذلك لأن قصة الذبيح لم تأت في سور أخرى سواها. ٤- وقد افتتحت سورة «الصافات» بقسم من الله- تعالى- بجماعات من خلقه على أن الألوهية والربوبية الحقة إنما هي لله- تعالى- وحده، ثم أقام- سبحانه- بعد ذلك ألوانا من الأدلة على صدق هذه القضية، منها خلقه للسموات والأرض وما بينهما، ومنها تزيينه لسماء الدنيا بالكواكب. قال- تعالى-: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِراتِ زَجْراً. فَالتَّالِياتِ ذِكْراً. إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ. رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ. إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ. وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ. ٥- ثم حكى- سبحانه- بعض الشبهات التي تذرع بها المشركون في إنكارهم للبعث

стр. 5087

والحساب، ورد عليها بما يمحقها، فقال- تعالى-: وَقالُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ. أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ. أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ. قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ. فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ. ٦- وبعد أن بين- سبحانه- سوء عاقبة هؤلاء المشركين، وتوبيخ الملائكة لهم، وإقبال بعضهم على بعض للتساؤل والتخاصم.. بعد كل ذلك بين- سبحانه- حسن عاقبة المؤمنين، فقال- تعالى-. وَما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ: إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ. أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ. فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ. عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ. يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ. بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ. لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ. ٧- ثم حكى- سبحانه- جانبا من المحاورات التي تدور بين أهل الجنة وأهل النار، وكيف أن أهل الجنة يتوجهون بالحمد والشكر لخالقهم، حيث أنعم عليهم بنعمة الإيمان، ولم يجعلهم من أهل النار الذين يأكلون من شجرة الزقوم. قال- تعالى-: إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ. أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ. إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ. إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ، طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ. فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ. ٨- ثم ساق- سبحانه- بعد ذلك جانبا من قصة نوح مع قومه، ومن قصة إبراهيم مع قومه. ومع ابنه إسماعيل- ﵉. ومن قصة موسى وهارون وإلياس ولوط ويونس- عليهم الصلاة والسلام-. ٩- ثم أخذت السورة الكريمة- في أواخرها- في توبيخ المشركين الذين جعلوا بين الله- سبحانه- وبين الملائكة نسبا، ونزه- سبحانه- ذاته عن ذلك. وهدد أولئك الكافرين بأشد ألوان العذاب بسبب كفرهم وأقوالهم الباطلة. وبين بأن عباده المؤمنين هم المنصورون، وختم- سبحانه- السورة الكريمة بقوله: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. ١٠- والمتأمل في هذه السورة الكريمة- بعد هذا العرض المجمل لآياتها- يراها بأنها قد اهتمت بإقامة الأدلة على وحدانية الله- تعالى-، وعلى أن البعث حق، وعلى أن الرسول ﷺ صادق فيما يبلغه عن ربه، وذلك لكي تغرس العقيدة السليمة في النفوس.. كما يراها تهتم بحكاية أقوال المشركين وشبهاتهم.. ثم ترد على تلك الأقوال والشبهات بما يزهقها ويبطلها.

стр. 5088

كما يراها- كذلك- تسوق ألوانا من المحاورات التي تدور بين المشركين فيما بينهم عند ما يحيط بهم العذاب يوم القيامة، وألوانا من المحاورات التي تدور بينهم وبين أهل الجنة الذين نجاهم الله- تعالى- من النار وسعيرها. كما يراها- أيضا- تسوق لنا نماذج من قصص الأنبياء مع أقوامهم، تارة بشيء من التفصيل كما في قصة إبراهيم مع قومه، وتارة بشيء من التركيز والإجمال كما في بقية قصص الأنبياء الذين ورد الحديث عنهم فيها. وتمتاز بعرضها للمعاني والأحداث بأسلوب مؤثر. ترى فيه قصر الفواصل وكثرة المشاهد، والمواقف. مما يجعل القارئ لآياتها في شوق إلى ما تسوقه من نتائج. نسأل الله- تعالى- أن يجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا وأنس نفوسنا. وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. كتبه الراجي عفو ربه القاهرة- مدينة نصر د. محمد سيد طنطاوى مساء الجمعة ٨ من ذي القعدة سنة ١٤٠٥ هـ ٢٦/ ٧/ ١٩٨٥

стр. 5089

«تفسير» قال الله- تعالى-: [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِراتِ زَجْراً (٢) فَالتَّالِياتِ ذِكْراً (٣) إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ (٤) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ (٥) والواو في قوله- تعالى-: وَالصَّافَّاتِ للقسم. وجوابه قوله: إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ. و «الصافات» من الصف، وهو أن تجعل الشيء على خط مستقيم. تقول: صففت القوم فاصطفوا، إذا أقمتهم على خط مستقيم. سواء أكانوا في الصلاة، أم في الحرب، أم في غير ذلك. و «الزاجرات» : من الزجر، وهو الدفع بقوة. تقول: زجرت الإبل زجرا- من باب قتل- إذا منعتها من الدخول في شيء ودفعتها إلى غيره. و «التاليات» : من التلاوة، بمعنى القراءة في تدبر وتأمل. وأكثر المفسرين على أن المراد بالصافات والزاجرات والتاليات: جماعة من الملائكة. موصوفة بهذه الصفات. فيكون المعنى: وحق الملائكة الذين يصفون أنفسهم صفا لعبادة الله- تعالى- وطاعته، أو الذين يصفون أجنحتهم في السماء انتظارا لأمر الله، والذين يزجرون غيرهم عن ارتكاب المعاصي، أو يزجرون السحاب إلى الجهات التي كلفهم الله- تعالى- بدفعه إليها، والذين يتلون آيات الله المنزلة على أنبيائه تقربا إليه- تعالى- وطاعة له. وقد جاء وصف الملائكة بأنهم صافون في قوله- تعالى- في السورة نفسها: وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ. وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ.

стр. 5090

كما جاء وصفهم بذلك فيما رواه مسلم في صحيحه عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ «فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض مسجدا. وجعلت لنا تربتها طهورا إذا لم نجد الماء» «١» . وفي حديث آخر رواه مسلم وغيره عن جابر بن سمره قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم» ؟ قلنا: وكيف تصف الملائكة عند ربهم؟ قال: «يتمون الصفوف المتقدمة، ويتراصون في الصف» «٢» . وجاء وصفهم بما يدل على أنهم يلقون الذكر على غيرهم من الأنبياء، لأجل الإعذار والإنذار به. كما في قوله- تعالى- في أوائل المرسلات: فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً. عُذْراً أَوْ نُذْراً. قال الإمام ابن كثير: قوله: فَالتَّالِياتِ ذِكْراً هم الملائكة يجيئون بالكتاب والقرآن من عند الله إلى الناس، وهذه الآية كقوله- تعالى-: فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً. عُذْراً أَوْ نُذْراً «٣» ومنهم من يرى أن المراد بالصافات والزاجرات والتاليات هنا: العلماء الذين يصفون أقدامهم عند الصلاة وغيرها من الطاعات، ويزجرون غيرهم عن المعاصي، ويتلون كلام الله- تعالى-. ومنهم من يرى أن المراد بالصافات: الطيور التي تصف أجنحتها في الهواء وبالزاجرات وبالتاليات: جماعات الغزاة في سبيل الله، الذين يزجرون أعداء الله- تعالى-: ويكثرون من ذكره. ويبدو لنا أن القول الأول هو الأظهر والأرجح، لأن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي سقناها قبل ذلك تؤيده، ويؤيده- أيضا- ما يجيء بعد ذلك من أوصاف للملائكة كما في قوله- تعالى-: لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ والمراد بالملإ الأعلى هنا. الملائكة. ولأن هذا القول هو المأثور عن جماعة من الصحابة والتابعين، كابن مسعود وابن عباس، ومسروق، وسعيد بن جبير، وعكرمة ومجاهد. وإنما أقسم الله- تعالى- هنا بالملائكة، لشرفهم، وسمو منزلتهم وامتثالهم لأوامره-

