أى: أتوهم من كل جانب، واجتهدوا بهم، واعملوا فيهم كل حيلة، فلم يروا منهم إلا العتو والإعراض، كما حكى الله- تعالى- عن الشيطان أنه قال: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ... يعنى لآتينهم من كل جهة، ولأعملن فيهم كل حيلة.
وعن الحسن: أنذروهم بعذاب الله الدنيوي والأخروى.
وقيل معناه: إذ جاءتهم الرسل من قبلهم ومن بعدهم، بمعنى أن هودا وصالحا قد أمروهم بالإيمان بهما وبجميع الرسل الذين من قبلهم والذين من بعدهم، فكأن الرسل جميعا قد جاءوهم «١» .
وقوله- تعالى-: قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ حكاية للرد السيئ الذي رد به قوم عاد وثمود على رسلهم.
ومفعول المشيئة محذوف أى: قال هؤلاء الكافرون لرسلهم على سبيل التكذيب لهم، والتهكم بهم. أنتم لستم رسلا، ولو شاء الله- تعالى- أن يرسل إلينا رسلا لأرسل ملائكة، ومادام الأمر كذلك فإنا بما أرسلتم به- أيها الرسل- كافرون، وإلى ما تدعونا إليه مكذبون.
والسبب الذي حمل هؤلاء الجاهلين على هذا القول: زعمهم أن الرسل لا يكونون من البشر، مع أن كل عقل سليم يؤيد أن الرسول لا يكون إلا من البشر كما قال- تعالى-: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ...
ثم فصل- سبحانه- بعد ذلك حال كل فريق منهم، وبين ما نزل به من عذاب مهين فقال: فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ...
أى. هذا هو قولهم على سبيل الإجمال لرسلهم، وإليك جانبا من حال قوم عاد، ومن أقوالهم الباطلة.
إنهم قد استكبروا في الأرض بغير الحق. واغتروا بما بين أيديهم من نعم، وقالوا على سبيل التباهي والتفاخر والتكبر: من أشد منا قوة.
وقيد استكبارهم في الأرض بأنه بغير الحق. لبيان واقعهم، حيث كانوا كما وصفهم الله- تعالى- في آيات أخرى متجبرين متعالين على غيرهم، ومن ذلك قوله- تعالى:
стр. 5357
أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ. وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ. وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ.
الاستفهام في قوله- تعالى- الذي حكاه عنهم مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً للإنكار والنفي.
أى: لا أحد أقوى منا، فنحن في استطاعتنا أن ندفع كل عذاب ينزل بنا، وهذا هو الشعور الكاذب الذي يشعر به الطغاة الجاهلون في كل زمان ومكان.
وقد رد الله- تعالى- عليهم وعلى أمثالهم ردا منطقيا حكيما يخرس ألسنتهم فقال: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً، وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ.
أى: أعموا وصموا عن الحق، ولم يعلموا أن الله- تعالى- الذي أوجدهم من العدم، هو- سبحانه- أشد منهم قوة وبأسا.
إنهم لغرورهم وجهالاتهم نسوا كل ذلك، وكانوا بآياتنا الدالة على قدرتنا ووحدانيتنا يجحدون، ويعاندون وينكرون الحق الذي جاءتهم به رسلهم.
ثم حكى- سبحانه- ما نزل بهم من عذاب بسبب إصرارهم على كفرهم، وبسبب غرورهم وبطرهم فقال: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ، لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا....
ولفظ «صرصرا» من الصر- بفتح الصاد- وهو شدة الحر، أو من الصر- بكسر الصاد- وهو شدة البرد الذي يقبض البدن، أو من الصرة التي هي الصيحة المزعجة، ومنه قوله- تعالى- فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ ... أى: في صيحة.
ولا مانع من أن تكون هذه الريح التي أرسلها الله- تعالى- عليهم، قد اجتمع فيها الصوت الشديد المزعج، والبرد الشديد القاتل.
وقوله: نَحِساتٍ جمع نحسة- بفتح النون وكسر الحاء- صفة مشبهة من نحس- كفرح وكرم- ضد سعد.
أى: فأرسلنا على قوم عاد ريحا شديدة الهبوب والصوت، وشديدة البرودة أو الحرارة في أيام نحسات أو مشئومات نكدات عليهم بسبب إصرارهم على كفرهم وفعلنا ذلك معهم لنذيقهم العذاب المخزى لهم في الحياة الدنيا.
وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى أى: أشد خزيا وإهانة لهم من عذاب الدنيا.
وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ أى: وهم لا يجدون أحدا يدفع عنهم هذا العذاب بحال من الأحوال.
стр. 5358
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك، حال ثمود وما نزل بهم من عذاب فقال: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ....
أى: وأما قوم ثمود الذين أرسلنا إليهم نبينا صالحا، فبينا لهم عن طريقه سبيل الرشاد وسبيل الغي. فالمراد بالهداية هنا: البيان والإرشاد والدلالة على الخير.
فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى أى: فاختاروا الكفر على الإيمان، وآثروا الغي على الرشد.
فالمراد بالعمى هنا الكفر والضلال، والمراد بالهداية الإيمان والطاعة.
فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ أى: فكانت نتيجة إيثارهم الكفر على الإيمان، وتصميمهم على ذلك.. أن أنزلنا عليهم الصاعقة التي أهلكتهم، والعذاب المبين الذي أبادهم، بسبب ما اكتسبوه من ذنوب وقبائح.
وقد حكى- سبحانه- ما أنزله بعاد وثمود من عذاب في آيات كثيرة، منها قوله- تعالى-: كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ. فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ. وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ. سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً. فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ «١» .
وقد ذكر بعضهم أن الأيام النحسات التي نزل فيها العذاب على قوم عاد، كانت في أواخر شهر شوال، وأن أولها كان في يوم الأربعاء، وآخرها- أيضا- كان في يوم الأربعاء، ولذا صار بعض الناس يتشاءم من هذا اليوم.
والحق أن ما ذكروه في هذا الشأن لا دليل عليه، ولا يلتفت إليه، وأن ما أصاب هؤلاء إنما كان بشؤم كفرهم ومعاصيهم.
قال بعض العلماء بعد أن ذكر بعض الآثار التي ذكروها في أن يوم الأربعاء يوم نحس:
«فهذه الروايات وأمثالها لا تدل على شؤم يوم الأربعاء على من لم يكفر بالله ولم يعصه، لأن أغلبها ضعيف، وما صح معناه منها فالمراد بنحسه شؤمه على أولئك الكفرة العصاة الذين أهلكهم الله فيه بسبب كفرهم ومعاصيهم» «٢» .
ثم بين- سبحانه- فضله على المؤمنين، ورحمته بهم فقال: وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا.. أى ونجينا الذين آمنوا من عذاب الدنيا ومن عذاب الآخرة.
стр. 5359
وَكانُوا يَتَّقُونَ أى: يتقون الله- تعالى-، ويصونون أنفسهم عن كل ما لا يرضيه.
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك جانبا من أحوال الظالمين يوم القيامة، يوم تشهد عليهم أسماعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون، يوم يعلمون أن ما جاءهم به رسلهم حق لا ريب فيه، فقال- تعالى-:
[سورة فصلت (٤١) : الآيات ١٩ الى ٢٤]
وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣)
فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤)
والظرف في قوله: وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ متعلق بمحذوف تقديره: اذكر.
وقوله، يُوزَعُونَ من الوزع وأصله الكف، تقول: وزع فلان فلانا عن الشيء، أى:
كفه ومنعه عنه. ومنه قول الشاعر:
ولن يزع النفس اللجوج عن الهوى ... من الناس، إلا وافر العقل كامله
والمراد هنا: أن يكف أولهم ويمنع عن التحرك حتى يرد آخرهم فيلحق بأولهم، بحيث
стр. 5360
يجتمعون جميعا للحساب ثم يدعون إلى نار جهنم.
والمعنى: واذكر- أيها العاقل- يوم يحشر أعداء الله جميعا إلى النار، بعد أن حوسبوا على أعمالهم السيئة فَهُمْ يُوزَعُونَ أى: فهم يحبسون في هذا اليوم العصيب حتى يلحق آخرهم بأولهم، ويكفون جميعا عن الحركة حتى يقضى الله- تعالى- بقضائه العادل فيهم.
والتعبير بقوله: أَعْداءُ اللَّهِ يدل على ذمهم، وعلى أن ما أبهم من عذاب مهين. إنما هو بسبب عداوتهم لله- تعالى- ولرسله- صلوات الله عليهم-، حيث أعرضوا عن الحق الذي جاءهم به الرسل من عند ربهم.
والتعبير بقوله يُوزَعُونَ يشعر بأنهم يحبسون ويمنعون عن الحركة بغلظة وزجر.
ثم بين- سبحانه- أحوالهم عند ما يعرضون على النار فقال: حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ.
والمراد بشهادة هذه الأعضاء عليهم: أنها تنطق- بإذن الله- تعالى- وتخبر بما اجترحوه من سيئات، وبما فعلوه من قبائح.
قال صاحب الكشاف ما ملخصه: «فإن قلت «ما» في قوله: حَتَّى إِذا ما جاؤُها ما هي؟.
قلت: مزيدة للتأكيد، ومعنى التأكيد فيها: أن وقت مجيئهم النار لا محالة أن يكون وقت الشهادة عليهم، ولا وجه لأن يخلو منها ...
فإن قلت: كيف تشهد عليهم أعضاؤهم وكيف تنطق؟.
