← Тафсир

Тафсир · id 23590

التفسير الوسيط لطنطاوي

محمد سيد طنطاوي

Полный текст (6 701 стр.). Показаны 5461–5500 · переход к 5466.

стр. 5461

وكما قال- تعالى-: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ «١» . قال صاحب الكشاف ما ملخصه: ليس المراد بسؤال الرسل حقيقة السؤال لاستحالته، ولكنه مجاز عن النظر في أديانهم، وأنهم ما جاءوا قط بعبادة الأوثان، وإنما جاءوا بالأمر بعبادة الله- تعالى- وحده.. وقيل: إن النبي ﷺ جمع الله له الأنبياء، في ليلة الإسراء في بيت المقدس، فصلى بهم إماما، وقيل له سلهم: فلم يتشكك ولم يسأل. وقيل معناه، سل أمم من أرسلنا من قبلك، وهم أهل الكتابين: التوراة والإنجيل فإذا سألهم فكأنما سأل- رسلهم- فالكلام على حذف مضاف «٢» . فالآية الكريمة تقرر على كل الوجوه بأبلغ أسلوب، أن جميع الرسل قد جاءوا بعقيدة واحدة، وبدين واحد، هو عبادة الله- تعالى- ونبذ كل معبود سواه. ثم تمضى السورة الكريمة في تسليتها للرسول ﷺ وفي تثبيتها للمؤمنين، فتذكر جانبا من قصة موسى- ﵇ مع فرعون، وكيف أن فرعون سخر من دعوة موسى- ﵇ وتباهي على قومه بذلك، وكيف أنه استخف بهم فأطاعوه، فكانت عاقبته وعاقبتهم أن أغرقهم الله جميعا. قال- تعالى-: [سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٤٦ الى ٥٦] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٦) فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ (٤٧) وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨) وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠) وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٥٤) فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ (٥٦)

стр. 5462

وقصة موسى- ﵇ مع فرعون ومع بنى إسرائيل، على رأس القصص التي تكرر الحديث عنها في القرآن الكريم، في سور متعددة، وذلك لما فيها من مساجلات ومحاورات بين أهل الحق وأهل الباطل، ولما فيها من عبر وعظات لقوم يعقلون. لقد وردت هذه القصة في سور: البقرة، والأعراف، ويونس، وهود، والإسراء، وطه، والقصص، والصافات، وغافر.. ولكن بأساليب متنوعة يكمل بعضها بعضا. وهنا تبدأ هذه القصة بقوله- تعالى-: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ، فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ. أى: والله لقد أرسلنا نبينا موسى- ﵇ بِآياتِنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا، والتي على رأسها اليد والعصا.. وأرسلناه بهذه الآيات إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ أى: أشراف قومه فقال لهم ناصحا ومرشدا: إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ إليكم، لآمركم بعبادة الله- تعالى-: وحده، وأنهاكم عن عبادة غيره. فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ أى: فحين جاء موسى- ﵇-

стр. 5463

إلى فرعون وملئه بآياتنا الدالة على قدرتنا، سارعوا إلى الضحك منها، والسخرية بها، بدون تأمل أو تدبر، شأن المغرورين الجهلاء. فقوله- تعالى-: إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ جواب فَلَمَّا والتعبير يشير إلى مسارعتهم إلى السخرية والاستخفاف بالآيات التي جاء بها موسى- ﵇، مع أن هذه الآيات كانت تقتضي منهم التدبر والتفكر لو كانوا يعقلون. وقوله- سبحانه-: وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها ... بيان لقسوة قلوبهم، وعدم تأثرها بالآيات والمعجزات. أى: وما نريهم من آية دالة على صدق نبينا موسى، إلا وتكون هذه الآية أكبر من أختها السابقة عليها، في الدلالة على ذلك، مع كون الآية السابقة عظيمة وكبيرة في ذاتها. والمقصود بالجملة الكريمة، بيان أن هؤلاء القوم لم يأتهم موسى- ﵇ بآية واحدة تشهد بصدقه فيما جاءهم به من عند ربه، وإنما أتاهم بمعجزات متعددة، وكل معجزة أدل على صدقه مما قبلها. ويصح أن يكون المراد وصف الجميع بالكبر، على معنى أن كل واحدة لكمالها في ذاتها، إذا نظر إليها الناظر، ظنها أكبر من البواقي لاستقلالها بإفادة الغرض الذي جاءت من أجله. وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: والغرض بهذا الكلام، أنهن موصوفات بالكبر، لا يكدن يتفاوتن فيه، وكذلك العادة في الأشياء التي تتلاقى في الفضل. وتتفاوت منازلها فيه التفاوت اليسير، أن تختلف آراء الناس في تفضيلها، فيفضل بعضهم هذا، وبعضهم ذاك، فعلى ذلك بنى الناس كلامهم فقالوا: رأيت رجالا بعضهم أفضل من بعض، وربما اختلفت آراء الرجل الواحد فيها، فتارة يفضل هذا وتارة يفضل ذاك، ومنه بيت الحماسة: من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم مثل النجوم التي يسرى بها السارى «١» وقوله- تعالى-: وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ بيان للمصير السيئ الذي آلوا إليه. أى: وأخذناهم بسبب إصرارهم على الكفر والمعاصي، بالعذاب الدنيوي الشديد لكي يرجعوا عما هم عليه من كفر وفسوق، ولكنهم لم يرجعوا. فالمراد بالعذاب هنا العذاب الدنيوي، الذي أشار إليه- سبحانه- بقوله:

стр. 5464

فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ، آياتٍ مُفَصَّلاتٍ، فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ.. «١» . ثم حكى- سبحانه- ما قالوه بعد أن نزل بهم العذاب، فقال: وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ. وجمهور المفسرين على أن قولهم هذا، كان على سبيل التعظيم لموسى- ﵇ لأنهم كانوا يوقرون السحرة، ويعتبرونهم العلماء. قال ابن كثير: قوله يا أَيُّهَا السَّاحِرُ أى: العالم ... وكان علماء زمانهم هم السحرة، ولم يكن السحر عندهم في زمانهم مذموما، فليس هذا منهم على سبيل الانتقاص، لأن الحال حال ضرورة منهم إليه، فهي تقتضي تعظيمهم لموسى- ﵇ ... «٢» . وما في قوله: بِما عَهِدَ عِنْدَكَ مصدرية: أى: بعهده عندك، والمراد بهذا العهد: النبوة. وسميت عهدا، لأن الله- تعالى- عاهد نبيه أن يكرمه بها، أو لأن لها حقوقا تحفظ كما يحفظ العهد. وقوله: إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ مرتب على كلام محذوف. أى: وحين أخذنا فرعون وقومه بالعذاب، قالوا لموسى- على سبيل التذلل والتعظيم من شأنه- يا أيها الساحر الذي غلبنا بسحره وعلمه، ادع لنا ربك بحق عهده إليك بالنبوة، لئن كشف عنا ربك هذا العذاب الذي نزل بنا إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ أى إننا لمؤمنون ثابتون على ذلك، متبعون لك في كل ما تأمرنا به أو تنهانا عنه. فدعا موسى- ﵇ ربه أن يكشف عنهم العذاب، فأجاب الله دعوته بأن كشف عنهم، فماذا كانت النتيجة؟ كانت النتيجة أنهم نقضوا عهودهم، واستمروا على كفرهم، كما قال- تعالى-: فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ أى: فحين كشفنا عنهم العذاب الذي حل بهم إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ أى: إذا هم ينقضون عهدهم بالإيمان فلا يؤمنون. يقال: نكث فلان عهده ونقضه، إذا لم يف به. ومن سوء أدبهم أنهم قالوا: ادع لنا ربك، فكأن الله- تعالى- رب موسى وحده، وليس ربا لهم. وشبيه بهاتين الآيتين قوله- تعالى-: وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا

стр. 5465

رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ، لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ، وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ. فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ «١» . ثم حكى- سبحانه- جانبا من طغيان فرعون وفجوره، واستخفافه بعقول قومه فقال: وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ ... أى: أن فرعون جمع زعماء قومه، وأخبرهم بما يريد أن يقول لهم. أو أنه أمر مناديا ينادى في قومه جميعا، ليعلمهم بما يريد إعلامهم به، وأسند- سبحانه- النداء إلى فرعون، لأنه هو الآمر به. والتعبير بقوله: فِي قَوْمِهِ يشعر بأن النداء قد وصل إليهم جميعا ودخل في قلوبهم. وقوله- تعالى-: قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ ... حكاية لما قاله فرعون لقومه. أى: أن فرعون جمع عظماء قومه، وقال لهم- بعد أن خشي إيمانهم بموسى: يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ بحيث لا ينازعني في ذلك منازع، ولا يخالفني في ذلك مخالف، فالاستفهام للتقرير. وفضلا عن ذلك فإن هذه الأنهار التي ترونها متفرعة من النيل تجرى تحت قدمي، أو من تحت قصرى. أَفَلا تُبْصِرُونَ ذلك، وتستدلون به على قوة أمرى، وسعة ملكي، وعظم شأنى فمفعول تُبْصِرُونَ محذوف، أى: أفلا تبصرون عظمتي. وأَمْ في قوله: أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ هي المنقطعة المقدرة بمعنى بل التي هي للاضراب، والإشارة بهذا تعود لموسى- ﵇. أى: بل أنا خير من هذا الذي هو فقير وليس صاحب ملك أو سطوة أو مال.. وفي الوقت نفسه لا يَكادُ يُبِينُ أى: لا يكاد يظهر كلامه لعقدة في لسانه. ثم أضاف إلى ذلك قوله- كما حكى القرآن عنه: فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ. والأسورة: جمع سوار، وهو كناية عن تمليكه، وكانوا إذا ملكوا رجلا عليهم، جعلوا في يديه سوارين، وطوقوه بطوق من ذهب، علامة على أنه ملكهم.

