← Тафсир

Тафсир · id 23590

التفسير الوسيط لطنطاوي

محمد سيد طنطاوي

Полный текст (6 701 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.

стр. 5566

وقوله: أُولئِكَ.. اسم الإشارة هذا يعود إلى العاقين المكذبين بالبعث والجزاء المذكورين في قوله- تعالى- قبل ذلك: وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما ... أى: أولئك القائلون ذلك، هم الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ أى: وجب عليهم العذاب الذي حكم به- سبحانه- على أمثالهم في قوله- تعالى- لإبليس لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ كما يفيده قوله- سبحانه- بعد ذلك. فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ. أى: أولئك الذين وجب عليهم العذاب، حالة كونهم مندرجين في أمم قد مضت من قبلهم من طائفة الجن ومن طائفة الإنس إِنَّهُمْ جميعا كانُوا خاسِرِينَ لأنهم استحبوا الكفر على الإيمان. ثم بين- سبحانه- مظهرا من مظاهر عدالته في حكمه بين عباده فقال: وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا. وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ. والتنوين في قوله وَلِكُلٍّ عوض عن المضاف إليه المحذوف، والجار والجرور في قوله مِمَّا عَمِلُوا صفة لقوله دَرَجاتٌ، ومن بيانية، وما موصولة. وقوله: وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ علة لمحذوف.. والمعنى: ولكل فريق من الفريقين: فريق المؤمنين المعبر عنهم بقوله: - تعالى-: أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا ... وفريق الكافرين المعبر عنهم بقوله- تعالى-: أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ ... لكل فريق من هؤلاء وهؤلاء دَرَجاتٌ حاصلة من الذي عملوه من الخير والشر، وقد فعل- سبحانه- ذلك معهم، ليوفيهم جزاء أعمالهم. وَهُمْ جميعا لا يُظْلَمُونَ شيئا، بل كل فريق منهم يجازى على حسب عمله. كما قال- تعالى-: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ. ثم بين- سبحانه- ما سيكون عليه الكافرون يوم القيامة من حال سيئة فقال: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ، أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا ... والظرف متعلق بمحذوف تقديره: اذكر. وقوله يُعْرَضُ من العرض بمعنى الوقوف على الشيء، وتلقى ما يترتب على هذا الوقوف على هذا الشيء من خير أو شر. والمراد بالعرض على النار هنا: مباشرة عذابها، وإلقائهم فيها، ويشهد لهذا قوله- تعالى- بعد ذلك وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ، أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ، قالُوا: بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ.

стр. 5567

قال الآلوسى: قوله: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ. أى: يعذبون بها، من قولهم: عرض بنو فلان على السيف، إذا قتلوا به، وهو مجاز شائع.. «١» . وقوله: أَذْهَبْتُمْ.. إلخ مقول لقول محذوف. وهذا اللفظ قرأه ابن كثير وابن عامر أأذهبتم بهمزتين على الاستفهام الذي هو للتقريع والتوبيخ، وقرأه الجمهور أَذْهَبْتُمْ بهمزة واحدة على الخبر من غير استفهام. أى: واذكر- أيها العاقل- لتعتبر وتتعظ، يوم يقف الذين كفروا على النار، فيرون سعيرها ثم يلقون فيها، ويقال لهم- على سبيل الزجر والتأنيب- أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا أى: ضيعتم وأتلفتم الطيبات التي أنعم الله بها عليكم في حياتكم الدنيا، حيث اسْتَمْتَعْتُمْ بِها استمتاعا دنيويا دون أن تدخروا للآخرة منها شيئا.. فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ أى: تجزون عذاب الهون والخزي والذل. بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أى: بسبب استكباركم في الأرض بغير الحق.. وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ أى: وبسبب خروجكم في الدنيا عن طاعة الله- تعالى-، وعن هدى أنبيائه. وقيد- سبحانه- استكبارهم في الأرض بكونه بغير الحق، ليسجل عليهم هذه الرذيلة، وليبين أنهم قوم دينهم التكبر والغرور وإيثار اتباع الباطل على الحق. قال الجمل: والحاصل أنه- تعالى- علل ذلك العذاب بأمرين: أحدهما: الاستكبار والترفع وهو ذنب القلب. والثاني: الفسق وهو ذنب الجوارح، وقدم الأول على الثاني، لأن أحوال القلب أعظم وقعا من أعمال الجوارح «٢» . ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك إلى الحديث عن مصارع الغابرين الذين كانوا أشد قوة وأكثر جمعا من مشركي قريش، لكي يعتبروا بهم، ويقلعوا عن كفرهم، حتى لا يكون مصيرهم كمصير من سبقوهم في الكفر والطغيان، فقال- سبحانه-:

стр. 5568

[سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ٢١ الى ٢٨] وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١) قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢) قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (٢٣) فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاَّ مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥) وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٢٦) وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْباناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨) والمقصود بقوله- تعالى-: أَخا عادٍ: هود- ﵇ فقد أرسله الله- تعالى- إلى قبيلة عاد، ليأمرهم بعبادة الله- تعالى-، وكانوا قوما جبارين، فلم يستمعوا إلى نصحه، فكانت عاقبتهم الهلاك والتدمير.

стр. 5569

وقد وردت قصته معهم في سور متعددة، منها: سورة الأعراف، وسورة هود، وسورة الشعراء، وسورة الحاقة.. قال القرطبي ما ملخصه: قوله- تعالى-: وَاذْكُرْ أَخا عادٍ هو هود بن عبد الله ابن رباح، كان أخاهم في النسب لا في الدين، إذ أنذر قومه بالأحقاف، والأحقاف: ديار عاد.. وهي جمع حقف- بكسر الحاء-، وهو ما استطال من الرمل العظيم واعوج، ولم يبلغ أن يكون جبلا.. «١» . ويغلب على الظن أن مساكنهم كانت على مرتفعات من الأرض في شمال حضر موت، وعلى مقربة من المكان الذي يسمى الآن بالرّبع الخالي غربي عمان.. والمعنى: واذكر- أيها الرسول الكريم- لقومك ليعتبروا ويتعظوا قصة هود- ﵇ وقت أن أنذر قومه، وهم يعيشون بتلك الأماكن المرتفعة المسماة بالأحقاف. وقوله: وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ جملة حالية في محل نصب. أى: جاء هود إلى قومه فأمرهم بإخلاص العبادة لله- تعالى- وحده، وخوفهم من سوء عاقبة مخالفته، والحال أنه قد أخبرهم بأن الرسل الذين سبقوه، والذين يأتون من بعده، كليهم قد بعثهم الله- تعالى- لهداية أقوامهم، ولعبادته- سبحانه- وحده. فالنذر: جمع نذير، والمراد بهم الرسل الذين يخوفون أقوامهم من سوء عاقبة الإشراك مع الله- تعالى- آلهة أخرى في العبادة. والمراد بقوله: مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ الرسل السابقون عليه، والمتأخرون عنه. ثم ذكر- سبحانه- جانبا من نصائح هود لقومه فقال: أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ، إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. أى: أنذرهم قائلا لهم: إنى أحذركم من عبادة أحد سوى الله- تعالى- وآمركم بإخلاص العبادة له- تعالى- وحده، لأنى أخاف عليكم عذاب يوم هائل عظيم، وهو يوم القيامة، يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. فأنت ترى أن هودا- ﵇ بجانب أنه قد أمر قومه بما يسعدهم، فإنه قد بين لهم- أيضا- أنه ما حمله على هذا الأمر إلا خوفه عليهم، وحرصه على نجاتهم من عذاب يوم القيامة.

стр. 5570

ولكن قومه لم يقابلوا ذلك بالطاعة والإذعان، بل قابلوا دعوة نبيهم لهم بالإعراض والاستخفاف، وقد حكى القرآن ذلك بقوله: قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا، فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ. أى: قال قوم هود له- على سبيل الإنكار والسفاهة- أجئتنا بهذه الدعوة لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا أى: لتصرفنا وتبعدنا عن عبادة آلهتنا التي ألفنا عبادتها يقال: أفك فلان فلانا عن الشيء، إذا صرفه عنه. ثم أضافوا إلى هذا الإنكار، إنكارا آخر مصحوبا بالتحدي والاستهزاء فقالوا: فَأْتِنا بِما تَعِدُنا. أى: إن كان الأمر كما تقول فأتنا بما تعدنا به من العذاب العظيم، إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فيما أخبرتنا به. وهكذا نلمس في ردهم سوء الظن، وعدم الفهم، واستعجال العذاب، والإصرار على الباطل الذي ألفوه.. ولكن هودا- ﵇ قابل كل هذه الجهالات بالحلم والأناة، فرد عليهم بقوله: قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ.... أى: قال لهم: إنما علم وقت نزول العذاب بكم عند الله- تعالى- وحده، ولا مدخل لي في ذلك. وإنما أنا أُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إليكم من ربي وربكم، وتلك هي وظيفتي. ثم عقب على هذا الرد بما يدل على حمقهم وغبائهم فقال: وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ. أى: أنا لا علم لي بوقت نزول العذاب عليكم، لأن رسالتي محصورة في التبليغ والإنذار.. وهذا كان يجب أن يكون مفهوما لديكم لوضوحه.. ولكني أراكم قوما تجهلون ما هو واضح، وتنكرون ما هو حق، وتصرون على ما هو باطل، وتطالبوننى بما لا أملكه. ثم يجمل السياق بعد ذلك ما كان بين هود وقومه من جدال طويل، ليصل إلى العذاب الذي استعجلوه فيقول: فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا ... والفاء في قوله فَلَمَّا رَأَوْهُ ... فصيحة. والضمير في قوله رَأَوْهُ يعود إلى ما في قوله- تعالى- قبل ذلك: فَأْتِنا بِما تَعِدُنا والمراد به العذاب. قال الشوكانى: الضمير في «رأوه» يرجع إلى «ما» في قوله بِما تَعِدُنا. وقال المبرد والزجاج: الضمير في «رأوه» يعود إلى غير مذكور، وبينه قوله عارِضاً، فالضمير يعود إلى السحاب. أى: فلما رأوا السحاب عارضا، فعارضا نصب على التكرير، أى:

стр. 5571

التفسير. وسمى السحاب عارضا لأنه يبدو في عرض السماء. قال الجوهري: العارض: السحاب يعترض في الأفق.. «١» . والمعنى: وأتى العذاب الذي استعجله قوم هود إليهم، فلما رأوه بأعينهم، متمثلا في سحاب يظهر في أفق السماء، ومتجها نحو أوديتهم ومساكنهم. قالُوا وهم يجهلون أنه العذاب الذي استعجلوه هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا أى: هذا سحاب ننتظر من ورائه المطر الذي ينفعنا.. قيل: إنها حبس عنهم المطر لفترة طويلة، فلما رأوا السحاب في أفق السماء، استبشروا وفرحوا وقالوا: هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا. وهنا جاءهم الرد على لسان هود بأمر ربه، فقال لهم: بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ، رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ.... أى: قال لهم هود- ﵇ ليس الأمر كما توقعتم من أن هذا العارض سحاب تنزل منه الأمطار عليكم، بل الحق أن هذا العارض هو العذاب الذي استعجلتم نزوله، وهو يتمثل في ريح عظيمة تحمل العذاب المهلك الأليم لكم. فقوله: رِيحٌ يصح أن يكون بدلا من «ما» أو من «هو» في قوله بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ كما يصح أن يكون خبر المبتدأ محذوف، وجملة فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ صفة لقوله: رِيحٌ. ثم وصف- سبحانه- هذا الريح بصفة أخرى فقال: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها ... أى: هذه الريح التي أرسلها الله- تعالى- عليهم، من صفاتها أنها تدمر وتهلك كل شيء مرت به يتعلق بهؤلاء الظالمين من نفس أو مال أو غيرهما.. والتعبير بقوله: بِأَمْرِ رَبِّها لبيان أنها لم تأتهم من ذاتها، وإنما أتتهم بأمر الله- تعالى- وبقضائه وبمشيئته. والفاء في قوله: فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ فصيحة- أيضا-. أى: هذه الريح أرسلناها عليهم فدمرتهم، فصار الناظر إليهم لا يرى شيئا من آثارهم سوى مساكنهم، لتكون هذه المساكن عبرة لغيرهم. قال الجمل: وقوله: لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ قرأ حمزة وعاصم لا يُرى بضم الياء

стр. 5572

على البناء للمفعول، ومساكنهم بالرفع لقيامه مقام الفاعل. والباقون من السبعة بفتح تاء الخطاب، - على البناء للفاعل- ومَساكِنُهُمْ بالنصب على أنه مفعول به.. «١» . وقوله: كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ أى: مثل ذلك الجزاء المهلك المدمر، نجازي القوم الذين من دأبهم الإجرام والطغيان. وهكذا طوى- سبحانه- صفحة أولئك الظالمين من قوم هود- ﵇ وما ظلمهم- سبحانه- ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. ولم تكتف السورة الكريمة بعرض مصارع هؤلاء المجرمين، الذين لا يخفى أمرهم على المشركين المعاصرين للنبي ﷺ بل أخذت في تذكير هؤلاء المشركين، بما يحملهم على الزيادة من العظة والعبرة لو كانوا يعقلون، فقال- تعالى-: وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ، وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً. و «ما» في قوله: فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ موصولة. و «إن» نافية. أى: والله لقد مكنا قوم هود وغيرهم من الأقوام السابقين عليكم- يا أهل مكة- في الذي لم نمكنكم فيه، بأن جعلناهم أشد منكم قوة، وأكثر جمعا، وأعطيناهم من فضلنا أسماعا وأبصارا وأفئدة. فالمقصود من الآية بيان أن المشركين السابقين، أعطاهم الله- تعالى- من الأموال والأولاد والقوة.. أكثر مما أعطى الكافرين المعاصرين للنبي ﷺ . ولكن هؤلاء الطغاة السابقين لما لم يشكروا الله- تعالى- على نعمه كانت عاقبتهم الهلاك، كما يدل عليه قوله- سبحانه- بعد ذلك: فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ ... أى: أعطيناهم من النعم ما لم نعطكم يا أهل مكة، ولكنهم لما لم يشكرونا على نعمنا، ولم يستعملوها في طاعتنا، أخذناهم أخذ عزيز مقتدر، دون أن تنفعهم شيئا أسماعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم، حين نزل بهم عذابنا، بل كل ما بين أيديهم من قوة ومن نعم ذهب أدراج الرياح وصار معهم هباء منثورا. و «من» في قوله: مِنْ شَيْءٍ لتأكيد عدم الإغناء. أى: ما أغنت عنهم شيئا حتى ولو كان هذا الشيء في غاية القلة والحقارة. ثم بين- سبحانه- أن ما أصابهم من دمار كان بسبب جحودهم للحق واستهزائهم به، فقال: إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ، وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ.

стр. 5573

أى: هذا الهلاك والدمار الذي حاق بهم، كان بسبب جحودهم لآيات الله الدالة على وحدانيته وكمال قدرته، واستهزائهم بما جاءهم به رسلهم من الحق. ومن الآيات القرآنية التي وردت في هذا المعنى، قوله- تعالى-: فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ «١» . وقوله- سبحانه- أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ. فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ «٢» . ثم أضاف- سبحانه- إلى هذا التذكير والتخويف للمشركين، تذكيرا وتخويفا آخر، فقال: وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى أى: والله لقد أهلكنا ما حولكم يا أهل مكة من القرى الظالمة، كقوم هود وصالح وغيرهم. وَصَرَّفْنَا الْآياتِ أى: كررناها ونوعناها بأساليب مختلفة لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ عما كانوا عليه من الشرك والفجور، ولكنهم لم يرجعوا عما كانوا فيه من ضلال وبغى، فدمرناهم تدميرا.. فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْباناً آلِهَةً أى: فهلا نصرهم ومنعهم من الهلاك. هؤلاء الآلهة الذين اتخذوهم من دون الله قربانا يتقربون بهم إليه- سبحانه- كما قالوا ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى. «فلولا» هنا حرف تحضيض بمعنى «هلا» والمفعول الأول لاتخذوا محذوف أى: الذين اتخذوهم، وآلِهَةً هو المفعول الثاني، و «قربانا» حال. وهو كل ما يتقرب به إلى الله- تعالى- من طاعة أو نسك. والجمع قرابين. وقوله- تعالى-: بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ إضراب انتقالي عن نفى النصرة إلى ما هو أشد من ذلك. أى: أن هؤلاء الآلهة لم يكتفوا بعدم نصر أولئك الكافرين، بل غابوا عنهم وتركوهم وحدهم، ولم يحضروا إليهم.. وذلك الغياب الذي حدث من آلهتهم عنهم. مظهر من مظاهر كذب هؤلاء الكافرين وافترائهم على الحق في الدنيا، حيث زعموا أن هذه الآلهة الباطلة ستشفع لهم يوم القيامة، وقالوا- كما حكى القرآن عنهم-: هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ ... وها هم اليوم لا يرون آلهتهم، ولا يجدون لهم شيئا من النفع.

стр. 5574

وبعد هذا التذكير والوعيد للكافرين، بيّن- سبحانه- جانبا من مظاهر تكريمه لنبيه ﷺ حيث أرسل له نفرا من الجن، يستمعون القرآن، ويؤمنون به، فقال- تعالى-: [سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ٢٩ الى ٣٢] وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٢) قال القرطبي ما ملخصه: قوله- تعالى-: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ ... هذا توبيخ لمشركي قريش. أى: أن الجن سمعوا القرآن فآمنوا به وعلموا أنه من عند الله، وأنتم معرضون مصرون على الكفر.. قال المفسرون: لما مات أبو طالب، خرج النبي ﷺ إلى الطائف، يلتمس من أهلها النصرة، ويدعوهم إلى الإيمان ... أغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويضحكون به.. فانصرف ﷺ عنهم، حتى إذا كان ببطن نخلة- وهو موضع بين مكة والطائف- قام يصلى من الليل، فمر به نفر من جن نصيبين- وهو موضع قرب الشام- فاستمعوا إليه وقالوا: أنصتوا.. «١» . وهناك روايات أخرى كثيرة في عدد هؤلاء الجن، وفي الأماكن التي التقوا فيها مع النبي

стр. 5575

صلّى الله عليه وسلّم وفيما قرأ الرسول ﷺ عليهم، وفيمن كان مع النبي ﷺ خلال التقائه بهم.. «١» . ويبدو لنا من مجموع هذه الروايات أن لقاء النبي ﷺ بالجن قد تعدد، وأن هذه الآيات تحكى لقاء معينا، وسورة الجن تحكى لقاء آخر. قال الآلوسى: وقد أخرج الطبراني في الأوسط، وابن مردويه عن الحبر، أى: عن ابن عباس أنه قال: صرفت الجن إلى رسول الله ﷺ مرتين. وذكر الخفاجي أنه قد دلت الأحاديث، على أن وفادة الجن كانت ست مرات، ويجمع بذلك اختلاف الروايات في عددهم، وفي غير ذلك. «٢» . و «النفر» على المشهور- ما بين الثلاثة والعشرة من الرجال وهو مأخوذ من النفير، لأن الرجل إذا حزبه أمر نفر بعض الناس الذين يهتمون بأمره لإغاثته. والمعنى: واذكر- أيها الرسول الكريم- لقومك، وقت أن صرفنا إليك، ووجهنا نحوك، نفرا من الجن، يستمعون القرآن منك. فَلَمَّا حَضَرُوهُ أى: فحين حضروا القرآن عند تلاوته منك، أو فحين حضروا مجلسك قالُوا على سبيل التناصح- أَنْصِتُوا أى: قال بعضهم لبعض: اسكتوا لأجل أن نستمع إلى هذا القرآن، وهذا يدل على سمو أدبهم وحرصهم على تلقى العلم. فَلَمَّا قُضِيَ أى: فحين انتهى الرسول ﷺ من قراءته. وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ أى: انصرفوا إلى قومهم ليخوفوهم من عذاب الله- تعالى- إذا ما عصوه أو خالفوا أمره- سبحانه-. قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى ... أى: وبعد أن انصرفوا إلى قومهم منذرين، ووصلوا إليهم. قالوا لهم: يا قومنا إنا سمعنا كتابا عظيم الشأن، جليل القدر، أنزل من بعد نبي الله- تعالى- موسى- ﵇. وهذا الكتاب مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ أى: مصدقا لما قبله من الكتب وهو- أيضا- يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ الذي لا يحوم حوله الباطل، ويهدى- أيضا- إِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ أى: إلى طريق قويم واضح يصل بأتباعه إلى السعادة. قال الآلوسى: قوله: أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى ذكروه دون عيسى- ﵉