стр. 5091

سبحانه- امتثالا تاما وله- تعالى- أن يقسم بما شاء من خلقه، تنويها بشأن المقسم، ولفتا لأنظار الناس إلى ما فيه من منافع. ولفظ «الصافات» مفعوله محذوف. والتقدير، وحق الملائكة الصافات نفوسها أو أجنحتها طاعة وامتثالا لأمر الله- تعالى-. والترتيب بالفاء في هذه الصفات، على سبيل الترقي، إذ الأولى كمال، والثانية أكمل، لتعدى منفعتها إلى الغير، والثالثة أكمل وأكمل، لتضمنها الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والتخلي عن الرذائل، والتحلي بالفضائل. وقوله «صفا، وزجرا، وذكرا» مصادر مؤكدة لما قبلها. وقوله- سبحانه-: إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ جواب للقسم، وهو المقسم عليه. أى: وحق الملائكة الذين تلك صفاتهم، إن ربكم- أيها الناس- لواحد لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته ولا في أفعاله، ولا في خلقه. وقوله: رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ بدل من قوله لَواحِدٌ أو خبر بعد خبر لمبتدأ محذوف. أى: إن إلهكم- أيها الناس- لواحد: هو- سبحانه- رب السموات والأرض، ورب ما بينهما من مخلوقات كالهواء وغيره، ورب المشارق التي تشرق منها الشمس في كل يوم على مدار العام، إذ لها في كل يوم مشرق معين تشرق منه. ولها في كل يوم- أيضا مغرب تغرب فيه. واكتفى هنا بذكر المشارق عن المغارب، لأن كل واحد منهما يستلزم الآخر، ولأن الشروق أدل على القدرة، وأبلغ في النعمة، ولأن الشروق سابق على الغروب، وقد قال- تعالى- في آية أخرى: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا «١» . والمراد بهما هنا جنسهما، فهما صادقان على كل مشرق من مشارق الشمس التي هي ثلاثمائة وستون مشرقا- كما يقول العلماء- وعلى كل مغرب من مغاربها التي هي كذلك. وقال في سورة الرحمن: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ أى: مشرق الشتاء ومشرق الصيف ومغربهما، أو مشرق الشمس والقمر ومغربهما. وبذلك يتبين أنه لا تعارض بين مجيء هذه الألفاظ تارة مفردة، وتارة على سبيل التثنية،

стр. 5092

وتارة على سبيل الجمع. قال بعض العلماء: قوله وَرَبُّ الْمَشارِقِ أى: ولكل نجم مشرق، ولكل كوكب مشرق فهي مشارق كثيرة في كل جانب من جوانب السموات الفسيحة. وللتعبير دلالة أخرى دقيقة في التعبير عن الواقع في هذه الأرض التي نعيش عليها كذلك. فالأرض في دورتها أمام الشمس تتوالى المشارق على بقاعها المختلفة- كما تتوالى المغارب، فكلما جاء قطاع منها أمام الشمس، كان هناك مشرق على هذا القطاع. وكان هناك مغرب على القطاع المقابل له في الكرة الأرضية.. وهي حقيقة ما كان يعرفها الناس في زمان نزول القرآن الكريم، أخبرهم الله- تعالى- بها في ذلك الزمان القديم.. «١» . ثم بين- سبحانه- بعد ذلك بعض مظاهر قدرته في خلقه لهذه السموات وكيف أنه- تعالى- قد زين السماء الدنيا بالكواكب. وحفظها من تسلل أى شيطان إليها فقال تعالى: [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٦ الى ١٠] إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ (٦) وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ (٧) لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ (٨) دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ (٩) إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ (١٠) وقوله- تعالى-: زَيَّنَّا من التزيين بمعنى التحسين والتجميل. والمراد بالسماء الدنيا: السماء التي هي أقرب سماء إلى الأرض. فالدنيا مؤنث أدنى بمعنى أقرب. والكواكب: جمع كوكب وهو النجم الذي يرى في السماء. وقوله: بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ فيه ثلاث قراءات سبعية، فقد قرأ الجمهور بإضافة زينة إلى الكواكب. أى: بلا تنوين في لفظ «بزينة» . وقرأ بعضهم بتنوين لفظ «زينة» وخفض لفظ الكواكب على أنه بدل منه. وقرأ بعضهم بتنوين لفظ بِزِينَةٍ ونصب لفظ الكواكب، على أنه مفعول لفعل محذوف أى: أعنى الكواكب. والمعنى: إنا بقدرتنا وفضلنا زينا السماء الدنيا التي ترونها بأعينكم- أيها الناس- بالكواكب، فجعلناها مضيئة بحيث تهتدون بها في سيركم من مكان إلى مكان.

стр. 5093

كما قال- تعالى- في آية أخرى: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ «١» . ومما لا شك أن منظر السماء وهي مليئة بالنجوم، يشرح الصدور، ويؤنس النفوس، وخصوصا للسائرين في فجاج الأرض، أو ظلمات البحر. قوله- سبحانه-: وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ بيان لما أحاط به- سبحانه- السماء الدنيا من حفظ ورعاية. ولفظ «حفظا» منصوب على المصدرية بإضمار فعل قبله. أى وحفظناها حفظا، أو معطوف على محل «بزينة» . والشيطان: كل متمرد من الجن والإنس والدواب. والمراد به هنا: المتمرد من الجن. والمارد: الشديد العتو والخروج عن طاعة الله- تعالى- المتعرى من كل خير. أى: إنا جعلنا السماء الدنيا مزينة بالكواكب وضيائها، وجعلناها كذلك محفوظة من كل شيطان متجرد من الخير، خارج عن طاعتنا ورحمتنا. وقوله- سبحانه-: لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى، وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ. دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ جملة مستأنفة لبيان حالهم عند حفظ السماء، وبيان كيفية الحفظ، وما يصيبهم من عذاب وهلاك إذا ما حاولوا استراق السمع منها. ولفظ «يسّمّعون» بتشديد السين- وأصله يتسمعون. فأدغمت التاء في السين والضمير للشياطين، وقرأ الجمهور لا يَسَّمَّعُونَ بإسكان السين. قال صاحب الكشاف: الضمير في «لا يسمعون» لكل شيطان، لأنه في معنى الشياطين، وقرئ بالتخفيف والتشديد. وأصله «يتسمعون» . والتسمع: تطلب السماع. يقال: تسمع فسمع. أو فلم يسمع. فإن قلت: أى فرق بين سمعت فلانا يتحدث، وسمعت إليه يتحدث. وسمعت حديثه، وإلى حديثه؟ قلت: المعدى بنفسه يفيد الإدراك، والمعد بإلى يفيد الإصغاء مع الإدراك «٢» . والملأ في الأصل: الجماعة يجتمعون على أمر فيملئون النفوس هيبة، والمراد بالملإ الأعلى هنا: الملائكة الذين يسكنون السماء.