стр. 5466

أى: فهلا لو كان موسى ملكا أو رسولا، أن يحلى نفسه بأساور من ذهب، أو جاء إلينا ومعه الملائكة محيطين به، ومتقارنين معه، لكي يعينوه ويشهدوا له بالنبوة. ولا شك أن هذه الأقوال التي تفوه بها فرعون، تدل على شدة طغيانه، وعلى عظم غروره، وعلى استغلاله الضخم لغفلة قومه وسفاهتهم وضعفهم. ورحم الله الإمام ابن كثير فقد قال ما ملخصه: وهذا الذي قاله فرعون- لعنه الله- كذب واختلاق، وإنما حملة على هذا الكفر والعناد، وهو ينظر إلى موسى- ﵇ بعين كافرة شقية، وقد كان موسى من الجلالة والعظمة والبهاء في صورة يبهر أبصار ذوى الألباب. وقوله: وَلا يَكادُ يُبِينُ افتراء- أيضا- فإنه وإن كان قد أصاب لسانه في حال صغره شيء من جهة تلك الجمرة، فقد سأل ربه أن يحل عقدة من لسانه، فاستجاب الله- تعالى- له وفرعون إنما أراد بهذا الكلام، أن يروج على رعيته، لأنهم كانوا جهلة أغبياء.. «١» . وقوله- تعالى-: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ، إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ بيان لما كان عليه فرعون من لؤم وخداع، ولما كان عليه قومه من جبن وخروج على طاعة الله- تعالى-. أى: وبعد أن قال فرعون لقومه ما قال من تطاول على موسى- ﵇ طلب منهم الخفة والسرعة والمبادرة إلى الاستجابة لما قاله لهم، فأجابوه إلى طلبه منهم، لأنهم كانوا قوما خارجين على طاعتنا، مؤثرين الغي على الرشد، والضلالة على الهداية.. ثم بين- سبحانه- سوء عاقبتهم فقال: فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ. فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ. وقوله: آسَفُونا أى: أغضبونا أشد الغضب، من أسف فلان أسفا، إذا اشتد غضبه وسَلَفاً أى: قدوة لمن بعدهم من الكفار في استحقاق مثل عقوبتهم. وهو مصدر وصف به على سبيل المبالغة، ولذا يطلق على القليل والكثير. يقال: سلفه الشيء سلفا، إذا تقدم ومضى. وفلان سلف له عمل صالح، أى: تقدم له عمل صالح ومنه: الأسلاف، أى: المتقدمون على غيرهم. أى: فلما أغضبنا فرعون وقومه أشد الغضب، بسبب إصرارهم على الكفر والفسوق والعصيان، انتقمنا منهم انتقاما شديدا، حيث أغرقناهم أجمعين في اليم.

стр. 5467

فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً أى قدوة لمن بعدهم في الكفر في استحقاق مثل عقوبتهم كما جعلناهم مَثَلًا أى: عبرة وموعظة لِلْآخِرِينَ الذين يعملون مثل أعمالهم.. وبذلك نرى في هذه الآيات الكريمة، جانبا من قصة موسى- ﵇ مع فرعون وملئه. ويتجلى في هذا الجانب من القصة طغيان فرعون، واستخفافه بعقول قومه، ومجاهرته بالكذب والفجور.. فكانت عاقبتهم جميعا الدمار والبوار. ثم انتقلت السورة الكريمة من الحديث عن جانب من قصة موسى، إلى الحديث عن جانب من قصة عيسى- ﵇ فقال- تعالى-: [سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٥٧ الى ٦٦] وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢) وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٦٦)

стр. 5468

ذكر المفسرون في سبب نزول قوله- تعالى-: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا ... روايات منها: أنه لما نزل قوله- تعالى-: وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا ... تعلق المشركون بأمر عيسى وقالوا: ما يريد محمد ﷺ إلا أن نتخذه إلها، كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم فأنزل الله- تعالى- وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا.... وقال الواحدي: أكثر المفسرين على أن هذه الآية، نزلت في مجادلة ابن الزبعرى- قبل أن يسلم- مع النبي ﷺ فإنه لما نزل قوله- تعالى-: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ.... قال ابن الزبعرى خصمتك- يا محمد- ورب الكعبة. أليست النصارى يعبدون المسيح، واليهود يعبدون عزيرا، وبنو مليح يعبدون الملائكة؟ فإن كان هؤلاء في النار، فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا في النار؟. فقال له النبي ﷺ : «ما أجهلك بلغة قومك؟ أما فهمت أن ما لما لا يعقل» ؟. وفي رواية أنه ﷺ قال له: «إنهم يعبدون الشيطان» وأنزل الله- تعالى-: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ.. «١» . وكلمة يَصِدُّونَ قرأها الجمهور بكسر الصاد. وقرأها ابن عامر والكسائي بضم الصاد. وهما بمعنى واحد. ومعناهما: يضجون ويصيحون فرحا. يقال: صد يصد- بكسر الصاد وضمها- بمعنى ضج- كعكف- بضم الكاف وكسرها. ويرى بعضهم أن يَصِدُّونَ- بكسر الصاد- بمعنى: يضجون ويصيحون ويضحكون ... وأن يَصِدُّونَ- بضم الصاد- بمعنى يعرضون. من الصد بمعنى الإعراض عن الحق. والمعنى: وحين ضرب ابن الزبعرى، عيسى ابن مريم مثلا، وحاجك بعبادة النصارى له، فاجأك قومك- كفار قريش- بسبب هذه المحاجة، بالصياح والضجيج والضحك، فرحا منهم بما قاله ابن الزبعرى، وظنا منهم أنه قد انتصر عليك في الخصومة والمجادلة. فمن في قوله مِنْهُ الظاهر أنها للسببية، كما في قوله- تعالى-: مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً.... والمراد بالمثل هنا: الحجة والبرهان. قال الآلوسى: والحجة لما كانت تسير مسير الأمثال شهرة، قيل لها مثل. أو المثل بمعنى

стр. 5469

المثال. أى: جعله مقياسا وشاهدا على إبطال قوله ﷺ : إن آلهتهم من حصب جهنم، وجعل عيسى- ﵇ نفسه مثلا من باب: الحج عرفة «١» . ثم بين- سبحانه- أقوالهم التي بنوا عليها باطلهم فقال: وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ... ؟ والضمير هُوَ يعود إلى عيسى- ﵇. ومرادهم بالاستفهام تفضيل عيسى- ﵇ على آلهتهم، مجاراة للنبي ﷺ . فكأنهم يقولون: لقد أخبرتنا بأن عيسى ابن مريم رسول من رسل الله- تعالى- وأنه خير من آلهتنا.. فإن كان في النار يوم القيامة لأن الله- تعالى- يقول: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا في النار. وقد أبطل الله زعمهم هذا بقوله: ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا. أى: لا تهتم- أيها الرسول الكريم- بما قالوه، فإنهم ما ضربوا لك هذا المثل بعيسى إلا من أجل مجادلتك بالباطل، وليس من أجل الوصول إلى الحق. وقوله: بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ مؤكد لما قبله من كونهم قالوا ذلك لأجل الجدل بالباطل، لا لطلب الحق، وإضراب عن مزاعمهم وعن مجاراتهم في خصومتهم. أى: ذرهم- أيها الرسول الكريم- في باطلهم يعمهون، فإنهم قوم مجبولون على الخصومة، وعلى اللجاج في الباطل. فقوله: خَصِمُونَ جمع خصم- بفتح فكسر- وهو الإنسان المبالغ في الجدل والخصومة، دون أن يكون هدفه الوصول إلى الحق. وجاء التعبير في قوله: ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بصيغة الجمع، مع أن ضارب المثل واحد، وهو ابن الزبعرى، لأن إسناد فعل الواحد إلى الجماعة، من الأساليب المعروفة في اللغة العربية، ومنه قول الشاعر: فسيف بنى عبس وقد ضربوا به ... نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد فإنه قد نسب الضرب إلى جميع بنى عبس، مع تصريحه بأن الضارب واحد، وهو ورقاء.. ولأنهم لما أيدوا ابن الزبعرى في قوله، فكأنهم جميعا قد قالوه.. ثم بين- سبحانه- حقيقة عيسى- ﵇ فقال: إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ، وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ.

стр. 5470

أى: ليس هو أى: عيسى- ﵇ إلا عبد من عبادنا الذين أنعمنا عليهم بنعمة النبوة وَجَعَلْناهُ مَثَلًا أى: أمرا عجيبا، جديرا بأن يسير ذكره كالأمثال لِبَنِي إِسْرائِيلَ الذين أرسلناه إليهم، حيث خلقناه من غير أب، وأعطيناه المعجزات الباهرات التي منها: إبراء الأكمة والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله ... وهذا كله دليل على وحدانيتنا، وكمال قدرتنا ونفاذ إرادتنا. فالآية الكريمة ترفع من شأن عيسى- ﵇، وتحدد منزلته، وتنفى عنه غلو المغالين في شأنه، وإنقاص المنقصين من قدره. ثم أكد- سبحانه- كمال قدرته فقال: وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ. و «من» في قوله- تعالى- مِنْكُمْ يصح أن تكون للبدلية، فيكون المعنى: ولو نشاء إهلاككم أيها الكافرون لفعلنا ولجعلنا بدلا منكم ملائكة يخلفونكم بعد موتكم، ولكنا لم نشأ ذلك لحكم نحن نعلمها. ويصح أن تكون للتبعيض فيكون المعنى: ولو نشاء لجعلنا منكم يا رجال قريش ملائكة، بطريق التوليد منكم، من غير واسطة نساء، فهذا أمر سهل علينا، مع أنه أعجب من حال عيسى الذي تستغربونه، لأنه جاء من غير أب، مع أن الأم من طبيعتها الولادة. فالمقصود بالآية الكريمة بيان أن قدرة الله- تعالى- لا يعجزها شيء، وأن ما تعجبوا منه، الله- تعالى- قادر على أن يأتى بما هو أعجب منه. قال صاحب الكشاف: قوله وَلَوْ نَشاءُ لقدرتنا على خلق عجائب الأمور، وبدائع الفطر، لَجَعَلْنا مِنْكُمْ أى: لولدنا منكم يا رجال مَلائِكَةً يخلفونكم في الأرض، كما يخلفكم أولادكم، كما ولدنا عيسى من أنثى من غير فحل، لتعرفوا تميزنا بالقدرة الباهرة، ولتعلموا أن الملائكة أجسام.. وذات الله- تعالى- متعالية عن ذلك «١» . ثم بين- سبحانه- بعض ما يتعلق بعيسى- ﵇ فقال: وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ. فالضمير في إِنَّهُ يعود إلى عيسى لأن السياق في شأنه، وقيل يعود إلى القرآن أو إلى الرسول ﷺ وضعف ذلك لأن الكلام في شأن عيسى.

