أى هذا القرآن الذي أنزلناه إليك- أيها الرسول الكريم- بَصائِرُ لِلنَّاسِ لأن ما فيه من حجج وبراهين، تكشف للقلب طريق الحق، كما تكشف العين للإنسان مساره وهو- أيضا- هُدىً أى: هداية عظيمة إلى الرشاد والسعادة وَرَحْمَةٌ واسعة لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ أى: لقوم من شأنهم الإيقان بأنه من عند الله- تعالى-، وبأنك- أيها الرسول الكريم- صادق فيما تبلغه عن ربك.
وخص الموقنين بالذكر، لأنهم هم الذين ينتفعون بحجج القرآن الكريم، وبهداياته، أما الذين في قلوبهم مرض أوشك، فإنهم لا ينتفعون بذلك.
قال- تعالى-: وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ.. وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ «١» .
وقال- سبحانه-: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ، وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى، أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ «٢» .
ثم فرقت السورة الكريمة بين حال الذين يجترحون السيئات، وحال الذين يعملون الصالحات، وحكت جانبا من أقوال المشركين، وردت عليهم بما يبطلها، فقال- تعالى-:
[سورة الجاثية (٤٥) : الآيات ٢١ الى ٢٦]
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٢١) وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٢) أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٣) وَقالُوا ما هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (٢٤) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥)
قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٦)
стр. 5532
وأَمْ
في قوله- تعالى-: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ
منقطعة، وتقدر ببل والهمزة، وما فيها من معنى بل للانتقال من البيان الأول إلى الثاني، والهمزة لإنكار الحسبان.
والاجتراح: الاكتساب، ومنه الجارحة للأعضاء التي يكتسب بها كالأيدى. ويقال: فلان جارحة أهله، أى: هو الذي يكتسب لهم أرزاقهم.
وحسب: فعل ماض، والذين فاعله، وجملة أَنْ نَجْعَلَهُمْ
ساد مسد المفعولين.
والمعنى: بل أحسب الذين اكتسبوا ما يسوء من الكفر والمعاصي، أن نجعلهم متساوين مع الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات في دار الدنيا أو في الدار الآخرة؟
كلا!! لا يستوون فيهما، فإن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يحيون في الدنيا حياة طيبة لا مكان فيها للهموم والأحقاد والإحن ببركة إيمانهم، وفي الآخرة ينالون رضا الله- تعالى- وحسن ثوابه.
أما الذين اجترحوا السيئات فهم في شقاء في الدنيا وفي الآخرة.
قال الشوكانى قرأ الجمهور سَواءً
بالرفع على أنه خبر مقدم. والمبتدأ محياهم ومماتهم. والمعنى إنكار حسبانهم أن محياهم ومماتهم سواء.
وقرأ حمزة والكسائي وحفص سَواءً
بالنصب على أنه حال من الضمير المستتر في الجار والمجرور في قوله: كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
أو على أنه مفعول ثان لحسب «١» .
وقوله: ساءَ ما يَحْكُمُونَ
أى بئس حكما حكمهم هذا الذي زعموا فيه تسويتنا بين
стр. 5533
الذين اجترحوا السيئات، والذين آمنوا وعملوا الصالحات.
فالمقصود بهذه الجملة الكريمة، توبيخهم على أحكامهم الباطلة، وأفكارهم الفاسدة.
قال الآلوسى: قوله: ساءَ ما يَحْكُمُونَ
أى: ساء حكمهم هذا، وهو الحكم بالتساوي، فما مصدرية، والكلام إخبار عن قبح حكمهم المعهود.
ويجوز أن يكون لإنشاء ذمهم على أن ساءَ
بمعنى بئس، فتكون كلمة ما
نكرة موصوفة، وقعت تمييزا مفسرا لضمير الفاعل المبهم والمخصوص بالذم محذوف أى: بئس شيئا حكموا به ذلك «١» .
ثم أكد- سبحانه- عدم المساواة بين الفريقين فقال: وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ أى خلقهما خلقا ملتبسا بالحق الذي لا يحوم حوله باطل.
وقوله وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ معطوف على مقدر يفهم من سياق الكلام.
أى: خلقهما بالحق ليبرهن بذلك على وحدانيته وقدرته. ولتجزى كل نفس يوم القيامة بسبب ما اكتسبته من أعمال.
ويصح أن يكون معطوفا على قوله بِالْحَقِّ. أى: خلقهما بالحق المقتضى للعدل بين العباد، ولتجزى كل نفس بما كسبت، فهو من عطف المسبب على السبب.
وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ أى: الخلائق المدلول عليهم بقوله كُلُّ نَفْسٍ لا يلحقهم شيء من الظلم يوم القيامة، لأن الله- تعالى- قد كتب على نفسه أنه لا يظلم أحدا.
والاستفهام في قوله- سبحانه-: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ للتعجب من حال هؤلاء المشركين، ولتسلية النبي ﷺ عما أصابه منهم من أذى.
والمراد بهواه: ما يستحسنه من تصرفات، حتى ولو كانت تلك التصرفات في نهاية القبح والشناعة والجهالة.
والمعنى: انظر وتأمل- أيها الرسول الكريم- في أحوال هؤلاء الكافرين فإنك لن ترى جهالة كجهالاتهم، لأنهم إذا حسن لهم هواهم شيئا اتخذوه إلها لهم، مهما كان قبح تصرفهم، وانحطاط تفكيرهم، وخضعوا له كما يخضع العابد لمعبوده.
قال ابن عباس: كان الرجل في الجاهلية يعبد الحجر الأبيض زمانا. فإذا رأى غيره أحسن منه عبد الثاني وترك الأول.
стр. 5534
وقوله: وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ أى: وأضل الله- تعالى- هذا الشقي، بأن خلق فيه الضلالة، على علم منه- سبحانه- بأن هذا الشقي أهل لذلك لاستحبابه العمى على الهدى.
فيكون قوله عَلى عِلْمٍ حال من الفاعل، أى أضله- سبحانه- حالة كونه عالما بأنه من أهل الضلال.
ويصح أن يكون حالا من المفعول، أى: وأضل الله- تعالى- هذا الشقي، والحال أن هذا الشقي عالم بطريق الإيمان، ولكنه استحب الغي على الرشد.
وقوله وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ والختم: الوسم بطابع ونحوه، مأخوذ من وضع الخاتم على الشيء، وطبعه فيه للاستيثاق، لكي لا يخرج منه ما بداخله ولا يدخله ما هو خارج عنه.
أى: وطبع على سمعه وقلبه، فجعله لا يسمع سماع تدبر وانتفاع، ولا يفقه ما فيه هدايته ورشده.
وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً أى: وجعل على بصره غطاء، يحجب عنه الرؤية السليمة للأشياء وأصل الغشاوة ما يغطى به الشيء، من غشاه إذا غطاه.
والاستفهام في قوله- تعالى-: فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ للإنكار والنفي.
أى: لا أحد يستطيع أن يهدى هذا الإنسان الذي اتخذ إلهه هواه من بعد أن أضله الله- .
أَفَلا تَذَكَّرُونَ أى: أفلا تتفكرون وتتأملون فيما سقت لكم من مواعظ وعبر، تفكرا يهديكم إلى الرشد، ويبعثكم على الإيمان.
فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة، تسلية للرسول ﷺ عما أصابه من المشركين، وتعجيب من أحوالهم التي بلغت الغاية في الجهالة والضلالة. ودعوة لهم إلى التذكر والاعتبار، لأن ذلك ينقلهم من الكفر إلى الإيمان.
ثم حكى- سبحانه- بعد ذلك جانبا من أقوالهم الباطلة فقال: وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ.
أى: وقال هؤلاء المشركون على سبيل الجهل والعناد والجحود للحق، ما الحياة إلا هذه الحياة الدنيوية التي نحياها فيها، وليس هناك حياة سواها، فنحن نموت ثم يحيا أولادنا من
стр. 5535
بعدنا أو يموت بعضنا ويحيا البعض الآخر إلى زمن معين، أو نكون أمواتا في أصلاب آبائنا، ثم نحيا بعد ذلك عند الولادة.
وَما يُهْلِكُنا عند انتهاء آجالنا إِلَّا الدَّهْرُ أى: إلا مرور الزمان، وكر الأعوام وتقلب الشهور والأيام.
قال ابن كثير ما ملخصه «يخبر- تعالى- عن قول الدهرية من الكفار، ومن وافقهم من مشركي العرب في إنكار المعاد: وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا ... أى: ما ثمّ إلا هذه الدار، يموت قوم ويعيش آخرون، وما ثمّ معاد ولا قيامة ...
ولهذا قالوا: وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ- أى: إلا مرور الأيام والليالى- فكابروا المعقول وكذبوا المنقول ...
وفي الحديث الصحيح- الذي رواه الشيخان وغيرهما- عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: يقول الله- تعالى-: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب ليله ونهاره.
والمقصود من هذا الحديث النهى عن سب الدهر، لأن الله- تعالى- هو الخالق له، فمن يسب الدهر، فكأنما سب الله- تعالى- لأنه- سبحانه- هو الذي يقلب الليالى والأيام.
وقد كان العرب في الجاهلية إذا ما أصابتهم شدة أو نكبة، قالوا: يا خيبة الدهر، فيسندون تلك الأفعال والمصائب إلى الدهر ويسبونه «١» .
وقوله- تعالى-: وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ رد عليهم فيما قالوه من أقوال باطلة تتعلق بإنكارهم للبعث والحساب.