стр. 5094

وسموا بذلك لشرفهم، ولأنهم في جهة العلو، بخلاف غيرهم فإنهم يسكنون الأرض. وقوله: وَيُقْذَفُونَ من القذف بمعنى الرجم والرمي، ودُحُوراً مفعولا لأجله، أى: يقذفون لأجل الدّحور، وهو الطرد والإبعاد، مصدر دحره يدحره دحرا ودحورا: إذا طرده وأبعده. والواصب: الدائم، من الوصوب بمعنى الدوام، يقال: وصب الشيء يصب وصوبا، إذا دام وثبت، ومنه قوله: وَلَهُ الدِّينُ واصِباً أى: دائما ثابتا. والمعنى: إنا زينا السماء الدنيا بنور الكواكب، وحفظناها- بقدرتنا ورعايتنا- من كل شيطان متجرد من الخير، فإن هذا الشيطان وأمثاله كلما حاولوا الاستماع إلى الملائكة في السماء، لم نمكنهم من ذلك، بل قذفناهم ورجمناهم بالشهب والنيران من كل جانب من جوانب السماء، من أجل أن ندمرهم ونطردهم ونبعدهم عنها، ولهم منا- فوق كل ذلك- عذاب دائم ثابت لا نهاية له. وقوله: إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ استثناء من الواو في «يسمعون» و «من» في محل بدل من الواو. والخطف: الأخذ للشيء بسرعة وخفية واختلاس وغفلة من المأخوذ منه. أى: لا يسمع الشياطين إلى الملأ الأعلى، إلا الشيطان الذي خطف الخطفة من كلام الملائكة بسرعة وخفة، فيما يتفاوضون فيه من أحوال البشر- دون ما يتعلق بالوحي- فإنه في هذه الحالة يتبع هذا الشيطان ويلحقه شِهابٌ ثاقِبٌ أى: شعلة من النار تثقب الجو بضوئها فتهلكه وتحرقه وتثقبه وتمزقه. وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً. وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ. فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً «١» . ومما يدل على أن استراقهم للسمع، واختطافهم للخطفة، إنما يكون في غير الوحى، قوله- تعالى- إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ «٢» . وعن ابن عباس- رضى الله عنهما- قال: كانت للشياطين مقاعد في السماء فكانوا يستمعون الوحى قال: وكانت النجوم لا تجرى، وكانت الشياطين لا ترمى. قال: فإذا سمعوا الوحى نزلوا إلى الأرض، فزادوا في الكلمة تسعا. قال: فلما بعث رسول

стр. 5095

الله ﷺ جعل الشيطان إذا قعد مقعده، جاءه شهاب فلم يخطئه حتى يحرقه «١» . ثم أمر- سبحانه- رسوله ﷺ أن يوبخ المنكرين للبعث والحساب، وحكى جانبا من أقوالهم الباطلة حول هذه القضية، ورد عليهم ردا يزهق باطلهم.. فقال- تعالى-: [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١١ الى ٢١] فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ (١١) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢) وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤) وَقالُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ (١٨) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩) وَقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١) والفاء في قوله- تعالى-: فَاسْتَفْتِهِمْ.. هي الفصيحة، والاستفتاء: الاستخبار عن الشيء ومعرفة وجه الصواب فيه. والمراد من الاستفهام في الآية: توبيخ المشركين على إصرارهم على شركهم وجهلهم. وتعجيب العقلاء من أحوالهم. واللازب: أى: الملتصق بعضه ببعض. يقال: لزب الشيء يلزب لزبا ولزوبا، إذا تداخل بعضه في بعض، والتصق بعضه ببعض. والطين اللازب: هو الذي يلزق باليد- مثلا- إذا ما التقت به قال النابغة الذبياني: فلا تحسبون الخير لا شر بعده ... ولا تحسبون الشر ضربة لازب أى: ضربة ملازمة لا مفارقة لها. والمعنى: إذا كان الأمر كما أخبرناك أيها الرسول الكريم- من أن كل شيء في هذا

стр. 5096

الكون يشهد بوحدانيتنا وقدرتنا، فاسأل هؤلاء المشركين «أهم أشد خلقا» أى: أهم أقوى خلقة وأمتن بنية، وأضخم أجسادا.. «أم من خلقنا» من ملائكة غلاظ شداد، ومن سماوات طباق، ومن أرض ذات فجاج. لا شك أنهم لن يجدوا جوابا يردون به عليك، سوى قولهم: إن خلق الملائكة والسموات والأرض. أشد من خلقنا. وقوله- تعالى- إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ إشارة إلى المادة الأولى التي خلقوا منها في ضمن خلق أبيهم آدم- ﵇. أى: إنا خلقناهم من طين ملتصق بعضه ببعض، ومتداخل بعضه في بعض. فأنت ترى أن الآية الكريمة قد ساقت دليلين واضحين على صحة البعث الذي أنكره المشركون. أما الدليل الأول فهو ما يعترفون به من أن خلق السموات والأرض والملائكة.. أعظم وأكبر منهم ... ومن كان قادرا على خلق الأعظم والأكبر كان من باب أولى قادرا على خلق الأقل والأصغر. وقد ذكر- سبحانه- هذه الحقيقة في آيات كثيرة منها قوله- تعالى- لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ «١» . وأما الدليل الثاني فهو قوله- تعالى-: إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ وذلك لأن من خلقهم أولا من طين لازب، قادر على أن يعيدهم مرة أخرى بعد أن يصيروا ترابا وعظاما. إذ من المعروف لدى كل عاقل أن الإعادة أيسر من الابتداء. وقد قرر- سبحانه- هذه الحقيقة في آيات منها قوله- تعالى-: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ، وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ «٢» . ثم بين- سبحانه- أن حال هؤلاء المشركين تدعو إلى العجب فقال: بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ. قال الجمل: وقوله: بَلْ عَجِبْتَ إضراب إما عن مقدر دل عليه قوله: فَاسْتَفْتِهِمْ أى: هم لا يقرون بل عجبت، وإما عن الأمر بالاستفتاء، أى:

стр. 5097

لا تستفتهم فإنهم معاندون، بل انظر إلى تفاوت حالك وحالهم «١» . أى: بل عجبت- أيها الرسول الكريم- ومن حقك أن تعجب، من إنكار هؤلاء الجاحدين لإمكانية البعث، مع هذه الأدلة الساطعة التي سقناها لهم على أن البعث حق. وجملة «يسخرون» حالية. أى: والحال أنهم يسخرون من تعجبك ومن إنكارك عليهم ذلك، ومن إيمانك العميق بهذه الحقيقة، حتى إنك لترددها على مسامعهم صباح مساء. قال الآلوسى: وقرأ حمزة والكسائي: بَلْ عَجِبْتَ- بضم التاء-.. وأولت هذه القراءة بأن ذلك من باب الفرض، أى: لو كان العجب مما يجوز علىّ لعجبت من هذه الحال. ثم قال: والذي يقتضيه كلام السلف أن العجب فينا انفعال يحصل للنفس عند الجهل للسبب، ولذا قيل: إذا ظهر السبب بطل العجب، وهو في الله- تعالى- بمعنى يليق لذاته- تعالى- وهو- سبحانه- أعلم به، فلا يعينون معناه «٢» . وقوله- تعالى-: وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ. وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ بيان لشدة تماديهم في الباطل، وإصرارهم عليه. أى: أن هؤلاء القوم من دأبهم ومن صفاتهم الملازمة لهم، أنهم إذا وعظوا بما ينفعهم لا يتعظون، وإذا رأوا آية واضحة في دلالتها على الحق يَسْتَسْخِرُونَ أى: يبالغون في السخرية وفي الاستهزاء بها، يقال: استسخر القوم من الشيء، إذا استدعى بعضهم بعضا للاستهزاء به. ثم بين- سبحانه- أنهم لا يكتفون بالسخرية، بل قالوا أقوالا تدل على جحودهم وجهلهم، فقال- تعالى- وَقالُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ. أى: وقالوا- على سبيل الجحود والعناد- ما هذا الذي أتانا به محمد- ﷺ إلا سحر واضح بين، ولا يشك أحد منا في كونه كذلك. أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ، أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ. أى: أنهم لم يكتفوا بقولهم: إن ما جاء به الرسول ﷺ سحر واضح، بل أضافوا إلى ذلك على سبيل المبالغة في الإنكار لما جاءهم به قولهم: أإذا متنا وانتهت حياتنا ووضعنا في قبورنا، وصرنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون ومعادون إلى الحياة مرة أخرى؟ وهل آباؤنا الأولون الذين صاروا من قبلنا عظاما ورفاتا يبعثون أيضا؟.

