← Тафсир

Тафсир · id 23590

التفسير الوسيط لطنطاوي

محمد سيد طنطاوي

Полный текст (6 701 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.

стр. 5636

ثم أضرب- سبحانه- عن ذلك وقال: بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً أى: إن تخلفكم ليس سببه ما زعمتم، بل الحق أن تخلفكم كان بسبب ضعف إيمانكم، والله- تعالى- مطلع على أحوالكم اطلاعا تاما، وسيجازيكم بما تستحقون. ثم أكد- سبحانه- كذبهم بإضراب آخر عن أقوالهم فقال: بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً، وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ، وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً والبور في الأصل: مصدر كالهلك، يوصف به المفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث. وهو هنا مستعمل بمعنى اسم الفاعل. وقيل: هو جمع بائر، كحائل وحول. قال صاحب الكشاف والبور من بار، كالهلك من هلك بناء ومعنى، ولذلك وصف به الواحد والجمع والمذكر والمؤنث. ويجوز أن يكون جمع بائر كعائذ وعوذ.. «١» . والمعنى: ليس الأمر كما زعمتم- أيها المخلفون- من أن أموالكم وأولادكم هي التي شغلتكم عن الخروج مع رسولكم ﷺ ولكن الحق أنكم ظننتم أن العدو سيستأصل شأفة المؤمنين بالقتل والإهلاك. وأنهم لن يعودوا بعد ذلك إلى أهليهم أبدا.. وزين الشيطان هذا الظن الفاسد في قلوبكم، ومكنه من نفوسكم فقبعتم في دياركم، وظننتم، في كل ما يتعلق بالرسول ﷺ وبأتباعه الصادقين ظَنَّ السَّوْءِ أى: الظن الذي كله سوء وشر ومنكر.. وَكُنْتُمْ في علم الله- تعالى- وحكمه قَوْماً بُوراً أى: قوما هالكين فاسدين، لا تصلحون لشيء من الخير، ولا تستحقون إلا الخزي والعقاب. فأنت ترى أن الله- تعالى- قد ذم هؤلاء المتخلفين وفضحهم وتوعدهم بسوء المصير، لأسباب متعددة، منها: سوء ظنهم بالله- تعالى- وبرسوله، ﷺ فقد توهموا أن الرسول والمؤمنين سيقتلون على يد أعدائهم، وأنهم لن يعودوا إلى أهليهم أبدا. ومنها: اعتذارهم الكاذب، بانشغالهم بأموالهم وأهليهم.. ومنها: تعمدهم الكذب. وتفوههم بالكلام الذي لا تؤيده قلوبهم. ثم ختم- سبحانه- هذا الذم والتهديد للمتخلفين بقوله: وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً. أى: ومن لم يؤمن بالله- تعالى- إيمانا حقا، وبصدق الرسول ﷺ في كل ما جاء

стр. 5637

به من عند ربه، ويطيعه في كل ما أمر به أو نهى عنه، عاقبناه عقابا شديدا، فإنا قد هيأنا للكافرين نارا مسعرة، تحرق الأبدان، وتشوى الوجوه.. ثم بين- سبحانه- أنه هو المالك لكل شيء فقال: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ خلقا وتصرفا يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ أن يغفر له وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ أن يعذبه. وَكانَ- سبحانه- وما زال غَفُوراً أى: واسع المغفرة رَحِيماً أى: واسع الرحمة. ثم عادت السورة الكريمة إلى حكاية أقوال هؤلاء المنافقين، وإلى الرد عليها، فقال- تعالى-: سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ ... والمراد بالمخلفين هنا: السابقون الذين وصفوا بأنهم من الأعراب، فاللام للعهد. أى: سيقول المخلفون عن الخروج معك يا محمد إلى مكة بعد أن خاب ظنهم فرجعتم سالمين إليهم بعد صلح الحديبية، سيقولون لك ولأصحابك: ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ أى: اتركونا لنسير معكم، لنشارككم في جمع الغنائم التي تنالونها من أعدائكم. فقوله ذَرُونا بمعنى اتركونا ودعونا. قال الآلوسى: والمراد بالمغانم هنا: مغانم خيبر- كما عليه عامة المفسرين- ولم نقف على خلاف في ذلك، وأيد بأن السين تدل على القرب، وخيبر أقرب المغانم التي انطلقوا إليها من الحديبية- كما علمت-، فإرادتها كالمتعينة، وقد جاء في الأخبار الصحيحة أن الله- تعالى- وعد أهل الحديبية أن يعوضهم من مغانم مكة مغانم خيبر، إذا قفلوا موادعين لا يصيبون شيئا» «١» . وقد كان رجوع النبي ﷺ وأصحابه من صلح الحديبية في ذي الحجة من السنة السادسة، وخروجهم إلى خيبر كان في المحرم من السنة السابعة، وقد أصاب المسلمون من خيبر غنائم كثيرة، وقد جعلها ﷺ لمن شهد معه صلح الحديبية دون غيرهم. وقوله: يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ أى: يريد هؤلاء المخلفون بقولهم ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ أن يغيروا حكم الله- تعالى- الذي حكم به، وهو أن غنائم خيبر خاصة لمن شهد صلح الحديبية، أما هؤلاء المخلفون فلا نصيب لهم فيها.

стр. 5638

ثم لقن الله- تعالى- نبيه ﷺ الرد الذي يخرسهم فقال: قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ ... أى: قل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء المخلفين- على سبيل الإقناط والتيئيس والزجر- لا تتبعونا ونحن متجهون إلى خيبر لفتحها. فالنفي في قوله لَنْ تَتَّبِعُونا بمعنى النهى للمبالغة في منعهم من الخروج مع المؤمنين إلى خيبر. وقوله: كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ أى: مثل هذا النهى الصادر منى قد قاله الله- تعالى- من قبل رجوعنا من الحديبية، فقد أمرنى بمنعكم من الخروج معى إلى خيبر، وبحرمانكم من غنائمها، عقابا لكم على معصيتكم لي، وعلى سوء ظنكم بي وبأصحابى.. ثم حكى- سبحانه- ما سيقوله هؤلاء المنافقون بعد مجابهتهم بتلك الحقيقة فقال: فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا، بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا. أى: فسيقولون لك- أيها الرسول الكريم- بعد منعك إياهم من الخروج معكم إلى خيبر، وبعد أن ذكرت لهم حكم الله فيهم.. سيقولون لك على سبيل السفاهة وسوء الأدب: أنتم أيها المؤمنون تريدون بسبب هذا المنع من الخروج معكم إلى خيبر، أن تحسدونا وتمنعونا حقنا في الغنيمة، والله- تعالى- لم يأمركم بمنعنا، وإنما أنتم الذين فعلتموه حسدا لنا. وقوله: بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا إضراب عن قولهم هذا على سبيل التسلية للرسول ﷺ أى: ليس الحق كما زعموا، بل الحق أنهم قوم دأبهم الحمق والجهالة، ولا يفقهون من أمور الدين إلا فقها قليلا، لا يسمن ولا يغنى من جوع. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما الفرق بين حرفى الإضراب؟ قلت: الأول إضراب معناه: رد أن يكون حكم الله أن لا يتبعوهم وإثبات الحسد. والثاني: إضراب عن وصفهم بإضافة الحسد إلى المؤمنين، إلى وصفهم بما هو أطم منه، وهو الجهل وقلة الفقه.. «١» . ثم فتح- سبحانه- أمام هؤلاء المخلفين من الأعراب باب التوبة، فأمر النبي ﷺ أن يدعوهم إلى الجهاد معه، فإن صدقوا أفلحوا، وإن أعرضوا خسروا فقال: قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ، تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ. أى: قل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء المخلفين من الأعراب عن الخروج معك، ستدعون في المستقبل إلى القتال معى لقوم أصحاب قوة وشدة في الحرب، فيكون بينكم وبينهم أمران لا ثالث لهما: إما قتالكم لهم، وإما الإسلام منهم. «فأو» في قوله أَوْ يُسْلِمُونَ للتنويع والحصر. وجملة «تقاتلونهم أو يسلمون»

стр. 5639

مستأنفة للتعليل، كما في قوله: سيدعوك الأمير للقائه يكرمك أو يخزى عدوك. وقد اختلف المفسرون في المراد بهؤلاء القوم أولى البأس الشديد، فمنهم من قال: فارس والروم، ومنهم من قال: بنو حنيفة أتباع مسيلمة الكذاب. والذي عليه المحققون من العلماء أن المقصود بهم: هوازن وثقيف الذين التقى بهم المسلمون في غزوة حنين بعد فتح مكة. وذلك لأن عددا كبيرا من تلك القبائل المتخلفة قد اشتركت في تلك الغزوة، حتى لقد بلغ عدد المسلمين فيها ما يقرب من اثنى عشر ألفا، ولأن أهل هوازن وثقيف قد كانوا يجيدون الرماية والكر والفر، فاستطاعوا في أول المعركة- بعد أن اغتر المسلمون بقوتهم- أن يفرقوا بعض صفوف المسلمين، ثم تجمع المسلمون بعد ذلك وانتصروا عليهم، ثم كانت النتيجة أن انتهت تلك الغزوة بإسلام هوازن وثقيف. كما هو معروف في كتب السيرة. ولقد أشار القرآن الكريم إلى ما كان بين المسلمين وبين هوازن وثقيف من قتال في قوله- تعالى-: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً، وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ، ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ. ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها، وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ. ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ «١» . وقد رجح فضيلة شيخنا الدكتور أحمد السيد الكومى أن يكون المقصود بالقوم أولى البأس الشديد هوازن وثقيف، فقال ما ملخصه: وتكاد تنفق كتب السيرة على أن الجيش الذي ذهب لفتح مكة، ثم ذهب بعد ذلك إلى غزو هوازن وثقيف يوم حنين، كان يضم بين جوانحه العدد الكثير من قبائل أسلم وأشجع وجهينة وغفار ومزينة. وإذن فالأمر المحقق أن القبائل المتخلفة يوم الحديبية، ساهمت في الجهاد بقسط وافر يوم فتح مكة، ويوم حنين.. وقد أقام المسلمون بمكة بعد أن فتحوها- بدون قتال يذكر- خمسة عشر يوما.. ثم ذهبوا لقتال هوازن وثقيف.. وكانوا رماة مهرة ذوى مهارة حربية، ودراية بفنون القتال فهزموا المسلمين في أول الأمر، ثم هزمهم المسلمون. ومن كل ذلك يترجح الحكم بأن هؤلاء القوم هم هوازن، وأن كثيرا من المخلفين أسلم

