يأتى يوم القيامة الذي لا شك في مجيئه.. فيقول: اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ...
أى استجيبوا- أيها الناس- لدعوة الحق التي دعاكم إليها ربكم وخالقكم، عن طريق الرسول الذي أرسله- سبحانه- إليكم، ولتكن استجابتكم عاجلة في هذه الدنيا، من قبل أن يأتى يوم القيامة الذي لن يستطيع أحد أن يرده أو يدفعه، بعد أن حكم- سبحانه- بمجيئه، وجعل له أجلا محددا لا يتخلف عنه.
ثم بين- سبحانه- حالهم عند مجيء هذا اليوم فقال: ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ.
والملجأ: هو المكان الذي يلجأ إليه الإنسان عند الشدائد والكروب لاتقائها، والنكير بمعنى الإنكار.
أى: ليس لكم في هذا اليوم ملجأ تلتجئون إليه من العذاب، وليس لكم القدرة على إنكار شيء مما اجترحتموه في الدنيا من الكفر والعصيان، لأنه مسجل عليكم، فما نزل بكم من عذاب بسبب كفركم وإعراضكم عن الحق، وشيء أنتم تستحقونه، ولن تجدوا يوم القيامة من ينكر استحقاقكم لهذا العذاب.
قال الآلوسى: قوله- تعالى- وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ أى: إنكار على أنه مصدر أنكر على غير القياس. ونفى ذلك مع قوله- تعالى- حكاية عنهم وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ تنزيلا لما يقع من إنكارهم منزلة العدم، لعدم نفعه وقيام الحجة، وشهادة الجوارح عليهم، أو يقال: إن الأمرين باعتبار تعدد الأحوال والمواقف..» «١» .
ثم بين- سبحانه- وظيفة رسوله ﷺ فقال: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً، إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ ...
أى: فإن أعرض هؤلاء الظالمون عن دعوتك- أيها الرسول الكريم-، فلا تحزن لذلك، فإننا ما أرسلناك لتكون رقيبا على أعمالهم، ومكرها لهم على الإيمان، وإنما أرسلناك لتبلغ دعوة ربك إليهم، ومن شاء بعد ذلك فليؤمن ومن شاء فليكفر.
والمراد بالإنسان في قوله- سبحانه-: وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها جنسه الشامل للجميع والمراد بالرحمة: ما يشمل الغنى والصحة وغيرهما من النعم.
стр. 5427
أى: وإنا إذا أعطينا ومنحنا الإنسان بفضلنا وكرمنا نعمة كالمال والولد والجاه. فرح بها وانشرح لها.
وَإِنْ تُصِبْهُمْ أى: الناس سَيِّئَةٌ من بلاء أو مرض أو خوف أو فقر بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ أى: بسبب ما اكتسبته أيديهم من المعاصي والسيئات حزنوا وامتعضوا.
وقوله: فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ تعليل لجواب الشرط المحذوف، أى: وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم نسوا نعمنا وقنطوا، فإن الإنسان الكافر كثير الكفر والجحود لنعم خالقه- أما من آمن وعمل صالحا فإنه يشكر ربه عند النعم، ويصبر عند البلاء والنقم.
ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بالحديث عن مظاهر قدرته التي لا يعجزها شيء، وعن نفاذ مشيئته وحكمته، وعن فضله على نبيه ﷺ حيث أوحى إليه بما أوحى، من هدايات للناس. فقال- تعالى-:
[سورة الشورى (٤٢) : الآيات ٤٩ الى ٥٣]
لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠) وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١) وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)
стр. 5428
وقوله- تعالى- لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ.. بيان لكمال قدرته- سبحانه-، ولنفاذ مشيئته. والملك- بضم الميم- الاستيلاء على الشيء والتمكن من التصرف فيه.
أى: لله- تعالى- وحده ملك جميع ما في السموات والأرض، وليس لأحد معه شيء لا اشتراكا ولا استقلالا، وهو- سبحانه- «يخلق ما يشاء» أن يخلقه، من غير أن يكون لأحد وصاية عليه، أو اختيار لشيء معين..
ثم فصل- سبحانه- بعض مظاهر هذه القدرة التامة، والإرادة النافذة فقال: يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ، أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً فهذه الجملة الكريمة بدل مفصل من مجمل، أو بدل بعض من كل. وأحوال الناس بالنسبة للذرية لا تخلو عن هذه الأقسام الأربعة فهو- سبحانه- إما أن يهب لمن يشاء من عباده إناثا لا ذكور معهن، وإما أن يهب لهم ذكورا لا إناث معهم، وإما أن يهب لبعضهم الإناث والذكور معا وهذا معنى قوله- تعالى- أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً إذ التزويج معناه الجمع بين البنين والبنات.
وإما أن يجعل بعضهم عقيما، أى: لا ذرية له، ذكرا كان أو أنثى. يقال رجل عقيم وامرأة عقيم، إذا كانا لا ذرية لهما.
وهذه الأحوال الأربعة كلها مشاهدة في حياة الناس، فمنهم من معه الإناث فقط، ومنهم من معه الذكور فقط ومنهم من معه الذكور والإناث ومنهم من ليس معه منهما شيء وهذا كله يدل على كمال قدرته- سبحانه-، وعلى نفاذ إرادته وحكمته، إذ أعطى من يشاء إعطاءه بفضله، ومنع من يشاء منعه لحكمة يعلمها، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه.
فالآية الكريمة مسوقة لبيان أن العطاء والمنع بيد الله- تعالى- وحده، وأن أحوال البشر بالنسبة للذرية خاضعة لمشيئته وحده، وهو- سبحانه- يقدرها وفق علمه وإرادته وحكمته ليس لأحد مدخل في اختيار نوع معين من الذرية، وليس عند أحد القدرة على إنجاب شيء منها، إذا أراد الله منعه من ذلك.
قال صاحب الكشاف ما ملخصه: «فإن قلت: لم قدم الإناث أولا على الذكور مع تقدمهم عليهن، ثم رجع فقدمهم؟ ولم عرف الذكور بعد ما نكر الإناث؟
قلت: قدم الإناث لبيان أنه- سبحانه- يفعل ما يشاء، لا ما يشاؤه الإنسان، فكان ذكر الإناث اللاتي من جملة ما لا يشاؤه الإنسان أهم، والأهم واجب التقديم ...
وأخر- سبحانه- الذكور، فلما أخرهم لذلك تدارك تأخيرهم، وهم أحقاء بالتقديم
стр. 5429
بتعريفهم، لأن التعريف تنويه وتشهير، فكأنه قال: ويهب لمن يشاء الفرسان الأعلام المذكورين الذين لا يخفون عليكم، ثم أعطى بذلك كلا الجنسين حقه من التقديم والتأخير، وعرف أن تقديمهن لم يكن لتقدمهن، ولكن لمقتض آخر، فقال: ذُكْراناً وَإِناثاً، كما قال:
إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى.. «١» .
وقوله- تعالى- إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ تذييل قصد به تأكيد قدرته وحكمته. أى: إنه- سبحانه- واسع العلم بأحوال عباده وبما يصلحهم، قدير على كل شيء، فهو يفعل ما يفعله عن قدرة واختيار، لا مكره له ولا معقب لحكمه.
ثم بين- سبحانه- الطرق التي بها يقع التكليم منه- تعالى- للمختارين من عباده فقال:
وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً، أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ ...
فهذه الآية الكريمة قد دلت على أن تكليم الله- تعالى- للبشر وقع على ثلاثة أوجه:
الأول: عن طريق الوحى، وهو الإعلام في خفاء وسرعة عن طريق الإلقاء في القلب يقظة أو مناما، ويشمل الإلهام والرؤيا المنامية.
والوحى مصدر أوحى، وقد غلب استعماله فيما يلقى للمصطفين الأخيار من الكلمات الإلهية.
والثاني: عن طريق الإسماع من وراء حجاب، أى حاجز، بأن يسمع النبي كلاما دون أن يرى من يكلمه، كما حدث لموسى. ﵇ عند ما كلمه ربه- ، وهذا الطريق هو المقصود بقوله- تعالى-: أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ.
والثالث: عن طريق إرسال ملك، وظيفته أن يبلغ الرسول ما أمره الله بتبليغه له، وهو المقصود بقوله- تعالى- أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ.
وهذا الطريق الثالث قد وضحه الحديث الذي رواه الإمام البخاري عن عائشة- رضى الله عنها- أن الحارث بن هشام، سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحى؟ فقال ﷺ أحيانا يأتينى مثل صلصلة الجرس- وهو أشده على- أى: أحيانا يأتينى مشابها صوته وقوع الحديد بعضه على بعض- فيفصم عنى وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعى ما يقول.
قالت عائشة: ولقد رأيته ﷺ ينزل عليه الوحى في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه،
стр. 5430
وإن جبينه ليتفصد عرقا.
والمعنى: وما صح وما استقام لبشر أن يكلمه الله- تعالى- في من حال الأحوال إلا موحيا إليه، أو مسمعا إياه ما يريد إسماعه له من وراء حجاب أو يرسل إليه ملكا ليبلغه ما يريده- سبحانه- منه.
وقوله- تعالى- إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ تعليل لما قبله، أى: إنه- سبحانه- متعال عن صفات النقص، حكيم في كل أقواله وأفعاله.
ثم بين- سبحانه- جانبا من مظاهر فضله على نبيه ﷺ فقال: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ ...
والكاف في قوله «كذلك» بمعنى مثل واسم الإشارة يعود إلى ما أوحاه إلى الرسل السابقين.
والمراد بالروح: القرآن- وسماه- سبحانه- روحا، لأن الأرواح تحيا به، كما تحيا الأبدان بالغذاء المادي.