стр. 5471

والمراد بالعلم: العلامة، واللام في قوله لِلسَّاعَةِ بمعنى على. والكلام على حذف مضاف. والمعنى: وإن عيسى- ﵇ عند نزوله من السماء في آخر الزمان حيا، ليكونن علامة على قرب قيام الساعة، ودليلا على أن نهاية الدنيا توشك أن تقع.. قال الآلوسى: وَإِنَّهُ أى: عيسى ﵇ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ أى: أنه بنزوله شرط من أشراطها. وقد نطقت الأخبار بنزوله- ﵇ في آخر الزمان، فقد أخرج البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود وابن ماجة، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لينزلن ابن مريم، حكما عدلا فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية، وليذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد «١» . وقال ابن كثير ما ملخصه: قوله: إِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ الصحيح أن الضمير يعود على عيسى، فإن السياق في ذكره، ثم المراد بذلك نزوله قبل يوم القيامة كما قال- تعالى- وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ... أى: قبل موت عيسى. وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ «أنه أخبر بنزول عيسى قبل يوم القيامة، إماما عادلا، وحكما مقسطا» «٢» . وقوله: فَلا تَمْتَرُنَّ بِها أى: فلا تشكن في وقوعها في الوقت الذي يشاؤه الله- تعالى-، فقوله تَمْتَرُنَّ من المرية بمعنى الشك والريب. وقوله: وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ أى: واتبعوا- أيها الناس- ما جئتكم به من عند ربي، فإن هذا الذي جئتكم به، هو الطريق المستقيم الذي يوصلكم إلى السعادة في الدنيا والآخرة. وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ أى: ولا يمنعنكم الشيطان بسبب وسوسته لكم، عن طاعتي واتباعى إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ أى: إن الشيطان عداوته لكم ظاهرة، وكيده لكم واضح، كما قال- تعالى-: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا. إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ. ثم حكى- سبحانه- ما قاله عيسى- ﵇ لقومه، عند ما بعثه الله إليهم

стр. 5472

فقال: وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ، قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ. والبينات: جمع بينة. وهي صفة لموصوف محذوف، والمراد بها: المعجزات التي أيد الله- تعالى- بها عيسى- ﵇. والمراد بالحكمة: التشريعات والتكاليف والمواعظ التي أرشدهم إليها، عن طريق الكتاب الذي أنزله الله تعالى إليه، وهو الإنجيل. أى: وحين جاء عيسى- ﵇ إلى قومه، قال لهم على سبيل النصح والإرشاد: يا قوم لقد جئتكم بالمعجزات البينات الواضحة التي تشهد بصدقى وجئتكم بالإنجيل المشتمل على ما تقتضيه الحكمة الإلهية من آداب وتشريعات ومواعظ. وقوله: وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ متعلق بمحذوف والتقدير: قد جئتكم بالحكمة لأعلمكم إياها، وجئتكم- أيضا- لأبين لكم ولأصحح لكم بعض الأمور التي تختلفون فيها. وقال- سبحانه- وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولم يقل كل الذي تختلفون فيه، للإشعار بالرحمة بهم، وبالستر عليهم، حيث بين البعض وترك البعض الآخر، لأنه لا ضرورة تدعو إلى بيانه. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: هلا بين لهم كل الذي يختلفون فيه؟ قلت: كانوا يختلفون في الديانات، وما يتعلق بالتكليف، وفيما سوى ذلك مما لم يتعبدوا بمعرفته والسؤال عنه، وإنما بعث ليبين لهم ما اختلفوا فيه مما يعنيهم من أمر دينهم.. «١» . وقوله- تعالى-: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ. إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ. أى: إذا كان الأمر كما ذكرت لكم، فاتقوا الله- تعالى- بأن تصونوا أنفسكم عن كل ما يغضبه، وبأن تطيعوني في كل ما آمركم به أو أنهاكم عنه. وإن الله- تعالى- هو ربي وربكم فأخلصوا له العبادة والطاعة، وهذا الذي آمركم به أو أنهاكم عنه، هو الطريق القويم، الذي يوصلكم إلى السعادة الدنيوية والأخروية. ثم بين- سبحانه- موقف أهل الكتاب من دعوة عيسى- ﵇ فقال: فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ....

стр. 5473

والأحزاب: جمع حزب. والمراد بهم الفرق التي تحزبت وتجمعت على الباطل من بعد عيسى. وضمير الجمع في قوله مِنْ بَيْنِهِمْ يعود إلى من بعث إليهم عيسى- ﵇ من اليهود والنصارى. وقيل: يعود إلى النصارى خاصة، لأنهم هم الذين اختلفوا في شأنه، فمنهم من قال: هو الله ومنهم من قال: هو ابن الله. ومنهم من قال: ثالث ثلاثة. قال الآلوسى: قوله: فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ أى: الفرق المتحزبة مِنْ بَيْنِهِمْ أى: من بين من بعث إليهم، وخاطبهم بما خاطبهم من اليهود والنصارى وهم أمة دعوته- ﵇. وقيل: المراد النصارى، وهم أمة إجابته، وقد اختلفوا فرقا: ملكانية، ونسطورية، ويعقوبية «١» . وقوله- تعالى-: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ بيان للعقاب الشديد الذي أعده الله- تعالى- لهم، بسبب اختلافهم وبغيهم، ونسبتهم إلى عيسى ما هو برىء منه. أى: فهلاك وعذاب شديد للذين ظلموا أنفسهم بالكفر، وبافترائهم على عيسى- ﵇، وما أشد حسرتهم في هذا اليوم العصيب. والاستفهام في قوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ للنفي. وينظرون بمعنى: ينتظرون. والخطاب لكفار مكة الذين أعرضوا عن دعوة الحق. أى: ما ينتظر هؤلاء المشركون إلا قيام الساعة، وهذا القيام سيأتيهم فجأة، وبدون شعور منهم بها، وحينئذ يندمون ولن ينفعهم الندم، ولو كانوا عقلاء لاتبعوا الحق الذي جاءهم به رسولنا ﷺ ، قبل فوات الأوان. فالآية الكريمة دعوة لهؤلاء المشركين إلى الاستجابة للرسول ﷺ إذا دعاهم لما يصلحهم، من قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه ولا خلال. وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها. فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ.

стр. 5474

وبذلك نرى الآيات الكريمة، قد وبخت المشركين على جدالهم بالباطل وردت عليهم بما يخرس ألسنتهم، وبينت الحق في شأن عيسى- ﵇ وتوعدت المختلفين في أمره- اختلافا يتنافى مع ما جاءهم به- بالعذاب الشديد. وبعد هذا الحديث عن جانب من قصة موسى، وعن جانب من قصة عيسى- ﵉، وعن موقف أقوامهما منهما.. بعد كل ذلك رسمت السورة الكريمة صورة واضحة لحسن عاقبة المؤمنين، ولسوء عاقبة المكذبين، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة، فقال- تعالى-: [سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٦٧ الى ٨٠] الْأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ (٦٧) يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ (٧١) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْها تَأْكُلُونَ (٧٣) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ (٧٤) لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦) وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٨) أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)

стр. 5475

وقوله- تعالى-: الْأَخِلَّاءُ جمع خليل بمعنى صديق. وسمى الأصدقاء أخلاء، لأن المودة التي بينهم تخللت قلوبهم واختلطت بنفوسهم. أى: الأصدقاء في الدنيا، يصير بعضهم لبعض يوم القيامة أعداء، لأنهم كانوا يجتمعون على الشرور والآثام في الدنيا، وكانوا يتواصون بالبقاء على الكفر والفسوق والعصيان فلما جاء يوم القيامة، وانكشفت الحقائق.. انقلبت صداقتهم إلى عداوة. إِلَّا الْمُتَّقِينَ فإن صداقتهم في الدنيا تنفعهم في الآخرة، لأنهم أقاموها على الإيمان والعمل الصالح والطاعة لله رب العالمين. فالآية الكريمة إنذار للكافرين الذين كانت صداقاتهم في الدنيا تقوم على محاربة الحق، ومناصرة الباطل ... وبشارة عظيمة للمتقين الذين بنوا صداقتهم في الدنيا على طاعة الله- تعالى- ونصرة دينه، والعمل بشريعته. ثم بشر الله- تعالى- عباده بجملة من البشارات الكريمة، فقال- تعالى-: يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ. ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ. والخوف معناه: توقع ما يخشاه ويغتم له الإنسان في المستقبل. والحزن معناه: غم يلحق الإنسان من أجل شيء مضى. وقوله: تُحْبَرُونَ أى: تفرحون وتسرون سرورا عظيما يظهر حباره- بفتح الحاء وكسرها- أى: أثره الحسن على وجوهكم وأفئدتكم، فهو من الحبر- بفتح الحاء والباء- بمعنى الأثر. ويصح أن يكون من الحبر- بسكون الباء- بمعنى الزينة وحسن الهيئة. وبهذا ترى الآيات الكريمة قد نفت عنهم الخوف والحزن، وفتحت لهم أبواب الجنة، وأعلمتهم بأنهم سيكونون هم وأزواجهم في سرور دائم. أى: يقول الله- تعالى- لعباده المؤمنين يوم القيامة: يا عباد الذين شرفتكم بالإضافة إلى ذاتى، لا خوف عليكم اليوم من أمر المستقبل، ولا أنتم تحزنون على أمر مضى. وقوله: الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ في محل نصب، صفة لقوله «يا عباد» أى: يا عباد الذين آمنوا بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وعلى صدق نبينا ﷺ . وكانوا في