стр. 5640

إسلاما خالصا، وحسنت توبته.. «١» . وقوله- سبحانه-: فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً، وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً بيان للثواب العظيم الذي أعده- سبحانه- للطائفين، وللعذاب الأليم الذي توعد به الفاسقين. أى: فإن تطيعوا- أيها المخالفون- رسولكم ﷺ يؤتكم الله من فضله أجرا حسنا، وإن تتولوا وتعرضوا عن الطاعة، كما أعرضتم من قبل في صلح الحديبية عن طاعته، يعذبكم- سبحانه- عذابا أليما. ثم ختم- سبحانه- هذه الآيات برفع الحرج عن الذين تخلفوا لأعذار حقيقة فقال: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ، وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ، وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ... أى: ليس على هؤلاء إثم في التخلف عن الجهاد، لما بهم من الأعذار والعاهات المرخصة لهم في التخلف عنه. وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فيما أمرا به أو نهيا عنه، يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، وَمَنْ يَتَوَلَّ عن طاعتهما يُعَذِّبْهُ الله- تعالى- عَذاباً أَلِيماً لا يقادر قدره. ثم بشر الله- تعالى- المؤمنين الصادقين ببشارات متنوعة، ومدحهم مدحا عظيما، وبين- سبحانه- أن سنته في خلقه لن تتخلف، فقال- تعالى-: [سورة الفتح (٤٨) : الآيات ١٨ الى ٢٤] لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (١٨) وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٩) وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٢٠) وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (٢١) وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٢٢) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً (٢٣) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (٢٤)

стр. 5641

واللام في قوله- تعالى-: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ... هي الموطئة للقسم، وتسمى هذه البيعة بيعة الرضوان. والشجرة: كانت بالحديبية، وقد جلس ﷺ تحتها ليبايع أصحابه على الموت أو على عدم الفرار، فبايعوه على ذلك- ما عدا بعض المنافقين-، وقد كان الناس بعد ذلك يترددون على تلك الشجرة ويصلون تحتها، ويدعون الله- تعالى-.. فأمر عمر- رضى الله عنه- قطعها خشية الافتتان بها. أى: والله لقد رضى الله- تعالى- عن المؤمنين الذين بايعوك- أيها الرسول الكريم- تحت الشجرة، على الموت من أجل إعلاء كلمة ربهم. وفي هذه الجملة أسمى وأعلى ما يتمناه إنسان، وهو رضا الله- تعالى- عنه ودخوله في زمرة العباد الذين ظفروا بمغفرته- سبحانه- ورحمته. قال الآلوسى- ﵀: والتعبير بالمضارع لاستحضار صورة هذه المبايعة. وقوله- سبحانه-: تَحْتَ الشَّجَرَةِ متعلق بيبايعونك ... وفي التقييد بذلك إشارة إلى مزيد وقع تلك المبايعة في النفوس. ولذا استوجبت رضا الله- تعالى- الذي لا يعادله شيء، ويستتبع مالا يكاد يخطر على البال. ويكفى فيما ترتب على ذلك ما أخرجه أحمد عن جابر، ومسلم عن أم بشر، عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة» .. وصح برواية الشيخين وغيرهما في أولئك المؤمنين من حديث جابر، أنه ﷺ قال لهم

стр. 5642

«أنتم خير أهل الأرض..» «١» . وقوله- تعالى-: فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ، وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً بشارة أخرى لهؤلاء المؤمنين الصادقين. أى: لقد رضى- سبحانه- عن الذين بايعوك تحت الشجرة- أيها الرسول الكريم- حيث علم ما في قلوبهم من الصدق والإخلاص وإيثار الآخرة على الأولى، فأنزل السكينة والطمأنينة والأمان عليهم، وَأَثابَهُمْ أى: وأعطاهم ومنحهم فتحا قريبا، وهو فتح خيبر، الذي كان بعد صلح الحديبية بأقل من شهرين. وقيل المراد به: فتح مكة، والأول أرجح، لأن فتح خيبر لم يكن فتح أقرب منه، ولأن المسلمين قد أصابوا من فتح خيبر غنائم كثيرة. وقد أشار- سبحانه- بعد ذلك إلى تلك الغنائم فقال: وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها.... أى: وأثابكم مغانم كثيرة تأخذونها من خيبر. وَكانَ اللَّهُ- تعالى- وما زال عَزِيزاً أى: غالبا حَكِيماً في كل أفعاله وأحكامه. وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها ... أيها المؤمنون من أعدائكم في مستقبل أيامكم. وقد صدق الله- تعالى- وعده معهم، فلقد غنموا بعد ذلك من بلاد فارس والروم وغيرهما. والإشارة في قوله فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ تعود إلى مغانم خيبر، كما روى عن مجاهد- وعليه يكون المراد بالناس في قوله: وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ أهل خيبر وحلفاءهم من بنى أسد وغطفان حين جاءوا لنصرة يهود خيبر، فألقى الله الخوف في قلوبهم جميعا. ويرى بعض المفسرين أن الإشارة في قوله: فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ إلى صلح الحديبية وقد روى ذلك عن ابن عباس. وعليه يكون المراد بالناس في قوله: وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ مشركي قريش، أى: منعهم من حربكم، بأن قذف في قلوبهم الرعب منكم. ويبدو لنا أن هذا الرأى الذي قاله ابن عباس- رضى الله عنهما- هو الأقرب إلى الصواب، لأنه يتسق مع سياق الآيات، ولأنه يؤكد أن صلح الحديبية كان فتحا ومغنما، كان فتحا بدليل قول الرسول ﷺ لمن شك في ذلك: «أى والذي نفسي بيده إنه لفتح»

стр. 5643

وكان مغنما لأن المسلمين غنموا من ورائه انتشار الدعوة الإسلامية في آفاق الأرض. واللام في قوله: وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ متعلقة بمحذوف، أى فعل ما فعل من التعجيل والكف لتكون تلك النعم والبشارات علامات للمؤمنين على رعاية الله- تعالى- لهم، ورضاه عنهم. وَيَهْدِيَكُمْ أيها المؤمنون صِراطاً مُسْتَقِيماً أى: طريقا واضحا قويما، به تصلون إلى ما تبغونه من عزة وأمان. وقوله: وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها ... معطوف على هذِهِ. أى: فعجل لكم هذه المغانم، وعجل لكم مغانم أخرى، لم تقدروا على الحصول عليها قبل ذلك لبعدها عن أن تنالها أيديكم. وقد أحاط الله بها لأنه- سبحانه- لا يعجزه شيء وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً. وتختلف الأقوال في هذه المغانم الأخرى فمنهم من يرى أنها فتح مكة، ومنهم من يرى أنها فتح خيبر. ومنهم من يرى أنها مغانم هوازن وثقيف، ومنهم من يرى أنها مغانم المسلمين من الفرس والروم. ويبدو لنا أن أرجح هذه الأقوال أولها، لأنه ترتب على هذا الصلح في الحديبية أن فتحت مكة بعد سنتين منه، بسبب نقض المشركين له، وقد تم فتحا بدون قتال يذكر، بعد أن حدث ما حدث بين المسلمين وبين مشركي مكة من قتال انتصر فيه المسلمون تارة كغزوة بدر، وانتصر فيه المشركون أخرى كغزوة أحد ... فالمسلمون لم يقدروا على دخول مكة إلا في عام الفتح، وبعد أن أحاط الله- تعالى- بها بقدرته التي لا يغلبها شيء، وبعد أن استعصت على المسلمين زمنا طويلا، وقد سلمها- سبحانه- لهم بأقل أنواع القتال وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً. والذي يتأمل في هذه الآيات الكريمة يرى الله- تعالى-، قد بشر المسلمين الذين شهدوا صلح الحديبية ببشارات متعددة. بشرهم- أولا- برضاه عنهم- وهذه أسمى بشارة وأعلاها.. وبشرهم- ثانيا- بتفضله عليهم بمنحهم السكينة والطمأنينة التي تجعلهم في ثبات وأمان.. وبشرهم- ثالثا- بفتوحات وغنائم منها القريب العاجل، ومنها الآجل المتحقق، الذي يكاد لتحققه أن يشاهدوه بأعينهم لأن الله- تعالى- وعد به ووعده لا يتخلف.

стр. 5644

ثم بشرهم- رابعا- بأنهم هم المنصورون لأن سنته قد اقتضت ذلك، فقال: وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ... وتولية الأدبار كناية عن الهزيمة، لأن المنهزم يعطى ظهره لمن انتصر عليه. أى: ولو قاتلكم الذين كفروا وأنتم على تلك الحالة من قوة الإيمان، وصدق العهد، وإخلاص النية، وحسن الاستعداد، ومباشرة الأسباب.. لولوا الأدبار أمامكم ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا يعينهم وَلا نَصِيراً لنصرهم. وقوله سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ.. زيادة في تثبيتهم وفي إدخال السرور على قلوبهم.. ولفظ سُنَّةَ منصوب على المصدرية بفعل محذوف. أى: سن الله انتصار أهل الحق على أهل الباطل سنة قديمة وممتدة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وَلَنْ تَجِدَ أيها العاقل- لِسُنَّةِ اللَّهِ- تعالى- تَبْدِيلًا أو تغييرا أو تحويلا. وفي هذا المعنى وردت آيات كثيرة، منها قوله- تعالى-: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ. إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ. وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ «١» . ثم ذكرهم- سبحانه- بنعمة من نعمه التي أنعمها عليهم في رحلتهم هذه التي انتهت بصلح الحديبية فقال: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ، وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ، بِبَطْنِ مَكَّةَ، مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ... والمراد ببطن مكة: الحديبية، وسميت بذلك لأنها قريبة من مكة. أى: وهو- سبحانه- الذي منع المشركين- بقدرته وحكمته من مهاجمتكم والاعتداء عليكم، ومنعكم من مهاجمتهم وقتالهم، في هذا المكان القريب من مكة، وكان ذلك بعد أن نصركم عليهم، وجعلكم أعلى منهم في القوة والحجة والثبات، وكان- سبحانه- وما زال بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً. وقد ذكروا في هذا الظفر روايات منها ما أخرجه الإمام مسلم وغيره عن أنس قال: لما كان يوم الحديبية، هبط على رسول الله ﷺ وأصحابه. ثمانون رجلا من أهل مكة في السلاح، من قبل جبل التنعيم، يريدون غرة رسول الله ﷺ فدعا عليهم، فأخذوا فعفا عنهم، فنزلت هذه الآية» «٢» . فالآية الكريمة تذكير من الله- تعالى- لعباده المؤمنين، بجانب من نعمه عليهم، ورحمته بهم. وهو تذكير يتعلق بأمور شاهدوها بأعينهم، وعاشوا أحداثها، وعند ما يأتى التذكير بالأمور المشاهدة المحسوسة، يكون أدعى إلى الشكر لله- .