أى: وليس لهم فيما زعموه من إنكارهم للبعث من علم مستند إلى نقل أو عقل، إن هم إلا يظنون ظنا مبنيا على الوهم والضلال.
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ أى: وإذا تليت عليهم آيات القرآن، الواضحة في دلالتها على أن يوم القيامة حق، وأن الحساب حق.
ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أى: ما كان ردهم على من يذكرهم بالبعث إلا أن قالوا لهم: أعيدوا إلينا آباءنا الذين ماتوا إن كنتم صادقين في قولكم:
إن هناك بعثا وحسابا وثوابا وعقابا.
стр. 5536
وقوله حُجَّتَهُمْ- بالنصب- خبر كان، واسمها قوله: إِلَّا أَنْ قالُوا.
وسمى- سبحانه- أقوالهم مع بطلانها حجة، على سبيل التهكم بهم، والاستهزاء بهذه الأقوال.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم سمى قولهم حجة وليس بحجة؟
قلت: لأنهم أدلوا به كما يدلى المحتج بحجته، وساقوه مساقها، فسميت حجة على سبيل التهكم، أو لأنه في حسبانهم وتقديرهم حجة، أو لأنه في أسلوب قول القائل:
تحية بينهم ضرب وجيع.. كأنه قيل: ما كان حجتهم إلا ما ليس بحجة.
والمراد: نفى أن تكون لهم حجة ألبتة «١» .
ثم ختم- سبحانه- هذه الآية بأمر النبي ﷺ بأن يرد عليهم بما يخرس ألسنتهم فقال: قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ أى: وأنتم في الدنيا ثُمَّ يُمِيتُكُمْ عند انقضاء آجالكم في الدنيا، ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ بأن يعيدكم إلى الحياة مرة أخرى للحساب والجزاء، وهذا اليوم وهو يوم القيامة آت لا رَيْبَ فِيهِ ولا شك في حدوثه.
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ذلك، لاستيلاء الهوى والشيطان على قلوبهم، ولو عقلوا لعلموا أن من أنشأ الإنسان من العدم، قادر على إعادته بعد موته من باب أولى.
ثم أخذت السورة الكريمة في أواخرها في تذكير الناس بأهوال يوم القيامة لكي يستعدوا للقاء هذا اليوم بالإيمان والعمل الصالح، فذكرتهم بأحوال الأخيار والأشرار في هذا اليوم العصيب، وبينت لهم أن الندم لن ينفع في هذا اليوم.. فقال- تعالى-:
[سورة الجاثية (٤٥) : الآيات ٢٧ الى ٣٧]
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧) وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ (٣١)
وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢) وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٣) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٤) ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥) فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٦)
وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)
стр. 5537
قال الإمام الرازي: قوله: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ: أنه- تعالى- لما احتج بكونه قادرا على الإحياء في المرة الأولى، وعلى كونه قادرا على الإحياء في المرة الثانية في الآيات المتقدمة، عمم بعد ذلك الدليل فقال: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أى: لله- تعالى- القدرة على جميع الممكنات سواء أكانت من السموات أم من الأرض «١» .
أى: لِلَّهِ- تعالى- وحده مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ خلقا وتصرفا وإحياء وإماتة لا راد لقضائه. ولا معقب لحكمه.
ثم بين- سبحانه- سوء عاقبة الكافرين يوم القيامة فقال: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ.
أى: ولله- تعالى- ملك السموات والأرض، وله- أيضا- ملك وقت قيام الساعة،
стр. 5538
لأنه لا يستطيع أحد أن يعلم وقت قيامها، أو يتصرف فيه، إلا هو- وفي اليوم الذي تقوم فيه الساعة يخسر المبطلون، أنفسهم وأهليهم، ويصيرون في حال شديدة من الهم والغم والكرب، لأنهم كذبوا بهذا اليوم، وكفروا به وقالوا: ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ.
قال الشوكانى وقوله: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ أى: المكذبون الكافرون المتعلقون بالأباطيل، يظهر في ذلك اليوم خسرانهم لأنهم يصيرون إلى النار، والعامل في يَوْمَ هو الفعل يَخْسَرُ ويومئذ بدل منه، والتنوين للعوض عن المضاف إليه المدلول عليه بما أضيف إليه المبدل منه، فيكون التقدير: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يوم تقوم الساعة، فيكون بدلا توكيديا.
والأحسن أن يكون العامل في يَوْمَ هو مُلْكُ- أى: ما يدل عليه هذا اللفظ.
أى: ولله- تعالى- ملك السموات والأرض- وملك يوم تقوم الساعة، ويكون قوله يَوْمَئِذٍ معمولا ليخسر.. «١» .
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ «٢» .
ثم يعرض- سبحانه- مشهدا من مشاهد هذا اليوم الهائل الشديد فيقول: وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً.
وقوله: - سبحانه-: جاثِيَةً من الجثو وهو الجلوس على الركب بتحفز وترقب وخوف.
يقال: جثا فلان على ركبتيه يجثو جثوا وجثيا، إذا برك على ركبتيه وأنامله في حالة تحفز، كأنه منتظر لما يكرهه.
أى: وترى- أيها العاقل- في هذا اليوم الذي تشيب من هوله الولدان، كل أمة من الأمم متميزة عن غيرها، وجاثية على ركبها، مترقبة لمصيرها في تلهف وخوف فالجملة الكريمة تصور أهوال هذا اليوم، وأحوال الناس فيه، تصويرا بليغا مؤثرا، يبعث على الخوف الشديد من هذا اليوم، وعلى تقديم العمل الصالح الذي ينفع صاحبه يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً، وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ.
стр. 5539
وقوله كُلَّ أُمَّةٍ مبتدأ، وقوله تُدْعى إِلى كِتابِهَا خبره. أى: كل أمة تدعى إلى سجل أعمالها الذي أمر الله- تعالى- ملائكته بكتابته لتحاسب عليه.
وقوله: الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ مقول لقول مقدر. أى: ويقال لهم جميعا في هذا الوقت: اليوم تجدون جزاء أعمالكم التي كنتم تعملونها في الدنيا من خير أو شر. ويقال لهم- أيضا-: هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ.
أى: هذا كتابنا الذي سجلته عليكم الملائكة، يشهد عليكم بالحق، لأنه لا زيادة فيما كتب عليكم ولا نقصان، وإنما هي أعمالكم أحصيناها عليكم.
قال القرطبي: قوله- تعالى-: هذا كِتابُنا قيل من قول الله لهم. وقيل من قول الملائكة.
يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ أى: يشهد. وهو استعارة، يقال: نطق الكتاب بكذا، أى:
بين. وقيل: إنهم يقرءونه فيذكرهم الكتاب ما عملوا، فكأنه ينطق عليهم.
دليله قوله- تعالى-: وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وقوله- سبحانه-: وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ.
وقوله: يَنْطِقُ في موضع الحال من الكتاب» «١» .
وقال الجمل في حاشيته: فإن قيل: كيف أضيف الكتاب إليهم في قوله: كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا.
وأضيف هنا إلى الله- تعالى- فقال: هذا كِتابُنا؟
فالجواب أنه لا منافاة بين الأمرين، لأنه كتابهم بمعنى أنه مشتمل على أعمالهم، وكتاب الله، بمعنى أنه- سبحانه- هو الذي أمر الملائكة بكتابته «٢» .
وقوله- سبحانه-: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ تعليل للنطق بالحق، أى:
إنا كنا نأمر ملائكتنا بنسخ أعمالكم، أى: بكتابتها وتثبيتها عليكم في الصحف، حسنة كانت أو سيئة، فالمراد بالنسخ هنا: الإثبات لا الإزالة.
ثم فصل- سبحانه- ما يترتب على ما سبق من أحكام فقال: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ أى: فيدخلهم- سبحانه- في جنته ورضوانه.
стр. 5540
ذلِكَ العطاء الجزيل هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ الذي لا يدانيه فوز.
وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فيقال لهم على سبيل التوبيخ والتقريع والزجر:
أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ أى: أفلم تأتكم رسلي بآياتى الدالة على وحدانيتي وعلى صدقهم فيما يبلغونه عنى؟ بلى لقد جاءكم رسلي بآياتى.
فَاسْتَكْبَرْتُمْ عن الاستماع إليهم، وعن الاستجابة لهم، واتباع دعوتهم.
وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ أى: وكنتم في الدنيا قوما عادتكم الإجرام، واجتراح السيئات، واقتراف المنكرات.
وَإِذا قِيلَ لكم في الدنيا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ أى: إن ما وعد الله- تعالى- به من البعث والحساب حق وصدق وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها أى: لا شك فيها.
قُلْتُمْ على سبيل العناد والجحود ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ أى: قلتم على سبيل الإنكار لها، والاستبعاد لحصولها: لا نعرف أن هناك شيئا اسمه الساعة، ولا نعترف بها اعترافا يدل على إيماننا بها.
إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ أى: كنتم في الدنيا تقولون: لا نوقن ولا نؤمن بحدوث الساعة، ولكنا نظن ونتوهم أن هناك شيئا اسمه الساعة، وما نحن بمستيقنين بإتيانها.
ولعل هذا الكلام الذي حكاه القرآن الكريم عنهم، هو كلام الشاكين المتحيرين من الكافرين أما الجاحدون منهم فهم الذين حكى القرآن عنهم أنهم قالوا: ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ ...