стр. 5098

ولا شك أن قولهم هذا دليل واضح على انطماس بصائرهم، وعلى شدة غفلتهم عن آثار قدرة الله- تعالى- التي لا يعجزها شيء. والتي من آثارها إيجادهم من العدم. ولذا لقن الله- تعالى- نبيه ﷺ الجواب الذي يخرس ألسنتهم فقال: قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ. أى: قل لهم- أيها الرسول الكريم- ستبعثون أنتم وآباؤكم الأقدمون، وأنتم جميعا داخِرُونَ أى: صاغرون مستسلمون، لا تستطيعون التأخر أو التردد.. يقال: دخر الشخص يدخر- بفتح الخاء- دخورا، إذا ذل وصغر وهان. ثم بين- سبحانه- أن بعثهم من قبورهم إنما يقع بصيحة واحدة فقال: فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ. والزجرة واحدة من الزجر، يقال: زجر الراعي غنمه إذا صاح عليها، ومنعها من شيء معين. والضمير راجع إلى البعثة المدلول عليها بسياق الكلام، والفاء: هي الفصيحة. أى: إذا كان الأمر كما ذكرنا. فإنما بعثهم من مرقدهم يكون بصيحة واحدة يصيحها إسرافيل فيهم بأمرنا، فإذا هم قيام من قبورهم ينظرون إلى ما حولهم في ذهول، وينتظرون في استسلام وذلة حكم الله- تعالى- فيهم. والمراد بهذه الزجرة: النفخة الثانية التي يقوم بها إسرافيل بأمر الله- تعالى- كما قال- تعالى-: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ «١» . والتعبير عن الصيحة بالزجرة للدلالة على شدتها وعنفها على هؤلاء المشركين، وأنها قد أتتهم ممن لا يستطيعون معصية أمره. ثم بين- سبحانه- أحوالهم بعد هذه الزجرة فقال: وَقالُوا يا وَيْلَنا أى: وقالوا بعد أن خرجوا من قبورهم في ذهول: يا وَيْلَنا أى: يا هلاكنا احضر فهذا أوان حضورك. وقوله: هذا يَوْمُ الدِّينِ يصح أن يكون من كلام بعضهم مع بعض بعد أن رأوا أن ما كانوا ينكرونه، قد أصبح حقيقة واقعة أمام أعينهم. أى: قال بعضهم لبعضهم في ذعر وفزع: يا ويلنا هذا يوم الجزاء على الأعمال. الذي كنا ننكره في الدنيا، قد أصبح حقيقة ماثلة أمام أعيننا.

стр. 5099

ويصح أن يكون هو وما بعده، وهو قوله- تعالى-: هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ من كلام الملائكة على سبيل التأنيب لهم. أى: تقول لهم الملائكة: اطلبوا ما شئتم من الويل والهلاك، فهذا اليوم هو يوم الجزاء على الأعمال، وهو يوم الفصل والقضاء الذي كنتم تكذبون به في الدنيا، وتستهزءون ممن يأمركم بحسن الاستعداد له، وينذركم بسوء المصير إذا ما سرتم في طريق الكفر به، والإنكار له. ثم بين- سبحانه- حكمه العادل فيهم، وصور أحوالهم البائسة تصويرا تقشعر من هوله الجلود، وحكى جانبا من حسراتهم خلال تساؤلهم فيما بينهم فقال- تعالى-: [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٢٢ الى ٣٩] احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (٢٤) ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٧) قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨) قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ (٣٠) فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ (٣١) فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ (٣٢) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧) إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَما تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩) وقوله- تعالى-: احْشُرُوا من الحشر بمعنى الجمع مع السوق يقال: حشر القائد جنده حشرا- من باب قتل- إذا جمعهم. والمحشر: المكان الذي يجتمع فيه الخلائق.

стр. 5100

والمراد بالذين ظلموا: المشركون الذين أشركوا مع الله- تعالى- آلهة أخرى في العبادة، ومن الآيات التي وردت وأطلق فيها الظلم على الشرك والكفر، قوله- تعالى-: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ وقوله- سبحانه- وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ. وقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ فسر الظلم بالشرك في قوله- تعالى-: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ «١» . والمراد بأزواجهم: أشباههم، ونظراؤهم وأمثالهم في الشرك والكفر، وهذا التفسير مأثور عن عدد من الصحابة والتابعين، منهم عمر بن الخطاب، والنعمان بن بشير، وابن عباس، وسعيد بن جبير، وعكرمة ومجاهد، وأبو العالية. وقيل المراد بأزواجهم. قرناؤهم من الشياطين، بأن يحشر كل كافر مع شيطانه. وقيل المراد بهم: نساؤهم اللائي كن على دينهم، بأن كن مشركات في الدنيا كأزواجهن، ويبدو لنا أن جميع من ذكروا محشور. والعياذ بالله. إلى جهنم، إلا أن تفسير الأزواج هنا: بالأشباه والنظائر والأصناف أولى، خصوصا وأن إطلاق الأزواج على الأصناف والأشباه جاء كثيرا في القرآن الكريم، ومن ذلك قوله- تعالى-: سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ، وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ. والمراد بما كانوا يعبدونه: الآلهة الباطلة التي كانوا في الدنيا يعبدونها من دون الله، كالأصنام والأوثان. والأمر من الله- تعالى- للملائكة في هذا اليوم الشديد، وهو يوم القيامة. أى: احشروا واجمعوا الذين كانوا مشركين في الدنيا، واجمعوا معهم كل من كان على شاكلتهم في الكفر والضلال، ثم اجمعوا معهم- أيضا- آلهتهم الباطلة التي عبدوها من دون الله- تعالى- ثم ألقوا بها جميعا في جهنم، ليذوقوا سعيرها وحرها. وفي حشر الآلهة الباطلة مع عابديها، زيادة تحسير وتخجيل لهؤلاء العابدين لأنهم رأوا بأعينهم بطلان وخسران ما كانوا يفعلونه في الدنيا. والضمير في قوله: فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ يعود إلى المشركين وأشباههم وآلهتهم. وقوله: فَاهْدُوهُمْ من الهداية بمعنى الدلالة على الشيء والإرشاد إليه. أى: احشروهم جميعا إلى جهنم، وعرفوهم طريقها إن كانوا لا يعرفونه، وأروهم إياه إن كانوا لا يرونه.

стр. 5101

والتعبير بالهداية والصراط فيه ما فيه من التهكم بهم، والتأنيب لهم فكأنه- سبحانه- يقول: بما أنهم لم يهتدوا في الدنيا إلى الخير وإلى الحق، وإلى الصراط المستقيم، فليهتدوا في الآخرة إلى صراط الجحيم. وقوله- سبحانه- وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ زيادة في توبيخهم وإذلالهم، والوقف هنا: بمعنى الحبس. قال القرطبي: يقال: وقفت الدابة أقفها وقفا فوقفت هي وقوفا.. أى: احبسوهم، وهذا يكون قبل السوق إلى الجحيم، وفيه تقديم وتأخير أى: قفوهم للحساب ثم سوقوهم إلى النار.. «١» أى: واحبسوهم في موقف الحساب، لأنهم مسئولون عما كانوا يقترفونه في الدنيا من عقائد زائفة، وأفعال منكرة، وأقوال باطلة. ولا تعارض بين هذه الآية وأمثالها من الآيات التي صرحت بأن المجرمين يسألون يوم القيامة، وبين آيات أخرى صرحت بأنهم لا يسألون كما في قوله- تعالى-: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ. أقول لا تعارض بين هذه الآيات، لأن في يوم القيامة مواقف متعددة، فقد يسألون في موقف ولا يسألون في آخر.. أو أن السؤال المثبت هو سؤال التوبيخ والتقريع والسؤال المنفي هو سؤال الاستعلام والاستخبار. قوله- تعالى-: ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ تقريع آخر لهم، أى: ما الذي جعلكم في هذا اليوم عاجزين عن التناصر فيما بينكم- أيها الكافرون- مع أنكم في الدنيا كنتم تزعمون أنكم جميع منتصر؟ ثم أضرب- سبحانه- عما تقدم إلى بيان حالهم يوم القيامة فقال: بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ. والاستسلام: أصله طلب السلامة، والمراد به هنا: الانقياد التام، والخضوع المطلق. يقال: استسلم العدو لعدوه، إذا انقاد له وخضع لأمره. أى: ليسوا في هذا اليوم بقادرين على التناصر، بل هم اليوم خاضعون ومستسلمون، لعجزهم عن أى حيلة تنقذهم مما هم فيه من بلاء. ثم يحكى- سبحانه- ما يدور بينهم من مجادلات يوم القيامة فيقول: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ.