стр. 5476

الدنيا مخلصين وجوههم لنا، وجاعلين أنفسهم سالمة لطاعتنا.. ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ أى: ونساؤكم المؤمنات تُحْبَرُونَ أى: تسرون وتتلذذون بتلك النعم التي أنعم بها- سبحانه- عليكم. فالمراد بأزواجهم هنا: نساؤهم، لأن في هذه الصحبة تلذذا أكثر، ونعيما أكبر. والإضافة في قوله أَزْواجُكُمْ للاختصاص التام، فتخرج الأزواج غير المؤمنات. ومنهم من يرى أن المراد بقوله وَأَزْواجُكُمْ: نظراؤكم وأشباهكم في الطاعة لله- تعالى-. أى: ادخلوا الجنة أنتم وأشباهكم في الإيمان والطاعة، دخولا لا تنالون معه إلا الفرح الدائم، والسرور الذي لا انقطاع له. وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ. هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ. ثم بين- سبحانه- مظاهر أخرى لتكريمه لهؤلاء العباد فقال: يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ.... والصحاف: جمع صحفة، وهي الآنية الواسعة الكبيرة التي توضع فيها الأطعمة. والأكواب: جمع كوب وهو ما يوضع فيه الشراب. وفي الكلام حذف يعرف من السياق، والتقدير: يقال لهم: ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون، فإذا ما دخلوها واستقروا فيها، يطاف عليهم بأطعمة وأشربة في أوان من ذهب. ولم تذكر الأطعمة والأشربة للعلم بها، إذ لا معنى للطواف بالصحاف والأكواب وهي فارغة.. وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ أى: وفي الجنة التي دخلوها كل ما تشتهيه الأنفس من أنواع المشتهيات، وكل ما تتلذذ بين الأعين وتسر برؤيته. وَأَنْتُمْ أيها المؤمنون فِيها خالِدُونَ خلودا أبديا لا نهاية له. ثم ختم- سبحانه- هذا التكريم لعباده بقوله: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْها تَأْكُلُونَ. واسم الإشارة تِلْكَ مبتدأ وخبره الْجَنَّةُ وما بعدهما صفة الجنة.. وفي الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب على سبيل التشريف.

стр. 5477

وقال- سبحانه- وَتِلْكَ بالإفراد، للإشعار بأن الخطاب لكل واحد من أهل الجنة، على سبيل العناية به، والإعلاء من شأنه. أى: ويقال لهم يوم القيامة على سبيل التشريف: وهذه الجنة التي أورثتموها بسبب أعمالكم الصالحة في الدنيا، لكم فيها فاكهة كثيرة، وثمار شهية لذيذة، منها تأكلون أكلا هنيئا مريئا. وعبر بقوله- تعالى- أُورِثْتُمُوها للإشعار بأنها قد صارت إليهم بفضل الله وكرمه، كما يصير الميراث إلى الوارث. وقوله بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ بيان للأسباب التي أوصلتهم إلى هذه المنازل العالية، فإن أعمالهم الطيبة التي تقبلها الله- تعالى- منهم، جعلتهم- بفضله وإحسانه- في أعلى الدرجات وأسماها. وكعادة القرآن الكريم في المقارنة بين الأخيار والأشرار جاء الحديث عن سوء عاقبة الكافرين بعد الحديث عن حسن عاقبة المؤمنين، فقال- تعالى- إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ. أى: إن الكافرين بالحق، الراسخين في الإجرام، الكاملين فيه، سيكونون يوم القيامة، في عذاب جهنم خالدين فيه خلودا أبديا. لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ أى: لا يخفف عنهم العذاب، فقوله يُفَتَّرُ مأخوذ من الفتور بمعنى الهدوء والسكون، يقال: فترت الحمى، إذا خفت حدتها، وفتر المرض إذا سكن قليلا. وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ أى: وهم في هذا العذاب في أقصى درجات الحزن والذلة واليأس يقال: أبلس فلان إبلاسا، إذا سكت عن الكلام سكوتا مصحوبا بالحزن وانقطاع الحجة. ثم بين- سبحانه- أن ما نزل بهؤلاء المجرمين من عذاب كان بسبب كفرهم فقال- تعالى-: وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ. أى: نحن ما ظلمنا هؤلاء الكافرين بإنزال هذا العذاب المهين الدائم بهم، ولكن هم الذين ظلموا أنفسهم، باستحبابهم العمى على الهدى، وإيثارهم الغي على الرشد. ثم حكى- سبحانه- بعض أقوالهم بعد نزول العذاب بهم فقال: وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ. والمراد بذلك سؤال مالك خازن النار، واللام في قوله لِيَقْضِ لام الدعاء. أى: وبعد أن طال العذاب على هؤلاء الكافرين، نادوا في ذلة واستجداء قائلين لخازن

стр. 5478

النار: يا مالك ادع لنا ربك كي يقضى علينا، بأن يميتنا حتى نستريح من هذا العذاب. فالمراد بالقضاء هنا: الإهلاك والإماتة، ومنه قوله- تعالى-: فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ.. أى: فأهلكه. وفي هذا النداء ما فيه من الكرب والضيق، حتى إنهم ليتمنون الموت لكي يستريحوا مما هم فيه من عذاب. وهنا يجيئهم الرد بما يزيدهم غما على غمهم، وهو قوله- تعالى-: قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ أى: قال مالك في الرد عليهم: إنكم ماكثون فيها بدون موت يريحكم من عذابها، وبدون حياة تجدون معها الراحة والأمان. وقوله- سبحانه-: لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ تأكيد منه- تعالى- وتقرير لرد مالك عليهم، ومبين لسبب مكثهم فيها.. أى: لقد جئناكم- أيها الكافرون- بالحق على ألسنة رسلنا الذين لم يتركوا وسيلة من الوسائل إلا وسلكوها معكم في الإرشاد إلى طريق الهدى، ولكن أكثركم كان كارها للحق والهدى، معرضا عنهما إعراضا كليا، مصرا على كفره وشركه. وعبر- سبحانه- بالأكثر لأن قلة منهم لم تكن كارهة للحق، ولكنها كانت منقادة لأمر سادتها وكبرائها.. أما الذين كانوا يعرفون الحق ولكن يكرهونه، فهم الزعماء والكبراء، لأنهم يرون في اتباعه انتقاصا من شهواتهم وتصادما مع أهوائهم. ثم وبخهم- سبحانه- على مكرهم، وبين أنه مكر بائر خائب فقال: أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ. وأَمْ هنا منقطعة بمعنى بل والهمزة، والجملة الكريمة كلام مستأنف مسوق لتأنيب المشركين على ما دبروه من كيد للرسول ﷺ وللمؤمنين. والإبرام: الإتقان للشيء والإحكام له، وأصله الفتل المحكم. يقال: أبرم فلان الحبل، إذا أتقن فتله. أى: بل أحكموا كيدهم للنبي ﷺ ولأصحابه؟ إن كانوا يظنون ذلك فقد خاب ظنهم، لأن مكرنا أعظم من مكرهم، وكيدنا يزهق كيدهم.. فالمقصود بالآية الكريمة الانتقال من عدم إجابة ندائهم، إلى تأنيبهم على ما كان منهم في الدنيا من مكر بالحق وأهله، وكيف أن هذا المكر السيئ كانت نتيجته الخسران لهم. وقوله- سبحانه-: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ ... توبيخ آخر لهم على جهلهم وانطماس بصائرهم.

стр. 5479

والمراد بالسر هنا: حديثهم مع أنفسهم، والمراد بنجواهم: ما تكلم به بعضهم مع بعض دون أن يطلعوا عليه أحدا غيرهم. أى: بل أيظن هؤلاء الجاهلون أننا لا نعلم ما يتحدثون به مع أنفسهم، وما يتحدثون به مع غيرهم في خفية واستتار. وقوله- سبحانه-: بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ أى: إذا كانوا يظنون ذلك فقد خابوا وخسروا، فإننا نعلم سرهم ونجواهم. ورسلنا الذين يحفظون عليهم أعمالهم، ملازمون لهم، ويسجلون عليهم كل صغيرة وكبيرة. وبعد هذا التهديد والوعيد لأولئك الكافرين.. تأخذ السورة الكريمة في تلقين الرسول ﷺ الحجة التي يجابهم بها، وفي تسليته عما أصابه منهم، وفي الثناء على الله- تعالى- بما هو أهله من تمجيد وتعظيم، ثم تختتم بهذا النداء الخاشع من الرسول ﷺ لخالقه- فتقول: [سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٨١ الى ٨٩] قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (٨١) سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣) وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤) وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥) وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧) وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ (٨٨) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)

стр. 5480

وإِنْ في قوله- تعالى-: قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ ... يرى بعضهم أنها شرطية، وأن الكلام مسوق على سبيل الفرض والتقدير. والمعنى: قل- أيها الرسول الكريم- ردا على هؤلاء الكافرين الذين نسبوا الولد إلى الله- تعالى-، قل لهم: إن كان للرحمن ولد- على سبيل الفرض والتقدير- فأنا أول العابدين لهذا الولد، ولكن هذا الفرض قد ثبتت استحالته يقينا لا شك معه، فما أدى إليه، وما ترتب عليه من نسبتكم الولد إلى الله- تعالى- محال- أيضا- وإذا فأنا لا أعبد إلا الله- تعالى- وحده، وأنزهه- سبحانه- عن الولد أو الشريك. ومن الآيات الكريمة التي نفت عن الله- الولد قوله- تعالى-: بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ، وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ «١» . وقوله- : وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً. لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا. تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا. أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً. وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً «٢» . ومن المفسرين الذين رجحوا أن تكون إِنَّ هنا شرطية، الإمام ابن جرير، فقد قال بعد أن ذكر بعض الأقوال في ذلك: وأولى الأقوال عندنا بالصواب في ذلك، قول من قال: معنى إِنَّ الشرط الذي يقتضى الجزاء. ومعنى الكلام: قل يا محمد لمشركي قومك، الزاعمين أن الملائكة بنات الله، إن كان للرحمن ولد- على سبيل الفرض- فأنا أول العابدين. ولكنه لا ولد له فأنا أعبده لأنه لا ينبغي أن يكون له ولد. وإذا وجه الكلام إلى ما قلنا من هذا الوجه، لم يكن على وجه الشك، ولكن على الإلطاف في الكلام، وحسن الخطاب، كما قال- جل ثناؤه- وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ «٣» . وقال الإمام ابن كثير: يقول- تعالى-: قُلْ يا محمد إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ. أى: لو فرض هذا لعبدته على ذلك، لأنى عبد من عبيده، مطيع لجميع ما أمرنى به، ليس عندي استكبار ولا إباء عن عبادته، فلو فرض هذا كان هذا، ولكن هذا ممتنع في حقه

стр. 5481

- تعالى-، والشرط لا يلزم منه الوقوع ولا الجواز- أيضا- كما قال- تعالى-: لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ، سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ «١» . وقال صاحب الكشاف- ﵀: قوله- تعالى-: قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ.. وصح ذلك وثبت ببرهان صحيح.. فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ أى: فأنا أول من يعظم ذلك الولد، وأسبقكم إلى طاعته.. وهذا كلام وارد على سبيل الفرض والتمثيل لغرض، وهو المبالغة في نفى الولد، والإطناب فيه.. وذلك أنه علق العبادة بكينونة الولد، وهي محال في نفسها، فكان المعلق بها محالا مثلها.. «٢» . ويرى بعض العلماء أن إِنْ في الآية نافية بمعنى ما، فيكون المعنى: قل- أيها الرسول- لهؤلاء الكافرين: ما كان للرحمن من ولد، وما صح وما أمكن ذلك، فهو مستحيل عقلا وشرعا ... وما دام الأمر كذلك، فأنا أول العابدين لله- تعالى- المنزهين له عن الولد والشريك وغيرهما. قال الإمام القرطبي: قوله- تعالى-: قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ ... اختلف في معناه. فقال ابن عباس والحسن والسدى: المعنى: ما كان للرحمن ولد. إِنْ بمعنى ما، ويكون الكلام على هذا تاما، ثم تبتدى بقوله- تعالى- فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ. وقيل المعنى: قل يا محمد، إن ثبت له ولد، فأنا أول من يعبد ولده، ولكن يستحيل أن يكون له ولد، وهو كما تقول لمن تناظره: إن ثبت ما قلت بالدليل، فأنا أول من يعتقده، وهذا مبالغة في الاستبعاد، أى: لا سبيل إلى اعتقاده.. وإِنْ على هذا للشرط، وهو الأجود. وقيل إن معنى الْعابِدِينَ الآنفين. وقال بعض العلماء لو كان كذلك لكان العبدين.. بغير ألف، يقال: عبد- بكسر الباء- يعبد عبدا- بفتحها- إذا أنف وغضب فهو عبد، والاسم العبدة، مثل الأنفة.. «٣» . ويبدو لنا أن الرأيين يؤديان إلى نفى أن يكون لله- تعالى- ولد وإن كان الرأى الأول- وهو أنّ حرف إِنْ للشرط- هو المتبادر من معنى الآية وعليه جمهور المفسرين.

стр. 5482

ثم نزه- ذاته عن أقوال المفترين فقال: سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ. وسبحان: اسم مصدر بمعنى التنزيه والتقديس، منصوب على أنه مفعول مطلق بفعل محذوف، أى: سبحت الله- تعالى- تسبيحا، ونزهته تنزيها، عن أن يكون له ولد أو شريك، فهو- رب السموات، ورب الأرض رب العرش العظيم، وهو المتعالي عن كل ما وصفه الكافرون والفاسقون من صفات لا تليق بجلاله. وجاء هذا التنزيه والتقديس بلفظ سُبْحانَ، لا بلفظ الفعل سبح أو يسبح، لأن النقص الذي أرادوا إلصاقه به شنيع، فكان من المناسب أن يؤتى بأقوى لفظ في التنزيه والتقديس. وما في قوله: عَمَّا يَصِفُونَ مصدرية، أى: عن وصفهم لله الولد، ويصح أن تكون موصولة والعائد محذوف. أى: عن الذي يصفونه به. وفي إضافة رب إلى العرش، مع أنه أعظم الأجرام، تنبيه على أن جميع المخلوقات تحت ملكوته وربوبيته، فكيف يتخذ من خلقه ولدا؟. والفاء في قوله- تعالى-: فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا.. للافصاح عن شرط مقدر.. أى: إذا كان الأمر كما ذكرنا لك- أيها الرسول الكريم- فاترك هؤلاء الكافرين يخوضون في باطلهم، وينهمكون في لعبهم.. حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ وهو يوم القيامة، الذي سنحاسبهم فيه حسابا عسيرا، ونعاقبهم بالعقوبة التي يستحقونها. فالآية الكريمة تسلية للرسول ﷺ عما لحقه منهم من أذى، وتهديد لأولئك الكافرين على أقوالهم الباطلة، وأفعالهم الشنيعة. ثم أكد- سبحانه- أنه هو الإله الحق، وأن كل ما عداه باطل، فقال: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ، وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ، وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ. والجار والمجرور في قوله فِي السَّماءِ وفِي الْأَرْضِ متعلق بلفظ إِلهٌ، لأنه بمعنى معبود أو بمعنى مستحق للعبادة، وهذا اللفظ الكريم خبر مبتدأ محذوف، أى: هو إله.. أى: وهو- سبحانه- وحده المعبود بحق في السماء، والمعبود بحق في الأرض، لا إله غيره، ولا رب سواه، وهو- الْحَكِيمُ في كل أقواله وأفعاله الْعَلِيمُ بكل شيء في هذا الوجود.

стр. 5483

فالآية الكريمة تدل على أن المستحق للعبادة من أهل السماء ومن أهل الأرض، هو الله- تعال-، وكل معبود سواه فهو باطل. قال الجمل ما ملخصه: قوله- سبحانه-: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ.. الجار والمجرور متعلق بلفظ إله، لأنه بمعنى معبود في السماء ومعبود في الأرض.. وبما تقرر من أن المراد بإله: معبود، اندفع ما قيل من أن هذا يقتضى تعدد الآلهة، لأن النكرة إذا أعيدت نكرة تعددت، كقولك: أنت طالق وطالق. وإيضاح هذا الاندفاع، أن الإله بمعنى المعبود، وهو- تعالى- معبود فيهما. والمغايرة إنما هي بين معبوديته في السماء، ومعبوديته في الأرض، لأن المعبودية من الأمور الإضافية فيكفى التغاير فيها من أحد الطرفين، فإذا كان العابد في السماء غير العابد في الأرض، صدق أن معبوديته في السماء غير معبوديته في الأرض مع أن المعبود واحد، وفيه دلالة على اختصاصه- تعالى- باستحقاق الألوهية، فإن التقديم يدل على الاختصاص.. «١» . وقوله- تعالى-: وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما ثناء منه- سبحانه- على ذاته بما هو أهله. ولفظ تَبارَكَ فعل ماض، أى تعالى الله وتعظم، وزاد خيره وكثر إنعامه، وهو مأخوذ من البركة- بفتح الراء- بمعنى الكثرة من كل خير.. أو من البرك- بسكون الراء- بمعنى الثبوت والدوام.. وكل شيء ثبت ودام فقد برك. أى: وتعالى الله وتقدس، وثبت خيره، وزاد إنعامه، فهو- سبحانه- الذي له ملك السموات والأرض، وله ملك ما بينهما من مخلوقات أخرى لا يعملها أحد سواه. وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ أى: وعنده وحده لا عند غيره العلم التام بوقت قيام الساعة. فالمصدر وهو عِلْمُ مضاف لمفعوله وهو السَّاعَةِ والعالم بذلك هو الله- تعالى-. والمراد بالساعة: يوم القيامة، وسميت بذلك لسرعة قيامها، كما قال- تعالى- وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ.... وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أى: وإليه وحده مرجعكم للحساب أو الجزاء، وليس إلى أحد سواه- .

стр. 5484

ثم بين- سبحانه- أنه لا شفاعة لأحد إلا بإذنه، فقال: ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون. والمراد بالموصول في قوله: وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ ... الأصنام وغيرها مما عبد من دون الله- تعالى-، وهو فاعل، وجملة يَدْعُونَ صلة لا محل لها من الإعراب، والعائد محذوف. والشفاعة من الشفع بمعنى الضم، لأن الشفيع ينضم إلى المشفوع له، فيصير شفعا بعد أن كان فردا. والاستثناء في قوله إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ متصل، لأن المستثنى منه عام، ثم استثنى منه الموحدون، كعيسى ابن مريم. والمعنى: ولا يملك المعبودون من دون الله- تعالى- الشفاعة لأحد من الناس، إلا من شهد بالحق منهم، وأخلص العبادة لله- تعالى- وحده، كعيسى ابن مريم، وعزير، والملائكة، فهؤلاء يملكونها إذا أذن الله- سبحانه- لهم بها. ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعا، إذا كان المستثنى منه خاصا بالأصنام فيكون المعنى: ولا تملك الأصنام الشفاعة لأحد، لكن من شهد بالحق وبوحدانية الله كعيسى ابن مريم وغيره، فإنه يملكها بإذن الله- تعالى-. ويصح أن يكون المراد بقوله: إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ المؤمن المشفوع فيه فيكون المعنى: ولا يملك أحد الشفاعة لأحد. إلا لمن آمن بالله- تعالى- وشهد الشهادة الحق وهو المؤمن، فإنه تجوز الشفاعة له، أما الكافر فلا يملك أحد أن يشفع له. كما قال- تعالى-: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى.. وجملة وَهُمْ يَعْلَمُونَ حالية. أى: والحال أنهم يعلمون علما يقينا، أن المستحق للعباد هو الله- تعالى-. وقيد- سبحانه- الشهادة بقوله وَهُمْ يَعْلَمُونَ للإشعار بأن الشهادة بالحق مع العلم بها هي المعتدة، أما الشهادة بدون علم بالمشهود به فإنها لا تكون كذلك. وجمع- سبحانه- الضمير هُمْ باعتبار معنى مِنْ، وأفرده في ضمير شَهِدَ باعتبار لفظها. ثم بين- سبحانه- ما كان عليه المشركون من تناقض بين أقوالهم وأفعالهم فقال: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ، فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ.