ثم بين- سبحانه- ما ترتب على هذه الأقوال الباطلة من نتائج فقال: وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا أى: وظهر لهؤلاء الكافرين سيئات أعمالهم على حقيقتها التي كانوا لا يتوقعونها.
وَحاقَ بِهِمْ أى: وأحاط ونزل بهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أى: في الدنيا، فقد كانوا في الدنيا ينكرون البعث والحساب والجزاء ويستهزئون بمن يحدثهم عن ذلك. فنزل بهم العذاب المهين، جزاء استهزائهم وإنكارهم.
وَقِيلَ لهم على سبيل التأنيب والزجر الْيَوْمَ نَنْساكُمْ أى: نهملكم ونترككم في النار كَما نَسِيتُمْ أنتم في الدنيا وأنكرتم لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا وهو يوم القيامة وَمَأْواكُمُ النَّارُ أى: ومسكنكم الذي تأوون إليه النار وبئس القرار.
стр. 5541
وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ أى: وليس لكم من ناصرين ينصرونكم، ويخففون عنكم هذا العذاب الذي حل بكم.
ثم بين- سبحانه- الأسباب التي أدت بهم إلى هذا المصير السيئ فقال: ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُواً.
أى: ذلكم العذاب المبين الذي نزل بكم سببه أنكم استهزأتم بآيات القرآن الكريم، وسخرتم منها، وكذبتم من جاء بها.
وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا أى: وخدعتكم الحياة الدنيا بزخارفها ومتعها وشهواتها.
فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها أى: من النار.
وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ أى: ولا هم يطلب منهم أن يرضوا ربهم، بأن يتوبوا إليه مما كان منهم من كفر وفسوق في الدنيا، لأن التوبة قد فات أوانها.
فقوله: يُسْتَعْتَبُونَ من العتب- بفتح العين وسكون التاء- وهي الموجدة. يقال:
عتب عليه يعتب، إذا وجد عليه، فإذا فاوضه فيما عتب عليه فيه، قيل: عاتبه.
والمقصود من الآية الكريمة أن هؤلاء الكافرين لا يقبل منهم في هذا اليوم عذر أو توبة.
ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بقوله: فَلِلَّهِ الْحَمْدُ أى: فلله- تعالى- وحده الحمد والثناء رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ لا رب سواه ولا خالق غيره.
وَلَهُ الْكِبْرِياءُ أى: العظمة والسلطان والجلال فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
قال ابن كثير: أى: هو العظيم الممجد الذي كل شيء خاضع لديه. فقير إليه وفي الحديث الصحيح يقول الله- تعالى-: «العظمة إزارى، والكبرياء ردائي، فمن نازعنى واحدا منهما أسكنته ناري» .
وَهُوَ الْعَزِيزُ أى: الذي لا يغالب ولا يمانع، الْحَكِيمُ في أقواله وأفعاله «١» .
стр. 5542
وبعد فهذا تفسير محرر لسورة «الجاثية» نسأل الله- تعالى- أن يجعله خالصا لوجهه ونافعا لعباده.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 5543
تفسير سورة الأحقاف
стр. 5544
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة وتمهيد
١- سورة «الأحقاف» هي السورة السادسة والأربعون في ترتيب المصحف، أما ترتيبها في النزول فقد كان بعد سورة «الجاثية» .
والذي يراجع ما كتبه العلماء في ترتيب سور القرآن الكريم، يجد أن الحواميم قد نزلت مرتبة كترتيبها في المصحف.
٢- وسورة «الأحقاف» عدد آياتها خمس وثلاثون آية في المصحف الكوفي، وأربع وثلاثون آية في غيره، وهي من السور المكية.
قال الآلوسى: أخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير أنها نزلت بمكة، فأطلق غير واحد القول بمكيتها من غير استثناء..
واستثنى بعضهم قوله- تعالى-: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَكَفَرْتُمْ بِهِ، وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ.
واستثنى بعضهم قوله- تعالى-: وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي ... إلى قوله- تعالى-: إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ.
٣- وقد افتتحت السورة الكريمة بالثناء على القرآن الكريم، وبيان جانب من مظاهر قدرة الله- تعالى-، وبتلقين النبي ﷺ الجواب السديد الذي يرد به على المشركين، فقال- تعالى-: قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ. أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ، أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ، ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا، أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
ثم تحكى السورة الكريمة بعض الأعذار الزائفة التي اعتذر بها الكافرون وردت عليهم بما يبطلها، فقال- تعالى-: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ، وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ....
٤- ثم انتقلت السورة إلى الحديث عن حسن عاقبة الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا، وعن الوصايا الحكيمة التي أوصى الله- تعالى- بها الأبناء نحو آبائهم، وعن حسن عاقبة
стр. 5545
الذين يعملون بتلك الوصايا، فقال- تعالى-: أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا، وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ، وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ.
كما بينت السورة الكريمة سوء عاقبة الكافرين، الذين أعرضوا عن دعوة الحق، قال- تعالى-: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ، أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا، وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها، فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ.
٥- ثم حذرت السورة المشركين من الإصرار على شركهم، وذكرتهم بما حل بالمشركين من قبلهم كقوم عاد وثمود ... وبينت لهم أن هؤلاء الكافرين لم تغن عنهم أموالهم ولا قوتهم شيئا، عند ما حاق بهم عذاب الله- تعالى-، فقال- سبحانه-: وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ، وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً، فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ، إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ، وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ. وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى، وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ.
٦- ثم أخذت السورة الكريمة في أواخرها، في تسلية الرسول ﷺ وفي إدخال السرور على قلبه بأن ذكرته بحضور نفر من الجن إليه، للاستماع إلى القرآن الكريم، وكيف أنهم عند ما استمعوا إليه أوصى بعضهم بعضا بالإنصات وحسن الاستماع، وكيف أنهم عند ما عادوا إلى قومهم دعوهم إلى الإيمان بالحق الذي استمعوا إليه، وبالنبي الذي جاء به، فقال- تعالى- حكاية عنهم: يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ، يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ.
ثم ختمت السورة الكريمة بأمره ﷺ بالصبر على أذى قومه، فقال- تعالى-:
فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ. كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ، بَلاغٌ، فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ.
٧- والمتأمل في سورة «الأحقاف» يراها، قد أقامت الأدلة على وحدانية الله- تعالى-، وعلى كمال قدرته. وعلى صدق الرسول ﷺ فيما يبلغه عن ربه، وعلى أن هذا القرآن من عند الله، وعلى أن يوم القيامة حق.
أقامت الأدلة على كل ذلك، بأبلغ الأساليب وأحكمها، ومن ذلك أنها ساقت ألوانا من مظاهر قدرة الله- تعالى- في خلقه، كما ذكرت شهادة شاهد من بنى إسرائيل على أن الإسلام هو الدين الحق، كما طوفت بالناس في أعماق التاريخ لتطلعهم على مصارع الغابرين، الذين أعرضوا عن دعوة الحق، كما عقدت عدة مقارنات بين مصير الأخيار ومصير الأشرار..
стр. 5546
وبذلك تكون السورة قد ساقت من الأدلة ما فيه الكفاية والإقناع لأولى الألباب، على أن الرسول ﷺ صادق فيما يبلغه عن ربه.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..
القاهرة- مدينة نصر صباح السبت ١٠ من شهر ربيع الأول سنة ١٤٠٦ هـ ٢٣/ ١١/ ١٩٨٥ م كتبة الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى
стр. 5547
التفسير قال الله- تعالى-:
[سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ١ الى ٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣) قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤)
وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ (٥) وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ (٦)
سورة «الأحقاف» من السور التي افتتحت ببعض الحروف الهجائية، وأقرب الأقوال إلى الصواب في معناها أن يقال: إن هذه الحروف المقطعة قد وردت في افتتاح بعض السور، للإشعار بأن هذا القرآن الذي تحدى به الله- تعالى- المشركين، هو من جنس الكلام المركب من هذه الحروف التي يعرفونها، ويقدرون على تأليف الكلام منها، فإذا عجزوا عن الإتيان بسورة من مثله، فذلك لبلوغه في الفصاحة والحكمة مرتبة فصحاؤهم وبلغاؤهم دونها بمراحل شاسعة.
وفضلا عن كل ذلك فإن تصدير بعض السور، يمثل هذه الحروف المقطعة يجذب أنظار
стр. 5548
المعرضين عن استماع القرآن حين يتلى عليهم إلى الإنصات والتدبر، لأنه يطرق أسماعهم في أول التلاوة بألفاظ غير مألوفة في مجاري كلامهم.
وذلك مما يلفت أنظارهم، ليتبينوا ما يراد منها، فيسمعوا حكما وحججا ومواعظ من شأنها أنها تهديهم إلى الحق، لو كانوا يعقلون.
وقد سبق أن بينا- بشيء من التفصيل- آراء العلماء في هذه الحروف المقطعة «١» .
وقوله- تعالى-: تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ بيان لمصدر هذا القرآن، وأنه من عند الله- تعالى-، لا من عند غيره.
أى: أن هذا القرآن منزل من عند الله- تعالى- الْعَزِيزِ أى: صاحب العزة الغالبة، والسلطان القاهر الْحَكِيمِ في كل أقواله وأفعاله وتصريفه لشئون خلقه.
ثم بين- سبحانه- أنه لم يخلق هذا الكون عبثا، فقال: ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى....
وقوله: إِلَّا بِالْحَقِّ استثناء مفرغ من أهم الأحوال، وهو صفة لمصدر محذوف، وقوله: وَأَجَلٍ مُسَمًّى معطوف على «الحق» والكلام على تقدير مضاف محذوف.