стр. 5102

ويبدو أن التساؤل والتجادل هنا، يكون بين الأتباع والمتبوعين، أو بين العامة والزعماء. كما تدل عليه آيات منها قوله- تعالى-: وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ، يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ، يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا، لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ «١» . ثم حكى- سبحانه- ما قاله الضعفاء للزعماء فقال: قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ وللمفسرين في تأويل معنى اليمين هنا اتجاهات منها: أن المراد باليمين هنا: الجهة التي هي جهة الخير واليمن: أى: قال الضعفاء للرؤساء: إنكم كنتم في الدنيا توهموننا وتخدعوننا بالبقاء على ما نحن عليه من عبادة الأصنام والأوثان، لأن بقاءنا على ذلك فيه الخير واليمن والسلامة. فأين مصداق ما قلتموه لنا وقد نزل بنا ما نزل من أهوال وآلام؟ فالمقصود بالآية الكريمة بيان ما يقوله الأتباع للمتبوعين على سبيل الحسرة والندامة، لأنهم خدعوا بوسوستهم، وأصيبوا بالخيبة بسبب اتباعهم لهم. وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: اليمين لما كانت أشرف العضوين وأمتنهما، وكانوا يتيمنون بها، فبها يصافحون، ويماسحون، ويناولون ويتناولون، ويزاولون أكثر الأمور. لما كانت كذلك استعيرت لجهة الخير وجانبه، فقيل: أتاه عن اليمين، أى من الخير وناحيته.. «٢» . ومنهم من يرى أن المراد باليمين هنا: اليمين الشرعية التي هي القسم، وعن بمعنى الباء. أى: قالوا لهم: إنكم كنتم في الدنيا تأتوننا بالأيمان المغلظة على أننا وأنتم على الحق فصدقناكم، فأين نحن وأنتم الآن من هذه الأيمان المغلظة؟ لقد ظهر كذبها وبطلانها، وأنتم اليوم مسئولون عما نحن فيه من كرب. ومنهم من يرى أن المراد باليمين هنا: القوة والغلبة. أى: أنكم كنتم في الدنيا تجبروننا وتقسروننا على اتباعكم لأننا كنا ضعفاء وكنتم أقوياء. والذي نراه أن الآية الكريمة تسع كل هذه الأقوال، لأن الرؤساء أوهموا الضعفاء بأنهم على

стр. 5103

الحق، وأقسموا لهم على ذلك، وهددوهم بالقتل أو الطرد إن هم اتبعوا ما جاءهم به الرسول ﷺ . ومقصود الضعفاء من هذا القول، إلقاء المسئولية كاملة على الرؤساء، توهما منهم أن هذا الإلقاء سيخفف عنهم شيئا من العذاب. ثم يحكى القرآن بعد ذلك: أن الرؤساء قد ردوا عليهم بخمسة أجوبة. أولها: قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ أى: قال الرؤساء للأتباع: نحن لم نتسبب في كفركم في الدنيا، بل أنتم الذين أبيتم الإيمان باختياركم، وآثرتم عليه الكفر باختياركم- أيضا- فكفركم نابع من ذواتكم، وليس من شيء خارج عنكم، ولم يدخل الإيمان قلوبكم في وقت من الأوقات. فالجملة الكريمة إضراب إبطالى من المتبوعين، عما ادعاه التابعون. وثانيها: يتجلى في قوله- تعالى-: وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ أى: وما كان لنا عليكم من قوة أو غلبة تجبركم على البقاء في الكفر والضلال، ولكنكم أنتم الذين رضيتم بالكفر عن اختيار واقتناع منكم به. وثالثها قوله- تعالى-: بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ أى: نحن لم يكن لنا سلطان عليكم، بل أنتم الذين كنتم في الدنيا قوما طاغين وضالين مثلنا. والطغيان مجاوزة الحد في كل شيء. ورابعها: نراه في قوله- سبحانه-: فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ والفاء للتفريع على ما تقدم، من كون الرؤساء لم يجبروا الضعفاء على البقاء في الكفر. أى: نحن وأنتم لم تكونوا مؤمنين أصلا. فكانت نتيجتنا جميعا، أن استحققنا العذاب، وأن لزمنا ما توعدنا به خالقنا من ذوق العذاب، جزاء كفرنا وشركنا به- تعالى-. وخامس هذه الأجوبة: بينه- سبحانه- في قوله- حكاية عنهم-: فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ. أى: فدعوناكم للغواية والضلالة دعوة غير ملجئة، فاستجبتم لنا باختياركم الغي على الرشد إِنَّا كُنَّا غاوِينَ مثلكم، فلا تلومونا ولوموا أنفسكم فنحن ما أجبرناكم على اتباعنا ولكن أنتم الذين اتبعتمونا باختياركم. وهكذا رد الرؤساء على الضعفاء فيما اتهموهم به من أنهم السبب فيما حل بهم من عذاب أليم يوم القيامة.

стр. 5104

وهنا يبين- سبحانه- حكمه العادل في الجميع، في الرؤساء والأتباع فيقول فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ. أى: كما كانوا متشاركين في الدنيا في الغواية والضلالة، فإنهم في الآخرة مشتركون جميعا في حلول العذاب بهم، وذوقهم لآلامه وسعيره. فالضمير في قوله فَإِنَّهُمْ يعود للتابعين والمتبوعين، لأنهم جميعا مستحقون للعذاب. ثم بين- سبحانه- الأسباب التي أدت بالكافرين جميعا إلى هذا المصير السيئ فقال: إِنَّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ أى: مثل هذا العذاب الأليم نفعل بالمجرمين، لأنهم أشركوا معنا غيرنا في العبادة، وآذوا رسلنا الذين جاءوا لهدايتهم وإرشادهم. إِنَّهُمْ كانُوا في الدنيا إِذا قِيلَ لَهُمْ على سبيل النصيحة والدعوة إلى الحق لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ عن قبول هذه النصيحة، ويعرضون عنها، ويصرون على كفرهم وجحودهم للحق، ويستكبرون عن النطق بكلمة الإيمان. وَيَقُولُونَ لمن نصحهم: أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ. أى: ويقولون باستهزاء وغرور لمن دعاهم إلى الإيمان وإلى قول لا إله إلا الله، يقولون له أتدعونا إلى أن نترك ما عليه آباؤنا وأجدادنا من عقائد وأفعال، وإلى أن نتبع ما جاءنا به هذا الشاعر المجنون. ويعنون بالشاعر المجنون- قبحهم الله- رسول الله ﷺ الذي أرسله الله- تعالى- لهدايتهم. ولذا رد الله- تعالى- عليهم بقوله: بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ. أى: ليس الرسول ﷺ شاعرا أو مجنونا، كما زعمتم- أيها الجاهلون-، بل هو رسول صادق فيما يبلغه عن ربه، وقد جاءكم بالحق وهو دين التوحيد الذي دعا إليه جميع الرسل، فكان مصدقا لهم في الدعوة إليه. فكيف تزعمون أنه شاعر مجنون؟ إِنَّكُمْ.. أيها المشركون بسبب هذه المزاعم لَذائِقُوا في هذا اليوم الْعَذابِ الْأَلِيمِ الذي يذلكم ويخزيكم ويجعلكم في حزن دائم. وَما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أى: وما نجازيكم بهذا الجزاء الموجع المؤلم. إلا بسبب أعمالكم القبيحة في الدنيا. وهكذا نجد الآيات الكريمة قد بينت لنا بأسلوب مؤثر بديع، سوء عاقبة الكافرين، بسبب