أى: ومثل إيحائنا إلى غيرك من الرسل، أوحينا إليك- أيها الرسول الكريم، هذا القرآن، الذي هو بمنزلة الأرواح للأجساد، وقد أوحيناه إليك بأمرنا وإرادتنا ومشيئتنا، وأنت- أيها الرسول الكريم- ما كنت تعرف أو تدرك حقيقة هذا الكتاب حتى عرفناك إياه، وما كنت تعرف أو تدرك تفاصيل، وشرائع وأحكام هذا الذين الذي أوحيناه إليك بعد النبوة.
فالمقصود بهذه الآية الكريمة نفى علم الرسول ﷺ بهذا القرآن قبل النبوة، ونفى أن يكون- أيضا- عالما بتفاصيل وأحكام هذا الدين لا نفى أصل الإيمان.
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ، وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً
«١» .
وقوله- سبحانه-: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ، وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ «٢» .
والضمير في قوله- تعالى-: وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا يعود إلى القرآن الكريم، الذي عبر عنه بالروح.
أى: ولكن جعلنا هذا القرآن العظيم نورا ساطعا، نهدي به من نشاء هدايته من عبادنا.
стр. 5431
وَإِنَّكَ أيها الرسول الكريم لَتَهْدِي من أرسلناك إليهم إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أى طريق واضح قويم لا اعوجاج فيه ولا التواء.
وقوله: صِراطِ اللَّهِ بدل مما قبله، وإضافته إلى الله- تعالى- للتفخيم والتشريف.
أى: وإنك لترشد الناس إلى صراط الله الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ملكا وخلقا وتصرفا..
أَلا إِلَى اللَّهِ- تعالى- وحده تَصِيرُ الْأُمُورُ أى: تنتهي إليه الأمور وتصعد إليه وحده، فيقضى فيها بقضائه العادل، وبحكمه النهائى الذي لا معقب له.
وبعد: فهذا تفسير وسيط لسورة «الشورى» نسأل الله- تعالى- أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.
وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم.
стр. 5432
تفسير سورة الزّخرف
стр. 5433
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة وتمهيد
١- سورة «الزخرف» من السور المكية الخالصة، وعدد آياتها تسع وثمانون آية، وكان نزولها بعد سورة «الشورى» .
٢- وقد افتتحت سورة «الزخرف» بالثناء على القرآن الكريم، وبتسلية الرسول ﷺ عما أصابه من قومه، وببيان جانب من مظاهر قدرته- تعالى-، ومن أنواع نعمه.
قال- تعالى-: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً، وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ. وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ، فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ. وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ ...
٣- ثم انتقلت السورة إلى الحديث عن جهالات المشركين، وعن دعاواهم الكاذبة، وعن أقوالهم الفاسدة عند ما يدعون إلى الدخول في الدين الحق.
قال- تعالى-: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً، أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ، سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ. وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ، ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ........ فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ.
٤- وبعد أن ساقت السورة الكريمة جانبا من دعوة إبراهيم- ﵇ لقومه، واصلت حديثها عن موقف المشركين من دعوة الحق، وعن اعتراضهم على نبوة النبي ﷺ ثم أخذت في تفنيد هذه الاعتراضات، وفي تسلية الرسول ﷺ عما أصابه منهم، وبينت سوء عاقبتهم في الدنيا والآخرة.
قال- تعالى-: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ. أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ، نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا، وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ.
وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ..
стр. 5434
٥- ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك جانبا من قصة موسى- ﵇ وكيف أن الله- تعالى- دمر فرعون وقومه، بسبب بغيهم وإصرارهم على كفرهم.
قال- تعالى-: وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ، قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ، وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ. أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ. فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ. فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ. فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ. فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ.
٦- ثم أتبعت السورة حديثها عن جانب من قصة موسى مع فرعون وقومه، بالحديث عن موقف المشركين من عيسى- ﵇ الذي جاء قومه بالحق والحكمة، فقال- تعالى-: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ. وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا، بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ. إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ.
٧- ثم وجه- سبحانه- نداء إلى عباده المؤمنين، بشرهم فيه برضوانه وجنته، فقال- تعالى-: يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ. ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ. يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ.
٨- وكعادة القرآن الكريم في المقارنة بين عاقبة الأخيار والأشرار، أتبع القرآن حديثه عن ثواب المتقين، بالحديث عن عقاب الكافرين، فقال- تعالى-: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ. لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ. وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ. وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ.
٩- ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بتلقين النبي ﷺ الجواب الذي يخرس به ألسنة المشركين، ويسليه عن كيدهم ولجاجهم ويسلحه بالحق الذي لا يحوم حوله باطل.
قال- تعالى-: قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ. سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ. فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ.
إلى أن يقول- سبحانه-: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ. وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ. فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ.
١٠- وبعد فهذا عرض إجمالى لبعض المقاصد التي اشتملت عليها سورة «الزخرف» ،
стр. 5435
ومنه نرى أن السورة الكريمة تهتم اهتماما واضحا بالحديث عن العقبات التي وضعها المشركون في طريق الدعوة الإسلامية، وكيف أن الله- تعالى- قد أعطى نبيه ﷺ السلاح الذي يهدم به هذه العقبات كما اهتمت ببيان مظاهر قدرة الله- تعالى- ونعمه على خلقه، وببيان جانب من قصص بعض الأنبياء. كإبراهيم وموسى وعيسى- ﵈ لتسليته ﷺ عما لحقه من أذى المشركين، كما اهتمت بالمقارنة بين عاقبة الأخيار والأشرار، وبإقامة البراهين الساطعة على وحدانية الله- إلى غير ذلك من المقاصد التي لا مجال لتفصيل الحديث عنها في تلك المقدمة، وإنما سنتحدث عنها بشيء من التوضيح خلال تفسيرنا لآيات السورة الكريمة.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم.
القاهرة: مدينة نصر مساء الثلاثاء ٨ من صفر سنة ١٤٠٦ هـ ١٢/ ١٠/ ١٩٨٥ م كتبه الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى
стр. 5436
التفسير قال الله- تعالى-:
[سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ١ الى ٨]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤)
أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ (٥) وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٧) فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨)
سورة «الزخرف» من السور التي افتتحت بالحروف المقطعة، وقد سبق أن قلنا في المراد بهذه الحروف ما خلاصته: هذه الحروف التي افتتحت بها بعض السور، يغلب على الظن أنه جيء بها للتنبيه إلى إعجاز القرآن، لأنه مؤلف من كلام هو من جنس كلامهم، ومع ذلك فقد عجزوا عن أن يأتوا بسورة من مثله.. «١» .
والواو في قوله- تعالى-: وَالْكِتابِ الْمُبِينِ للقسم، والمقسم به الكتاب، وجواب القسم قوله- تعالى- بعد ذلك: إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا....
أى: وحق هذا الكتاب الواضح المرشد إلى طريق الحق والسعادة، لقد جعلنا بقدرتنا وحكمتنا هذا الكتاب قرآنا عربيا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.
أى: جعلناه كذلك لكي تفهموه وتتعقلوا معانيه، وتهتدوا إلى ما فيه من الأحكام السامية، والآداب العالية.
стр. 5437
قال صاحب الكشاف: أقسم- سبحانه- بالكتاب المبين وهو القرآن وجعل قوله:
إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا جوابا للقسم، وهو من الأيمان الحسنة البديعة، لتناسب القسم والمقسم عليه، وكونهما من واد واحد.. والْمُبِينِ أى: البين الذي أنزل بلغتهم وأساليبهم.. «١» .
فقوله- تعالى-: لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ بيان للحكمة التي من أجلها أنزل الله- تعالى- هذا القرآن بلسان عربي مبين. أى: جعلناه كذلك رجاء أن تعقلوا وتفهموا أوامره ونواهيه، وتوجيهاته وإرشاداته.
ثم بين- سبحانه- المنزلة السامية التي جعلها لهذا القرآن، والصيانة التامة التي أحاطه بها فقال: وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ.
والمراد بأم الكتاب: اللوح المحفوظ، وسمى بذلك لأن جميع الكتب السماوية منقولة عنه.
كما قال- تعالى-: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ.
وقيل: المراد بأم الكتاب: علمه الأزلى- .
أى: وإن هذا القرآن المبين لثابت، وكائن في اللوح المحفوظ، وهو لَدَيْنا أى:
عندنا لَعَلِيٌّ أى: لرفيع الشأن، عظيم القدر حَكِيمٌ أى: محكم النظم في أعلى طبقات البلاغة. فلا يضيره تكذيب المكذبين، ولا طعن الطاعنين.
فالآية الكريمة تدل دلالة واضحة على القيمة العظيمة التي جعلها- سبحانه- لهذا القرآن، في علمه- تعالى- وتقديره، كما أن وصف هذا الكتاب بقوله لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ يؤكد هذه المنزلة السامية ويقررها.
وبعد هذا البيان المشرف للقرآن الكريم، أتبع- سبحانه- ذلك بالكشف عن مدى الإسراف القبيح الذي ارتكبه المشركون حين أعرضوا عنه فقال- تعالى-: أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً، أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ.
والهمزة للاستفهام الإنكارى، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام، والضرب هنا: بمعنى التنحي والابتعاد والإهمال، تقول: ضربت عن فلان صفحا، إذا أعرضت عنه وتركته، والصفح: مصدر صفحت عنه، إذا أعرضت عنه، وذلك بأن تعطيه صفحة وجهك أى:
جانبه. وهو منصوب لنضرب من غير لفظه، كما في قولهم: قعدت جلوسا. أو على الحال من الفاعل: على المصدرية أى: صافحين.
стр. 5438
والمراد بالذكر هنا: القرآن الكريم.
والمعنى: أنعرض عنكم ونهملكم فلا نذكركم بالقرآن الكريم، ولا نرشدكم إلى هداياته.
بسبب إسرافكم على أنفسكم، ومحاربتكم للحق، وإيثاركم الغي على الرشد؟!! لا لن نفعل ذلك، بل سننزل هذا القرآن على نبينا محمد ﷺ ومن شاء بعد ذلك فليؤمن، ومن شاء فليكفر.
قال الشوكانى: قوله: أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ قرأ نافع وحمزة والكسائي بكسر إن على أنها شرطية، والجزاء محذوف لدلالة ما قبله عليه. وقرأ الباقون بفتحها على التعليل، أى: لأن كنتم قوما منهمكين في الإسراف مصرين عليه. «١» .
ثم سلى- سبحانه- نبيه ﷺ عن مكرهم فقال: وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ وكَمْ هنا خبرية لإفادة كثرة الأنبياء والمرسلين وهي مفعول مقدم لأرسلنا.
وقوله مِنْ نَبِيٍّ تمييز لها.
أى: ما أكثر الرسل الذين أرسلناهم في الأمم الأولين لهدايتهم، فكان موقف أكثر هؤلاء الأمم من رسلهم. يدل على إعراضهم عنهم، وتكذيبهم لهم، فاصبر- أيها الرسول الكريم- على أذى قومك، كما صبر الذين من قبلك.
ثم أكد- سبحانه- هذا المعنى فقال: وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أى: أن هؤلاء السابقين لم يأتهم نبي من الأنبياء لهدايتهم، إلا استهزءوا به، وسخروا منه، وأعرضوا عنه.
فماذا كانت نتيجتهم؟ كانت نتيجة استهزائهم برسلهم كما قال- تعالى-: فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ.
والضمير في قوله مِنْهُمْ يعود إلى القوم المسرفين، المخاطبين بقوله- تعالى-:
أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً ... وفي الآية التفات من الخطاب الى الغيبة، لأنه كان الظاهر أن يقال: فأهلكنا أشد منكم بطشا- أيها المشركون-.
وقوله: أَشَدَّ مِنْهُمْ مفعول به لأهلكنا. وأصله نعت لمحذوف، أى: فأهلكنا قوما أشد منهم بطشا. والبطش: السطوة والقوة. يقال: فلان بطش بفلان إذا أخذه بقوة وعنف، ومنه قوله- تعالى-: وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ.
والمراد «بمثل الأولين» صفتهم المتمثلة في استئصال شأفتهم، وقطع دابرهم.
стр. 5439
أى: هكذا كان موقف السابقين من رسلهم، لقد استهزءوا برسلهم فأهلكناهم، وكانوا أشد قوة وبطشا من قومك المسرفين- أيها الرسول الكريم- وقد اقتضت حكمتنا أن نسوق لقومك قصص هؤلاء السابقين وصفاتهم وما حل بهم من نكبات، لكي يعتبروا بهم، ولا ينهجوا نهجهم، حتى لا يصيب قومك ما أصاب أولئك السابقين المكذبين.
ومن الآيات الكثيرة التي وردت في هذا المعنى قوله- تعالى-: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ، كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ، فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ «١» .
ثم ساق- سبحانه- بعد ذلك نماذج من تناقض هؤلاء المشركين مع أنفسهم ومن مواقفهم الجحودية من نعم الله- تعالى- عليهم.. فقال- تعالى-:
[سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٩ الى ١٤]
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ (١١) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣)
وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)
واللام في قوله- تعالى-: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ للقسم.
وجوابه قوله- تعالى- بعد ذلك: لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ....
стр. 5440
والمعنى: وحق الله الذي لا إله إلا هو، لئن سألت- أيها الرسول الكريم- هؤلاء المشركين عمن خلق هذا الكون، ليقولن بدون تردد: الله- تعالى- المتصف في نفس الأمر بالعزة والعلم.
فالآية الكريمة تدل دلالة صريحة على أن هؤلاء المشركين يعترفون بأن الله هو الخالق لهذا العالم، وأن معبوداتهم بعض خلقه- تعالى- ولكنهم لجهلهم وانطماس بصائرهم أشركوها معه في العبادة، وقالوا: ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى ...
ويبدو أن هاتين الصفتين: الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ليستا من أقوالهم. فهم كانوا يعترفون بأن الله هو الخالق لهذا الكون، ولكنهم لم يكونوا يعرفون الله بصفاته التي جاء بها القرآن الكريم.
ولذا قال بعض العلماء: الذي يظهر أن هذا الكلام مجزأ، فبعضه من قولهم وبعضه من قول الله- تعالى-، فالذي هو من قولهم خَلَقَهُنَّ، وما بعده من قول الله- ، وأصل الكلام أنهم قالوا: خلقهن الله، ويدل عليه قوله- تعالى- في آية أخرى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ.
ثم لما قالوا: خلقهن الله وصف الله- تعالى- ذاته بهاتين الصفتين «١» .
ثم وصف- سبحانه- ذاته بصفات أخرى فقال: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً....
المهد والمهاد: الفراش الممهد المذلل الذي يستقر عليه من جلس فوقه.
أى: الخالق لهذا العالم هو الله العزيز العليم، الذي جعل لكم الأرض كالفراش الممهد، حيث بسطها لكم، وجعلها صالحة لسيركم عليها، ولإنبات الزروع فيها.
وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا أى: وجعل لكم فيها طرقا متعددة، لكي تسلكوها، فتصلوا من بلد إلى آخر، ومن قطر إلى قطر، كما قال- تعالى- في آية أخرى وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً، لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجاً.
وقوله- تعالى-: لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ بيان للحكمة من جعل الأرض كذلك، أى:
جعلها ممهدة كثيرة الطرق، لعلكم تهتدون إلى ما تريدون الوصول إليه من البلاد، ومن المنافع المتعددة.
ثم وصف- سبحانه- ذاته بصفة ثانية فقال: وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ ...
أى: وهو- تعالى- الذي أنزل من السماء ماء بمقدار معين على قدر حاجتكم ومصلحتكم،
стр. 5441
فلا هو بالكثير الذي يغرقكم، ولا هو بالقليل الذي لا يكفى حاجتكم، بل نزله بقدر كفايتكم، كما قال- سبحانه-: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ، فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ.
وكقوله- تعالى- في آية ثانية: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ، وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ....
وقوله- سبحانه-: فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً بيان للآثار المترتبة على هذا الإنزال للماء.
أى: نحن الذين بقدرتنا أنزلنا من السماء ماء على قدر حاجتكم، وحسبما تقتضيه مصلحتكم، فأحيينا بهذا الماء بلدة مجدبة، لا نبات فيها ولا زرع.
فالمراد بالنشور: الإحياء للأرض عن طريق إنبات الزرع بها، بعد أن كانت مجدبة.
وقوله: كَذلِكَ تُخْرَجُونَ بيان لإمكانية إحياء الناس بعد موتهم.
أى: مثل ذلك الإحياء للأرض بعد موتها، تخرجون أنتم من قبوركم أحياء يوم القيامة.
قال الآلوسى: وفي التعبير عن إخراج النبات بالإنشار الذي هو إحياء الموتى، وعن إحيائهم بالإخراج، تفخيم الإنبات، وتهوين لأمر البعث، وفي ذلك من الرد على منكريه ما فيه.. «١» .
وشبيه بهذه الآية قوله: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ، فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ، كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ «٢» .
ثم وصف- سبحانه- ذاته بصفة ثالثة فقال: وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها أى:
خلق أصناف وأنواع المخلوقات كلها. فالمراد بالأزواج هنا: الأصناف المختلفة من الذكر والأنثى. ومن غير ذلك من أنواع مخلوقاته التي لا تحصى.
قال- سبحانه- سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ.
وقوله- تعالى-: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ أى: وسخر لكم بقدرته ورحمته من السفن التي تستعملونها في البحر، ومن الإبل التي تستعملونها في البر،
стр. 5442
ما تركبونه وتحملون عليه أثقالكم، وتنتقلون بواسطته من مكان إلى آخر.
فما في قوله ما تَرْكَبُونَ موصولة، والعائد محذوف والجملة مفعول جَعَلَ وقوله: مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ بيان له مقدم عليه. أى: وجعل لكم ما تركبونه من الفلك والأنعام.
ثم بين- سبحانه- الحكمة من هذا التذليل والتسخير للفلك والأنعام فقال: لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ.. والضمير في ظُهُورِهِ يعود إلى ما في قوله ما تَرْكَبُونَ وجاء مفردا رعاية للفظ ما وجمع الظهور لأن المراد بالمركوب جنسه.
والاستواء: الاستعلاء على الشيء، والتمكن منه، أى: سخر لكم من السفن والأنعام ما تركبونه، ولتستعلوا على ظهوره استعلاء المالك على مملوكه.
ثُمَّ تَذْكُرُوا بعد كل هذا التمكن والاستعلاء نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ أى:
على تلك السفن والأنعام التي تركبونها.
والضمير في عَلَيْهِ يعود- أيضا- الى ما في قوله ما تَرْكَبُونَ باعتبار لفظه وَتَقُولُوا على سبيل الشكر لله- تعالى- والاعتراف بفضله سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا.
أى: وتقولوا: جل شأن الله، وتنزه عن الشريك والمثيل، فهو الذي سخر لنا هذا المركوب من الفلك والأنعام، وجعله منقادا لنا، طائعا لأمرنا.
وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ أى: والحال أننا ما كنا لهذا المركوب الصعب بقادرين على التمكن منه، لولا أن الله- تعالى- سخره لنا، وجعله منقادا لأمرنا.
فقوله: مُقْرِنِينَ أى: مطيقين وقادرين وضابطين، من أقرن الشيء، إذا أطاقه وقدر عليه، حتى لكأنه صار له قرنا، أى: مثله في الشدة والقوة.
والمقصود: ما كنا بقادرين أو بمطيقين لتذليل هذه السفن والأنعام، لولا أن الله- تعالى- قد جعلها منقادة لنا، ومسخرة لخدمتنا.