أى: ما خلقنا هذا الكون بسمائه وأرضه وما بينهما من مخلوقات لا يعلمها إلا الله، ما خلقنا كل ذلك إلا خلقا ملتبسا بالحق الذي لا يحوم حوله باطل وبالحكمة التي اقتضتها إرادتنا ومشيئتنا..
وما خلقنا كل ذلك- أيضا- إلا بتقدير أجل معين، هو يوم القيامة الذي تفنى عنده جميع المخلوقات.
فالمراد بالأجل المسمى: يوم القيامة الذي ينتهى عنده آجال الناس، ويقفون بين يدي الله- تعال- للحساب والجزاء.
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا. ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ «٢» .
وقوله- سبحانه-: وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ. ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ ... «٣» .
стр. 5549
ثم بين- سبحانه- موقف المشركين من خالقهم فقال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ والإنذار: الإعلام المقترن بتهديد، فكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذار.
و «ما» في قوله: عَمَّا أُنْذِرُوا يصح أن تكون موصولة والعائد محذوف، ويصح أن تكون مصدرية.
والإعراض عن الشيء: الصدود عنه، وعدم الإقبال عليه، وأصله من العرض- بضم العين- وهو الجانب، لأن المعرض عن الشيء يعطيه جانب عنقه، مبتعدا عنه.
أى: نحن الذين خلقنا بقدرتنا وحكمتنا، السموات والأرض وما بينهما، بالحق الذي اقتضته مشيئتنا، وبتقدير أمد معين، عند انتهائه «تبدل الأرض غير الأرض والسموات..»
ومع كل هذه الدلائل الساطعة الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا، فالذين كفروا بالحق، عن الذي أنذروه من الحساب والجزاء معرضون، وفي طغيانهم يعمهون..
فالآية الكريمة قد وضحت أن هذا الكون لم يخلقه الله- تعالى- عبثا، وأن لهذا الكون نهاية ينتهى عندها، وأن الكافرين- لجهلهم وعنادهم- لم يستجيبوا لمن دعاهم إلى إخلاص العبادة لله الواحد القهار، ولم يستعدوا لاستقبال يوم القيامة بالإيمان والعمل الصالح.
ثم أمر الله- تعالى- رسوله ﷺ أن يوبخ هؤلاء الكافرين على جهالاتهم وعنادهم، فقال: قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ، أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ....
وقوله: أَرَأَيْتُمْ بمعنى أخبرونى، ومفعوله الأول قوله ما تَدْعُونَ وجمله «ماذا خلقوا» سدت مسد مفعوله الثاني.
وجملة: «أرونى» مؤكدة لقوله: أَرَأَيْتُمْ لأنها- أيضا- بمعنى أخبرونى.
والمعنى: قل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء المشركين- على سبيل التوبيخ والتأنيب-: أخبرونى عن هذه الآلهة التي تعبدونها من دول الله- تعالى-، أى شيء في الأرض أوجدته هذه الآلهة؟ إنها قطعا لم تخلق شيئا من الأرض. فالأمر في قوله أَرُونِي للتعجيز والتبكيت.
و «أم» في قوله أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ للإضراب عن أن يكونوا قد خلقوا شيئا، إلى بيان أنهم لا مشاركة لهم مع الله في خلق السموات أو الأرض أو غيرهما. فقوله:
شِرْكٌ بمعنى مشاركة..
أى: بل ألهم مشاركة من الله- تعالى- في خلق شيء من السموات؟ كلا، لا مشاركة
стр. 5550
لهم في خلق أى شيء، وإنما الخالق لكل شيء هو الله رب العالمين.
فالاستفهام للتوبيخ والتقريع.
فالمراد من الآية الكريمة نفى استحقاق معبوداتهم لأى لون من ألوان العبادة بأبلغ وجه، لأن هذه المعبودات لا مدخل لها في خلق أى شيء لا من العوالم السفلية ولا من العوالم العلوية، وإنما الكل مخلوق لله- تعالى- وحده.
ومن الآيات التي وردت في هذا المعنى قوله- تعالى-: هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ «١» .
وبعد أن أفحمهم- سبحانه- من الناحية العقلية، أتبع ذلك بإفحامهم بالأدلة النقلية، فقال- تعالى-: ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا، أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
والأمر في قوله- تعالى- ائْتُونِي للتعجيز والتهكم- أيضا- كما في قوله:
أَرُونِي.
وقوله: أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ أى: بقية من علم يؤثر عن الأولين، وينسب إليهم.
قال القرطبي: وفي الصحاح: «أو أثارة من علم» أى: بقية منه. وكذلك الأثرة- بالتحريك- ويقال: سمنت الإبل على أثارة، أى: على بقية من شحم كان فيها قبل ذلك..
والأثارة: مصدر كالسماحة والشجاعة، وأصل الكلمة من الأثر، وهي الرواية، يقال:
أثرت الحديث آثره أثرا وأثارة وأثرة فأنا آثر، إذا ذكرته عن غيرك، ومنه قيل: حديث مأثور، أى نقله الخلف عن السلف «٢» .
أى: هاتوا لي- أيها المشركون- كتابا من قبل هذا القرآن يدل على صحة ما أنتم عليه من شرك، فإن لم تستطيعوا ذلك- ولن تستطيعوا- فأتونى ببقية من علم يؤثر عن السابقين، ويسند إليهم، ويشهد لكم بصحة ما أنتم فيه من كفر.
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فيما تزعمونه من أنكم على الحق.
وهكذا أخذ عليهم القرآن الحجة، وألزمهم ببطلان ما هم عليه من ضلال، بالأدلة العقلية المتمثلة في شهادة هذا الكون المفتوح، وبالأدلة النقلية المتمثلة في أنه لا يوجد عندهم كتاب أو ما يشبه الكتاب. يستندون إليه في استحقاق تلك المعبودات للعبادة.
стр. 5551
والحق أن هذا الآية الكريمة على رأس الآيات التي تخرس أصحاب الأقوال التي لا دليل على صحتها، وتعلم الناس مناهج البحث الصحيح الذي يوصلهم إلى الحق والعدل..
ثم بين- سبحانه- أن هؤلاء المشركين قد بلغوا الذروة في ضلالهم وجهلهم فقال: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ.
أى: لا أحد أشد ضلالا وجهلا من هؤلاء المشركين الذين يعبدون من دون الله- تعالى- آلهة، هذه الآلهة لا تسمع كلامهم، ولا تعقل نداءهم، ولا تشعر بعبادتهم لها منذ أن عبدوها، إلى أن تقوم الساعة.
فإذا ما قامت الساعة، تحولت هذه الآلهة- بجانب عدم شعورها بشيء إلى عدوة لهؤلاء العابدين لها.
قال بعض العلماء: وفي قوله: إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ نكتة حسنة، وذلك أنه جعل يوم القيامة غاية لعدم الاستجابة، ومن شأن الغاية انتهاء المغيا عندها. لكن عدم الاستجابة مستمر بعد هذه الغاية، لأنهم في يوم القيامة لا يستجيبون لهم.
فالوجه- والله أعلم- أنها من الغايات المشعرة، بأن ما بعدها وإن وافق ما قبلها، إلا أنه أزيد منه زيادة بينة تلحقه بالثاني، حتى كأن الحالتين وإن كانتا نوعا واحدا، لتفاوت ما بينهما كالشىء وضده، وذلك أن الحالة الأولى التي جعلت غايتها القيامة لا تزيد على عدم الاستجابة، والحالة الثانية التي في القيامة زادت على عدم الاستجابة، بالعداوة بالكفر بعبادتهم إياهم «١» .
ثم أكد- سبحانه- عدم إحساس الأصنام بعابديها فقال: وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ.
أى: وهذه الأصنام عن عبادة عابديها غافلة، لا تدرك شيئا، ولا تحس بمن حولها.
قال صاحب الكشاف: وإنما قيل «من» و «هم» لأنه أسند إليهم ما يسند إلى أولى العلم من الاستجابة والغفلة، ولأنهم كانوا يصفونهم بالتمييز جهلا وغباوة.
ويجوز أن يريد: كل معبود من دون الله من الجن والإنس والأوثان «٢» .
ثم بين ما يكون بين العابدين والمعبودين من عداوة يوم القيامة فقال: وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ.
стр. 5552
أى: وإذا جمع الله- تعالى- الناس للحساب والجزاء يوم القيامة، صار الكفار مع من عبدوهم من دون الله أعداء، يلعن بعضهم بعضا، وكانُوا أى: المعبودين بِعِبادَتِهِمْ أى بعبادة الكفرة إياهم كافِرِينَ أى: جاحدين مكذبين.
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا. كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا «١» .
وقوله- سبحانه-: وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً، وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ «٢» .
ثم لقن الله- سبحانه- نبيه ﷺ أجوبه أخرى، ليرد بها على الأقوال الزائفة التي تفوه بها المشركون فقال- تعالى-:
[سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ٧ الى ١٠]
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨) قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠)
стр. 5553
وقوله تُتْلى من التلاوة بمعنى القراءة بتمهل وترتيل. أى: وإذا تتلى على هؤلاء الكافرين، آياتنا الواضحة الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ أى: قالوا للآيات المتلوة عليهم. والتي اشتملت على الحق الذي يهديهم إلى الصراط المستقيم.
هذا سِحْرٌ مُبِينٌ أى: قالوا: هذا الذي جئتنا به يا محمد سحر واضح، وتمويه ظاهر.