стр. 5576

لأنه متفق عليه عند أهل الكتابين، ولأن الكتاب المنزل عليه أجل الكتب قبل القرآن، وكان عيسى مأمورا بالعمل بمعظم ما فيه أو بكله. وقال عطاء: لأنهم كانوا على اليهودية، وهذا القول يحتاج إلى نقل صحيح. وعن ابن عباس: أن الجن لم تكن سمعت بعيسى، فلذا قالوا ذلك. وفي هذا القول بعد، فإن اشتهار أمر عيسى، وانتشار أمر دينه، أظهر من أن يخفى، لا سيما على الجن، ومن هنا قال أبو حيان: إن هذا لا يصح عن ابن عباس «١» . ثم حكى- سبحانه- بعد ذلك ما يدل على إيمانهم بما سمعوه فقال: يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ.... أى: وقالوا لقومهم- أيضا-: يا قومنا أجيبوا داعي الله الذي دعاكم الى الحق وإلى طريق مستقيم. وَآمِنُوا بِهِ أى: وآمنوا بهذا الرسول الكريم وبما جاء من عند ربه. يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ أى: أجيبوا داعي الله وآمنوا به، يغفر لكم ربكم من ذنوبكم التي وقعتم فيها، ويبعدكم بفضله ورحمته من عذاب أليم. والتعبير بقوله: مِنْ ذُنُوبِكُمْ يدل على حسن أدبهم، وعلى أنهم يفوضون المغفرة إلى ربهم، فهو- سبحانه- إن شاء غفرها جميعا، وإن شاء غفر بعضها. ثم ختموا الترغيب في الإيمان بالترهيب من الإصرار على الكفر والمعاصي فقالوا- كما حكى القرآن عنهم-: وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ. أى: قالوا لقومهم إنكم إذا أجبتم داعي الله، غفر لكم- سبحانه- ذنوبكم أما الذي يعرض عن هذا الداعي الصادق الأمين، فإنه لن يستطيع أن يفلت من عذاب الله، ولن يقدر على الهرب من عقابه، لأنه- سبحانه- لا يعجزه شيء، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أى: وليس لهذا المعرض من أنصار يستطيعون دفع عذاب الله عنه. أُولئِكَ أى: الذين لم يجيبوا داعي الله فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أى: في ضلال واضح لا يخفى على أحد من العقلاء. هذا، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآيات:

стр. 5577

١- أن رسالة النبي ﷺ كانت إلى الإنس والجن، لأن هذه الآيات تحكى إيمان بعض الجن به ﷺ ودعوتهم غيرهم إلى الإيمان به. ٢- أن هذه الآيات تدل على أن حكم الجن كحكم الإنس في الثواب والعقاب وفي وجوب العمل بما أمرهم الله- تعالى- به وفي وجوب الانتهاء عما نهاهم عنه، لأن قوله- تعالى-: يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ. وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ، أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ. أقول: هاتان الآيتان اللتان حكاهما الله- تعالى- على ألسنة بعض الجن تدلان على ثواب المطيع، وعذاب العاصي. قال بعض العلماء ما ملخصه: وقد دلت آية أخرى على أن المؤمنين من الجن يدخلون الجنة وهي: قوله- تعالى- في سورة الرحمن: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ. ويستأنس لهذا- أيضا- بقوله- تعالى-: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ فإنه يشير إلى أن في الجنة جنا يطمثون النساء كالإنس.. وبهذا يعلم أن ما ذهب إليه بعض العلماء، أنه يفهم من قوله- تعالى-: يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ أن المؤمنين من الجن لا يدخلون الجنة، وأن جزاء إيمانهم، وإجابتهم داعي الله، هو الغفران وإجارتهم من العذاب الأليم فقط.. هذا الفهم إنما هو خلاف التحقيق، وأن المؤمنين من الجن يدخلون الجنة.. «١» . ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة، بتوبيخ المشركين على جهلهم وعدم تفكيرهم، وبيّن ما سيكونون عليه من خزي يوم القيامة، وأمر نبيه ﷺ بالصبر على أذاهم. فقال: [سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ٣٣ الى ٣٥] أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤) فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ (٣٥)

стр. 5578

والهمزة في قوله: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ ... للاستفهام الإنكارى، والواو للعطف على مقدر يستدعيه المقام ... أى: أبلغ العمى والجهل بهؤلاء الكافرين، أنهم لم يروا ولم يعقلوا أن الله- تعالى- الذي خلق السموات والأرض بقدرته وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ أى: ولم يتعب ولم ينصب بسبب خلقهن، من قولهم عيى فلان بالأمر- كفرح- إذا تعب، أو المعنى: ولم يعجز عن خلقهن ولم يتحير فيه، مأخوذ من قولهم: عيى فلان بأمره، إذا تحير ولم يعرف ماذا يفعل. وقوله: بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى في محل رفع خبر أَنَّ، والباء في قوله- تعالى- بِقادِرٍ مزيدة للتأكيد. فالمقصود بالآية الكريمة توبيخ المشركين على جهلهم وانطماس بصائرهم، حيث لم يعرفوا أن الله- تعالى- الذي أوجد الكون، قادر على أن يعيدهم الى الحياة بعد موتهم. وأورد القرآن ذلك في أسلوب الاستفهام الإنكارى، ليكون تأنيبهم على جهلهم أشد. وقوله: بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تقرير وتأكيد لقدرته- تعالى- على إحياء الموتى، لأن لفظ بَلى يؤتى به في الجواب لإبطال النفي السابق، وتقرير نقيضه، بخلاف لفظ نعم فإنه يقرر النفي نفسه. أى: بلى إنه- سبحانه- قادر على إحياء الموتى، لأنه- تعالى- على كل شيء قدير. ثم كرر- سبحانه- التذكير للناس بأحوال الكافرين يوم الحساب ليعتبروا ويتعظوا فقال: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ ... أى: واذكر- أيها العاقل- يوم يلقى الذين كفروا في النار، بعد مشاهدتها ورؤيتها..

стр. 5579

ثم يقال لهم على سبيل الزجر والتهكم أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ أى: أليس هذا العذاب كنتم تنكرونه في الدنيا، قد ثبت عليكم ثبوتا لا مفر لكم منه، ولا محيد لكم عنه.. قالُوا بَلى وَرَبِّنا أى: قالوا في الجواب: بلى يا ربنا إن هذا العذاب حق، وإنكارنا له في الدنيا إنما كان عن جهل وغفلة وغرور منا.. فهم قد اعترفوا بأن الحساب حق، والجزاء حق.. في وقت لا ينفع فيه الاعتراف. ولذا جاء الرد عليهم بقوله- تعالى-: قالَ- سبحانه- فَذُوقُوا الْعَذابَ أى: فتذوقوا طعمه الأليم، ووقعه المهين بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ أى: بسبب كفركم وجحودكم. ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بأمر نبيه ﷺ بالصبر على مكرهم فقال: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ. أى: إذا كان الأمر كما ذكرنا لك- أيها الرسول الكريم- فاصبر على أذى قومك، كما صبر إخوانك أولو العزم من الرسل، أى: أصحاب الجد والثبات والصبر على الشدائد والبلاء.. وهم- على أشهر الأقوال-: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد- صلوات الله عليهم جميعا-. وقوله: وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ نهى منه- تعالى- لنبيه عن استعجال العذاب لهم. أى: ولا تستعجل لهم العذاب. فالمفعول محذوف للعلم به.. ثم بين- سبحانه- ما يدعو إلى عدم الاستعجال فقال: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ ... أى: اصبر- أيها الرسول- على أذى قومك كما صبر إخوانك أولو العزم من الرسل. ولا تستعجل العذاب لهؤلاء الكافرين فإنه آتيهم لا ريب فيه، وكأنهم عند ما يرون هذا العذاب ويحل بهم، لم يلبثوا في الدنيا إلا وقتا قليلا وزمنا يسيرا، لأن شدة هذا العذاب تنسيهم كل متع الدنيا وشهواتها. وقوله- تعالى-: بَلاغٌ خبر لمبتدأ محذوف أى: هذا الذي أنذرتكم به، أو هذا القرآن، بلاغ كاف في وعظكم وإنذاركم إذا تدبرتم فيه، وتبليغ من الرسول ﷺ إليكم. فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ كلا، إنه لا يهلك بعذاب الله- تعالى- إلا القوم الخارجون عن طاعته، الواقعون في معصيته فالاستفهام للنفي.. وبعد فهذا تفسير لسورة «الأحقاف» نسأل الله أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.