стр. 5645

ثم ذكرهم- سبحانه- بنعمة أخرى من نعمه عليهم، وكشف لهم عن جانب من حكمته في منع القتال بينهم وبين مشركي مكة، وفي هدايتهم إلى هذا الصلح فقال: [سورة الفتح (٤٨) : الآيات ٢٥ الى ٢٦] هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (٢٥) إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٢٦) والمراد بالذين كفروا في قوله- تعالى-: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ مشركو قريش، الذين منعوا النبي ﷺ من دخول مكة، ومن الطواف بالبيت الحرام. والهدى: مصدر بمعنى المفعول، أى: المهدى، والمقصود به ما يهدى إلى بيت الله الحرام من الإبل والبقر والغنم، ليذبح تقربا إلى الله- تعالى- وكان مع المسلمين في رحلتهم هذه التي تم فيها صلح الحديبية سبعون بدنة- على المشهور-. ولفظ الهدى قرأه الجمهور بالنصب عطفا على الضمير المنصوب في قوله: صَدُّوكُمْ وقرأه أبو عمرو بالجر عطفا على المسجد.. وقوله: مَعْكُوفاً أى: محبوسا. يقال: عكفه يعكفه عكفا، إذا حبسه ومنه الاعتكاف في المسجد، بمعنى الاحتباس فيه، وهو حال من الهدى. وقوله: أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ منصوب بنزع الخافض، أى: عن أن يبلغ محله، أى: مكانه الذي يذبح فيه وهو منى.

стр. 5646

والتعبير بقوله: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا.. تصريح بذمهم وتوبيخهم على موقفهم المشين من المؤمنين، الذين لم يأتوا إلى مكة لحرب، وإنما أتوا لأداء شعيرة من شعائر الله. أى: هم في ميزان الله واعتباره الكافرون حقا. لأنهم صدوكم ومنعوكم- أيها المؤمنون- عن دخول المسجد الحرام، وعن الطواف به، ولم يكتفوا بذلك، بل منعوا الهدى المحبوس من أجل ذبحه على سبيل التقرب به إلى الله- تعالى- من الوصول إلى محله الذي يذبح فيه في العادة وهو منى. قال القرطبي ما ملخصه: «قوله: وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أى: محبوسا..... أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ. أى: منحره.. والمحل- بالكسر- غاية الشيء، وبالفتح: هو الموضع الذي يحله الناس، وكان الهدى سبعين بدنة، ولكن الله- تعالى- بفضله جعل ذلك الموضع- وهو الحديبية- له محلا. وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله قال: نحرنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة ... وفي البخاري عن ابن عمر قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ معتمرين، فحال كفار قريش دون البيت فنحر رسول الله ﷺ بدنة وحلق رأسه..» «١» . وقوله- تعالى-: وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ... بيان لحكمة الله- تعالى- في منع الحرب بين الفريقين. وجواب «لولا» محذوف لدلالة الكلام عليه. والمراد بالرجال المؤمنين وبالنساء المؤمنات: سبع رجال وامرأتان كانوا بمكة. قال الآلوسى: «وكانوا على ما أخرج أبو نعيم بسند جيد وغيره عن أبى جمعة جنبذ بن سبع- تسعة نفر: سبعة رجال- وهو منهم- وامرأتين. وجملة لَمْ تَعْلَمُوهُمْ صفة رجال ونساء على تغليب المذكر على المؤنث. وقوله أَنْ تَطَؤُهُمْ بدل اشتمال من رجال ونساء، والوطء الدّوس، والمراد به هنا الإهلاك. وقوله: مَعَرَّةٌ أى: مكروه وأذى. يقال: عرّه يعره عرّا، إذا أصابه بمكروه، وأصله من العرّ وهو الجرب. والمراد به هنا: تعيير الكفار للمؤمنين بقولهم: لقد قتلتم من هم على دينكم.

стр. 5647

والمعنى: ولولا كراهة أن تهلكوا- أيها المؤمنين- أناسا مؤمنين موجودين في مكة بين كفارها، وأنتم لا تعرفونهم، فيصيبكم بسبب إهلاكهم مكروه، لولا كل ذلك لما كف أيديكم عن كفار مكة، بل لسلطكم عليهم لكي تقتلوهم. واللام في قوله- سبحانه-: لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ متعلقة بما يدل عليه جواب لولا المقدر. أى: لولا ذلك لما كف أيديكم عن كفار مكة، ولكنه- سبحانه- كف أيديكم عنهم، ليدخل في رحمته بسبب هذا الكف من يشاء من عباده، وعلى رأس هؤلاء العباد، المؤمنون والمؤمنات الذين كانوا في مكة، والذين اقتضت رحمته أن يتمم لهم أجورهم بإخراجهم من بين ظهراني الكفار، ويفك أسرهم، ويرفع ما كان ينزل بهم من العذاب ... كذلك قد شملت رحمته- تعالى- بعض كفار مكة، الذين تركوا بعد ذلك الكفر ودخلوا في الإسلام، كأبى سفيان وغيره من الذين أسلموا بعد فتح مكة أو بعد صلح الحديبية. وقوله- سبحانه-: لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً تأكيد لما دل عليه الكلام السابق، من أن حكمته- تعالى- قد اقتضت كف أيدى المؤمنين عن الكافرين، رحمة بالمؤمنين الذين يعيشون في مكة مع هؤلاء الكافرين. وقوله تَزَيَّلُوا أى: تميّزوا. يقال: زلته زيلا، أى: مزته، وزيله فتزيل أى: فرقه فتفرق أى: لو تميز هؤلاء المؤمنون والمؤمنات الذين يعيشون في مكة عن كفارها وفارقوهم وخرجوا منها، وانعزلوا عنهم، لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما، تارة عن طريق إهلاكهم، وتارة عن طريق إذلالهم وأخذهم أسرى، و «من» في قوله مِنْهُمْ للبيان لا للتبعيض. ثم بين- سبحانه- ما كان عليه المشركون من جهالات وحماقات استولت على نفوسهم فقال: إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ. والظرف إِذْ منصوب بفعل مقدر. والحمية: الأنفة والتكبر والغرور والتعالي بغير حق. يقال: حمى أنفه من الشيء- كرضى- إذا غضب منه، وأعرض عنه. أى: واذكر- أيها العاقل- وقت أن تمسك الكافرون وقيدوا أنفسهم بالحمية الباطلة، التي هي حمية الملّة الجاهلية، حيث منعوا المسلمين من دخول مكة، ومن الطواف بالمسجد الحرام، وحيث منعوا الهدى من أن يبلغ محله، وحيث أبوا أن يكتب في الصحيفة التي عقدت بينهم وبين المسلمين، بسم الله الرّحمن الرّحيم، أو محمد رسول الله ﷺ ... فهذا كله من حميتهم الجاهلية التي لا أساس لها من علم أو خلق أو دين....

стр. 5648

وقوله: فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى.. معطوف على ما قبله، للمقابلة بين حال الفريقين، مقابلة تتجلى فيها رعايته- سبحانه- للمؤمنين، وغضبه على الكافرين. أى: هذا هو حال الكافرين، رسخت الجهالات في قلوبهم حتى صرفتهم عن سبيل الرشد، أما حال المؤمنين فإنهم قابلوا تصرفات هؤلاء الكافرين بالاحتقار والازدراء ومبايعة رسولهم ﷺ على الموت إذا لزم الأمر ذلك. فأنزل الله- تعالى- طمأنينته وسكينته على قلب رسول الله ﷺ وعلى قلوب أصحابه، حيث لم يجعلهم يقابلون سفاهات المشركين بسفاهات مثلها ... وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى أى: وجعلهم ملتزمين بما تقتضيه كلمة التقوى، وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، من أناة وسكون وثبات ووقار وخلق كريم وإخلاص في الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله. وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها أى: وكان المؤمنون أحق بهذه الكلمة من الكفار، وكانوا أهلا لها دون الكفار، لأن المؤمنين استجابوا للحق. أما الكافرون فقد أنفوا منه، وتطاولوا عليه، بمقتضى حميتهم الجاهلية ... وَكانَ- سبحانه- وما زال بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً لا يخفى عليه أمر، ولا يغيب عن علمه شيء، والمتأمل في هذه الآية الكريمة يرى ألوانا من المقابلات التي تدل على مدح الله- تعالى- للمؤمنين، وعلى احتقاره للكافرين. فقد عبر- سبحانه- في جانب الكافرين بكلمة جعل التي تشعر بأن الكافرين كأنهم قد ألقوا هذه الحمية الجاهلية في قلوبهم إلقاء بدون تعقل أو تدبر، بينما عبر في جانب المؤمنين بكلمة أنزل التي تشعر كأن السكينة كانت في خزائنه- تعالى- ثم أنزلها بعد ذلك على قلب رسوله ﷺ وعلى قلوب المؤمنين، ليزدادوا إيمانا على إيمانهم.. ونرى الفاعل لجعل هو الذين كفروا، بينما الفاعل لأنزل هو الله- . ونرى المفعول لجعل هو الحمية، وهي كلمة مشتعلة منفرة، وقد كررها- سبحانه- ليزداد العقلاء نفورا منها.. ونرى المفعول لأنزل هو السكينة وهي كلمة فيها ما فيها من الوقار والسكون والثبات والطمأنينة. ونرى الحمية قد أضيفت إلى الجاهلية، بينما السكينة أضيفت إلى الله- تعالى-. ونرى أن الله- تعالى- قد أضاف كل ذلك مدحا عظيما لعباده المؤمنين حيث ألزمهم كلمة التقوى، وجعلهم أحق بها وأهلا لها دون أعدائهم الذين آثروا الغي على الرشد، والباطل على الحق ... وفي ذلك ما فيه من الثناء على المؤمنين والتحقير للكافرين.