قلت: الله- ينطقها ... بأن يخلق فيها كلاما..
وشهادة الجلود بالملامسة للحرام، وما أشبه ذلك مما يفضى إليها من المحرمات. وقيل:
المراد بالجلود الجوارح- وقيل: هو كناية عن الفروج..» «١» .
ثم حكى- سبحانه- ما يقوله هؤلاء الكافرون لجوارحهم على سبيل التوبيخ والتعجيب فقال: وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا ...
أى: وقال هؤلاء الكافرون لجلودهم التي تشمل جميع جوارحهم بتعجب وذهول: لماذا شهدتم علينا مع أننا ما دافعنا إلا عنكم. لكي ننقذكم من النار؟.
стр. 5361
وهنا ترد عليهم جوارحهم بقولها- كما حكى سبحانه عنها- قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ...
أى: قالوا في الرد عليهم: أنطقنا الله- تعالى- الذي أنطق كل شيء بقدرته التي لا يعجزها شيء وَهُوَ- سبحانه- الذي خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ولم تكونوا شيئا مذكورا.
وَإِلَيْهِ وحده تُرْجَعُونَ فيحاسبكم على أعمالكم، ويحكم فيكم بحكمه العادل.
وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية عددا من الأحاديث، منها ما جاء عن أنس ابن مالك- رضى الله عنه- قال: ضحك رسول الله ﷺ ذات يوم وتبسم فقال: «ألا تسألون عن أى شيء ضحكت» ؟ قالوا: يا رسول الله، من أى شيء ضحكت؟ قال:
«عجبت من مجادلة العبد ربه يوم القيامة، يقول: أى ربي، أليس قد وعدتني أن لا تظلمني؟
قال: بلى. فيقول: فإنى لا أقبل على شاهدا إلا من نفسي. فيقول الله- تعالى-: أو ليس كفى بي شهيدا. وبالملائكة الكرام الكاتبين؟ قال: فيردد هذا الكلام مرارا قال: فيختم على فيه، وتتكلم أركانه بما كان يعمل. فيقول: بعدا لكن وسحقا، فعنكن كنت أجادل» «١» .
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ، وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ، بِما كانُوا يَكْسِبُونَ «٢» .
ثم حكى- سبحانه- ما يقال لهؤلاء الكافرين يوم القيامة من جهته- تعالى- أو من جهة جوارحهم التي شهدت عليهم فقال- تعالى-: وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ، وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ.
وقوله: تَسْتَتِرُونَ من الاستتار بمعنى الاستخفاء، «وما» نافية. وقوله: أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ.. في موضع نصب على نزع الخافض أى: من أن يشهد عليكم.. أو مفعول لأجله.
أى: مخافة أو خشية أن يشهد عليكم سمعكم.
والمعنى: أن جوارحهم تقول لهم يوم القيامة على سبيل التبكيت: أنتم- أيها الكافرون- لم تكونوا في الدنيا تخفون أعمالكم السيئة، خوفا من أن نشهد عليكم ولكنكم كنتم تخفونها
стр. 5362
لاعتقادكم أن الله- تعالى- لا يعلم ما تخفونه من أعمالكم، ولكنه يعلم ما تظهرونه منها.
وما حملكم على هذا الاعتقاد الباطل إلا جهلكم بصفات الله- تعالى- وكفركم باليوم الآخر وما فيه من حساب وجزاء، واستبعادكم أننا سنشهد عليكم.
قال القرطبي: قوله- تعالى-: وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ ...
يجوز أن يكون هذا من قول الجوارح لهم، ويجوز أن يكون من قول الله- تعالى- لهم، أو الملائكة.
وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود قال: اجتمع عند البيت ثلاثة نفر، قرشيان وثقفى، - أى شخص من قبيلة ثقيف- أو ثقفيان وقرشي، قليل فقه قلوبهم، كثير شحم بطونهم.
فقال أحدهم: أترون الله- تعالى- يسمع ما نقول: فقال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا.
فأنزل الله- : وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ.
فالآية الكريمة تنعى على المشركين جهالاتهم الفاضحة، حيث ظنوا أن الله- تعالى- لا يعلم الكثير من أعمالهم، وتنبه المؤمنين إلى أن من الواجب عليهم أن يعلموا أن الله- تعالى- معهم، ولا يخفى عليه شيء من أقوالهم أو أفعالهم، وأنه- سبحانه- يعلم السر، وأخفى ورحم الله من قال:
إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل ... خلوت. ولكن قل: على رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة ... ولا أن ما يخفى عليك، يغيب
ثم بين- سبحانه- سوء عاقبة ظن هؤلاء الكافرين الجاهلين فقال: وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ.
وذلِكُمْ اسم إشارة يعود إلى ظنهم السابق، وهو مبتدأ، وقوله أَرْداكُمْ خبره.
أى: وذلكم الظن الذي ظننتموه بربكم، وهو أنه- سبحانه- لا يعلم كثيرا مما تعملونه سرا، هذا الظن أَرْداكُمْ أى: أهلككم، يقال ردى فلان- كصدى- إذا هلك فَأَصْبَحْتُمْ أيها الكافرون من الخاسرين لكل شيء في دنياكم.
فَإِنْ يَصْبِرُوا عن العذاب فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ أى: فالنار هي المكان المعد لثوائهم فيه، ولبقائهم به بقاء أبديا. يقال: ثوى فلان بالمكان إذا أقام به إقامة دائمة. وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ أى: وإن يطلبوا الرضا عنهم، فما هم من المرضى عنهم، وإنما هم من المغضوب عليهم، أو وإن يطلبوا منا الرجوع إلى ما يرضينا بأن نعيدهم
стр. 5363
إلى الدنيا، فما هم من المجابين إلى ذلك.
قال القرطبي: وأصل الكلمة من العتب- بفتح العين وسكون التاء- وهي الموجدة، يقال: عتب عليه يعتب- كضرب يضرب- إذا وجد عليه. فإذا فاوضه فيما عتب عليه فيه، قيل: عاتبه، فإذا رجع إلى مسرتك فقد أعتب. والاسم العتبى، وهو رجوع المعتوب عليه إلى ما يرى العاتب قال الشاعر:
فإن أك مظلوما فعبدا ظلمته ... وإن تك ذا عتبى فمثلك يعتب «١»
وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة، قد بينت الأحوال السيئة التي يكون عليها الكافرون يوم القيامة، والمجادلات التي تدور بينهم وبين جوارحهم في هذا اليوم العسير عليهم.
ثم بين- سبحانه- جانبا من الأسباب التي أوقعتهم في هذا المصير الأليم، ومن الأقوال السيئة التي كانوا يتواصون بها فيما بينهم، وعن عاقبة هذا التواصي الأثيم فقال- تعالى-:
[سورة فصلت (٤١) : الآيات ٢٥ الى ٢٩]
وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (٢٥) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧) ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٢٨) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (٢٩)
стр. 5364
قال الجمل ما ملخصه: قوله: وَقَيَّضْنا ... أى: سببنا وهيأنا وبعثنا لهم قرناء يلازمونهم ويستولون عليهم استيلاء القيض على البيض. والقيض قشر البيض..
والتقييض- أيضا- التيسير والتهيئة، تقول قيضت لفلان الشيء، أى: هيأته ويسرته له.. «١» .
والقرناء: جمع قرين، وهو الصديق الملازم للشخص الذي لا يكاد يفارقه، وله تأثير عليه والمراد بما بين أيديهم: شهوات الدنيا وسيئاتها. والمراد بما خلفهم: ما يتعلق بالآخرة من بعث وحساب وثواب وعقاب.
والمعنى: إن حكمتنا قد اقتضت أن نهيئ ونسبب لهؤلاء المشركين قرناء سوء، هؤلاء القرناء يزينون لهم القبيح من أعمال الدنيا التي يعيشون فيها، كما يزينون لهم إنكار ما يتعلق بما خلفهم من أمور الآخرة، كتكذيبهم بالبعث والحساب والجزاء.
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ. وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ «٢» .
وقوله- تعالى-: وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ... بيان لما ترتب على استجابتهم لقرناء السوء، وانقيادهم لهم انقياد التابع للمتبوع.
أى: وثبت عليهم القول الذي قاله- سبحانه- لإبليس، وتحقق مقتضاه وهو قوله- تعالى-: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ «٣» .
وقوله: فِي أُمَمٍ في محل نصب على الحال من الضمير في عَلَيْهِمُ أى: وثبت عليهم العذاب. حالة كونهم داخلين في جملة أمم كافرة جاحدة، قد مضت من قبلهم، وهذه الأمم منها ما هو من الجن، ومنها ما هو من الإنس.
وجملة إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ تعليل لاستحقاقهم العذاب. والضمير لكفار قريش ولغيرهم من الأمم السابقة التي هلكت على الكفر.
ثم حكى- سبحانه- ما تواصى به المشركون فيما بينهم فقال: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ.
стр. 5365
وقوله: وَالْغَوْا فِيهِ من اللغو، وهو الكلام الساقط الذي لا فائدة فيه يقال: لغا فلان في كلامه يلغو، إذا نطق بكلام ساقط لا خير فيه.
ويبدو أن هذا الكلام قد قاله الزعماء من كفار مكة لأتباعهم، فقد ورد عن ابن عباس أنه قال: قال أبو جهل- لأتباعه-: إذا قرأ محمد فصيحوا في وجهه، حتى لا يدرى ما يقول.