والتعبير بقوله- سبحانه-: قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ: يشعر بأن هؤلاء الجاحدين الجاهلين، قد بادروا إلى وصف ما جاءهم به الرسول ﷺ بأنه سحر، بدون تفكر أو تأمل أو انتظار.
وفي وصفهم لما جاءهم به الرسول ﷺ بأنه سحر، دليل على عجزهم عن الإتيان بمثله، أو بسورة من مثله.
ثم حكى- سبحانه- جانبا من أكاذيبهم فقال: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ... و «أم» هنا منقطعة بمعنى بل والهمزة، وتفيد الإضراب والانتقال من حكاية أقوالهم الباطلة السابقة. إلى أقوال أخرى أشد منها بطلانا وكذبا. والاستفهام للإنكار والتعجب من حالهم.
والافتراء: أشنع الكذب. أى: بل أيقول هؤلاء الكافرون لك- أيها الرسول الكريم- إنك افتريت هذا القرآن واختلقته من عند نفسك؟.
ثم لقن الله- تعالى- نبيه ﷺ الرد الذي يخرسهم فقال قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً.
أى: قل لهم- أيها الرسول الكريم- في الرد على زعمهم أنك افتريت هذا القرآن: إن كنت على سبيل الفرض والتقدير قد افتريته من عند نفسي، عاقبني ربي، ولا تستطيعون أنتم أو غيركم أن تمنعوا عنى شيئا من عذابه وعقابه، وما دام الأمر كذلك فكيف أفتريه، وأنا أعلم علم اليقين أن افتراء شيء منه يؤدى إلى عقابي؟
فجواب «إن» في قوله: إِنِ افْتَرَيْتُهُ محذوف، وتقديره: عاجلني بالعقوبة، وقوله: فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً قام مقامه.
قال- تعالى-: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ. لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ. ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ. فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ «١» .
стр. 5554
وقوله: هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ أى: الله- تعالى- الذي زعمتم أنى أفترى عليه الكذب، هو أعلم منى ومنكم ومن كل المخلوقات، بما تندفعون فيه من القدح في آياته، والإعراض عن دعوته، وسيجازيكم على ذلك بما تستحقونه من عقاب.
فقوله: تُفِيضُونَ من الإفاضة، وهي الأخذ في الشيء باندفاع وعنف، وأصله من فاض الإناء، إذا سال بشدة.
وقوله- سبحانه-: كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ترهيب لهم من الانسياق في كفرهم، وترغيب لهم في الدخول في الإيمان لينالوا مغفرة الله- تعالى- ورحمته.
أى: كفى بشهادة الله- تعالى- بيني وبينكم شهادة، فهو الذي يعلم أنى صادق فيما أبلغه عنه، ويعلم أنكم الكاذبون فيما تزعمونه، وهو- سبحانه- الواسع المغفرة والرحمة، لمن تاب إليه وأناب.
ثم أمره الله- تعالى- أن يبين لهم أن ما جاءهم به من هداية، قد جاء بها الرسل من قبله لأقوامهم، وأنه رسول كسائر الرسل السابقين فقال- تعالى-: قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ ...
والبدع من كل شيء: أوله ومبدؤه. يقال: فلان بدع في هذا الأمر، أى: هو أول فيه دون أن يسبقه فيه سابق، من الابتداع بمعنى الاختراع.
أى: وقل لهم- أيها الرسول الكريم- إنى لست أول رسول أرسله الله- تعالى- إلى الناس، وإنما سبقني كثيرون أنتم تعرفون شيئا من أخبارهم ومن أخبار أقوامهم، ومادام الأمر كذلك فكيف تنكرون نبوتي، وتشككون في دعوتي؟.
وقوله- سبحانه-: وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ، إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ، وَما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ بيان لوظيفته ﷺ . أى: وإننى وأنا رسول الله لا أعلم ما سيفعله الله- تعالى- بي أو بكم في المستقبل من أمور الدنيا، هل سأبقى معكم في مكة أو سأهاجر منها. وهل سيصيبكم العذاب عاجلا أو آجلا؟ فإنى ما أفعل معكم، ولا أقول لكم إلا ما أوحاه الله- تعالى- إليّ، وما أنا إلا نذير مبين، أوضح لكم الحق من الباطل، وأخوّفكم من سوء المصير، إذا ما بقيتم على كفركم وشرككم.
فالمقصود بقوله- تعالى-: وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ أى: في دار الدنيا، أما بالنسبة للآخرة، فالله- تعالى- قد بشره وبشر أتباعه بالثواب العظيم في آيات كثيرة، ومن ذلك قوله- تعالى-: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى. وقوله- سبحانه-: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً.
стр. 5555
قال الإمام ابن كثير ما ملخصه: قال الحسن البصري في قوله: وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ أى: في الدنيا، أأخرج كما أخرجت الأنبياء قبلي؟ أم أقتل كما قتلوا، ولا أدرى أيخسف بكم أو ترمون بالحجارة؟ أما في الآخرة فمعاذ الله، قد علم أنه في الجنة.
وهذا القول هو الذي عوّل عليه ابن جرير، وأنه لا يجوز غيره، ولا شك أن هذا هو اللائق به ﷺ ، فإنه بالنسبة للآخرة، جازم أنه يصير إلى الجنة ومن اتبعه، وأما في الدنيا فلم يدر ما كان يؤول إليه أمره وأمر المشركين. أيؤمنون أم يكفرون فيعذبون فيستأصلون بكفرهم؟ «١» .
والمتدبر في هذه الآية الكريمة، يراها قد اشتملت على أسمى ألوان الأدب من النبي ﷺ مع خالقه- فقد فوّض ﷺ أمره إلى خالقه، وصرح بأنه لا يتبع إلا ما يوحيه إليه سبحانه- وأنه لا علم له بالغيب، وإنما علم ذلك إلى الله- تعالى- وحده.
ثم أمر الله- تعالى- رسوله ﷺ مرة أخرى، أن يذكرهم بإيمان العقلاء من أهل الكتاب بهذا الدين، لعلهم عن طريق هذا التذكير يقلعون عن كفرهم وعنادهم فقال: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ.
أى: قل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء الكافرين: أخبرونى إن كان هذا الذي أوحاه الله- تعالى- إليّ من قرآن، هو من عنده- تعالى- وحده، والحال أنكم كفرتم به ألستم في هذه الحالة تكونون ظالمين لأنفسكم وللحق الذي جئتكم به من عند خالقكم؟ لا شك أنكم في هذه الحالة تكونون ظالمين جاحدين.
وقوله- سبحانه-: وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ، فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ ...
معطوف على ما قبله على سبيل التأكيد لظلمهم.
أى: أخبرونى إن كان هذا القرآن من عند الله، والحال أنكم قد كفرتم به، مع أن شاهدا من بنى إسرائيل الذين تثقون بشهادتهم، قد شهد على مثل القرآن بالصدق. لاتفاق التوراة والقرآن على وحدانية الله- تعالى- وعلى أن البعث حق، وعلى أن الجزاء حق.. فآمن هذا الشاهد بالقرآن وبمن جاء به وهو الرسول ﷺ واستكبرتم أنتم عن الإيمان..
ألستم في هذه الحالة تكونون على رأس الظالمين الجاحدين لكل ما هو حق وصدق؟! فجواب الشرط في الآية محذوف. أى: إذا كان الأمر كما ذكرنا ومع ذلك لم تؤمنوا فقد
стр. 5556
كفرتم وظلمتم، والله- تعالى- لا يهدى القوم الذين من شأنهم استحباب الظلم على العدل، والعمى على الهدى.
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ، مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ «١» .
قال صاحب الكشاف- ﵀: جواب الشرط محذوف تقديره. إن كان القرآن من عند الله وكفرتم به، ألستم ظالمين، ويدل على هذا المحذوف قوله- تعالى-: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.
والشاهد من بنى إسرائيل: عبد الله بن سلام.. وفيه نزل: وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ....
والضمير للقرآن. أى: على مثله في المعنى، وهو ما في التوراة من المعاني المطابقة لمعانى القرآن من التوحيد والوعد والوعيد وغير ذلك «٢» .
وعلى رأى صاحب الكشاف تكون الآية مدنية في سورة مكية، لأن إيمان عبد الله بن سلام- رضى الله عنه- كان بالمدينة ولم يكن بمكة.
ومن المفسرين من يرى أن الآية الكريمة نزلت في شأن كل من آمن من أهل الكتاب، وأنها لم تنزل في عبد الله بن سلام بصفة خاصة..
قال الإمام ابن كثير: وهذا الشاهد اسم جنس، يعم عبد الله بن سلام وغيره، فإن هذه الآية مكية نزلت قبل إسلام عبد الله بن سلام، وهذه كقوله- تعالى-: وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا، إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ.
قال مسروق والشعبي: ليس بعبد الله بن سلام. هذه الآية مكية، وإسلامه كان بالمدينة..
وقال مالك عن أبى النضر، عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: ما سمعت رسول الله ﷺ يقول لأحد يمشى على الأرض: «إنه من أهل الجنة» إلا لعبد الله بن سلام، قال: وفيه نزلت: وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ.. وكذا قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة.. «٣» .
وعلى أية حال فالمقصود من الآية الكريمة إثبات أن هذا القرآن من عند الله- تعالى-،
стр. 5557
وأن الرسول ﷺ صادق فيما يبلغه عن ربه، وأن العقلاء من أهل الكتاب قد شهدوا بذلك، وآمنوا بالنبي ﷺ ، فكان من الواجب على المشركين- لو كانوا يعقلون- أن يقلعوا عن عنادهم، وأن يتبعوا الحق الذي جاءهم به النبي ﷺ .