стр. 5105

إعراضهم عن الحق. واستكبارهم عن الدخول فيه، ووصفهم للرسول ﷺ بما هو برىء منه. وكعادة القرآن الكريم في المقارنة بين مصير الأشرار ومصير الأخيار- ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة- أتبع- سبحانه- الحديث عن سوء عاقبة الكافرين- بالحديث عن حسن عاقبة المؤمنين، فقال- تعالى-: [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٤٠ الى ٤٩] إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٤) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ (٤٧) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩) قال الآلوسى ما ملخصه: قوله: إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ استثناء منقطع من ضمير «ذائقو» وما بينهما اعتراض جيء به مسارعة إلى تحقيق الحق. ببيان أن ذوقهم العذاب ليس إلا من جهتهم لا من جهة غيرهم أصلا. فإلا مؤولة بلكن. فالمعنى: إنكم- أيها المشركون- لذائقو العذاب الأليم، لكن عباد الله المخلصين- ليسوا كذلك- أولئك لهم رزق معلوم.. «١» . ولفظ الْمُخْلَصِينَ قرأه بعض القراء السبعة- بفتح اللام-، أى: لكن عباد الله- تعالى- الذين أخلصهم الله- تعالى- لطاعته وتوحيده ليسوا كذلك. وقرأه البعض الآخر بكسر اللام. أى: لكن عباد الله الذين أخلصوا له العبادة والطاعة، لا يذوقون حر النار كالمشركين. واسم الإشارة في قوله: أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ يعود إلى هؤلاء العباد المخلصين. أى: أولئك العباد المتصفون بتلك الصفة الكريمة وهي الإخلاص، لهم رزق عظيم معلوم في وقته، كما قال- تعالى-: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا. ومعلوم في خصائصه الكريمة

стр. 5106

وصفاته الحسنة ككونه لذيذ الطعم، حسن المنظر، غير مقطوع ولا ممنوع إلى غير ذلك من الصفات التي تجعله محل الرغبة والاشتهاء. وقوله- تعالى-: فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ بدل مما قبله، أو خبر لمبتدأ محذوف، أى هذا الرزق المعلوم، هو فواكه. والمراد بهذه الفواكه: ما يأكله الآكل على سبيل التلذذ والتفكه، وجميع ما يأكله أهل الجنة كذلك حتى اللحم والخبز، لأنهم في الجنة في غنى عن القوت الذي يحفظون به حياتهم. وخصت الفاكهة بالذكر لأنها أطيب ما يأكله الآكلون. وفضلا عن كل ذلك فهم فيها منعمون مكرمون، لا يحتاجون إلى شيء إلا ويجدونه بين أيديهم، بفضل الله- تعالى- ورحمته. ثم بين- سبحانه- مكانهم وهيئتهم فقال: فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ. أى: هم في جنات ليس فيها إلا النعيم الدائم، وهم في الوقت نفسه يجلسون على سرر متقابلين، بأن تكون وجوههم متقابلة لا متدابرة، فإن من شأن المتصافين أن يجلسوا متقابلين. يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ والكأس. هو الإناء الذي فيه شراب، فإن لم يكن فيه شراب فهو قدح، وقد يسمى الشراب ذاته كأسا، فيقال: شربت كأسا، وذلك من باب تسمية الشيء باسم محله. و «معين» اسم فاعل من معن وهو صفة لكأس مأخوذ من عان الماء إذا نبع وظهر على الأرض. أى: يطاف على هؤلاء العباد المخلصين وهم في الجنة، بكأس ملئ بخمر لذة للشاربين، نابعة من العيون، وظاهرة للأبصار، تجرى في أنهار الجنة كما تجرى المياه في الأنهار. فالتعبير بقوله- تعالى- بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ يشعر بكثرتها، وقربها ممن يريدها. وقوله- تعالى-: بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ صفتان للكأس باعتبار ما فيه. أى هذه الخمر التي يطاف بها عليهم، بيضاء اللون، لذيذة الطعم والرائحة عند الشاربين. لا فِيها غَوْلٌ أى: أذى أو مضرة، والغول. إهلاك الشيء- على غرة وغفلة. يقال: غاله يغوله غولا، واغتاله اغتيالا، إذا قضى عليه بغتة، وأخذه من حيث لا يشعر. أى: أن خمر الآخرة ليس فيها ما يضر أو يؤذى، كما هو الحال بالنسبة لخمر الدنيا.

стр. 5107

وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ وعن هنا للسببية، فهي بمعنى الباء، أى: ولا هم بسبب شربها تذهب عقولهم، وتختل أفكارهم، كما هو الحال في خمر الدنيا. وأصل النّزف: نزع الشيء من مكانه وإذهابه بالتدريج، يقال: نزف فلان ماء البئر ينزفه- من باب ضرب- إذا نزحه شيئا فشيئا إلى نهايته، ويقال: نزف الرجل- كعنى- إذا سكر حتى اختل عقله، وخصت هذه المفسدة بالذكر مع عموم ما قبلها، لكونها من أعظم مفاسد الخمر. وقوله- تعالى-: وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ بيان لمتعة أخرى من المتع التي أحلها الله- تعالى- لهم. وقاصرات: من القصر بمعنى الحبس، وعين، جمع عيناء، وهي المرأة الواسعة العين في جمال. أى وفضلا عن ذلك، فقد متعنا هؤلاء العباد بمتع أخرى. وهي أننا جعلنا عندهم للمؤانسة نساء قصرن أبصارهن على أزواجهن لا يمدونها إلى غيرهم، لشدة محبتهن لهم، ومن صفات هؤلاء النساء- أيضا أنهن جميلات العيون. كَأَنَّهُنَّ أى: هؤلاء النسوة بَيْضٌ مَكْنُونٌ، أى: كأنهن كبيض النعام. الذي أخفاه الريش في العش، فلم تمسه الأيدى، ولم يصبه الغبار، في صفاء البشرة، ونقاء الجسد. وشبههن ببيض النعام، لأن لونه مع بياضه وصفائه يخالطه شيء من الصفرة وهو لون محبوب في النساء عند العرب ولذا قالوا في النساء الجميلات: بيضات الخدور. وإلى هنا تجد الآيات الكريمة قد بشرت عباد الله المخلصين. بالعطاء المتنوع الجزيل، الذي تنشرح له الصدور، وتقر به العيون، وتبتهج له النفوس. ثم حكى- سبحانه- بعض المحاورات التي تدور بين عباده المخلصين، بعد أن رأوا ما أعده- سبحانه- لهم من نعيم مقيم.. فقال- تعالى-: [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٥٠ الى ٦١] فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٥٠) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلاَّ مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ (٦١)

стр. 5108

قال صاحب الكشاف: فإن قلت: علام عطف قوله: فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ؟ قلت هو معطوف على قوله- تعالى- قبل ذلك: يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ والمعنى: يشربون فيتحادثون على الشراب كعادة الشاربين. قال الشاعر: وما بقيت من اللذات إلا ... أحاديث الكرام على المدام فيقبل بعضهم على بعض يَتَساءَلُونَ عما جرى لهم وعليهم في الدنيا. إلا أنه جيء به ماضيا على عادة الله في أخباره «١» . أى: أن هؤلاء العباد المخلصين، بعد أن أعطاهم الله ما أعطاهم من النعم، أقبل بعضهم على بعض يَتَساءَلُونَ فيما بينهم عن ذكرياتهم، وإذا بواحد منهم يقول لإخوانه- من باب التحدث بنعمة الله: إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ أى: إنى في الدنيا كان لي صديق ملازم لي، ينهاني عن الإيمان- بالبعث والحساب، ويقول لي- بأسلوب التهكم والاستهزاء: أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ أى: أإنك- أيها الرجل- لمن المصدقين بأن هناك بعثا وحسابا، وثوابا وعقابا، وجنة ونارا. ثم يضيف إلى ذلك قوله: أَإِذا مِتْنا وانتهت حياتنا في هذه الدنيا، ووضعنا في قبورنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أى: وصارت أجسادنا مثل التراب ومثل العظام البالية. أَإِنَّا لَمَدِينُونَ أى: أإنا بعد كل ذلك لمبعوثون ومعادون إلى الحياة مرة أخرى، ومجزيون بأعمالنا. فقوله- تعالى-: لَمَدِينُونَ من الدين بمعنى الجزاء، ومنه قوله- تعالى-: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ والاستفهام: للاستبعاد والإنكار من ذلك القرين للبعث والحساب.