أى: وقال زعماء الكفر لأتباعهم: لا تسمعوا لهذا القرآن الذي يقرأه محمد ﷺ وأصحابه، ولا تنصتوا إليه، بل ابتعدوا عن قارئيه، والغوا فيه أى: وأظهروا عند قراءته أصواتكم باللغو من القول، كالتشويش على القارئ، والتخليط عليه في قراءته بالتصفيق وبرفع الصوت بالخرافات والهذيان..
لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ أى: لعلكم بعملكم هذا تتغلبون على المسلمين، وتجعلونهم ينصرفون عن قراءة القرآن.
ولا شك أن قولهم هذا دليل واضح على خوفهم من تأثير القرآن في القلوب، هذا التأثير الذي حمل كثيرا منهم عند سماعه على الدخول في الإسلام ونبذ الكفر والكافرين.
كما يدل على أنهم لعجزهم عن معارضته، وعن الإتيان بسورة من مثله، لجئوا إلى تلك الأساليب السخيفة، لصرف الناس عن سماع القرآن الكريم.
وقد رد- سبحانه- على فعلهم هذا بما يناسبه من تهديد فقال: فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً، وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ.
أى: فو الله لنجعلن الذين كفروا بهذا القرآن والذين شوشوا على قارئيه بالصياح والاستهزاء، لنجعلنهم يذوقون العذاب الذي يهينهم، ويحسون به إحساسا أليما. ولنجزينهم في الآخرة الجزاء المناسب لقبح أعمالهم التي عملوها في الدنيا.
قال الآلوسى: قوله- تعالى-: وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ أى: جزاء سيئات أعمالهم التي هي في أنفسها أسوأ، فأفعل للزيادة المطلقة وقيل: إنه- سبحانه- لا يجازيهم بمحاسن أعمالهم كإغاثة الملهوف، وصلة الأرحام. وإكرام الضيف ... لأن هذه الأعمال قد حبطت بسبب كفرهم.. «١» .
وقال الجمل في حاشيته: وفي هذا تعريض بمن لا يكون عند سماعه لكلام الله خاضعا خاشعا متفكرا متدبرا. وتهديد ووعيد شديد لمن يصدر عنه عند سماعه ما يشوش على القارئ
стр. 5366
ويخلط عليه القراءة، فانظر إلى عظمة القرآن المجيد، وتأمل في هذا التغليظ والتشديد، واشهد لمن عظمه وأجل قدره، وألقى إليه السمع وهو شهيد، بالفوز العظيم.. «١» .
واسم الإشارة في قوله- تعالى-: ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ ... يعود إلى ما تقدم من العذاب الشديد المعد لهؤلاء الكافرين، وهو مبتدأ، وجملة جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ خبره.
وقوله النَّارُ بدل أو عطف بيان.
أى: ذلك العذاب الشديد الذي نذيقه للكافرين جزاء عادل لأعداء الله، وهذا العذاب الشديد يتمثل في النار التي أعدها- سبحانه- لهم.
وجملة: لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ مؤكدة لما قبلها. أى: لهم في تلك النار الإقامة الدائمة الباقية المستمرة، فهي بمثابة الدار المهيأة لسكنهم الدائم.
وقوله- سبحانه-: جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ بيان لحكم الله العادل فيهم.
أى: نجازيهم جزاء أليما بسبب جحودهم لآياتنا الدالة على وحدانيتنا وعلى صدق رسلنا.
ثم صور- سبحانه- أحوالهم وهم يتقلبون في النار وحكى بعض أقوالهم التي يقولونها وهم في ذلك العذاب الأليم فقال: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا على من أضلوهم.
رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ... أى: قالوا يا ربنا أطلعنا على الفريقين اللذين زينوا لنا الكفر والفسوق والعصيان من أفراد الجن والإنس نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ أى: أرنا إياهم لننتقم منهم، بأن ندوسهما بأقدامنا احتقارا لهم، وغضبا عليهم، ليكونا بذلك في أسفل مكان من النار، وفي أحقره وأكثرهم سعيرا. وهكذا تتحول الصداقة التي كانت بين الزعماء والأتباع في الدنيا، إلى عداوة تجعل كل فريق يحتقر صاحبه، ويتمنى له أسوأ العذاب.
وكعادة القرآن في المقارنة بين عاقبة الأشرار وعاقبة الأخيار، جاء الحديث عن حسن عاقبة المؤمنين، بعد الحديث عن سوء مصير الكافرين، فقال- تعالى-:
стр. 5367
[سورة فصلت (٤١) : الآيات ٣٠ الى ٣٦]
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢) وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤)
وَما يُلَقَّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)
والمعنى: إن الذين قالوا بكل صدق وإخلاص ربنا الله- تعالى- وحده، لا شريك له لا في ذاته ولا في صفاته.
ثُمَّ اسْتَقامُوا أى: ثم ثبتوا على هذا القول، وعملوا بما يقتضيه هذا القول من طاعة الله- تعالى- في المنشط والمكره، وفي العسر واليسر، ومن اقتداء برسوله ﷺ في كل أحواله.
قال صاحب الكشاف: وثُمَّ لتراخى الاستقامة عن الإقرار في المرتبة وفضلها عليه.
لأن الاستقامة لها الشأن كله. ونحوه قوله- تعالى-: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا والمعنى: ثم ثبتوا على الإقرار ومقتضياته «١» .
ولقد بين لنا النبي ﷺ أن الاستقامة على أمر الله جماع الخيرات، ففي صحيح مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت: يا رسول الله «قل لي في الإسلام قولا لا أسأل
стр. 5368
عنه أحدا بعدك» . قال: «قل آمنت بالله ثم استقم ... » «١» .
وقوله- تعالى-: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا بيان للآثار الطيبة التي تترتب على هذا القول المؤيد بالثبات على طاعة الله- تعالى-:
وتنزل الملائكة عليهم بهذه البشارات يشمل ما يكون في حياتهم عن طريق إلهامهم بما يشرح صدورهم، ويطمئن نفوسهم، كما يشمل تبشيرهم بما يسرهم عند موتهم وعند بعثهم.
قال الآلوسى: قوله- تعالى-: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ قال مجاهد: عند موتهم.
وعن زيد بن أسلم: عند الموت، وعند القبر، وعند البعث، وقيل: معنى تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ يمدونهم فيما يعن ويطرأ لهم من الأمور الدينية والدنيوية بما يشرح صدورهم، ويدفع عنهم الخوف والحزن بطريق الإلهام كما أن الكفرة يغريهم ما قيض لهم من قرناء السوء بتزيين القبائح. «٢»
والخوف: غم يلحق النفس لتوقع مكروه في المستقبل.
والحزن: غم يلحقها لفوات نفع في الماضي.
أى: إن الذين قالوا ربنا الله باعتقاد جازم، ثم استقاموا على طاعته في جميع الأحوال، تتنزل عليهم من ربهم الملائكة، لتقول لهم في ساعة احتضارهم وعند مفارقتهم الدنيا، وفي كل حال من أحوالهم: لا تخافوا- أيها المؤمنون الصادقون- مما أنتم قادمون عليه في المستقبل، ولا تحزنوا على ما فارقتموه من أموال أو أولاد.
وَأَبْشِرُوا عما قريب، بالجنة التي كنتم توعدون بها في الدنيا.
ثم يقولون لهم- أيضا- على سبيل الزيادة في المسرة: نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ.
أى: نحن نصراؤكم على الخير، وأعوانكم على الطاعة في الحياة الدنيا التي توشكون على مفارقتها، وفي الآخرة التي هي الدار الباقية، سنتلقاكم فيها بالتكريم والترحاب.
وَلَكُمْ فِيها
أى: في الدار الآخرة، ما تشتهي أنفسكم، من أنواع الطيبات التي أعدها لكم خالقكم في جناته.
стр. 5369
وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ
أى: ما تتمنوه وتطلبونه، فقوله تَدَّعُونَ
افتعال من الدعاء بمعنى الطلب.
قوله- تعالى-: نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ حال من قوله: ما تَدَّعُونَ
، وأصل النزل: ما يقدم للضيف عند نزوله على المضيف من مأكل طيب، ومشرب حسن، ومكان فيه راحته.
أى: لكم في الدار الآخرة جميع ما تطلبونه وما تدعونه، حال كون هذا المعطى لكم رزقا وضيافة مهيأة لكم من ربكم الواسع المغفرة والرحمة.
ثم سمت السورة الكريمة بعد ذلك بمنازل الذين يقومون بالدعوة إلى الحق بحكمة وإخلاص فقال- تعالى-: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
أى. لا أحد أحسن قولا، وأعظم منزلة، ممن دعا غيره إلى طاعة الله- تعالى- وإلى المحافظة على أداء ما كلفه به.
ولم يكتف بهذه الدعوة لغيره، بل أتبع ذلك بالعمل الصالح الذي يجعل المدعوين يزدادون استجابة له.
وَقالَ: بعد كل ذلك على سبيل السرور والابتهاج والتحدث بنعمة الله إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
أى: من الذين أسلموا وجوههم لله- تعالى- وأخلصوا له القول والعمل.
قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية، أى: وهو في نفسه مهتد بما يقوله، فنفعه لنفسه لازم ومتعد، وليس هو من الذين يأمرون بالمعروف ولا يأتونه، وينهون عن المنكر ويأتونه.. وهذه الآية عامة في كل من دعا إلى خير، وهو في نفسه مهتد.
وقيل المراد بها المؤذنون الصلحاء ... والصحيح أن الآية عامة في المؤذنين وفي غيرهم» «١» .