стр. 5649

ثم أكد الله- تعالى- صدق ما شاهده النبي ﷺ في رؤياه، وبين الحكمة التي من أجلها أرسله إلى الناس كافة فقال- تعالى-: [سورة الفتح (٤٨) : الآيات ٢٧ الى ٢٨] لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً (٢٧) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (٢٨) قال الآلوسى ما ملخصه: «رأى رسول الله ﷺ في المنام قبل خروجه إلى الحديبية، أنه هو وأصحابه قد دخلوا مكة آمنين، وقد حلقوا وقصروا، فقص الرؤيا على أصحابه، ففرحوا واستبشروا، وظنوا أنهم سيدخلونها في عامهم هذا، وقالوا: إن رؤيا رسول الله ﷺ حق، فلما تأخر ذلك قال بعض المنافقين- على سبيل التشكيك والاعتراض- والله ما حلقنا ولا قصرنا، ولا رأينا المسجد الحرام، فنزلت هذه الآية. وقد روى عن عمر- رضى الله عنه- أنه قال نحو ذلك- على سبيل الفهم والاستكشاف- ليزداد يقينه ... والصدق يكون بالقول ويكون بالفعل، وما في الآية صدق بالفعل، وهو التحقيق، أى حقق- سبحانه- للرسول رؤيته..» «١» . وقوله بِالْحَقِّ صفة لمصدر محذوف، أى: صدقا ملتبسا بالحق، أو بمحذوف على أنه حال من الرؤيا، أى: رؤيا ملتبسة بالحق. والمعنى: والله لقد أرينا رسولنا محمدا ﷺ الرؤيا الصادقة التي لا تتخلف، ولا يحوم حولها ريب أو شك، وحققنا له ما اشتملت عليه هذه الرؤيا من بشارات سارة، وعطايا كريمة، على حسب ما اقتضته حكمتنا وإرادتنا. وقوله: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ

стр. 5650

لا تَخافُونَ.. جواب لقسم محذوف، وقوله: آمِنِينَ وما بعده، حال من فاعل لَتَدْخُلُنَّ.. أى: والله لتدخلن- أيها المؤمنون- المسجد الحرام في عامكم المقبل إن شاء الله، حالة كونكم آمنين من كل فزع، وحالة كونكم بعضكم يحلق شعر رأسه كله، وبعضكم يكتفى بقص جزء منه، وحالة كونكم لا تخافون أذى المشركين بعد ذلك. وقوله: إِنْ شاءَ اللَّهُ فيه ما فيه من الإشعار بأن الرؤيا مع صدقها، تحقيقها موكول إلى مشيئة الله- تعالى- وإلى قدرته، لا إلى أحد سواه، وفيه ما فيه من تعليم الناس وإرشادهم إلى أنهم يجب عليهم أن يقولوا ذلك ويعتقدوه عند إرادتهم لفعل من الأفعال، كما قال- تعالى- وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ... قال بعض العلماء: «إن الله- تعالى- استثنى فيما يعلم، ليستثني الخلق فيما لا يعلمون. ويرى بعضهم: أن الاستثناء هنا لتحقيق الخبر وتأكيده. واستدل بعضهم بهذه الآية على أن الحلق غير متعين في النسك، بل يجزئ عنه التقصير، إلا أن الحلق أفضل، فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «اللهم اغفر للمحلقين» قالوا: يا رسول الله، والمقصرين، قال اللهم اغفر للمحلقين، قالوا: يا رسول الله، والمقصرين، قال اللهم اغفر للمحلقين.. ثم قال بعد الثالثة: والمقصرين» . واستدل بها- أيضا- على أن التقصير للرأس دون اللحية، ودون سائر شعر البدن، إذ الظاهر أن المراد: ومقصرين شعر رءوسكم» «١» . وقوله: لا تَخافُونَ تأكيد وتقرير لقوله آمِنِينَ أى: آمنين عند دخولكم مكة للعمرة ولا تخافون بعد إتمامها، لأن عناية الله- تعالى- ورعايته معكم ... وقوله: فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا، فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً بيان للحكمة في تأخير دخولهم مكة عام الحديبية، وتمكينهم من دخولها في العام الذي يليه. والجملة الكريمة معطوفة على قوله: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ ... أى: والله لقد حقق الله- تعالى- لرسوله رؤياه في دخول مكة، ولكن في الوقت الذي يشاؤه ويختاره وتقتضيه حكمته، لأنه- تعالى- علم ما لم تعلموه أنتم من أن المصلحة في عدم دخولكم مكة في عام صلح الحديبية، وأن هذا الصلح هو خير لكم من دخولها، لما يترتب عليه من منافع كثيرة لكم، وقد جعل- سبحانه- بفضله وإحسانه مِنْ دُونِ ذلِكَ أى: من قبل دخولكم مكة، وطوافكم بالمسجد الحرام فَتْحاً قَرِيباً هو فتح خيبر الذي خرجتم منه بالغنائم الوفيرة، أو فتح

стр. 5651

خيبر ومعه صلح الحديبية، الذي قال فيه الزهري لا فتح في الإسلام كان أعظم من صلح الحديبية ... هذا، وقد بسط الإمام ابن كثير ما أصابه المسلمون بعد صلح الحديبية من خيرات فقال ما ملخصه: «ورجع الرسول ﷺ من الحديبية في ذي القعدة من السنة السادسة.. ثم خرج في المحرم من السنة السابعة إلى خيبر، ففتحها الله- تعالى- عليه ... فلما كان في ذي القعدة من السنة السابعة، خرج إلى مكة معتمرا، هو وأهل الحديبية، فأحرم من ذي الحليفة، وساق معه الهدى ... وسار إلى مكة بالسيوف مغمدة في قربها. فدخلها وبين يديه أصحابه يلبون، وعبد الله بن رواحه آخذ بزمام ناقة الرسول ﷺ وينشد ويقول: خلوا بنى الكفار عن سبيله إنى شهيد أنه رسوله وخرج المشركون من مكة لكي لا يروا الرسول ﷺ وأصحابه، أما النساء والأطفال فقد جلسوا على الطرق ينظرون إلى الرسول ﷺ وإلى المؤمنين.. ومكث الرسول وأصحابه بمكة ثلاثة أيام اعتمر خلالها هو وأصحابه، ثم عادوا إلى المدينة» «١» . وهكذا تحققت رؤيا رسول الله ﷺ في الوقت الذي أراده- سبحانه- ثم بين- سبحانه- الحكمة من إرساله لنبيه محمد ﷺ فقال: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ، لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ.. أى: هو- وحده، الذي أرسل رسوله محمدا ﷺ إرسالا ملتبسا بالهدى، أى: بالدليل الواضح والبرهان الساطع الذي يهدى للطريق التي هي أقوم.. وأرسله- أيضا- بالدين الحق وهو دين الإسلام، الذي هو خاتم الأديان وأكملها، لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ أى: من أجل أن يظهره ويعليه على جميع الأديان، لما فيه من هدايات، وعبادات، وآداب، وأحكام، وتشريعات، قد جمعت محاسن الأديان السابقة التي جاء بها الأنبياء، وأضافت إليها جديدا اقتضته حكمة الله- تعالى- ورحمته بهذه الأمة التي أرسل رسوله محمدا إليها. وقد بين- سبحانه- أن هذا الدين هو المقبول عنده دون سواه، فقال وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ، وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ.

стр. 5652

ولقد ظهر هذا الدين فعم المشارق والمغارب، وسيبقى- بإذن الله- ظاهرا على الأديان كلها بقوة حجته، ونصاعة براهينه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. والباء في قوله: وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً مزيدة لتأكيد هذا الإظهار. أى: وكفى بشهادة الله- تعالى- شهادة على حقية هذا الدين، وعلى هذا الإظهار الذي تكفل الله- تعالى- به لدين الإسلام. ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بهذه الآية التي فيها ما فيها من الثناء على الرسول ﷺ وعلى أصحابه، الذين رضى عنهم وأرضاهم فقال: [سورة الفتح (٤٨) : آية ٢٩] مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (٢٩) وقوله- تعالى-: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ مبتدأ وخبر، أو مُحَمَّدٌ خبر لمبتدأ محذوف، ورَسُولُ اللَّهِ بدل أو عطف بيان من الاسم الشريف. أى: هذا الرسول الذي أرسله الله- تعالى- بالهدى ودين الحق، هو محمد رسول الله ﷺ وَالَّذِينَ مَعَهُ وهم أصحابه- وعلى رأسهم من شهد معه صلح الحديبية، وبايعه تحت الشجرة- من صفاتهم أنهم أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ أى: غلاظ عليهم، وأنهم رُحَماءُ بَيْنَهُمْ. أى: أنهم مع إخوانهم المؤمنين يتوادون ويتعاطفون ويتعاونون على البر والتقوى ... وقوله- تعالى- مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فيه أسمى التكريم للرسول ﷺ حيث شهد له- سبحانه- بهذه الصفة، وكفى بشهادته- شهادة، وحيث قدم الحديث عنه بأنه أرسله بالهدى ودين الحق، ثم أخر اسمه الشريف على سبيل التنويه بفضله، والتشويق إلى اسمه.

стр. 5653

وفي وصف أصحابه بأنهم أشداء على الكفار رحماء بينهم، مدح عظيم لهم، وجمع بين الوصفين على سبيل الاحتراس، فهم ليسوا أشداء مطلقا، ولا رحماء مطلقا، وإنما شدتهم على أعدائهم، ورحمتهم لإخوانهم في العقيدة، وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ، فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ، أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ، يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ... «١» . قال صاحب الكشاف: «وعن الحسن أنه قال: «بلغ من تشددهم على الكفار أنهم كانوا يتحرزون من ثيابهم أن تلزق بثيابهم، ومن أبدانهم أن تمس أبدانهم، وبلغ من تراحمهم فيما بينهم، أنه كان لا يرى مؤمن مؤمنا إلا صافحه..» «٢» . وأسمى من هذا كله في بيان تراحمهم قوله- تعالى-: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ... ثم وصفهم بوصف آخر فقال: تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً. أى: تراهم وتشاهدهم- أيها العاقل- راكعين ساجدين محافظين على الصلاة ولا يريدون من وراء ذلك إلا التقرب إلى الله- تعالى- والظفر برضاه وثوابه.. ثم وصفهم بوصف ثالث فقال: سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ.. أى: علامتهم وهو نور يجعله الله- تعالى- في وجوههم يوم القيامة، وحسن سمت يعلو وجوههم وجباههم في الدنيا، من أثر كثرة سجودهم وطاعتهم لله رب العالمين. فالمقصود بهذه الجملة بيان أن الوضاءة والإشراق والصفاء.. يعلو وجوههم من كثرة الصلاة والعبادة لله، وليس المقصود أن هناك علامة معينة- كالنكتة التي تكون في الوجه- كما قد يتبادر إلى بعض الأذهان. واختار- سبحانه- لفظ السجود، لأنه يمثل أعلى درجات العبودية والإخلاص لله- تعالى-. قال الآلوسى: «أخرج ابن مردويه بسند حسن عن أبى بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : «في قوله- تعالى-: سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ النور يوم القيامة» . ثم قال الآلوسى: ولا يبعد أن يكون النور علامة على وجوههم في الدنيا والآخرة- للآثار

стр. 5654

السابقة- لكنه لما كان في الآخرة أظهر وأتم خصه النبي ﷺ بالذكر ... » «١» . واسم الإشارة في قوله- تعالى-: ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ يعود إلى جميع أوصافهم الجليلة السابقة. والمثل هو الصفة العجيبة والقصة ذات الشأن. أى: ذلك الذي ذكرناه عن هؤلاء المؤمنين الصادقين من صفات كريمة تجرى مجرى الأمثال، صفتهم في التوراة التي أنزلها الله- تعالى- على نبيه موسى- ﵇. ثم بين- سبحانه- صفتهم في الإنجيل فقال: وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ: كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ، فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ ... وقوله: وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ معطوف على ما قبله وهو مثلهم في التوراة، والإنجيل: هو الكتاب الذي أنزله الله- تعالى- على نبيه عيسى- ﵇. والشط: فروع الزرع، وهو ما خرج منه وتفرع على شاطئيه. أى: جانبيه. وجمعه: أشطاء، وشطوء، يقال: شطأ الزرع وأشطأ، إذا أخرج فروعه التي تتولد عن الأصل. وقوله فَآزَرَهُ أى: فقوت تلك الفروع أصولها، وآزرتها، وجعلتها مكينة ثابتة في الأرض. وأصله من شد الإزار. تقول: أزّرت فلانا، إذا شددت إزاره عليه. وتقول آزرت البناء- بالمد والقصر- إذا قويت أساسه وقواعده. ومنه قوله- تعالى- حكاية عن موسى- ﵇: وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي. هارُونَ أَخِي. اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي. وقوله: فَاسْتَغْلَظَ أى: فصار الزرع غليظا بعد أن كان رقيقا. وقوله: فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ أى: فاستقام وتكامل على سيقانه التي يعلو عليها. وقوله: يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ أى: يعجب الخبراء بالزراعة لقوته وحسن هيئته. والمعنى: أن صفة المؤمنين في الإنجيل، أنهم كالزرع، يظهر في أول أمره رقيقا ضعيفا متفرقا، ثم ينبت بعضه حول بعض، ويغلظ ويتكامل حتى يقوى ويشتد، وتعجب جودته أصحاب الزراعة، العارفين بها. فكذلك النبي ﷺ وأصحابه، كانوا في أول الأمر في قلة وضعف، ثم لم يزالوا يكثرون ويزدادون قوة، حتى بلغوا ما بلغوا في ذلك.