стр. 5580

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 5581

تفسير سورة محمّد

стр. 5582

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة ١- هذه السورة تسمى بسورة محمد ﷺ لما فيها من الحديث عما أنزل عليه ﷺ وتسمى- أيضا- بسورة القتال، لحديثها المستفيض عنه. وهي من السور المدنية التي يغلب على الظن أن نزولها كان بعد غزوة بدر وقبل غزوة الأحزاب، وقد ذكروا أن نزولها كان بعد سورة «الحديد» «١» . وعدد آياتها أربعون آية في البصري، وثمان وثلاثون في الكوفي، وتسع وثلاثون في غيرهما. ٢- وتفتتح السورة الكريمة ببيان سوء عاقبة الكافرين، وحسن عاقبة المؤمنين، ثم تحض المؤمنين على الإغلاظ في قتال الكافرين، وفي أخذهم أسارى، وفي الإعلاء من منزلة المجاهدين في سبيل الله. قال- تعالى-: وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ، سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ، وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ ... ٣- ثم وجه- سبحانه- نداء إلى المؤمنين وعدهم فيه بالنصر متى نصروه وتوعد الكافرين بالتعاسة والخيبة، ووبخهم على عدم اعتبارهم واتعاظهم، كما بشر المؤمنين- أيضا- بجنة فيها ما فيها من نعيم. قال- تعالى-: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ، فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ، وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ، وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ، وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى، وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ، وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ، كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ، وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ. ٤- ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن المنافقين، فذكرت جانبا من مواقفهم السيئة من النبي ﷺ ومن دعوته، ووبختهم على خداعهم وسوء أدبهم. قال- تعالى-: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا

стр. 5583

الْعِلْمَ ماذا قالَ آنِفاً أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ. ٥- ثم صورت السورة الكريمة ما جبل عليه هؤلاء المنافقون من جبن وهلع، وكيف أنهم عند ما يدعون إلى القتال يصابون بالفزع الخالع. قال- سبحانه- وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ، فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ، رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ. طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ، فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ. ٦- وبعد أن بينت السورة الكريمة أن نفاق المنافقين كان بسبب استحواذ الشيطان عليهم، وتوعدتهم بسوء المصير في حياتهم وبعد مماتهم. بعد كل ذلك أخبرت النبي ﷺ بأوصافهم الذميمة، فقال- تعالى-: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ. وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ، فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ، وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ. ٧- ثم عادت السورة إلى الحديث عن الكافرين وعن المؤمنين، فتوعدت الكافرين بحبوط أعمالهم. وأمرت المؤمنين بطاعة الله ورسوله. ونهتهم عن اليأس والقنوط، وبشرتهم بالنصر والظفر، وحذرتهم من البخل، ودعتهم إلى الإنفاق في سبيل الله. قال- تعالى-: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ، وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ، وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ. ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ. ٨- هذا والمتدبر في هذه السورة الكريمة- بعد هذا العرض الإجمالى لها- يراها تهتم بقضايا من أهمها ما يأتى: (أ) تشجيع المؤمنين على الجهاد في سبيل الله- تعالى-: وعلى ضرب رقاب الكافرين، وأخذهم أسرى، وكسر شوكتهم، وإذلال نفوسهم.. كل ذلك بأسلوب قد اشتمل على أسمى ألوان التحضيض على القتال. نرى ذلك في قوله- تعالى-: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ. حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ، فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها. وفي قوله- تعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ. (ب) بيان سوء عاقبة الكافرين في الدنيا والآخرة، ودعوتهم إلى الدخول في الدين الحق، وإبراز الأسباب التي حملتهم على الجحود والعناد.

стр. 5584

نرى ذلك في آيات كثيرة منها قوله- تعالى-: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ. أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ. (ج) كشفها عن أحوال المنافقين وأوصافهم بصورة تميزهم عن المؤمنين وتدعو كل عاقل إلى احتقارهم ونبذهم. بسبب خداعهم وكذبهم، وجبنهم واستهزائهم بتعاليم الإسلام. ولقد توعدهم الله- تعالى- بأشد ألوان العذاب، فقال: أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ. نسأل الله- تعالى- أن يجعلنا من عباده المؤمنين الصادقين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 5585

التفسير قال الله- تعالى-: [سورة محمد (٤٧) : الآيات ١ الى ٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ (٢) ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ (٣) افتتحت سورة القتال بهذا الذم الشديد للكافرين، وبهذا الثناء العظيم على المؤمنين. افتتحت بقوله- سبحانه-: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ. وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ، وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ. كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ. وقوله: الَّذِينَ كَفَرُوا.. مبتدأ، خبره قوله- سبحانه- أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ. والمراد بهم كفار قريش، الذين أعرضوا عن الحق وحرضوا غيرهم على الإعراض عنه. فقوله: صَدُّوا من الصد بمعنى المنع، والمفعول محذوف. وقوله: أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ أى: أبطلها وأحبطها وجعلها ضائعة ذاهبة لا أثر لها ولا وجود، والمراد بهذه الأعمال: ما كانوا يعملونه في الدنيا من عمل حسن، كإكرام الضيف، وبر الوالدين، ومساعدة المحتاج. أى: الذين كفروا بالله- تعالى- وبكل ما يجب الإيمان به، ومنعوا غيرهم من اتباع الدين الحق الذي أمر الله- تعالى- باتباعه أَضَلَّ-

стр. 5586

سبحانه- أعمالهم، بأن جعلها ذاهبة ضائعة غير مقبولة عنده. كما قال- تعالى-: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً «١» . قال صاحب الكشاف: أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ أى: أبطلها وأحبطها: وحقيقته، جعلها ضالة ضائعة ليس لها من يتقبلها ويثيب عليها، كالضالة من الإبل، التي هي مضيعة لا رب لها يحفظها ويعتنى بأمرها، أو جعلها ضالة في كفرهم ومعاصيهم، ومغلوبة بها، كما يضل الماء اللبن. وأعمالهم ما كانوا يعملونه في كفرهم بما يسمونه مكارم: من صلة الأرحام، وفك الأسرى. وقيل: أبطل ما عملوه من الكيد لرسول الله ﷺ والصد عن سبيل الله، بأن نصره عليهم وأظهر دينه على الدين كله «٢» . ثم بين- سبحانه- بعد ذلك ما أعده للمؤمنين من ثواب فقال: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الأعمال الصَّالِحاتِ التي توافر فيها الإخلاص والاتباع لهدى الرسول ﷺ وقوله: وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ من باب عطف الخاص على العام، فقد أفرده بالذكر مع أنه داخل في الإيمان والعمل الصالح، للإشارة إلى أنه شرط في صحة الإيمان، وللإشعار بسمو مكانة هذا المنزل عليه ﷺ وبعلو قدره. وقوله: وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ جملة معترضة، لتأكيد حقية هذا المنزل على النبي ﷺ وتقرير كماله وصدقه. أى: وهذا المنزل على الرسول ﷺ وهو الحق الكائن من عند الله- تعالى- رب العالمين، لا من عند أحد سواه. وقوله: كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ خبر الموصول، أى: والذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحة، محا عنهم- سبحانه- ما عملوه من أعمال سيئة، ولم يعاقبهم عليها، فضلا منه وكرما. فقوله: كَفَّرَ من الكفر بمعنى الستر والتغطية. يقال: كفر الزارع زرعه إذا غطاه، وستره حماية له مما يضره. والمراد به هنا: المحو والإزالة على سبيل المجاز. وقوله: وَأَصْلَحَ بالَهُمْ معطوف على ما قبله. أى: محا عنهم بسبب إيمانهم وعملهم الصالح، ما اقترفوه من سيئات، كما قال- تعالى-: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ولم يكتف- سبحانه- بذلك، بل وأصلح أحوالهم وأمورهم وشئونهم. بأن وفقهم للتوبة الصادقة في الدنيا، وبأن منحهم الثواب الجزيل في الآخرة.

стр. 5587

فالمراد بالبال هنا: الحال والأمر والشأن. قال القرطبي: والبال كالمصدر، ولا يعرف منه فعل، ولا تجمعه العرب إلا في ضرورة الشعر، فيقولون فيه بالات.. «١» . وهذه الجملة الكريمة وهي قوله: وَأَصْلَحَ بالَهُمْ نعمة عظمى لا يحس بها إلا من وهبه الله- تعالى- إياها، فإن خزائن الأرض لا تنفع صاحبها إذا كان مشتت القلب، ممزق النفس، مضطرب المشاعر والأحوال. أما الذي ينفعه فهو راحة البان. وطمأنينة النفس، ورضا القلب، والشعور بالأمان والسلام. والإشارة في قوله: ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ.. تعود إلى ما مر من ذم الكافرين، ومدح المؤمنين. أى: ذلك الذين حكمنا به من ضلال أعمال الكافرين، ومن إصلاح بال المؤمنين، سببه أن الذين كفروا اتبعوا في دنياهم الطريق الباطل الذي لا خير فيه ولا فلاح. وأن الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحة في دنياهم، اتبعوا طريق الحق الكائن من ربهم. فالمراد بالباطل هنا. الكفر وما يتبعه من أعمال قبيحة، والمراد بالحق: الإيمان والعمل الصالح. وقوله ذلِكَ مبتدأ، وخبره ما بعده. وقوله: كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ أى: مثل ذلك البيان الرائع الحكيم، يبين الله- تعالى-: للناس أحوال الفريقين، وأوصافهما الجارية في الغرابة مجرى الأمثال، وهي اتباع المؤمنين الحقّ وفوزهم، واتباع الكافرين الباطل وخسرانهم. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: أين ضرب الأمثال؟ قلت: في جعل اتباع الباطل مثلا لعمل الكفار، واتباع الحق مثلا لعمل المؤمنين، أو في أن جعل الإضلال مثلا لخيبة الكفار، وتكفير السيئات مثلا لفوز المؤمنين» «٢» . ثم أرشد الله- تعالى-: المؤمنين إلى ما يجب عليهم فعله عند لقائهم لأعدائهم، وبعد انتصارهم عليهم، كما بين لهم الحكمة من مشروعية القتال. والجزاء الحسن الذي أعده للمجاهدين، فقال- تعالى-:

стр. 5588

[سورة محمد (٤٧) : الآيات ٤ الى ٦] فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ (٦) والفاء في قوله- تعالى-: فَإِذا لَقِيتُمُ لترتيب ما بعدها من إرشاد المؤمنين إلى ما يجب عليهم فعله عند قتل أعدائهم، على ما قبلها وهو بيان حال الكفار. فالمراد باللقاء هنا: القتال لا مجرد اللقاء والرؤية. كما أن المراد بالذين كفروا هنا المشركون وكل من كان على شاكلتهم ممن ليس بيننا وبينهم عهد بل بيننا وبينهم حرب وقتال. وقوله- سبحانه-: فَضَرْبَ الرِّقابِ أمر للمؤمنين بما يجب فعله عند لقائهم لأعدائهم. وقوله: فَضَرْبَ منصوب على أنه مصدر لفعل محذوف. أى: فإذا كان حال الذين كفروا كما ذكرت لكم من إحباط أعمالهم بسبب اتباعهم الباطل وإعراضهم عن الحق، فإذا لقيتموهم للقتال، فلا تأخذكم بهم رأفة، بل اضربوا رقابهم ضربا شديدا. والتعبير عن القتل بقوله: فَضَرْبَ الرِّقابِ، لتصويره في أفظع صوره. ولتهويل أمر هذا القتال، ولإرشاد المؤمنين إلى ما يجب عليهم فعله. قال صاحب الكشاف: قوله: لَقِيتُمُ من اللقاء وهو الحرب فَضَرْبَ الرِّقابِ أصله: فاضربوا الرقاب ضربا، فحذف الفعل وقدم المصدر، فأنيب منابه مضافا إلى المفعول، وفيه اختصار مع إعطاء معنى التوكيد، لأنك تذكر المصدر، وتدل على الفعل بالنصبة التي فيه. وضرب الرقاب: عبارة عن القتل.. وذلك أن قتل الإنسان أكثر ما يكون بضرب رقبته، فوقع عبارة عن القتل، وإن ضرب بغير رقبته من المقاتل. على أن في هذه العبارة من الغلظة والشدة، ما ليس في لفظ القتل، لما فيها من تصوير

стр. 5589

القتل بأشنع صورة، وهو حز العنق، وإطارة العضو الذي هو رأس البدن «١» . وقوله- سبحانه-: حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ بيان لما يكون من المؤمنين بعد مثل حركة أعدائهم، وإنزال الهزيمة بهم. وقوله: أَثْخَنْتُمُوهُمْ من الإثخان بمعنى كثرة الجراح، مأخوذ من الشيء الثخين، أى: الغليظ. يقال: أثخن الجيش في عدوه، إذا بالغ في إنزال الجراحة الشديدة به، حتى أضعفه وأزال قوته. والوثاق- بفتح الواو وكسرها- اسم للشيء الذي يوثق به الأسير كالرباط أى: عند لقائكم- أيها المؤمنون- لأعدائكم، فاضربوا أعناقهم، فإذا ما تغلبتم عليهم وقهرتموهم، وأنزلتم بهم الجراح التي تجعلهم عاجزين عن مقاومتكم، فأحكموا قيد من أسرتموه منهم، حتى لا يستطيع التفلت أو الهرب منكم. وقوله- سبحانه- فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً إرشاد لما يفعلونه بعد ذلك. والمن: الإطلاق بغير عوض، يقال: منّ فلان على فلان إذا أنعم عليه بدون مقابل. والفداء: ما يقدمه الأسير من أموال أو غيرها لكي يفتدى بها نفسه من الأسر. وقوله: مَنًّا وفِداءً منصوبان على المصدرية بفعل محذوف: أى: فإما تمنون عليهم بعد الأسر منا بأن تطلقوا سراحهم بدون مقابل، وإما أن تفدوا فداء بأن تأخذوا منهم فدية في مقابل إطلاق سراحهم. وقوله- سبحانه- حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها غاية لهذه الأوامر والإرشادات. وأوزار الحرب: آلاتها وأثقالها التي لا تقوم إلا بها، كالسلاح وما يشبه. قال الشاعر: وأعددت للحرب أوزارها ... رماحا طوالا وخيلا ذكورا أى: افعلوا بهم ما أمرناكم بفعله، واستمروا على ذلك حتى تنتهي الحرب التي بينكم وبين أعدائكم بهزيمتهم وانتصاركم عليهم. وسميت آلات الحرب وأحمالها بالأوزار، لأن الحرب لما كانت لا تقوم إلا بها، فكأنها تحملها وتستقل بها، فإذا انقضت الحرب فكأنها وضعت أحمالها وانفصلت عنها. ثم بين- سبحانه- الحكمة من مشروعية قتال الأعداء، مع أنه- سبحانه- قادر على

стр. 5590

إهلاك هؤلاء الأعداء، فقال: ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ، وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ. واسم الإشارة: خبر لمبتدأ محذوف، أى: الأمر ذلك، أو في محل نصب على المفعولية بفعل محذوف، أى: افعلوا ذلك الذي أمرناكم به وأرشدناكم إليه واعلموا أنه- سبحانه- لو يشاء الانتصار من هؤلاء الكافرين والانتقام منهم لفعل، أى: لو يشاء إهلاكهم لأهلكهم، ولكنه- سبحانه- لم يفعل ذلك بل أمركم بمحاربتهم ليختبر بعضكم ببعض، فيتميز عن طريق هذا الاختبار والامتحان، قوى الإيمان من ضعيفه. كما قال- تعالى-: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ. ثم بين- سبحانه- بعد ذلك ما أعده للمجاهدين من ثواب عظيم فقال: وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أى: والذين استشهدوا وهم يقاتلون من أجل إعلاء كلمة الله. فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ أى: فلن يضيع أعمالهم ولن يبطلها. بل سَيَهْدِيهِمْ أى: بل سيوصلهم إلى طريق السعادة والفلاح. وَيُصْلِحُ بالَهُمْ أى: ويصلح أحوالهم وشئونهم وقلوبهم. وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ أى: ويدخلهم بعد كل ذلك الجنة يوم القيامة ويهديهم إلى بيوتهم ومساكنهم فيها، بحيث لا يخطئونها، حتى لكأنهم يقيمون فيها منذ خلقوا، وذلك كله بإلهام من الله- تعالى- لهم. قال الآلوسى ما ملخصه: عَرَّفَها لَهُمْ هذا التعريف في الآخرة. قال مجاهد: يهدى أهل الجنة إلى بيوتهم ومساكنهم، وحيث قسم الله- تعالى- لهم منها، لا يخطئون كأنهم ساكنوها منذ خلقوا.. وذلك بإلهام منه- . وورد في بعض الآثار أن حسناته تكون دليلا له على منزله فيها، وقيل: إنه- تعالى-: رسم على كل منزل اسم صاحبه وهو نوع من التعريف. وقيل: معنى عرفها لهم. طيبها لهم من العرف وهو الرائحة الطيبة، ومنه طعام معرف، أى مطيب. وعن الجبائي أن التعريف في الدنيا، وهو يذكر أوصافها، والمراد أنه- سبحانه- لم يزل يمدحها لهم، حتى عشقوها، فاجتهدوا في فعل ما يوصلهم إليها.. «١» .

стр. 5591

هذا ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى: ١- وجوب قتال الكافرين بكل شدة وقوة، حتى تضعف شوكتهم، وتدول دولتهم، ويخضعوا لحكم شريعة الإسلام فيهم. وفي هذه المعنى وردت آيات كثيرة، منها قوله- تعالى-: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. ٢- أخذ بعض العلماء من قوله- تعالى-: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها أن الأسير من الأعداء يدور أمره بين هاتين الحالتين إما أن نطلق سراحه بدون مقابل، وإما أن نطلق سراحه في مقابل فدية معينة نأخذها منه، وقد تكون هذه الفدية مالا، أو عملا، أو غير ذلك مما فيه منفعة للمسلمين. ويرى بعض العلماء أن هذه الآية منسوخة بقوله- تعالى-: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ، وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ «١» . ويرى المحققون من العلماء أن هذه الآية، وهي قوله- تعالى-: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً. تحكى حالات معينة يكون أمر الأسرى فيها دائرا بين المن والفداء، لأنهما من مصلحة المسلمين، وهناك حالات أخرى يكون الأصلح فيها قتل الأعداء، أو استرقاقهم. فمسألة الأسرى من الأعداء، يكون الحكم فيها على حسب ما تقتضيه مصلحة المسلمين، ومرجع الحكم فيها إلى البصراء بالحرب وبوضع خططها، لأنهم أعرف الناس بكيفية معاملة الأسرى. وهذا الرأى الأخير هو الذي تطمئن إليه النفس، لأنه الثابت من فعل رسول الله ﷺ ومن أفعال أصحابه، ولأن ذكر المن والفداء لا ينافي جواز غيره كالقتل- مثلا- لأن هذا الغير مفهوم من آيات أخرى ذكرت هذا الحكم في أوقات وحالات معينة. وقد رجح هذا الرأى كثير من العلماء، منهم الإمام ابن جرير، فقد قال ما ملخصه- بعد أن ساق جملة من الأقوال-: والصواب من القول عندنا في ذلك، أن هذه الآية محكمة غير منسوخة لأنه غير مستنكر أن يكون جعل الخيار في المن والقتل والفداء إلى الرسول ﷺ وإلى القائمين بعده بأمر الأمة. وإن لم يكن القتل مذكورا في هذه الآية، لأنه قد أذن- سبحانه- بقتلهم في آيات أخرى منها فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ.