ولا يخفى أن الجمل أقوى من الإنسان، وأن البحر لو لم يذلله- سبحانه- لنا، لما قدرت السفن على الجري فيه.
قال القرطبي: قوله: وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ أى: مطيقين.. أو ضابطين وفي أصله قولان: أحدهما: أنه مأخوذ من الإقران، يقال: أقرن يقرن إقرانا إذا أطاق. وأقرنت كذا: أطقته وحكمته، كأنه جعله في قرن- أى: حبل- فأوثقه به وشده.
стр. 5443
والثاني: أنه مأخوذ من المقارنة، وهو أن يقرن بعضها ببعض في السير يقال: قرنت كذا بكذا إذا ربطته به، وجعلته قرينه «١» .
وقوله: وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ من جملة ما يقولونه- أيضا- عند استوائهم على ظهور السفن والإبل.
أى: تقولون إذا استويتم عليه: سبحان الذي سخر لنا هذا المركب الصعب، وما كنا بقادرين على تذليله لولا أن الله- تعالى- وفقنا لذلك، وإنا إلى ربنا وخالقنا لراجعون يوم القيامة، لكي يحاسبنا على أعمالنا، ويجازينا عليها بجزائه العادل.
هذا، وقد ذكر الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات، جملة من الأحاديث، منها ما رواه مسلم وأبو داود والنسائي.. عن عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ كان إذا ركب راحلته كبر ثلاثا ثم قال: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا، وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ. وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ. ثم يقول: اللهم إنى أسألك في سفري هذا البر والتقوى. ومن العمل ما ترضى اللهم هون علينا السفر. واطولنا البعيد. اللهم أنت الصاحب في السفر. والخليفة في الأهل.
اللهم اصحبنا في سفرنا. وأخلفنا في أهلنا. «٢» .
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ذكرت أنواعا متعددة من مظاهر قدرة الله- تعالى-، ومن رحمته بعباده، لكي يخلصوا له العبادة والطاعة.
ثم حكى- سبحانه- ما افتراه المشركون على خالقهم ورازقهم من أكاذيب ورد عليها بما يزهق باطلهم، فقال- تعالى-:
[سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ١٥ الى ٢٥]
وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨) وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ (١٩)
وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (٢٠) أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٢٤)
فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥)
стр. 5444
والمراد بالجعل في قوله- تعالى-: وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً ... الاعتقاد الباطل، والحكم الفاسد. والمراد بالجزء الولد. والمقصود به خصوص البنات، كما يدل عليه سياق الآيات.
قال الآلوسى ما ملخصه: قوله: وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً.. متصل بقوله- تعالى- قبل ذلك: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ... والمراد بيان تناقضهم مع أنفسهم ... حيث اعترفوا بأنه- تعالى- خالق السموات والأرض، ثم وصفوه بصفات المخلوقين..
وعبر عن الولد بالجزء، لأنه بضعة- وفرع- من والده، كما قيل: أولادنا أكبادنا..
وقيل الجزء: اسم للإناث، يقال: أجزأت المرأة إذا ولدت أنثى.. «١» .
أى: أن هؤلاء المشركين بلغ من تناقضهم في أقوالهم وأفعالهم، أنهم إذا سألهم سائل عن
стр. 5445
خالق هذا الكون قالوا: الله. ومع ذلك فهم لجهالتهم اعتقدوا اعتقادا باطلا بأن الملائكة بناته، مع أن الملائكة من مخلوقاته التي يشملها هذا الكون.
فالمقصود من الآية الكريمة تجهيل هؤلاء المشركين، وتعجيب كل عاقل من سفاهتهم.
والظاهر أن المراد بالإنسان في قوله- تعالى-: إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ الكافر والفاسق من بنى آدم، لأن الإنسان المؤمن لا يجحد نعم الله، وإنما يشكره- تعالى- عليها.
أى: إن الإنسان الكافر والفاسق عن أمر ربه، لشديد الجحود لنعم ربه، مظهرا ذلك في أقواله وفي أفعاله.
ثم ساق- سبحانه- ما يدل على السخرية منهم ومن أحوالهم الشاذة فقال: أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ فالاستفهام للتوبيخ والإنكار.
وأَصْفاكُمْ أى: آثركم واختصكم. يقال: أصفى فلان فلانا بالشيء، إذا اختصه به. ومنه قولهم لما يختص السلطان به نفسه من الأشياء النفيسة: الصوافي.
أى: لقد زعمتم أن الملائكة بنات الله، فخبروني بربكم هل يعقل أن يتخذ الله- تعالى- أولاده من البنات اللائي هن أقل منزلة من البنين في تقديركم، ويترك لكم الذكور؟ إن من شأن الذي يختار جنس الأولاد أن يختار أعلاهم منزلة فبأى منطق زعمتم أن الملائكة بنات الله.
قال صاحب الكشاف: قوله: أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ ... أى: بل آتخذ والهمزة للإنكار، تجهيلا لهم، وتعجيبا من شأنهم، حيث لم يرضوا بأن جعلوا لله من عباده جزءا حتى جعلوا ذلك الجزء شر الجزءين. وهو الإناث دون الذكور..
فكأنه قيل: هبوا أن إضافة اتخاذ الولد إليه- تعالى- جائزة فرضا وتمثيلا أما تستحون من الشطط في القسمة، ومن ادعائكم أنه آثركم على نفسه بخير الجزءين..؟ «١» .
ثم أكد- سبحانه- جهلهم وغفلتهم عن المنطق السليم فقال: وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ...
أى: أنهم قالوا الملائكة بنات الله، والحال أن الواحد منهم إذا بشره مبشر بأن امرأته قد ولدت له أنثى، صار وجهه مسودا من شدة الحزن، وظل ممتلئا بالهم والكرب.
فالمراد بقوله: بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا جنس البنات حيث قالوا: الملائكة بنات الله.
قال الجمل: قوله: وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ ... استئناف مقرر لما قبله. وقيل حال، على
стр. 5446
معنى أنهم نسبوا إليه ما ذكر، ومن حالهم أن أحدهم إذا بشر به اغتم، والالتفات إلى الغيبة للإيذان بأن قبائحهم اقتضت الإعراض عنهم، وتحكى لغيرهم ليتعجب منها. وبِما في قوله بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا موصولة ومعناها البنات وضرب بمعنى جعل، والمفعول الأول الذي هو عائد الموصول محذوف. أى: ضربه، ومثلا هو المفعول الثاني، والمثل بمعنى الشبه أى المشابه «١» .
ثم أضاف- سبحانه- إلى تبكيتهم السابق تبكيتا آخر فقال: أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ.
والاستفهام للإنكار. وكلمة مَنْ عبارة عن جنس الإناث، وهي في محل نصب بمضمر معطوف على جَعَلُوا ويُنَشَّؤُا يربى وينشأ. يقال: نشأ فلان في بنى فلان، إذا شب وترعرع فيهم والْحِلْيَةِ: اسم لما يتحلى ويتزين به.
أى: أيجترئون ويجعلون لله- تعالى- الإناث، اللائي من شأنهن أن ينشأن في الزينة، لأن هذه الحياة هي المناسبة لهن ولتكوينهن الجسدى، واللائي من شأن معظمهن أنهن لا يقدرن على الدفاع عن أنفسهن لضعفهن وقصورهن في الجدال وفي بيان الحجة التي ترد الخصم، وتزيل الشبهة..
فالمقصود من الآية الكريمة تأنيب هؤلاء المشركين على جهلهم وسوء أدبهم، حيث إنهم نسبوا إلى الله- تعالى- الإناث اللائي من شأنهن النشأة في الحلية والدعة والنعومة، فصرن بمقتضى هذه النشأة، وبمقتضى تكوينهن البدني والعقلي، لا يقدرن على جدال أو قتال.. بينما نسبوا إلى أنفسهم الذكور الذين هم قوامون على النساء.
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى. تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى. ثم توعدهم- سبحانه- بسوء المصير بسبب افترائهم الكذب فقال: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً، أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ.. والجعل هنا بمعنى القول والحكم على الشيء، كما تقول جعلت زيدا أفضل الناس، أى حكمت عليه بذلك.
أى: أن هؤلاء المشركين زعموا وحكموا بأن الملائكة الذين هم عباد الرحمن، وصفوة خلقه، وأهل طاعته، زعموا أنهم إناث، فهل كانوا حاضرين وقت أن خلقناهم حتى حكموا عليهم بهذا الحكم الباطل؟
كلا إنهم لم يكونوا حاضرين، ولذا سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ في صحائف أعمالهم المليئة بالسيئات وَيُسْئَلُونَ عنها سؤال تأنيب وتوبيخ يوم القيامة.
стр. 5447
فالمراد بالكتابة والسؤال: معاقبتهم على افترائهم الكذب. وتجهيلهم فيما قالوه، ثم حكى- سبحانه- لونا من ألوان معاذيرهم الكاذبة فقال: وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ.
أى: وقال هؤلاء المشركون على سبيل الاحتجاج بالأعذار الباطلة: لو شاء الرحمن عدم عبادتنا للملائكة أو للأصنام ما عبدناهم.
ثم يرد الله- تعالى- عليهم بما يخرس ألسنتهم، ويهدم معاذيرهم فقال: ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ.
أى. قالوا ما قالوه من غير علم أو برهان.. لأن مشيئة الله لا يعلمها أحد سواه، ولأنه- سبحانه- قد اقتضت حكمته ومشيئته. أن يجعل للإنسان القدرة على اختيار طريق الحق أو طريق الباطل، وهم قد اختاروا طريق الباطل، واستحبوا الكفر على الإيمان دون أن يكرههم على ذلك مكره، فما قالوه ما هو إلا نوع من أنواع خرصهم وكذبهم وظنونهم الفاسدة.