стр. 5655

وصدق الله إذ يقول: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ، تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ، فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ، وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ. لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ «١» . قال صاحب الكشاف: «وهذا مثل ضربه الله- تعالى- لبدء أمر الإسلام وترقيه في الزيادة إلى أن قوى واستحكم. لأن النبي ﷺ قام وحده، ثم قواه الله- تعالى- بمن معه. كما يقوى الطاقة الأولى من الزرع ما يحتف بها مما يتولد منها، حتى يعجب الزراع» «٢» . وعلى هذا التفسير الذي سرنا عليه يكون وصفهم في التوراة، هو المعبر عنه بقوله- تعالى-: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ.. ويكون وصفهم في الإنجيل هو المعبر عنه بقوله- سبحانه-: كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ.... ولا شك أن هذه الأوصاف كانت موجودة في الكتابين قبل أن يحرفا ويبدلا، بل بعض هذه الأوصاف موجودة في الكتابين، حتى بعد تحريفهما. فقد أخرج بن جرير وعبد بن حميد عن قتادة قال: «مكتوب في الإنجيل سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر..» «٣» . ويرى بعض المفسرين أن المذكور في التوراة والإنجيل شيء واحد، وهو الوصف المذكور إلى نهاية قوله: وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ وعلى هذا الرأى يكون الوقف تاما على هذه الجملة، وما بعدها وهو قوله: كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ.. كلام مستأنف. قال القرطبي: «قوله- تعالى-: ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ.. قال الفراء: فيه وجهان: إن شئت قلت: المعنى: ذلك مثلهم في التوراة وفي الإنجيل أيضا، كمثلهم في القرآن، فيكون الوقف على «الإنجيل» . وإن شئت قلت: تمام الكلام: ذلك مثلهم في التوراة. ثم ابتدأ فقال: ومثلهم في الإنجيل. وكذا قال ابن عباس وغيره: هما مثلان، أحدهما في التوراة، والآخر في الإنجيل ... » «٤» . والذي نراه أن ما ذهب إليه ابن عباس من كونهما مثلين، أحدهما مذكور في التوراة والآخر في الإنجيل، هو الرأى الراجح، لأن ظاهر الآية يشهد له. وفي هذه الصفات ما فيها من رسم صورة مشرقة مضيئة لهؤلاء المؤمنين الصادقين.

стр. 5656

وقوله- تعالى-: لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ تعليل لما يعرب عنه الكلام، من إيجاده- تعالى- لهم على هذه الصفات الكريمة. أى: جعلهم- سبحانه- كذلك بأن وفقهم لأن يكونوا أشداء على الكفار، ولأن يكونوا رحماء فيما بينهم، ولأن يكونوا مواظبين على أداء الطاعات.. لكي يغيظ بهم الكفار، فيعيشوا وفي قلوبهم حسرة مما يرونه من صفات سامية للمؤمنين. ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بهذا الوعد الجميل، فقال: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً. و «من» في قوله مِنْهُمْ الراجح أنها للبيان والتفسير، كما في قوله- تعالى- فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ ... أى: وعد الله- تعالى- بفضله وإحسانه، الذين آمنوا وعملوا الصالحات. وهم أهل بيعة الرضوان، ومن كان على شاكلتهم في قوة الإيمان.. وعدهم جميعا مغفرة لذنوبهم، وأجرا عظيما لا يعلم مقداره إلا هو- سبحانه-. ويجوز أن تكون من هنا للتبعيض، لكي يخرج من هؤلاء الموعودين بالمغفرة والأجر العظيم أولئك الذين أظهروا الإسلام وأخفوا الكفر، وهم المنافقون الذين أبوا مبايعة الرسول ﷺ وأبوا الخروج معه للجهاد، والذين من صفاتهم أنهم كانوا إذا لقوا المؤمنين قالوا آمنا، وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ ... هذا، وقد أخذ العلماء من هذه الآية وأمثالها: وجوب احترام الصحابة وتوقيرهم، والثناء عليهم، لأن الله- تعالى- قد مدحهم ووعدهم بالمغفرة وبالأجر العظيم. قال القرطبي: «روى أبو عروة الزبيري من ولد الزبير أنه قال: كنا عند مالك بن أنس، فذكروا رجلا ينتقص أصحاب رسول الله ﷺ فقرأ مالك هذه الآية: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ... فقال مالك: من أصبح من الناس في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله ﷺ فقد أصابته هذه الآية. ثم قال الإمام القرطبي- ﵀: قلت: لقد أحسن مالك في مقالته وأصاب في تأويله، فمن نقص واحدا منهم أو طعن عليه في روايته، فقد رد على الله رب العالمين، وأبطل شرائع المسلمين» .. «١» . وبعد: فهذا تفسير لسورة «الفتح» تلك السورة التي بشرت الرسول ﷺ وأصحابه

стр. 5657

بألوان من البشارات العالية، وأدبتهم بأنواع من الآداب السامية، وعرفتهم بأعدائهم من المنافقين والكافرين، وحكت الكثير من مظاهر فضل الله- تعالى- ورحمته بعباده المؤمنين.. نسأل الله- تعالى- أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم،،

стр. 5658

تفسير سورة الحجرات

стр. 5659

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة وتمهيد ١- سورة «الحجرات» من السور المدنية الخالصة، وعدد آياتها ثماني عشرة آية، وكان نزولها بعد سورة «المجادلة» . ٢- والذي يتدبر هذه السورة الكريمة، يراها قد اشتملت على أسمى الآداب، وأبلغ العظات، وأحكم الهدايات، فهي تبدأ بنداء للمؤمنين، تعلمهم فيه ما يجب عليهم نحو خالقهم- سبحانه-، ونحو نبيهم ﷺ من أدب. قال- تعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ، وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ، أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ.. ٣- ثم وجهت إليهم نداء ثالثا أمرتهم من خلاله بالتثبت من صحة الأخبار التي تصل إلى مسامعهم، وبينت لهم جانبا من مظاهر فضل الله عليهم. قال- تعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ. وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ، وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ، وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ، وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ، أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ. فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. ٤- ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عما يجب على المؤمنين نحو إخوانهم في العقيدة، إذا ما دب بينهم نزاع أو قتال، فأمرت بالإصلاح بينهم، وبمقاتلة الفئة الباغية إذا ما أبت الصلح، وأصرت على بغيها.. قال- سبحانه-: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما، فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ، فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ، وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ. ٥- ثم وجهت بعد ذلك إلى المؤمنين نداء رابعا نهتهم فيه عن أن يسخر بعضهم من بعض،

стр. 5660

أو أن يلمز بعضهم بعضا. ونداء خامسا أمرتهم فيه باجتناب الظن السيئ بالغير، دون أن يكون هناك مبرر لذلك، ونهتهم عن التجسس وعن الغيبة. قال- تعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ، وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ، وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ، وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ، وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا، وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ، وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ. ٦- وبعد هذه النداءات المتكررة للمؤمنين، وجهت نداء إلى الناس جميعا، بينت لهم فيه أنهم جميعا قد خلقوا من ذكر وأنثى، وأن أكرمهم عند الله هو أتقاهم وأخشاهم لله- تعالى-. ثم ردت على الأعراب الذين قالوا آمنا دون أن يستقر الإيمان في قلوبهم ووضحت صفات المؤمنين الصادقين، وأمرت كل مؤمن أن يشكر الله- تعالى- على نعمة الإيمان. قال- سبحانه-: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا، قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ، بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ. ٧- وهكذا نجد السورة الكريمة قد رسمت للمؤمنين طريق الحياة السعيدة، حيث عرفتهم بما يجب عليهم نحو خالقهم- سبحانه- وبما يجب عليهم نحو نبيهم ﷺ وبما يجب عليهم نحو أنفسهم، وربما يجب عليهم نحو إخوانهم في العقيدة، وبما يجب عليهم نحو أفراد المجتمع الإسلامى بصفة عامة. وقد وضحت لهم كل ذلك بأسلوب بليغ مؤثر، من شأنه أن يغرس في النفوس الخشوع والطاعة لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. كتبه الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى القاهرة- مدينة نصر ١٩ من شهر ربيع الآخر ١٤٠٦ هـ ٣١/ ١٢/ ١٩٨٥ م

стр. 5661

التفسير قال الله- تعالى: [سورة الحجرات (٤٩) : الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣) إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) افتتحت سورة «الحجرات» بهذا النداء المحبب إلى القلوب، ألا وهو الوصف بالإيمان، الذي من شأن المتصفين به، أن يمتثلوا لما يأمرهم الله- تعالى- به، ويجتنبوا ما ينهاهم عنه. افتتحت بقوله- تعالى- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. وقوله تُقَدِّمُوا مضارع قدم اللازم بمعنى تقدم، ومنه مقدمة الجيش ومقدمة الكتاب- بكسر الدال فيهما- وهو اسم فاعل فيهما بمعنى تقدم.