ثم حكى- سبحانه- بعض الأعذار الفاسدة، التي اعتذر بها الكافرون عن عدم دخولهم في الإسلام، ورد عليهم بما يكبتهم، وبشر المؤمنين الصادقين بما يشرح صدورهم فقال:
[سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ١١ الى ١٤]
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢) إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤)
وقد ذكر المفسرون في سبب نزول قوله- تعالى-: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا.. روايات منها: أن مشركي مكة حين رأوا أن أكثر المؤمنين من الفقراء، كعمار، وبلال، وعبد الله بن مسعود.. قالوا ذلك.
وسبب قولهم هذا، اعتقادهم الباطل، أنهم هم الذين لهم عند الله العظمة والجاه والسبق إلى كل مكرمة، لأنهم هم أصحاب المال والسلطان، أما أولئك الفقراء فلا خير فيهم، ولا سبق لهم إلى خير..
أى: وقال الذين كفروا للذين آمنوا- على سبيل السخرية والاستخفاف بهم-، لو كان هذا الذي أنتم عليه من الإيمان بما جاء به محمد ﷺ حقا وخيرا، لما سبقتمونا إليه، ولما سبقنا إليه غيركم من المؤمنين لأننا نحن العظماء الأغنياء.. وأنتم الضعفاء الفقراء..
فهم- لانطماس بصائرهم وغرورهم- توهموا أنهم لغناهم وجاههم هم المستحقون للسبق
стр. 5558
إلى كل خير، وأن غيرهم من الفقراء لا يعقل ما يعقلونه، ولا يفهم ما يفهمونه.
ومن الآيات الكريمة التي تشبه هذه الآية قوله- تعالى-: وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا: أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا.. «١» .
وقوله- سبحانه-: وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ تعجيب من غرورهم وعنادهم، ورميهم الحق بما هو برىء منه.
و «إذ» ظرف لكلام محذوف دل عليه الكلام، أى: وإذ لم يهتدوا بما جاء به الرسول ﷺ من عند ربه، ظهر عنادهم واستكبارهم وقالوا هذا القرآن كذب قديم من أخبار السابقين، نسبه محمد ﷺ إلى ربه.
وشبيه بهذا الآية. قوله- تعالى-: وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا.. «٢» .
ثم بين- سبحانه- أن هذا القرآن هو المهيمن على الكتب السماوية التي سبقته فقال- تعالى-: وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً ...
أى: ومن قبل هذا القرآن الذي أنزلناه على نبينا محمد ﷺ كان كتاب موسى وهو التوراة إِماماً يهتدى به في الدين وَرَحْمَةً من الله- تعالى- لمن آمن به.
وقوله: وَمِنْ قَبْلِهِ خبر مقدم، وكِتابُ مُوسى مبتدأ مؤخر، وقوله: إِماماً وَرَحْمَةً حالان من كِتابُ مُوسى..
والمقصود من هذه الجملة الكريمة، الرد على قولهم في القرآن هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ فكأنه- تعالى- يقول لهم: كيف تصفون القرآن بذلك، مع أنه قد سبقه كتاب موسى الذي تعرفونه، والذي وافق القرآن في الأمر بإخلاص العبادة لله- تعالى- وحده، وفي غير ذلك من أصول الشرائع..
ثم مدح- سبحانه- هذا القرآن بقوله: وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا، لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ.
أى: وهذا القرآن الذي أنزلناه على نبينا محمد ﷺ مصدق لكتاب موسى الذي هو إمام ورحمة، ومصدق لغيره من الكتب السماوية السابقة وأمين عليها، وقد أنزلناه بلسان عربي مبين، امتنانا منا على من بعث الرسول ﷺ فيهم وهم العرب.
стр. 5559
وقد اقتضت حكمتنا أن نجعل من وظيفة هذا الكتاب: الإنذار للظالمين بسوء المصير إذا ما أصروا على ظلمهم، والبشارة للمحسنين بحسن عاقبتهم بسبب إيمانهم وإحسانهم.
فاسم الإشارة في قوله: وَهذا يعود للقرآن الكريم، وقوله مصدق صفة لكتاب.
وقوله لِساناً عَرَبِيًّا حال من الضمير في «مصدق» الذي هو صفة للكتاب والضمير في «لينذر» يعود إلى الكتاب، و «الذين ظلموا» مفعوله. أى: لينذر الكتاب الذين ظلموا، وقوله: وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ في محل نصب عطفا على محل «لينذر» .
وقال- سبحانه- في صفة هذا الكتاب مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا ولم يقل: مصدق لكتاب موسى، للتنبيه على أنه مصدق لكتاب موسى ولغيره من الكتب السماوية السابقة.
والتعبير بقوله لِساناً عَرَبِيًّا فيه تكريم للعرب، وتذكير لهم بنعمة الله عليهم، حيث جعل القرآن الذي هو أجمع الكتب السماوية للهدايات والخيرات بلسانهم، وهذا يقتضى إيمانهم به، وحرصهم على اتباع إرشاداته.
وقوله- تعالى-: لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ بيان لوظيفة هذا الكتاب، وتحديد لمصير كل فريق، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من من حي عن بينة.
ثم فصل- سبحانه- ما أعده للمحسنين من جزيل الثواب فقال: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ... أى: قالوا ذلك بألسنتهم، وصدقت هذا القول قلوبهم ثُمَّ اسْتَقامُوا بعد ذلك على صراط الله المستقيم، بأن فعلوا بإخلاص وطاعة كل ما أمرهم- سبحانه- بفعله، واجتنبوا بقوة كل ما أمرهم باجتنابه، وقوله: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ خبر «إن» ، وجيء بالفاء في خبر الموصول لما فيه من معنى الشرط.
أى: إن الذين قالوا ذلك، ثم استقاموا وثبتوا على طاعتنا فلا خوف عليهم من لحوق مكروه بهم، ولا هم يحزنون بسبب فوات محبوب لديهم، وإنما هم في سعادة مستمرة، وفي سرور دائم، لا يعكره خوف من مستقبل مجهول، ولا حزن على أمر قد مضى.
أُولئِكَ الموصوفون بما ذكر من الإيمان والاستقامة، هم أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها خلودا أبديا. جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ أى: يجزون هذا الجزاء الطيب بسبب أعمالهم الصالحة، التي كانوا يعملونها في الدنيا.
وبعد هذا الحديث عن حقيقة هذا الدين، وعن حسن عاقبة الذين قالوا ربنا الله ثم
стр. 5560
استقاموا، جاء الحديث عن وجوب الإحسان إلى الوالدين وعما يترتب عليه هذا الإحسان من ثواب عظيم، قال- تعالى-:
[سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ١٥ الى ١٦]
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (١٦)
قال الإمام ابن كثير: لما ذكر- تعالى- في الآية الأولى التوحيد له، وإخلاص العبادة والاستقامة إليه، عطف بالوصية بالوالدين، كما هو مقرون في غير ما آية من القرآن، كقوله: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وقال: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة «١» .
وقوله- سبحانه-: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً ... من الإيصاء بالشيء بمعنى الأمر به. قال- تعالى-: وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا أى: أمرنى بالمحافظة على أدائهما..
وقوله: إِحْساناً قراءة عاصم وحمزة والكسائي. وقرأ غيرهم من بقية السبعة حسنا وعلى القراءتين فانتصابهما على المصدرية. أى: ووصينا الإنسان وأمرناه بأن يحسن إلى والديه إحسانا أو حسنا، بأن يقدم إليهما كل ما يؤدى إلى برهما وإكرامهما.
ويصح أن يكون وصينا بمعنى ألزمنا، فيتعدى لاثنين، فيكون المفعول الثاني منهما، قوله:
إِحْساناً أو حسنا.
стр. 5561
وقوله- سبحانه-: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً تعليل للإيصاء المذكور ولفظ كُرْهاً قرئ بضم الكاف وفتحها، وهما قراءتان سبعيتان، قالوا: ومعناهما واحد كالضّعف- بتشديد الضاد وفتحها أو ضمها- فهما لغتان بمعنى واحد.
وهذا اللفظ منصوب على الحال من الفاعل. أى: حملته أمه ذات كره. ووضعته ذات كره، أو هو صفة لمصدر مقدر، أى: حملته حملا ذا كره، ووضعته كذلك.
ولا شك في أن الأم تعانى في أثناء حملها ووضعها لوليدها، الكثير من المشاق والآلام والمتاعب.. فكان من الوفاء أن يقابل ذلك منها بالإحسان والإكرام.
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى- في آية أخرى: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ.. «١» .
أى: حملته أمه ضعفا على ضعف، لأن الحمل كلما تزايد وعظم في بطنها، ازداد ضعفها..
وقوله- تعالى-: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً بيان لمدة الحمل والفطام، والكلام على حذف مضاف. والفصال: مصدر فاصل، وهو بمعنى الفطام، وسمى الفطام فصالا، لأن الطفل ينفصل عن ثدي أمه في نهاية الرضاع.
أى: ومدة حمل الطفل مع مدة فصاله عن ثدي أمه، ثلاثون شهرا.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: المراد بيان مدة الرضاع لا الفطام، فكيف عبر عنه بالفصال.. قلت: لما كان الرضاع يليه الفصال ويلابسه، لأنه ينتهى به ويتم، سمى فصالا..