وقد فصلنا القول في مسألة المشيئة عند تفسيرنا لقوله- تعالى- في سورة الأنعام:
سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا....
وعند تفسيرنا لقوله- تعالى- في سورة النحل: وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا.. «١» .
وقوله- تعالى-: أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ إضراب عن نفى أن يكون لهم فيما ادعوه علم عن طريق العقل، إلى إبطال أن يكون لهم علم من جهة النقل.
وأَمْ بمعنى بل والهمزة. والاستفهام للإنكار والتوبيخ، أى: بل أأعطيناهم كتابا من قبل القرآن، فيه ما يشهد بصحة أقوالهم فهم بهذا الكتاب مستمسكون؟ كلا إننا لم نعطهم شيئا من ذلك.
ثم بين- سبحانه- مستندهم الحقيقي فقال: بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ.
أى: أنهم ليس لهم في الحقيقة مستند لا من العقل ولا من النقل، وإنما مستندهم الوحيد تقليدهم لآبائهم في جهالاتهم وسفاهاتهم وكفرهم. فقد قالوا عند ما دعاهم الرسول ﷺ الى الدين الحق: إنا وجدنا آباءنا على أمة، أى على دين وطريقة تؤم وتقصد، وهي عبادة هذه الآلهة وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ وطريقتهم مُهْتَدُونَ أى: سائرون بدون تفكر أو تدبر، أو
стр. 5448
حجة أو دليل، فهم أشبه ما يكونون بقطيع الأنعام الذي يسير خلف قائده دون أن يعرف إلى أى طريق يسير..
وقوله- سبحانه-: وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها، إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ، وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ تسلية للرسول ﷺ عما أصابه منهم من أذى، ومن قول باطل.
والكاف بمعنى مثل. واسم الإشارة ذلك يعود إلى حال الكافرين من قبلهم.
أى: لا تحزن- أيها الرسول الكريم- لما تراه من إعراض المشركين عن دعوتك. فإن شأنهم كشأن سابقيهم في الكفر والضلال، فإننا ما أرسلنا من قبلك من رسول في قرية من القرى، أو في قوم من الأقوام، إلا قال المنعمون منهم، والذين أبطرهم الترف لمن جاءهم بالحق: إنا وجدنا آباءنا على دين وطريقة تؤم وتقصد، وإنا على آثارهم، وعلى نهجهم، مقتدون. أى: مقتدون بهم في عبادتهم وأفعالهم.
وخص المترفين بالذكر، لأنهم القادة الذين صرفهم التنعم وحب الجاه والسلطان، عن النظر والتدبر والاستماع للحق، وجعلهم يستحبون العمى على الهدى.
وهنا يحكى القرآن رد الرسول ﷺ فيقول: قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ..
أى: قال الرسول ﷺ لقومه الذين أصروا على تقليد آبائهم في الكفر والضلال:
أتتبعون آباءكم وتقتدون بهم في الكفر، حتى ولو جئتكم بدين أهدى وأصوب مما كان عليه آباؤكم؟
وقوله: - تعالى-: قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ ... قراءة ابن عامر وحفص عن عاصم.
وقرأ الجمهور قل أولو جئتكم ... على أن الأمر للرسول ﷺ .
وقوله- تعالى-: قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ أى: قال المترفون في الرد على رسلهم: إنا بما أرسلتم به من الهدى والدعوة إلى الدين الحق كافرون، وباقون على الدين الذي كان عليه آباؤنا.
وقوله- سبحانه-: فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ بيان للعاقبة السيئة التي حاقت بهم بسبب إصرارهم على كفرهم وتقليدهم لآبائهم.
أى: قالوا للرسل هذا القول الذي يدل على إيثارهم الغي على الرشد، فانتقمنا منهم.
بأن أخذناهم أخذ عزيز مقتدر، فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة. ومنهم
стр. 5449
من خسفنا به الأرض، ومنهم من أغرقنا.
فَانْظُرْ- أيها العاقل- وتأمل كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ لقد كانت عاقبتهم أن دمرناهم تدميرا.
هذا، والمتأمل في هذه الآيات الكريمة، يراها من أجمع الآيات القرآنية التي حكت الأقوال الباطلة التي تفوه بها المشركون، وردت عليهم ردا منطقيا حكيما يهدمها من قواعدها.
لقد ذكرت- أولا- أنهم جعلوا لله- تعالى- من عباده جزءا ... ثم ردت عليهم بأنهم جاحدون لنعم الله، وأنهم لو كانوا يعقلون لما حكموا هذا الحكم الذي يدل على جهلهم وغفلتهم، لأنه لو كان الأمر كما ذكروا- على سبيل الفرض والتقدير- لما اختار- سبحانه- لذاته جنس البنات، وأعطاهم البنين..
ثم ذكرت- ثانيا- حالهم عند ما يبشرون بالأنثى، وتهكمت بهم حين نسبوا إلى الله مَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ والمقصود بذلك جنس البنات، ثم ذكرت- ثالثا- أنهم حكموا على الملائكة بأنهم إناث، وردت عليهم بأن حكمهم هذا ساقط، لأنهم لم يشهدوا خلقهم حتى يحكموا عليهم هذا الحكم الفاسد، وأنهم سيجازون على أحكامهم التي لا دليل عليها، بما يستحقون من عقاب.
ثم ذكرت- رابعا- معاذيرهم التي اعتذروا بها عند ما حاصرتهم الحجج الدامغة، فقد قالوا: لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ فرد- سبحانه- عليهم بقوله: ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ، لأن قولهم هذا ما هو إلا لون من ألوان الاحتيال على الحقيقة بالأقوال الساقطة.
ثم ذكرت- خامسا- أنهم في إصرارهم على كفرهم لم يستندوا إلى دليل عقلي أو نقلي، وإنما استندوا على شيء واحد هو التقليد لآبائهم في جهلهم وضلالهم..
وهكذا ذكر القرآن أقوالهم وشبهاتهم.. ثم رد عليها بما يدحضها..
وبعد هذا البيان الماحق لشبهات المشركين ولأقوالهم الباطلة.. أتبع- سبحانه- ذلك بذكر جانب من قصة إبراهيم- ﵇ مع قومه، وبذكر جانب من اعتراضاتهم على الرسول ﷺ وعلى دعوته، ورد عليها بما يخرس ألسنتهم فقال- تعالى-:
[سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٢٦ الى ٣٥]
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨) بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩) وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ (٣٠)
وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢) وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ (٣٤) وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)
стр. 5450
أى: واذكر- أيها الرسول الكريم- لقومك حال جدك إبراهيم- ﵇ وقت أن قال لأبيه آزر، ولقومه الذين كانوا عاكفين على عبادة الأصنام، مقلدين في ذلك آباءهم..
قال لهم: إننى برىء مما تعبدونه من هذه الأوثان.
وذكرهم- سبحانه- هنا بحال إبراهيم، لأنه كان أعظم آبائهم، ومحط فخرهم، والمجمع على محبته منهم.
فكأنه- تعالى- يقول لهم: هذا هو حال جدكم إبراهيم الذي تعتزون به فلماذا لم تقلدوه في إنكاره لعبادة الأصنام، وفي هجره لما كان عليه أبوه وقومه، وإخلاصه العبادة لله- تعالى- وحده.
стр. 5451
وقوله: بَراءٌ مصدر وقع موقع الصفة وهي برىء، على سبيل المبالغة في التبري من عبادتهم لغير الله- تعالى- يقال: تبرأت من فلان، فأنا منه براء.
أى: كرهت قوله وفعله والقرب منه.
والاستثناء في قوله: إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ منقطع، أى: أنا برىء من عبادة أصنامكم، لكني أعبد الذي خلقني وفطرني بقدرته، فإنه هو الذي سيهدين إلى الصراط المستقيم.
ويصح أن يكون متصلا بناء على أنهم كانوا يعبدون الله- تعالى- ويشركون معه في هذه العبادة أصنامهم.
أى: إننى برىء من عبادة أصنامكم، إلا أنى لا أعبد إلا الله- تعالى- الذي فطرني.
أى: خلقني بقدرته على غير مثال سابق.
وقال هنا سَيَهْدِينِ وقال في آية أخرى: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ، للدلالة على ثقة إبراهيم- ﵇ بفضل ربه- تعالى- عليه، وأنه يهديه في الحال وفي الاستقبال، وأن هذه الهداية مصاحبة له في كل وقت من أوقات حياته.
ومن الآيات الكثيرة التي تشبه هاتين الآيتين قوله- تعالى- حكاية عن نبيه إبراهيم:
فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ، فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ... «١» .
وقوله- سبحانه-: قالَ أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ. أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ. فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ. الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ. «٢» .
والضمير المنصوب في قوله- تعالى- بعد ذلك: وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ ...
يعود إلى كلمة التوحيد، المشتملة على البراءة من كل عبادة لغير الله- تعالى-، والمعبر عنها قبل ذلك بقوله- تعالى-: إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ.
وضمير الفاعل المستتر في قوله- سبحانه-: وَجَعَلَها ... يعود إلى الله- تعالى-.
أى: وجعل الله- تعالى- بفضله وكرمه، كلمة التوحيد، باقية في عقب ابراهيم، وفي
стр. 5452
ذريته من بعده، بأن جعل من ذريته الأنبياء والصالحين الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا.
ويؤيد هذا المعنى قوله- تعالى- في سورة الصافات: سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ، كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ. وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ. وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ، وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ ...
ويصح أن يكون ضمير الفاعل يعود إلى إبراهيم- ﵇، على معنى أنه أوصى ذريته من بعده بعبادة الله- تعالى- وحده، وأنه دعا ربه أن يجعل في ذريته من يعبده وحده.