стр. 5662

ويصح أن يكون مضارع قدّم المتعدى، تقول: قدمت فلانا على فلان، إذا جعلته متقدما عليه، وحذف المفعول لقصد التعميم. وقوله: بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ تشبيه لمن يتعجل في إصدار حكم من أحكام الدين بغير استناد إلى حكم الله ورسوله، بحالة من يتقدم بين يدي سيده أو رئيسه، بأن يسير أمامه في الطريق، أو على يمينه أو شماله. وحقيقة الجلوس بين يدي الشخص: أن يجلس بين الجهتين المقابلتين ليمينه أو شماله قريبا منه أو أمامه. قال الجمل قوله: بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ جرت هذه العبارة هنا على سنن من المجاز، وهو الذي يسميه أهل البيان تمثيلا، أى: استعارة تمثيلية، شبّه تعجل الصحابة في إقدامهم على قطع الحكم في أمر من أمور الدين، بغير إذن الله ورسوله، بحالة من تقدم بين يدي متبوعه إذا سار في طريق، فإنه في العادة مستهجن.. والغرض تصوير كمال الهجنة، وتقبيح قطع الحكم بغير إذن الله ورسوله. أو المراد: بين يدي رسول الله، وذكر لفظ الجلالة على سبيل التعظيم للرسول ﷺ وإشعار بأنه من الله بمكان يوجب إجلاله «١» . والمعنى: يا من آمنتم بالله- تعالى- حق الإيمان: احذروا أن تتسرعوا في الأحكام، فتقولوا قولا، أو تفعلوا فعلا يتعلق بأمر ديني، دون أن تستندوا في ذلك إلى الله- تعالى- وحكم رسوله ﷺ وَاتَّقُوا اللَّهَ- تعالى- في كل ما تأتون وتذرون، إن الله سميع لأقوالكم، عليم بجميع أحوالكم. قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: هذه آداب أدب الله- تعالى- بها عباده المؤمنين، فيما يعاملون به الرسول ﷺ من التوقير والاحترام والتبجيل والإعظام. فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. أى: لا تسرعوا في الأشياء بين يديه. أى: قبله، بل كونوا تبعا له في جميع الأمور، حتى يدخل في عموم هذا الأدب الشرعي، حديث معاذ، إذ قال له النبي ﷺ حين بعثه إلى اليمن: «بم تحكم؟ قال بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال فبسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيى» . فالغرض منه أنه أخّر رأيه ونظره واجتهاده، إلى ما بعد الكتاب والسنة، ولو قدمه قبل

стр. 5663

البحث عنهما لكان من باب التقديم بين يدي الله ورسوله «١» . وقال الإمام القرطبي ما ملخصه: قوله: لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أى: لا تقدموا قولا ولا فعلا بين يدي الله، وقول رسوله وفعله، فيما سبيله أن تأخذوه عنه من أمر الدين والدنيا.. واختلف في سبب نزول هذه الآية على ستة أقوال منها: ما ذكره الواحدي من حديث ابن جريج قال: حدثني ابن أبى مليكة أن عبد الله بن الزبير أخبره أنه قدم ركب من بنى تميم على رسول الله ﷺ فقال أبو بكر: يا رسول الله، أمّر عليهم القعقاع بن معبد. وقال عمر: يا رسول الله، أمّر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي. وقال عمر ما أردت خلافك، فتماديا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزلت هذه الآية. وقال قتادة: إن ناسا كانوا يقولون: لو أنزل فيّ كذا، فنزلت هذه الآية. وقال الحسن: نزلت في قوم ذبحوا أضحيتهم قبل أن يصلى النبي ﷺ فأمرهم أن يعيدوا الذبح «٢» . وعلى أية حال فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والمقصود من الآية الكريمة نهى المؤمنين في كل زمان ومكان عن أن يقولوا قولا أو يفعلوا فعلا يتعلق بأمر شرعي، دون أن يعودوا فيه إلى حكم الله ورسوله. ثم وجه- سبحانه- نداء ثانيا إلى المؤمنين، أكد فيه وجوب احترامهم للرسول ﷺ فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ، وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ. قال الآلوسى: هذه الآية شروع في النهى عن التجاوز في كيفية القول عند النبي ﷺ بعد النهى عن التجاوز في نفس القول والفعل. وإعادة النداء مع قرب العهد به، للمبالغة في الإيقاظ والتنبيه، والإشعار باستقلال كل من الكلامين باستدعاء الاعتناء بشأنه «٣» . أى: يا من آمنتم بالله واليوم الآخر.. واظبوا على توقيركم واحترامكم لرسولكم ﷺ ولا ترفعوا أصواتكم فوق صوته عند مخاطبتكم له. ولا تجعلوا أصواتكم مساوية

стр. 5664

لصوته ﷺ حين الكلام معه، ولا تنادوه باسمه مجردا بأن تقولوا له يا محمد، ولكن قولوا له: يا رسول الله، أو يا نبي الله. والكاف في قوله: كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ في محل نصب على أنها نعت لمصدر محذوف أى: ولا تجهروا له بالقول جهرا مثل جهر بعضكم لبعض. قال القرطبي: وفي هذا دليل على أنهم لم ينهوا عن الجهر مطلقا، حتى لا يسوغ لهم إلا أن يكلموه بالهمس والمخافتة، وإنما نهوا عن جهر مخصوص مقيد بصفته، أعنى الجهر المنعوت بمماثلة ما قد اعتادوه منهم فيما بينهم، وهو الخلو من مراعاة أبهة النبوة، وجلالة مقدارها، وانحطاط سائر الرتب وإن جلت عن رتبتها «١» . وقوله- سبحانه-: أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ بيان لما يترتب على رفع الصوت عند مخاطبته ﷺ من خسران. والجملة تعليل لما قبلها، وهي في محل نصب على أنها مفعول لأجله. أى: نهاكم الله- تعالى- عن رفع أصواتكم فوق صوت النبي، وعن أن تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض، كراهة أو خشية أن يبطل ثواب أعمالكم بسبب ذلك، وأنتم لا تشعرون بهذا البطلان. قال ابن كثير: وقوله: أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ أى: إنما نهيناكم عن رفع الصوت عنده ﷺ خشية أن يغضب من ذلك، فيغضب الله لغضبه، فيحبط الله عمل من أغضبه وهو لا يدرى. وقال العلماء: يكره رفع الصوت عند قبره، كما كان يكره في حياته، لأنه محترم حيا وفي قبره «٢» . ولقد امتثل الصحابة لهذه الإرشادات امتثالا تاما، فهذا أبو بكر يروى عنه أنه لما نزلت هذه الآية قال: يا رسول الله، والله لا أكلمك إلا كأخى السرار- أى: كالذي يتكلم همسا. وهذا ثابت بن قيس، كان رفيع الصوت، فلما نزلت هذه الآية قال: أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله ﷺ أنا من أهل النار، حبط عملي، وجلس في أهل بيته حزبنا ... فلما بلغ النبي ﷺ ما قاله ثابت، قال لأصحابه: «لا. بل هو من أهل الجنة» «٣» . قال بعض العلماء: وما تضمنته هذه الآية من لزوم توقير النبي ﷺ جاء مبينا في

стр. 5665

آيات أخرى، منها قوله تعالى-: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً. وقد دلت آيات من كتاب الله على أن الله- تعالى- لم يخاطبه في كتابه باسمه، وإنما يخاطبه بما يدل على التعظيم كقوله- سبحانه-: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ. يا أَيُّهَا الرَّسُولُ. يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. مع أنه- سبحانه- قد نادى غيره من الأنبياء بأسمائهم، كقوله- تعالى-: وَقُلْنا يا آدَمُ. وقوله- : وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا. أما النبي ﷺ فلم يذكر اسمه في القرآن في خطاب، وإنما ذكر في غير ذلك، كقوله- تعالى- وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ «١» . ثم مدح- سبحانه- الذين يغضون أصواتهم في حضرة الرسول ﷺ فقال: إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله، أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى. وقوله: يَغُضُّونَ بمعنى يخفضون. يقال: غض فلان من صوته ومن طرفه إذا خفضه. وكل شيء كففته عن غيره فقد غضضته. وقوله: امْتَحَنَ أى: اختبر وأخلص، وأصله من امتحان الذهب وإذابته ليخلص جيده من خبيثة، والمراد به هنا: إخلاص القلوب لمراقبة الله وتقواه. أى: إن الذين يخفضون أصواتهم في حضرة رسول الله ﷺ وعند مخاطبتهم له. أولئك الذين يفعلون ذلك، هم الذين أخلص الله- تعالى- قلوبهم لتقواه وطاعته، وجعلها خالصة من أى شيء سوى هذه الخشية والطاعة. قال صاحب الكشاف: «امتحن الله قلوبهم للتقوى» من قولك: امتحن فلان لأمر كذا وجرب له، ودرب للنهوض به، فهو مضطلع به غير وان عنه، والمعنى: أنهم صبروا على التقوى، أقوياء على احتمال مشاقها. أو وضع الامتحان موضع المعرفة، لأن تحقق الشيء باختباره، كما يوضع الخبر موضعها، فكأنه قيل: عرف الله قلوبهم للتقوى «٢» . وقوله: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ بشارة عظيمة من الله- تعالى- لهم. أى: لهؤلاء الغاضين أصواتهم عند رسول الله ﷺ مغفرة لذنوبهم، وأجر كبير لا يعرف مقداره أحد سوى الله- تعالى-.

стр. 5666

ولقد التزم المسلمون بهذا الأدب في حياة النبي ﷺ وبعد مماته، فقد سمع عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- رجلا يرفع صوته في المسجد النبوي: فقال له: من أين أنت- أيها الرجل-؟ فقال: من الطائف، فقال له: لو كنت من أهل المدينة لأوجعتك ضربا. ثم أشار- سبحانه- إلى ما فعله بعض الناس من رفع أصواتهم عند ندائهم للنبي ﷺ فقال: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ، أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ. وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وقد ذكروا في سبب نزول هاتين الآيتين أن جماعة من بنى تميم أتوا إلى المدينة في عام الوفود في السنة التاسعة، فوقفوا بالقرب من منزل النبي ﷺ في ساعة القيلولة وأخذوا يقولون: يا محمد اخرج إلينا.. فكره النبي ﷺ منهم ذلك. والمراد بالحجرات: حجرات نسائه ﷺ جمع حجرة وهي القطعة من الأرض المحجورة، أى: المحددة بحدود لا يجوز تخطيها، ويمنع الدخول فيها إلا بإذن. أى: إن الذين ينادونك- أيها الرسول الكريم- مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ. أى: خلف حجرات أزواجك وخارجها، أكثرهم لا يجرون على ما تقتضيه العقول السليمة، والآداب القويمة من مراعاة الاحترام والتوقير لمن يخاطبونه من الناس، فضلا عن أفضلهم، وأشرفهم، وذلك لأنهم من الأعراب الذين لم يحسنوا مخاطبة الناس، لجفائهم وغلظ طباعهم. وقال- سبحانه- أَكْثَرُهُمْ للإشعار بأن قلة منهم لم تشارك هذه الكثرة في هذا النداء الخارج عن حدود الأدب واللياقة. قال صاحب الكشاف ما ملخصه: وورود الآية على النمط الذي وردت عليه، فيه ما لا يخفى على الناظر من إكبار للنبي ﷺ وإجلال لمقامه. ومن ذلك: مجيئها على النظم سجل على الصائحين به السفه والجهل بسبب ما أقدموا عليه. ومن ذلك: التعبير بلفظ الحجرات وإيقاعها كناية عن موضع خلوته ومقيله مع بعض نسائه، والمرور على لفظها بالاقتصار على القدر الذي يظهر به موضع الاستنكار عليهم. ومن ذلك: شفع ذمهم باستجفائهم واستركاك عقولهم، وقلة ضبطهم لمواضع التمييز في المخاطبات، تهوينا للخطب، وتسلية له ﷺ «١» .

стр. 5667

ثم أرشدهم- سبحانه- إلى السلوك الأفضل فقال- تعالى-: وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ. أى: ولو أن هؤلاء الذين ينادونك- أيها الرسول الكريم- من وراء الحجرات، صبروا عليك حتى تخرج إليهم ولم يتعجلوا بندائك بتلك الصورة الخالية من الأدب، لكان صبرهم خبرا لهم وَاللَّهُ- تعالى- غَفُورٌ رَحِيمٌ أى: واسع المغفرة والرحمة. قال صاحب الكشاف: يحكى عن أبى عبيد- العالم الزاهد الثقة- أنه قال: ما دققت باب عالم قط، حتى يخرج في وقت خروجه. وقوله: أَنَّهُمْ صَبَرُوا في موضع رفع على الفاعلية، لأن المعنى: ولو ثبت صبرهم. فإن قلت: هل من فرق بين قوله حَتَّى تَخْرُجَ وإلى أن تخرج؟ قلت: إن «حتى» مختصة بالغاية المضروبة. تقول: أكلت السمكة حتى رأسها، ولو قلت: حتى نصفها، أو صدرها، لم يجز، و «إلى» عامة في كل غاية، فقد أفادت «حتى» بوضعها: أن خروج رسول الله ﷺ إليهم غاية قد ضربت لصبرهم، فما كان لهم أن يقطعوا أمرا دون الانتهاء إليه. فإن قلت: فأى فائدة في قوله إِلَيْهِمْ؟ قلت: فيه أنه لو خرج ولم يكن خروجه إليهم ولأجلهم، للزمهم أن يصبروا إلى أن يعلموا أن خروجه إليهم «١» . هذا والمتدبر في هذه الآيات الكريمة، يراها قد رسمت للمؤمنين أسمى ألوان الأدب في مخاطبتهم لرسول الله ﷺ ، وفي إلزامهم بألا يقولوا قولا أو يفعلوا فعلا، يتعلق بشأن من شئون دينهم إلا بعد معرفتهم بأن هذا القول أو الفعل يستند إلى حكم شرعي، شرعه الله- تعالى- ورسوله ﷺ . كما أنه يراها قد مدحت الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله ﷺ ، وذمت الذين لا يلتزمون هذا الأدب عند مخاطبته أو ندائه. ثم وجهت السورة نداء ثالثا إلى المؤمنين أمرتهم فيه بالتثبت من صحة الأخبار التي تصل إليهم، وأرشدتهم إلى مظاهر فضل الله- تعالى- عليهم لكي يواظبوا على شكره، فقال- تعالى-:

стр. 5668

[سورة الحجرات (٤٩) : الآيات ٦ الى ٨] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (٦) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨) ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات روايات منها ما روى عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ قد بعث الوليد بن عقبة إلى بنى المصطلق ليأخذ منهم الصدقات، وإنهم لما أتاهم الخبر فرحوا وخرجوا يتلقون رسول رسول الله ﷺ . فرجع الوليد- ظنا منه أنهم يريدون قتله- فقال يا رسول الله: إن بنى المصطلق قد منعوا الصدقة، فغضب رسول الله ﷺ من ذلك غضبا شديدا، فبينما هو يحدث نفسه أن يغزوهم إذ أتاه الوفد فقالوا: يا رسول الله، إنا بلغنا أن رسولك رجع من نصف الطريق، وإنا خشينا أن ما رده كتاب جاء منك لغضب غضبته علينا، وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله. فأنزل الله- تعالى- الآية «١» . والفاسق: هو الخارج عن الحدود الشرعية التي يجب التزامها، مأخوذ من قولهم: فسقت الرطبة، إذا خرجت عن قشرتها، وسمى بذلك لانسلاخه عن الخير والرشد. وقرأ الجمهور: فَتَبَيَّنُوا وقرأ حمزة والكسائي فتثبتوا ومعناهما واحد، إذ هما بمعنى التأنى وعدم التعجل في الأمور حتى تظهر الحقيقة فيما أخبر به الفاسق. أى: يا من آمنتم بالله حق الإيمان، إن جاءكم فاسق بخبر من الأخبار، ولا سيما الأخبار الهامة، فلا تقبلوه بدون تبين أو تثبت، بل تأكدوا وتيقنوا من صحته قبل قبوله منه. والتعبير «بإن» المفيدة للشك، للإشعار بأن الغالب في المؤمن أن يكون يقظا، يعرف

стр. 5669

مداخل الأمور، وما يترتب عليها من نتائج، ويحكم عقله فيما يسمع من أنباء، فلا يصدق خبر الفاسق إلا بعد التثبت من صحته. قال صاحب الكشاف: وفي تنكير الفاسق والنبأ: شياع في الفساق والأنباء، كأنه قال: أى فاسق جاءكم بأى نبأ فتوقفوا فيه، وتطلبوا بيان الأمر، وانكشاف الحقيقة ولا تعتمدوا على قول الفاسق، لأن من لا يتحامى جنس الفسوق لا يتحامى الكذب الذي هو نوع منه «١» . وقال القرطبي: وفي الآية دليل على قبول خبر الواحد إذا كان عدلا، لأنه إنما أمر فيها بالتثبت عند نقل خبر الفاسق، ومن ثبت فسقه بطل قوله في الأخبار إجماعا، لأن الخبر أمانة والفسق قرينة يبطلها «٢» . وقوله: أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ ... تعليل للأمر بالتبين، بتقدير لام التعليل، أو بتقدير ما هو بمعنى المفعول لأجله. والجهالة بمعنى الجهل بحقيقة الشيء. أى: تثبتوا- أيها المؤمنون- من صحة خبر الفاسق، لئلا تصيبوا قوما بما يؤذيهم، والحال أنكم تجهلون حقيقة أمرهم، أو خشية أن تصيبوا قوما بجهالة، لظنكم أن النبأ الذي جاء به الفاسق حقا. وقوله: فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ بيان للنتائج السيئة التي تترتب على تصديق خبر الفاسق، وفَتُصْبِحُوا بمعنى تصيروا، والندم: غم يلحق الإنسان لأمور وقعت منه، ثم صار يتمنى بعد فوات الأوان عدم وقوعها. أى: فتصيروا على ما فعلتم مع هؤلاء القوم نادمين ندما شديدا، بسبب تصديقكم لخبر الفاسق بدون تبين أو تثبت. فالآية الكريمة ترشد المؤمنين في كل زمان ومكان إلى كيفية استقبال الأخبار استقبالا سليما، وإلى كيفية التصرف معها تصرفا حكيما، فتأمرهم بضرورة التثبت من صحة مصدرها، حتى لا يصاب قوم بما يؤذيهم بسبب تصديق الفاسق في خبره، بدون تأكد أو تحقق من صحة ما قاله.. وبهذا التحقق من صحة الأخبار، يعيش المجتمع الإسلامى في أمان واطمئنان، وفي بعد عن الندم والتحسر على ما صدر منه من أحكام. ثم أرشد- سبحانه- المؤمنين إلى جانب من نعمه عليهم، ورحمته بهم فقال: وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ.

стр. 5670

والعنت: الوقوع في الأمر الشاق المؤلم، يقال: عنت فلان- بزنة فرح- إذا وقع في أمر يؤدى إلى هلاكه أو تعبه أو إيذائه. ويفهم من الآية الكريمة أن بعض المسلمين، صدقوا الوليد بن عقبة، وأشاروا على الرسول ﷺ أن يعجل بعقاب بنى المصطلق. والمراد بطاعة الرسول ﷺ لهم: أخذه برأيهم، وتنفيذه لما يريدونه منه. والمراد بالكثير من الأمر: الكثير من الأخبار والأحكام التي يريدون تنفيذها حتى ولو كانت على غير ما تقتضيه المصلحة والحكمة. أى: واعلموا- أيها المؤمنون- أن فيكم رسول الله ﷺ الذي أرسله- سبحانه- لكي يهديكم إلى الحق وإلى الطريق القويم.. وهو- ﵊ لو يطيعكم في كثير من الأخبار التي يسمعها منكم، وفي الأحكام التي تحبون تطبيقها عليكم أو على غيركم.. لو يطيعكم في كل ذلك لأصابكم العنت والمشقة، ولنزل بكم ما قد يؤدى إلى هلاككم وإتلاف أموركم. قال الآلوسى ما ملخصه: وقوله: وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ عطف على ما قبله، و «أن» بما في حيزها ساد مسد مفعولي «اعلموا» باعتبار ما قيد به من الحال، وهو قوله: لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ. وتقديم خبر «أنّ» للحصر المستتبع زيادة التوبيخ، وصيغة المضارع للاستمرار. ولَوْ لامتناع استمرار طاعته- ﵊ لهم في كثير مما يعن لهم من الأمور. وفي الكلام إشعار بأنهم زينوا للرسول ﷺ الإيقاع ببني المصطلق. وفي هذا التعبير مبالغات منها: إيثار «لو» ليدل على الفرض والتقدير. ومنها: ما في العدول إلى المضارع من تصوير ما كانوا عليه، وتهجينه. ومنها: ما في التعبير بالعنت من الدلالة على أشد المحذور، فإنه الكسر بعد الجبر، والرمز الخفى على أنه ليس بأول بادرة منهم «١» . وقوله- سبحانه-: وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ استدراك على ما يقتضيه الكلام السابق، وبيان لمظاهر فضله عليهم ورحمته- سبحانه- بهم. أى: ولكنه ﷺ لا يطيعكم في كل ما يعن لكم، وإنما يتبين

стр. 5671

الأمور والأخبار ويتثبت من صحتها ثم يحكم، وقد حبب الله- تعالى- إلى كثير منكم الإيمان المصحوب بالعمل الصالح والقول الطيب وزينه وحببه في قلوبكم، وكره وبغض إليكم الكفر والفسوق والعصيان لكل ما أمر به أو نهى عنه. ورحم الله صاحب الكشاف فقد أجاد عند تفسير هذه الآية، فقال ما ملخصه: قوله: لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ أى: لوقعتم في العنت والهلاك.. وهذا يدل على أن بعض المؤمنين زينوا للرسول ﷺ الإيقاع ببني المصطلق ... وأن بعضهم كانوا يتصونون ويزعهم جدهم في التقوى عن الجسارة على ذلك، وهم الذين استثناهم- سبحانه- بقوله: وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ أى إلى بعضكم، ولكنه أغنت عن ذكر البعض صفتهم المفارقة لصفة غيرهم، وهذا من إيجازات القرآن، ولمحاته اللطيفة، التي لا يفطن لها إلا الخواص. فإن قلت: كيف موقع لكِنَّ وشريطتها مفقودة من مخالفة ما بعدها لما قبلها نفيا وإثباتا؟ قلت: هي مفقودة من حيث اللفظ، حاصلة من حيث المعنى، لأن الذين حبب إليهم الإيمان قد غايرت صفتهم المتقدم ذكرهم، فوقعت لكن في موقعها من الاستدراك «١» . واسم الإشارة في قوله: أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ يعود إلى المؤمنين الصادقين، الذين حبب الله- تعالى- إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم. أى: أولئك المتصفون بتلك الصفات الجليلة، هم الثابتون على دينهم، المهتدون إلى طريق الرشد والصواب، إذ الرشد هو الاستقامة على طريق الحق، مع الثبات عليه، والتصلب فيه، والتمسك به في كل الأحوال. وقوله- سبحانه-: فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً.. تعليل لما منّ به- سبحانه- عليهم من تزيين الإيمان في قلوبهم. أى: فعل ما فعل من تحبيب الإيمان إليكم، ومن تبغيض الكفر إلى قلوبكم، لأجل فضله عليكم، ورحمته بكم، وإنعامه عليكم بالنعم التي لا تحصى. وَاللَّهُ- تعالى- عَلِيمٌ بكل شيء حَكِيمٌ في كل أفعاله وأقواله وتصرفاته. وبذلك نرى الآيات الكريمة، قد رسمت للمؤمنين أحكم الطرق في تلقى الأخبار، وأرشدتهم إلى مظاهر فضله عليهم، لكي يستمروا على شكرهم له وطاعتهم لرسله.

стр. 5672

ثم انتقلت السورة إلى دائرة أوسع وأرحب، فدعت المؤمنين إلى التدخل بين الطوائف المتنازعة لعقد المصالحة بينها، وإلى قتال الفئة الباغية حتى ترجع إلى حكم الله- تعالى- فقال- سبحانه-: [سورة الحجرات (٤٩) : الآيات ٩ الى ١٠] وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠) وقد ذكروا في سبب نزول هاتين الآيتين روايات منها: ما رواه الإمام أحمد عن أنس قال: قيل للنبي ﷺ : لو أتيت عبد الله بن أبى؟ فانطلق إليه النبي ﷺ وركب حمارا، وانطلق المسلمون يمشون، وهي أرض سبخة، فلما انطلق إليه- ﵊ قال: إليكم عنى، فو الله لقد آذاني ريح حمارك. فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله أطيب ريحا منك. قال: فغضب لعبد الله رجال من قومه، وغضب للأنصارى أصحابه. قال: فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدى.. فبلغنا أنه أنزلت فيهم وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ... «١» . والخطاب في الآية لأولى الأمر من المسلمين، والأمر في قوله فَأَصْلِحُوا للوجوب، والطائفة: الجماعة من الناس. أى: وإن حدث قتال بين طائفتين من المؤمنين، فعليكم يا أولى الأمر من المؤمنين أن تتدخلوا بينهما بالإصلاح، عن طريق بذل النصح، وإزالة أسباب الخلاف. والتعبير «بإن» للإشعار بأنه لا يصح أن يقع قتال بين المؤمنين، فإن وقع على سبيل الندرة، فعلى المسلمين أن يعملوا بكل وسيلة على إزالته.

стр. 5673

وجاء «اقتتلوا» بلفظ الجمع، لأن لفظ الطائفة وإن كان مفردا في اللفظ إلا أنه جمع في المعنى، فروعى فيه المعنى هنا. وروعي فيه اللفظ في قوله بَيْنَهُما. قالوا: والنكتة في ذلك أنهم في حال القتال يكونون مختلطين فلذا جاء الأسلوب بصيغة الجمع، وفي حال الصلح يكونون متميزين متفرقين فلذا جاء الأسلوب بصيغة التثنية. ثم بين- سبحانه- حكمه في حال اعتداء إحداهما على الأخرى فقال: فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ. والبغي: التعدي وتجاوز الحد والامتناع عن قبول الصلح المؤدى إلى الصواب. أى: فإن بغت إحدى الطائفتين على الأخرى، وتجاوزت حدود العدل والحق، فقاتلوا- أيها المؤمنون- الفئة الباغية، حتى تفيء وترجع إلى حكم الله- تعالى- وأمره، وحتى تقبل الصلح الذي أمرناكم بأن تقيموه بينهم. وقوله: فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا بيان لما يجب على المؤمنين أن يفعلوه مع الفئة الباغية، إذا ما قبلت الصلح ورجعت إلى حكم الله- تعالى-. أى: فإن رجعت الفئة الباغية عن بغيها، وقبلت الصلح، وأقلعت عن القتال، فأصلحوا بين الطائفتين إصلاحا متسما بالعدل التام وبالقسط الكامل. وقيد- سبحانه- الإصلاح بالعدل. ثم أكد ذلك بالأمر بالقسط حتى يلتزم الذين يقومون بالصلح بينهما العدالة التي لا يشوبها أى حيف أو جور على إحدى الطائفتين. وقوله: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ تذييل المقصود به حض المؤمنين على التقيد بالعدل في أحكامهم، لأن الله- تعالى- يحب من يفعل ذلك. وقوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ.. استئناف مقرر لمضمون ما قبله من الأمر بوجوب الإصلاح بين المتخاصمين. أى: إنما المؤمنون إخوة في الدين والعقيدة، فهم يجمعهم أصل واحد وهو الإيمان، كما يجمع الإخوة أصل واحد وهو النسب، وكما ان أخوة النسب داعية إلى التواصل والتراحم والتناصر في جلب الخير، ودفع الشر، فكذلك الأخوة في الدين تدعوكم إلى التعاطف والتصالح، وإلى تقوى الله وخشيته، ومتى تصالحتم واتقيتم الله- تعالى- كنتم أهلا لرحمته ومثوبته. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: فلم خص الاثنان بالذكر دون الجمع في قوله: فأصلحوا بين أخويكم-؟

стр. 5674

قلت: لأن أقل من يقع بينهم الشقاق اثنان، فإذا لزمت المصالحة بين الأقل، كانت بين الأكثر ألزم، لأن الفساد في شقاق الجمع أكثر منه في شقاق الاثنين «١» . هذا، وقد أخذ العلماء من هاتين الآيتين جملة من الأحكام منها: أن الأصل في العلاقة بين المؤمنين أن تقوم على التواصل والتراحم، لا على التنازع والتخاصم، وأنه إذا حدث نزاع بين طائفتين من المؤمنين، فعلى بقية المؤمنين أن يقوموا بواجب الإصلاح بينهما حتى يرجعا إلى حكم الله- تعالى-. قال الشوكانى: إذا تقاتل فريقان من المسلمين، فعلى المسلمين أن يسعوا بالصلح بينهم، ويدعوهم إلى حكم الله فإن حصل بعد ذلك التعدي من إحدى الطائفتين على الأخرى، ولم تقبل الصلح ولا دخلت فيه، كان على المسلمين أن يقاتلوا هذه الطائفة الباغية، حتى ترجع إلى أمر الله وحكمه، فإن رجعت تلك الطائفة الباغية عن بغيها، وأجابت الدعوة إلى كتاب الله وحكمه، فعلى المسلمين أن يعدلوا بين الطائفتين في الحكم، ويتحروا الصواب المطابق لحكم الله، ويأخذوا على يد الطائفة الظالمة، حتى تخرج من الظلم، وتؤدى ما يجب عليها نحو الأخرى «٢» . ثم وجه- سبحانه- إلى المؤمنين نداء رابعا، نهاهم فيه عن أن يسخر بعضهم من بعض، أو أن يعيب بعضهم بعضا فقال: [سورة الحجرات (٤٩) : آية ١١] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) وقد ذكروا في سبب نزول هذه الآية روايات منها: أنها نزلت في قوم من بنى تميم، سخروا من بلال، وسلمان، وعمار، وخباب.. لما رأوا من رثاثة حالهم، وقلة ذات يدهم.

стр. 5675

ومن المعروف بين العلماء، أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. وقوله: يَسْخَرْ من السخرية، وهي احتقار الشخص لغيره بالقول أو بالفعل، يقال: سخر فلان من فلان، إذا استهزأ به، وجعله مثار الضحك، ومنه قوله- تعالى- حكاية عن نوح مع قومه:.. قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ «١» . قال صاحب الكشاف: والقوم: الرجال خاصة، لأنهم القوام بأمور النساء.. واختصاص القوم بالرجال صريح في الآية، وفي قول الشاعر: أقوم آل حصن أم نساء. وأما قولهم في قوم فرعون وقوم عاد: هم الذكور والإناث، فليس لفظ القوم بمتعاطف للفريقين، ولكن قصد ذكر الذكور، وترك ذكر الإناث لأنهن توابع لرجالهن «٢» . أى: يا من آمنتم بالله حق الإيمان، لا يحتقر بعضكم بعضا ولا يستهزئ بعضكم من بعض. وقوله: عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ تعليل للنهى عن السخرية. أى: عسى أن يكون المسخور منه خيرا عند الله- تعالى- من الساخر، إذ أقدار الناس عنده- تعالى- ليست على حسب المظاهر والأحساب.. وإنما هي على حسب قوة الإيمان، وحسن العمل. وقوله: وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ. معطوف على النهى السابق، وفي ذكر النساء بعد القوم قرينة على أن المراد بالقوم الرجال خاصة. أى: عليكم يا معشر الرجال أن تبتعدوا عن احتقار غيركم من الرجال، وعليكن يا جماعة النساء أن تقلعن إقلاعا تاما عن السخرية من غيركن. ونكر- سبحانه- لفظ قَوْمٌ ونِساءٌ، للإشعار بأن هذا النهى موجه إلى جميع الرجال والنساء، لأن هذه السخرية منهى عنها بالنسبة للجميع. وقد جاء النهى عن السخرية موجها إلى جماعة الرجال والنساء، جريا على ما كان جاريا في الغالب، من أن السخرية كانت تقع في المجامع والمحافل، وكان الكثيرون يشتركون فيها على سبيل التلهي والتلذذ. ثم قال- تعالى- وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ أى: ولا يعب بعضكم بعضا بقول أو إشارة سواء أكان على وجه يضحك أم لا، وسواء كان بحضرة الملموز أم لا، فهو أعم من السخرية
следующие страницы →