стр. 5592

وقد فعل الرسول ﷺ كل ذلك، مع الأسرى ففي بدر قتل عقبة بن أبى معيط. وأخذ الفداء من غيره.. ومنّ على ثمامة بن أثال الحنفي وهو أسير في يده «١» . وقال القرطبي- بعد أن ذكر أربعة أقوال-: الخامس: أن الآية محكمة، والإمام مخير في كل حال. وبهذا قال كثير من العلماء منهم: ابن عمر، والحسن وعطاء، وهو مذهب مالك والشافعى والثوري والأوزاعى.. وغيرهم، وهو الاختيار لأن النبي ﷺ والخلفاء الراشدين فعلوا كل ذلك. فقد قتل النبي ﷺ في بدر النضر بن الحارث. وأخذ الفداء من أسارى بدر.. وقد منّ على سبى هوازن. وهذا كله ثابت في الصحيح «٢» . وقال بعض العلماء ما ملخصه: وما نحسبنا مخطئين إذ قلنا إن الذي كان من النبي ﷺ من الأعمال المختلفة، كان نزولا على مقتضى المصلحة، ولذلك نراه كان يجتهد في تعرف وجوه المصلحة، فيستشير أصحابه. ولو كان الأمر أمر خطة مرسومة، واحدا لا يتخطى. ما كان هناك معنى للاستشارة، ولا للنزول على رأى بعض أصحابه، ولما خالف في الحرب الواحدة بين أسير وأسير، فقتل هذا، وأخذ الفداء من هذا. ومنّ على هذا. وإذا فالمصلحة العامة وحدها هي لمحكمة، وهي الخطة التي تتبع في الحروب، خصوصا والحرب مكر وخديعة، وما دامت مكرا أو خديعة فليترك للماكرين وضع خطط المكر والخديعة ولا يرسم لهم كيف يمكرون، وإلا ما كانوا ما كرين «٣» . ٣- بشارة الشهداء بالثواب الجزيل، وبالأجر العظيم، ويكفى لذلك قوله- تعالى-: وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ، سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ، وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ. وقد ذكر الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات جملة من الأحاديث منها: ما أخرجه الإمام أحمد عن قيس الجذامي قال: قال رسول الله ﷺ : «يعطى الشهيد ست خصال: عند أول قطرة من دمه يكفر عنه كل خطيئة، ويرى مقعده من الجنة، ويزوج من

стр. 5593

الحور العين، ويؤمن من الفزع الأكبر، ومن عذاب القبر، ويحلى حلة الإيمان «١» . ثم وجه- سبحانه- نداء إلى المؤمنين بشرهم بنصره متى نصروا دينه، وتوعد الكافرين بالخيبة والخسران، ووبخهم على عدم تدبرهم في مصير الذين من قبلهم، وسلى النبي ﷺ عما أصابه من أعدائه، فقال- تعالى-: [سورة محمد (٤٧) : الآيات ٧ الى ١٣] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (٨) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٩) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها (١٠) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ (١١) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ (١٢) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ (١٣) والمراد بنصر المؤمنين لله- تعالى- نصرهم لدينه، بأن يستقيموا على أمره ويتبعوا الرسول ﷺ في كل ما أمرهم به أو نهاهم عنه. والمعنى: يا من آمنتم بالله- تعالى- حق الإيمان، إن تنصروا دين الله- وتتبعوا رسوله، يَنْصُرْكُمْ- سبحانه- على أعدائكم وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ عند قتالكم إياهم ويوفقكم بعد ذلك للثبات على دينه، والشكر على نعمه.

стр. 5594

وفي معنى هذه الآية، وردت آيات كثيرة، منها قوله- تعالى-: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ «١» . وقوله- سبحانه-: كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ «٢» . وقوله- : إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ «٣» . وبعد هذا النداء الذي يحمل أكرم البشارات للمؤمنين، ذم- سبحانه- الكافرين ذما شديدا، فقال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا، فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ. والاسم الموصول مبتدأ، وخبره محذوف، وفَتَعْساً منصوب على المصدر بفعل مضمر من لفظه، واللام في قوله لَهُمْ لتبيين المخاطب، كما في قولهم: سقيا له، أى: أعنى له يقال: تعس فلان- من باب منع وسمع- بمعنى هلك. قال القرطبي ما ملخصه وقوله: فَتَعْساً لَهُمْ نصب على المصدر بسبيل الدعاء، مثل سقيا له.. وفيه عشرة أقوال: الأول: بعدا لهم. الثاني: حزنا لهم....... الخامس) هلاكا لهم.. يقال: تعسا لفلان، أى ألزمه الله هلاكا. ومنه الحديث الشريف: «تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة. إن أعطى رضى، وإن لم يعط لم يرض» . وفي رواية: «تعس وانتكس، وإذا شيك- أى أصابته شوكة- فلا انتقش» أى: فلا شفى من مرضه «٤» . والمعنى: والذين كفروا فتعسوا تعسا شديدا، وهلكوا هلاكا مبيرا، وأضل الله- تعالى- أعمالهم، بأن أحبطها ولم يقبلها منهم، لأنها صدرت عن نفوس أشركت مع خالقها ورازقها آلهة أخرى في العبادة. فقوله: وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ معطوف على الفعل المقدر الذي نصب به لفظ «تعسا» ودخلت الفاء على هذا اللفظ، تشبيها للاسم الموصول بالشرط. ثم بين- سبحانه- الأسباب التي أدت بهم إلى الخسران والضلال فقال: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ.

стр. 5595

أى: ذلك الذي حل بهم من التعاسة والإضلال بسبب أنهم كرهوا ما أنزله الله- تعالى- على رسوله ﷺ من قرآن يهدى إلى الرشد، فكانت نتيجة هذه الكراهية، أن أحبط الله أعمالهم الحسنة التي عملوها في الدنيا كإطعام الطعام وصلة الأرحام.. لأن هذه الأعمال لم تصدر عن قلب سليم، يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. ثم وبخهم- سبحانه- على عدم اعتبارهم بما في هذا الكون من عبر وعظات فقال: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ. والهمزة للاستفهام التقريعى، والفاء معطوفة على مقدر، أى: أقبعوا في مساكنهم فلم يسيروا في جنبات الأرض، فيشاهدوا كيف كانت عاقبة المكذبين من قبلهم كقوم عاد وثمود ولوط.. وغيرهم. وقوله: دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها جملة مستأنفة، كأنه قيل: كيف كانت عاقبة الذين من قبلهم؟ فكان الجواب: دمر الله- تعالى- عليهم مساكنهم وأموالهم، فالمفعول محذوف للتهويل والمبالغة في الإهلاك. يقال: دمر الله- تعالى- الأعداء تدميرا، إذا أهلكهم إهلاكا شديدا. ودمر عليهم، أى: أهلك ما يختص بهم، وجاء هنا بكلمة «عليهم» لتضمين التدمير معنى الإيقاع أو الهجوم. وقوله: وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها وعيد وتهديد لهؤلاء الكافرين المعاصرين للنبي ﷺ . أى: هكذا كانت عاقبة المجرمين السابقين، وللكافرين المعاصرين لك- أيها الرسول الكريم- السائرين على درب سابقيهم في الكفر والضلال والطغيان، أمثال تلك العاقبة السيئة. فالضمير في قوله- تعالى- أَمْثالُها يعود إلى العاقبة المتقدمة. وجمع- سبحانه- لفظ الأمثال باعتبار تعدد العذاب الذي نزل بالأمم المكذبة السابقة. واسم الإشارة في قوله- سبحانه- ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا، وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ. أى: ذلك التدمير والإهلاك الذي حل بالمكذبين، بسبب أن الله- تعالى- هو ولى المؤمنين وناصرهم ومؤيدهم.. أما الكافرون فلا مولى لهم ينصرهم أو يدفع عنهم ما حل بهم من دمار وخسران. فالمراد بالمولى هنا: الناصر والمعين، وأن نصرته- تعالى- هي للمؤمنين خاصة. ولا يناقض هذا قوله- تعالى- في آية أخرى: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ.. لأن المراد بقوله: مَوْلاهُمُ الْحَقِّ: إلههم الحق، ومالكهم الحق، وخالقهم وخالق كل شيء.

стр. 5596

ثم بين- سبحانه- ما أعده للمؤمنين من ثواب عظيم، وما أعده للكافرين من عذاب أليم، فقال: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ.. أى يتمتعون وينتفعون بملاذ الدنيا أياما قليلة. وَيَأْكُلُونَ مآكلهم بدون تفكر أو تحر للحلال أو شكر لله كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ طعامها الذي يلقيه إليها صاحبها. فالمقصود بالجملة الكريمة ذم هؤلاء الكافرين، لشبههم بالأنعام التي لا تعقل، في كونهم يأكلون طعامهم دون أن يشكروا الله- تعالى- عليه، ودون أن يفرقوا بين الحلال والحرام، ودون أن يرتفعوا بإنسانيتهم عن مرتبة الحيوان الأعجم. قال الآلوسى: والمعنى أن أكلهم مجرد عن الفكر والنظر، كما تقول للجاهل: تعيش كما تعيش البهيمة، فأنت لا تريد التشبيه في مطلق العيش، ولكن في خواصه ولوازمه. وحاصله أنهم يأكلون غافلين عن عواقبهم ومنتهى أمورهم «١» . وقوله: وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ بيان لسوء عاقبتهم في الآخرة، بعد بيان صورتهم القبيحة في الدنيا. والمثوى: اسم مكان لمحل إقامة الإنسان. أى: والنار هي المكان المعد لنزولهم فيه يوم القيامة. ثم سلى- سبحانه- نبيه عما أصابه منهم من أذى فقال: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ. وكلمة كَأَيِّنْ مركبة من كاف التشبيه وأى الاستفهامية المنونة، ثم هجر معنى جزأيها وصارت كلمة واحدة بمعنى كم الخبرية الدالة على التكثير، ويكنى بها عن عدد مبهم فتحتاج إلى تميز بعدها. وهي مبتدأ.. وقوله: أَهْلَكْناهُمْ خبرها. ومِنْ قَرْيَةٍ تمييز لها. والمراد بالقرية أهلها، وهم مشركو قريش. أى: وكم من أهل قرية هم أشد قوة من أهل قريتك التي أخرجوك منها- أيها الرسول الكريم- فترتب على فعلهم هذا أن أهلكناهم دون أن ينصرهم من عقابنا ناصر، أو أن يجيرهم من عذابنا مجير. قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه: وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لأهل