فيكون المعنى: وجعل ابراهيم هذه الكلمة وهي كلمة التوحيد باقية في ذريته حيث أوصاهم بعبادة الله وحده.
ويشهد لذلك قوله- تعالى-: وَوَصَّى بِها- أى بكلمة التوحيد- إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ... «١» .
ثم بين- سبحانه- الحكمة في ذلك الجعل فقال: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أى: جعلها كذلك رجاء أن يرجع إلى كلمة التوحيد من أشرك من ذرية ابراهيم، ببركة دعائه لهم بالإيمان ودعاء من آمن منهم.
فلقد حكى القرآن عن إبراهيم أن دعا الله- تعالى- بقوله: رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ... وبقوله: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ.
وقوله- سبحانه-: بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ إضراب عن كلام محذوف ينساق إليه الكلام، والمراد «بهؤلاء» أهل مكة المعاصرين للنبي ﷺ وقوله: مَتَّعْتُ من التمتع بمعنى إعطائهم ما يشتهون من المطاعم والمشارب والنعم المتعددة، واشتغالهم بذلك عن طاعة الله- تعالى- وشكره.
والمعنى: اقتضت حكمتنا أن نجعل كلمة التوحيد باقية في بعض ذرية إبراهيم لعل من بقي من هذه الذرية على الشرك أن يرجع إليها، ولكنهم لم يرجعوا بل أصروا على كفرهم، فلم أعاجلهم بالعقوبة، بل متعت هؤلاء المشركين المعاصرين لك- أيها الرسول الكريم- بأن أمددتهم بالنعم المتعددة هم وآباءهم، وبقيت تلك النعم فيهم: حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وهو دعوتك إياهم إلى إخلاص العبادة لنا، وجاءهم رَسُولٌ مُبِينٌ هو أنت- أيها الرسول الكريم- فإن رسالتك واضحة المعالم، بينة المقاصد، ليس فيها شيء من الغموض الذي يحملهم على الإعراض عنها.
стр. 5453
فالمقصود من الآية الكريمة، بيان أن الكلمة الباقية في عقب إبراهيم وهي كلمة التوحيد، لم يتبعها جميع أفراد ذريته، بل اتبعها قوم وكفر بها آخرون وأن هؤلاء الكافرين- وعلى رأسهم كفار قريش- لم يعاجلهم الله- تعالى- بالعقوبة، بل أعطاهم نعما متعددة، فلم يشكروه- تعالى- عليها، واستمروا على ذلك، حتى جاءهم الحق، فلم يؤمنوا به، ولا بمن حمله إليهم وهو الرسول المبين ﷺ .
ومن الآيات التي تدل على أن ذرية إبراهيم كان منها المؤمن، وكان منها الكافر. قوله- تعالى-: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ، وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ، فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ «١» .
ثم بين- سبحانه- موقفهم من الحق الذي جاءهم به الرسول ﷺ فقال: وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ.
أى: وحين جاءهم الرسول ﷺ بالحق من عند ربهم، لكي يخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.. قالوا- على سبيل الجحود والعناد-: هذا الذي جئتنا به نوع من السحر، وإنا به كافرون مكذبون.
والتعبير بقوله: جاءَهُمُ يشعر بأن الحق قد وصل إليهم دون أن يتعبوا أنفسهم في البحث عنه، ومع ذلك فقد استقبلوه بالجحود والإنكار.
ثم حكى- سبحانه- لونا آخر من ألوان حسدهم وعنادهم فقال: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ.
والمراد بالقريتين مكة أو الطائف. ومقصودهما إحداهما، كالوليد بن المغيرة من مكة، وكعروة بن مسعود من الطائف..
ويعنون بالعظم: كثرة المال، والرئاسة في قومه.
أى: وقال هؤلاء المشركون- على سبل العناد والحسد-: هلا أنزل هذا القرآن، الذي يقرؤه علينا محمد ﷺ على رجل عظيم في ماله وسلطانه، ويكون من إحدى هاتين القريتين، وهما مكة أو الطائف.
فهم لجهلهم وانطماس بصائرهم، استكثروا أن ينزل هذا القرآن على محمد ﷺ الذي وإن كان في القمة من الشرف والسمو بين قومه إلا أنه لم يكن أكثرهم مالا وسلطانا، وهم يريدون أن تكون النبوة في زعيم من زعمائهم، أو رئيس من رؤسائهم.
стр. 5454
وهذا منهم- كما يقول الآلوسى- لجهلهم بأن رتبة الرسالة، إنما تستدعى عظيم النفس، بالتخلي عن الرذائل الدنية، والتحلي بالكمالات والفضائل القدسية، دون التزخرف بالزخارف الدنيوية «١» .
وقد وبخهم الله- تعالى- على جهلهم هذا بقوله: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ..
فالاستفهام للإنكار والتهكم بهم، والتعجب من تفكيرهم.
والمراد بالرحمة: ما يشمل النبوة، وما أنزله على نبيه ﷺ من وحى، وما منحه إياه من خلق كريم، وخير عميم.
أى: كيف بلغ الجهل والغباء بهؤلاء المشركين إلى هذه الدرجة؟ إنهم ليس بيدهم ولا بيد غيرهم عطاء ربك، وليس عندهم مفاتيح الرسالة ليضعوها حيث شاءوا، وليختاروا لها من أرادوا. ومادام الأمر كذلك فكيف يعترضون على نزول القرآن عليك- أيها الرسول الكريم-؟.
ثم بين- سبحانه- مظاهر قدرته في خلقه فقال: نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ... أى: نحن قسمنا بينهم أرزاقهم في هذه الدنيا، ولم نترك تقسيمها لأحد منهم، ونحن الذين- بحكمتنا- تولينا تدبير أسبابها ولم نكلها إليهم لعلمنا بعجزهم وقصورهم.
ونحن الذين رفعنا بعضهم فوق بعض درجات في الدنيا، فهذا غنى وذاك فقير، وهذا مخدوم، وذاك خادم، وهذا قوى، وذاك ضعيف.
ثم ذكر- سبحانه- الحكمة من هذا التفاوت في الأرزاق فقال: لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا.
أى: فعلنا ذلك ليستخدم بعضهم بعضا في حوائجهم، ويعاون بعضهم بعضا في مصالحهم، وبذلك تنتظم الحياة، وينهض العمران. ويعم الخير بين الناس، ويصل كل واحد إلى مطلوبه على حسب ما قدر الله- تعالى- له من رزق واستعداد..
ولو أنا تركنا أمر تقسيم الأرزاق إليهم لتهارجوا وتقاتلوا، وعم الخراب في الأرض، لأن كل واحد منهم يريد أن يأخذ ما ليس من حقه، لأن الحرص والطمع من طبيعته.
وإذا كان هذا هو حالهم بالنسبة لأمور دنياهم فكيف أباحوا لأنفسهم التحكم في منصب النبوة، وهو بلا شك أعلى شأنا، وأبعد شأوا من أمور الدنيا.
وقوله سُخْرِيًّا بضم السين- من التسخير، بمعنى تسخير بعضهم لبعض وخدمة
стр. 5455
بعضهم لبعض، وعمل بعضهم لبعض، فالغنى- مثلا- يقدم المال لغيره، نظير ما يقدمه له ذلك الغير من عمل معين..
وبذلك تنتظم أمور الحياة، وتسير في طريقها الذي رسمه- سبحانه- لها.
قال الجمل ما ملخصه: قوله: لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا أى: ليستخدم بعضهم بعضا، فيسخر الأغنياء بأموالهم، الأجراء الفقراء بالعمل، فيكون بعضهم سببا لمعاش بعض، هذا بماله، وهذا بأعماله، فيلتئم قوام العالم، لأن الأرزاق لو تساوت لتعطلت المعايش، فلم يقدر أحد منهم أن ينفك عما جعلناه إليه من هذا الأمر الدنىء، فكيف يطمعون في الاعتراض في أمر النبوة، أيتصور عاقل أن نتولى قسم الناقص، ونكل العالي إلى غيرنا..؟ «١» .
هذا، والمتأمل في هذه الآية الكريمة يراها تقرر سنة من سنن الله- تعالى- التي لا تغيير لها ولا تبديل، والتي تؤيدها المشاهدة في كل زمان ومكان، فحتى الدول التي تدعى المساواة في كل شيء.. ترى سمة التفاوت في الأرزاق وفي غيرها واضحة جلية، وصدق الله في قوله:
وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ.
ومن الآيات التي تشبه هذه الآية قوله- تعالى-: وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ ... «٢» .
وقوله- سبحانه-: انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ، وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ، وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا «٣» .
ثم ختم- سبحانه- هذا التهوين لحطام الدنيا فقال: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً، لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ، وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ.
ولَوْلا حرف امتناع لامتناع. والكلام على حذف مضاف. والمراد بالأمة الواحدة:
أمة الكفر. والمعارج جمع معرج وهي المصاعد التي يصعد عليها إلى أعلى.
أى: ولولا كراهة أن يكون الناس جميعا أمة واحدة مجتمعة على الكفر حين يشاهدون سعة الرزق، ورفاهية العيش، ظاهرة بين الكافرين..
لولا كراهية ذلك. لجعلنا بمشيئتنا وقدرتنا، لمن يكفر بالرحمن، الشيء الكثير من حطام الدنيا، بأن نجعل لبيوتهم سقفا من فضة، ولجعلنا لهم مصاعد فخمة عليها يرقون إلى أعلى مساكنهم.
стр. 5456
ولجعلنا- أيضا- لبيوتهم أبوابا جميلة، وسررا ثمينة عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ أى: على السرر يتكئون وهم جالسون فوقها.
وَزُخْرُفاً أى: ولجعلنا لهم زخرفا، ليستعملوه في أسقف منازلهم، وفي أبواب بيوتهم، وفي غير ذلك من شئون حياتهم.