стр. 5109

وهنا يعرض هذا المؤمن على إخوانه، أن يشاركوه في الاطلاع على مصير هذا القرين الكافر بالبعث فيقول لهم: هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ أى: هل أنتم مطلعون معى على أهل النار لنرى جميعا حال ذلك القرين الذي حكيت لكم حاله؟ والاستفهام للتخصيص، أى: هيا صاحبونى في الاطلاع على هذا القرين الكافر. فَاطَّلَعَ ذلك الرجل المؤمن ومعه إخوانه على أهل النار. فرآه في سواء الجحيم، أى: فرأى ذلك الرجل الذي كان قرينه وصاحبه الملازم له في الدنيا، ملقى به في «سواء الجحيم» أى: في وسط النار، وسمى الوسط سواء لاستواء المسافة منه إلى باقى الجوانب. قال الآلوسى: واطلاع أهل الجنة على أهل النار، ومعرفة من فيها، مع ما بينهما من التباعد غير بعيد بأن يخلق الله- تعالى- فيهم حدة النظر، ويعرفهم من أرادوا الاطلاع عليه. ولعلهم- إن أرادوا ذلك- وقفوا على الأعراف. فاطلعوا على من أرادوا الاطلاع عليه من أهل النار. وقبل: إن لهم طاقات في الجنة ينظرون منها من علو إلى أهل النار، وعلم القائل بأن القرين من أهل النار، لأنه كان منكرا للبعث «١» . ثم يحكى القرآن بعد ذلك ما قاله ذلك الرجل المؤمن لقرينه في الدنيا بعد أن رآه في وسط الجحيم فيقول. قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ، وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ. وقوله: تَاللَّهِ قسم فيه معنى التعجب، وإِنْ مخففة من الثقيلة. واللام في قوله: لَتُرْدِينِ هي الفارقة بين إن المخففة والنافية، والجملة جواب القسم، وتردين: أى تهلكني يقال: أردى فلان فلانا إذا أهلكه. وردى فلان- من باب رضى- إذا هلك. والْمُحْضَرِينَ من الإحضار، يقال: أحضر المجرم ليلقى جزاءه، وهذا اللفظ يستعمل عند الإطلاق في الشر، إذ يدل على السوق مع الإكراه والقسر. أى: قال الرجل المؤمن لقرينه الملقى في وسط جهنم. وحق الله- تعالى- لقد كدت أيها القرين أن تهلكني بصدك إياى عن الإيمان بالبعث والحساب ولولا نعمة ربي علىّ، حيث عصمنى من طاعتك، ووفقني للإيمان ... لكنت اليوم من الذين أحضروا للعذاب مثلك ومثل أشباهك، ولساقنى ملائكة العذاب إلى هذا المصير الأليم الذي أنت فيه اليوم، فحمدا لله- تعالى- على الإيمان والهداية. وقوله- تعالى-: أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ. إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ بيان لما

стр. 5110

يقوله هذا الرجل المؤمن لأصحابه الذين معه في الجنة، وبعد أن انتهى من كلامه مع قرينه. وهذا الكلام يقوله على سبيل التلذذ والتحدث بنعمة الله عليهم. والاستفهام للتقرير، والفاء للعطف على مقدر يستدعيه المقام، والمعطوف عليه محذوف. والمعنى: أنحن مخلدون في هذا النعيم، ولن يلحقنا موت مرة أخرى بعد موتتنا الأولى التي لحقتنا في الدنيا، ولن يصيبنا شيء من العذاب كما أصاب غيرنا؟ إننا لنشعر جميعا بأننا لن نموت مرة أخرى، وسنبقى في هذا النعيم الدائم بفضل الله ورحمته. وبعضهم يرى أن هذا السؤال من أهل الجنة للملائكة حين يذبح الموت. قال القرطبي: قوله: أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ. إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى: هو من قول أهل الجنة للملائكة حين يذبح الموت، ويقال: «يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت» «١» . والإشارة في قوله- تعالى-: إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ لما سبق الإخبار به من نفى الموت والعذاب عن أهل الجنة. وهذا القول- أيضا- حكاية لما يقوله ذلك المؤمن لمن معه في الجنة، أى: إن هذا النعيم الدائم الذي نحن فيه- يا أهل الجنة- لهو الفوز العظيم، الذي لا يدانيه فوز، ولا يقاربه فلاح. ثم يقول لهم- أيضا-: لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ أى: لمثل هذا العطاء الجزيل، والنعيم المقيم، فليعمل العاملون، لا لغير ذلك من الأعمال الدنيوية الزائلة الفانية. ثم ساق- سبحانه- ما يدل على البون الشاسع. بين النعيم المقيم الذي يعيش فيه عباد الله المخلصون. وبين الشقاء الدائم الذي يعيش فيه الكافرون، فقال- تعالى-: [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٦٢ الى ٧٤] أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤)

стр. 5111

واسم الإشارة «ذلك» في قوله- تعالى-: أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ يعود إلى نعيم الجنة الذي سبق الحديث عنه، والذي يشمل الرزق المعلوم وما عطف عليه. والاستفهام للتوبيخ والتأنيب. والنزل: ما يقدم للضيف وغيره من طعام ومكان ينزل به. و «ذلك» مبتدأ، و «خير» خبره، و «نزلا» : تمييز لخير، والخيرية بالنسبة لما اختاره الكفار على غيره. والجملة مقول لقول محذوف. وشجرة الزقوم هي شجرة لا وجود لها في الدنيا، وإنما يخلقها الله- تعالى- في النار، كما يخلق غيرها من أصناف العذاب كالحيات والعقارب. وقيل: هي شجرة سامة متى مست جسد أحد تورم ومات، وتوجد في الأراضي المجدية المجاورة للصحراء. والزقوم: من التزقم، وهو ابتلاع الشيء الكريه، بمشقة شديدة. والمعنى: قل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء الكافرين أذلك النعيم الدائم الذي ينزل به المؤمنون في الجنة خير، أم شجرة الزقوم التي يتبلغ بها الكافرون وهم في النار، فلا يجدون من ورائها إلا الغم والكرب لمرارة طعمها، وقبح رائحتها وهيئتها. ومعلوم أنه لا خير في شجرة الزقوم، ولكن المؤمنين لما اختاروا ما أدى بهم إلى نعيم الجنة وهو الإيمان والعمل الصالح، واختار الكافرون ما أدى بهم إلى النار وبئس القرار، قيل لهم ذلك على سبيل التوبيخ والتقريع، لسوء اختيارهم. ثم بين- سبحانه- شيئا عن هذه الشجرة فقال: إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ أى: إنا جعلنا هذه الشجرة محنة وابتلاء وامتحانا لهؤلاء الكافرين الظالمين، لأنهم لما أخبرهم

стр. 5112

رسولنا ﷺ بوجود هذه الشجرة في النار. كذبوه واستهزءوا به، فحق عليهم عذابنا بسبب هذا التكذيب والاستهزاء. قال القرطبي ما ملخصه قوله- تعالى- إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ أى، المشركين. وذلك أنهم قالوا. كيف تكون في النار شجرة، مع أن النار تحرق الشجر..؟ وكان هذا القول جهلا منهم، إذ لا يستحيل في العقل أن يخلق الله في النار شجرا من جنسها لا تأكله النار، كما يخلق الله فيها الأغلال والقيود والحيات والعقارب.. «١» . ثم بين- سبحانه- أصل هذه الشجرة ومنبتها فقال: إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ أى: منبتها وأصلها يخرج من أسفل الجحيم، أما أغصانها وفروعها فترتفع إلى دركاتها. ثم بين- سبحانه- ثمرها فقال: طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ أى: ثمرها الذي يخرج منها، وحملها الذي يتولد عنها، يشبه في تناهى قبحه وكراهيته، رؤوس الشياطين التي هي أقبح ما يتصوره العقل، وأبغض شيء يرد على الخاطر. قال صاحب الكشاف ما ملخصه: شبه حمل شجرة الزقوم برءوس الشياطين، للدلالة على تناهيه في الكراهة وقبح المنظر، لأن الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس، لاعتقادهم أنه شر محض لا يخالطه خير، فيقولون في القبيح الصورة: كأنه وجه شيطان، أو كأنه رأس شيطان، وإذا صوره المصورون صوروه على أقبح صورة. كما أنهم اعتقدوا في الملك أنه خير محض لا شر فيه، فشبهوا به الصورة الحسنة، قال الله- تعالى-: ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ. وهذا تشبيه تخييلى. وقيل: الشيطان حية عرفاء لها صورة قبيحة المنظر.. فجاء التشبيه بها.. «٢» . وقوله- تعالى-: فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ تفريع على ما تقدم من كونها فتنة لهم. أى: هذا هو حال تلك الشجرة، وهذا هو أصلها وثمرها، وإن هؤلاء الكفار الذين يستهزئون بمن يحدثهم عنها لآكلون من ثمارها حتى تمتلئ بطونهم، رغما عنهم، وإذلالا لهم. ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها أى: على ما يأكلونه منها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ أى: لشرابا مخلوطا بماء شديد الحرارة يقطع الأحشاء، كما قال- تعالى-: وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ.