стр. 5597

مكة، في تكذيبهم لرسول الله ﷺ وهو سيد المرسلين، وخاتم النبيين. روى ابن أبى حاتم، بسنده- عن ابن عباس أن النبي ﷺ لما خرج من مكة إلى الغار، التفت إليها وقال: يا مكة: أنت أحب بلاد الله إلى الله وأنت أحب بلاد الله إليّ، ولو أن المشركين لم يخرجونى لم أخرج منك.. فأنزل الله هذه الآية «١» . ثم واصلت السورة الكريمة حديثها في الموازنة والمقارنة بين حال المؤمنين وحال الكافرين. فقال- تعالى-: [سورة محمد (٤٧) : الآيات ١٤ الى ١٥] أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٤) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ (١٥) والاستفهام في قوله- تعالى-: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ للإنكار والنفي، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه السياق، و «من» مبتدأ، والخبر قوله كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ. والبينة: ما يتبين به الحق من كل شيء، كالنصوص الصحيحة في النقليات والبراهين السليمة في العقليات. والمراد بمن كان على بينة من ربه: الرسول ﷺ وأتباعه، والمراد بمن زين له سوء عمله، واتبعوا أهواءهم: المشركون الذين استحبوا العمى على الهدى. والمعنى: أفمن كان على بينة من أمر ربه، وعلى طريقة سليمة من هديه، يستوي مع من كان على ضلالة من أمره، بأن ارتكب الموبقات مع توهمه بأنها حسنات، واتبع هواه دون أن يفرق بين القبيح والحسن؟ لا شك أنهما لا يستويان في عقل أى عاقل. فإن الفريق الأول

стр. 5598

مهتد في منهجه وسلوكه، والفريق الثاني في النقيض منه. ثم أكد- سبحانه- هذا المعنى بأن بين مصير الفريقين فقال: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ. والمراد بالمثل هنا: الصفة. وهو مبتدأ، والكلام على تقدير الاستفهام الإنكارى، وتقدير مضاف محذوف، والخبر قوله- تعالى-: كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ. أى: أمثل أهل الجنة كمثل من هو خالد في النار، أو: أمثل الجنة كمثل جزاء من هو خالد في النار، وقدر الاستفهام في المبتدأ لأنه مرتب على الإنكارى السابق في قوله: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ. ورحم الله- تعالى- صاحب الكشاف، فقد قال: فإن قلت ما معنى قوله- تعالى-: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ كمن هو خالد في النار؟ قلت: هو كلام في صورة الإثبات، ومعناه النفي والإنكار، لانطوائه تحت حكم كلام مصدر بحروف الإنكار، ودخوله في حيزه، وانخراطه في سلكه، وهو قوله- تعالى-: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ..؟ فكأنه قيل: أمثل الجنة كمن هو خالد في النار، أى كمثل جزاء من هو خالد في النار؟ فإن قلت: فلم عرّى في حرف الإنكار؟ وما فائدة التعرية؟ قلت: تعريته من حرف الإنكار فيها زيادة تصوير لمكابرة من يسوى بين المتمسك بالبينة والتابع لهواه، وأنه بمنزلة من يثبت التسوية بين الجنة التي تجرى فيها الأنهار، وبين النار التي يسقى أهلها الجحيم.. «١» . وقوله- سبحانه-: فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ تفسير مسوق لشرح محاسن الجنة أى: صفة الجنة التي وعد الله- تعالى- بها عباده المتقين، أنها فيها أنهار من ماء ليس متغيرا في طعمه أو رائحته، وإنما هو ماء طيب لذيذ تشتهيه النفوس. والماء الآسن: هو الماء الذي تغير طعمه وريحه، لطول مكثه في مكان معين. يقال: أسن الماء يأسن- كضرب- يضرب، إذا تغير. وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ أى: وفيها- أيضا- أنهار من لبن لم يتغير طعمه لا بالحموضة ولا بغيرها مما يجرى على الألبان التي تشرب في الدنيا.

стр. 5599

وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ أى: وفيها كذلك أنهار من خمر هي في غاية اللذة لمن يشربها، إذ لا يعقبها ذهاب عقل، ولا صداع. وقال- سبحانه- لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ للإشعار بأنها لذيذة لجميع من يشربونها بخلاف خمر الدنيا فإن من الناس من ينفر منها ويعافها حتى ولو كان على غير دين الإسلام. وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى أى: وفيها- أيضا- أنهار من عسل لا يخالطه ما يخالط عسل الدنيا من الشمع أو غيره. وَلَهُمْ أى: للمؤمنين فِيها أى: في الجنة فضلا عن كل ذلك مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ التي يشتهونها، وأهم من كل ذلك أنهم لهم فيها: مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ أى: لهم ثواب عظيم وفضل كبير من ربهم، حيث ستر لهم ذنوبهم، وأزالها عنهم، وحولها إلى حسنات بكرمه وإحسانه. وقوله- سبحانه-: كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ أى: أمثل جزاء المؤمنين الذي هو الجنة التي فيها ما فيها من أنهار الماء واللبن والخمر والعسل.. كمثل عقاب الكافرين والمتمثل في نارهم خالدين فيها أبدا، وفي ماء في أشد درجات الحرارة، يشربونه فيقطع أمعاءهم؟ لا شك أن كل عاقل يرى فرقا شاسعا، بين حسن عاقبة المؤمنين، وسوء عاقبة الكافرين. وبذلك نرى أن هاتين الآيتين قد فرقت بين الأخيار والأشرار في المنهج والسلوك، وفي المصير الذي يصير إليه كل فريق. وبعد هذا الحديث المفصل عن حال المؤمنين وحال الكافرين وعن مصير كل فريق. انتقلت السورة إلى الحديث عن المنافقين، وعن موقفهم من النبي ﷺ ومن القرآن الكريم الذي أنزله الله- تعالى- عليه، فقال- سبحانه-: [سورة محمد (٤٧) : الآيات ١٦ الى ١٩] وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ماذا قالَ آنِفاً أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٦) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ (١٧) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ (١٨) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ (١٩)

стр. 5600

وضمير الجمع في قوله- تعالى-: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ يعود إلى هؤلاء الكافرين الذين يأكلون كما تأكل الأنعام، وذلك باعتبار أن المنافقين فرقة من الكافرين، إلا أنها تخفى هذا الكفر وتبطنه. كما يحتمل أن يعود إلى كل من أظهر الإسلام، باعتبار أن من بينهم قوما قالوا كلمة الإسلام بأفواههم دون أن تصدقها قلوبهم. وعلى كل حال فإن النفاق قد ظهر بالمدينة، بعد أن قويت شوكة المسلمين بها. وصاروا قوة يخشاها أعداؤهم، هذه القوة جعلت بعض الناس يتظاهرون بالإسلام على كره وهم يضمرون له ولأتباعه العداوة والبغضاء.. ويؤيدهم في ذلك اليهود وغيرهم من الضالين. أى: ومن هؤلاء الذين يناصبونك العداوة والبغضاء- أيها الرسول الكريم قوم يستمعون إليك بآذانهم لا بقلوبهم. حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ أى: من مجلسك الذي كانوا يستمعون إليك فيه، قالُوا على سبيل الاستهزاء والتهكم لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ من أصحابك، الذين فقهوا كلامك وحفظوه. ماذا قالَ آنِفاً أى: ماذا كان يقول محمد ﷺ قبل أن نفارق مجلسه. فقوله: آنِفاً اسم فاعل، ولم يسمع له فعل ثلاثي، بل سمع ائتنف يأتنف واستأنف يستأنف بمعنى ابتدأ. قال القرطبي: قوله: ماذا قالَ آنِفاً أى: ماذا قال الآن.. فآنفا يراد به الساعة التي هي أقرب الأوقات إليك، من قولك استأنفت الشيء إذا ابتدأت به ومنه قولهم: أمر أنف، وروضة أنف، أى: لم يرعها أحد «١» .

стр. 5601

وقال الآلوسى ما ملخصه: قوله: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ... هم المنافقون، وإفراد الضمير باعتبار اللفظ، كما أن جمعه باعتبار المعنى. قال ابن جريج، كانوا يحضرون مجلس رسول الله ﷺ فيسمعون كلامه ولا يعونه ولا يراعونه حق رعايته تهاونا منهم. ومقصودهم بقولهم: ماذا قالَ آنِفاً الاستهزاء وإن كان بصورة الاستعلام. وآنِفاً اسم فاعل على غير القياس أو بتجريد فعله من الزوائد لأنه لم يسمع له ثلاثي، بل المسموع: استأنف وأتنف «١» . ثم بين- سبحانه- حالهم فقال: أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ. أى: أولئك المنافقون الذين قالوا هذا القول القبيح، هم الذين طبع الله- تعالى- على قلوبهم بأن جعلها بسبب استحبابهم الضلالة على الهداية لا ينتفعون بنصح، ولا يستجيبون لخير، وهم الذين اتبعوا أهواءهم وشهواتهم فصاروا لا يعقلون حقا، ولا يفقهون حديثا. فالآية الكريمة تصور تصويرا بليغا ما كان عليه هؤلاء المنافقون من مكر وخداع، ومن خبث وسوء طوية. وترد عليهم بهذا الذم الشديد الذي يناسب جرمهم. ثم يعقب- سبحانه- على ذلك ببيان حال المؤمنين الصادقين فيقول: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ. أى: هذا هو حال المنافقين، وهذا هو الحكم الذي يناسبهم، أما الذين اهتدوا إلى الحق، واستجابوا له، وخالطت بشاشته قلوبهم، فهم الذين زادهم الله- تعالى- هداية على هدايتهم. وزادهم علما وبصيرة وفقها في الدين، ومنحهم بفضله وإحسانه خلق التقوى والخشية منه، والطاعة لأمره، وكافأهم على ذلك بما يستحقون من ثواب جزيل. ثم تعود السورة الكريمة إلى توبيخ هؤلاء المنافقين على غفلتهم وانطماس بصائرهم، فتقول: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً، فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها. فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ؟. فالاستفهام للإنكار والتعجب من حالهم، وقوله أَنْ تَأْتِيَهُمْ بدل اشتمال من الساعة، والأشراط جمع شرط- بالتحريك مع الفتح- وهو العلامة، وأصله الإعلام عن الشيء. يقال: أشرط فلان نفسه لكذا، إذا أعلمها له وأعدها، ومنه الشرطي- كتركي-

