والمراد بالمجادلة في قوله- تعالى-: إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ.. المجادلة بالباطل بدون حجة أو دليل، أما المجادلة لإحقاق الحق والكشف عنه..
فهي محمودة، لأنها تهدى إلى الخير والصلاح.
قال صاحب الكشاف: فأما الجدال في آيات الله، لإيضاح ملتبسها، وحل مشكلها، ومقادحة أهل العلم في استنباط معانيها ورد أهل الزيغ عنها، فأعظم جهاد في سبيل الله.. «١» .
وجملة إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ خبر إن، والكبر بمعنى التكبر والتعالي والتعاظم على الغير.
والمعنى: إن الذين يجادلون في آيات الله- تعالى- الدالة على وحدانيته وصدق رسله، وليس عندهم دليل أو برهان على صحة دعواهم..
هؤلاء المجادلون بالباطل ما حملهم على ذلك إلا التكبر والتعاظم والتطلع إلى الرياسة وإلى أن تكون النبوة فيهم أو فيمن يميلون إليهم.. وهم جميعا لن يصلوا إلى شيء من ذلك، ولن يبلغوا ما تتوق إليه نفوسهم المريضة، لأن العطاء والمنع بيد الله- تعالى- وحده.
وصدق الله إذ يقول: ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها، وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ «٢» .
فالآية الكريمة تبين أن على رأس الأسباب التي حملت هؤلاء المجادلين بالباطل على جدالهم.
هو حبهم للتكبر والتعالي ...
قال الآلوسى: قوله: بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ ... أى: بغير حجة في ذلك أتتهم من جهته- تعالى- وتقييد المجادلة بذلك مع استحالة إتيان الحجة، للإيذان بأن المتكلم في أمر الدين، لا بد من استناده إلى حجة واضحة وبرهان مبين، وهذا عام في كل مجادل مبطل..
وقوله: ما هُمْ بِبالِغِيهِ صفة لقوله كِبْرٌ أى ما هم ببالغي موجب الكبر ومقتضية، وهو متعلق إرادتهم من دفع الآيات أو من الرياسة أو النبوة.. «٣» .
وقوله- سبحانه-: فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ. إرشاد منه- تعالى- إلى ما يقي من شرور هؤلاء المجادلين بالباطل.
أى: هذا هو حال المجادلين بالباطل وهذا هو الدافع إلى جدالهم، وما دام هذا هو حالهم،
стр. 5322
فالتجئ إلى الله- تعالى- أيها الرسول الكريم- لكي يحفظك من شرورهم وكيدهم، إنه- تعالى- هو السميع لكل شيء، البصير بما ظهر وخفى من شئون عباده.
ثم بين- سبحانه- للناس من طريق المشاهدة صغر حجمهم بالنسبة إلى بعض خلقه- تعالى- فيقول: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ.
أى: لخلق السموات والأرض ابتداء وبدون مثال سابق، أكبر وأعظم من خلق الناس. ومما لا شك فيه أن من قدر على خلق الأعظم، فهو على خلق ما هو أقل منه أقدر وأقدر، ولكن أكثر الناس لاستيلاء الغفلة والهوى عليهم، لا يعلمون هذه الحقيقة الجلية. وقوله- تعالى- أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ إنما هو من باب تقريب الأشياء إلى الفهم. فمن المعروف بين الناس أن معالجة الشيء الكبير أشد من معالجة الشيء الصغير. وإن كان الأمر بالنسبة إلى الله- تعالى- لا تفاوت بين خلق الكبير وخلق الصغير، إذ كل شيء خاضع لإرادته كما قال- سبحانه-: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف اتصل قوله لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ..
بما قبله؟.
قلت: إن مجادلتهم في آيات الله كانت مشتملة على إنكار البعث. وهو أصل المجادلة ومدارها، فحجّوا بخلق السموات والأرض لأنهم كانوا مقرين بأن الله خالقهم، وبأنهما خلق عظيم لا يقادر قدره، وخلق الناس بالقياس إلى خلقهما شيء قليل، فمن قدر على خلقهما مع عظمهما. كان على خلق الإنسان مع ضآلته أقدر.. «١» .
وقوله- تعالى- وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلَا الْمُسِيءُ ... نفى لعدم المساواة بين الأخيار والأشرار. والمتقين والفجار..
أى: كما أنه لا يصح في عرف أى عاقل المساواة بين الأعمى والبصير. كذلك لا تصح المساواة بين المؤمنين الذين قدموا في دنياهم العمل الصالح، وبين الكافرين والفاسقين الذين لطخوا حياتهم بالعمل السيئ، والفعل القبيح..
ولفظ «قليلا» في قوله- تعالى- قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ مفعول مطلق، وهو صفة لموصوف محذوف، و «ما» مزيدة للتأكيد. أى تذكرا قليلا تتذكرون.
стр. 5323
ثم أكد- سبحانه- مجيء الساعة في الوقت الذي يختاره- تعالى- فقال: إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها أى: لا ريب ولا شك في مجيئها في الوقت الذي يشاؤه- وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ بذلك لغفلتهم وقصور نظرهم، واستحواذ الشيطان عليهم..
ثم أمر- سبحانه- عباده المؤمنين أن يكثروا من التضرع اليه بالدعاء فقال: وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ....
أى: وقال ربكم- أيها المؤمنون- تضرعوا إلى بالدعاء، وتقربوا إلى بالطاعات، أستجب لكم، ولا أخيب لكم رجاء.
ولا تنافى بين تفسير الدعاء هنا بالسؤال والتضرع إلى الله- تعالى-، وبين تفسيره بالعبادة، لأن الدعاء هو لون من العبادة، بل هو مخها كما جاء في الحديث الشريف.
والإنسان الذي التزم في دعائه الآداب والشروط المطلوبة، كان دعاؤه جديرا بالإجابة، فقد حكى لنا القرآن الكريم في آيات كثيرة، أن الأنبياء والصالحين، عند ما دعوا الله- تعالى- أجاب لهم دعاءهم، ومن ذلك قوله- تعالى- وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ، فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ «١» .
ثم بين- سبحانه- سوء عاقبة الذين يتكبرون عن طاعة الله وعن دعائه فقال: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ أى: إن الذين يستكبرون عن طاعتي، وعن التقرب إلى بما يرضيني، سيدخلون يوم القيامة نار جهنم حالة كونهم أذلاء صاغرين.
فقوله: داخِرِينَ من الدخور بمعنى الانقياد والخضوع يقال: دخر فلان يدخر دخورا إذا ذل وهان.
هذا، وقد ذكر الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث التي تتصل بموضوع الدعاء فارجع إليه إن شئت «٢» .
وبعد أن بين- سبحانه- مصير الذين يستكبرون عن عبادته، أتبع ذلك ببيان ألوان من النعم التي أنعم بها على عباده، كنعمة السماء والأرض، ونعمة خلق الإنسان ورزقه من
فقوله- تعالى-: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً بيان لنعمتي الليل والنهار اللتين أنعم بهما- سبحانه- على الناس.
أى: الله- تعالى- هو وحده الذي جعل لكم- أيها الناس- الليل لتسكنوا فيه، وتستريحوا من عناء العمل بالنهار وهيأه لهذه الاستراحة بأن جعله مظلما ساكنا ...
وجعل لكم بقدرته وفضله النهار مبصرا، أى: جعله مضيئا مسفرا، بحيث تبصرون فيه ما تريدون إبصاره من الأشياء المتنوعة.
قال صاحب الكشاف: قوله: مُبْصِراً هو من الإسناد المجازى لأن الإبصار في الحقيقة لأهل النهار.
فإن قلت: لم قرن الليل بالمفعول له، والنهار بالحال؟ وهلا كانا حالين أو مفعولا لهما.
فيراعى حق المقابلة؟
قلت: هما متقابلان من حيث المعنى، لأن كل واحد منهما يؤدى مؤدى الآخر، ولأنه لو قال: لتبصروا فيه فاتت الفصاحة التي في الإسناد المجازى، ولو قيل: ساكنا- والليل يجوز أن يوصف بالسكون على الحقيقة، الا ترى إلى قولهم: ليل ساج وساكن لا ريح فيه- لم تتميز الحقيقة من المجاز «١» .
وقوله: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ بيان لموقف أكثر الناس من نعم الله- تعالى- عليهم.
أى: إن الله- تعالى- لصاحب فضل عظيم على الناس جميعا، ولكن أكثرهم لا يشكرونه على آلائه ونعمه، لغفلتهم وجهلهم واستيلاء الأهواء والشهوات عليهم.
وقال- سبحانه- لَذُو فَضْلٍ بالتنكير للإشعار بأنه فضل لا تحيط به عبارة أو وصف.
واسم الإشارة في قوله- تعالى-: ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ..
يعود إلى من سبقت صفاته ونعمه وهو الله- .
وذلِكُمُ مبتدأ، وما بعده أخبار متعددة.
أى: ذلكم الذي أعطاكم من النعم ما أعطاكم هو الله- تعالى- ربكم خالق كل شيء في هذا الوجود. لا إله إلا هو في هذا الكون..
стр. 5326
وقوله- تعالى-: فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ تعجيب من انصرافهم- بعد هذه النعم- عن الحق إلى الباطل، وعن الشكران إلى الكفران.
أى: فكيف تنقلبون عن عبادته- سبحانه- إلى عبادة غيره، مع أنه- هو الخالق لكل شيء، وهو صاحب تلك النعم التي تتمتعون بها.
وقوله- تعالى-: كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ بيان لحال الذين وقفوا من نعم الله- تعالى- موقف الجحود والكفران.
ويؤفك هنا: بمعنى القلب والصرف عن الشيء، من الأفك- بالفتح- مصدر أفكه عن الشيء بمعنى صرفه عنه- وبابه ضرب- ومنه قوله- تعالى-: قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا ... أى: لتصرفنا عن عبادتها.
والمعنى: مثل ذلك الصرف العجيب من الحق إلى الباطل، ينصرف وينقلب كل أولئك الذين انتكست عقولهم، والذين كانوا بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا يجحدون ويكفرون.
وبعد أن بين- سبحانه- مظاهر نعمه عن طريق الزمان- الليل والنهار- أتبع ذلك ببيان نعمه عن طريق المكان- الأرض والسماء- فقال: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً أى: جعل لكم الأرض مكانا لاستقراركم عليها، والسعى فيها.
وَالسَّماءَ بِناءً أى: وجعل لكم السماء بمنزلة القبة المبنية المضروبة فوق رءوسكم، فأنتم ترونها بأعينكم مرفوعة فوقكم بغير عمد.
قال الآلوسى قوله: وَالسَّماءَ بِناءً أى: قبة، ومنه أبنية العرب لقبابهم التي تضرب.
وإطلاق ذلك على السماء على سبيل التشبيه، وهو تشبيه بليغ. وفيه إشارة لكرويتها. وهذا بيان لفضله- تعالى- المتعلق بالمكان بعد بيان فضله المتعلق بالزمان «١» .
وقوله: وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ بيان لفضله- تعالى- المتعلق بذواتهم.
أى: جعل لكم الأرض مستقرا، والسماء بناء، وصور أشكالكم في أحسن تقويم. وأجمل هيئة. كما قال- تعالى-: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ.
وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أى: ورزقكم من الرزق الطيب الحلال المستلذ.
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ أى: ذلكم الذي أعطاكم تلك النعم المتعلقة
стр. 5327
بزمانكم. ومكانكم. وذواتكم. ومطعمكم ومشربكم. هو الله ربكم الذي تولاكم بتربيته ورعايته في جميع أطوار حياتكم. فتبارك الله- تعالى- وتعاظم في ذاته وفي صفاته. فهو رب العالمين ومالك أمرهم.
هُوَ الْحَيُّ أى: هو- سبحانه- المنفرد بالحياة الدائمة الباقية..
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إذ لا موجود يدانيه لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.
فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ أى: فاعبدوه عبادة خالصة لوجهه الكريم، وأطيعوه طاعة لا مكان معها للتردد أو التكاسل، حالة كونكم قائلين: الحمد لله رب العالمين.
قال ابن جرير: كان جماعة من أهل العلم يأمرون من قال لا إله إلا الله، أن يتبعها بقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ عملا بهذه الآية «١» .
ثم لقن الله- تعالى- نبيه ﷺ الرد الذي يوبخ به المشركين فقال: قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي....
أى: قل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء المشركين الذين يطلبون منك مشاركتهم في عبادة آلهتهم: قل لهم إنى نهيت من ربي وخالقي ومالك أمرى عن عبادة غيره- تعالى-، والسبب في ذلك أن كل الدلائل والبراهين التي أكرمنى- سبحانه- بها، تشهد وتصرح بأن المستحق للعبادة هو الله- تعالى- وحده.
فقوله: لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي بيان السبب الذي من أجله نهاه ربه عن عبادة غيره، وهذه البينات تشمل دلائل التوحيد العقلية والنقلية.
وقوله وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ أى: إنى بعد أن نهاني ربي عن عبادة غيره، أمرنى بأن أسلم وجهى إليه بالعبادة والطاعة، إذ هو وحده رب العالمين ومالك أمرهم.
ثم بين- سبحانه- مظاهر قدرته في خلق الإنسان في أطوار مختلفة، فقال- تعالى-:
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ أى: خلق أباكم آدم من تراب، وأنتم فرع عنه.
ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ وأصل النطفة: الماء الصافي. أو القليل من الماء الذي يبقى في الدلو أو القربة، وجمعها نطف ونطاف. يقال: نطفت القربة إذا تقاطر ماؤها بقلة.
стр. 5328
والمراد بها هنا: المنى الذي يخرج من الرجل، ويصب في رحم المرأة، ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ والعلقة قطعة من الدم المتجمد.
ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا أى: ثم يخرجكم من بطون أمهاتكم أطفالا صغارا، بعد أن تكامل خلقكم فيها. فقوله: طِفْلًا اسم جنس يصدق على القليل والكثير.
ثم لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ بعد ذلك، بعد أن تنتقلوا من مرحلة الطفولة إلى المرحلة التي تكتمل فيها أجسامكم وعقولكم.
ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً بعد ذلك، بأن تصلوا إلى السن التي تتناقص فيها قوتكم والجملة الكريمة معطوفة على قوله لِتَبْلُغُوا، أو معمولة لمحذوف كالجمل التي تقدمتها، أى: ثم يبقيكم لتكونوا شيوخا.
وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ أى: ومنكم من يدركه الموت من قبل أن يدرك سن الشيخوخة، أو سن الشباب، أو سن الطفولة.
وقوله- تعالى-: وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى معطوف على مقدر. أى: فعل ذلك بكم لكي تعيشوا، ولتبلغوا أجلا مسمى تنتهي عنده حياتكم، ثم تبعثون يوم القيامة للحساب.
والجزاء.
وقوله: وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أى: ولعلكم تعقلون عن ربكم أنه هو الذي يحييكم يوم القيامة كما أماتكم، وكما أنشأكم من تلك الأطوار المتعددة وأنتم لم تكونوا قبل ذلك شيئا مذكورا.
ثم ختم- سبحانه- هذه الآيات الزاخرة بكثير من النعم بقوله- تعالى- هُوَ الَّذِي يُحْيِي من يريد إحياءه وَيُمِيتُ من يشاء إماتته.
فَإِذا قَضى أَمْراً أى: فإذا أراد إبراز أمر من الأمور إلى هذا الوجود فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ أى لهذا الأمر كُنْ فَيَكُونُ في الحال بدون توقف على سبب من الأسباب، أو علة من العلل.
ثم ساق- سبحانه- بعد ذلك ما يسلى النبي ﷺ عما أصابه من المشركين، بأن بين له سوء عاقبتهم يوم القيامة، وبأن أمره بالصبر على كيدهم، وبشره بأن العاقبة ستكون له ولأتباعه.. فقال- تعالى-:
الذميم، حيث جادلوا في الآيات الدالة على وحدانية الله وقدرته بدون علم أو حجة.
وقوله: أَنَّى يُصْرَفُونَ أى: انظر كيف يصرفون عن آيات الله الموجبة للإيمان بها.
إلى الجحود والتكذيب والجدال بالباطل فيها؟
لقد كان من المنتظر منهم أن يهتدوا إلى الحق بعد أن وصل إليهم.. ولكنهم عموا وصموا عنه. لانطماس بصائرهم، واستحواذ الشيطان عليهم.
وقوله: الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ.. بدل من قوله الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ.
أى: تعجب من هؤلاء الذين كذبوا بالقرآن الكريم. الذي أنزلناه إليك- يا محمد- لتخرجهم به من الظلمات إلى النور.
وكذبوا- أيضا- بِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا من سائر الكتب والمعجزات. فهم لم يكتفوا بالتكذيب بك بل أضافوا إلى ذلك تكذيبهم بكل كتاب ورسول.
وقوله- تعالى-: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ وعيد شديد لهم على تكذيبهم بالرسل وبكتبهم، أى: فسوف يعلمون سوء عاقبة تكذيبهم لأنبياء الله- تعالى- ولكتبه التي أنزلها عليهم.
ثم فصل- سبحانه- هذا الوعيد، وبين ما أعده لهم من عذاب فقال: إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ. فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ.
و «إذ» هنا ظرف بمعنى «إذا» وهو متعلق بيعلمون، وعبر- سبحانه- بالظرف الدال على المضي، للدلالة على تحقق الخبر، حتى لكأن العذاب قد نزل بهم فعلا.
والأغلال: جمع غل- بضم الغين- وهو القيد يوضع في اليد والعنق فيجمعهما.
والسلاسل: جمع سلسلة، وهي ما يربط بها الجاني على سبيل الإذلال له.
والحميم: الماء البالغ أقصى درجات الحرارة.
ويسجرون: مأخوذ من سجر التنور، إذا ملأه بالوقود.
والمعنى: فسوف يعلمون سوء عاقبة تكذيبهم وجدالهم بالباطل يوم القيامة، وقت أن توضع الأغلال والقيود في أعناقهم، ثم يسحبون ويجرون إلى الحميم بعنف وإهانة، ثم يلقى بهم في النار التي تمتلئ بهم، ويكونون وقودا لها.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: وهل قوله: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ. إِذِ الْأَغْلالُ..
إلا مثل قولك: سوف أصوم أمس؟.
стр. 5331
قلت: المعنى على إذا، إلا أن الأمور المستقبلة لما كانت في أخبار الله- تعالى- متيقنة مقطوعا بها، عبر عنها بلفظ ما كان ووجد. والمعنى على الاستقبال.. «١» .
وقوله- تعالى-: ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ تبكيت وتأنيب لهم.
أى: ثم قيل بعد هذا العذاب المهين لهم: أين تلك الآلهة التي كنتم تعبدونها من دون الله، لكي تدفع عنكم شيئا من العذاب الأليم الذي نزل بكم؟.
وقوله قالُوا ضَلُّوا عَنَّا، بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً ... حكاية لجوابهم الذي يدل على حسرتهم وبؤسهم.
أى: قالوا: ذهبوا وضاعوا وغابوا عنا ولم نعد نعرف لهم طريقا، ولا هم يعرفون عنا طريقا، ثم أضربوا عن هذا القول توهما منهم أن هذا الإضراب ينفعهم فقالوا: بل لم نكن نعبد من قبل في الدنيا شيئا يعتد به، وإنما كانت عبادتنا لتلك الآلهة أوهاما وضلالا..
وقوله- تعالى-: كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ أى مثل هذا الضلال البين والتخبط الواضح، يضل الله- تعالى- الكافرين، ويجعلهم يتخبطون في إجابتهم على السائلين لهم.
ثم بين- سبحانه- الأسباب التي أدت بهم الى هذا العذاب المهين فقال: ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ، ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها، فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ وقوله: تَمْرَحُونَ من المرح وهو التوسع في الفرح مع الأشر والبطر.
أى: ذلكم الذي نزل بكم من العذاب، بسبب فرحكم وبطركم في الأرض بالباطل، وبسبب مرحكم وأشركم وغروركم فيها.
وحق عليكم أن يقال لكم بسبب ذلك: ادخلوا أبواب جهنم المفتوحة أمامكم، حالة كونكم خالدين فيها خلودا أبديا، فبئس مَثْوَى أى: مكان الْمُتَكَبِّرِينَ عن قبول الحق جهنم.
وقال- سبحانه- فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ولم يقل فبئس مدخل المتكبرين، للإشارة إلى خلودهم في جهنم، إذ الثواء معناه الإقامة الدائمة، مأخوذ من ثوى فلان بالمكان إذا أقام به إقامة دائمة.
ثم ذكر الله- تعالى- لنبيه ﷺ الوصية بالصبر فقال: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ،
стр. 5332
فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ.
وقوله: فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ أصله: فإن نرك، فزيدت «ما» لتوكيد «إن» الشرطية، وجوابها محذوف، وقوله أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ جوابه فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ.
والمعنى: إذا كان حال هؤلاء المشركين كما ذكرنا لك يا محمد، فاصبر على جدالهم بالباطل، إن وعد الله- تعالى- بتعذيبهم وبنصرك عليهم حق.
فإن نرك بعض الذي نعدهم به من القتل والأسر والهزيمة فبها ونعمت، أو نتوفينك قبل ذلك فإلينا مرجعهم يوم القيامة، فنجازيهم بما يستحقون من عقاب.
فالآية الكريمة تأمر النبي ﷺ بمداومة الصبر، وتحض على تبليغ ما أنزل إليه من ربه بدون كلل أو ملل، ثم بعد ذلك يترك النتائج لله- تعالى- يسيرها كيف يشاء، فإما أن يطلعه على ما توعد به أعداءه، وإما أن يتوفاه قبل ذلك.
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ، فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ «١» .
ثم ساق- سبحانه- تسلية أخرى للرسول ﷺ فقال: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا ... أى: رسلا كثيرين مِنْ قَبْلِكَ أى من قبل إرسالك إلى الناس.
مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ كنوح وهود وصالح وإبراهيم. وغيرهم.
وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ أخبارهم وأحوالهم لأن حكمتنا قد اقتضت ذلك.
كما قال- تعالى- في آية أخرى: وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ، وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً «٢» .
والمراد بالآية في قوله- تعالى- وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ المعجزة الخارقة الدالة على صدقه فيما يبلغه عن ربه.
أى: وما صح وما استقام لرسول من الرسل أن يأتى بمعجزة من عند نفسه، وإنما يأتى بها بإذن الله- تعالى- ومشيئته، إذ المعجزات جميعا عطايا من الله- تعالى- لرسله لتأييدهم في دعوتهم.
стр. 5333
فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ أى: فإذا جاء الوقت الذي حدده- سبحانه- لعذاب أعدائه قُضِيَ بِالْحَقِّ أى: قضى بين الناس جميعا بالحق، فينجى- سبحانه- بقضائه العادل عباده المؤمنين.
وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ أى: وخسر- عند مجيء أمر الله، عند القضاء بين خلقه- المبطلون، وهم الذين ماتوا مصرين على كفرهم أو فسوقهم عن أمره.
وكما قال- تعالى- في آيات أخرى منها قوله- تعالى-: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ.
ثم بين- سبحانه- في أواخر هذه السورة الكريمة، جانبا آخر من نعمه على عباده، ووبخ الفاسقين على عدم اعتبارهم بأحوال من سبقهم من الأمم، وهددهم بأنهم عند مجيء العذاب إليهم لن ينفعهم إيمانهم.. فقال- تعالى-:
[سورة غافر (٤٠) : الآيات ٧٩ الى ٨٥]
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠) وَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَأَيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (٨١) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٨٣)
فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ (٨٥)
стр. 5334
وقوله- تعالى- اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ.. بيان لنعمة أخرى من نعمه التي تتعلق بما سخره- سبحانه- لخدمة الإنسان من دواب، بعد بيانه قبل لكثير من النعم التي تتعلق بالليل والنهار، والسماء والأرض ... إلخ.
والأنعام: جمع نعم، وأطلق على الإبل والبقر والغنم، قالوا والمراد بها هنا: الإبل خاصة:
لأن معظم المنافع التي ذكرت هنا توجد فيها.
أى: الله- تعالى- هو الذي خلق لكم بقدرته الإبل لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ أى لتركبوا بعضا منها، ولتأكلوا بعضا آخر منها. فمن في الموضعين للتبعيض.
وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ أخرى غير الأكل وغير الركوب، كالانتفاع بألبانها وأوبارها وجلودها ...
وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ أى: ومن منافعها- أيضا- أنكم تستعملونها في الأمور الهامة كحمل الأثقال، والانتقال عليها من مكان إلى مكان..
كما قال- تعالى- وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ «١» .
وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ أى: وعلى هذه الإبل في البر وعلى السفن في البحر تحملون.
كما قال- تعالى-: وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ «٢» .
هذا، ولا مانع من أن يكون المراد بالأنعام هنا ما يشمل الإبل والبقر والغنم، وإلى هذا المعنى ذهب الإمام ابن كثير، فقد قال: يقول- تعالى- ممتنا على عباده بما خلق لهم من الأنعام! وهي: الإبل والبقر والغنم، فالإبل تركب وتؤكل وتحلب، ويحمل عليها الأثقال في
стр. 5335
الأسفار والرحال إلى البلاد النائية، والأقطار الشاسعة، والبقر تؤكل ويشرب لبنها، وتحرث عليها الأرض، والغنم تؤكل ويشرب لبنها، والجميع تجز أوبارها وأصوافها وأشعارها. فيتخذ منه الأثاث والثياب والأمتعة..» «١» .
وقوله- تعالى-: يُرِيكُمْ آياتِهِ فَأَيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ
تعجب من غفلتهم عن هذه الآيات المبثوثة في الكون. والتي تدل جميعها على وحدانية الله- تعالى- وقدرته.
ولفظ «أى» منصوب بقوله «تنكرون» وقدم وجوبا لأن له صدر الكلام.
أى: أنه- سبحانه- في كل وقت وحين يريكم آياته الدالة على قدرته ووحدانيته، فقولوا لي. أية تلك الآيات تنكرون دلالتها على ذلك.
إنها جميعا تنطق وتصرح بوجوب إخلاص العبادة لله- فكيف جحدتموها أو غفلتم عنها مع وضوحها؟
فالآية الكريمة توبيخ شديد لأولئك الذين استحبوا العمى على الهدى مع أن كل شيء في هذا الكون يدعوهم إلى الإيمان بالله الواحد القهار.
ثم وبخهم- سبحانه- مرة أخرى لعدم اتعاظهم بمصارع الغابرين فقال: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ، فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ...
أى: أقبعوا في بيوتهم. فلم يسيروا في أقطار الأرض. فينظروا كيف كانت عاقبة الأمم المكذبة من قبلهم، كقوم صالح وقوم لوط، وقوم شعيب وغيرهم.
فالاستفهام للتوبيخ والتأنيب، والفاء في قوله: أَفَلَمْ.. للعطف على مقدر.
ثم فصل- سبحانه- حال الذين كانوا من قبل كفار مكة فقال: كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ أى: في العدد وَأَشَدَّ قُوَّةً أى في الأبدان والأجسام وَآثاراً فِي الْأَرْضِ أى: وكانوا أظهر منهم في العمران والحضارة والغنى.
فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ أى أن هؤلاء الغابرين عند ما حل بهم عذابنا لم تغن عنهم شيئا كثرتهم أو قوتهم أو أموالهم ... بل أخذناهم أخذ عزيز مقتدر في زمن يسير.
ثم بين- سبحانه- موقف هؤلاء الجاحدين من رسلهم فقال: فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ...
أى: فحين جاء الرسل إلى هؤلاء الجاهلين، فرحوا بما لديهم من العلوم الدنيوية كالتجارة
стр. 5336
والزراعة.. واغتروا بتلك القشور التي كانوا يسمعونها ممن كانوا يزعمون أنهم على شيء من العلم الديني، واستهزءوا بما جاءهم به الرسل من علوم تهدى إلى الرشد، وتدعو إلى إخلاص العبادة لله. واعتقدوا- لغبائهم- وانطماس بصائرهم- أنه لا علم أنفع من علومهم ففرحوا بها..
ورحم الله صاحب الكشاف فقد فصل القول عند تفسيره لهذه الآية فقال: قوله:
فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ فيه وجوه:
منها: أنه أراد العلم الوارد على سبيل التهكم في قوله- تعالى-: بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ وعلمهم في الآخرة أنهم كانوا يقولون لا نبعث ولا نعذب.
ومنه: أن يريد علم الفلاسفة والدهريين عن بنى يونان، وكانوا إذا سمعوا بوحي الله:
دفعوه وصغروا علم الأنبياء إلى علمهم.
ويجوز أن يريد بما فرحوا به من العلم: علمهم بأمور الدنيا ومعرفتهم بتدبيرها، كما قال- تعالى- يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ فلما جاءهم الرسل بعلوم الديانات.. لم يلتفتوا إليها وصغروها واستهزءوا بها، واعتقدوا أنه لا أنفع وأجلب للفوائد من علمهم، ففرحوا به» «١» .
ويبدو لنا أن هذا الرأى الأخير الذي ذكره صاحب الكشاف، هو أقرب الآراء إلى الصواب.
وقوله- سبحانه-: وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ بيان لما نزل بهم من عذاب بسبب تكذيبهم لرسلهم، واستهزائهم بهم. أى: ونزل بهؤلاء الكافرين العذاب الأليم بسبب استهزائهم برسلهم، وإعراضهم عن دعوتهم.
ثم بين- سبحانه- حالهم عند ما أحاط بهم العذاب فقال: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا أى عاينوا عذابنا النازل بهم.
قالُوا بفزع وخوف آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ أى: وكفرنا بما كنا به مشركين في الدنيا من عبادة لغير الله- تعالى- واعتماد على سواه.
وقد بين- سبحانه- أن إيمانهم هذا لن ينفعهم لأنه جاء في غير وقته فقال فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ شيئا من النفع لأنه إيمان جاء عند معاينة العذاب، والإيمان الذي يدعى في هذا
стр. 5337
الوقت لا قيمة له، لأنه جاء في وقت الاضطرار لا في وقت الاختيار.
ولفظ «سنة» في قوله- تعالى-: سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ.. منصوب على أنه مصدر مؤكد لفعل محذوف.
أى: سن الله- تعالى- ذلك، وهو عدم نفع الإيمان عند حلول العذاب سنة ماضية في الناس، بحيث لا تتخلف في أى زمان أو مكان.
وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ أى: في هذا الوقت الذي ينزل الله- تعالى- فيه العذاب على الكافرين يخسرون كل شيء، بحيث لا تنفعهم لا أموالهم ولا أولادهم ولا آلهتهم التي كانوا يتوهمون شفاعتها.
وبعد: فهذا تفسير وسيط لسورة «غافر» نسأل الله- تعالى- أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده:
وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم- كتبه الراجي عفو ربه القاهرة- مدينة نصر- مساء الثلاثاء د. محمد سيد طنطاوى ٩ من المحرم سنة ١٤٠٦ ٢٤/ ٩/ ١٩٨٥ م
стр. 5338
تفسير سورة فصّلت
стр. 5339
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة وتمهيد
١- سورة «فصلت» هي السورة الحادية والأربعون في ترتيب المصحف، أما ترتيبها في النزول فكان بعد سورة «غافر» .
وهي من السور المكية الخالصة، وعدد آياتها ثنتان وخمسون آية في المصحف البصري والشامي، وثلاث وخمسون في المصحف المكي والمدني، وأربع وخمسون في المصحف الكوفي.
وسورة «فصلت» تسمى- أيضا بسورة السجدة، وحم السجدة، وبسورة المصابيح، وبسورة الأقوات «١» .
٢- والذي يقرأ هذه السورة الكريمة بتدبر وتأمل، يراها في مطلعها تمدح القرآن الكريم:
وتذكر موقف المشركين منه ومن الرسول ﷺ وتلقن الرسول ﷺ الجواب الذي يكبتهم، وتهددهم بالعذاب الأليم.
قال- تعالى-: حم. تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ. وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ، وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ.
٣- ثم انتقلت السورة إلى الحديث عن مظاهر قدرة الله- تعالى-، عن طريق بيان خلقه للأرض وما اشتملت عليه من جبال وأقوات، وعن طريق خلق السماء بطبقاتها المتعددة، وعن طريق تزيين السماء الدنيا بمصابيح وحفظها.
قال- تعالى-: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ، وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً، ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ. وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها، وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ. ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ.
٤- وبعد أن هدد الله- تعالى- مشركي مكة بالعذاب الذي أصاب من قبلهم قوم عاد
стр. 5340
وثمود، وفصل لهم موقف هؤلاء الأقوام من رسلهم وكيف أنهم عند ما كذبوا رسلهم واستحبوا العمى على الهدى، أخذتهم صاعقة العذاب الهون..
بعد كل ذلك تحدثت عن أحوالهم السيئة يوم يحشرون للحساب يوم القيامة، وكيف أن حواسهم تشهد عليهم في هذا اليوم العصيب.
ولنتدبر قوله- تعالى-: وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ. حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ. وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ: لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا، قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
٥- وكعادة القرآن الكريم في قرنه الترغيب بالترهيب أو العكس، وفي بيان عاقبة الأخيار والأشرار، أتبعت السورة الحديث عن المشركين وسوء عاقبتهم، بالحديث عن المؤمنين وحسن مصيرهم، فقال- تعالى-: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ. نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ، وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ، وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ. نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ.
٦- ثم ساقت سورة «فصلت» أنواعا من الآيات الدالة على وحدانيته وقدرته، قال- تعالى-: وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ.
وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى، إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
٧- ثم أخذت السورة في تسلية الرسول ﷺ وفي إقامة الأدلة الساطعة على أن هذا القرآن من عند الله.
قال- تعالى-: ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ، إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ. وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا: لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ، ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ، قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ، وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ، وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى، أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ.
٨- ثم ختم- سبحانه السورة الكريمة، ببيان أن مرد علم قيام الساعة إليه- تعالى- وحده، وببيان طبيعة الإنسان في حالتي اليسر والعسر، وببيان أن حكمته- سبحانه- اقتضت أن يطلع الناس في كل وقت على بعض من آياته الدالة على وحدانيته وقدرته. قال
стр. 5341
- تعالى- سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ، أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ. أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ، أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ.
٩- وبعد: فهذا عرض إجمالى لسورة فصلت، ومنه نرى: أنها اهتمت بإقامة الأدلة على وحدانية الله- تعالى- وقدرته، وبأن هذا القرآن من عند الله- تعالى-، وبأن الرسول ﷺ صادق فيما يبلغه عن ربه، وبأن يوم القيامة حق لا ريب فيه.
كما اهتمت بالحديث عن مصارع الغابرين الذين استحبوا العمى على الهدى وببيان أحوالهم يوم القيامة ... وببشارة الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وأحسنوا القول والدعوة إلى الله ...
بأحسن البشارات وأفضلها..
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات: وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
القاهرة- مدينة نصر صباح الأربعاء: ١٠ من المحرم ١٤٠٦ هـ ٢٥/ ٩/ ١٩٨٥ م د. محمد سيد طنطاوى
стр. 5342
التفسير قال الله- تعالى-:
[سورة فصلت (٤١) : الآيات ١ الى ٨]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٤)
وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ (٥) قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٨)
سورة «فصلت» من السور التي بدئت ببعض حروف التهجي.
والرأى الراجح في هذه الحروف أنها جيء بها للإيقاظ والتنبيه على أن هذا القرآن من عند الله- تعالى-، بدليل أنه مؤلف من جنس الحروف التي يتخاطب بها المشركون، ومع ذلك فقد عجزوا عن أن يأتوا بسورة من مثله.
وقوله: تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ بيان لمصدر هذا القرآن، وقوله تَنْزِيلٌ خبر لمبتدأ محذوف.
стр. 5343
أى: هذا القرآن ليس أساطير الأولين- كما زعم الجاحدون الجاهلون- وإنما هو منزل من عند الله- تعالى- صاحب الرحمة العظيمة الدائمة.
إذ لفظ «الرحمن» بمعنى عظيم الرحمة، لأن فعلان صيغة مبالغة في كثرة الشيء وعظمته، أما صيغة فعيل فتستعمل في الصفات الدائمة ككريم، فكأنه- تعالى- يقول: هذا الكتاب منزل من الله- تعالى- العظيم الرحمة الدائمة.
قال بعض العلماء: وإنما خص هذان الوصفان بالذكر، لأن الخلق في هذا العالم كالمرضى المحتاجين، والقرآن مشتمل على كل ما يحتاج إليه المرضى من الأدوية، وعلى كل ما يحتاج إليه الأصحاء من الأغذية. فكان أعظم النفع من الله على هذا العالم إنزال القرآن الناشئ عن رحمته ولطفه بخلقه «١» .
ثم أثنى- سبحانه- على هذا القرآن الذي أنزله بمقتضى رحمته وحكمته فقال: كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، بَشِيراً وَنَذِيراً.
ومعنى: فُصِّلَتْ آياتُهُ: ميزت في ألفاظها بفواصل ومقاطع، وميزت في معانيها لاشتمالها على أنواع متعددة من المعاني الحكيمة.
وقوله قُرْآناً منصوب على المدح، أو على الحال من كتاب، وعَرَبِيًّا صفة للقرآن.
وقوله لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ متعلق بفصلت.
أى: هذا القرآن منزل من عند الله- تعالى- الذي وسعت رحمته كل شيء، وهو كتاب فصلت آياته ووضحت وميزت من حيث ألفاظها تفصيلا بليغا، إذ اشتملت على فواصل ومقاطع فيما بينها ليسهل فهمه وحفظه.
وفصلت آياته من حيث معانيها تفصيلا حكيما. إذ بعضها جاء لبيان ذاته وصفاته وأفعاله- تعالى-، وبعضها اشتمل على ألوان من نعمه التي لا تحصى، وبعضها جاء بأسمى أنواع الهدايات والآداب والأحكام والقصص والمواعظ، وبعضها جاء لتبشير المؤمنين بحسن الثواب، ولإنذار الكافرين بسوء العقاب.
وخص- سبحانه- الذين يعلمون بالذكر، لأنهم هم الذين ينتفعون بما اشتمل عليه هذا الكتاب من تفصيل لآياته شامل لألفاظها ومعانيها.
стр. 5344
قال صاحب الكشاف: قوله: لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ أى لقوم عرب يعلمون ما نزل عليهم من الآيات المفصلة المبينة بلسانهم العربي، لا يلتبس عليهم شيء منه.
فإن قلت: بم يتعلق قوله: لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ؟
قلت: يجوز أن يتعلق بتنزيل، أو بفصلت، أى: تنزيل من الله لأجلهم. أو فصلت آياته لهم. وأجود أن يكون صفة مثل ما قبله وما بعده، أى: قرآنا عربيا كائنا لقوم عرب لئلا يفرق بين الصلات والصفات.. «١» .
وقوله- تعالى-: فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ بيان لموقف الناس من هذا القرآن المنزل من الرحمن الرحيم.
والمراد بالأكثر هنا: الكافرون الذين لا ينتفعون بهدايات القرآن الكريم.
أى: هذا القرآن أنزلناه إليك لتخرج الناس به من الظلمات إلى النور، فأعرض أكثرهم عن هداياته لاستحواذ الشيطان عليهم، فهم لا يسمعون سماع تدبر واتعاظ، وإنما يسمعون بقلوب قاسية، وعقول خالية من إدراك معانيه، ومن الاستجابة له.
ونفى- سبحانه- سماعهم له، مع أنهم كانوا يسمعون من الرسول ﷺ ومن أصحابه، لأنهم لما سمعوه ولم يؤمنوا به.. صار سماعهم بمنزلة عدمه.
ثم حكى- سبحانه- أقوالهم التي تدل على توغلهم في الكفر والعناد فقال: وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ، وَفِي آذانِنا وَقْرٌ، وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ، فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ، والأكنة: جمع كنان وهو الغطاء للشيء. ووَقْرٌ الصمم الذي يحول بين الإنسان وبين سماع ما يقال له.
والحجاب: من الحجب بمعنى الستر لأنه يمنع المشاهدة، ومنه قيل للبواب حاجب، لأنه يمنع من الدخول.
أى: وقال الكافرون للنبي ﷺ على سبيل تيئيسه من إيمانهم: إن قلوبنا قد كستها أغطية متكاثفة جعلتها لا تفقه ما تقوله لنا، وما تدعونا إليه، وإن آذاننا فيها صمم يحول بيننا وبين سماع حديثك، وإن من بيننا ومن بينك حاجزا غليظا يحجب التواصل والتلاقي بيننا وبينك، وما دام حالنا وحالك كذلك فاعمل ما شئت فيما يتعلق بدينك، ونحن من جانبنا سنعمل ما شئنا فيما يتعلق بديننا.
стр. 5345
وهذه الأقوال التي حكاها القرآن عنهم، تدل على أنهم قوم قد بلغوا أقصى درجات الجحود والعناد: فقلوبهم قد أغلقت عن إدراك الحق، وأسماعهم قد صمت عن سماعه، وأشخاصهم قد أبت الاقتراب من شخص الرسول ﷺ الذي يحمل لهم الخير والنور، وما حملهم على ذلك إلا اتباعهم للهوى والشيطان.
وصدق الله إذ يقول: فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ.
ثم لقن الله- تعالى- رسوله ﷺ الجواب الذي يرد به عليهم فقال: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ.
أى: قل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء الجاحدين: إنما أنا بشر مثلكم في الصفات البشرية أوجدنى الله- تعالى- بقدرته كما أوجدكم، وينتهى نسبي ونسبكم إلى آدم- ﵇ إلا أن الله- تعالى- قد اختصني بوحيه ورسالته- وهو أعلم حيث يجعل رسالته- وأمرنى أن أبلغكم أن إلهكم وخالقكم.. هو إله واحد لا شريك له، فعليكم أن تخلصوا له العبادة والطاعة.
وقوله: فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ أى: فالزموا الاستقامة في طريقكم إليه- تعالى- بالإيمان به وطاعته والإخلاص في عبادته.
وقوله- تعالى-:.. وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ. الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ تهديد لهم بسوء المصير إذا استمروا على عنادهم وشركهم.
والويل: لفظ دال على الشر أو الهلاك، وهو مصدر لا فعل له من لفظه، والمراد به هنا:
الدعاء عليهم بالخزي والهلاك.
أى: فهلاك وخزي وعقاب شديد لهؤلاء المشركين، الذين لا يؤتون الزكاة، أى: لا يؤمنون بها، ولا يخرجونها إلى مستحقيها، ولا يعملون على تطهير أنفسهم بأدائها.. وفضلا عن كل ذلك فهم بالآخرة وما فيها من حساب وثواب وعقاب كافرون.
قال ابن كثير: والمراد بالزكاة ها هنا: طهارة النفس من الأخلاق المرذولة..
وقال قتادة: يمنعون زكاة أموالهم، واختاره ابن جرير..
وفيه نظر، لأن إيجاب الزكاة إنما كان في السنة الثانية من الهجرة، وهذه الآية مكية. اللهم إلا أن يقال: لا يبعد أن يكون أصل الزكاة- وهو الصدقة- كان مأمورا به في ابتداء البعثة، كقوله- تعالى-: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ فأما الزكاة ذات النصب والمقادير فإنما بين
стр. 5346
أمرها في المدينة، ويكون هذا جمعا بين القولين.. «١» .
وقال بعض العلماء: قد استدل بعض علماء الأصول بهذه الآية الكريمة على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، لأنه- تعالى- صرح في هذه الآية الكريمة، بأنهم مشركون، وأنهم كافرون بالآخرة، وقد توعدهم- سبحانه- بالويل على كفرهم بالآخرة، وعدم إيتائهم الزكاة، سواء أقلنا إن الزكاة في الآية هي زكاة المال المعروفة، أو زكاة الأبدان عن طريق فعل الطاعات، واجتناب المعاصي.
ورجع بعضهم- أن المراد بالزكاة هنا زكاة الأبدان- لأن السورة مكية وزكاة المال المعروفة إنما فرضت في السنة الثانية من الهجرة.
وعلى أية حال فالآية تدل على خطاب الكفار بفروع الإسلام.
أعنى امتثال أوامره واجتناب نواهيه، وما دلت عليه هذه الآية من أنهم مخاطبون بذلك، وأنهم يعذبون على الكفر والمعاصي، جاء موضحا في آيات أخر كقوله- تعالى-:
ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ. قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ. وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ.. «٢» .
وخص- سبحانه- من بين أوصاف المشركين منع الزكاة مقرونا بالكفر بالآخرة. لأن أحب شيء إلى الإنسان ماله، وهو شقيق روحه، فإذا بذله للمحتاجين، فذلك أقوى دليل على استقامته، وصدق نيته.
وقوله- تعالى-: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ بيان لحسن عاقبة المؤمنين، بعد بيان سوء عاقبة الكافرين.
أى: إن الذين آمنوا إيمانا حقا وعملوا الأعمال الصالحات، لهم أجر عظيم غير مَمْنُونٍ أى غير مقطوع عنهم، من مننت الحبل إذا قطعته، أو غير منقوص عما وعدهم الله به، أو غير ممنون به عليهم، بل يعطون ما يعطون من خيرات جزاء أعمالهم الصالحة في الدنيا، فضلا من الله- تعالى- وكرما.
ثم أمر الله- تعالى- رسوله ﷺ أن يوبخ هؤلاء المشركين على إصرارهم على
стр. 5347
كفرهم، مع أن مظاهر قدرة الله- تعالى- الماثلة أمام أعينهم تدعوهم إلى الإيمان، فقال- تعالى-:
[سورة فصلت (٤١) : الآيات ٩ الى ١٢]
قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (١١) فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)
قال الإمام الرازي ما ملخصه: اعلم أنه- تعالى- لما أمر نبيه ﷺ أن يقول للناس: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ ... أردفه بما يدل على أنه لا يجوز إثبات الشركة بينه- تعالى- وبين هذه الأصنام في الإلهية والمعبودية، وذلك بأن بين كمال قدرته وحكمته في خلق السموات والأرض في مدة قليلة.. والاستفهام في قوله أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ ... بمعنى الإنكار، وهو لإنكار شيئين: الكفر بالله.. وجعل الأنداد له «١» .
والمعنى: قل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء المشركين على سبيل الإنكار لأفعالهم: أإنكم لتكفرون بالله- تعالى- الذي خلق الأرض في يومين.
قال الآلوسى: وإن واللام في قوله أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ لتأكيد الإنكار.. وعلق- سبحانه- كفرهم بالاسم الموصول لتفخيم شأنه- تعالى- واستعظام كفرهم به.
стр. 5348
واليوم في المشهور عبارة عن زمان كون الشمس فوق الأفق، وأريد منه ها هنا الوقت مطلقا، لأنه لا يتصور ذلك قبل خلق السماء والكواكب والأرض نفسها، ثم إن ذلك الوقت يحتمل أن يكون بمقدار اليوم المعروف، ويحتمل أن يكون أقل منه أو أكثر، والأقل أنسب بالمقام.. «١» .
قال سعيد بن جبير- رضى الله عنه- إن الله- تعالى- قادر على أن يخلق هذا الكون كله في لحظة، ولكنه خلق السموات والأرض في ستة أيام، ليعلم خلقه التثبت والتأنى في الأمور.
وقوله: وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً معطوف على قوله لَتَكْفُرُونَ وداخل معه في حكم الإنكار.
والأنداد: جمع ند وهو مثل الشيء يضاده وينافره ويتباعد عنه. وأصله من ند البعير إذا نفر وذهب على وجهه شاردا.
أى: وتجعلون له أمثالا ونظراء تعبدونها من دونه، وتسمونها- زورا وكذبا- آلهة، وجمع- سبحانه- الأنداد باعتبار واقعهم، لأنهم كانوا يعبدون آلهة شتى، فمنهم من عبد الأصنام، ومنهم من عبد الملائكة، ومنهم من عبد الكواكب.
واسم الإشارة في قوله ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ يعود إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة.
أى: ذلك الموصوف بتلك القدرة الباهرة، رب العالمين جميعا، وخالق جميع المخلوقات، والمتولى لتربيتها دون سواه.
وقوله: وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها.. معطوف على خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ.
والرواسي: جمع راس من الرسو- بفتح الراء وسكون السين- بمعنى الثبات والاستقرار في المكان، يقال: رسا الشيء إذا ثبت واستقر. وهو صفة لموصوف محذوف.
أى: وجعل فيها جبالا رواسى من فوقها، لكي تستقر وتثبت، ولا تميد أو تضطرب بكم. وقال- تعالى-: مِنْ فَوْقِها لبيان الواقع، إذ وجود الجبال من فوق الأرض، ومشاهدة الإنسان لذلك بعينيه، يزيده اقتناعا بقدرة الله- تعالى- الباهرة وحكمته البليغة.
стр. 5349
وَبارَكَ فِيها أى: وجعلها مباركة زاخرة بأنواع الخيرات والمنافع، عن طريق الزروع والثمار المبثوثة فوقها، والمياه التي تخرج من جوفها. والكنوز التي تحصل من باطنها.
وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها والأقوات: جمع قوت. والمراد بها أرزاق أهل الأرض وما يصلحهم.
أى: وجعل أقوات أهلها التي يحتاجون إليها في معايشهم ومنافعهم، على مقادير محددة معينة، بحيث نشر في كل قطر من أقطارها أقواتا تناسب أهله، وبذلك يتبادل الناس المنافع فيما بينهم، فيعمر الكون، ويزيد الاتصال والتعارف فيما بينهم.
قال ابن جرير: بعد أن ذكر جملة من الأقوال في معنى هذه الآية: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله- تعالى- أخبر أنه قدر في الأرض أقوات أهلها، وذلك ما يقوتهم من الغذاء، ويصلحهم من المعاش. ولم يخصص- جل ثناؤه- بقوله وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها أنه قدر فيها قوتا دون قوت، بل عم الخبر عن تقديره جميع الأقوات.. «١» .
وقوله- تعالى-: فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ متعلق بمحذوف يدل، عليه ما قبله.
أى: خلق الأرض، وجعل فيه رواسى من فوقها، وبارك فيها. وقدر فيها أقواتها في تمام أربعة أيام، فتكون المدة التي خلق فيها الأرض وما عليها أربعة أيام.
وقوله- سبحانه-: سَواءً لِلسَّائِلِينَ تأكيد لما دلت عليه الآية الكريمة من أن خلق كل من الأرض وما فيها وما عليها قد حدث في أربعة أيام.
قال الآلوسى: وقيدت الأيام الأربعة بقوله: سَواءً فإنه مصدر مؤكد لمضمر هو صفة الأيام. أى: - في أربعة أيام- استوت سواء، أى: استواء.
وقوله- تعالى-: لِلسَّائِلِينَ متعلق بمحذوف وقع خبرا لمبتدأ محذوف، أى: هذا الحصر في أربعة، كائن للسائلين عن مدة خلق الأرض، وما فيها.. «٢» .
وقال الجمل في حاشيته: فإن قيل لم جعلت مدة خلق الأرض بما فيها، ضعف مدة خلق السموات، مع كون السماء أكبر من الأرض وأكثر مخلوقات وعجائب؟
قلت: للتنبيه على أن الأرض هي المقصودة بالذات لما فيها من الثقلين ومن كثرة المنافع، فزادت مدتها ليكون ذلك أدخل في المنة على ساكنيها، وللاعتناء بشأنهم وشأنها- أيضا-
стр. 5350
زادت مدتها لما فيها من الابتلاء بالمعاصي والمجاهدات والمعالجات.. «١» .
ثم بين- سبحانه- جانبا من مظاهر قدرته في خلق السماء، فقال: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ ...
ومعنى استوائه- سبحانه- إلى السماء، ارتفاعه إليها بلا كيف أو تشبيه أو تحديد، لأنه- سبحانه- منزه عن ذلك.
والدخان: ما ارتفع من لهب النار. والمراد به هنا: ما يرى من بخار الأرض أو بخار الماء ويصح أن يكون معنى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ: تعلقت إرادته- تعالى- بخلقها.
قال الآلوسى: قوله: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ أى: قصد إليها وتوجه، دون إرادة تأثير في غيرها، من قولهم: استوى إلى مكان كذا، إذا توجه إليه لا يلوى على غيره..
وقوله: وَهِيَ دُخانٌ أى أمر ظلماني، ولعله أريد بها مادتها التي منها تركبت. «٢» .
وقوله- تعالى-: فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ... بيان لما وجهه- سبحانه- إليهما من أوامر.
والمراد بإتيانهما: انقيادهما التام لأمره- تعالى-.
أى: فقال- سبحانه- للسماء وللأرض أخرجا ما خلقت فيكما من المنافع لمصالح العباد، فأنت يا سماء، أبرزى ما خلقت فيك من شمس وقمر ونجوم.. وأنت يا أرض أخرجى ما خلقت فيك من نبات وأشجار وكنوز.
قال الفخر الرازي: والمقصود من هذا القول: إظهار كمال القدرة، أى: ائتيا شئتما أم أبيتما، كما يقول الجبار لمن تحت يده: لتفعلن هذا شئت أم لم تشأ، ولتفعلنه طوعا أو كرها، وانتصابهما على الحال، بمعنى طائعين أو مكرهين.. «٣» .
وقوله: قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ بيان لامتثالهما التام لأمره- تعالى-.
أى: قالتا: فعلنا ما أمرتنا به منقادين خاضعين مستجيبين لأمرك، فأنت خالقنا وأنت مالك أمرنا.
стр. 5351
قال القرطبي: وقوله: قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ فيه وجهان: أنه تمثيل لظهور الطاعة منهما، حيث انقادا وأجابا فقام مقام قولهما. ومنه قول الراجز:
امتلأ الحوض وقال قطني ... مهلا رويدا ملأت بطني
يعنى: ظهر ذلك فيه.
وقال أكثر أهل العلم: بل خلق الله- تعالى- فيهما الكلام فتكلمتا كما أراد- سبحانه- «١» .
وجمعهما- سبحانه- جمع من يعقل، لخطابهما بما يخاطب به العقلاء.
ثم فصل- سبحانه- بديع صنعه في خلق السموات فقال: فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ.... أى: ففرغ من خلقهن وتسويتهن على أبدع صورة وأحكم صنع في مقدار يومين.
والضمير في قوله فَقَضاهُنَّ إما راجع إلى السماء على المعنى لأنها سبع سموات، وإما مبهم يفسره ما بعده وهو سبع سموات.
وقوله: وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها أى: وأوحى في كل منها ما أراده وما أمر به، وخلق فيها ما اقتضته حكمته من الملائكة ومن خلق لا يعلمه إلا هو- سبحانه-.
وقوله: وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً أى: وزينا السماء الدنيا أى القريبة منكم- بكواكب مضيئة، وحفظناها حفظا عظيما من الاختلال والاضطراب والسقوط ذلِكَ الذي ذكرناه لكم من خلق السموات والأرض، وخلق ما فيهما.
تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ أى: تقدير الله- القاهر- لكل شيء. والعليم بما ظهر وبما بطن في هذا الكون.
وقد أخذ العلماء من هذه الآيات الكريمة أن خلق الأرض وما عليها من جبال ومن أقوات للعباد قد تم في أربعة أيام، وأن خلق السموات كان في يومين فيكون مجموع الأيام التي خلق الله- تعالى- فيها السموات والأرض وما بينهما ستة أيام.
وقد جاء ذلك في آيات متعددة، منها قوله- تعالى-: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ.. «٢» .
стр. 5352
وقوله- سبحانه- وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ.. «١» .
كما أخذ العلماء منها- أيضا-: أن خلق الأرض متقدم على خلق السموات بدليل قوله- تعالى- بعد حديثه عن خلق الأرض، ثم استوى إلى السماء وهي دخان.
وبدليل قوله- تعالى- في آية أخرى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً، ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ «٢» .
وعلى هذا الرأى سار جمهور العلماء، وردوا على من قال بأن خلق السموات متقدم على خلق الأرض، لأن الله- تعالى- يقول في سورة النازعات: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها. رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها، وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها. وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها أى: بسطها.
ردوا عليهم بما روى عن ابن عباس من أنه سئل عن الجمع بين الآيات التي معنا، وبين آيات سورة النازعات فقال: إنه- تعالى- خلق الأرض أولا غير مدحوة ثم خلق السماء، ثم دحا الأرض بعد ذلك، وجعل فيها الرواسي والأنهار وغيرهما.
أى: أن أصل خلق الأرض كان قبل خلق السماء، ودحوها بجبالها وأشجارها كان بعد خلق السماء، وردوا عليهم- أيضا- بأن لفظ «بعد» في قوله- تعالى- وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها بمعنى مع أى: والأرض مع ذلك بسطها ومهدها لسكنى أهلها فيها. وردوا عليهم- أيضا- بأنه- تعالى- لما خلق الأرض غير مدحوة، وهي أهل لكل ما فيها كان كل ما فيها كأنه قد خلق بالفعل لوجود أصله فيها.
قال بعض العلماء: والدليل من القرآن على أن وجود الأصل يمكن به إطلاق الخلق على الفرع، - وإن لم يكن موجودا بالفعل- قوله- تعالى-: وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ....
فقوله: خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ أى: بخلقنا وتصويرنا لأبيكم آدم الذي هو أصلكم «٣» .
كما أخذ منها العلماء أن وجود هذا الكون، بتلك الصورة البديعة، المتمثلة في هذه الأرض
стр. 5353
وما أقلت. وفي هذه السموات وما أظلت.. من أكبر الأدلة التي تحمل العقلاء على إخلاص العبادة لله الواحد القهار.
وبعد هذا الحديث المتنوع عن مظاهر قدرة الله في هذا الكون، انتقلت السورة إلى تهديد المشركين، وإنذارهم بأن عاقبتهم ستكون كعاقبة الظالمين الذين سبقوهم، فقال- تعالى-:
[سورة فصلت (٤١) : الآيات ١٣ الى ١٨]
فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (١٤) فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ (١٦) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٧)
وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (١٨)
ذكر المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآيات والتي قبلها روايات تتعلق بما بين النبي ﷺ وبين بعض المشركين، منها ما ذكره محمد بن كعب القرظي قال: حدثت أن عتبة بن ربيعة قال يوما لقريش- ورسول الله ﷺ جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه، وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها.
стр. 5354
فقالوا: بلى يا أبا الوليد، فقم إليه فكلمه. فقام إليه عتبة فقال: «يا محمد، يا بن أخى، إنك منا حيث قد علمت من السلطة- أى من الشرف- في العشيرة وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع منى أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل بعضها.
ثم قال: إن كنت- يا بن أخى- تريد ما لا أعطيناك من المال حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد ملكا جعلناك ملكا علينا.. وإن كان الذي يأتيك رئيا تراه- أى ترى بعض الجن- طلبنا لك الطب حتى تبرأ.
فلما فرغ عتبة قال ﷺ : «أفرغت يا أبا الوليد؟» قال: نعم. قال: «فاسمع منى» قال: افعل. فتلا عليه النبي ﷺ من أول سورة «فصلت» .
- وفي رواية أنه لما بلغ قوله- تعالى-: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ ... قال له عتبة: حسبك ما عندك غير هذا.
ثم عاد عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: لقد جاءكم عتبة بوجه غير الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا له: ما وراءك يا أبا الوليد؟
فقال: لقد سمعت من محمد ﷺ قولا ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالسحر، ولا بالشعر، ولا بالكهانة. يا معشر قريش، أطيعونى واجعلوها لي، خلّوا بين الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فو الله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ.
فقالوا: لقد سحرك محمد ﷺ فقال: «هذا رأيى فيه فاصنعوا ما بدا لكم» «١» .
فقوله- تعالى-: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ تهديد لهؤلاء المشركين، بعد أن وضح الحق لهم في أكمل صورة..
والصاعقة- كما يقول ابن جرير-: كل أمر هائل رآه الرائي أو عاينه أو أصابه. حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب وذهاب عقل، يكون مصعوقا.. «٢» .
والمراد بها هنا: العذاب الشديد الذي أنزله الله- تعالى- على قوم عاد ثمود فصعقهم وأهلكهم.
стр. 5355
والمعنى: قل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء المشركين لقد أقمت لكم الأدلة الناصعة على وحدانية الله- تعالى- وعلى عظيم قدرته، وعلى أنى رسول من عنده، وصادق فيما أبلغه عنه.
فَإِنْ أَعْرَضُوا عن دعوتك، ولجوا في طغيانهم، واستمروا في كفرهم وعنادهم.
فَقُلْ لهم على سبيل التحذير: لقد أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ.
وخص- سبحانه- عادا وثمود بالذكر، لأن مشركي قريش يعرفون ما جرى لهؤلاء الظالمين. إذ قوم عاد كانوا بالأحقاف- أى بالمكان المرتفع الكثير الرمال- في جنوب الجزيرة العربية ورسولهم هو هود- ﵇.
وأما ثمود فهم قوم صالح- ﵇، ومساكنهم كانت بشمال الجزيرة العربية، وما زالت آثارهم باقية، وأهل مكة كانوا يمرون عليها في طريقهم إلى بلاد الشام للتجارة.
والضمير في قوله- تعالى-: إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ، أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ... يعود إلى قوم عاد وثمود.
والمراد بالرسل: هود وصالح- ﵉ من باب إطلاق الجمع على الاثنين، أو من باب إدخال من آمن بهما معهما في المجيء إلى هؤلاء الأقوام لدعوتهم إلى عبادة الله وحده.
وقوله: إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ ... حال من قوله صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ وقوله مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ متعلق بجاءتهم.
والمراد بالجملة الكريمة: أن الرسل بذلوا كل جهدهم في إرشاد قوم عاد وثمود إلى الحق ولم يتركوا وسيلة إلا اتبعوها معهم وبينوا لهم بأساليب متعددة حسن عاقبة المؤمنين وسوء عاقبة الكافرين.
وقوله: أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ بيان لما نصح به الرسل أقوامهم و «أن» يصح أن تكون مصدرية، أى: بأن لا تعبدوا إلا الله، ويصح أن تكون مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن محذوف. أو تفسيرية لأن مجيء الرسل يتضمن قولا.
أى جاء الرسل إلى قوم عاد وثمود بكل دليل واضح على وجوب إخلاص العبادة لله، ولم يتركوا وسيلة إلا اتبعوها معهم، وقالوا لهم: اجعلوا عبادتكم لله- تعالى- وحده.
قال صاحب الكشاف ما ملخصه: قوله: إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ....
стр. 5356
أى: أتوهم من كل جانب، واجتهدوا بهم، واعملوا فيهم كل حيلة، فلم يروا منهم إلا العتو والإعراض، كما حكى الله- تعالى- عن الشيطان أنه قال: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ... يعنى لآتينهم من كل جهة، ولأعملن فيهم كل حيلة.
وعن الحسن: أنذروهم بعذاب الله الدنيوي والأخروى.
وقيل معناه: إذ جاءتهم الرسل من قبلهم ومن بعدهم، بمعنى أن هودا وصالحا قد أمروهم بالإيمان بهما وبجميع الرسل الذين من قبلهم والذين من بعدهم، فكأن الرسل جميعا قد جاءوهم «١» .
وقوله- تعالى-: قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ حكاية للرد السيئ الذي رد به قوم عاد وثمود على رسلهم.
ومفعول المشيئة محذوف أى: قال هؤلاء الكافرون لرسلهم على سبيل التكذيب لهم، والتهكم بهم. أنتم لستم رسلا، ولو شاء الله- تعالى- أن يرسل إلينا رسلا لأرسل ملائكة، ومادام الأمر كذلك فإنا بما أرسلتم به- أيها الرسل- كافرون، وإلى ما تدعونا إليه مكذبون.
والسبب الذي حمل هؤلاء الجاهلين على هذا القول: زعمهم أن الرسل لا يكونون من البشر، مع أن كل عقل سليم يؤيد أن الرسول لا يكون إلا من البشر كما قال- تعالى-: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ...
ثم فصل- سبحانه- بعد ذلك حال كل فريق منهم، وبين ما نزل به من عذاب مهين فقال: فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ...
أى. هذا هو قولهم على سبيل الإجمال لرسلهم، وإليك جانبا من حال قوم عاد، ومن أقوالهم الباطلة.
إنهم قد استكبروا في الأرض بغير الحق. واغتروا بما بين أيديهم من نعم، وقالوا على سبيل التباهي والتفاخر والتكبر: من أشد منا قوة.
وقيد استكبارهم في الأرض بأنه بغير الحق. لبيان واقعهم، حيث كانوا كما وصفهم الله- تعالى- في آيات أخرى متجبرين متعالين على غيرهم، ومن ذلك قوله- تعالى:
стр. 5357
أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ. وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ. وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ.
الاستفهام في قوله- تعالى- الذي حكاه عنهم مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً للإنكار والنفي.
أى: لا أحد أقوى منا، فنحن في استطاعتنا أن ندفع كل عذاب ينزل بنا، وهذا هو الشعور الكاذب الذي يشعر به الطغاة الجاهلون في كل زمان ومكان.
وقد رد الله- تعالى- عليهم وعلى أمثالهم ردا منطقيا حكيما يخرس ألسنتهم فقال: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً، وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ.
أى: أعموا وصموا عن الحق، ولم يعلموا أن الله- تعالى- الذي أوجدهم من العدم، هو- سبحانه- أشد منهم قوة وبأسا.
إنهم لغرورهم وجهالاتهم نسوا كل ذلك، وكانوا بآياتنا الدالة على قدرتنا ووحدانيتنا يجحدون، ويعاندون وينكرون الحق الذي جاءتهم به رسلهم.
ثم حكى- سبحانه- ما نزل بهم من عذاب بسبب إصرارهم على كفرهم، وبسبب غرورهم وبطرهم فقال: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ، لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا....
ولفظ «صرصرا» من الصر- بفتح الصاد- وهو شدة الحر، أو من الصر- بكسر الصاد- وهو شدة البرد الذي يقبض البدن، أو من الصرة التي هي الصيحة المزعجة، ومنه قوله- تعالى- فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ ... أى: في صيحة.
ولا مانع من أن تكون هذه الريح التي أرسلها الله- تعالى- عليهم، قد اجتمع فيها الصوت الشديد المزعج، والبرد الشديد القاتل.
وقوله: نَحِساتٍ جمع نحسة- بفتح النون وكسر الحاء- صفة مشبهة من نحس- كفرح وكرم- ضد سعد.
أى: فأرسلنا على قوم عاد ريحا شديدة الهبوب والصوت، وشديدة البرودة أو الحرارة في أيام نحسات أو مشئومات نكدات عليهم بسبب إصرارهم على كفرهم وفعلنا ذلك معهم لنذيقهم العذاب المخزى لهم في الحياة الدنيا.
وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى أى: أشد خزيا وإهانة لهم من عذاب الدنيا.
وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ أى: وهم لا يجدون أحدا يدفع عنهم هذا العذاب بحال من الأحوال.
стр. 5358
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك، حال ثمود وما نزل بهم من عذاب فقال: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ....
أى: وأما قوم ثمود الذين أرسلنا إليهم نبينا صالحا، فبينا لهم عن طريقه سبيل الرشاد وسبيل الغي. فالمراد بالهداية هنا: البيان والإرشاد والدلالة على الخير.
فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى أى: فاختاروا الكفر على الإيمان، وآثروا الغي على الرشد.
فالمراد بالعمى هنا الكفر والضلال، والمراد بالهداية الإيمان والطاعة.
فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ أى: فكانت نتيجة إيثارهم الكفر على الإيمان، وتصميمهم على ذلك.. أن أنزلنا عليهم الصاعقة التي أهلكتهم، والعذاب المبين الذي أبادهم، بسبب ما اكتسبوه من ذنوب وقبائح.
وقد حكى- سبحانه- ما أنزله بعاد وثمود من عذاب في آيات كثيرة، منها قوله- تعالى-: كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ. فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ. وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ. سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً. فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ «١» .
وقد ذكر بعضهم أن الأيام النحسات التي نزل فيها العذاب على قوم عاد، كانت في أواخر شهر شوال، وأن أولها كان في يوم الأربعاء، وآخرها- أيضا- كان في يوم الأربعاء، ولذا صار بعض الناس يتشاءم من هذا اليوم.
والحق أن ما ذكروه في هذا الشأن لا دليل عليه، ولا يلتفت إليه، وأن ما أصاب هؤلاء إنما كان بشؤم كفرهم ومعاصيهم.
قال بعض العلماء بعد أن ذكر بعض الآثار التي ذكروها في أن يوم الأربعاء يوم نحس:
«فهذه الروايات وأمثالها لا تدل على شؤم يوم الأربعاء على من لم يكفر بالله ولم يعصه، لأن أغلبها ضعيف، وما صح معناه منها فالمراد بنحسه شؤمه على أولئك الكفرة العصاة الذين أهلكهم الله فيه بسبب كفرهم ومعاصيهم» «٢» .
ثم بين- سبحانه- فضله على المؤمنين، ورحمته بهم فقال: وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا.. أى ونجينا الذين آمنوا من عذاب الدنيا ومن عذاب الآخرة.
стр. 5359
وَكانُوا يَتَّقُونَ أى: يتقون الله- تعالى-، ويصونون أنفسهم عن كل ما لا يرضيه.
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك جانبا من أحوال الظالمين يوم القيامة، يوم تشهد عليهم أسماعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون، يوم يعلمون أن ما جاءهم به رسلهم حق لا ريب فيه، فقال- تعالى-:
[سورة فصلت (٤١) : الآيات ١٩ الى ٢٤]
وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣)
فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤)
والظرف في قوله: وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ متعلق بمحذوف تقديره: اذكر.
وقوله، يُوزَعُونَ من الوزع وأصله الكف، تقول: وزع فلان فلانا عن الشيء، أى:
كفه ومنعه عنه. ومنه قول الشاعر:
ولن يزع النفس اللجوج عن الهوى ... من الناس، إلا وافر العقل كامله
والمراد هنا: أن يكف أولهم ويمنع عن التحرك حتى يرد آخرهم فيلحق بأولهم، بحيث
стр. 5360
يجتمعون جميعا للحساب ثم يدعون إلى نار جهنم.
والمعنى: واذكر- أيها العاقل- يوم يحشر أعداء الله جميعا إلى النار، بعد أن حوسبوا على أعمالهم السيئة فَهُمْ يُوزَعُونَ أى: فهم يحبسون في هذا اليوم العصيب حتى يلحق آخرهم بأولهم، ويكفون جميعا عن الحركة حتى يقضى الله- تعالى- بقضائه العادل فيهم.
والتعبير بقوله: أَعْداءُ اللَّهِ يدل على ذمهم، وعلى أن ما أبهم من عذاب مهين. إنما هو بسبب عداوتهم لله- تعالى- ولرسله- صلوات الله عليهم-، حيث أعرضوا عن الحق الذي جاءهم به الرسل من عند ربهم.
والتعبير بقوله يُوزَعُونَ يشعر بأنهم يحبسون ويمنعون عن الحركة بغلظة وزجر.
ثم بين- سبحانه- أحوالهم عند ما يعرضون على النار فقال: حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ.
والمراد بشهادة هذه الأعضاء عليهم: أنها تنطق- بإذن الله- تعالى- وتخبر بما اجترحوه من سيئات، وبما فعلوه من قبائح.
قال صاحب الكشاف ما ملخصه: «فإن قلت «ما» في قوله: حَتَّى إِذا ما جاؤُها ما هي؟.
قلت: مزيدة للتأكيد، ومعنى التأكيد فيها: أن وقت مجيئهم النار لا محالة أن يكون وقت الشهادة عليهم، ولا وجه لأن يخلو منها ...
فإن قلت: كيف تشهد عليهم أعضاؤهم وكيف تنطق؟.
قلت: الله- ينطقها ... بأن يخلق فيها كلاما..
وشهادة الجلود بالملامسة للحرام، وما أشبه ذلك مما يفضى إليها من المحرمات. وقيل:
المراد بالجلود الجوارح- وقيل: هو كناية عن الفروج..» «١» .
ثم حكى- سبحانه- ما يقوله هؤلاء الكافرون لجوارحهم على سبيل التوبيخ والتعجيب فقال: وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا ...
أى: وقال هؤلاء الكافرون لجلودهم التي تشمل جميع جوارحهم بتعجب وذهول: لماذا شهدتم علينا مع أننا ما دافعنا إلا عنكم. لكي ننقذكم من النار؟.