стр. 5113

فالشوب: الخلط يقال: شاب فلان طعامه، إذا خلطه بغيره. والحميم: الماء الذي بلغ الغاية في الحرارة. فطعامهم- والعياذ بالله- قد اجتمع فيه مرارة الزقوم وحرارة الماء وهذا أشنع ما يكون عليه الطعام. ثم بين- سبحانه- مصيرهم الدائم فقال. ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ أى: ثم إن مرجعهم ومصيرهم ومقرهم الدائم بعد كل ذلك لإلى دركات الجحيم لا إلى غيرها. ثم بين- سبحانه- بعد ذلك الأسباب التي أدت بهم إلى هذا المصير السيئ فقال- تعالى-: إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ: فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ. وقوله: أَلْفَوْا من الإلف للشيء بمعنى التعود عليه بعد وجوده وحصوله. وقوله: يُهْرَعُونَ من الإهراع بمعنى الإسراع الشديد، أو الإسراع الذي تصحبه رعدة وفزع، يقال: هرع وأهرع- بالبناء للمجهول فيهما- إذا استحث وأزعج، ويقال: فلان يهرع- بضم الياء- إذا جاء مسرعا في غضب أو ضعف أو خوف. أى: إن ما أصاب هؤلاء الكافرين من عذاب أليم، سببه أنهم وجدوا آباءهم مقيمين على الضلال، فاقتدوا بهم اقتداء أعمى، وساروا خلفهم وعلى آثارهم بسرعة وبغير تدبر أو تعقل، كما يسير الأعمى خلف من يذهب به إلى طريق هلاكه. فالآيتان الكريمتان توبيخ شديد لهؤلاء الكافرين، لأنهم لم يكتفوا بتقليد آبائهم في الضلال، بل أسرعوا إلى ذلك إسراعا لا تمهل معه ولا تدبر. ثم بين- سبحانه- أحوال السابقين عليهم فقال: وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ. أى: ولقد ضل قبل هؤلاء الظالمين من قومك- أيها الرسول الكريم- أكثر الأقوام السابقين الذين أرسلنا إليهم رسلنا لهدايتهم. وفي التعبير بقوله: أَكْثَرُ إنصاف ومدح للقلة المؤمنة التي اتبعت الحق. وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ أى: ولقد أرسلنا في هؤلاء الأقوام السابقين أنبياء كثيرين ينذرونهم ويخوفونهم من عاقبة الكفر والشرك، ولكن أكثر هؤلاء الأقوام لم يستجيبوا للحق. فَانْظُرْ- أيها الرسول الكريم- كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ أى: فانظر وتأمل كيف كانت عاقبة هؤلاء الذين أنذروا فلم يستجيبوا للحق، لقد كانت عاقبتهم أن دمرناهم تدميرا إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ أى: دمرنا هؤلاء الأقوام إلا عبادنا الذين أخلصوا لنا العبادة والطاعة فقد أنجيناهم بفضلنا ورحمتنا. ثم ذكر- سبحانه- بعد ذلك قصص بعض الأنبياء السابقين مع أقوامهم لتثبيت فؤاد

стр. 5114

النبي ﷺ وتسليته عما أصابه من قومه، وابتدأ تلك القصص ببيان جانب من قصة نوح- ﵇ مع قومه فقال- تعالى-: [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٧٥ الى ٨٢] وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢) وقصة نوح- ﵇ قد وردت في القرآن الكريم في سور متعددة منها: سورة الأعراف، وسورة هود، وسورة نوح، وسورة المؤمنون. وهنا يحدثنا القرآن عن جانب من النعم التي أنعم بها الله- تعالى- على نبيه نوح- ﵇ حيث أجاب له دعاءه، ونجاه وأهله من الكرب العظيم وأهلك أعداءه المكذبين. واللام في قوله: وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ ... واقعة في جواب قسم محذوف والمراد بالنداء الدعاء الذي تضرع به نوح- ﵇ وطلب منا أن ننصره على قومه الكافرين فاستجبنا له أحسن إجابة، ونعم المجيبون نحن، فقد أهلكنا أعداءه بالطوفان. أخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: كان النبي- ﷺ إذا صلّى في بيتي فمر بهذه الآية، قال: «صدقت ربنا، أنت أقرب من دعى، وأقرب من بغى- أى طلب لإجابة الدعاء- فنعم المدعو أنت، ونعم المعطى أنت. ونعم المسئول أنت ربنا ونعم النصير» «١» . والمراد بأهله في قوله- تعالى-: وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ الذين آمنوا معه. أى: ونجيناه وأهله الذين آمنوا معه- بفضلنا وإحساننا- من الكرب العظيم، الذي حل بأعدائه الكافرين، حيث أغرقناهم أجمعين.

стр. 5115

وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ أى: وجعلنا ذريته من بعده هم الذين بقوا وبقي نسلهم من بعدهم، وذلك لأن الله- تعالى- أهلك جميع الكافرين من قومه، أما من كان معه من المؤمنين من غير ذريته، فقد قيل إنهم ماتوا، ولم يبق سوى أولاده. قال ابن كثير: قوله- تعالى-: وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ: قال ابن عباس: لم تبق إلا ذرية نوح. وقال قتادة: الناس كلهم من ذرية نوح. وروى الترمذي وابن جرير وابن أبى حاتم عن سمرة عن النبي ﷺ في قوله: وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ قال: «هم سام، وحام، ويافث» . وروى الإمام أحمد- بسنده- عن سمرة عن النبي ﷺ أنه قال: «سام أبو العرب، وحام أبو الحبش، ويافث أبو الروم» «١» . وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ. سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ أى: وأبقينا عليه في الأمم التي ستأتى من بعده إلى يوم القيامة، الذكر الحسن، والكلمة الطيبة ألا وهي قولهم: سلام على نوح في العالمين، أى: تحية وأمان وثناء جميل على نوح في العالمين. وقوله: إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ تعليل لما منحه- سبحانه- لعبده نوح من نعم وفضل وإجابة دعاء. أى: مثل ذلك الجزاء الكريم الذي جازينا به نوحا- ﵇ نجازي كل من كان محسنا في أقواله وأفعاله. وإن عبدنا نوحا قد كان من عبادنا الذين بلغوا درجة الكمال في إيمانهم وإحسانهم. قال صاحب الكشاف: قوله: وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ أى من الأمم هذه الكلمة، وهي: «سلام على نوح» يعنى: يسلمون عليه تسليما ويدعون له. فإن قلت: فما معنى قوله: فِي الْعالَمِينَ. قلت: معناه الدعاء بثبوت هذه التحية فيهم جميعا، وأن لا يخلو أحد منهم منها، كأنه قيل: ثبت الله التسليم على نوح وأدامه في الملائكة والثقلين، يسلمون عليه عن آخرهم. علل- سبحانه- مجازاة نوح بتلك التكرمة السنية، من تبقية ذكره، وتسليم العالمين عليه إلى آخر الدهر، بأنه كان محسنا، ثم علل كونه محسنا، بأنه كان عبدا مؤمنا، ليريك جلالة
следующие страницы →