واسم الإشارة «ذلك» في قوله- تعالى-: أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ يعود إلى نعيم الجنة الذي سبق الحديث عنه، والذي يشمل الرزق المعلوم وما عطف عليه.
والاستفهام للتوبيخ والتأنيب. والنزل: ما يقدم للضيف وغيره من طعام ومكان ينزل به.
و «ذلك» مبتدأ، و «خير» خبره، و «نزلا» : تمييز لخير، والخيرية بالنسبة لما اختاره الكفار على غيره. والجملة مقول لقول محذوف.
وشجرة الزقوم هي شجرة لا وجود لها في الدنيا، وإنما يخلقها الله- تعالى- في النار، كما يخلق غيرها من أصناف العذاب كالحيات والعقارب.
وقيل: هي شجرة سامة متى مست جسد أحد تورم ومات، وتوجد في الأراضي المجدية المجاورة للصحراء.
والزقوم: من التزقم، وهو ابتلاع الشيء الكريه، بمشقة شديدة.
والمعنى: قل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء الكافرين أذلك النعيم الدائم الذي ينزل به المؤمنون في الجنة خير، أم شجرة الزقوم التي يتبلغ بها الكافرون وهم في النار، فلا يجدون من ورائها إلا الغم والكرب لمرارة طعمها، وقبح رائحتها وهيئتها.
ومعلوم أنه لا خير في شجرة الزقوم، ولكن المؤمنين لما اختاروا ما أدى بهم إلى نعيم الجنة وهو الإيمان والعمل الصالح، واختار الكافرون ما أدى بهم إلى النار وبئس القرار، قيل لهم ذلك على سبيل التوبيخ والتقريع، لسوء اختيارهم.
ثم بين- سبحانه- شيئا عن هذه الشجرة فقال: إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ أى:
إنا جعلنا هذه الشجرة محنة وابتلاء وامتحانا لهؤلاء الكافرين الظالمين، لأنهم لما أخبرهم
стр. 5112
رسولنا ﷺ بوجود هذه الشجرة في النار. كذبوه واستهزءوا به، فحق عليهم عذابنا بسبب هذا التكذيب والاستهزاء.
قال القرطبي ما ملخصه قوله- تعالى- إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ أى، المشركين. وذلك أنهم قالوا. كيف تكون في النار شجرة، مع أن النار تحرق الشجر..؟
وكان هذا القول جهلا منهم، إذ لا يستحيل في العقل أن يخلق الله في النار شجرا من جنسها لا تأكله النار، كما يخلق الله فيها الأغلال والقيود والحيات والعقارب.. «١» .
ثم بين- سبحانه- أصل هذه الشجرة ومنبتها فقال: إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ أى: منبتها وأصلها يخرج من أسفل الجحيم، أما أغصانها وفروعها فترتفع إلى دركاتها.
ثم بين- سبحانه- ثمرها فقال: طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ أى: ثمرها الذي يخرج منها، وحملها الذي يتولد عنها، يشبه في تناهى قبحه وكراهيته، رؤوس الشياطين التي هي أقبح ما يتصوره العقل، وأبغض شيء يرد على الخاطر.
قال صاحب الكشاف ما ملخصه: شبه حمل شجرة الزقوم برءوس الشياطين، للدلالة على تناهيه في الكراهة وقبح المنظر، لأن الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس، لاعتقادهم أنه شر محض لا يخالطه خير، فيقولون في القبيح الصورة: كأنه وجه شيطان، أو كأنه رأس شيطان، وإذا صوره المصورون صوروه على أقبح صورة.
كما أنهم اعتقدوا في الملك أنه خير محض لا شر فيه، فشبهوا به الصورة الحسنة، قال الله- تعالى-: ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ. وهذا تشبيه تخييلى.
وقيل: الشيطان حية عرفاء لها صورة قبيحة المنظر.. فجاء التشبيه بها.. «٢» .
وقوله- تعالى-: فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ تفريع على ما تقدم من كونها فتنة لهم.
أى: هذا هو حال تلك الشجرة، وهذا هو أصلها وثمرها، وإن هؤلاء الكفار الذين يستهزئون بمن يحدثهم عنها لآكلون من ثمارها حتى تمتلئ بطونهم، رغما عنهم، وإذلالا لهم.
ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها أى: على ما يأكلونه منها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ أى: لشرابا مخلوطا بماء شديد الحرارة يقطع الأحشاء، كما قال- تعالى-: وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ.
стр. 5113
فالشوب: الخلط يقال: شاب فلان طعامه، إذا خلطه بغيره.
والحميم: الماء الذي بلغ الغاية في الحرارة. فطعامهم- والعياذ بالله- قد اجتمع فيه مرارة الزقوم وحرارة الماء وهذا أشنع ما يكون عليه الطعام.
ثم بين- سبحانه- مصيرهم الدائم فقال. ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ أى: ثم إن مرجعهم ومصيرهم ومقرهم الدائم بعد كل ذلك لإلى دركات الجحيم لا إلى غيرها.
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك الأسباب التي أدت بهم إلى هذا المصير السيئ فقال- تعالى-: إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ: فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ.
وقوله: أَلْفَوْا من الإلف للشيء بمعنى التعود عليه بعد وجوده وحصوله.
وقوله: يُهْرَعُونَ من الإهراع بمعنى الإسراع الشديد، أو الإسراع الذي تصحبه رعدة وفزع، يقال: هرع وأهرع- بالبناء للمجهول فيهما- إذا استحث وأزعج، ويقال:
فلان يهرع- بضم الياء- إذا جاء مسرعا في غضب أو ضعف أو خوف.
أى: إن ما أصاب هؤلاء الكافرين من عذاب أليم، سببه أنهم وجدوا آباءهم مقيمين على الضلال، فاقتدوا بهم اقتداء أعمى، وساروا خلفهم وعلى آثارهم بسرعة وبغير تدبر أو تعقل، كما يسير الأعمى خلف من يذهب به إلى طريق هلاكه.
فالآيتان الكريمتان توبيخ شديد لهؤلاء الكافرين، لأنهم لم يكتفوا بتقليد آبائهم في الضلال، بل أسرعوا إلى ذلك إسراعا لا تمهل معه ولا تدبر.
ثم بين- سبحانه- أحوال السابقين عليهم فقال: وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ.
أى: ولقد ضل قبل هؤلاء الظالمين من قومك- أيها الرسول الكريم- أكثر الأقوام السابقين الذين أرسلنا إليهم رسلنا لهدايتهم.
وفي التعبير بقوله: أَكْثَرُ إنصاف ومدح للقلة المؤمنة التي اتبعت الحق.
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ أى: ولقد أرسلنا في هؤلاء الأقوام السابقين أنبياء كثيرين ينذرونهم ويخوفونهم من عاقبة الكفر والشرك، ولكن أكثر هؤلاء الأقوام لم يستجيبوا للحق.
فَانْظُرْ- أيها الرسول الكريم- كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ أى: فانظر وتأمل كيف كانت عاقبة هؤلاء الذين أنذروا فلم يستجيبوا للحق، لقد كانت عاقبتهم أن دمرناهم تدميرا إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ أى: دمرنا هؤلاء الأقوام إلا عبادنا الذين أخلصوا لنا العبادة والطاعة فقد أنجيناهم بفضلنا ورحمتنا.
ثم ذكر- سبحانه- بعد ذلك قصص بعض الأنبياء السابقين مع أقوامهم لتثبيت فؤاد
стр. 5114
النبي ﷺ وتسليته عما أصابه من قومه، وابتدأ تلك القصص ببيان جانب من قصة نوح- ﵇ مع قومه فقال- تعالى-:
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٧٥ الى ٨٢]
وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ (٧٩)
إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢)
وقصة نوح- ﵇ قد وردت في القرآن الكريم في سور متعددة منها: سورة الأعراف، وسورة هود، وسورة نوح، وسورة المؤمنون.
وهنا يحدثنا القرآن عن جانب من النعم التي أنعم بها الله- تعالى- على نبيه نوح- ﵇ حيث أجاب له دعاءه، ونجاه وأهله من الكرب العظيم وأهلك أعداءه المكذبين.
واللام في قوله: وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ ... واقعة في جواب قسم محذوف والمراد بالنداء الدعاء الذي تضرع به نوح- ﵇ وطلب منا أن ننصره على قومه الكافرين فاستجبنا له أحسن إجابة، ونعم المجيبون نحن، فقد أهلكنا أعداءه بالطوفان.
أخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: كان النبي- ﷺ إذا صلّى في بيتي فمر بهذه الآية، قال: «صدقت ربنا، أنت أقرب من دعى، وأقرب من بغى- أى طلب لإجابة الدعاء- فنعم المدعو أنت، ونعم المعطى أنت. ونعم المسئول أنت ربنا ونعم النصير» «١» .
والمراد بأهله في قوله- تعالى-: وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ الذين آمنوا معه.
أى: ونجيناه وأهله الذين آمنوا معه- بفضلنا وإحساننا- من الكرب العظيم، الذي حل بأعدائه الكافرين، حيث أغرقناهم أجمعين.
стр. 5115
وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ أى: وجعلنا ذريته من بعده هم الذين بقوا وبقي نسلهم من بعدهم، وذلك لأن الله- تعالى- أهلك جميع الكافرين من قومه، أما من كان معه من المؤمنين من غير ذريته، فقد قيل إنهم ماتوا، ولم يبق سوى أولاده.
قال ابن كثير: قوله- تعالى-: وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ: قال ابن عباس: لم تبق إلا ذرية نوح.
وقال قتادة: الناس كلهم من ذرية نوح.
وروى الترمذي وابن جرير وابن أبى حاتم عن سمرة عن النبي ﷺ في قوله:
وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ قال: «هم سام، وحام، ويافث» .
وروى الإمام أحمد- بسنده- عن سمرة عن النبي ﷺ أنه قال: «سام أبو العرب، وحام أبو الحبش، ويافث أبو الروم» «١» .
وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ. سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ أى: وأبقينا عليه في الأمم التي ستأتى من بعده إلى يوم القيامة، الذكر الحسن، والكلمة الطيبة ألا وهي قولهم: سلام على نوح في العالمين، أى: تحية وأمان وثناء جميل على نوح في العالمين.
وقوله: إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ تعليل لما منحه- سبحانه- لعبده نوح من نعم وفضل وإجابة دعاء.
أى: مثل ذلك الجزاء الكريم الذي جازينا به نوحا- ﵇ نجازي كل من كان محسنا في أقواله وأفعاله. وإن عبدنا نوحا قد كان من عبادنا الذين بلغوا درجة الكمال في إيمانهم وإحسانهم.
قال صاحب الكشاف: قوله: وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ أى من الأمم هذه الكلمة، وهي: «سلام على نوح» يعنى: يسلمون عليه تسليما ويدعون له. فإن قلت: فما معنى قوله: فِي الْعالَمِينَ.
قلت: معناه الدعاء بثبوت هذه التحية فيهم جميعا، وأن لا يخلو أحد منهم منها، كأنه قيل: ثبت الله التسليم على نوح وأدامه في الملائكة والثقلين، يسلمون عليه عن آخرهم.
علل- سبحانه- مجازاة نوح بتلك التكرمة السنية، من تبقية ذكره، وتسليم العالمين عليه إلى آخر الدهر، بأنه كان محسنا، ثم علل كونه محسنا، بأنه كان عبدا مؤمنا، ليريك جلالة
стр. 5116
محل الإيمان، وأنه القصارى من صفات المدح والتعظيم، ويرغبك في تحصيله وفي الازدياد منه «١» .
ثم ختم- سبحانه- القصة بقوله: ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ أى: لقد أضفنا إلى تلك النعم التي أعطيناها لنبينا نوح- ﵇ أننا أغرقنا أعداءه الذين آذوه، وأعرضوا عن دعوته.
وتلك سنتنا لا تتخلف، أننا ننجي المؤمنين، ونهلك الكافرين.
وجاءت بعد قصة نوح- ﵇ قصة إبراهيم- ﵇ وقد حكى الله- تعالى- ما دار بين إبراهيم وبين قومه، كما حكى بعض النعم التي أنعمها- سبحانه- عليه، بسبب إيمانه وإحسانه، فقال- تعالى-:
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٨٣ الى ١١٣]
وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ (٨٣) إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٨٧)
فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٩١) ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ (٩٢)
فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ (٩٦) قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧)
فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨) وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢)
فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)
وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ (١٠٩) كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)
وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)
стр. 5117
والضمير في قوله: وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ يعود على نوح- ﵇ وشيعة الرجل: أعوانه وأنصاره وأتباعه، وكل جماعة اجتمعوا على أمر واحد أو رأى واحد فهم شيعة، والجمع شيع مثل سدرة وسدر.
قال القرطبي: الشيعة: الأعوان، وهو مأخوذ من الشياع، وهو الحطب الصغار الذي يوقد مع الكبار حتى يستوقد. «١» .
والمعنى: وإن من شيعة نوح لإبراهيم- ﵉ لأنه تابعه في الدعوة إلى الدين الحق، وفي الصبر على الأذى من أجل إعلاء كلمة الله تعالى ونصرة شريعته.. وهكذا جميع الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- اللاحق منهم يؤيد السابق، ويناصره في دعوته التي جاء بها من عند ربه، وإن اختلفت شرائعهم في التفاصيل والجزئيات، فهي متحدة في الأصول والأركان.
стр. 5118
وكان بين نوح وإبراهيم، نبيان كريمان هما: هود، وصالح- ﵉ والظرف في قوله- تعالى-: إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ متعلق بمحذوف تقديره: اذكر أى: اذكر- أيها العاقل لتعتبر وتتعظ- وقت أن جاء إبراهيم إلى ربه بقلب سليم من الشرك ومن غيره من الآفات كالحسد والغل والخديعة والرياء.
والمراد بمجيئه ربه بقلبه: إخلاص قلبه لدعوة الحق، واستعداده لبذل نفسه وكل شيء يملكه في سبيل رضا ربه- .
فهذا التعبير يفيد الاستسلام المطلق لربه والسعى الحثيث في كل ما يرضيه.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما معنى المجيء بقلبه ربه؟ قلت: معناه أنه أخلص لله قلبه، وعرف ذلك منه فضرب المجيء مثلا لذلك «١» .
وقوله: إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ شروع في حكاية ما دار بينه وبين أبيه وقومه. والجملة بدل من الجملة السابقة عليها، أو هي ظرف لقوله سَلِيمٍ أى: لقد كان إبراهيم- ﵇ سليم القلب، نقى السريرة، صادق الإيمان، وقت أن جادل أباه وقومه قائلا لهم: أى شيء هذا الذي تعبدونه من دون الله- تعالى- ثم أضاف إلى هذا التوبيخ لهم توبيخا آخر فقال لهم: أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ؟. والإفك أسوأ الكذب. يقال أفك فلان يأفك إفكا فهو أفوك.. إذا اشتد كذبه. وهو مفعول به لقوله تُرِيدُونَ وقوله آلِهَةً بدل منه. وجعلت الآلهة نفس الإفك على سبيل المبالغة.
أى: أتريدون إفكا آلهة دون الله؟ إن إرادتكم هذه يمجها ويحتقرها كل عقل سليم.
ثم حذرهم من السير في طريق الشرك فقال: فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ.
والاستفهام للإنكار والتحذير من سوء عاقبتهم إذا ما استمروا في عبادتهم لغيره- تعالى-. أى: فما الذي تظنون أن يفعله بكم خالقكم ورازقكم إذا ما عبدتم غيره؟ إنه لا شك سيحاسبكم على ذلك حسابا عسيرا، ويعذبكم عذابا أليما، وما دام الأمر كذلك فاتركوا عبادة هذه الآلهة الزائفة. وأخلصوا عبادتكم لخالقكم ورازقكم.
قال الآلوسى: قوله: فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ أى: أى شيء ظنكم بمن هو حقيق بالعبادة، لكونه ربا للعالمين؟ أشككتم فيه حتى تركتم عبادته- سبحانه- بالكلية، أو أعلمتم أى شيء هو حتى جعلتم الأصنام شركاءه أو أى شيء ظنكم بعقابه- حتى اجترأتم على الإفك عليه، ولم تخافوا عذابه. «٢» .
стр. 5119
وعلى أية حال فالآية تدل دلالة واضحة على استنكاره لما كان عليه أبوه وقومه من عبادة لغير الله- تعالى- وعلى نفور فطرته لما هم عليه من باطل.
ويهمل القرآن الكريم هنا ردهم عليه لتفاهته. وتنتقل السورة للإشارة إلى ما أضمره إبراهيم- ﵇ لتلك الآلهة الباطلة فتقول: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ. فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ. فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ.
قالوا: كان قوم إبراهيم يعظمون الكواكب، ويعتقدون تأثيرها في العالم.. وتصادف أن حل أوان عيد لهم. فدعوه إلى الخروج معهم كما هي عادتهم في ذلك العيد.
فتطلع إلى السماء، وقلب نظره في نجومها، ثم قال لهم معتذرا عن الخروج معهم- ليخلوا بالأصنام فيحطمها-: إِنِّي سَقِيمٌ أى مريض مرضا يمنعني من مصاحبتكم. فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ. أى: فتركوه وحده وانصرفوا إلى خارج بلدتهم.
قال الإمام ابن كثير ما ملخصه: وإنما قال إبراهيم لقومه ذلك ليقيم في البلد إذا ذهبوا إلى عيدهم، فإنه كان قد أزف خروجهم إلى عيد لهم، فأحب أن يختلى بآلهتهم ليكسرها، فقال لهم كلاما هو حق في نفس الأمر فهموا منه أنه سقيم على ما يعتقدونه، فتولوا عنه مدبرين.
قال قتادة: والعرب تقول لمن تفكر في أمر: نظر في النجوم، يعنى قتادة: أنه نظر في السماء متفكرا فيما يلهيهم به فقال إِنِّي سَقِيمٌ أى: ضعيف.
وقول النبي ﷺ لم يكذب إبراهيم غير ثلاث كذبات: اثنتين في ذات الله، قوله:
«إنى سقيم» وقوله: «بل فعله كبيرهم هذا» وقوله في سارة «هي أختى» .
ليس المراد بالكذب هنا الكذب الحقيقي الذي يذم فاعله، حاشا وكلا، وإنما أطلق الكذب على هذا تجوزا، وإنما هو من المعاريض في الكلام لمقصد شرعي ديني، كما جاء في الحديث: إن من المعاريض لمندوحة عن الكذب.
وقيل قوله «إنى سقيم» أى: بالنسبة لما يستقبل، يعنى مرض الموت.
وقيل: أراد بقوله: «إنى سقيم» أى، مريض القلب من عبادتكم للأوثان من دون الله- تعالى- ... «١» .
ويبدو لنا أى نظر إبراهيم- ﵇ في النجوم، إنما هو نظر المؤمن المتأمل في ملكوت الله- تعالى- المستدل بذلك على وحدانية الله وقدرته، وأنه إنما فعل ذلك أمامهم-
стр. 5120
وهم قوم يعظمون النجوم- ليقنعهم بصدق اعتذاره عن الخروج معهم، ويتم له ما يريده من تحطيم الأصنام.
كما يبدو لنا أن قوله: «إنى سقيم» المقصود منه: إنى سقيم القلب بسبب ما أنتم فيه من كفر وضلال، فإن العاقل يقلقه ويزعجه ويسقمه ما أنتم فيه من عكوف على عبادة الأصنام.
وقال لهم ذلك ليتركوه وشأنه، حتى ينفذ ما أقسم عليه بالنسبة لتلك الأصنام.
فكلام إبراهيم حق في نفس الأمر- كما قال الإمام ابن كثير- وقد ترك لقومه أن يفهموه على حسب ما يعتقدون.
ثم حكى- سبحانه- ما فعله إبراهيم بالأصنام بعد أن انفرد بها فقال: فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ.
وأصل الروغ: الميل إلى الشيء بسرعة على سبيل الاحتيال. يقال: راغ فلان نحو فلان. إذا مال إليه لأمر يريده منه على سبيل الاحتمال.
أى: فذهب إبراهيم مسرعا إلى الأصنام بعد أن تركها القوم وانصرفوا إلى عيدهم، فقال لها على سبيل التهكم والاستهزاء: أيتها الأصنام ألا تأكلين تلك الأطعمة التي قدمها لك الجاهلون على سبيل التبرك؟
وخاطبها كما يخاطب من يعقل فقال: «ألا تأكلون» ، لأن قومه أنزلوها تلك المنزلة. وقوله: «ما لكم لا تنطقون» زيادة في السخرية بتلك الأصنام، وفي إظهار الغيظ منها، والضيق بها، والغضب عليها.
هذا الغضب الذي كان من آثاره ما بينه القرآن في قوله: فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ أى: فمال عليهم ضاربا إياهم بيده اليمنى، حتى حطمهم كما قال- تعالى- في آية أخرى:
فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ.
وقال- سبحانه-: ضَرْباً بِالْيَمِينِ للدلالة على أن إبراهيم- ﵇ لشدة حنقه وغضبه على الأصنام- قد استعمل في تحطيمها أقوى جارحة يملكها وهي يده اليمنى.
وقيل: يجوز أن يراد باليمين: اليمين التي حلفها حين قال: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ.
وانتهى إبراهيم من تحطيم الأصنام، وارتاحت نفسه لما فعله بها، وشفى قلبه من الهم والضيق الذي كان يجده حين رؤيتها ...
وجاء قومه من رحلتهم، ووجدوا أصنامهم قد تحطمت، ويترك القرآن هنا ما قالوه
стр. 5121
لإبراهيم عند ما رأوا منظر آلهتهم بهذه الصورة المفزعة لهم، مكتفيا بإبراز حالهم فيقول:
«فأقبلوا إليه يزفون» .
أى: فحين رأوا آلهتهم بهذه الصورة. أقبلوا نحو إبراهيم يسرعون الخطا ولهم جلية وضوضاء تدل على شدة غضبهم لما أصاب آلهتهم.
يقال: زفّ النعام يزفّ زفّا وزفيفا، إذا جرى بسرعة حتى لكأنه يطير.
ولم يأبه إبراهيم- ﵇ لهياج قومه، وإقبالهم نحوه بسرعة وغضب، بل رد عليهم ردا منطقيا سليما، فقال لهم: أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ. وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ.
أى: قال لهم مؤبخا ومؤنبا: أتعبدون أصناما أنتم تنحتونها وتقطعونها من الحجارة أو من الخشب بأيديكم، وتتركون عبادة الله- تعالى- الذي خلقكم وخلق الذي تعملونه من الأصنام وغيرها.
قال القرطبي ما ملخصه: قوله- تعالى-: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ «ما» في موضع نصب، أى: خلقكم وخلق ما تعملونه من الأصنام، يعنى الخشب والحجارة وغيرها.
وقيل إن «ما» استفهام، ومعناه: التحقير لعملهم. وقيل: هي نفى أى: أنتم لا تعملون ذلك لكن الله خالقه والأحسن أن تكون «ما» مع الفعل مصدرا. والتقدير: والله خلقكم وعملكم، وهذا مذهب أهل السنة، أن الأفعال خلق لله- واكتساب للعباد.
وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله خالق كل صانع وصنعته» «١» .
ولكن هذا المنطق الرصين من إبراهيم، لم يجد أذنا واعية من قومه، بل قابلوا قوله هذا بالتهديد والوعيد الذي حكاه- سبحانه- في قوله: قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ أى قالوا فيما بينهم: ابنوا لإبراهيم بنيانا، ثم املئوه بالنار المشتعلة، ثم ألقوا به فيها فتحرقه وتهلكه.
فالمراد بالجحيم: النار الشديدة التأجج. وكل نار بعضها فوق بعض فهي جحيم، وهذا اللفظ مأخوذ من الجحمة وهي شدة التأجج والاتقاد- يقال: جحم فلان النار- كمنع- إذا أوقدها وأشعلها، واللام فيه عوض عن المضاف إليه- أى- ألقوه في جحيم ذلك البنيان المليء بالنار.
وبنوا البنيان، وأضرموه بالنار، وألقوا بإبراهيم فيها، فماذا كانت النتيجة؟
стр. 5122
كانت كما قال- سبحانه- بعد ذلك: فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً أى: شرا وهلاكا عن طريق إحراقه بالنار فَجَعَلْناهُمُ- بقدرتنا التي لا يعجزها شيء- الأسفلين أى: الأذلين المقهورين، حيث أبطلنا كيدهم. وحولنا النار إلى برد وسلام على عبدنا إبراهيم- ﵇.
وهكذا رعاية الله- تعالى- تحرس عباده المخلصين، وتجعل العاقبة لهم على القوم الكافرين.
ثم تسوق لنا السورة الكريمة بعد ذلك جانبا آخر من قصة إبراهيم- ﵇ هذا الجانب يتمثل في هجرته من أجل نشر دعوة الحق وفي تضرعه إلى ربه أن يرزقه الذرية الصالحة، فتقول: وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ. رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ...
أى: قال إبراهيم بعد أن نجاه الله- تعالى- من كيد أعدائه إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي أى: إلى المكان الذي أمرنى ربي بالسير إليه، وهو بلاد الشام، وقد تكفل- سبحانه- بهدايتى إلى ما فيه صلاح ديني ودنياى.
قال القرطبي: «هذه الآية أصل في الهجرة والعزلة. وأول من فعل ذلك إبراهيم- ﵇ وذلك حين خلصه الله من النار قالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي أى: مهاجر من بلد قومي ومولدي، إلى حيث أتمكن من عبادة ربي، فإنه سَيَهْدِينِ فيما نويت إلى الصواب «١» .
قال مقاتل: هو أول من هاجر من الخلق مع لوط وسارة. إلى الأرض المقدسة وهي أرض الشام..» «٢» .
والسين في قوله سَيَهْدِينِ لتأكيد وقوع الهداية في المستقبل، بناء على شدة توكله، وعظيم أمله في تحقيق ما يرجوه من ربه، لأنه ما هاجر من موطنه إلا من أجل نشر دينه وشريعته- سبحانه-.
ثم أضاف إلى هذا الأمل الكبير في هداية الله- تعالى- له، أملا آخر وهو منحه الذرية الصالحة فقال: رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ.
أى: وأسألك يا ربي بجانب هذه الهداية إلى الخير والحق، أن تهب لي ولدا هو من عبادك الصالحين، الذين أستعين بهم على نشر دعوتك، وعلى إعلاء كلمتك.
стр. 5123
وأجاب الله- تعالى- دعاء عبده إبراهيم، كما حكى ذلك في قوله: فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ.
أى: فاستجبنا لإبراهيم دعاءه فبشرناه على لسان ملائكتنا بغلام موصوف بالحلم وبمكارم الأخلاق.
قال صاحب الكشاف: - وقد انطوت البشارة على ثلاثة: على أن الولد غلام ذكر، وأنه يبلغ أوان الحلم، وأنه يكون حليما «١» .
وهذا الغلام الذي بشره الله- تعالى- به. المقصود به هنا إسماعيل- ﵇.
والفاء في قوله- تعالى-: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ فصيحة، أى: بشرناه بهذا الغلام الحليم، ثم عاش هذا الغلام حتى بلغ السن التي في إمكانه أن يسعى معه فيها، ليساعده في قضاء مصالحه.
قيل: كانت سن إسماعيل في ذلك الوقت ثلاث عشرة سنة.
قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى.
أى: فلما بلغ الغلام مع أبيه هذه السن، قال الأب لابنه: يا بنى إنى رأيت في منامي أنى أذبحك، فانظر ماذا ترى في شأن نفسك.
قال الآلوسى ما ملخصه: يحتمل أنه- ﵇ رأى في منامه أنه فعل ذلك..
ويحتمل أنه رأى ما تأويله ذلك، ولكنه لم يذكره وذكر التأويل، كما يقول الممتحن وقد رأى أنه راكب سفينة: رأيت في المنام أنى ناج من هذه المحنة.
ورؤيا الأنبياء وحى كالوحى في اليقظة، وفي رواية أنه رأى ذلك في ليلة التروية فأخذ يفكر في أمره، فسميت بذلك، فلما رأى ما رآه سابقا عرف أن هذه الرؤيا من الله، فسمى بيوم عرفة، ثم رأى مثل ذلك في الليلة الثالثة فهمّ بنحره فسمى بيوم النحر.
ولعل السر في كونه مناما لا يقظة، أن تكون المبادرة إلى الامتثال، أدل على كمال الانقياد والإخلاص.. «٢» .
وإنما شاوره بقوله: فَانْظُرْ ماذا تَرى مع أنه سينفذ ما أمره الله- تعالى- به في منامه سواء رضى إسماعيل أم لم يرض، لأن في هذه المشاورة إعلاما له بما رآه، لكي يتقبله بثبات وصبر، وليكون نزول هذا الأمر عليه أهون، وليختبر عزمه وجلده.
стр. 5124
وقوله: قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ، سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ حكاية لما رد به إسماعيل على أبيه إبراهيم- ﵉ وهو رد يدل على علو كعبه في الثبات، وفي احتمال البلاء، وفي الاستسلام لقضاء الله وقدره.
أى: قال الابن لأبيه: يا أبت افعل ما تؤمر به من قبل الله- تعالى- ولا تتردد في ذلك وستجدني إن شاء الله من الصابرين على قضائه.
وفي هذا الرد ما فيه من سمو الأدب، حيث قدم مشيئة الله- تعالى-، ونسب الفضل إليه، واستعان به- سبحانه- في أن يجعله من الصابرين على البلاء.
وهكذا الأنبياء- ﵈ يلهمهم الله- تعالى- في جميع مراحل حياتهم ما يجعلهم في أعلى درجات السمو النفسي، واليقين القلبي، والكمال الخلقي.
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك ما كان من الابن وأبيه فقال: فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وأسلما: بمعنى استسلما وانقادا لأمر الله، فالفعل لازم، أو بمعنى: سلّم الذبيح نفسه وسلم الأب ابنه، فيكون متعديا والمفعول محذوف.
وقوله وَتَلَّهُ أى: صرعه وأسقطه، وأصل التل: الرمي على التّل وهو الرمل الكثيف المرتفع، ثم عمم في كل رمى ودفع، يقال: تل فلان فلانا إذا صرعه وألقاه على الأرض.
والجبين: أحد جانبي الجبهة، وللوجه جبينان، والجبهة بينهما.
أى: فلما استسلم الأب والابن لأمر الله- تعالى- وصرع الأب ابنه على شقه، وجعل جبينه على الأرض، واستعد الأب لذبح ابنه.. كان ما كان منا من رحمة بهما. ومن إكرام لهما، ومن إعلاء لقدرهما.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: أين جواب لما؟ قلت: هو محذوف تقديره: فلما أسلما وتله للجبين «وناديناه أن يا إبراهيم. قد صدقت الرؤيا» كان ما كان مما تنطق به الحال، ولا يحيط به الوصف من استبشارهما واغتباطهما، وحمدهما لله، وشكرهما على ما أنعم به عليهما من دفع البلاء العظيم بعد حلوله، وما اكتسبا في تضاعيفه من الثواب، ورضوان الله الذي ليس وراءه مطلوب.. «١» .
وقد ذكروا هنا آثارا منها أن إسماعيل- ﵇ لما هم أبوه بذبحه قال له: يا أبت اشدد رباطى حتى لا أضطرب، واكفف عنى ثيابك حتى لا يتناثر عليها شيء من دمى فتراه أمى فتحزن، وأسرع مرّ السكين على حلقى ليكون أهون للموت على، فإذا أتيت أمى فاقرأ
стр. 5125
عليها السلام منى.. وكان ذلك عند الصخرة التي بمنى.. «١» .
وقوله- سبحانه-: وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا أى: وعند ما صرع إبراهيم ابنه ليذبحه، واستسلما لأمرنا.. نادينا إبراهيم بقولنا يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا أى: قد فعلت ما أمرناك به، ونفذت ما رأيته في رؤياك تنفيذا كاملا، يدل على صدقك في إيمانك، وعلى قوة إخلاصك.
قال الجمل: فإن قلت: كيف قال الله- تعالى- لإبراهيم: قد صدقت الرؤيا وهو إنما رأى أن يذبح ابنه، وما كان تصديقها إلا لو حصل منه الذبح؟
قلت: جعله الله مصدقا لأنه بذل جهده ووسعه، وأتى بما أمكنه، وفعل ما يفعله الذابح، فأتى بالمطلوب، وهو انقيادهما لأمر الله «٢» .
وجملة «إنا كذلك نجزى المحسنين» تعليل لما قبلها. أى: فعلنا ما فعلنا من تفريج الكرب عن إبراهيم وإسماعيل، لأن سنتنا قد اقتضت أن نجازي المحسنين الجزاء الذي يرفع درجاتهم، ويفرج كرباتهم، ويكشف الهم والغم عنهم.
واسم الإشارة في قوله: إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ يعود إلى ما ابتلى الله- تعالى- نبيه إبراهيم وإسماعيل.
أى: إن هذا الذي ابتلينا به هذين النبيين الكريمين، لهو البلاء الواضح، والاختبار الظاهر، الذي به يتميز قوى الإيمان من ضعيفه، والذي لا يحتمله إلا أصحاب العزائم العالية، والقلوب السليمة، والنفوس المخلصة لله رب العالمين.
ثم بين- سبحانه- مظاهر فضله على هذين النبيين الكريمين فقال: وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ والذبح بمعنى المذبوح فهو مصدر بمعنى اسم المفعول كالطحن بمعنى المطحون.
أى: وفدينا إسماعيل- ﵇ بمذبوح عظيم في هيئته، وفي قدره، لأنه من عندنا، وليس من عند غيرنا.
قيل: افتداه الله- تعالى- بكبش أبيض، أقرن، عظيم القدر.
وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ. سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ. كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ.
أى: ومن مظاهر فضلنا وإحساننا وتكريمنا لنبينا إبراهيم- أننا أبقينا ذكره الحسن في الأمم التي ستأتى من بعده، وجعلنا التحية والسلام منا ومن المؤمنين عليه إلى يوم الدين، ومثل هذا
стр. 5126
الجزاء نجزى المحسنين، إنه- ﵇ من عبادنا الصادقين في إيمانهم.
ثم بين- سبحانه- مظهرا آخر من مظاهر فضله على نبيه إبراهيم فقال: وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ. وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ، وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ.
أى: ومن مظاهر تكريمنا لإبراهيم، أننا بشرناه بولد آخر هو إسحاق، الذي جعلناه نبيا من أنبيائنا الصالحين لحمل رسالتنا، وأفضنا على إبراهيم وعلى إسحاق الكثير من بركاتنا الدينية والدنيوية، بأن جعلنا عددا كبيرا من الأنبياء من نسلهما.
ومع ذلك فقد اقتضت حكمتنا أن نجعل من ذريتهما من هو محسن في قوله وعمله، ومن هو ظالم لنفسه بالكفر والمعاصي ظلما واضحا بينا، وسنجازى كل فريق بما يستحقه من ثواب أو عقاب.
هذا ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى:
١- أن الرسل جميعا قد جاءوا من عند الله- تعالى- بدين واحد في أصوله، وأن كل واحد منهم قد سار على نهج سابقه في الدعوة إلى وحدانية الله، وإلى مكارم الأخلاق، وقد بين- سبحانه- في مطلع هذه القصة، أن إبراهيم كان من شيعة نوح- ﵇ أى:
من أتباعه الذين ساروا على سنته في دعوة الناس إلى عبادة الله وحده.
وقد أمر- نبيه ﷺ أن يقتدى بإخوانه السابقين من الأنبياء، فقال:
أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ.
٢- أن تعاطى الحيل الشرعية من أجل إزالة المنكر، أمر مشروع، فإن إبراهيم- ﵇ لكي يقضى على الأصنام، اعتذر لقومه عن الخروج معهم في يوم عيدهم، وقال لهم: إنى سقيم- بعد أن نظر في النجوم.
وكان مقصده من وراء ذلك، أن يختلى بالأصنام ليحطمها، ويثبت لقومه أنها لا تصلح للألوهية.
٣- أن سنة الله- تعالى- قد اقتضت أن يراعى- بفضله وكرمه- عباده المخلصين، وأن ينصرهم على أعدائهم، الذين يبيتون لهم الشرور والسوء.
ونرى ذلك جليا في هذه القصة، فقد أضمر الكافرون لإبراهيم الكيد والإهلاك. فأنجاه الله- تعالى- من مكرهم، كما قال- تعالى-: فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ. ٤- أن على المؤمن إذا لم يتمكن من نشر دعوة الحق في مكان معين أن ينتقل منه إلى مكان
стр. 5127
آخر متى كان قادرا على ذلك.
وهذا ما فعله إبراهيم- ﵇ فقد قال لقومه بعد أن يئس من صلاحهم، وبعد أن نجاه الله من كيدهم: إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ.
٥- أن الدعاء متى صدر من نفس عامرة بالإيمان والتقوى، ومن قلب سليم من الهوى..
كان جديرا بالإجابة.
فلقد تضرع إبراهيم إلى ربه أن يرزقه الذرية الصالحة، فأجاب الله دعاءه.
كما حكى- سبحانه- ذلك في قوله: رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ، فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ.
ثم قال- سبحانه- بعد ذلك: وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ.
٦- أن إبراهيم وإسماعيل- ﵉ قد ضربا أروع الأمثال في صدق الإيمان، وفي الاستسلام لأمر الله- تعالى- وفي الرضاء بقضائه.
فكافأهما- على ذلك مكافأة جزيلة، بأن جعل الذكر الحسن باقيا لإبراهيم إلى يوم القيامة، وبأن افتدى الذبيح بذبح عظيم.
قال- تعالى-: وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ. وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ. سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ. كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ.
٧- أن الذبيح الذي ورد ذكره في هذه القصة، والذي افتداه الله- تعالى- بذبح عظيم، هو إسماعيل- ﵇ وعلى ذلك سار جمهور العلماء، ومن أدلتهم على ما ذهبوا إليه ما يأتى:
(أ) أن سياق القصة يدل دلالة واضحة على أن الذبيح إسماعيل، لأن الله- تعالى- حكى عن إبراهيم أنه تضرع إليه- تعالى- بقوله: رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ فبشره- سبحانه- بِغُلامٍ حَلِيمٍ، وهذا الغلام عند ما بلغ السن التي يمكنه معها مساعدة أبيه في أعماله. قال له أبوه: يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى ثم افتدى الله- تعالى- هذا الغلام بذبح عظيم.
ثم قال- تعالى- بعد كل ذلك: وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ.
وهذا يدل على أن المبشر به الأول وهو إسماعيل، غير المبشر به الثاني وهو إسحاق.
(ب) أن البشارة بمولد إسحاق- ﵇ قد جاء الحديث عنها مفصلا في سورة
стр. 5128
هود. وظروف هذه البشارة وملابساتها، تختلف عن الظروف والملابسات التي وردت هنا في سورة الصافات، وقد أشار إلى ذلك الإمام السيوطي فقال:
وتأملت القرآن فوجدت فيه ما يقتضى القطع- أو ما يقرب منه- على أن الذبيح إسماعيل، وذلك لأن البشارة وقعت مرتين:
مرة في قوله- تعالى- رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ. فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ. فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ....
فهذه الآية قاطعة في أن المبشر به هو الذبيح.
ومرة في قوله- في سورة هود-: وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ.
فقد صرح فيها بأن المبشر به إسحاق، ولم يكن بسؤال من إبراهيم، بل قالت امرأته إنها عجوز، وأنه شيخ، وكان ذلك في بلاد الشام، لما جاءت الملائكة إليه، بسبب قوم لوط، وكان إبراهيم في آخر عمره.
أما البشارة الأولى فكانت حين انتقل من العراق إلى الشام، وحين كان سنه لا يستغرب فيه الولد، ولذلك سأله، فعلمنا بذلك أنهما بشارتان في وقتين بغلامين، أحدهما بغير سؤال، وهو إسحاق، والثانية قبل ذلك بسؤال وهو غيره، فقطعنا بأنه إسماعيل وهو الذبيح «١» .
ج- أن القول بأن الذبيح إسماعيل قد ورد- كما قال الإمام ابن القيم- عن كثير من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وأما القول بأنه إسحاق فباطل بأكثر من عشرين وجها.
ثم قال الإمام ابن القيم: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀ يقول: هذا القول إنما هو متلقى عن أهل الكتاب، مع أنه باطل بنص كتابهم فإن فيه: إن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه «بكره» وفي لفظ «وحيده» ، ولا يشك أهل الكتاب مع المسلمين أن إسماعيل هو بكر أولاد إبراهيم «٢» .
ومن العلماء الذين فصلوا القول في هذه المسألة، الإمام ابن كثير، فقد قال ﵀:
«وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الذبيح هو إسحاق، وحكى ذلك عن طائفة من السلف، حتى نقل عن بعض الصحابة- أيضا- وليس ذلك في كتاب ولا سنة، وما أظن ذلك تلقّى إلا عن أحبار أهل الكتاب، وهذا كتاب الله شاهد ومرشد إلى أنه إسماعيل، فإنه
стр. 5129
ذكر البشارة بالغلام الحليم، وذكر أنه الذبيح، ثم قال بعد ذلك: وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ.
ولما بشرت الملائكة إبراهيم بإسحاق قالوا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ وقال- تعالى-:
فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ أى: يولد له في حياتهما ولد يسمى يعقوب، فيكون من ذريته عقب ونسل.
وقد قدمنا أنه لا يجوز بعد ذلك أن يؤمر بذبحه وهو صغير، لأن الله قد وعدهما بأنه سيعقب، ويكون له نسل، فكيف يمكن بعد هذا أن يؤمر بذبحه صغيرا، وإسماعيل وصف هنا بالحلم، لأنه مناسب لهذا المقام» «١» .
قال الآلوسى- ﵀ بعد أن ساق أقوال العلماء في ذلك بالتفصيل: «والذي أميل إليه أنه- أى الذبيح- إسماعيل- ﵇، بناء على أن ظاهر الآية يقتضيه، وأنه المروي عن كثير من أئمة أهل البيت، ولم أتيقن صحة حديث مرفوع يقتضى خلاف ذلك، وحال أهل الكتاب لا يخفى على ذوى الألباب» «٢» .
هذه بعض الأحكام والآداب التي يمكن أن نأخذها من هذه القصة، التي حكاها- سبحانه- عن نبيه إبراهيم- ﵇ في هذه السورة الكريمة، وهناك أحكام وآداب أخرى يستطيع أن يستخلصها المتدبر في هذه الآيات الكريمة.
ثم ذكر- سبحانه- جانبا من قصة موسى وهارون- ﵉ وهما من ذرية إبراهيم وإسحاق، فقال- تعالى-:
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١١٤ الى ١٢٢]
وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَهارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْناهُمْ فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (١١٦) وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨)
وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢)
стр. 5130
وموسى: هو ابن عمران بن يصهر بن ماهيث بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق، وكانت ولادته في حوالى القرن الثالث عشر ق م.
وهارون: أخو موسى، قيل كان شقيقا له، وقيل كان أخا له لأمه..
والمعنى: لقد أنعمنا على موسى- وهارون- ﵉ بنعمة النبوة، وبغيرها من النعم الأخرى.
والتي من بينها أننا نجيناهما وقومهما المؤمنين، من استعباد فرعون إياهم، ومن ظلمه لهم.
وَنَصَرْناهُمْ فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ أى: ونصرنا موسى وهارون ومن آمن بهما. فكانوا بسبب هذا النصر الذي منحناهم إياه، هم الغالبين لأعدائهم، بعد أن كانوا تحت أسرهم وقهرهم.
وَآتَيْناهُمَا بعد كل ذلك الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ أى: الكتاب المبين الواضح وهو التوراة.
يقال: استبان الشيء، إذا ظهر ووضح وضوحا تاما.
وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ، أى: وهديناهما وأرشدناهما- بفضلنا وإحساننا- إلى الطريق الواضح الذي لا عوج فيه.
وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ. سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ أى: وأبقينا عليهما في الأمم المتأخرة الثناء الجميل، والذكر الحسن.
إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ أى: مثل هذا التكريم نجازي عبادنا المحسنين إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ أى الذين صدقوا في إيمانهم، وفي طاعتهم لنا.
ثم ساق- سبحانه- جانبا من قصة إلياس- ﵇ وهو أيضا من ذرية إبراهيم وإسحاق، فقال- تعالى-:
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٢٣ الى ١٣٢]
وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧)
إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢)
стр. 5131
وإلياس- ﵇ هو ابن فنحاص بن العيزار بن هارون- ﵇ فهو ينتهى نسبه- أيضا- إلى إبراهيم وإسحاق.
ويعرف إلياس في كتب الإسرائيليين باسم إيليا وقد أرسله الله- تعالى- إلى قوم كانوا يعبدون صنما يسمونه بعلا.
ويقال: إن رسالته كانت في عهد «آحاب» أحد ملوك بنى إسرائيل في حوالى القرن العاشر ق م.
والمعنى: وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ الذين أرسلناهم إلى الناس ليخرجونهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.
وقوله: إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ شروع في بيان ما نصح به إلياس قومه، والظرف مفعول لفعل محذوف، والتقدير اذكر وقت أن قال لقومه ألا تتقون الله. وتخشون عذابه ونقمته. والاستفهام للحض على تقوى الله- تعالى- واجتناب ما يغضبه.
ثم أنكر عليهم عبادتهم لغيره- سبحانه- فقال: أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ.
والبعل: اسم للصنم الذي كان يعبده قومه، وهو صنم قيل: سميت باسمه مدينة بعلبك بالشام، وكان قومه يسكنون فيها، وقيل: البعل: الرب بلغة اليمن.
أى: قال لهم على سبيل التوبيخ والزجر: أتعبدون صنما لا يضر ولا ينفع وتتركون عبادة أحسن من يقال له خالق، وهو الله- الذي خلقكم ورزقكم.
ولفظ الجلالة في قوله: اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ بدل من أَحْسَنَ الْخالِقِينَ.
стр. 5132
أى: أتعبدون صنما صنعتموه بأيديكم، وتذرون عبادة الله- تعالى- الذي هو ربكم ورب آبائكم الأولين.
وقرأ غير واحد من القراء السبعة اللَّهَ- بالرفع- على أنه مبتدأ، ورَبَّكُمْ خبره.
والتعرض لذكر ربوبيته- تعالى- لآبائهم الأولين، الغرض منه التأكيد على بطلان عبادتهم لغيره- سبحانه- فكأنه يقول لهم: إن الله- تعالى- الذي أدعوكم لعبادته وحده ليس هو ربكم وحدكم بل- أيضا- رب آبائكم الأولين، الذين من طريقهم أتيتم إلى هذه الحياة.
وقوله- تعالى- فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ بيان لموقفهم من نبيهم، ولما حل بهم من عذاب بسبب إعراضهم عن دعوته.
أى: دعا إلياس قومه إلى عبادة الله- تعالى- وحده، فكذبوه وأعرضوا عن دعوته، وسيترتب على تكذيبهم هذا، إحضارهم إلى جهنم إحضارا فيه ذلهم وهوانهم.
إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فإنهم ناجون من الإحضار الأليم، لأنهم سيكونون يوم القيامة محل تكريمنا وإحساننا.
وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ أى: وأبقينا على إلياس في الأمم الآخرين سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ أى: أمان وتحية منا ومنهم على إلياس ومن آمن معه.
إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ.
ثم ساق- سبحانه- بعد ذلك جانبا من قصة لوط مع قومه. فقال- تعالى-:
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٣٣ الى ١٣٨]
وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلاَّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧)
وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٣٨)
ولوط- ﵇ هو ابن أخ لسيدنا إبراهيم- ﵇ وكان قد آمن به وهاجر معه، كما في قوله- تعالى-: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي.
стр. 5133
وقد أرسل الله- تعالى- لوطا إلى قرية سدوم- من قرى الشام- وكان أهلها يعبدون الأصنام ويرتكبون الفاحشة التي لم يسبقهم إليها أحد من العالمين.
أى: وَإِنَّ لُوطاً- ﵇ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ الذين أرسلناهم لهداية الناس، إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ أى: اذكر- أيها العاقل- وقت أن نجيناه وجميع المؤمنين معه، بفضلنا ورحمتنا.
إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ والمراد بالعجوز: امرأته التي بقيت على كفرها وكانت تفشى أسرار زوجها. أى: نجينا لوطا والمؤمنين معه من أهله، إلا عجوزا بقيت في العذاب مع القوم الغابرين أى: مع الباقين في العذاب.
ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ
أى: ثم دمرنا القوم الآخرين الباقين على كفرهم، كما دمرنا من بقي على كفره من أهل لوط، كامرأته التي أعرضت عن دعوة الحق، وانحازت إلى قومها المفسدين.
ثم وجه- سبحانه- الخطاب لمشركي قريش فقال: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ. وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ
؟.
أى: وإنكم يا أهل مكة لتمرون على مساكن قوم لوط المهلكين، وأنتم سائرون إلى بلاد الشام، تارة تمرون عليهم وأنتم داخلون في وقت الصباح، وتارة تمرون عليهم وأنتم داخلون في وقت الليل، وترون بأعينكم ما حل بهم من دمار.