стр. 5485

أى: والله لئن سألت- يا محمد- هؤلاء الكافرين عمن خلقهم وخلق من يعبدونهم من دون الله، ليقولن: الله هو الخالق لكل المخلوقات. وقوله: فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ استفهام قصد به التعجب من أحوالهم المتناقضة أى: ما دمتم قد اعترفتم بأن الخالق لكم ولغيركم هو الله، فكيف انصرفتم عن عبادة الله إلى عبادة غيره. وكيف أشركتم معه غيره في ذلك مع اعترافكم بأنه- سبحانه- هو الخالق لكل شيء. يقال: أفك فلان فلانا يأفك إفكا- من باب طرب وعلم- إذا صرفه وقلبه عن الشيء. وسميت قرى قوم لوط بالمؤتفكات لأن جبريل جعل عاليها سافلها بأمر الله- تعالى-. ثم حكى- سبحانه- ما تضرع به الرسول ﷺ إلى ربه فقال: وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ ... والقيل، والقال، والقول ... كلها مصادر بمعنى واحد. والضمير يعود إلى الرسول ﷺ وقراءة الجمهور بفتح اللام وضم الهاء، على أنه معطوف على قوله- تعالى- قبل ذلك: سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ ويكون مقول القول: يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ. والمعنى: أيحسب هؤلاء الكافرون الجاهلون، أننا لا نسمع سرهم ونجواهم، ونسمع تضرع رسولنا إلينا بقوله: يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ؟ إن كانوا يحسبون ذلك الحسبان، فقد كذبوا وخسروا، لأننا نعلم ذلك وغيره علما تاما. ويصح أن يكون قوله- تعالى- وَقِيلِهِ منصوبا بفعل محذوف والتقدير: ويعلم قيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون.. وقرأ عاصم وحمزة وَقِيلِهِ بكسر اللام والهاء، عطفا على الساعة أى: وعنده- سبحانه- علم الساعة، وعلم قول الرسول ﷺ يا رب إن هؤلاء المشركين قوم لا يؤمنون. والتعبير بالنداء بلفظ الرب، يشعر بالقرب، ويوحى بالإجابة ويفيد كمال التضرع.. كما أن التعبير بقوله قَوْمٌ يشير إلى أن كفرهم كان كفرا جماعيا، لا كفرا فرديا. وقوله- تعالى-: فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إرشاد وتسلية من الله- تعالى- لنبيه. أى: فأعرض عنهم، ولا تطمع في إيمانهم لشدة كفرهم، وَقُلْ سَلامٌ أى: وقل لهم: أمرى وشأنى الآن مسالمتكم ومتاركتكم.. فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ سوء عاقبة كفرهم وإصرارهم على باطلهم.

стр. 5486

وبعد: فهذا تفسير لسورة «الزخرف» نسأل الله- تعالى- أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 5487

تفسير سورة الدّخان

стр. 5488

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة وتمهيد ١- سورة «الدخان» من السور المكية، وعدد آياتها: تسع وخمسون آية في المصحف الكوفي، وسبع وخمسون في البصري، وست وخمسون في غيرهما. وكان نزولها بعد سورة «الزخرف» . ٢- وقد افتتحت بالثناء على القرآن الكريم، وأنه قد أنزله- سبحانه- في ليلة مباركة، قال- تعالى-: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ. فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ... ٣- ثم تحدثت عن جانب من العقوبات الدنيوية التي عاقب الله- تعالى- بها كفار قريش، وذكرت ما تضرعوا به إلى الله لكي يكشف عنهم ما نزل بهم من بلاء، فلما كشفه- تعالى- عنهم عادوا إلى كفرهم وعنادهم ... قال- تعالى-: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ. فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ. يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ. رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ... ٤- ثم ساقت جانبا من قصة فرعون مع موسى- ﵇، فبينت أن موسى دعا فرعون وقومه إلى وحدانية الله- تعالى-، ولكنهم أصروا على كفرهم، فكانت عاقبتهم الإغراق في البحر، دون أن يحزن لهلاكهم أحد، وأنهم قد تركوا من خلفهم ما تركوا من جنات ونعيم.. قال- تعالى-: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ. وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ. كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ. فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ.. ٥- وبعد أن هددت السورة الكريمة مشركي مكة على أقوالهم الباطلة في شأن البعث، وردت عليهم بما يدحض حجتهم، أتبعت ذلك ببيان سوء عاقبة الكافرين، وحسن عاقبة المؤمنين، وختمت بتسلية الرسول ﷺ عما أصابه من أذى، ووعدته بالنصر على أعدائه، قال- تعالى-: فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ. ٦- هذا والمتدبر في هذه السورة الكريمة يراها تمتاز بقصر الآيات، وبأسلوبها الذي تبرز فيه

стр. 5489

ألوانا متعددة من تهديد المشركين، تارة عن طريق تذكيرهم بالقحط الذي نزل بهم، وتارة عن طريق ما حل بالمكذبين من قبلهم، وتارة عن طريق ما ينتظرهم من عذاب مهين، إذا ما استمروا على كفرهم ... كما يراها تثنى على القرآن بألوان متعددة من الثناء، وتبشر المتقين ببشارات متنوعة، وتطوف بالنفس الإنسانية في عوالم شتى، لتهديها إلى الصراط المستقيم، ولترشدها إلى طريق الحق واليقين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم،، كتبه الراجي عفو ربه القاهرة: مدينة نصر مساء الجمعة ٢٥ من صفر سنة ١٤٠٦ هـ د. محمد سيد طنطاوى ٨/ ١١/ ١٩٨٥ م

стр. 5490

التفسير قال الله- تعالى-: [سورة الدخان (٤٤) : الآيات ١ الى ٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧) لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨) سورة «الدخان» من السور المبدوءة بالحروف المقطعة، وقد سبق أن قلنا إن أقرب الآراء إلى الصواب في معناها: أن الله- تعالى- جاء بها في أوائل بعض السور للتحدى والتعجيز والتنبيه إلى أن هذا القرآن من عند الله- فكأنه- تعالى- يقول للمكذبين: هذا هو القرآن، مؤلف من كلمات وحروف هي من جنس ما تتخاطبون به، فإن كنتم في شك في كونه من عنده- تعالى- فأتوا بسورة من مثله.. فعجزوا وانقلبوا خاسرين، وثبت أن هذا القرآن من عند الله- تعالى-. والواو في قوله- تعالى-: وَالْكِتابِ الْمُبِينِ للقسم، وجوابه إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ ... والمراد بالليلة المباركة: ليلة القدر ... أى: وحق هذا القرآن الواضح الكلمات، البين الأسلوب، لقد ابتدأنا إنزاله في ليلة كثيرة البركات والخيرات.

стр. 5491

فأنت ترى أن الله- تعالى- قد وصف هذه الليلة بأنها مباركة، لزيادة خيرها وفضلها، ولما تتابع فيها من نعم دينية ودنيوية.. ولله- تعالى- أن يفصل بعض الأزمنة على بعض وبعض الأمكنة على بعض وبعض الرسل على بعض.. لا راد لفضله، ولا معقب لحكمه ... قال الإمام ابن كثير: «يقول الله- تعالى- «مخبرا عن هذا القرآن الكريم: أنه أنزله في ليلة مباركة، وهي ليلة القدر، كما قال- تعالى-: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ.. وكان ذلك في شهر رمضان، كما قال- تعالى-: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ.. ومن قال بأنها- أى: الليلة المباركة- ليلة النصف من شعبان- كما روى عن عكرمة- فقد أبعد النّجعة، فإن نص القرآن أنها في رمضان» «١» . هذا وقد فصل بعضهم أدلة من قال بأن المراد بها ليلة القدر، وأدلة من قال بأن المراد بها ليلة النصف من شعبان «٢» . والحق أن المراد بها ليلة القدر، التي أنزل فيها القرآن من شهر رمضان، كما نصت على ذلك آية سورة البقرة التي تقول: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ.... والأحاديث التي أوردها بعضهم في أن المراد بها ليلة النصف من شعبان، أحاديث مرسلة أو ضعيفة، أو لا أساس لها.. فثبت أن المراد بها ليلة القدر. وقوله- سبحانه-: إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ استئناف مبين لمقتضى الإنزال.. والإنذار: إخبار فيه تخويف وترهيب، كما أن التبشير إخبار فيه تأمين وترغيب. أى: أنزلنا هذا القرآن في تلك الليلة المباركة، أو ابتدأنا إنزاله فيها، لأن من شأننا أن نخوف بكتبنا ووحينا، حتى لا يقع الناس في أمر نهيناهم عن الوقوع فيه. وقوله- تعالى-: فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ جملة مستأنفة- أيضا- لبيان وجه تخصيص هذه الليلة بإنزال القرآن فيها. وقوله يُفْرَقُ أى: يفصل ويبين ويكتب. وحَكِيمٍ أى: ذو حكمة، أو محكم لا تغيير فيه. أى: في هذه الليلة المباركة يفصل ويبين ويكتب، كل أمر ذي حكمة باهرة، وهذا الأمر صادر عن الله- تعالى-، الذي لا راد لقضائه، ولا مبدل لحكمه.

стр. 5492

قال صاحب الكشاف ما ملخصه: فإن قلت: إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ. فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ما موقع هاتين الجملتين؟ قلت: هما جملتان مستأنفتان، فسر بهما جواب القسم الذي هو قوله- تعالى-: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ كأنه قيل: أنزلناه لأن من شأننا الإنذار والتحذير من العقاب، وكان إنزالنا إياه في هذه الليلة خصوصا، لأن إنزال القرآن من الأمور الحكيمة، وهذه الليلة مفرق كل أمر حكيم. ومعنى يُفْرَقُ يفصل ويكتب كل أمر حكيم من أرزاق العباد وآجالهم وجميع أمورهم..» «١» . ثم بين- سبحانه- أن مرد هذه الكتابة والتقدير للأشياء إليه وحده فقال: أَمْراً مِنْ عِنْدِنا ... ولفظ أَمْراً.. يرى بعضهم أنه حال من كُلُّ أَمْرٍ.. أى: يفرق في هذه الليلة المباركة كل أمر ذي حكمة، حالة كون هذا الأمر من عندنا وحدنا لا من عند غيرنا. ويصح أن يكون منصوبا على الاختصاص، وتنكيره للتفخيم، أى: أعنى بهذا الأمر الحكيم، أمرا عظيما كائنا من عندنا وحدنا. وقد اقتضاه علمنا وتدبيرنا. وقوله: إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ. رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ.. بدل من قوله: إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ. أى أنزلنا هذا القرآن، في تلك الليلة المباركة لأن من شأننا إرسال المرسلين إلى الناس، لأجل الرحمة بهم، والهداية لهم، والرعاية لمصالحهم. وقوله: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ تعليل لما قبله. أى: فعل ما فعل من إنزال القرآن، ومن إرسال الرسل، لأنه- سبحانه- هو السميع لمن تضرع إليه، العليم بجميع أحوال خلقه. ثم وصف- سبحانه- ذاته بما يدل على كمال قدرته، ونفاذ إرادته فقال: رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما.. من هواء، ومن مخلوقات لا يعلمها إلا الله- تعالى-. إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ أى: إن كنتم على يقين في إقراركم حين تسألون عمن خلق السموات والأرض وما بينهما. وجواب الشرط محذوف، أى: إن كنتم من أهل الإيقان علمتم بأن الله- تعالى- وحده، هو رب السموات والأرض وما بينهما.

стр. 5493

لا إِلهَ إِلَّا هُوَ- سبحانه- يُحْيِي من يريد إحياءه، وَيُمِيتُ من يريد إماتته، هو- تعالى- رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ. أى: هو- سبحانه- الذي تعهدكم بالرعاية والتربية والخلق، كما فعل ذلك مع آبائكم الأولين، الذين أنتم من نسلهم.. ثم بين- سبحانه- أحوال الكافرين، وكيف أنهم عند ما ينزل يهم العذاب، يجأرون إلى الله- تعالى- أن يكشفه عنهم. فقال- تعالى-: [سورة الدخان (٤٤) : الآيات ٩ الى ١٦] بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩) فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦) وبَلْ في قوله- تعالى-: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ للاضراب الإبطالى، لأن المقصود من الآية الكريمة، نفى إيقانهم بأن خالق السموات والأرض هو الله، لعدم جريهم على ما يقتضيه هذا الإيقان، لأنهم لو كانوا موقنين حقا بذلك، لأخلصوا لله- تعالى- العبادة والطاعة. فيكون المعنى: إن هؤلاء الكفار لم يكونوا موقنين بأن رب السموات والأرض وما بينهما هو الله، بل قالوا ما قالوا في ذلك على سبيل الشك واللعب. قال الآلوسى: «قوله: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ ... إضراب إبطالى، أبطل به إيقانهم لعدم جريهم على موجبه، وتنوين شَكٍّ للتعظيم، أى: في شك عظيم. يَلْعَبُونَ أى: لا يقولون ما يقولون عن جد وإذعان، بل يقولونه مخلوطا بهزء ولعب. وهذه الجملة خبر بعد خبر لهم.. والالتفات عن خطابهم لفرط عنادهم، وإهمال أمرهم..» «١» .

стр. 5494

والفاء في قوله- تعالى-: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ لترتيب ما بعدها على ما قبلها، ولتسلية الرسول ﷺ وأمره بالصبر حتى يحكم الله بينه وبينهم. والارتقاب: الانتظار، وأكثر ما يستعمل الارتقاب في الأمر المكروه والمراد باليوم مطلق الوقت، وهو مفعول به لارتقب. قال الآلوسى ما ملخصه: «والمراد بالسماء جهة العلو، وإسناد الإتيان بذلك إليها من قبيل الإسناد إلى السبب، لأنه يحصل بعدم إمطارها ... » . أى: فارتقب يوم تأتى السماء بجدب ومجاعة، فإن الجائع جدا يرى بينه وبين السماء كهيئة الدخان، وهي ظلمة تعرض للبصر لضعفه.. وإرادة الجدب والمجاعة منه مجاز، من باب ذكر المسبب وإرادة السبب.. وبعض العرب يسمى الشر الغالب دخانا، ووجه ذلك أن الدخان مما يتأذى به فأطلق على كل مؤذ يشبهه، وأريد به هنا الجدب، ومعناه الحقيقي معروف» «١» . وللمفسرين في معنى هذه الآية اتجاهات أولها: ما ورد في الحديث الصحيح من أن مشركي مكة، لما أصروا على كفرهم وعلى إعراضهم عن الحق، دعا عليهم الرسول ﷺ بقوله: «اللهم أعنى عليهم بسبع كسبع يوسف..» فأصابهم القحط والبلاء والجوع.. وكنى عن ذلك بالدخان، لأن العرب يسمون الشر الغالب بالدخان، فيقولون: كان بيننا أمر ارتفع له دخان.. والسبب فيه أن الإنسان إذا اشتد ضعفه، أظلمت عيناه، فيرى الدنيا كالمملوءة بالدخان. روى البخاري وغيره عن ابن مسعود قال: إن قريشا لما أبطأت عن الإسلام، واستعصت على رسول الله ﷺ دعا عليهم بسنين كسنى يوسف، فأصابهم من الجهد والجوع حتى أكلوا العظام والميتة وجعلوا يرفعون أبصارهم إلى السماء فلا يرون إلا الدخان ... فقيل: يا رسول الله، استسق الله لمضر فإنها قد هلكت، فاستسقى لهم فسقوا، فأنزل الله: إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ. قال ابن كثير: «وهذا الحديث مخرج في الصحيحين، ورواه الإمام أحمد في مسنده، وهو عند الترمذي والنسائي في تفسيرهما، وعند ابن جرير وابن أبى حاتم من طرق متعددة» «٢» . وعلى هذا الرأى يكون الدخان قد وقع فعلا، بمعنى أن المشركين قد أصابهم بلاء شديد في عهد النبي ﷺ . ثم كشف الله عنهم منه ما كشف ببركة دعاء النبي ﷺ .

стр. 5495

أما الاتجاه الثاني فيرى أصحابه، أن المراد بالدخان، ما يكون قبل يوم القيامة من دخان يسبق ذلك، كعلامة من علامات البعث والنشور.. واستدل أصحاب هذا الاتجاه، بأحاديث ذكرها المفسرون. قال ابن كثير: «وقال آخرون: لم يمض الدخان بعد، بل هو من أمارات الساعة، كما تقدم من حديث حذيفة بن أسيد الغفاري. قال: أشرف علينا رسول الله ﷺ من غرفته ونحن نتذاكر الساعة، فقال: «لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى ابن مريم، والدجال وثلاثة خسوف: خسوف بالمشرق وخسوف بالمغرب، وخسوف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس- أو تحشر الناس- تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل حيث قالوا» . ثم ساق ابن كثير بعد ذلك أحاديث أخرى، وقال في نهايتها: والظاهر أن ذلك يوم القيامة» «١» . ويبدو لنا أن الاتجاه الأول أقرب إلى سياق الآيات التي ذكرها الله- تعالى- في هذه السورة، ولا يتعارض ذلك مع كون ظهور الدخان علامة من علامات قرب يوم القيامة، كما جاء في حديث حذيفة بن أسيد الغفاري، الذي ذكره ابن كثير- ﵀ وقال في شأنه: تفرد بإخراجه مسلم في صحيحه. ومن المفسرين الذين رجحوا الاتجاه الأول الإمام الطبري، فقد قال بعد أن ساق هذين القولين: وأولى القولين بالصواب في ذلك قول ابن مسعود، من أن الدخان الذي أمر الله- تعالى- نبيه أن يرتقبه، هو ما أصاب قومه من الجهد بدعائه عليهم. وإنما قلت القول الذي قاله ابن مسعود- رضى الله عنه- هو أولى بتأويل الآية، لأن الله- تعالى- توعد بالدخان مشركي قريش ... ولأن الأخبار قد تظاهرت بأن ذلك كائن والمعنى: فانتظر يا محمد لمشركي قومك، يوم تأتيهم السماء من البلاء الذي يحل بهم، بمثل الدخان المبين» «٢» . ومنهم- أيضا- الإمام الآلوسى، فقد قال- ﵀: هذا، والأظهر حمل الدخان على ما روى عن ابن مسعود، لأنه أنسب بالسياق، لما أنه في كفار قريش، وبيان سوء حالهم» «٣» .

стр. 5496

وقوله- سبحانه-: يَغْشَى النَّاسَ صفة ثانية للدخان، والمراد بهم كفار مكة وأمثالهم ممن أصابه الجوع والبلاء. أى: ارتقب- أيها الرسول الكريم- يوم تأتى السماء لهؤلاء المشركين بعذاب من صفاته أنه عذاب واضح، يحسونه بحواسهم، ويشعرون به شعورا جليا، ومن صفاته كذلك أنه يحيط بهم من كل جوانبهم، ويجعلهم يتضرعون إلينا ويقولون: هذا عَذابٌ أَلِيمٌ أى: شديد ألمه، وعظيم هوله. ثم يقولون- أيضا-: رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ أى: يا ربنا أزل عنا هذا العذاب المتمثل في الجوع والمرض وغيرهما، فإنك إن رفعت عنا ذلك آمنا برسولك ﷺ ، واتبعنا دعوته، ولكنهم بعد أن كشف الله- تعالى- عنهم هذا العذاب، نقضوا عهودهم، وأصروا على كفرهم. ولذا عقب الله- تعالى- على تضرعهم هذا بقوله: أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى.. أى: كيف يتأتى لهم التذكر والاعتبار والاتعاظ ... والحال أنهم قَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ هو محمد ﷺ ، الذي لم يترك بابا من أبواب الخير إلا وأرشدهم إليه، ولم يترك وسيلة من وسائل الهداية إلا وسلكها معهم.. ولكنهم استحبوا العمى على الهدى، ولذا أكد القرآن ذلك فقال: ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ. أى: كيف يتعظون والحال أنه قد جاءهم رسول عظيم الشأن، وضح الحق أكمل توضيح. فما كان منهم بعد أن استمعوا إليه، إلا الإعراض عن دعوته، ولم يكتفوا بهذا الإعراض والصدود، بل قالوا في شأنه بجهالة وسوء أدب: مُعَلَّمٌ أى: إنسان يعلمه غيره من البشر، وقالوا في شأنه- أيضا- مَجْنُونٌ أى: مختلط في عقله. ثم بين- سبحانه- جانبا من مظاهر فضله عليهم، ورحمته بهم، فقال: إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ. أى: إنا بفضلنا ورحمتنا كاشفو العذاب عنكم كشفا قليلا- أيها المشركون-، ولكنكم لم تقابلوا فضلنا عليكم، ورحمتنا بكم، بالشكر والطاعة بل قابلتم ذلك بالإصرار على الكفر، والثبات على الجحود. فالمراد بقوله- تعالى- إِنَّكُمْ عائِدُونَ: عزمهم وإصرارهم على الاستمرار على الكفر، لأنهم لم يوجد منهم إيمان، حتى يتركوه ويعودوا إلى الكفر، وإنما الذي وجد منهم هو

стр. 5497

الوعد بالإيمان إذا انكشف عنهم العذاب، فلما انكشف عنهم، نقضوا عهودهم، واستمروا على كفرهم. وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ. فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ «١» . ثم هددهم- سبحانه- تهديدا ترتعد له القلوب فقال: يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ. وقوله يَوْمَ منصوب بفعل مقدر. وقوله نَبْطِشُ من البطش بمعنى الأخذ بقوة وعنف. يقال: بطش فلان بفلان يبطش به، إذا نكل به تنكيلا شديدا. أى: اذكر- أيها العاقل- لتعتبر وتتعظ يوم أن نأخذ هؤلاء الكافرين أخذ عزيز مقتدر، حيث ننتقم انتقاما يذلهم ويخزيهم. وهذا البطش الشديد منا لهم سيكون جزءا منه في الدنيا، كانتقامنا منهم يوم بدر وسيكون أشده وأعظمه وأدومه عليهم ... يوم القيامة. وبذلك نرى السورة الكريمة بعد أن مدحت القرآن الكريم مدحا عظيما، وبينت جانبا من مظاهر فضل الله- تعالى- على عباده، أخذت في تسلية الرسول ﷺ عما أصابه من أعدائه، وهددت هؤلاء الأعداء بسوء المصير في الدنيا، وفي الآخرة. ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن جانب من قصة موسى- ﵇ مع فرعون وملئه، وكيف أن الله- تعالى- أجاب دعاء نبيه موسى، فأهلك فرعون وقومه، ونجى موسى وبنى إسرائيل من شرورهم فقال- تعالى-: [سورة الدخان (٤٤) : الآيات ١٧ الى ٣٣] وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨) وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٩) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١) فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢) فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلاً إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ (٢٧) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ (٢٨) فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩) وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١) وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٢) وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ (٣٣)

стр. 5498

واللام في قوله- تعالى-: وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ.. موطئة للقسم. وقوله فَتَنَّا من الفتن بمعنى الاختبار والامتحان. يقال: فتنت الذهب بالنار، إذا أدخلته فيها لتعرف جودته من رداءته. والمراد به هنا: إخبارهم وامتحانهم، بإرسال موسى- ﵇ وبالتوسعة عليهم تارة، وبالتضييق عليهم تارة أخرى. والمعنى: والله لقد اختبرنا فرعون وقومه من قبل أن نرسلك- أيها الرسول الكريم- إلى هؤلاء المشركين، وكان اختبارنا وامتحاننا لهم عن طريق إرسال نبينا موسى إليهم، وعن طريق ابتلائهم بالسراء والضراء لعلهم يرجعون إلى طاعتنا، ولكنهم لم يرجعوا فأهلكناهم. فالآية الكريمة المقصود بها تسلية الرسول ﷺ عما أصابه من قومه، ببيان أن تكذيب الأقوام لرسلهم، حاصل من قبله، فعليه أن يتأسى بالرسل السابقين في صبرهم. والمراد بالرسول الكريم في قوله: - تعالى-: وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ: موسى- ﵇، فقد أرسله- سبحانه- إلى فرعون وقومه، فبلغهم رسالة ربه، ولكنهم كذبوه وعصوه.. ووصف- سبحانه- نبيه موسى بالكرم، على سبيل التشريف له، والإعلاء من قدره، فقد كان- ﵇ كليما لربه، ومطيعا لأمره، ومتحليا بأسمى الأخلاق وأفضلها.

стр. 5499

وأَنْ في قوله- تعالى- أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ.. مفسرة لأن مجيء الرسول إليهم يتضمن معنى القول. وقوله: أَدُّوا إِلَيَّ بمعنى سلموا إلى، أو ضموا إلى ... قوله: عِبادَ اللَّهِ مفعول به. والمراد بهم بنو إسرائيل. والمعنى: جاء إلى فرعون وقومه رسول كريم، هو موسى- ﵇، فقال لهم: سلموا إلى بنى إسرائيل، وأطلقوهم من الذل والهوان، واتركوهم يعيشون أحرارا في هذه الدنيا. ويؤيد هذا المعنى قوله- تعالى- في موضع آخر: فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ، فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ.. «١» . ويصح أن يكون المراد بقوله أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ.. بمعنى: أن استجيبوا لدعوتى، والمراد بالعباد: ما يشمل بنى إسرائيل وغيرهم، ويكون لفظ عِبادَ اللَّهِ منصوب بحرف نداء محذوف. وعليه يكون المعنى: أرسلنا إلى فرعون وقومه رسولا كريما، فجاء إليهم وقال لهم على سبيل النصح والإرشاد: يا عباد الله، إنى رسول الله إليكم، فاستمعوا إلى قولي، واتبعوا ما أدعوكم إليه من عبادة الله- تعالى- وحده، وترك عبادة غيره. قال الآلوسى: قوله: أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ.. أى: أطلقوهم وسلموهم إلى، والمراد بهم بنو إسرائيل الذين كان فرعون يستعبدهم، والتعبير عنهم بعباد الله، للإشارة إلى أن استعباده إياهم ظلم منه لهم.. أو أدوا إلى حق الله- تعالى- من الإيمان وقبول الدعوة يا عباد الله، على أن مفعول أَدُّوا محذوف، وعباد منادى، وهو عام لبنى إسرائيل والقبط والأداء بمعنى الفعل للطاعة- وقبول الدعوة..» «٢» . وقوله- سبحانه-: إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ تعليل لما تقدم. أى: استجيبوا لدعوتى، وأطيعوا أمرى، فإنى مرسل من الله- تعالى- إليكم، وأمين على الرسالة، لأنى لم أبدل شيئا مما كلفنى به ربي. وقوله- سبحانه-: وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ.. معطوف على قوله: أَنْ أَدُّوا.. وداخل في حيز القول.

стр. 5500

أى: قال لهم: أرسلوا معى بنى إسرائيل، واستجيبوا لدعوتى، واحذروا أن تتجبروا أو تتكبروا على الله- تعالى-، بأن تستخفوا بوحيه أو تعرضوا عن رسوله ... إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ أى: إنى آتيكم من عنده- تعالى- بحجة واضحة لا سبيل إلى إنكارها، وببرهان ساطع يشهد بصدقى وأمانتى.. وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ أى: وإنى اعتصمت واستجرت بربي وربكم من أن ترجمونى بالحجارة، أو من أن تلحقوا بي ما يؤذيني، وهذا الاعتصام بالله- تعالى- يجعلني لا أبالى بكم، ولا أتراجع عن تبليغ دعوته- سبحانه- بحال من الأحوال. وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ أى: وقال لهم- أيضا- في ختام نصحه لهم: إنى لن أتراجع عن دعوتكم إلى الحق مهما وضعتم في طريقي من عقبات وعليكم أن تؤمنوا بي، فإن لم تؤمنوا بي. فكونوا بمعزل عنى بحيث تتركونى وشأنى حتى أبلغ رسالة ربي، فإنه لا موالاة ولا صلة بيني وبينكم، مادمتم مصرين على كفركم. فأنت ترى أن موسى- ﵇ قد طلب من فرعون وقومه الاستجابة لدعوته، ونهاهم عن التكبر والغرور، وبين لهم أنه رسول أمين على وحى الله- تعالى-، وأنه معتصم بربه من كيدهم، وأن عليهم إذا لم يؤمنوا به أن يتركوه وشأنه، لكي يبلغ رسالة ربه، ومن شاء بعد ذلك فليؤمن ومن شاء فليكفر. ولكن الإرشادات الحكيمة من موسى لفرعون وقومه، لم تجد أذنا صاغية، فإن الطغيان في كل زمان ومكان، لا يعجبه منطق الحق والعدل والمسالمة، ولكن الذي يعجبه هو التكبر في الأرض بغير الحق، وإيثار الغي على الرشد.. ولذا نجد موسى- ﵇ يلجأ إلى ربه يطلب منه العون والنصرة فيقول- كما حكى القرآن عنه-: فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ. والآية الكريمة معطوفة على كلام محذوف، يفهم من السياق، والتقدير: وبعد أن أمر موسى فرعون وقومه بإخلاص العبادة لله- تعالى- ونهاهم عن الإشراك به.. بعد كل ذلك أصروا على تكذيبه، وأعرضوا عن دعوته، وآذوه بشتى ألوان الأذى فدعا ربه دعاء حارا قال فيه: يا رب إن هؤلاء القوم- وهم فرعون وشيعته- قوم راسخون في الكفر والإجرام، فأنزل بهم عقابك الذي يستحقونه. ثم حكت السورة الكريمة بعد ذلك ما يدل على أن الله- تعالى- قد أجاب دعاء موسى- ﵇، وأنه- سبحانه- قد أرشده إلى ما يفعله فقال: فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ.
следующие страницы →