стр. 5602

والجمع شرط- بضم ففتح- سموا بذلك لأنهم أعلموا أنفسهم بعلامات يعرفون بها، وتميزهم عن غيرهم. وقوله: فَأَنَّى لَهُمْ خبر مقدم وذِكْراهُمْ مبتدأ مؤخر، والضمير في قوله جاءَتْهُمْ يعود إلى الساعة، والكلام على حذف مضاف قبل قوله ذِكْراهُمْ أى: فأنى لهم نفع ذكراهم؟ والمعنى: ما ينتظر هؤلاء الجاهلون إلا الساعة، التي سيفاجئهم مجيؤها مفاجأة بدون مقدمات، والحق أن علاماتها قد ظهرت دون أن يرفعوا لها رأسا، ودون أن يعتبروا بها أو يتعظوا لاستيلاء الأهواء عليهم. ولكنهم عند ما تداهمهم الساعة بأهوالها، ويقفون للحساب. يتذكرون ويؤمنون بالله ورسله.. ولكن إيمانهم في ذلك الوقت لن ينفعهم، لأنه جاء في غير محله الذي يقبل فيه، وتذكرهم واتعاظهم- أيضا- لن يفيدهم لأنه جاء بعد فوات الأوان. ومن الآيات التي وردت في هذا المعنى قوله- تعالى-: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا «١» . وقوله- تعالى-: وَقالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ «٢» . وقوله- : يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى «٣» . قال الآلوسى: الظاهر أن المراد بأشراط الساعة هنا: علاماتها التي كانت واقعة إذ ذاك، وأخبروا أنها علامات لها، كبعثة نبينا ﷺ فقد أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «بعثت أنا والساعة كهاتين- وأشار بالسبابة والوسطى» . وأراد ﷺ مزيد القرب بين مبعثه والساعة، فإن السبابة تقرب من الوسطى. وأخرج أحمد عن بريدة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بعثت أنا والساعة جميعا. وإن كادت لتسبقني» وهذا أبلغ في إفادة القرب. وعدوا منها انشقاق القمر الذي وقع له ﷺ والدخان الذي وقع لأهل مكة، أما أشراطها مطلقا فكثيرة، ومنها ككون الحفاة العراة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان «٤» .

стр. 5603

ثم أمر الله- تعالى- رسوله ﷺ أن يداوم على استغفاره وطاعته لله- تعالى- وأن يأمر اتباعه بالاقتداء به في ذلك فقال: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ. والفاء في قوله: فَاعْلَمْ للإفصاح عن جواب شرط معلوم مما مر من آيات. والتقدير: إذا تبين لك ما سقناه عن حال السعداء والأشقياء، فاعلم أنه لا إله إلا الله، واثبت على هذا العلم، واعمل بمقتضاه، واستمر على هذا العمل وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ أى: واستغفر الله- تعالى- من أن يقع منك ذنب، واعتصم بحبله لكي يعصمك من كل مالا يرضيه. واستغفر- أيضا لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بأن تدعو لهم بالرحمة والمغفرة وَاللَّهُ- تعالى- بعد كل ذلك يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ أى يعلم كل متقلب وكل إقامة لكم سواء أكانت في بر أم في بحر أم في غيرهما. والمقصود: أنه- تعالى- يعلم جميع أحوالكم ولا يخفى عليه شيء منها، والمتقلب: المتصرف، من التقلب وهو التصرف والانتقال من مكان إلى آخر. والمثوى: المسكن الذي يأوى إليه الإنسان، ويقيم به. قال الإمام ابن كثير: وقوله: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ هذا إخبار بأنه لا إله إلا الله، ولا يتأتى كونه آمرا بعلم ذلك، ولهذا عطف عليه بقوله: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ. وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ كان يقول: «اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافى في أمرى، وما أنت أعلم به منى. اللهم اغفر لي هزلى وجدي، وخطئى وعمدي، وكل ذلك عندي» . وفي الصحيح أنه كان يقول في آخر الصلاة: «اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت. وما أنت أعلم به منى، أنت إلهى لا إله إلا أنت» . وفي الصحيح أنه قال: «يا أيها الناس. توبوا إلى ربكم فإنى أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» «١» . ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة: وجوب المداومة على استغفار الله- تعالى- والتوبة إليه توبة صادقة نصوحا. لأنه إذا كان الرسول ﷺ وهو الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر- قد أمره- سبحانه- بالاستغفار، فأولى بغيره أن يواظب على ذلك، لأن الاستغفار بجانب أنه

стр. 5604

ذكر لله- تعالى- فهو- أيضا شكر له- سبحانه- على نعمه. وقد توسع الإمام الآلوسى في الحديث عن معنى قوله- تعالى-: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ.. فارجع إليه إن شئت «١» . ثم بين- سبحانه- بعد ذلك حال المنافقين عند ما يدعون إلى القتال في سبيل الله، وكيف أنهم يستولى عليهم الذعر والهلع عند مواجهة هذا التكليف، وكيف سيكون مصيرهم إذا ما استمروا على هذا النفاق. فقال- تعالى-: [سورة محمد (٤٧) : الآيات ٢٠ الى ٢٤] وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ (٢٠) طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ (٢١) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (٢٢) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ (٢٣) أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (٢٤) قال الإمام الرازي ما ملخصه: لما بين الله حال المنافق والكافر، والمهتدى المؤمن عند استماع الآيات العلمية، من التوحيد والحشر وغيرهما.. أتبع ذلك ببيان حالهم في الآيات العملية، فإن المؤمن كان ينتظر ورودها، ويطلب تنزيلها، وإذا تأخر عنه التكليف كان يقول: هلا أمرت بشيء من العبادة. والمنافق كان إذا نزلت الآية أو السورة وفيها تكليف كره ذلك.. فذكر- سبحانه- تباين حال الفريقين في العلم والعمل. فالمنافق لا يفهم العلم ولا يريد العمل، والمؤمن يعلم ويحب العمل.. «٢» .

стр. 5605

فقوله- تعالى-: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ حكاية لتطلع المؤمنين الصادقين إلى نزول القرآن، وتشوقهم إلى الاستماع إليه، والعمل بأحكامه. أى: ويقول الذين آمنوا إيمانا حقا، لرسوله ﷺ : يا رسول الله هلا نزلت سورة جديدة من هذا القرآن الكريم، الذي نحبه ونحب العمل بما فيه من هدايات وآداب وأحكام وجهاد في سبيل الله- . قوله: فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ، رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ.. بيان لموقف المنافقين من الجهاد في سبيل الله، وتصوير بديع لما انطوت عليه نفوسهم من جبن خالع. والمراد بقوله مُحْكَمَةٌ: أى: واضحة المعاني فيما سيقت له من الأمر بالجهاد في سبيل الله، بحيث لا يوجد مجال لتأويل معناها على الوجه الذي سيقت له. أى: هذا هو حال المؤمنين بالنسبة لحبهم للقرآن الكريم، أما حال المنافقين فإنك تراهم إذا ما أنزلت سورة فاصلة بينة تأمر أمرا صريحا بالقتال لإعلاء كلمة الله تراهم ينظرون إليك كنظر من حضره الموت فصار بصره شاخصا لا يتحرك من شدة الخوف والفزع. والمقصود أنهم يوجهون أبصارهم نحو النبي ﷺ بحدة وهلع، لشدة كراهتهم للقتال معه، إذ في هذا القتال عز للإسلام، ونصر للمؤمنين، والمنافقون يبغضون ذلك. فالآية الكريمة ترسم صورة خالدة بليغة لكل نفس لئيمة خوارة، مبتوتة عن الإيمان، وعن الفطرة السليمة، متجردة عن الحياء الذي يستر مخازيها. وقوله- تعالى- فَأَوْلى لَهُمْ تهديد ووعيد لهم على جبنهم وخبث طويتهم. وقوله فَأَوْلى يرى بعضهم أنه فعل ماض بمعنى قارب، وفاعله ضمير يعود إلى الموت، أى: قاربهم ما يهلكهم وهو الموت الذي يرتعدون منه.. ويرى آخرون أن قوله فَأَوْلى اسم تفضيل بمعنى أحق وأجدر، وأنه خبر لمبتدأ محذوف، واللام بمعنى الباء. أى: فالعقاب والهلاك أولى بهم وأحق وأجدر. ويكون قوله- تعالى- بعد ذلك طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ كلام مستأنف والخبر محذوف. أى: طاعة وقول معروف منكم لرسول الله ﷺ خير لكم من هذا السلوك الذميم. ويصح أن يكون قوله- سبحانه- فَأَوْلى مبتدأ. وقوله لَهُمْ متعلق به. والخبر قوله طاعَةٌ. واللام في لَهُمْ أيضا. بمعنى الباء. ويكون المعنى: أولى بهؤلاء المنافقين من أن ينظروا إليك نظر المغشى عليه من الموت،
следующие страницы →