وقوله أَفَلا تَعْقِلُونَ
معطوف على مقدر، أى: أتشاهدون ذلك فلا تعقلون، فالاستفهام للتوبيخ والحض على الاعتبار بأحوال الماضين.
ثم ختم- سبحانه- هذه القصص، بذكر جانب من قصة يونس- ﵇ فقال:
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٣٩ الى ١٤٨]
وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣)
لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (١٤٨)
стр. 5134
ويونس- ﵇: هو ابن متى، وقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى» .
وملخص قصته أن الله- تعالى- أرسله إلى أهل نينوى بالعراق، وفي حوالى القرن الثامن قبل الميلاد، فدعاهم إلى إخلاص العبادة لله- تعالى- فاستعصوا عليه، فضاق بهم ذرعا، وأخبرهم أن العذاب سيأتيهم خلال ثلاثة أيام، فلما كان اليوم الثالث خرج يونس من بلدة قومه، قبل أن يأذن الله له بالخروج، فلما افتقده قومه، آمنوا وتابوا، وتضرعوا بالدعاء إلى الله قبل أن ينزل بهم العذاب.
فلما لم ير يونس نزول العذاب، استحى أن يرجع إليهم وقال: لا أرجع إليهم كذابا أبدا، ومضى على وجهه فأتى سفينة فركبها فلما وصلت اللجة وقفت ولم تتحرك.
فقال صاحبها: ما يمنعها أن تسير إلا أن فيكم رجلا مشئوما، فاقترعوا ليلقوا في البحر من وقعت عليه القرعة، فكانت على يونس ثم أعادوها فوقعت عليه، فلما رأى ذلك ألقى بنفسه في البحر، فالتقمه الحوت.. «١» .
والمعنى: وإن يونس- ﵇ لمن المرسلين الذين اصطفيناهم لحمل رسالتنا وتبليغها إلى الناس.
إِذْ أَبَقَ
أى: هرب من قومه بغير إذن من ربه- يقال: أبق العبد- كضرب ومنع- إذا هرب من سيده فهو آبق.
إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ
أى: هرب من قومه إلى الفلك المليء بالناس والأمتعة فَساهَمَ
أى: فقارع من في السفينة بالسهام، يقال: استهم القوم إذا اقترعوا فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ.
أى: من المغلوبين حيث وقعت عليه القرعة دون سواء. يقال: دحضت حجة فلان، إذا بطلت وخسرت.
стр. 5135
فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ أى بعد أن وقعت القرعة عليه، ألقى بنفسه في البحر، «فالتقمه الحوت» أى: ابتلعه بسرعة: يقال: لقم فلان الطعام- كسمع- والتقمه، إذا ابتلعه بسرعة، وتلقّمه إذا ابتلعه على مهل.
وجملة «وهو مليم» حالية في محل نصب، أى: فالتقمه الحوت وهو مكتسب من الأفعال ما يلام عليه، حيث غادر قومه بدون إذن من ربه.
يقال: رجل مليم، إذا أتى من الأقوال أو الأفعال ما يلام عليه، وهو اسم فاعل من آلام الرجل، إذا أتى ما يلام عليه.
فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ. لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ أى: فلولا أن يونس- ﵇ كان من المسبحين لله- تعالى- المداومين على ذكره. لولا هذا التسبيح للبث يونس في بطن الحوت إلى يوم القيامة.
فهاتان الآيتان تدلان دلالة واضحة على أن الإكثار من ذكر الله- تعالى- وتسبيحه..
سبب في تفريج الكروب، وإزالة الهموم، بإذن الله ورحمته. وفي الحديث الشريف: «تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة» .
ورحم الله الإمام القرطبي فقد قال: «أخبر الله- أن يونس كان من المسبحين، وأن تسبيحه كان سبب نجاته، ولذا قيل: إن العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثر.
وفي الحديث الشريف: «من استطاع منكم أن تكون له خبيئة من عمل صالح فليفعل» فليجتهد العبد، ويحرص على خصلة من صالح عمله، يخلص فيها بينه وبين ربه، ويدخرها ليوم فاقته وفقره، ويسترها عن خلق الله، لكي يصل إليه نفعها وهو أحوج ما يكون إليه «١» .
فنبذناه بالعراء وهو سقيم، والنبذ: الطرح، والعراء: الخلاء.
أى: أن يونس- ﵇ بعد أن التقمه الحوت أخذ في الإكثار من تسبيحنا ومن دعائنا، فاستجبنا له دعاءه، وأمرنا الحوت بطرحه في الفضاء الواسع من الأرض.
وجملة «وهو سقيم» حالية. أى: ألقيناه بالأرض الفضاء حالة كونه عليلا سقيما، لشدة ما لحقه من تعب وهو في بطن الحوت.
وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ أى: ومن مظاهر رحمتنا به، أننا جعلنا فوقه شجرة من يقطين لكي تظلل عليه وتمنع عنه الحر.
стр. 5136
واليقطين: يطلق على كل شجر لا يقوم على ساق، كالبطيخ والقثاء والقرع وهو مأخوذ من قطن بالمكان إذا أقام به.
وقد قالوا إن المراد بهذه الشجرة، هي شجرة القرع، وقيل غير ذلك.
وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ. فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ أى: وبعد أن تداركته رحمتنا، وأخرجناه من بطن الحوت، ورعيناه برعايتنا، أرسلناه إلى مائة ألف من الناس أو يزيدون على ذلك في نظر الناظر إليهم، فآمنوا جميعا فَمَتَّعْناهُمْ بالحياة إِلى حِينٍ انتهاء آجالهم.
قال الإمام ابن كثير: ولا مانع من أن يكون الذين أرسل إليهم أولا، أمر بالعودة إليهم بعد خروجه من بطن الحوت، فصدقوه كلهم، وآمنوا به. وحكى البغوي أنه أرسل إلى أمة أخرى بعد خروجه من الحوت، كانوا مائة ألف أو يزيدون «١» .
هذا ومن العبر التي نأخذها من هذه القصة، أن رحمة الله- تعالى- قريب من المحسنين، وأن العبد إذا تاب توبة صادقة نصوحا، وفي الوقت الذي تقبل فيه التوبة، قبل الله- تعالى- توبته، وفرج عنه كربه، وأن التسبيح يكون سببا في رفع البلاء.
وبعد هذه الجولة مع قصص بعض الأنبياء، أمر الله- تعالى- رسوله ﷺ أن يسأل هؤلاء المشركين، سؤال توبيخ وتأنيب، عما قالوه في شأن الملائكة من باطل وزور، وأن يرد على أكاذيبهم ردا يخرص ألسنتهم فقال- تعالى-:
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٤٩ الى ١٧٠]
فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ (١٥٠) أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣)
ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٥٧) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨)
سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠) فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ (١٦١) ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ (١٦٢) إِلاَّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)
وَما مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦) وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨)
لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠)
стр. 5137
وقوله- تعالى- فَاسْتَفْتِهِمْ.. معطوف على قوله- تعالى- في أوائل السورة:
فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا.. عطف جملة على جملة. والخطاب للرسول ﷺ والاستفتاء: الاستخبار والاستفهام وطلب الفتيا من المفتي.
أى: أسأل- أيها الرسول- هؤلاء المشركين سؤال تقريع وتأنيب: أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ أى: أسألهم بأى وجه من وجوه القسمة جعلوا لربك البنات وجعلوا لأنفسهم البنين؟ إن قسمتهم هذه لهى قسمة جائرة وفاسدة عند كل عاقل، لأنه لا يليق في أى عقل أن يجعلوا لله- تعالى- الجنس الأدنى وهو جنس الإناث، بينما يجعلون لأنفسهم الجنس الأعلى.
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى- أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى. تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى «١» .
قال صاحب الكشاف: فَاسْتَفْتِهِمْ معطوف على مثله في أول السورة، وإن تباعدت بينهما المسافة، أمر رسوله ﷺ باستفتاء قريش عن وجه إنكارهم البعث أولا. ثم ساق الكلام موصولا بعضه ببعض، ثم أمره باستفتائهم عن وجه القسمة الضيزى التي قسموها، حيث جعلوا لله الإناث ولأنفسهم الذكور، في قولهم الملائكة بنات الله، مع كراهتهم الشديدة لهن. ولقد ارتكبوا في ذلك ثلاثة أنواع من الكفر:
أحدها: التجسيم، لأن الولادة مختصة بالأجسام.
стр. 5138
والثاني: تفضيل أنفسهم على ربهم، حيث جعلوا أوضع الجنسين له، وأرفعهما لهم.
والثالث: أنهم استهانوا بأكرم خلق الله، وأقربهم إليه، حيث أنثوهم. ولو قيل لأقلهم وأدناهم: فيك أنوثة، أو شكلك شكل النساء، للبس لقائله جلد النمور، ولا تقلبت حماليقه- أى: أجفان عينيه. «١» .
وقوله- سبحانه-: أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ، تقريع آخر لهم على جهالاتهم وسفههم، حيث أضرب- سبحانه- عن الكلام الأول إلى ما هو أشد منه في التبكيت والتأنيب.
أى: إنهم زعموا أن لربك البنات ولهم البنون، فهل كانوا حاضرين وقت أن خلقنا الملائكة حتى يعرفوا أنهم إناث؟ كلا إنهم لم يكونوا حاضرين وإنما هم يهرفون بما لا يعرفون.
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً، أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ، سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ «٢» .
قال صاحب الكشاف فإن قلت: لم قال: وَهُمْ شاهِدُونَ فخص علم المشاهدة؟
قلت: ما هو إلا الاستهزاء بهم وتجهيل.. وذلك لأنهم كما لم يعلموا ذلك بطريق المشاهدة، لم يعلموه بخلق علمه في قلوبهم، ولا بإخبار صادق، ولا بطريق استدلال ونظر «٣» .
ثم أخبر- سبحانه- عن كذبهم فقال: أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ. وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ والإفك: أشنع الكذب وأقبحه. يقال: أفك فلان كضرب وعلم- إفكا وأفكا، إذا كذب كذبا فاحشا.
أى: ألا إن هؤلاء الكافرين. من شدة كذبهم، وشناعة جهلهم ليقولون زورا وبهتانا:
وَلَدَ اللَّهُ أى: اتخذ الله ولدا وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ في ذلك كذبا تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا.
وافتتحت الآية الكريمة بأداة الاستفتاح «ألا» لتأكيد قولهم، وأنهم كانوا مصرين على هذا القول الذي لا نهاية لبطلانه.
ثم كرر- سبحانه- توبيخهم وتقريعهم فقال: أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ والاصطفاء: الاختيار والانتقاء. والاستفهام للإنكار والنفي، أى: هل اختار الله البنات على
стр. 5139
البنين في زعمهم؟ كلا إن الله- تعالى- لم: يفعل شيئا من ذلك لأنه- سبحانه- غنى عن العالمين.
ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أى: أى شيء حدث لكم، وكيف أصدرتم هذه الأحكام الظاهرة البطلان عند كل من كان عنده أثر من عقل.
وقوله: أَفَلا تَذَكَّرُونَ. معطوف على كلام محذوف والتقدير: أتجهلون هذه الأمور الواضحة، فلا تعقلون ولا تتذكرون ولا تعتبرون.
وقوله- تعالى-: أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ. فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ إضراب وانتقال من توبيخهم على جهالاتهم، إلى تحديهم وإثبات كذبهم.
أى: بل ألكم حجة واضحة على صحة هذا القول الذي قلتموه من أن الملائكة بنات الله؟
إن كانت عندكم هذه الحجة فأتوا بها إن كنتم صادقين فيما زعمتم.
فالمقصود بالآيتين الكريمتين تعجيزهم وإثبات المزيد من جهالاتهم وأكاذيبهم. ثم حكى- سبحانه- زعما آخر من زعمهم في شأن الملائكة فقال: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً، وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ.
والمراد بالجنة هنا: الملائكة. سمو بذلك لاجتنانهم واستتارهم عن الأعين.
أى: أن المشركين لم يكتفوا بما قالوا في الآيات السابقة، بل أضافوا إلى ذلك جريمة أخرى، وهي أنهم جعلوا بين الله- تعالى- وبين الملائكة نسبا، ولقد علمت الجنة، - أى الملائكة-، «إنهم» أى القائلون لهذه المقالة الباطلة «لمحضرون» أى: إلى العذاب يوم القيامة. ليذوقوا سوء عاقبة كذبهم.
قال القرطبي: أكثر أهل التفسير أن الجنة هاهنا الملائكة. عن مجاهد قال: قالوا- يعنى كفار قريش- الملائكة بنات الله، فقال لهم أبو بكر: فمن أمهاتهن؟ قالوا: مخدرات الجن ... ومعنى «نسبا» : مصاهرة. وقال قتادة: قالت اليهود إن الله صاهر الجن فكانت الملائكة من بينهن.
وقال الحسن: أشركوا الشيطان في عبادة الله، فهو النسب الذي جعلوه «١» .
ثم نزه- سبحانه- ذاته عما افتروه فقال: سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ أى: تنزه الله- تعالى- وتقدس عما يقوله هؤلاء الجاهلون.
стр. 5140
وقوله: إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ استثناء منقطع من قوله لَمُحْضَرُونَ وما بينهما جملة معترضة لتنزيه الله- تعالى- وتقديسه.
أى: والله لقد علمت الملائكة أن المشركين القائلين بهذا القول الفاسد لمحضرون إلى النار، ويدعّون إليها دعا، لكن عباد الله الذين أخلصوا له العبادة والطاعة ليسوا كذلك، بل هم ناجون من عذاب جهنم، لتنزيههم الخالق- عما لا يليق به.
ثم حقر- سبحانه- من شأن المشركين، ومن شأن آلهتهم المزعومة فقال: فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ. ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ. إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ.
وهذا الكلام يجوز أن يكون حكاية لما رد به الملائكة على المشركين الذين قالوا الإفك والزور قبل ذلك، ويجوز أن يكون كلاما مستأنفا من الله- تعالى- على سبيل الاستخفاف والتهكم بالمشركين وبآلهتهم.
والفاء في قوله فَإِنَّكُمْ واقعة في جواب شرط مقدر. و «الواو» في قوله وَما تَعْبُدُونَ للعطف على اسم إن، أو بمعنى مع. و «ما» موصولة أو مصدرية. و «ما» في قوله: ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ نافية والضمير في «عليه» يعود على الله- والجار والمجرور متعلق «بفاتنين» . والمراد بالفتن: هنا الإفساد، من قولهم: فلان فتن على فلان خادمه. إذا أفسده. وجملة «ما أنتم عليه بفاتنين» خبر إن.
و «صال» - بكسر اللام- اسم فاعل منقوص- كقاض- مضاف إلى ما بعده.
وحذفت ياؤه لالتقاء الساكنين.
والمعنى: إذا أدركتم- أيها المشركون- ما قلناه لكم. فثقوا أنكم أنتم وآلهتكم لن تستطيعوا أن تضلوا أحدا هداه الله- تعالى- لكنكم تستطيعون أن تضلوا من كان من أهل الجحيم مثلكم.
فالمقصود بهذه الآيات الكريمة، الاستخفاف بالمشركين وبآلهتهم، وبيان أن من هداه الله، تعالى- لا سلطان لهم عليه في إغوائه أو إضلاله.
قال صاحب الكشاف: والضمير في «عليه» لله- تعالى- ومعناه: فإنكم ومعبوديكم ما أنتم وهم جميعا بفاتنين على الله، إلا أصحاب النار الذين سبق في علمه أنهم لسوء أعمالهم يستوجبون أن يصلوها.
فإن قلت: كيف يفتنونهم على الله؟ قلت: يفسدونهم عليه بإغوائهم واستهوائهم.
стр. 5141
من قولك: فتن فلان على فلان امرأته، كما تقول: أفسدها وخيبها عليه.. «١» .
ثم بين- سبحانه- أن الملائكة معترفون اعترافا تاما بطاعتهم لله- تعالى- وبمداومتهم على عبادته وتسبيحه فقال: وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ. وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ. وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ.
أى: لقد اعترف الملائكة بطاعتهم الكاملة لله- تعالى- وقالوا: وما منا أحد إلا له مقام معلوم في عبادة الله- تعالى- وطاعته، وإنا لنحن الصافون أنفسنا في مواقف العبودية والطاعة لله- وإنا لنحن المسبحون والمنزهون له- تعالى- عن كل مالا يليق به.
وقد ذكر الإمام ابن كثير هنا جملة من الأحاديث منها أن رسول الله ﷺ قال يوما لجلسائه: «أطّت السماء وحق لها أن تئط- أى سمع لها صوت شديد- ليس فيها موضع قدم إلا عليه ملك راكع أو ساجد، ثم قرأ: وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ: وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ «٢» .
ثم أخبر- سبحانه- عن حال المشركين قبل أن يأتيهم رسول الله ﷺ فقال:
وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ. لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ. فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ.
و «إن» في قوله وَإِنْ كانُوا.. هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير محذوف.
والقائلون هم كفار مكة، والفاء في قوله فَكَفَرُوا بِهِ وهي الفصيحة الدالة على محذوف مقدر.
والمعنى إن حال هؤلاء الكافرين وشأنهم، أنهم كانوا يقولون قبل مجيء الرسول ﷺ إليهم «لو أن عندنا ذكرا من الأولين» أى: لو أن عندنا كتابا من كتب الأولين كالتوراة والإنجيل. لكنا عباد الله المخلصين أى: لكنا بسبب وجود هذا الكتاب من عباد الله الذين يخلصون له العبادة والطاعة.
فجاءهم محمد ﷺ بالكتاب المبين كما تمنوا وطلبوا، فكانت النتيجة أن كفروا به، فسوف يعلمون سوء عاقبة هذا الكفر، يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ، وَيَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ «٣» .
стр. 5142
ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة ببشارة المؤمنين بنصره، وبتسلية النبي ﷺ عما أصابه من أعدائه، فقال- تعالى-:
[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٧١ الى ١٨٢]
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (١٧٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥)
أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩) سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠)
وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٢)
والمراد بكلمتنا في قوله: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا.. ما وعد الله- تعالى- به رسله وعباده الصالحين من جعل العاقبة الطيبة لهم.
ومن الآيات التي وردت في هذا المعنى قوله- تعالى-: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ «١» وقوله- سبحانه- كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ «٢» .
أى: والله لقد سبق وعدنا لعبادنا المرسلين بالنصر والفوز إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ.
على أعدائهم إِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ
لمن عاداهم وناوأهم.
وهذا الوعد بالنصر لا يتعارض مع هزيمتهم في بعض المواطن- كيوم أحد مثلا- لأن هذه الهزيمة إنما هي لون من الابتلاء الذي اقتضته حكمة الله- تعالى- ليتميز قوى الإيمان من ضعيفه، أما النصر في النهاية فهو للمؤمنين وهذا ما حكاه لنا التاريخ الصحيح، فقد تم فتح مكة، ودخل الناس في دين الله أفواجا، بعد أن جاهد النبي ﷺ وأصحابه وهزموا
стр. 5143
الكافرين، ولم يفارق الرسول ﷺ هذه الدنيا إلا بعد أن صارت كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى.
ثم أمر الله- تعالى- رسوله ﷺ بالإعراض عن المشركين، وبالصبر على أذاهم، فقال: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ أى: فأعرض عنهم إلى الوقت الذي يأذن الله لك فيه بقتالهم وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ أى: وانظر إليهم وراقبهم عند ما ينزل بهم عذابنا، فسوف يبصرون هم ذلك في دنياهم وفي آخرتهم.
والأمر بمشاهدة ذلك: إشعار بأن نصره ﷺ عليهم، آت لا ريب فيه حتى لكأنه واقع بين يديه، مشاهد أمامه.
والاستفهام في قوله- سبحانه-: أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ للتوبيخ والتأنيب.
أى أبلغ الجهل وانطماس البصيرة بهؤلاء المشركين، أنهم يستعجلون عذابنا.
عن ابن عباس- رضى الله عنهما- أن المشركين قالوا للنبي ﷺ : يا محمد أرنا العذاب الذي تخوفنا به، فنزلت هذه الآية.
ثم بين- سبحانه- حالهم عند ما ينزل بهم هذا العذاب الذي استعجلوا نزوله فقال فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ.
والساحة في الأصل تطلق على الفناء الواسع للدار والمراد بها هنا القوم الذين يكونون فيها والمخصوص بالذم محذوف.
أى: فإذا نزل العذاب بهؤلاء المشركين. فبئس الصباح صباحهم. ولن ينفعهم حينئذ ندم أو توبة، وخص الصباح بالذكر، لأن العذاب كان يأتيهم فيه في الغالب.
أخرج الشيخان عن أنس، رضى الله عنه. قال: صبح رسول الله ﷺ خيبر، فلما خرجوا بفئوسهم ومساحيهم ورأوا الجيش، رجعوا يقولون: محمد والله، محمد والخميس- أى: والجيش فقال ﷺ : «الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» .
ثم كرر- سبحانه- تهديده ووعيده لهم على سبيل التأكيد لعلهم يعتبرون فقال: وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ. وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ أى: وأعرض عنهم حتى حين، وأبصر ما توعدناهم به من عذاب أليم، فسوف يبصرون هم ذلك.
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ أى. تنزه وتقدس ربك- أيها الرسول الكريم- عما وصفه به الواصفون الجاهلون من صفات لا تليق بذاته.
стр. 5144
وقوله رَبِّ الْعِزَّةِ بدل من ربك: أى هو صاحب العزة والغلبة والقوة التي لا يقف أمام قوتها شيء والتي لا يملكها أحد سواه.
وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ أى: وسلام وأمان وتحية منا على المرسلين وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ أى: والثناء الكامل لله- تعالى- رب العالمين جميعا وخالقهم ورازقهم، ومحييهم ومميتهم.
وبعد فهذا تفسير لسورة الصافات، نسأل الله أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟
القاهرة- مدينة نصر كتبه الراجي عفو ربه الأربعاء: ٢٠ من ذي القعدة ١٤٠٥ هـ د. محمد سيد طنطاوى ٧/ ٨/ ١٩٨٥ م
стр. 5145
تفسير سورة ص
стр. 5146
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
١- سورة «ص» هي السورة الثامنة والثلاثون في ترتيب المصحف، وكان نزولها بعد سورة «القمر» وهي من السور المكية الخالصة. ويقال لها سورة «داود» .
قال الآلوسى: هي مكية- كما روى عن ابن عباس وغيره- وهي ثمان وثمانون آية في المصحف الكوفي. وست وثمانون في الحجازي والبصري والشامي ... وهي كالمتممة لسورة الصافات التي قبلها، من حيث إنه ذكر فيها ما لم يذكر في تلك من الأنبياء، كداود وسليمان ... » «١» .
٢- وقد افتتحت سورة «ص» بقسم من الله- تعالى- بالقرآن الكريم، على صدق الرسول ﷺ ، فيما يبلغه عن ربه.
ثم حكى- سبحانه- ما قاله المشركون فيما بينهم، لإنكار نبوة النبي ﷺ ، ولإنكار يوم القيامة وما فيه من ثواب وعقاب، ورد عليهم بما يثبت جهلهم وغفلتهم واستكبارهم عن قبول الحق..
قال- تعالى-: وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ. ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ. أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا، بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ. أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ. أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ.
٣- ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك إلى تسلية الرسول ﷺ عما لحقه منهم من أذى وكيد، فحكت له أن أقوام الرسل السابقين قد قابلوا رسلهم بالتكذيب، وأمرته بالصبر على جهالاتهم، وساقت جانبا من قصة داود- ﵇ فذكرت بعض النعم التي أنعم الله- تعالى- بها عليه، كما ذكرت ما دار بينه وبين الخصوم الذين تسوروا عليه المحراب.
قال- تعالى-: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ. وثمود وقوم لوط
стр. 5147
وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب. إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب. وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق. وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب. اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب) ...
٤- وبعد هذا الحديث الذي فيه شيء من التفصيل عن وجوه النعم التي أنعم بها- سبحانه- على عبده داود، وعن لون من ألوان الامتحانات التي امتحنه- تعالى- بها، وعن الإرشادات الحكيمة التي أرشده الله- إليها ...
بعد كل ذلك ساق- سبحانه- أنواعا من الأدلة على وحدانيته وقدرته، وبين أن حكمته قد اقتضت عدم المساواة بين الأخيار والفجار.
قال- تعالى-: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ، أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ. كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ، وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ.
٥- ثم أثنى- سبحانه- بعد ذلك على نبيه سليمان- ﵇ وبين بعض النعم التي منحها له، كما بين موقفه مما اختبره- تعالى- به ...
قال- تعالى-: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ. قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ. فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ. وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ.
٦- ثم مدح- سبحانه- نبيه أيوب- ﵇ على صبره، وعلى كثرة تضرعه إلى ربه، وكيف أنه- تعالى- قد كافأه على ذلك بما يستحقه.
قال- تعالى-: وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ، ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ. وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ، وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ، إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً، نِعْمَ الْعَبْدُ، إِنَّهُ أَوَّابٌ.
٧- ثم أثنى- سبحانه- على أنبيائه: إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وإسماعيل واليسع وذا الكفل، وبين ما أعده لهم ولأمثالهم من عباده الأخيار، كما بين ما توعد به الفجار من عذاب أليم..
قال- تعالى-: هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ. جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ. مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ. وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ. هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ. إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ. هذا، وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ.
стр. 5148
٨- ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بالحديث عن قصة آدم وإبليس وكيف أن الملائكة جميعا سجدوا لآدم إلا إبليس فإنه أبى واستكبر وقال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين. فكانت عاقبته الطرد من رحمة الله- تعالى-.
٩- ومن هذا العرض المجمل لسورة «ص» نرى أنها قد اهتمت اهتماما واضحا، بإقامة الأدلة على وحدانية الله- تعالى- وقدرته. وعلى صدق النبي ﷺ فيما يبلغه عن ربه، وعلى أن يوم القيامة حق، كما اهتمت بحكاية شبهات المشركين ثم الرد عليها، كما ذكرت جانبا من قصص بعض الأنبياء ليعتبر بقصصهم كل ذي عقل سليم، كما أنها قد اهتمت ببيان حسن عاقبة الأخيار وسوء عاقبة الأشرار، ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
القاهرة- مدينة نصر د. محمد سيد طنطاوى الخميس ٢١ من ذي القعدة سنة ١٤٠٥ هـ الموافق ٨/ ٨/ ١٩٨٥ م
стр. 5149
التفسير قال الله- تعالى-:
[سورة ص (٣٨) : الآيات ١ الى ١١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ (٣) وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ (٤)
أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ (٦) ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ (٧) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ (٨) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩)
أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ (١٠) جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ (١١)
سورة «ص» من السور القرآنية التي افتتحت ببعض حروف التهجي، وقد سبق أن بينا بشيء من التفصيل آراء العلماء في هذه المسألة، عند تفسيرنا لسورة البقرة، وآل عمران، والأعراف. ويونس..
وقلنا ما خلاصته: لعل أقرب الأقوال إلى الصواب، أن هذه الحروف المقطعة قد وردت في بعض السور القرآنية على سبيل الإيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن.
стр. 5150
فكأن الله- تعالى- يقول لأولئك المعارضين في أن القرآن من عند الله هاكم القرآن ترونه مؤلفا من كلام من جنس ما تؤلفون منه كلامكم، ومنظوما من حروف هي من جنس الحروف الهجائية التي تنظمون منها حروفكم.
فإن كنتم في شك من كونه منزلا من عند الله فهاتوا مثله، وادعوا من شئتم من الخلق لكي يعاونكم في ذلك، أو في الإتيان بعشر سور من مثله، أو بسورة واحدة من مثله.
فعجزوا وانقلبوا خاسرين. وثبت أن هذا القرآن من عند الله- تعالى-.
والواو في قوله- تعالى-: وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ للقسم. والمقسم به القرآن الكريم. وجواب القسم محذوف، لدلالة ما بعده عليه.
والذكر، يطلق على الشرف ونباهة الشأن، يقال فلان مذكور، أى: صاحب شرف ونباهة. ومنه قوله- تعالى-: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ.
ويطلق وبراد به التذكير على أنه مصدر، لأن القرآن مشتمل على المواعظ والأحكام وقصص الأنبياء. وغير ذلك مما يسعد الناس في دينهم ودنياهم.
وهذان الإطلاقان ينطبقان على القرآن الكريم، فيكون المعنى: وحق القرآن الكريم ذي الشرف العظيم، وذي التذكير الحكيم المشتمل على ما ينفع الناس في دنياهم وآخرتهم..
إنك- أيها الرسول الكريم- لصادق في كل ما تبلغه عن ربك ولم يصدر منك إطلاقا ما يخالف الحق الذي أمرناك بتبليغه للناس.
قال بعض العلماء ما ملخصه: اعلم أنهم اختلفوا في تعيين الشيء الذي أقسم الله- تعالى- عليه في قوله: وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ.
فقال بعضهم إن المقسم عليه مذكور، وهو قوله- تعالى-: إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ أو قوله- تعالى-: إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ أو قوله- تعالى-: كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ..
والحق أن القول بأن المقسم عليه مذكور ظاهر السقوط.
وقال آخرون إن المقسم عليه محذوف، واختلفوا في تقديره، فقال صاحب الكشاف:
التقدير: «والقرآن ذي الذكر» إنه لمعجز. وقدره ابن عطية فقال: والتقدير: والقرآن ذي الذكر ليس الأمر كما يقول الكفار.. «١» .