وفيه فائدة، وهي الدلالة على الرضاع التام المنتهى بالفصال ووقته.. «٢» .
وقال الشوكانى: وقد استدل بهذه الآية على أن أقل الحمل ستة أشهر، لأن مدة الرضاع سنتان، أى: مدة الرضاع الكامل، كما في قوله- تعالى-: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ فذكر- سبحانه- في هذه الآية أقل مدة الحمل، وأكثر مدة الرضاع.
وفي هذه الآية إشارة إلى أن حق الأم، آكد من حق الأب، لأنها هي التي حملت وليدها بمشقة ووضعته بمشقة، وأرضعته هذه المدة بتعب ونصب.. «٣» .
وقوله- تعالى-: حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ.. غاية لمحذوف يفهم من سياق الكلام.
стр. 5562
والأشد: قوة الإنسان واشتعال حرارته، من الشدة بمعنى القوة والارتفاع. يقال: شد النهار، إذا ارتفع، وهو مفرد جاء بصيغة الجمع، ولا واحد له من لفظه.
والمراد ببلوغ أشده: أن يصل سنه على الراجح- إلى ثلاث وثلاثين سنة.
وقوله: أَوْزِعْنِي أى: رغبني ووفقني، من قولك: أوزعت فلانا بكذا، إذا أغريته وحببته في فعله. أى: أن هذا الإنسان بعد أن بقي في بطن أمه ما بقي، وبعد أن وضعته وأرضعته وفطمته وتولته برعايتها، واستمرت حياته «حتى إذا بلغ أشده» أى: حتى إذا بلغ زمن استكمال قوته، وبلغ أربعين سنة وهي تمام اكتمال العقل والقوة والفتوة.
قالَ على سبيل الشكر لخالقه رَبِّ أَوْزِعْنِي ... أى: يا رب وفقني وألهمنى أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ بأن وفقتني ووفقتهما إلى صراطك المستقيم، وبأن رزقتهما العطف عليّ، ورزقتني الشكر لهما، ووفقني- أيضا- أَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ منى، وتقبله عندك وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي أى: واجعل- يا إلهى- الصلاح راسخا في ذريتي، وساريا فيها، لأن صلاح الذرية فيه السعادة الغامرة للآباء.
إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ توبة صادقة نصوحا وإنى من المسلمين الذين أخلصوا نفوسهم لطاعتك، وقلوبهم لمرضاتك.
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد اشتملت على أسمى ألوان الدعوات، التي عن طريق إجابتها تتحقق السعادة الدنيوية والأخروية.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما معنى «في» في قوله: وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي؟
قلت: معناه أن يجعل ذريته موقعا للصلاح ومظنته، كأنه قال: هب لي الصلاح في ذريتي، وأوقعه فيهم. «١» .
وفي الآية الكريمة: تنبيه للعقلاء، إلى أن شأنهم- خصوصا عند بلوغ سن الأربعين. أن يكثروا من التضرع إلى الله بالدعاء، وأن يتزودوا بالعمل الصالح، فإنها السن التي بعث الله- تعالى- فيها معظم الأنبياء، والتي فيها يكتمل العقل، وتستجمع القوة، ويرسخ فيها خلق الإنسان الذي تعوده وألفه ورحم الله القائل:
إذا المرء وافى الأربعين ولم يكن ... له دون ما يهوى حياء ولا ستر
فدعه، ولا تنفس عليه الذي مضى ... وإن جر أسباب الحياة له العمر
стр. 5563
ثم بين- سبحانه- حسن عاقبة من يسلك هذا الطريق القويم فقال: أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا ...
واسم الإشارة يعود إلى الإنسان باعتبار الجنس. أى: أولئك الموصوفون بما ذكر من الصفات الجميلة، هم الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا من الأعمال الطيبة المتقبلة عندنا.. وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فلا نعاقبهم عليها، لكثرة توبتهم إلينا.. بل نجعلهم فِي عداد أَصْحابِ الْجَنَّةِ الخالدين فيها، والمتنعمين بخيراتها.
فالجار والمجرور في قوله أَصْحابِ الْجَنَّةِ في محل نصب على الحال، على سبيل التشريف والتكريم، كما تقول: أكرمنى الأمير في أصحابه، أى: حالة كوني معدودا من أصحابه.
وقوله- تعالى-: وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ تذييل مؤكد لما قبله. ولفظ وَعْدَ مصدر لفعل مقدر. أى: وعدهم الله- تعالى- وعد الصدق الذي كانوا يوعدون به على ألسنة الرسل في الدنيا.
هذا، وقد ذكر بعض المفسرين أن هاتين الآيتين نزلتا في شأن أبى بكر الصديق- رضى الله عنه-، وقد استجاب الله دعاءه، فأسلم أبواه وأولاده جميعا.. «١» .
وبعد أن ساق- سبحانه- هذه الصورة الوضيئة لأصحاب الجنة، أتبع ذلك ببيان صورة سيئة لنوع آخر من الناس، فقال- تعالى-:
[سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ١٧ الى ٢٠]
وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧) أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (١٨) وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٩) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)
стр. 5564
والاسم الموصول في قوله- تعالى-: وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما.. بمعنى الذين، وهو مبتدأ وخبره قوله: أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ.. وهذا صريح في أن المراد بقوله: وَالَّذِي العموم وليس الإفراد، وهذا يدل- أيضا- على فساد قول من قال إن الآية نزلت في شأن عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق- رضى الله عنهما-، والصحيح أنها في حق كل كافر عاق لوالديه، منكر للبعث.
قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: وهذا عام في كل من قال هذا، ومن زعم أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبى بكر، فقوله ضعيف، لأن عبد الرحمن أسلم بعد ذلك، وحسن إسلامه، وكان من خيار أهل زمانه.
أخرج البخاري عن يوسف بن ماهك قال: كان مروان على الحجاز، استعمله معاوية بن أبى سفيان، فخطب وجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه.
فقال له عبد الرحمن بن أبى بكر شيئا.. فقال مروان: إن هذا الذي أنزل فيه: وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما ...
فقالت عائشة من وراء حجاب: ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن، إلا أن الله أنزل عذري. وفي رواية للنسائى أنها قالت: كذب مروان، والله ما هو به، ولو شئت أن أسمى الذي نزلت فيه لسميته.. «١» .
ولفظ «أف» : اسم صوت ينبئ عن التضجر، أو اسم فعل مضارع هو أتضجر.
والمقصود به هنا: إظهار الملل والتأفف والكراهية لما يقوله أبواه من نصح له.
وقوله: أَتَعِدانِنِي فعل مضارع من وعد الماضي، وحذف واوه في المضارع مطرد.
стр. 5565
والنون الأولى نوع الرفع، والثانية نون الوقاية.
وقوله: أَنْ أُخْرَجَ: أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر هو المفعول الثاني لقوله:
أَتَعِدانِنِي. أى: والذي قال لوالديه- على سبيل الإنكار والإعراض عن نصحهما- أُفٍّ لَكُما أى: أقول بعدا وكرها لقولكما، أو إنى متضجر من قولكما.
أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ أى: أتعداننى الخروج من قبري بعد أن أموت، لكي أبعث وأحاسب على عملي، والحال أنه قَدْ خَلَتِ أى: مضت الْقُرُونُ الكثيرة مِنْ قَبْلِي دون أن يخرج أحد منهم من قبره، ودون أن يرجع بعد أن مات.
فالآية الكريمة تصور بوضوح ما كان عليه هذا الإنسان، من سوء أدب مع أبويه، ومن إنكار صريح للبعث والحساب والجزاء.
ثم حكى- سبحانه- مارد به الأبوان فقال: وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ، إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ....
وقوله: يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ أى: يلتمسان غوثه وعونه في هداية هذا الإنسان إلى الصراط المستقيم، والجملة في محل نصب على الحال.
ولفظ «ويلك» في الأصل، يقال في الدعاء على شخص بالهلاك والتهديد. والمراد به هنا:
حض المخاطب على الإيمان والطاعة لله رب العالمين.
أى: هذا هو حال الإنسان العاق الجاحد، أما حال أبواه، فإنهما يفزعان لما قاله وترتعش أفئدتهما لهذا التطاول والصدود عن الحق، فيلجئان إلى الله، ويلتمسان منه- سبحانه- الهداية لابنهما، ويحضان هذا الابن على الإيمان بوحدانية الله- تعالى-، وبالبعث والحساب والجزاء، فيقولان له: وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولا خلف فيه، ولا راد له..
والمتأمل في هذه الجملة الكريمة يراها تصور لهفة الوالدين على إيمان ولدهما أكمل تصوير، فهما يلتمسان من الله له الهداية، ثم يهتفان بهذا الابن العاق بفزع أن يترك هذا الجحود، وأن يبادر إلى الإيمان بالحق..
ولكن الابن العاق يصر على كفره، ويلج في جحوده: فَيَقُولُ في الرد على أبويه ما هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ. أى: ما هذا الذي تعدانني إياه من البعث والحساب والجزاء.. إلا أباطيل الأولين وخرافاتهم التي سطروها في كتبهم.
فالأساطير: جمع أسطورة، وهي ما سجله الأقدمون في كتبهم من خرافات وأكاذيب.
стр. 5566
وقوله: أُولئِكَ.. اسم الإشارة هذا يعود إلى العاقين المكذبين بالبعث والجزاء المذكورين في قوله- تعالى- قبل ذلك: وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما ...