والزخرف: يطلق على الشيء الذي يتزين به. فيشمل الذهب والفضة، وغيرهما مما يستعمله الناس في تزيين بيوتهم.
وقوله: وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا، وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ أى:
وما كل ما ذكرناه من البيوت الموصوفة بما ذكرناه من الصفات السابقة، إلا شيء يتمتع به المتمتعون في الحياة، التي أمرها إلى زوال واضمحلال..
أما الآخرة التي زينتها باقية لا تنتهي ولا تنقطع، فهي عند ربك خاصة بالمؤمنين الصادقين، الذين آثروا النعيم الباقي على النعيم الفاني، فقدموا في دنياهم العمل الصالح، الذي ينفعهم في أخراهم.
وبعد هذا الحديث الجامع عن هوان شأن الدنيا عند الله- تعالى-، أتبع- سبحانه- ذلك ببيان حال الذين يعرضون عن ذكر الله- تعالى-، وأنهم يوم القيامة لن ينفعهم ندمهم أو تحسرهم، وسلى النبي ﷺ عما أصابه منهم. فقال- تعالى-:
[سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٣٦ الى ٤٥]
وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩) أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٠)
فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ (٤٤) وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)
стр. 5457
وقوله- سبحانه-: يَعْشُ أى: يعرض. يقال عشا فلان يعشو، كدعا يدعو، وعشى يعشى، كرضى يرضى، إذا ضعف بصره، ومنه قولهم: ناقة عشواء، إذا كانت لا تبصر إلا شيئا قليلا، والمراد هنا: عمى البصيرة وضعف إدراكها للخير. ومنه قولهم: ركب فلان العشواء، إذا خبط أمره على غير هدى أو بصيرة.
والمعنى: ومن يتعام عن ذكر الرحمن، ويعرض عن قرآنه، ويتجاهل هدى الرسول ﷺ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً أى، نهيئ ونسبب له شيطانا رجيما يستولى عليه، ويستحوذ على قلبه وعقله.
فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ أى: فذلك الشيطان يكون ملازما ومصاحبا لهذا الإنسان الذي أعرض عن القرآن، ملازمة القرين لقرينه، والشيء لظله.
ومن الآيات التي تشبه هذه الآية قوله- تعالى-: وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ، وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ «١» .
ثم بين- سبحانه- الآثار التي تترتب على مقارنة الشيطان للإنسان فقال: وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ.
والضمير في وَإِنَّهُمْ يعود إلى الشيطان باعتبار جنسه، وفي قوله- تعالى- لَيَصُدُّونَهُمْ يعود إلى وَمَنْ في قوله وَمَنْ يَعْشُ ... باعتبار معناها.
أى: ومن يعرض عن طاعة الله، نهيئ له شيطانا، فيكون ملازما له ملازمة تامة، وإن هؤلاء الشياطين وظيفتهم أنهم يصدون هؤلاء الفاسقين عن ذكر الله- تعالى-، وعن سبيله الحق وصراطه المستقيم.
стр. 5458
وَيَحْسَبُونَ أى: هؤلاء الكافرون أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ إلى السبيل الحق. فالضمائر في قوله وَيَحْسَبُونَ وما بعده يعود إلى الكافرين.
ويصح أن يكون الضمير في قوله وَيَحْسَبُونَ يعود إلى الكفار، وفي قوله أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ يعود إلى الشيطان، فيكون المعنى:
ويظن هؤلاء الكافرون أن الشياطين مهتدون إلى الحق، ولذلك اتبعوهم وأطاعوهم.
ثم بين- سبحانه- ما يكون بين هذا الإنسان الكافر وبين قرينه من الشياطين يوم القيامة، فقال- تعالى-: حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ.
أى: لقد استمر هذا المعرض عن ذكر الله في غيه. ومات على ذلك حتى إذا جاءنا يوم القيامة للحساب والجزاء، قالَ لقرينه الذي صده عن طريق الحق..
يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ أى: أتمنى أن تكون المسافة التي بيني وبينك من البعد والمفارقة، كالمسافة التي بين المشرق والمغرب.
فالمراد بالمشرقين المشرق والمغرب فعبر- سبحانه- بالمشرقين على سبيل التغليب لأحدهما على الآخر.
فَبِئْسَ الْقَرِينُ أى: فبئس القرين أنت- أيها الشيطان- فالمخصوص بالذم محذوف.
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك ما سيقال لهذا العاشى عن ذكر الله ولقرينه على سبيل التأنيب والتوبيخ فقال: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ....
والضمير في قوله: يَنْفَعَكُمُ يعود إلى التمني المذكور في قوله: يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ ... وإِذْ ظرف لما مضى من الزمان، بدل من الْيَوْمَ.
أى: ولن ينفعكم ندمكم وتمنيكم اليوم شيئا، بعد أن تبين لكم أنكم كنتم ظالمين في الدنيا، ومصرين على الكفر والضلال.
وقوله: أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ تعليل لما قبله. أى: ولن ينفعكم اليوم تمنيكم وندمكم لأنكم في هذا اليوم أنتم وقرناءكم مشتركون في العذاب، كما كنتم في الدنيا مشتركين في سببه، وهو الكفر والضلال.
قال صاحب الكشاف ما ملخصه: قوله: أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ في محل الرفع على الفاعليه. يعنى: ولن ينفعكم كونكم مشتركين في العذاب كما ينفع الواقعين في الأمر
стр. 5459
الصعب اشتراكهم فيه لتعاونهم في تحمل أعبائه. لأن كل واحد منكم، به من العذاب ما هو فوق طاقته..
ولك أن تجعل الفاعل التمني في قوله: يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ ... على معنى: ولن ينفعكم اليوم ما أنتم فيه من تمنى مباعدة القرين، وقوله: أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ تعليل، أى: ولن ينفعكم تمنيكم، لأن حقكم أن تشتركوا أنتم وقرناؤكم في العذاب ... وتقويه قراءة من قرأ أَنَّكُمْ بالكسر «١» .
وبعد هذا التوبيخ الشديد للمعرض عن ذكر الله ولشيطانه، يوجه الله- تعالى- خطابه لنبيه ﷺ ليزيده تسلية وتثبيتا فيقول: أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ.
والاستفهام للنفي أى: أفأنت- أيها الرسول الكريم- تستطيع أن تسمع الصم صوتك، أو أن تهدى الذين انطمست بصائرهم إلى الطريق الحق. أو أن تخرج من كان في الضلال الواضح إلى الهدى والرشاد؟
كلا إنك لن تستطيع ذلك، لأن الهداية والإضلال، من الله- تعالى- وحده. وأنت- أيها الرسول الكريم- عليك البلاغ ونحن علينا الحساب.
فالمقصود من الآية الكريمة تسلية الرسول ﷺ ونهيه من أن يضيق صدره بسبب إعراضهم المستمر عن دعوة الحق، وبيان أن الهداية والإضلال بيد الله- تعالى- وحده.
وسماهم- سبحانه- صما وعميا، مع أنهم يسمعون ويبصرون، لأنهم بمنزلة الصم والعمى في عدم انتفاعهم بالهدى والرشاد الذي جاءهم به ﷺ .
وقوله- تعالى-: وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ معطوف على العمى والصم باعتبار تغاير الصفات.
أى: أنت- أيها الرسول الكريم- لن تستطيع هداية من كان أصم وأعمى، ومن كان مصرا على الضلال المبين وما دام الأمر كذلك فسر في طريقك، دون أن تذهب نفسك عليهم حسرات..
وقوله- سبحانه-: فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ، أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ زيادة في تسليته وتثبيته ﷺ .
أى: أن أمرك- أيها الرسول الكريم- مع هؤلاء الظالمين لا يخلو عن حالين: إما أن
стр. 5460
نتوفينك قبل أن ترى نقمتنا منهم.. وفي هذه الحالة فسنتولى نحن عذابهم والانتقام منهم، حسب إرادتنا ومشيئتنا، وإما أن نبقى حياتك حتى ترى بعينيك العذاب الذي توعدناهم به، فإنا عليهم وعلى غيرهم مقتدرون على تنفيذ ما نتوعد به من دون أن يستطيع أحد الإفلات من قبضتنا وقدرتنا.
قال ابن كثير: أى: نحن قادرون على هذا وعلى هذا. ولم يقبض الله- تعالى- رسوله، حتى أقر عينه من أعدائه، وحكمه في نواصيهم، وملكه ما تضمنته صياصيهم «١» .
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ «٢» .
والفاء في قوله- تعالى-: فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ ... واقعة جوابا لشرط مقدر.
أى: إذا كان الأمر كما ذكرنا لك من أن أمرك مع هؤلاء المشركين لا يخلو عن حالين:
فاستمسك- أيها الرسول الكريم- بما أوحينا إليك من هدايات وإرشادات إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وطريق قويم لا عوج فيه ولا اضطراب.
وَإِنَّهُ أى: هذا القرآن لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ أى: لشرف عظيم لك ولشرف عظيم لأهل مكة الذين بعثت فيهم بصفة خاصة، ولغيرهم ممن آمن بك بصفة عامة كما قال- تعالى-: لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ ... أى: عزكم وشرفكم.
وقوله: وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ تحذير من مخالفة ما اشتمل عليه هذا القرآن من أحكام وآداب وتشريعات.
أى: وسوف تسألون يوم القيامة عنه، وعن القيام بحقه، وعن مقدار تمسككم بأوامره ونواهيه وعن شكركم لله- تعالى- على منحكم لهذه النعمة.
ثم أضاف- سبحانه- إلى هذا التثبيت لنبيه ﷺ تثبيتا آخر فقال: وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ.
والمقصود من الآية الكريمة بيان أن الرسل جميعا، قد دعوا أقوامهم إلى عبادة الله- تعالى- وحده، كما قال- سبحانه-: وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ، فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ «٣» .
стр. 5461
وكما قال- تعالى-: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ «١» .
قال صاحب الكشاف ما ملخصه: ليس المراد بسؤال الرسل حقيقة السؤال لاستحالته، ولكنه مجاز عن النظر في أديانهم، وأنهم ما جاءوا قط بعبادة الأوثان، وإنما جاءوا بالأمر بعبادة الله- تعالى- وحده..
وقيل: إن النبي ﷺ جمع الله له الأنبياء، في ليلة الإسراء في بيت المقدس، فصلى بهم إماما، وقيل له سلهم: فلم يتشكك ولم يسأل.
وقيل معناه، سل أمم من أرسلنا من قبلك، وهم أهل الكتابين: التوراة والإنجيل فإذا سألهم فكأنما سأل- رسلهم- فالكلام على حذف مضاف «٢» .
فالآية الكريمة تقرر على كل الوجوه بأبلغ أسلوب، أن جميع الرسل قد جاءوا بعقيدة واحدة، وبدين واحد، هو عبادة الله- تعالى- ونبذ كل معبود سواه.
ثم تمضى السورة الكريمة في تسليتها للرسول ﷺ وفي تثبيتها للمؤمنين، فتذكر جانبا من قصة موسى- ﵇ مع فرعون، وكيف أن فرعون سخر من دعوة موسى- ﵇ وتباهي على قومه بذلك، وكيف أنه استخف بهم فأطاعوه، فكانت عاقبته وعاقبتهم أن أغرقهم الله جميعا. قال- تعالى-:
[سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٤٦ الى ٥٦]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٦) فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ (٤٧) وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨) وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠)
وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٥٤) فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥)
فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ (٥٦)
стр. 5462
وقصة موسى- ﵇ مع فرعون ومع بنى إسرائيل، على رأس القصص التي تكرر الحديث عنها في القرآن الكريم، في سور متعددة، وذلك لما فيها من مساجلات ومحاورات بين أهل الحق وأهل الباطل، ولما فيها من عبر وعظات لقوم يعقلون.
لقد وردت هذه القصة في سور: البقرة، والأعراف، ويونس، وهود، والإسراء، وطه، والقصص، والصافات، وغافر.. ولكن بأساليب متنوعة يكمل بعضها بعضا.
وهنا تبدأ هذه القصة بقوله- تعالى-: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ، فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ.
أى: والله لقد أرسلنا نبينا موسى- ﵇ بِآياتِنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا، والتي على رأسها اليد والعصا.. وأرسلناه بهذه الآيات إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ أى:
أشراف قومه فقال لهم ناصحا ومرشدا: إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ إليكم، لآمركم بعبادة الله- تعالى-: وحده، وأنهاكم عن عبادة غيره.
فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ أى: فحين جاء موسى- ﵇-
стр. 5463
إلى فرعون وملئه بآياتنا الدالة على قدرتنا، سارعوا إلى الضحك منها، والسخرية بها، بدون تأمل أو تدبر، شأن المغرورين الجهلاء.
فقوله- تعالى-: إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ جواب فَلَمَّا والتعبير يشير إلى مسارعتهم إلى السخرية والاستخفاف بالآيات التي جاء بها موسى- ﵇، مع أن هذه الآيات كانت تقتضي منهم التدبر والتفكر لو كانوا يعقلون.
وقوله- سبحانه-: وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها ... بيان لقسوة قلوبهم، وعدم تأثرها بالآيات والمعجزات.
أى: وما نريهم من آية دالة على صدق نبينا موسى، إلا وتكون هذه الآية أكبر من أختها السابقة عليها، في الدلالة على ذلك، مع كون الآية السابقة عظيمة وكبيرة في ذاتها.
والمقصود بالجملة الكريمة، بيان أن هؤلاء القوم لم يأتهم موسى- ﵇ بآية واحدة تشهد بصدقه فيما جاءهم به من عند ربه، وإنما أتاهم بمعجزات متعددة، وكل معجزة أدل على صدقه مما قبلها.
ويصح أن يكون المراد وصف الجميع بالكبر، على معنى أن كل واحدة لكمالها في ذاتها، إذا نظر إليها الناظر، ظنها أكبر من البواقي لاستقلالها بإفادة الغرض الذي جاءت من أجله.
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: والغرض بهذا الكلام، أنهن موصوفات بالكبر، لا يكدن يتفاوتن فيه، وكذلك العادة في الأشياء التي تتلاقى في الفضل. وتتفاوت منازلها فيه التفاوت اليسير، أن تختلف آراء الناس في تفضيلها، فيفضل بعضهم هذا، وبعضهم ذاك، فعلى ذلك بنى الناس كلامهم فقالوا: رأيت رجالا بعضهم أفضل من بعض، وربما اختلفت آراء الرجل الواحد فيها، فتارة يفضل هذا وتارة يفضل ذاك، ومنه بيت الحماسة:
من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم مثل النجوم التي يسرى بها السارى «١» وقوله- تعالى-: وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ بيان للمصير السيئ الذي آلوا إليه.
أى: وأخذناهم بسبب إصرارهم على الكفر والمعاصي، بالعذاب الدنيوي الشديد لكي يرجعوا عما هم عليه من كفر وفسوق، ولكنهم لم يرجعوا.
فالمراد بالعذاب هنا العذاب الدنيوي، الذي أشار إليه- سبحانه- بقوله:
стр. 5464
فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ، آياتٍ مُفَصَّلاتٍ، فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ.. «١» .
ثم حكى- سبحانه- ما قالوه بعد أن نزل بهم العذاب، فقال: وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ.
وجمهور المفسرين على أن قولهم هذا، كان على سبيل التعظيم لموسى- ﵇ لأنهم كانوا يوقرون السحرة، ويعتبرونهم العلماء.
قال ابن كثير: قوله يا أَيُّهَا السَّاحِرُ أى: العالم ... وكان علماء زمانهم هم السحرة، ولم يكن السحر عندهم في زمانهم مذموما، فليس هذا منهم على سبيل الانتقاص، لأن الحال حال ضرورة منهم إليه، فهي تقتضي تعظيمهم لموسى- ﵇ ... «٢» .
وما في قوله: بِما عَهِدَ عِنْدَكَ مصدرية: أى: بعهده عندك، والمراد بهذا العهد: النبوة. وسميت عهدا، لأن الله- تعالى- عاهد نبيه أن يكرمه بها، أو لأن لها حقوقا تحفظ كما يحفظ العهد.
وقوله: إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ مرتب على كلام محذوف.
أى: وحين أخذنا فرعون وقومه بالعذاب، قالوا لموسى- على سبيل التذلل والتعظيم من شأنه- يا أيها الساحر الذي غلبنا بسحره وعلمه، ادع لنا ربك بحق عهده إليك بالنبوة، لئن كشف عنا ربك هذا العذاب الذي نزل بنا إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ أى إننا لمؤمنون ثابتون على ذلك، متبعون لك في كل ما تأمرنا به أو تنهانا عنه.
فدعا موسى- ﵇ ربه أن يكشف عنهم العذاب، فأجاب الله دعوته بأن كشف عنهم، فماذا كانت النتيجة؟ كانت النتيجة أنهم نقضوا عهودهم، واستمروا على كفرهم، كما قال- تعالى-: فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ أى: فحين كشفنا عنهم العذاب الذي حل بهم إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ أى: إذا هم ينقضون عهدهم بالإيمان فلا يؤمنون. يقال: نكث فلان عهده ونقضه، إذا لم يف به.
ومن سوء أدبهم أنهم قالوا: ادع لنا ربك، فكأن الله- تعالى- رب موسى وحده، وليس ربا لهم.
وشبيه بهاتين الآيتين قوله- تعالى-: وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا
стр. 5465
رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ، لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ، وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ. فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ «١» .
ثم حكى- سبحانه- جانبا من طغيان فرعون وفجوره، واستخفافه بعقول قومه فقال:
وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ ... أى: أن فرعون جمع زعماء قومه، وأخبرهم بما يريد أن يقول لهم.
أو أنه أمر مناديا ينادى في قومه جميعا، ليعلمهم بما يريد إعلامهم به، وأسند- سبحانه- النداء إلى فرعون، لأنه هو الآمر به.
والتعبير بقوله: فِي قَوْمِهِ يشعر بأن النداء قد وصل إليهم جميعا ودخل في قلوبهم.
وقوله- تعالى-: قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ ... حكاية لما قاله فرعون لقومه.
أى: أن فرعون جمع عظماء قومه، وقال لهم- بعد أن خشي إيمانهم بموسى: يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ بحيث لا ينازعني في ذلك منازع، ولا يخالفني في ذلك مخالف، فالاستفهام للتقرير.
وفضلا عن ذلك فإن هذه الأنهار التي ترونها متفرعة من النيل تجرى تحت قدمي، أو من تحت قصرى.
أَفَلا تُبْصِرُونَ ذلك، وتستدلون به على قوة أمرى، وسعة ملكي، وعظم شأنى فمفعول تُبْصِرُونَ محذوف، أى: أفلا تبصرون عظمتي.
وأَمْ في قوله: أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ هي المنقطعة المقدرة بمعنى بل التي هي للاضراب، والإشارة بهذا تعود لموسى- ﵇.
أى: بل أنا خير من هذا الذي هو فقير وليس صاحب ملك أو سطوة أو مال.. وفي الوقت نفسه لا يَكادُ يُبِينُ أى: لا يكاد يظهر كلامه لعقدة في لسانه.
ثم أضاف إلى ذلك قوله- كما حكى القرآن عنه: فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ.
والأسورة: جمع سوار، وهو كناية عن تمليكه، وكانوا إذا ملكوا رجلا عليهم، جعلوا في يديه سوارين، وطوقوه بطوق من ذهب، علامة على أنه ملكهم.