ثم أرشد- سبحانه- إلى ما ينمى روح المحبة والمودة.. بين الداعي والمدعوين بصفة خاصة، وبين المسلم وغيره بصفة عامة، فقال: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ.
أى: ولا تستوي الخصلة الحسنة ولا الخصلة السيئة، لا في ذواتهما ولا في الآثار التي تترتب
стр. 5370
عليهما، إذ الخصلة الحسنة جميلة في ذاتها، وعظيمة في الآثار الطيبة التي تنتج عنها، أما الخصلة السيئة فهي قبيحة في ذاتها وفي نتائجها.
وقوله- تعالى-: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إرشاد منه- تعالى- إلى ما يجب أن يتحلى به عباده المؤمنون.
أى: ما دامت الخصلة الحسنة لا تتساوى مع الخصلة السيئة، فعليك- أيها المسلم- أن تدفع السيئة إذا جاءتك من المسيء، بأحسن ما يمكن دفعها به من الحسنات، بأن تقابل ذنبه بالعفو، وغضبه بالصبر، وقطعه بالصلة وفظاظته بالسماحة.
وقوله- سبحانه-: فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ بيان للآثار الجميلة التي تترتب على دفع السيئة بالحسنة.
والولي: هو الصديق المحب الشفيق عليك، من الولي بمعنى القرب.
والحميم: يطلق في الأصل على الماء الحار ... والمراد به هنا: الصديق الصدوق معك.
أى: أنت إذا دفعت السيئة بالحسنة، صار عدوك الذي أساء إليك، كأنه قريب منك، لأن من شأن النفوس الكريمة أنها تحب من أحسن إليها، ومن عفا عنها، ومن قابل شرها بالخير، ومنعها بالعطاء.
ولما كانت هذه الأخلاق تحتاج إلى مجاهدة للنفس.. عقب- سبحانه- على هذه التوجيهات السامية بقوله: وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا. وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ.
والضمير في يُلَقَّاها يعود إلى تلك الخصال الكريمة السابقة، التي على رأسها الدفع بالتي هي أحسن.
أى: وما يستطيع القيام بتلك الأخلاق العظيمة التي على رأسها الدعوة إلى الله ومقابلة السيئة بالحسنة.. إلا الذين صبروا على المكاره وعلى الأذى.
وما يستطيعها- أيضا- إلا صاحب الحظ الوافر، والنصيب الكبير، من توفيق الله- تعالى- له إلى مكارم الأخلاق.
والمتأمل في هذه الآيات الكريمة يراها قد رسمت للمسلم أحكم الطرق، وأفضل الوسائل، التي ترفع درجته عند- خالقه- تعالى-.
ثم أرشد- سبحانه- عباده إلى ما يبعدهم عن كيد الشيطان، فقال: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
стр. 5371
والنزغ والنخس والغرز بمعنى واحد. وهو إدخال الإبرة أو طرف العصا في الجلد.
المراد به هنا: وسوسة الشيطان وكيده للإنسان.
والمعنى: وإن تعرض لك من الشيطان وسوسة تثير غضبك، وتحملك على خلاف ما أمرك الله- تعالى- به.. فاستعذ بالله، أى: فالتجئ إلى حماه واستجر به من كيد الشيطان إِنَّهُ- سبحانه- هو السميع لدعائك، العليم بكل أحوالك، القادر على دفع كيد الشيطان عنك.
فالآية الكريمة ترشد المؤمن إلى العلاج الذي يحميه من وسوسة الشيطان وكيده، ألا وهو الاستعاذة بالله السميع لكل شيء، العليم بكل شيء القادر على كل شيء.
وبعد هذه البشارات الكريمة، والتوجيهات الحكيمة للمؤمنين.. ساق- سبحانه- أنواعا من الأدلة الكونية الدالة على وحدانيته وقدرته، فقال- تعالى-:
[سورة فصلت (٤١) : الآيات ٣٧ الى ٣٩]
وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ (٣٨) وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)
والمراد بالآيات في قوله- تعالى-: وَمِنْ آياتِهِ.. العلامات الدالة دلالة واضحة على وحدانية الله- تعالى- وقدرته.
أى: ومن آياته على وحدانيته وقدرته- تعالى- وعلى وجوب إخلاص العبادة له، وجود
стр. 5372
الليل والنهار والشمس والقمر بتلك الطريقة البديعة، حيث إن الجميع يسير بنظام محكم، ويؤدى وظيفته أداء دقيقا. كما قال- تعالى-: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ، وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ.
وقوله- تعالى- لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ، وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ.. نهى عن السجود لغيره- تعالى- وأمر بالسجود له وحده.
أى: لا تسجدوا- أيها الناس- للشمس ولا للقمر، لأنهما- كغيرهما- من جملة مخلوقات الله- تعالى-، واجعلوا طاعتكم وعبادتكم لله الذي خلق كل شيء في هذا الكون، إن كنتم حقا تريدون أن تكون عبادتكم مقبولة عنده- .
فالآية الكريمة تقيم الأدلة على وجوب إخلاص العبادة لله- وتنهى عن عبادة غيره- تعالى-.
قال الجمل: هذا رد على قوم عبدوا الشمس والقمر، وإنما تعرض للأربعة مع أنهم لم يعبدوا الليل والنهار، للإيذان بكمال سقوط الشمس والقمر عن رتبة السجودية لهما، بنظمهما في المخلوقية في سلك الأعراض التي لا قيام لها بذاتها، وهذا هو السر في نظم الكل في سلك آياته.
وإنما عبر عن الأربع بضمير الإناث- مع أن فيها ثلاثة مذكرة، والعادة تغليب المذكر على المؤنث- لأنه لما قال: ومن آياته، فنظم الأربعة في سلك الآيات، صار كل واحد منها آية فعبر عنها بضمير الإناث في قوله خَلَقَهُنَّ «١» .
ثم بين- سبحانه- أن استكبار الجاهلين عن عبادة الله- تعالى- وحده، لن ينقص من ملكه شيئا فقال: فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا، فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ.
أى: فإن تكبر هؤلاء الكافرون عن إخلاص العبادة لله- تعالى- فلا تحزن أيها الرسول الكريم- فإن الذين عند ربك من الملائكة. ينزهونه- تعالى- ويعبدونه عبادة دائمة بالليل والنهار وهم لا يسأمون ولا يملون، لاستلذاذهم لتلك العبادة والطاعة، وخوفهم من مخالفة أمره- .
فالآية الكريمة تهون من شأن هؤلاء الكافرين، وتبين أنه- تعالى- في غنى عنهم وعن عبادتهم لأن عنده من مخلوقاته الكرام من يعبده بالليل والنهار بدون سأم أو كلل.
стр. 5373
والمراد بالعندية في قوله- تعالى- عِنْدَ رَبِّكَ عندية المكانة والتشريف لا عندية المكان.
وقوله فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ تعليل لجواب الشرط المقدر، أى: فإن استكبروا فدعهم وشأنهم فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار.
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ. يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ «١» .
ثم بين- سبحانه- آية أخرى من آياته الدالة على وجوب إخلاص العبادة له فقال:
وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً، فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ...
وخاشِعَةً أى، يابسة جدبة، خشعت الأرض، إذا أجدبت لعدم نزول المطر عليها وقوله: اهْتَزَّتْ أى: تحركت بالنبات قبل بروزه منها وبعد ظهوره على سطحها ورَبَتْ أى: انتفخت وعلت، لأن النبات إذا قارب الظهور ترى الأرض، ارتفعت له، ثم تشققت عنه. يقال: ربا الشيء إذا زاد وعلا وارتفع، ومنه الربوة للمكان المرتفع من الأرض.
أى: ومن آياته- تعالى- الدالة على وجوب العبادة له وحده، أنك- أيها العاقل- ترى الأرض يابسة جامدة، فإذا أنزلنا عليها بقدرتنا المطر، تحركت بالنبات، وارتفعت بسببه، ثم تصدعت عنه.
وعنى- سبحانه- هنا بقوله خاشِعَةً لأن الحديث عن وجوب السجود لله- تعالى- وحده، والحديث عن السجود والطاعة يناسبه الخشوع.
وفي سورة الحج قال- سبحانه-: وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً.. لأن الحديث هناك كان عن البعث، وعن إمكانيته، فناسب أن يعبر بالهمود الذي يدل على فقدان الحياة.
قال- تعالى- يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ.. «٢» .
وقوله- تعالى-: إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى، إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ بيان لمظاهر قدرته- .
стр. 5374
أى: إن الذي أحياها بنزول المطر عليها، ويخرج النبات منها، لقادر عن أن يحيى الموتى عن طريق البعث والنشور، إنه- سبحانه- على كل شيء قدير.
وبعد هذا الحديث عن مظاهر قدرة الله في هذا الكون، جاءت الآيات بعد ذلك لتهديد الذين يلحدون في آياته- تعالى- ولتمدح القرآن الكريم، ولتسلى النبي ﷺ عما لقيه من أعدائه، ولتبين أن من عمل صالحا فثمار عمله لنفسه، ومن عمل سيئا فعلى نفسه وحده يجنى..
قال- تعالى-:
[سورة فصلت (٤١) : الآيات ٤٠ الى ٤٦]
إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) ما يُقالُ لَكَ إِلاَّ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ (٤٣) وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٤٤)
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (٤٥) مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)
стр. 5375
وقوله- تعالى- يُلْحِدُونَ من الإلحاد وهو الميل عن الاستقامة، والعدول عن الحق.
يقال ألحد فلان في كلامه إذا مال عن الصواب، ومنه اللحد في القبر، لأنه أميل إلى ناحية منه دون الأخرى.
والمعنى: إن الذين يميلون عن الحق في شأن آياتنا بأن يؤولوها تأويلا فاسدا، أو يقابلوها باللغو فيها وعدم التدبر لما اشتملت عليه من توجيهات حكيمة..
هؤلاء الذين يفعلون ذلك: لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أى ليسوا بغائبين عن علمنا، بل هم تحت بصرنا وقدرتنا، وسنجازيهم بما يستحقون من عقاب مهما ألحدوا ومالوا عن الحق والصواب.
فالجملة تهديد لهم على تحريفهم الباطل لآيات الله- تعالى-.
ثم بين- سبحانه- البون الشاسع بين عاقبة المؤمنين وعاقبة الكافرين، فقال: أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ؟.
والغرض من هذا الاستفهام بيان أن الذين يلحدون في آيات الله سيكون مصيرهم الإلقاء في النار، وأن الذين استجابوا للحق وساروا على طريقه وهم المؤمنون، سيأتون آمنين من الفزع يوم القيامة.
قال الآلوسى: «وكان الظاهر أن يقابل الإلقاء في النار بدخول الجنة، لكنه عدل عنه إلى ما في النظم الجليل، اعتناء بشأن المؤمنين، لأن الأمن من العذاب أعم وأهم، ولذا عبر عن الأول بالإلقاء الدال على القهر والقسر، وعبر عن الثاني بالإتيان الدال على أنه بالاختيار والرضا، مع الأمن ودخول الجنة..» «١» .
وقوله- تعالى-: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ تهديد آخر لهم على إلحادهم.
أى: اعملوا أيها الملحدون ما شئتم من أعمال قبيحة، فإنها لا تخفى على خالقكم- ، لأنه بصير بكم، ومطلع على أفعالكم، وسيجازيكم عليها الجزاء العادل الذي تستحقونه.
فالمقصود من الأمر في قوله- تعالى- اعْمَلُوا التهديد والوعيد.
ثم أضاف- سبحانه- إلى ما سبق تهديدا ثالثا فقال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ.
وخبر «إن» هنا محذوف للعلم به مما سبق، أى: إن الذين كفروا بالقرآن الكريم حين
стр. 5376
جاءهم على لسان رسول الله ﷺ ، خاسرون أو هالكون أو معذبون عذابا شديدا.
وَإِنَّهُ أى: هذا القرآن الكريم هو الحق الذي جاءهم به ﷺ ، لعل هذا التدبر يوصلهم إلى الهداية والرشاد لَكِتابٌ عَزِيزٌ. أى: لكتاب منيع معصوم بعصمة الله- تعالى- له من كل تحريف أو تبديل.
ثم أكد- سبحانه- هذا المعنى فقال: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ أى: لا يستطيع الباطل أن يتطرق إليه من أى جهة من الجهات، لا من جهة لفظه ولا من جهة معناه لأن الله- تعالى- تكفل بحفظه وصيانته، كما قال- تعالى- إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: أما طعن فيه الطاعنون وتأوله المبطلون؟
قلت: بلى، ولكن الله قد تكفل بحمايته عن تعلق الباطل به، بأن قيض قوما عارضوهم بإبطال تأويلهم، وإفساد أقاويلهم. فلم يخلوا طعن طاعن إلا ممحوقا، ولا قول مبطل إلا مضمحلا. «١» .
وقوله: تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ أى: هذا الكتاب منزل من لدن الله الحكيم في أقواله وأفعاله، المحمود على ما أسدى لعباده من نعم لا تحصى.
ثم سلى- سبحانه- نبيه ﷺ عما أصابه من أعدائه فقال: ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ.
أى: لا تحزن- أيها الرسول الكريم- من الأقوال الباطلة التي قالها المشركون في حقك، فإن ما قالوه في شأنك قد قاله السابقون عليهم في حق رسلهم.
فالآية الكريمة من أبلغ الآيات في تسلية الرسول ﷺ لأنها كأنها تقول له، إن ما أصابك من أذى قد أصاب إخوانك، فاصبر كما صبروا.
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ. أَتَواصَوْا بِهِ، بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ «٢» .
ثم علل- سبحانه- هذه التسلية وهذا التوجيه بقوله: إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ.
стр. 5377
أى: ما يقال لك إلا مثل ما قيل لإخوانك من قبلك، ومادام الأمر كذلك. فاصبر كما صبروا، إن ربك الذي تولاك بتربيته ورعايته، لذو مغفرة عظيمة لعباده المؤمنين وذو عقاب أليم للكفار المكذبين.
ثم رد- سبحانه- على بعض الشبهات التي أثاروها حول القرآن الكريم ردا يخرس ألسنتهم فقال: وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ...
والأعجمي: يطلق على الكلام الذي لا يفهمه العربي، كما يطلق على من لا يحسن النطق بالعربية. وقوله: ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ خبر لمبتدأ محذوف.
أى: ولو أنزلنا هذا القرآن بلغة العجم كما قالوا: هلا أنزل هذا القرآن بلغة العجم.
لو فعلنا ذلك- كما أرادوا- لقالوا مرة أخرى على سبيل التعجب: هلا فصلت ووضحت آيات هذا الكتاب بلغة نفهمها؟ ثم لأضافوا إلى التعجب والإنكار، تعجبا آخر فقالوا: أقرآن أعجمى ورسول عربي؟.
ومقصدهم من هذه الشبهة الداحضة، إنما هو إنكار الإيمان به سواء أنزل بلغة العرب أم بلغة العجم.
فهم عند نزوله عربيا قالوا من بين ما قالوا: لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه، ولو نزل بلسان أعجمى، لاعترضوا وقالوا: هلا نزل بلسان عربي نفهمه.
ولو جعلنا بعضه أعجميا وبعضه عربيا لقالوا: أقرآن أعجمى ورسول عربي.
وهكذا المعاندون الجاحدون لا يقصدون من وراء جدالهم إلا التعنت والسفاهة.
ثم أمر الله- تعالى- رسول ﷺ أن يرد عليهم بالرد الذي يكبتهم فقال: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ ...
أى: قل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء الجاحدين: هذا القرآن هو للذين آمنوا إيمانا حقا هداية إلى الصراط المستقيم، وشفاء لما في الصدور من أسقام.
كما قال- سبحانه- في آية أخرى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ...
ثم بين- سبحانه- موقف الكافرين من هذا الكتاب فقال: وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ أى:
بهذا الكتاب، وبمن نزل عليه الكتاب.
فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ أى: في آذانهم صمم عن سماع ما ينفعهم.
стр. 5378
وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أى: وهذا القرآن عميت قلوبهم عن تدبره وعن الاهتداء به.
وقوله- تعالى- أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ذم شنيع لهم على إعراضهم عن هذا القرآن الذي ما أنزله الله- تعالى- إلا لإخراجهم من الظلمات إلى النور.
أى: أولئك الكافرون الذين لم ينتفعوا بالقرآن مثلهم في صممهم وانطماس بصائرهم، كمثل من يناديه مناد من مكان بعيد، فهو لا يسمع منه شيئا، ولا يعقل عنه شيئا، لوجود المسافة الشاسعة بين المنادى، وبين من وقع عليه النداء.
قال القرطبي: قوله- تعالى-: أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ يقال ذلك لمن لا يفهم من التمثيل.
وحكى أهل اللغة أنه يقال للذي يفهم: أنت تسمع من قريب، ويقال للذي لا يفهم: أنت تنادى من بعيد أى: كأنه ينادى من موضع بعيد منه، فهو لا يسمع النداء ولا يفهمه. وقال الضحاك: يُنادَوْنَ يوم القيامة بأقبح أسمائهم مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ فيكون ذلك لتوبيخهم وفضيحتهم.. «١» .
ومن يتدبر هذه الآية الكريمة يرى مصداقها في كل زمان ومكان، فهناك من ينتفع بهذا القرآن قراءة وسماعا وتطبيقا.. وهناك من يستمعون إلى هذا القرآن، فلا يزيدهم إلا صمما، ورجسا إلى رجسهم وعمى على عماهم.
ثم بين- سبحانه- زيادة في التسلية لرسوله ﷺ ، أن اختلاف الأمم في شأن ما جاء به الرسل شيء قديم فقال- تعالى-: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ ...
أى: ولقد آتينا نبينا موسى- ﵇ كتابه التوراة ليكون هداية ونورا لقومه، فاختلفوا في شأن هذا الكتاب، فمنهم من آمن به، ومنهم من صد عنه.
وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ- أيها الرسول الكريم- وهي ألا يعذب المكذبين من أمتك في الدنيا عذابا يستأصلهم ويهلكهم.
لولا ذلك لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ أى: لأهلكهم كما أهلك السابقين من قبلهم.
وَإِنَّهُمْ أى: كفار قومك لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ أى: لفي شك من هذا القرآن وريبة من أمره، جعلهم يعيشون في قلق واضطراب.
стр. 5379
ثم بين- سبحانه- سنة من سننه التي لا تتخلف فقال: مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ...
أى: من عمل عملا صالحا بأن آمن بالله، وصدق بما جاء به رسله، فثمرة عمله الصالح لنفسه.
وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها أى: ومن عمل عملا سيئا، فضرر هذا العمل واقع عليها وحدها وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ أى: وليس ربك- أيها الرسول الكريم- بذي ظلم لعباده الذين خلقهم بقدرته، ورباهم بنعمته.
فقوله بِظَلَّامٍ صيغة نسب- كثمار وخباز- وليس صيغة مبالغة.
قال بعض العلماء ما ملخصه: «وفي هذه الآية وأمثالها سؤال معروف، وهو أن لفظة «ظلام» فيها صيغة مبالغة. ومعلوم أن نفى المبالغة لا يستلزم نفى أصل الفعل. فقولك- مثلا-: زيد ليس بقتال للرجال لا ينفى إلا مبالغته في قتلهم، فلا ينافي أنه ربما قتل بعض الرجال.
ومعلوم أن المراد بنفي المبالغة- وهي لفظ ظلام- في هذه الآية وأمثالها المراد به نفى الظلم من أصله.
وقد أجابوا عن هذا الإشكال بإجابات منها: أن نفى صيغة المبالغة هنا، قد جاء في آيات كثيرة ما دل على أن المراد به نفى الظلم من أصله، ومن ذلك قوله- تعالى-: وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً وقوله- تعالى-: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً ...
ومنها: أن المراد بالنفي في الآية، نفى نسبة الظلم إليه. لأن صيغة فعال تستعمل مرادا بها النسبة، فتغنى عن ياء النسب.. كقولهم «لبان» أى: ذو لبن، ونبال أى صاحب نبل..» «١» .
ثم بين- سبحانه- في أواخر هذه السورة الكريمة، أن علم قيام الساعة إليه- تعالى- وحده، وأن الإنسان لا يسأم من طلب المزيد من الخير فإذا مسه الشر يئس وقنط. وأن حكمته- تعالى- قد اقتضت أن يقيم للناس الأدلة على قدرته ووحدانيته من أنفسهم وعن طريق هذا الكون الذي يعيشون فيه فقال- تعالى-:
علمه- تعالى- بكل شيء، وإرشاد للمؤمنين إلى ما يقولونه إذا ما سئلوا عن ذلك.
والأكمام: جمع كم- بكسر الكاف- وهو الوعاء الذي تكون الثمرة بداخله.
أى: إلى الله- تعالى- وحده مرجع علم قيام الساعة، وما تخرج ثمرات من أوعيتها الكائنة بداخلها، وما تحمل من أنثى حملا ولا تضعه إلا بعلمه وإرادته- و «من» في قوله مِنْ ثَمَراتٍ وفي قوله مِنْ أُنْثى مزيدة لتأكيد الاستغراق. وفي قوله مِنْ أَكْمامِها ابتدائية.
قال الجمل: «فإن قلت: قد يقول الرجل الصالح قولا فيصيب فيه، وكذلك الكهان والمنجمون.
قلت: أما قول الرجل الصالح فهو من إلهام الله، فكان من علمه- تعالى- الذي يرد إليه، وأما الكهان والمنجمون فلا يمكنهم القطع والجزم في شيء ما يقولونه ألبتة، وإنما غايته ادعاء ظن ضعيف قد لا يصيب. وعلم الله- تعالى- هو العلم اليقين المقطوع به الذي لا يشركه فيه أحد «١» .
ثم بين- سبحانه- تبرّأ المشركين من آلهتهم يوم القيامة فقال: وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ. وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ، وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ.
والظرف «يوم» منصوب بفعل مقدر، ومعنى «آذناك» أعلمناك وأخبرناك، آذن فلان غيره يؤذنه، إذا أعلمه بما يريد إعلامه به.
والنداء والسؤال إنما لتوبيخهم والتهكم بهم في هذا الموقف العظيم.
والظن هنا بمعنى اليقين.
أى: واذكر- أيها العاقل- لتعتبر وتتعظ يوم ينادى الله- تعالى- المشركين فيقول لهم يوم القيامة: أين شركائى الذين كنتم تعبدونهم من دوني ليقربوكم إلى أو ليشفعوا لكم عندي؟
قالُوا على سبيل التحسر والتذلل: يا ربنا لقد آذَنَّاكَ أى: لقد أعلمناك بأنه ما منا أحد يشهد بأن لك شريكا، فقد انكشفت عنا الحجب، واعترفنا بأنك أنت الواحد القهار.
стр. 5382
وَضَلَّ عَنْهُمْ أى: وغاب عن هؤلاء المشركين، ما كانوا يدعون من قبل أى:
ما كانوا يعبدونه في الدنيا من أصنام وغيرها.
وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ أى: وأيقنوا بأنه لا مهرب ولا منجى لهم من العذاب.
يقال: حاص يحيص حيصا ومحيصا إذا هرب.
وقوله- تعالى-: لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ بيان لما جبل عليه الإنسان من حب للمال وغيره من ألوان النعم. ومن ضيقه بما يخالف ذلك.
ويبدو أن المراد بالإنسان في هذه الآية وأمثالها جنسه الغالب، وإلا فهناك مؤمنون صادقون، إذا رزقهم الله النعم شكروا، وإذا ابتلاهم بالمحن صبروا.
والمراد بالخير ما يشمل المال والصحة والجاه والسلطان وما إلى ذلك مما يشتهى.
والسأم: الملل، يقال سئم فلان هذا الشيء، إذا مله وضاق به وانصرف عنه.
واليأس: أن ينقطع قلب الإنسان عن رجاء الحصول على الشيء، يقال: يئس فلان من كذا- من باب فهم-، إذا فقد الرجاء في الظفر به.
والقنوط: أن يظهر أثر ذلك اليأس على وجهه وهيئته، بأن يبدو منكسرا متضائلا مهموما.
فكأن اليأس شيء داخل من أعمال القلب بينما القنوط من الآثار الخارجية التي تظهر علاماتها على الإنسان.
أى: لا يسأم الإنسان ولا يمل ولا يهدأ من طلب الخير والسعة في النعم.
وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ من عسر أو مرض فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ أى: فهو كثير اليأس والقنوط من رحمة الله- تعالى- وفضله، بحيث تنكسر نفسه، ويظهر ذلك على هيئته.
وعبر- سبحانه- بيئوس وقنوط وهما من صيغ المبالغة، للإشارة إلى شدة حزنه وجزعه عند ما يعتريه الشر.
ثم بين- سبحانه- حالة أخرى من حالات هذا الإنسان فقال وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً، وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى....
أى: ولئن أعطينا هذا الإنسان الجحود نعمة منا تتعلق بالمال أو بالصحة أو بغيرهما، من بعد أن كان فقيرا أو مريضا ... ليقولن على سبيل الغرور والبطر: هذا الذي أعطيته شيء استحقه، لأنه جاءني بسبب جهدي وعلمي.
стр. 5383
ثم يضيف إلى ذلك قوله: وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً أى: وما أعتقد أن هناك بعثا أو حسابا أو جزاء.
وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي على سبيل الفرض والتقدير إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى أى:
إن لي عنده ما هو أحسن وأفضل مما أنا فيه من نعم في الدنيا.
وقوله- تعالى- فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ بيان للعاقبة السيئة التي يكون عليها هذا الإنسان الجاحد.
أى: فلنعلمن هؤلاء الكافرين بأعمالهم السيئة، ولنرينهم عكس ما اعتقدوه بأن ننزل بهم الذل والهوان بدل الكرامة والحسنى التي أيقنوا أنهم سيحصلون عليها، ولنذيقنهم عذابا غليظا، لا يمكنهم الفكاك منه أو التفصى عنه لشدته وإحاطته بهم من كل جانب، فهو كالوثاق الغليظ الذي لا يمكن للإنسان أن يخرج منه.
ثم أكد- سبحانه- ما ذكره من حالات الإنسان فقال: وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ بنعمة من نعمنا التي توجب عليه شكرنا وطاعتنا.
أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ أى: أعرض عن شكرنا وطاعتنا، وتكبر وتفاخر على غيره وادعى أن هذه النعمة من كسبه واجتهاده.
وقوله وَنَأى بِجانِبِهِ كناية عن الانحراف والتكبر والصلف والبطر.
والنأى البعد. يقال: نأى فلان عن مكان كذا، إذا تباعد عنه.
وقوله- تعالى-: وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ بيان لحالة هذا الإنسان في حالة الشدة والضر.
أى: هكذا حالة هذا الإنسان الجاحد، في حالة إعطائنا النعمة له يتكبر ويغتر ويجحد.
وفي حالة إنزال الشدائد به يتضرع ويتذلل إلينا بالدعاء الكثير الواسع.
وفي معنى هذه الآيات الكريمة، جاءت آيات كثيرة، منها قوله- تعالى-: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى. أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى.
وقوله- تعالى-: إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً، إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً، وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً.
ثم أمر الله- تعالى- رسوله ﷺ أن يوبخ هؤلاء الكافرين على جحودهم وجهالاتهم فقال: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ....
стр. 5384
أى قل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء الجاحدين: أخبرونى إن كان هذا القرآن من عند الله- تعالى- وحده، ثم كفرتم به مع ظهور الأدلة والبراهين على وجوب الإيمان به.
والاستفهام في قوله- تعالى-: مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ للنفي والإنكار أى: لا أحد أكثر ضلالا منكم- أيها الكافرون- بسبب معاداتكم للحق، وابتعادكم عنه، ونفوركم منه نفورا شديدا.
والشقاق والمشاقة بمعنى المخالفة والمعاداة. من الشق- أى: الجانب- فكأن كل واحد من المتعاديين أو المتخالفين: صار في شق غير شق صاحبه.
ووصف- سبحانه- شقاقهم بالبعد، للإشارة بأنهم قد بلغوا في هذا الضلال مبلغا كبيرا، وشوطا بعيدا.
فالآية الكريمة تجهيل لهؤلاء الكافرين، وحث لهم على التأمل والتدبر.
ثم بين- سبحانه- أن حكمته قد اقتضت أن يطلع الناس في كل زمان ومكان على دلائل وحدانيته وقدرته، وعلى صدق رسوله ﷺ فيما بلغه عنه، فقال: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ...
والمراد بالآيات في قوله آياتِنا: الدلائل والبراهين الدالة على وحدانيته- سبحانه- وعلى صدق رسوله ﷺ .
والآفاق: جمع أفق- كأعناق جمع عنق- وهو الناحية والجهة، يقال: أفق فلان يأفق- كضرب يضرب- إذا سار في آفاق الأرض وجهاتها المتعددة.
والمعنى: سنطلع الناس على دلائل وحدانيتنا وقدرتنا في أقطار السموات والأرض، من شمس وقمر ونجوم، وليل ونهار، ورياح وأمطار، وزرع وثمار، ورعد وبرق وصواعق، وجبال وبحار.
سنطلعهم على مظاهر قدرتنا في هذه الأشياء الخارجية التي يرونها بأعينهم، كما سنطلعهم على آثار قدرتنا في أنفسهم عن طريق ما أودعنا فيهم من حواس وقوى، وعقل، وروح، وعن طريق ما يصيبهم من خير وشر، ونعمة ونقمة.
ولقد صدق الله- تعالى- وعده، ففي كل يوم بل في كل ساعة، يطلع الناس على أسرار جديدة في هذا الكون الهائل، وفي أنفسهم.. وكلها تدل على وحدانيته، - تعالى- وقدرته، وعلى صحة دين الإسلام الذي جاء به الرسول ﵊.
وقوله- تعالى-: أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ استئناف مسوق لتوبيخ
стр. 5385
الكافرين على عنادهم مع ظهور الأدلة على أن ما جاء به الرسول ﷺ من عند ربه هو الحق المبين.
والهمزة للإنكار، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام، والباء مزيدة للتأكيد، وقوله بِرَبِّكَ فاعل كفى.
والمعنى: ألم يغن هؤلاء الجاحدين عن الآيات الموعودة الدالة على صحة هذا الدين، أن ربك- أيها الرسول الكريم- شهيد على كل شيء، وعلى أنك صادق فيما تبلغه عنه.. بلى.
إن في شهادة ربك وعلمه بكل شيء ما يغنيك عن كل شيء سواه.
ثم بين- سبحانه- في ختام السورة حقيقة أمر أولئك الكافرين فقال: أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ، أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ.
أى: ألا إن هؤلاء المشركين في مرية وشك وريبة من لقاء ربهم يوم القيامة، لإنكارهم البعث والحساب والجزاء ...
ألا إنه- سبحانه- بكل شيء محيط إحاطة تامة لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
وسيجمعهم يوم القيامة للحساب والجزاء، ولن يستطيعوا النجاة من ذلك.
وبعد: فهذا تفسير لسورة «فصلت» نسأل الله- تعالى- أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
القاهرة- مدينة نصر صباح الخميس ٢٥ من المحرم ١٤٠٦ هـ ١٠/ ١٠/ ١٩٨٥ م كتبه الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى
стр. 5386
[المجلد الثالث عشر]
تفسير سورة الشّورى
стр. 5387
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدّمة
١- سورة «الشورى» هي السورة الثانية والأربعون في ترتيب المصحف، وكان نزولها بعد نزول سورة «فصلت» . وعدد آياتها ثلاث وخمسون آية.
وتسمى- أيضا- سورة حم عسق، لافتتاحها بذلك.
والرأى الصحيح أن سورة الشورى من السور المكية الخالصة. وقيل هي مكية إلا أربع آيات منها تبدأ من قوله- تعالى-: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى.
ولكن هذا القيل لا يعتمد على دليل صحيح، بل الصحيح أن السورة كلها مكية.
٢- وتبدأ سورة الشورى ببيان أن الله- تعالى- قد أوحى إلى نبيه ﷺ كما أوحى إلى غيره من الأنبياء، وببيان مظاهر قدرته- ، وأنه- تعالى- قادر على أن يجعل الناس أمة واحدة.
قال- تعالى-: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً، وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ، وَالظَّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ.
٣- وبعد أن أنكر- سبحانه- على المشركين إشراكهم، وساق الأدلة على بطلان هذا الشرك، وأمر بالرجوع إلى حكم الله- تعالى- فيما اختلفوا فيه.
بعد كل ذلك بين- سبحانه- أن الشريعة التي جاء بها الأنبياء واحدة في جوهرها، وأن تفرق الناس في عقائدهم، مرجعه إلى بغيهم وأهوائهم.
قال- تعالى-: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً، وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ، وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى، أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ، كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ، اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ.
٤- ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن مظاهر نعم الله- تعالى- على عباده،
стр. 5388
عن طريق ما أودع فيهم من عقول: وما أنزله لهم من شرائع، وما حباهم به من أرزاق ...
ووبخت الكافرين على كفرهم مع كل هذه النعم التي أنعم بها عليهم، وبينت ما سيكونون عليه يوم القيامة من حسرة وندامة، وما سيكون عليه المؤمنون الصادقون من فرح وحبور.
قال- تعالى-: تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ، ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ. ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ، قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى، وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ.
٥- ثم واصلت السورة حديثها عن مظاهر قدرة الله- تعالى- وعن ألوان نعمه على خلقه، فتحدثت عن فضله- تعالى- في قبوله لتوبة التائبين، وعفوه عن سيئاتهم، وإجابته لدعائهم وإنزاله الغيث عليهم من بعد قنوطهم ويأسهم، وخلقه السموات والأرض وما فيهما من أجل مصلحة الناس ومنفعتهم، ورعايته لهم وهم في سفنهم داخل البحر.
قال- تعالى-: وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ. إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ. أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ.
٦- ثم بين- سبحانه- صفات المؤمنين الصادقين، وأثنى عليهم ثناء عاطرا، يحمل العقلاء على الاقتداء بهم، وعلى التحلي بصفاتهم.
قال- سبحانه-: وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ، وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ. وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ، وَأَقامُوا الصَّلاةَ، وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ، وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها، فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ.
٧- وكعادة القرآن في المقارنة بين عاقبة الأشرار وعاقبة الأخيار، أتبع القرآن هذه الصفات الكريمة للمؤمنين، ببيان الأحوال السيئة التي سيكون عليها الظالمون يوم القيامة، ودعتهم إلى الدخول في الدين الحق من قبل فوات الأوان.
قال- تعالى-: اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ، ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ.
٨- ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة ببيان جانب من مظاهر فضله على رسوله ﷺ فقال:
стр. 5389
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ، وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا، وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ. أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ.
٩- ومن هذا العرض الإجمالى لآيات سورة الشورى. نراها زاخرة بالحديث عن الأدلة على وحدانية الله- تعالى- وقدرته، وعلى صدق الرسول ﷺ فيما يبلغه عن ربه، وعلى أن هذا القرآن من عند الله- تعالى-.
كما نراها زاخرة- أيضا- بالحديث عن نعم الله على عباده، وعن حسن عاقبة المؤمنين، وسوء عاقبة المكذبين وعن مشاهد يوم القيامة وما فيه من أهوال. وعن شبهات المشركين والرد عليها بما يدحضها.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
المؤلف د. محمد سيد طنطاوى ١١/ ١٠/ ١٩٨٥
стр. 5390
التفسير
[سورة الشورى (٤٢) : الآيات ١ الى ٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حم (١) عسق (٢) كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤)
تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦)
سورة «الشورى» من السور التي افتتحت ببعض حروف التهجي، وقد سبق أن ذكرنا أن أقرب الأقوال إلى الصواب في المقصود بهذه الحروف، أنها وردت في افتتاح بعض السور على سبيل الإيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن.
فكأن الله- تعالى- يقول لأولئك المعارضين في أن القرآن من عند الله: هاكم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم، ومنظوما من حروف هي من جنس الحروف الهجائية التي تنظمون منها حروفكم، فإن كنتم في شك من أنه منزل من عند الله، فهاتوا مثله أو عشر سور من مثله، أو سورة من مثله.. فعجزوا وانقلبوا خاسرين، وثبت أن هذا القرآن من عند الله- تعالى-:
وقد ذكر بعض المفسرين عند تفسيره لهذه السورة آثارا واهية، رأينا أن نذكر بعضها للتنبيه على سقوطها.
قال الإمام ابن كثير ما ملخصه: وقد روى الإمام ابن جرير هاهنا أثرا غريبا عجيبا منكرا، فقال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال له- وعنده حذيفة بن اليمان- أخبرنى عن تفسير قول الله- تعالى-: حم عسق. فأطرق ابن عباس ثم أعرض عنه.
стр. 5391
فقال حذيفة للرجل: أنا أنبئك بها، قد عرفت لم كرهها؟ نزلت في رجل من أهل بيته يقال له: «عبد الإله» أو عبد الله، ينزل على نهر من أنهار الشرق، تبنى عليه مدينتان، يشق النهر بينهما شقا. فإذا أذن الله في زوال ملكهم.. بعث الله على إحداهما نارا ليلا.. ثم يخسف الله- تعالى- بالأخرى فذلك قوله حم. عسق.
يعنى: عزيمة من الله وفتنة وقضاء حمّ حم، وعين، يعنى عدلا منه، وسين: يعنى سيكون. وق، يعنى: واقع بهاتين المدينتين.. «١» .
والكاف في قوله- تعالى-: كَذلِكَ بمعنى مثل، واسم الإشارة يعود إلى ما اشتملت عليه هذه السورة الكريمة من عقائد وأحكام وآداب.
أى: مثل ما في هذه السورة الكريمة من دعوة إلى وحدانية الله، وإلى مكارم الأخلاق، أوحى الله به إليك وإلى الرسل من قبلك، لتبلغوه للناس كي يعتبروا ويتعظوا.
قال الآلوسى ما ملخصه: قوله- تعالى-: كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ كلام مستأنف، وارد لتحقيق أن مضمون السورة، موافق لما في تضاعيف الكتب المنزلة، على سائر الرسل المتقدمين في الدعوة إلى التوحيد والإرشاد إلى الحق.
والكاف مفعول يُوحِي أى: يوحى مثل ما في هذه السورة من المعاني.
وجيء بقوله: يُوحِي بدل أوحى للدلالة على استمراره في الماضي، وأن إيحاء مثله، عادته- تعالى-:
والْعَزِيزُ الْحَكِيمُ صفتان له- «٢» .
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً «٣» .
ثم ذكر- سبحانه- صفات أخرى لذاته فقال: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ.
أى: لقد أوحى الله- تعالى- إليك- أيها الرسول الكريم- بهذا القرآن كما أوحى إلى الرسل من قبلك بما شاء من وحى، وهو- سبحانه- العزيز الذي لا يغلبه غالب، الحكيم في
стр. 5392
كل أقواله وأفعاله، والذي له جميع ما في السموات وما في الأرض خلقا وملكا وتصرفا..
وهو- سبحانه- الْعَلِيُّ أى: المتعالي عن الأشباه والأنداد والأمثال والأضداد.
الْعَظِيمُ أى: في ذاته وفي صفاته، وفي أفعاله.
ثم بين- سبحانه- بعض مظاهر علو شأنه وكمال عظمته وجلاله فقال: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ.
والفعل تَكادُ مضارع «كاد» الذي هو من أفعال المقاربة. وقوله يَتَفَطَّرْنَ أى: يتشققن. والضمير في قوله- تعالى-: مِنْ فَوْقِهِنَّ يعود إلى السموات، باعتبار أن كل سماء تنفطر فوق التي تليها.
وهذا التفطر سببه الخشية من الله- تعالى-، والخوف من جلاله وعظمته فيكون المعنى:
تكاد السموات يتشققن فيسقطن مع عظمهن مِنْ فَوْقِهِنَّ أى: من أعلاهن، خشية ورهبة من عظمته- ، كما قال- تعالى- وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ. يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ويصح أن يكون هذا التفطر سببه، شدة الفرية التي افتراها المشركون على الله- تعالى- حيث زعموا أن لله ولدا، كما قال سبحانه-: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا. تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا. أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً. وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم قال: مِنْ فَوْقِهِنَّ؟ قلت: لأن أعظم الآيات وأدلها على الجلال والعظمة: فوق السموات، وهي: العرش، والكرسي، وصفوف الملائكة، المرتجة بالتسبيح والتقديس حول العرش، وما لا يعلم كنهه إلا الله- تعالى- من آثار ملكوته العظمى، فلذا قال: يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ أى: يبتدئ الانفطار من جهتهن الفوقانية.
أو لأن كلمة الكفر جاءت من الذين تحت السموات. فكان القياس أن يقال: من تحتهن، من الجهة التي جاءت منها الكلمة، ولكنه بولغ في ذلك فجعلت مؤثرة في جهة الفوق. كأنه قيل:
يكدن يتفطرن من الجهة التي فوقهن، ع الجهة التي تحتهن «١» .
وقوله- تعالى-: وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ مؤكد لما قبله من بيان علو شأنه- ، وسمو عظمته وجلاله.
стр. 5393
أى: والملائكة ينزهون ربهم- تعالى- عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله، خوفا منه- سبحانه-، ورهبة لذاته.
وقوله: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ معطوف على يُسَبِّحُونَ. والمراد بمن في الأرض: المؤمنون بصفة خاصة، لأنهم هم الذين يستحقون ذلك، كما قال- تعالى- في آية أخرى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا.
أى: أن الملائكة ينزهون الله- تعالى- عما لا يليق به. ويطلبون للمؤمنين من أهل الأرض عفو الله- تعالى- ورحمته وغفرانه.
وقوله: أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ تذييل قصد به الثناء على الله- تعالى- بما هو أهله.
أى: ألا إن الله- تعالى- وحده، هو الواسع المغفرة والرحمة لمن يشاء من عباده، لا يمنعه من ذلك مانع، ولا يحاسبه على ما يفعل محاسب.
ثم بين- سبحانه- سوء عاقبة المشركين فقال: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ.
أى: والذين اتخذوا من دون الله- تعالى- شفعاء وشركاء ليقربوهم إليه زلفى، الله- تعالى- وحده رقيب عليهم، وسيجازيهم بما يستحقون من عقاب يوم القيامة، وما أنت- أيها الرسول الكريم- عليهم بحفيظ أو رقيب على أعمالهم، وإنما أنت عليك البلاغ ونحن علينا الحساب.
ثم بين- سبحانه- الحكمة من إنزال هذا القرآن على الرسول ﷺ كما بين أنواعا من الأدلة عن كمال قدرته، ووجوب إفراده بالعبادة والخضوع، ووجوب التحاكم إلى شريعته عند الاختلاف والتنازع. فقال- تعالى-:
[سورة الشورى (٤٢) : الآيات ٧ الى ١٢]
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٨) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٩) وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠) فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)
لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢)
стр. 5394
والكاف في قوله- تعالى-: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا.. في محل نصب على المصدرية، واسم الإشارة يعود إلى مصدر أَوْحَيْنا.
أى: ومثل ذلك الإيحاء البديع الواضح، أوحينا إليك- أيها الرسول الكريم- قرآنا عربيا، لا لبس فيه ولا غموض.
وقوله- سبحانه- لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها تعليل لهذا الإيحاء. والمراد بأم القرى: أهلها.
وسميت مكة بأم القرى، لأنها مكان أول بيت وضع للناس، ولأنها قبلة أهل القرى كلها ومحجهم، ولأنها أعظم القرى شأنا وغيرها كالتبع لها، كما يتبع الفرع الأصل، أى: أوحينا إليك هذا القرآن لتنذر به أهل أم القرى، ولتنذر به- أيضا- من حولها من أهل القرى الأخرى.
وخص أهل أم القرى ومن حولها بالذكر في الإنذار، لأنهم أقرب الناس إليه ﷺ كما قال- تعالى- في آية أخرى وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ.
وليس معنى هذا التخصيص أن رسالته ﷺ كانت إليهم وحدهم، لأن هناك آيات أخرى كثيرة قد صرحت بأن رسالته ﷺ كانت إلى الناس كافة، ومن هذه الآيات:
وقوله- تعالى-: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً وقوله- سبحانه-:
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ وقوله- : وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ
стр. 5395
لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ.
فهذه الآيات وغيرها تنطق وتشهد بأن رسالته ﷺ كانت للناس جميعا، بل للإنس وللجن، كما يشير إلى ذلك قوله- تعالى-: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا، فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ.
وجملة وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ معطوفة على ما قبلها. والمراد بيوم الجمع: يوم القيامة، لأنه اليوم الذي يجتمع فيه الأولون والآخرون بين يدي الله- تعالى- للحساب والجزاء، والثواب والعقاب.
أى: أوحينا إليك هذا القرآن لتنذر به أهل مكة ومن حولها، وتنذر الناس جميعا وتخوفهم من أهوال يوم القيامة، الذي يجتمع فيه الخلائق للحساب.
وقوله: لا رَيْبَ فِيهِ كلام معترض لتقرير ما قبله وتأكيده، أو صلة ليوم الجمع.
وقوله: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ بيان للنتيجة التي ترتبت على هذا الإنذار.
أى: بعد هذا الإنذار الذي أنذرته للناس- أيها الرسول الكريم- هناك فريق آمن بك وصدقك فكان مصيره إلى الجنة، وهناك فريق أعرض عنك وكذبك، فكان مصيره إلى النار.
وقوله- تعالى- وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً، وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ بيان لكمال قدرته- .
أى: ولو شاء الله- تعالى- أن يجعل الناس أمة واحدة على الدين الحق لجعلهم كذلك، لأن قدرته لا يعجزها شيء، ولكنه- سبحانه- لم يشأ ذلك ليتميز الخبيث من الطيب، والمهتدى من الضال.
أما المهتدون فهم أهل رحمته ورضوانه، وأما الضالون فهم أهل عذابه وغضبه فقوله- تعالى- وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ بيان لمن عرفوا الدين الحق واتبعوه وقوله- سبحانه-: وَالظَّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ بيان لمن استحبوا العمى على الهدى.
قال الآلوسى ما ملخصه: وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ أى: أنه- تعالى- يدخل في رحمته من يشاء أن يدخله فيها، ويدخل في عذابه من يشاء أن يدخله فيه، ولا ريب في أن مشيئته- تعالى- لكل من الإدخالين، تابعة لاستحقاق كل فريق لعمله.
وقال: وَالظَّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ولم يقل ويدخل من يشاء في عذابه، للإيذان بأن الإدخال في العذاب، بسبب سوء اختيار الداخلين فيه «١» .