أى: أولئك القائلون ذلك، هم الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ أى: وجب عليهم العذاب الذي حكم به- سبحانه- على أمثالهم في قوله- تعالى- لإبليس لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ كما يفيده قوله- سبحانه- بعد ذلك. فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ. أى: أولئك الذين وجب عليهم العذاب، حالة كونهم مندرجين في أمم قد مضت من قبلهم من طائفة الجن ومن طائفة الإنس إِنَّهُمْ جميعا كانُوا خاسِرِينَ لأنهم استحبوا الكفر على الإيمان.
ثم بين- سبحانه- مظهرا من مظاهر عدالته في حكمه بين عباده فقال: وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا. وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ.
والتنوين في قوله وَلِكُلٍّ عوض عن المضاف إليه المحذوف، والجار والجرور في قوله مِمَّا عَمِلُوا صفة لقوله دَرَجاتٌ، ومن بيانية، وما موصولة.
وقوله: وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ علة لمحذوف.. والمعنى: ولكل فريق من الفريقين: فريق المؤمنين المعبر عنهم بقوله: - تعالى-: أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا ...
وفريق الكافرين المعبر عنهم بقوله- تعالى-: أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ ...
لكل فريق من هؤلاء وهؤلاء دَرَجاتٌ حاصلة من الذي عملوه من الخير والشر، وقد فعل- سبحانه- ذلك معهم، ليوفيهم جزاء أعمالهم.
وَهُمْ جميعا لا يُظْلَمُونَ شيئا، بل كل فريق منهم يجازى على حسب عمله. كما قال- تعالى-: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ.
ثم بين- سبحانه- ما سيكون عليه الكافرون يوم القيامة من حال سيئة فقال: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ، أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا ...
والظرف متعلق بمحذوف تقديره: اذكر. وقوله يُعْرَضُ من العرض بمعنى الوقوف على الشيء، وتلقى ما يترتب على هذا الوقوف على هذا الشيء من خير أو شر.
والمراد بالعرض على النار هنا: مباشرة عذابها، وإلقائهم فيها، ويشهد لهذا قوله- تعالى- بعد ذلك وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ، أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ، قالُوا: بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ.
стр. 5567
قال الآلوسى: قوله: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ. أى: يعذبون بها، من قولهم: عرض بنو فلان على السيف، إذا قتلوا به، وهو مجاز شائع.. «١» .
وقوله: أَذْهَبْتُمْ.. إلخ مقول لقول محذوف. وهذا اللفظ قرأه ابن كثير وابن عامر أأذهبتم بهمزتين على الاستفهام الذي هو للتقريع والتوبيخ، وقرأه الجمهور أَذْهَبْتُمْ بهمزة واحدة على الخبر من غير استفهام.
أى: واذكر- أيها العاقل- لتعتبر وتتعظ، يوم يقف الذين كفروا على النار، فيرون سعيرها ثم يلقون فيها، ويقال لهم- على سبيل الزجر والتأنيب- أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا أى: ضيعتم وأتلفتم الطيبات التي أنعم الله بها عليكم في حياتكم الدنيا، حيث اسْتَمْتَعْتُمْ بِها استمتاعا دنيويا دون أن تدخروا للآخرة منها شيئا..
فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ أى: تجزون عذاب الهون والخزي والذل.
بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أى: بسبب استكباركم في الأرض بغير الحق..
وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ أى: وبسبب خروجكم في الدنيا عن طاعة الله- تعالى-، وعن هدى أنبيائه.
وقيد- سبحانه- استكبارهم في الأرض بكونه بغير الحق، ليسجل عليهم هذه الرذيلة، وليبين أنهم قوم دينهم التكبر والغرور وإيثار اتباع الباطل على الحق.
قال الجمل: والحاصل أنه- تعالى- علل ذلك العذاب بأمرين:
أحدهما: الاستكبار والترفع وهو ذنب القلب.
والثاني: الفسق وهو ذنب الجوارح، وقدم الأول على الثاني، لأن أحوال القلب أعظم وقعا من أعمال الجوارح «٢» .
ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك إلى الحديث عن مصارع الغابرين الذين كانوا أشد قوة وأكثر جمعا من مشركي قريش، لكي يعتبروا بهم، ويقلعوا عن كفرهم، حتى لا يكون مصيرهم كمصير من سبقوهم في الكفر والطغيان، فقال- سبحانه-:
وقد وردت قصته معهم في سور متعددة، منها: سورة الأعراف، وسورة هود، وسورة الشعراء، وسورة الحاقة..
قال القرطبي ما ملخصه: قوله- تعالى-: وَاذْكُرْ أَخا عادٍ هو هود بن عبد الله ابن رباح، كان أخاهم في النسب لا في الدين، إذ أنذر قومه بالأحقاف، والأحقاف: ديار عاد.. وهي جمع حقف- بكسر الحاء-، وهو ما استطال من الرمل العظيم واعوج، ولم يبلغ أن يكون جبلا.. «١» .
ويغلب على الظن أن مساكنهم كانت على مرتفعات من الأرض في شمال حضر موت، وعلى مقربة من المكان الذي يسمى الآن بالرّبع الخالي غربي عمان..
والمعنى: واذكر- أيها الرسول الكريم- لقومك ليعتبروا ويتعظوا قصة هود- ﵇ وقت أن أنذر قومه، وهم يعيشون بتلك الأماكن المرتفعة المسماة بالأحقاف.
وقوله: وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ جملة حالية في محل نصب.
أى: جاء هود إلى قومه فأمرهم بإخلاص العبادة لله- تعالى- وحده، وخوفهم من سوء عاقبة مخالفته، والحال أنه قد أخبرهم بأن الرسل الذين سبقوه، والذين يأتون من بعده، كليهم قد بعثهم الله- تعالى- لهداية أقوامهم، ولعبادته- سبحانه- وحده.
فالنذر: جمع نذير، والمراد بهم الرسل الذين يخوفون أقوامهم من سوء عاقبة الإشراك مع الله- تعالى- آلهة أخرى في العبادة.
والمراد بقوله: مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ الرسل السابقون عليه، والمتأخرون عنه.
ثم ذكر- سبحانه- جانبا من نصائح هود لقومه فقال: أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ، إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ.
أى: أنذرهم قائلا لهم: إنى أحذركم من عبادة أحد سوى الله- تعالى- وآمركم بإخلاص العبادة له- تعالى- وحده، لأنى أخاف عليكم عذاب يوم هائل عظيم، وهو يوم القيامة، يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ.
فأنت ترى أن هودا- ﵇ بجانب أنه قد أمر قومه بما يسعدهم، فإنه قد بين لهم- أيضا- أنه ما حمله على هذا الأمر إلا خوفه عليهم، وحرصه على نجاتهم من عذاب يوم القيامة.
стр. 5570
ولكن قومه لم يقابلوا ذلك بالطاعة والإذعان، بل قابلوا دعوة نبيهم لهم بالإعراض والاستخفاف، وقد حكى القرآن ذلك بقوله: قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا، فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ. أى: قال قوم هود له- على سبيل الإنكار والسفاهة- أجئتنا بهذه الدعوة لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا أى: لتصرفنا وتبعدنا عن عبادة آلهتنا التي ألفنا عبادتها يقال: أفك فلان فلانا عن الشيء، إذا صرفه عنه.
ثم أضافوا إلى هذا الإنكار، إنكارا آخر مصحوبا بالتحدي والاستهزاء فقالوا: فَأْتِنا بِما تَعِدُنا. أى: إن كان الأمر كما تقول فأتنا بما تعدنا به من العذاب العظيم، إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فيما أخبرتنا به.
وهكذا نلمس في ردهم سوء الظن، وعدم الفهم، واستعجال العذاب، والإصرار على الباطل الذي ألفوه..
ولكن هودا- ﵇ قابل كل هذه الجهالات بالحلم والأناة، فرد عليهم بقوله:
قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ.... أى: قال لهم: إنما علم وقت نزول العذاب بكم عند الله- تعالى- وحده، ولا مدخل لي في ذلك.
وإنما أنا أُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إليكم من ربي وربكم، وتلك هي وظيفتي.
ثم عقب على هذا الرد بما يدل على حمقهم وغبائهم فقال: وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ.
أى: أنا لا علم لي بوقت نزول العذاب عليكم، لأن رسالتي محصورة في التبليغ والإنذار..
وهذا كان يجب أن يكون مفهوما لديكم لوضوحه.. ولكني أراكم قوما تجهلون ما هو واضح، وتنكرون ما هو حق، وتصرون على ما هو باطل، وتطالبوننى بما لا أملكه.
ثم يجمل السياق بعد ذلك ما كان بين هود وقومه من جدال طويل، ليصل إلى العذاب الذي استعجلوه فيقول: فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا ...
والفاء في قوله فَلَمَّا رَأَوْهُ ... فصيحة.
والضمير في قوله رَأَوْهُ يعود إلى ما في قوله- تعالى- قبل ذلك: فَأْتِنا بِما تَعِدُنا والمراد به العذاب.
قال الشوكانى: الضمير في «رأوه» يرجع إلى «ما» في قوله بِما تَعِدُنا. وقال المبرد والزجاج: الضمير في «رأوه» يعود إلى غير مذكور، وبينه قوله عارِضاً، فالضمير يعود إلى السحاب. أى: فلما رأوا السحاب عارضا، فعارضا نصب على التكرير، أى: