← Тафсир

Тафсир · id 23590

التفسير الوسيط لطنطاوي

محمد سيد طنطاوي

Полный текст (6 701 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.

стр. 5601

وقال الآلوسى ما ملخصه: قوله: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ... هم المنافقون، وإفراد الضمير باعتبار اللفظ، كما أن جمعه باعتبار المعنى. قال ابن جريج، كانوا يحضرون مجلس رسول الله ﷺ فيسمعون كلامه ولا يعونه ولا يراعونه حق رعايته تهاونا منهم. ومقصودهم بقولهم: ماذا قالَ آنِفاً الاستهزاء وإن كان بصورة الاستعلام. وآنِفاً اسم فاعل على غير القياس أو بتجريد فعله من الزوائد لأنه لم يسمع له ثلاثي، بل المسموع: استأنف وأتنف «١» . ثم بين- سبحانه- حالهم فقال: أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ. أى: أولئك المنافقون الذين قالوا هذا القول القبيح، هم الذين طبع الله- تعالى- على قلوبهم بأن جعلها بسبب استحبابهم الضلالة على الهداية لا ينتفعون بنصح، ولا يستجيبون لخير، وهم الذين اتبعوا أهواءهم وشهواتهم فصاروا لا يعقلون حقا، ولا يفقهون حديثا. فالآية الكريمة تصور تصويرا بليغا ما كان عليه هؤلاء المنافقون من مكر وخداع، ومن خبث وسوء طوية. وترد عليهم بهذا الذم الشديد الذي يناسب جرمهم. ثم يعقب- سبحانه- على ذلك ببيان حال المؤمنين الصادقين فيقول: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ. أى: هذا هو حال المنافقين، وهذا هو الحكم الذي يناسبهم، أما الذين اهتدوا إلى الحق، واستجابوا له، وخالطت بشاشته قلوبهم، فهم الذين زادهم الله- تعالى- هداية على هدايتهم. وزادهم علما وبصيرة وفقها في الدين، ومنحهم بفضله وإحسانه خلق التقوى والخشية منه، والطاعة لأمره، وكافأهم على ذلك بما يستحقون من ثواب جزيل. ثم تعود السورة الكريمة إلى توبيخ هؤلاء المنافقين على غفلتهم وانطماس بصائرهم، فتقول: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً، فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها. فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ؟. فالاستفهام للإنكار والتعجب من حالهم، وقوله أَنْ تَأْتِيَهُمْ بدل اشتمال من الساعة، والأشراط جمع شرط- بالتحريك مع الفتح- وهو العلامة، وأصله الإعلام عن الشيء. يقال: أشرط فلان نفسه لكذا، إذا أعلمها له وأعدها، ومنه الشرطي- كتركي-

стр. 5602

والجمع شرط- بضم ففتح- سموا بذلك لأنهم أعلموا أنفسهم بعلامات يعرفون بها، وتميزهم عن غيرهم. وقوله: فَأَنَّى لَهُمْ خبر مقدم وذِكْراهُمْ مبتدأ مؤخر، والضمير في قوله جاءَتْهُمْ يعود إلى الساعة، والكلام على حذف مضاف قبل قوله ذِكْراهُمْ أى: فأنى لهم نفع ذكراهم؟ والمعنى: ما ينتظر هؤلاء الجاهلون إلا الساعة، التي سيفاجئهم مجيؤها مفاجأة بدون مقدمات، والحق أن علاماتها قد ظهرت دون أن يرفعوا لها رأسا، ودون أن يعتبروا بها أو يتعظوا لاستيلاء الأهواء عليهم. ولكنهم عند ما تداهمهم الساعة بأهوالها، ويقفون للحساب. يتذكرون ويؤمنون بالله ورسله.. ولكن إيمانهم في ذلك الوقت لن ينفعهم، لأنه جاء في غير محله الذي يقبل فيه، وتذكرهم واتعاظهم- أيضا- لن يفيدهم لأنه جاء بعد فوات الأوان. ومن الآيات التي وردت في هذا المعنى قوله- تعالى-: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا «١» . وقوله- تعالى-: وَقالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ «٢» . وقوله- : يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى «٣» . قال الآلوسى: الظاهر أن المراد بأشراط الساعة هنا: علاماتها التي كانت واقعة إذ ذاك، وأخبروا أنها علامات لها، كبعثة نبينا ﷺ فقد أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «بعثت أنا والساعة كهاتين- وأشار بالسبابة والوسطى» . وأراد ﷺ مزيد القرب بين مبعثه والساعة، فإن السبابة تقرب من الوسطى. وأخرج أحمد عن بريدة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بعثت أنا والساعة جميعا. وإن كادت لتسبقني» وهذا أبلغ في إفادة القرب. وعدوا منها انشقاق القمر الذي وقع له ﷺ والدخان الذي وقع لأهل مكة، أما أشراطها مطلقا فكثيرة، ومنها ككون الحفاة العراة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان «٤» .

стр. 5603

ثم أمر الله- تعالى- رسوله ﷺ أن يداوم على استغفاره وطاعته لله- تعالى- وأن يأمر اتباعه بالاقتداء به في ذلك فقال: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ. والفاء في قوله: فَاعْلَمْ للإفصاح عن جواب شرط معلوم مما مر من آيات. والتقدير: إذا تبين لك ما سقناه عن حال السعداء والأشقياء، فاعلم أنه لا إله إلا الله، واثبت على هذا العلم، واعمل بمقتضاه، واستمر على هذا العمل وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ أى: واستغفر الله- تعالى- من أن يقع منك ذنب، واعتصم بحبله لكي يعصمك من كل مالا يرضيه. واستغفر- أيضا لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بأن تدعو لهم بالرحمة والمغفرة وَاللَّهُ- تعالى- بعد كل ذلك يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ أى يعلم كل متقلب وكل إقامة لكم سواء أكانت في بر أم في بحر أم في غيرهما. والمقصود: أنه- تعالى- يعلم جميع أحوالكم ولا يخفى عليه شيء منها، والمتقلب: المتصرف، من التقلب وهو التصرف والانتقال من مكان إلى آخر. والمثوى: المسكن الذي يأوى إليه الإنسان، ويقيم به. قال الإمام ابن كثير: وقوله: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ هذا إخبار بأنه لا إله إلا الله، ولا يتأتى كونه آمرا بعلم ذلك، ولهذا عطف عليه بقوله: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ. وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ كان يقول: «اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافى في أمرى، وما أنت أعلم به منى. اللهم اغفر لي هزلى وجدي، وخطئى وعمدي، وكل ذلك عندي» . وفي الصحيح أنه كان يقول في آخر الصلاة: «اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت. وما أنت أعلم به منى، أنت إلهى لا إله إلا أنت» . وفي الصحيح أنه قال: «يا أيها الناس. توبوا إلى ربكم فإنى أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» «١» . ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة: وجوب المداومة على استغفار الله- تعالى- والتوبة إليه توبة صادقة نصوحا. لأنه إذا كان الرسول ﷺ وهو الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر- قد أمره- سبحانه- بالاستغفار، فأولى بغيره أن يواظب على ذلك، لأن الاستغفار بجانب أنه

стр. 5604

ذكر لله- تعالى- فهو- أيضا شكر له- سبحانه- على نعمه. وقد توسع الإمام الآلوسى في الحديث عن معنى قوله- تعالى-: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ.. فارجع إليه إن شئت «١» . ثم بين- سبحانه- بعد ذلك حال المنافقين عند ما يدعون إلى القتال في سبيل الله، وكيف أنهم يستولى عليهم الذعر والهلع عند مواجهة هذا التكليف، وكيف سيكون مصيرهم إذا ما استمروا على هذا النفاق. فقال- تعالى-: [سورة محمد (٤٧) : الآيات ٢٠ الى ٢٤] وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ (٢٠) طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ (٢١) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (٢٢) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ (٢٣) أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (٢٤) قال الإمام الرازي ما ملخصه: لما بين الله حال المنافق والكافر، والمهتدى المؤمن عند استماع الآيات العلمية، من التوحيد والحشر وغيرهما.. أتبع ذلك ببيان حالهم في الآيات العملية، فإن المؤمن كان ينتظر ورودها، ويطلب تنزيلها، وإذا تأخر عنه التكليف كان يقول: هلا أمرت بشيء من العبادة. والمنافق كان إذا نزلت الآية أو السورة وفيها تكليف كره ذلك.. فذكر- سبحانه- تباين حال الفريقين في العلم والعمل. فالمنافق لا يفهم العلم ولا يريد العمل، والمؤمن يعلم ويحب العمل.. «٢» .

стр. 5605

فقوله- تعالى-: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ حكاية لتطلع المؤمنين الصادقين إلى نزول القرآن، وتشوقهم إلى الاستماع إليه، والعمل بأحكامه. أى: ويقول الذين آمنوا إيمانا حقا، لرسوله ﷺ : يا رسول الله هلا نزلت سورة جديدة من هذا القرآن الكريم، الذي نحبه ونحب العمل بما فيه من هدايات وآداب وأحكام وجهاد في سبيل الله- . قوله: فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ، رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ.. بيان لموقف المنافقين من الجهاد في سبيل الله، وتصوير بديع لما انطوت عليه نفوسهم من جبن خالع. والمراد بقوله مُحْكَمَةٌ: أى: واضحة المعاني فيما سيقت له من الأمر بالجهاد في سبيل الله، بحيث لا يوجد مجال لتأويل معناها على الوجه الذي سيقت له. أى: هذا هو حال المؤمنين بالنسبة لحبهم للقرآن الكريم، أما حال المنافقين فإنك تراهم إذا ما أنزلت سورة فاصلة بينة تأمر أمرا صريحا بالقتال لإعلاء كلمة الله تراهم ينظرون إليك كنظر من حضره الموت فصار بصره شاخصا لا يتحرك من شدة الخوف والفزع. والمقصود أنهم يوجهون أبصارهم نحو النبي ﷺ بحدة وهلع، لشدة كراهتهم للقتال معه، إذ في هذا القتال عز للإسلام، ونصر للمؤمنين، والمنافقون يبغضون ذلك. فالآية الكريمة ترسم صورة خالدة بليغة لكل نفس لئيمة خوارة، مبتوتة عن الإيمان، وعن الفطرة السليمة، متجردة عن الحياء الذي يستر مخازيها. وقوله- تعالى- فَأَوْلى لَهُمْ تهديد ووعيد لهم على جبنهم وخبث طويتهم. وقوله فَأَوْلى يرى بعضهم أنه فعل ماض بمعنى قارب، وفاعله ضمير يعود إلى الموت، أى: قاربهم ما يهلكهم وهو الموت الذي يرتعدون منه.. ويرى آخرون أن قوله فَأَوْلى اسم تفضيل بمعنى أحق وأجدر، وأنه خبر لمبتدأ محذوف، واللام بمعنى الباء. أى: فالعقاب والهلاك أولى بهم وأحق وأجدر. ويكون قوله- تعالى- بعد ذلك طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ كلام مستأنف والخبر محذوف. أى: طاعة وقول معروف منكم لرسول الله ﷺ خير لكم من هذا السلوك الذميم. ويصح أن يكون قوله- سبحانه- فَأَوْلى مبتدأ. وقوله لَهُمْ متعلق به. والخبر قوله طاعَةٌ. واللام في لَهُمْ أيضا. بمعنى الباء. ويكون المعنى: أولى بهؤلاء المنافقين من أن ينظروا إليك نظر المغشى عليه من الموت،

стр. 5606

الطاعة التامة لك، والقول المعروف أمامك.. لأن ذلك يحملهم متى أخلصوا قلوبهم لله- تعالى- على الإقلاع عن النفاق. ولعل هذا القول الأخير هو أقرب الأقوال إلى سياق الآيات، لأن فيه إرشادا لهم إلى ما يحميهم من تلك الأخلاق المرذولة التي على رأسها الخداع والجبن والخور. وقوله: فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ متعلق بما قبله. أى: أولى لهم الطاعة والقول المعروف، وأولى لهم وأجدر بهم إذا جد الجد، ووجب القتال، أن يخلصوا لله- تعالى- نياتهم، فإنهم لو صدقوا الله في إيمانهم، لكان صدقهم خيرا لهم، من تلك المسالك الخبيثة التي سلكوها مع نبيهم ﷺ . قال الشوكانى: قوله فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ عزم الأمر أى جد الأمر والقتال ووجب وفرض. وأسند العزم إلى الأمر وهو لأصحابه على سبيل المجاز. وجواب فَإِذا قيل هو فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ وقيل محذوف والتقدير: كرهوه أى: إذا جد الأمر ولزم القتال خالفوا وتخلفوا «١» . ثم بين- سبحانه- ما هو متوقع منهم، ووجه الخطاب إليهم على سبيل الالتفات ليكون أزجر لهم، فقال: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ. قال الفخر الرازي ما ملخصه: وهذه الآية فيها إشارة إلى فساد قول قالوه، وهو أنهم كانوا يقولون: كيف نقاتل العرب وهم من ذوى أرحامنا وقبائلنا. والاستفهام للتقرير المؤكد، وعسى للتوقع، وفي قوله إِنْ تَوَلَّيْتُمْ وجهان: أحدهما: أنه من الولاية، يعنى: فهل يتوقع منكم- أيها المنافقون- إن أخذتم الولاية وسار الناس بأمركم، إلا الإفساد في الأرض وقطع الأرحام؟ وثانيهما: أنه من التولي بمعنى الإعراض وهذا أنسب- أى: إن كنتم تتركون القتال، وتقولون فيه الإفساد وقطع الأرحام، لكون الكفار أقاربنا، فإن في هذه الحالة لا يتوقع منكم إلا الإفساد وقطع الأرحام كما كان حالكم في الجاهلية «٢» . وعلى كلا القولين فالمقصود من الآية توبيخهم على جبنهم وكراهتهم لما يأمرهم به النبي ﷺ من الجهاد في سبيل الله- تعالى-، وتقريعهم على أعذارهم الباطلة، ببيان

стр. 5607

أنهم لو أعرضوا عن القتال وخالفوا تعاليم الإسلام فلن يكون منهم إلا الإفساد وقطع الأرحام، وكذلك سيكون حالهم لو تولوا أمور الناس، وكانوا حكاما لهم. وقوله: أَنْ تُفْسِدُوا.. خبر عسى، وقوله: إِنْ تَوَلَّيْتُمْ.. جملة معترضة، وجواب إِنْ محذوف لدلالة قوله: فَهَلْ عَسَيْتُمْ.. عليه. أى: ما يتوقع منكم إلا الإفساد وقطع الأرحام، إن أعرضتم عن تعاليم الإسلام، أو إن توليتم أمور الناس، فاحذروا أن يكون منكم هذا التولي الذي سيفضى بكم إلى سوء المصير، الذي بينه- سبحانه- في قوله: أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ أى: طردهم من رحمته فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ بأن جعلهم بسبب إعراضهم عن الحق- كالصم الذين لا يسمعون، وكالعمى الذين لا يبصرون، لأنهم حين عطلوا أسماعهم وأبصارهم عن التدبر والتفكر صاروا بمنزلة الفاقدين لتلك الحواس. ثم ساق- سبحانه- ما يدعو إلى التعجيب من حالهم فقال: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ.. والفاء للعطف على جملة محذوفة، والاستفهام للإنكار والزجر. أى: أيعرضون عن كتاب الله- تعالى- فلا يتدبرونه مع أنه زاخر بالمواعظ والزواجر والأوامر والنواهي. أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها، أى، بل على قلوب هؤلاء المنافقين أقفالها التي حالت بينهم وبين التدبر والتفكر. والأقفال: جمع قفل- بضم فسكون- وهو الآلة التي تقفل بها الأبواب وما يشبهها، والمراد: التسجيل عليهم بأن قلوبهم مغلقة، لا يدخلها الإيمان، ولا يخرج منها الكفر والنفاق. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم نكرت القلوب وأضيفت الأقفال إليها؟ قلت: أما التنكير ففيه وجهان: أن يراد على قلوب قاسية مبهم أمرها في ذلك. أو يراد على بعض القلوب وهي قلوب المنافقين. وأما إضافة الأقفال، فلأنه يريد الأقفال المختصة بها، وهي أقفال الكفر التي استغلقت فلا تنفتح «١» . وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ، وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً «٢» . وقد أخذ العلماء من هذه الآية وأمثالها، وجوب التدبر والتفكر في آيات القرآن الكريم، والعمل بما فيها من هدايات وإرشادات، وأوامر ونواه، وآداب وأحكام، لأن عدم الامتثال

стр. 5608

لذلك يؤدى إلى قسوة القلوب وضلال النفوس، كما هو الحال في المنافقين والكافرين. ثم تواصل السورة حديثها عن المنافقين، فتفصح عن الأسباب التي حملتهم على هذا النفاق، وتصور أحوالهم السيئة عند ما تتوفاهم الملائكة، وتهددهم بفضح رذائلهم، وهتك أسرارهم.. قال- تعالى-: [سورة محمد (٤٧) : الآيات ٢٥ الى ٣١] إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ (٢٥) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ (٢٦) فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ (٢٧) ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٢٨) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ (٢٩) وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ (٣٠) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ (٣١) والمراد بارتدادهم على أدبارهم: رجوعهم إلى ما كانوا عليه من كفر وضلال. أى: إن الذين رجعوا إلى ما كانوا عليه من الكفر والضلال، وهم المنافقون، الذين يتظاهرون بالإسلام ويخفون الكفر. وقوله: مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى ذم لهم على هذا الارتداد، لأنهم لم يعودوا إلى الكفر عن جهالة، وإنما عادوا إليه من بعد أن شاهدوا الدلائل الظاهرة، والبراهين الساطعة

стр. 5609

على أن الرسول ﷺ صادق فيما يبلغه عن ربه، وعلى أن الإسلام هو الدين الحق. وقوله: الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ جملة من مبتدأ وخبر، وهي خبر إن في قوله- سبحانه-: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا. وقوله: سَوَّلَ من التسويل بمعنى التزيين والتسهيل. يقال: سولت لفلان نفسه هذا الفعل، أى: زينته وحسنته له، وصورته له في صورة الشيء الحسن مع أنه قبيح. وقوله: وَأَمْلى من الإملاء وهو الإبقاء ملاوة من الدهر، أى: زمنا منه أى: الشيطان زين لهؤلاء المنافقين سوء أعمالهم، ومد لهم في الأمانى الباطلة، والآمال الفاسدة، وأسباب الغواية والضلال. وأسند- سبحانه- هذا التسويل والإملاء إلى الشيطان، مع أن الخالق لذلك هو الله- تعالى- لأن الشيطان هو السبب في هذا الضلال والخسران. ثم بين- سبحانه- أسباب هذا الارتداء فقال: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ. أى: ذلك الارتداء عن الحق والتردي في الباطل. بسبب أن هؤلاء المنافقين قالوا للذين كرهوا ما نزل الله من الهدى على نبيه ﷺ وهم اليهود ومن على شاكلتهم، قالوا لهم: سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ أى: سنطيعكم في بعض أموركم وأحوالكم التي على رأسها: العداوة لهذا الرسول ﷺ ولما جاء به من عند ربه. كما قال- تعالى- حكاية عنهم في آية أخرى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ. لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ، وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً، وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ، وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ «١» . وقوله- سبحانه-: وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ تهديد لهم على هذا الدس والكيد والتآمر على الإسلام وأتباعه. أى: والله- تعالى- يعلم ما يسرونه من أقوال سيئة، ومن أفعال قبيحة، وسيعاقبهم على ذلك عقابا شديدا. وكلمة إِسْرارَهُمْ- بكسر الهمزة- مصدر أسررت إسرارا، بمعنى كتمت الشيء وأخفيته وقرأ بعض القراء السبعة إِسْرارَهُمْ- بفتح الهمزة- جمع سر. أى: يعلم الأشياء التي يسرونها ويخفونها.

стр. 5610

ثم بين- سبحانه- حالهم- عند ما تقبض الملائكة أرواحهم فقال: فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ. والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، والاستفهام للاستعظام والتهويل، و «كيف» منصوب بفعل محذوف هو العامل في الظرف «إذا» . والمراد بوجوههم: كل ما أقبل منهم، وبأدبارهم: كل ما أدبر من أجسامهم. أى: هؤلاء الذين ارتدوا على أدبارهم، وقالوا ما قالوا من كفر وضلال، كيف يكون حالهم إذا توفتهم الملائكة وقبضت أرواحهم؟ لا شك أن حالهم سيكون أسوأ حال وأقبحه، لأن ملائكة الموت يضربون عند قبض أرواحهم وجوه هؤلاء المنافقين وأدبارهم، ضربا أليما موجعا. وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ، وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ «١» . واسم الإشارة في قوله: ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ يعود إلى توفى الملائكة لهم، وقبضهم لأرواح هؤلاء المنافقين. أى: ذلك الضرب الأليم لهم من الملائكة عند قبضهم لأرواحهم بسبب أن هؤلاء المنافقين قد اتبعوا ما يغضب الله- تعالى- من الكفر والمعاصي، وبسبب أنهم كرهوا ما يرضيه من الإيمان والطاعة. فَأَحْبَطَ- سبحانه-: أَعْمالَهُمْ بأن أبطلها ولم يقبلها منهم، لأنها لم تصدر عن قلب سليم. ثم هددهم- سبحانه- بكشف أستارهم، وفضح أسرارهم فقال: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ. و «أم» منقطعة بمعنى بل والهمزة، والاستفهام للتقريع والتوبيخ، و «أن» مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، والجملة بعدها خبرها، وأن وصلتها سادة مسد مفعولي حسب. والأضغان: جمع ضغن، وهو الحقد الشديد. يقال: ضغن صدر فلان ضغنا- بزنة تعب-، إذا اشتد حقده وغيظه، والاسم الضّغن، بمعنى الالتواء والاعوجاج الذي يكون في كل شيء، ويقال: تضاغن القوم، إذا انطوت قلوبهم على البغض والحقد.

стр. 5611

أى: بل أحسب هؤلاء المنافقون الذين امتلأت قلوبهم بمرض الكفر والضلال، أن الله- تعالى- غير قادر على إظهار أحقادهم الشديدة لرسوله ﷺ والمؤمنين؟ إن حسبانهم هذا هو لون من جهالاتهم ومن غباوتهم وانطماس بصائرهم. لأن الله- تعالى- لا يخفى عليه شيء، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. ثم بين- سبحانه- بعض مظاهر قدرته فقال: وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ، وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ. والمراد بالإراءة هنا: التعريف والعلم الذي يقوم مقام الرؤية بالبصر، كما في قولهم: سأريك يا فلان ما أصنع بك. أى: سأعلمك بذلك. والفاء في قوله: فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ لترتيب المعرفة على الإراءة، والمراد بسيماهم: علاماتهم. يقال: سوم فلان فرسه تسويما، إذا جعل له علامة يتميز بها. وكررت اللام في قوله: فَلَعَرَفْتَهُمْ للتأكيد. ولحن القول: أسلوب من أساليبه المائلة عن الطريق المعروفة، كأن يقول للقائل قولا يترك فيه التصريح إلى التعريض والإبهام، يقال: لحنت لفلان ألحن لحنا، إذا قلت له قولا يفهمه عنك ويخفى على غيره. قال الجمل: واللحن يقال على معنيين، أحدهما: الكناية بالكلام حتى لا يفهمه غير مخاطبك- ومنه قول الرسول ﷺ لبعض أصحابه في غزوة الأحزاب: «وإن وجدتموهم- أى: بنى قريظة- على الغدر فالحنوا لي لحنا أعرفه» . والثاني: صرف الكلام من الإعراب إلى الخطأ- أى: من النطق السليم إلى النطق الخطأ-. ويقال من الأول: لحنت- بفتح الحاء- ألحن فأنا لاحن، ويقال من الثاني: لحن- بكسر الحاء إذا لم ينطق نطقا سليما- فهو لحن «١» . والمعنى: ولو نشاء إعلامك وتعريفك- أيها الرسول الكريم- بهؤلاء المنافقين وبذواتهم وأشخاصهم لفعلنا، لأن قدرتنا لا يعجزها شيء فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ أى: بعلاماتهم الخاصة بهم، والتي يتميزون بها عن غيرهم. وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ- أيضا- فِي لَحْنِ الْقَوْلِ أى: ولتعرفنهم بسبب أقوالهم المائلة عن

стр. 5612

الأساليب المعروفة في الكلام، حيث يتخاطبون فيما بينهم بمخاطبات لا يقصدون ظاهرها، وإنما يقصدون أشياء أخرى فيها الإساءة إليك وإلى أتباعك. قال الإمام ابن كثير: قوله- تعالى-: وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ يقول- تعالى-: ولو نشاء يا محمد لأريناك أشخاصهم، فعرفتهم عيانا، ولكن لم يفعل- سبحانه- ذلك في جميع المنافقين، سترا منه على خلقه. وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ أى: فيما يبدون من كلامهم الدال على مقاصدهم. كما قال عثمان- رضى الله عنه-: ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه، وفلتات لسانه. وفي الحديث: «ما أسر أحد سريرة إلا كساه الله جلبابها» . وعن أبى مسعود عقبة بن عمرو قال: خطبنا رسول الله ﷺ خطبة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «إن منكم منافقين، فمن سميت فليقم. ثم قال: قم يا فلان، قم يا فلان- حتى سمى ستة وثلاثين رجلا- ثم قال: إن فيكم- أو منكم- فاتقوا الله» «١» . وقوله- سبحانه-: وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ ببان لعلمه الشامل- سبحانه- وتهديد لمن يجترح السيئات، أى: والله- تعالى- يعلم أعمالكم علما تاما كاملا، وسيجازيكم عليها بما تستحقون من ثواب أو عقاب. ثم بين- سبحانه- سنة من سننه في خلقه فقال: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ. أى: ولنعاملنكم- أيها الناس- معاملة المختبر لكم بالتكاليف الشرعية المتنوعة، حتى نبين ونظهر لكم المجاهدين منكم من غيرهم، والصابرين منكم وغير الصابرين وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ أى: ونظهر أخباركم حتى يتميز الحسن منها من القبيح. فالمراد بقوله: حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ.. إظهار هذا العلم للناس، حتى يتميز قوى الإيمان من ضعيفه، وصحيح العقيدة من سقيمها. وإلى هنا نجد الآيات الكريمة قد هددت المنافقين تهديدا شديدا، ووبختهم على مسالكهم الذميمة، وفضحتهم على رءوس الأشهاد، وحذرت المؤمنين من شرورهم. ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بالدعوة إلى صلاح الأعمال، وبتهديد الكافرين

стр. 5613

بالعذاب الشديد، وبتبشير المؤمنين بالثواب الجزيل، وبدعوتهم إلى الإكثار من الإنفاق في سبيله.. فقال- تعالى-: [سورة محمد (٤٧) : الآيات ٣٢ الى ٣٨] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ (٣٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ (٣٣) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٣٤) فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ (٣٥) إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ (٣٦) إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ (٣٧) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ (٣٨) والمراد بالذين كفروا في قوله: - تعالى-: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ جميع الكافرين، كمشركي قريش، والمنافقين، وأهل الكتاب. أى: إن الذين كفروا بكل ما يجب الإيمان به، وَصَدُّوا غيرهم عن الإيمان بالحق. و «سبيل الله» الواضح المستقيم.

стр. 5614

وَشَاقُّوا الرَّسُولَ أى: عادوه وخالفوه وآذوه، وأصل المشاقة: أن تصير في شق وجانب، وعدوك في شق وجانب آخر، والمراد بها هنا: العداوة والبغضاء. وقوله: مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ ذم وتجهيل لهم، حيث حاربوا رسول الله ﷺ من بعد أن ظهر لهم أنه على الحق، وأنه صادق فيما يبلغه عن ربه. وقوله: لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ بيان للآثار السيئة التي ترتبت على هذا الصدود والعداوة. أى: هؤلاء الذين كفروا، وصدوا غيرهم عن سبيل الله، وحاربوا رسول الله ﷺ هؤلاء لن يضروا الله- تعالى- شيئا بسبب كفرهم وضلالهم، وسيبطل- سبحانه- أعمالهم التي عملوها في الدنيا، وظنوها نافعة لهم، كإطعام الطعام، وصلة الأرحام. لأن هذه الأعمال قد صدرت من نفس كافرة ولن يقبل- سبحانه- عملا من تلك النفوس، كما قال- تعالى-: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً. وكما قال- سبحانه-: إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ. ثم وجه- سبحانه- نداء إلى المؤمنين، أمرهم فيه بالمداومة على طاعته ومراقبته فقال. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ. أى: يا من آمنتم بالله- تعالى- حق الإيمان، أطيعوا الله- تعالى- في كل ما أمركم به. وأطيعوا رسوله ﷺ ولا تبطلوا ثواب أعمالكم بسبب ارتكابكم للمعاصي، التي على رأسها النفاق والشقاق، والمن والرياء، وما يشبه ذلك من ألوان السيئات. عن أبى العالية قال: كان أصحاب النبي ﷺ بظنون أنه لا يضر مع «لا إله إلا الله» ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل، فنزلت هذه الآية، فخافوا أن يبطل الذنب العمل. وروى نافع عن ابن عمر قال: كنا معشر أصحاب النبي ﷺ نرى أنه ليس شيء من الحسنات إلا مقبولا حتى نزلت هذه الآية، فقلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر الموجبات والفواحش حتى نزل قوله- تعالى-: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ. فلما نزلت كففنا من القول في ذلك، فكنا نخاف على من أصاب الكبائر والفواحش، ونرجو لمن لم يصبها «١» .

стр. 5615

ثم بين- سبحانه- سوء مصير الذين استمروا على كفرهم حتى ماتوا عليه فقال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بالله- تعالى-، وبكل ما يجب الإيمان به. وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أى: ومنعوا غيرهم عن الطريق التي توصلهم إلى طاعة الله ورضاه. ثُمَّ ماتُوا جميعا، وَهُمْ كُفَّارٌ دون أن يقلعوا عن كفرهم. فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ شيئا من ذنوبهم، لأن استمرارهم على الكفر حال بينهم وبين المغفرة. ومن الآيات الكثيرة التي تشبه هذه الآية في معناها قوله- تعالى-: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ، فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ «١» . والفاء في قوله: فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ فصيحة، والخطاب للمؤمنين على سبيل التبشير والتثبيت والحض على مجاهدة المشركين. أى: إذا كان الأمر كما ذكرت لكم من أن الله- تعالى- لن يغفر للكافرين.. فَلا تَهِنُوا أى: فلا تضعفوا- أيها المؤمنون- أمامهم. ولا تخافوا من قتالهم.. من الوهن بمعنى الضعف، وفعله وهن بمعنى ضعف، ومنه قوله- تعالى-: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ، فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وقوله: وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ معطوف على تَهِنُوا داخل في حيز النهى. أى: فلا تضعفوا عن قتال الكافرين، ولا تدعوهم إلى الصلح والمسالمة على سبيل الخوف منهم، وإظهار العجز أمامهم، فإن ذلك نوع من إعطاء الدنية التي تأباها تعاليم دينكم. وقوله: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ، وَاللَّهُ مَعَكُمْ، وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ جمل حالية. أى: لا تضعفوا ولا تستكينوا لأعدائكم والحال أنكم أنتم الأعلون، أى: الأكثر قهرا وغلبة لأعدائكم، والله- تعالى- معكم بعونه ونصره وتأييده. وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ أى: ولن ينقصكم شيئا من أجور أعمالكم، يقال: وترت فلانا حقه- من باب وعد- إذ انقصته حقه ولم تعطه له كاملا، وترت الرجل، إذا قتلت له قتيلا، أو سلبت منه ماله. قالوا: ومحل النهى عن الدعوة إلى صلح الكفار ومسالمتهم، إذا كان هذا الصلح أو تلك

стр. 5616

المسالمة تؤدى إلى إذلال المسلمين أو إظهارهم بمظهر الضعيف القابل لشروط أعدائه.. أما إذا كانت الدعوة إلى السلم لا تضر بمصلحة المسلمين فلا بأس من قبولها، عملا بقوله- تعالى-: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ. ثم بين- سبحانه- ما يدل على هوان هذه الدنيا فقال: إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ. قال الجمل: يعنى كيف تمنعكم الدنيا عن طلب الآخرة، وقد علمتم أن الدنيا كلها لعب ولهو، إلا ما كان منها في عبادة الله- تعالى- وطاعته. واللعب: ما يشغل الإنسان وليس فيه منفعة في الحال أو المآل، ثم إذا استعمله الإنسان ولم ينتبه لأشغاله المهمة فهو اللعب، وإن أشغله عن مهمات نفسه فهو اللهو «١» . وَإِنْ تُؤْمِنُوا إيمانا حقا وَتَتَّقُوا الله- تعالى- يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ كاملة غير منقوصة، وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ أى: ولا يأمركم- سبحانه- أن تخرجوا جميع أموالكم على سبيل دفعها في الزكاة المفروضة، أو في صدقة التطوع، فالسؤال بمعنى الأمر والتكليف ويصح أن يكون المعنى: ولا يسألكم رسولكم ﷺ شيئا من أموالكم، على سبيل الأجر له على تبليغ دعوة ربه، كما قال- تعالى-: قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ. فالضمير على المعنى الأول يعود إلى الله تعالى، وعلى الثاني يعود إلى الرسول ﷺ ثم أشار- سبحانه- إلى جانب من حكمته في تشريعاته فقال: إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ. وقوله فَيُحْفِكُمْ من الإحفاء بمعنى الإلحاف: وهو المبالغة في الطلب. يقال: أحفاه في المسألة، إذا ألح عليه في طلبها إلحاحا شديدا، ومنه قوله- تعالى- لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وأصله من أحفيت البعير، إذا أرهقته في المشي حتى انبرى ورق خفه. أى: إن يكلفكم بأخراج جميع أموالكم، ويبالغ في طلب ذلك منكم، تبخلوا بها فلا تعطوها، وبذلك يُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ أى: يظهر أحقادكم وكراهيتكم لهذا التكليف، لأن حبكم الجم للمال يجعلكم تكرهون كل تشريع يأمركم بإخراج جميع أموالكم. فقوله فَيُحْفِكُمْ عطف على فعل الشرط، وقوله تَبْخَلُوا جواب الشرط، وقوله: وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ معطوف على هذا الجواب.

стр. 5617

ثم تختتم السورة الكريمة بالدعوة إلى الإنفاق في سبيل الله فقال: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ- أيها المؤمنون- تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أى: في وجوه الخير التي على رأسها الجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله، ونصرة دينه. فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ أى: فمنكم- أيها المخاطبون- من يبخل بماله عن الإنفاق في وجوه الخير وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ أى: ومن يبخل فإنما يبخل عن داعي نفسه لا عن داعي ربه، أو فإنما يبخل على نفسه. يقال: بخل عليه وعنه- كفرح وكرم- بمعنى، لأن البخل فيه معنى المنع والإمساك ومعنى التضييق على من منع عنه المعروف، فعدى بلفظ عَنْ نظرا للمعنى الأول، ولفظ على نظرا للمعنى الثاني. وَاللَّهُ- تعالى- هو الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ إليه، لاحتياجكم إلى عونه احتياجا تاما، وَإِنْ تَتَوَلَّوْا أى: وإن تعرضوا عن هذا الإرشاد الحكيم. يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ أى: يخلق بدلكم قوما آخرين. ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ أى: ثم لا يكونوا أمثالكم في الإعراض عن الخير، وفي البخل بما آتاهم الله من فضله. والمتأمل في هذه الآية يراها قد اشتملت على أسمى ألوان الدعوة إلى الإيمان والسخاء، والنهى عن الجحود والبخل. وبعد فهذا تفسير وسيط لسورة محمد ﷺ نسأل الله- تعالى- أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 5618

تفسير سورة الفتح

стр. 5619

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة وتمهيد ١- سورة الفتح من السور المدنية، وعدد آياتها تسع وعشرون آية، وكان نزولها في أعقاب صلح الحديبية. قال ابن كثير- ﵀: نزلت سورة «الفتح» لما رجع رسول الله ﷺ من الحديبية في ذي القعدة سنة ست من الهجرة، حين صده المشركون عن الوصول إلى المسجد الحرام، ليقضى عمرته فيه، وحالوا بينه وبين ذلك، ثم مالوا إلى المصالحة والمهادنة، وأن يرجع عامه هذا ثم يأتى من قابل، فأجابهم إلى ذلك على تكره من جماعة من الصحابة.. «١» . ٢- والمتدبر للقرآن الكريم، يرى كثيرا من آياته وسوره، في أعقاب بعض الغزوات، ليتعلم المسلمون من تلك الآيات والسور ما ينفعهم وما يصلح من شأنهم. فمثلا في أعقاب غزوة «بدر» نزلت سورة الأنفال التي سماها ابن عباس سورة بدر. وفي أعقاب غزوة «أحد» نزلت عشرات الآيات في سورة آل عمران. وفي أعقاب غزوة «بنى النضير» نزلت آيات من سورة الحشر. وفي أعقاب غزوة «الأحزاب» نزلت آيات من سورة الأحزاب. وفي أعقاب صلح الحديبية نزلت هذه السورة الكريمة، التي تحكى الكثير من الأحداث التي تتعلق بهذا الصلح. ٣- وقبل أن نبدأ في تفسير هذه السورة الكريمة، نرى من الخير أن نعطى للقارئ فكرة واضحة عن صلح الحديبية، التي نزلت في أعقابه هذه السورة.. فنقول- وبالله التوفيق-: رأى النبي ﷺ في منامه أنه قد دخل المسجد الحرام هو وأصحابه، وقد صرحت السورة الكريمة بذلك في قوله- تعالى-: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ، لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ ... فقص ﷺ هذه الرؤيا على أصحابه، ففرحوا بها. وكان المشركون قد منعوهم من دخول مكة، ومن الطواف بالمسجد الحرام.

стр. 5620

٤- وخرج ﷺ ومعه حوالى أربعمائة وألف من أصحابه، ليس معهم من السلاح سوى السيوف في أغمادها، وساقوا معهم الهدى الذي يتقربون بذبحه إلى الله- تعالى- ليكون دليلا على أنهم لا يريدون حرب قريش، وإنما يريدون الطواف بالبيت الحرام. وسار ﷺ من المدينة إلى مكة، فلما وصل إلى «عسفان» وهو مكان بين مكة والمدينة- جاءه بشر بن سفيان الكعبي وكان مكلفا من قبل النبي ﷺ لمعرفة أخبار قريش فقال: يا رسول الله، هذه قريش قد سمعت بمسيرك، فخرجوا معهم العوذ المطافيل- أى: ومعهم الإبل التي لم تلد، والإبل التي ولدت، قد لبسوا جلود النمور- أى: قد استعدوا لقتالك وقد نزلوا بذي طوى- وهو مكان بالقرب من مكة-، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبدا.. فقال ﷺ : «يا ويح قريش!! لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابونى كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظهرنى الله عليهم، دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظن قريش؟ فو الله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به، حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة» أى أو أن أقتل في سبيل الله. ثم قال ﷺ : «من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها» ؟. فقال رجل من قبيلة أسلم: أنا يا رسول الله، فسلك بهم طريقا وعرا، انتهى بهم إلى «الحديبية» وهي قرية على بعد مرحلة من مكة، أو هي بئر سمى المكان بها. ٥- وفي هذا المكان بركت القصواء- وهي الناقة التي كان يركبها النبي ﷺ فقال الناس: خلأت الناقة أى: حرنت وأبت المشي-، فقال ﷺ : «ما خلأت وما هو لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة. لا تدعوني قريش إلى خطة يسألوننى فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها» . ثم أمر ﷺ الناس بالنزول في هذا المكان.. ٦- وعلمت قريش بنزول الرسول ﷺ وأصحابه في الحديبية، فبدءوا يرسلون رسلهم لمعرفة الأسباب التي حملت المسلمين إلى المجيء إليهم. وكان من بين الرسل بديل بن ورقاء الخزاعي.. فلما سأل الرسول ﷺ عن سبب مجيئه إلى مكة، أخبره أنه لم يأت يريد حربا وإنما جاء زائرا للبيت الحرام، ومعظما لحرمته.. وعاد بديل إلى مكة، وأخبر المشركين بما قاله الرسول ﷺ ولكنهم لم يقتنعوا، وقالوا: وإن كان جاء ولا يريد قتالا. والله لا يدخلها علينا عنوة أبدا ...

стр. 5621

٧- ثم أرسلت قريش رسلا آخرين إلى النبي ﷺ كان من بينهم، عروة بن مسعود الثقفي.. فكان مما قاله للرسول ﷺ : يا محمد، أجمعت أوشاب الناس- أى: أخلاطهم- ثم جئت بهم إلى أهلك.. إن قريشا قد تعاهدت أنك لن تدخل عليهم مكة عنوة.. وكان عروة خلال حديثه مع رسول الله ﷺ يمد يده إلى لحيته ﷺ فكان المغيرة ابن شعبة يقرع يد عروة ويقول له: اكفف يدك عن وجه رسول الله قبل أن لا تصل إليك. وشاهد عروة ما شاهد من احترام المسلمين لرسولهم ﷺ فعاد إلى المشركين وقال لهم: يا معشر قريش، إنى قد جئت كسرى في ملكه، والنجاشيّ في ملكه، وإنى والله ما رأيت ملكا في قوم قط مثل محمد في أصحابه، ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء أبدا، فروا رأيكم.. ٨- ثم أرسل النبي ﷺ إلى قريش عثمان بن عفان- رضى الله عنه- لكي يخبرهم بأن المسلمين ما جاءوا لحرب، وإنما جاءوا للطواف بالبيت. وذهب إليهم عثمان وأخبرهم بذلك، ولكنهم صمموا على منع المسلمين من دخول مكة، قالوا لعثمان: إن شئت أنت أن تطوف بالبيت فطف. فقال لهم: ما كنت لأفعل حتى يطوف رسول الله ﷺ . وطال مكث عثمان عند قريش، حتى أشيع بين المسلمين أنه قد قتله المشركون. فقال ﷺ حين بلغه أن عثمان قد قتل: «لا نبرح حتى نناجز القوم» ودعا المسلمين إلى مبايعته على الموت، فبايعه المسلمون على ذلك تحت شجرة الرضوان ... ثم جاء عثمان بعد ذلك دون أن يصيبه أذى ... ٩- وأخيرا أوفدت قريش إلى النبي ﷺ رجلا منهم اسمه سهيل بن عمرو، ليعقد صلحا مع المسلمين، وقالوا له: ائت محمدا فصالحه، ولا يكن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، فو الله لا تتحدث العرب عنا أنه دخلها علينا عنوة أبدا.. وعند ما رأى النبي ﷺ سهيلا مقبلا نحوه، قال لأصحابه: لقد سهل الله لكم من أمركم، إن قريشا أرادت الصلح حين بعثت هذا الرجل. وتم الصلح بين الفريقين على ما يأتى: أولا: أن يرجع المسلمون دون زيارة البيت هذا العام، فإذا كان العام التالي: أخلت قريش لهم مكة ثلاثة أيام، ليطوفوا بالبيت، وليس معهم إلا السيوف في غمدها..

стр. 5622

ثانيا: أن تضع الحرب أوزارها بين الطرفين عشر سنوات. ثالثا: من أتى الرسول ﷺ من قريش مسلما بغير إذن وليه رده إليهم، ومن أتى قريشا من المسلمين لم يردوه. رابعا: من أحب أن يدخل في عقد مع الرسول ﷺ فله ما أراد. ومن أحب أن يدخل في عهد قريش فله ذلك. ولقد عز على بعض المسلمين قبول الرسول ﷺ لهذه الشروط، التي ظاهرها الظلم للمسلمين، حتى قال عمر- رضى الله عنه- للرسول ﷺ : يا رسول الله، ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ فقال ﷺ : «إنى رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري» . ثم أشار ﷺ إلى المسلمين أن يتحللوا من عمرتهم، بأن ينحروا هديهم، وأن يحلقوا رءوسهم أو يقصروا. ولكنهم لم يسارعوا بالامتثال، فدخل ﷺ على زوجه أم سلمة- رضى الله عنها-، وقد ظهر الغضب على وجهه. فقالت له: يا رسول الله، اعذرهم، وابدأ بما تأمرهم به دون أن تكلم منهم أحدا. فقام ﷺ فنحر هديه، ودعا حالقه فحلق له، فلما رأى المسلمون ذلك من نبيهم، قاموا فنحروا هديهم، وجعل بعضهم يحلق بعضا. ثم أقام المسلمون بعد ذلك عدة أيام بالحديبية، ثم قفلوا راجعين إلى المدينة، وعند ما سمع ﷺ بعضهم يقول: لقد رجعنا ولم نصنع شيئا.. قال ﷺ «بل فتحتم أعظم الفتح» . وصدق رسول الله ﷺ في قوله هذا. فقد كان صلح الحديبية فتحا عظيما، كما نبين ذلك عند تفسيرنا للسورة الكريمة. وبهذا العرض المجمل لأحداث صلح الحديبية، نكون قد أعطينا القارئ فكرة مركزة عن هذا الصلح، وعن الجو العام الذي نزلت في أعقابه سورة الفتح، ومن أراد المزيد لمعرفة أحداث صلح الحديبية فليرجع إلى كتب السيرة «١» . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..

стр. 5623

التفسير قال الله- تعالى-: [سورة الفتح (٤٨) : الآيات ١ الى ٧] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً (٣) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (٤) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (٦) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (٧) افتتحت سورة «الفتح» بهذه البشارات السامية، والمدائح العالية للنبي ﷺ افتتحت بقوله- تعالى-: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً.

стр. 5624

والفتح في الأصل: إزالة الأغلاق عن الشيء.. وفتح البلد: المقصود به الظفر به، ووقوعه تحت سيطرة الفاتح. والذي عليه المحققون من العلماء أن المراد بالفتح هنا: صلح الحديبية وما ترتب عليه من خيرات كثيرة، ومنافع جمة للمسلمين. ويشهد لذلك أحاديث متعددة منها: ما أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي عن ابن مسعود قال: أقبلنا من الحديبية مع رسول الله ﷺ ، وكان قد خرج إليها ﷺ يوم الاثنين هلال ذي القعدة، فأقام بها بضعة عشر يوما، ثم قفل راجعا إلى المدينة، فبينما نحن نسير إلى المدينة إذ أتاه الوحى- وكان إذا أتاه اشتد عليه- فسرى عنه وبه من السرور ما شاء الله، فأخبرنا أنه أنزل عليه: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً. وروى الإمام أحمد وأبو داود عن مجمع بن جارية الأوسى قال: شهدنا الحديبية، فلما انصرفنا منها وجدنا رسول الله ﷺ واقفا عند كراع الغميم- موضع بين مكة والمدينة- وقد جمع الناس وقرأ عليهم: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً الآيات. فقال رجل: يا رسول الله، أو فتح هو؟ فقال ﷺ : أى والذي نفسي بيده إنه لفتح «١» . ويرى بعضهم: أن المراد بالفتح هنا: فتح مكة، والتعبير عنه بالماضي في قوله: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لتحقق الوقوع، فهو من قبيل قوله- تعالى-: أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ... ويبدو لنا أن المراد بالفتح هنا صلح الحديبية لوجود الآثار الصحيحة التي تشهد لذلك، ولأن هذا الصلح قد ترتب عليه من المنافع للدعوة الإسلامية ما يجعله من أعظم الفتوح، إن لم يكن أعظمها. لقد ترتب عليه أن انتشر الأمان بين المسلمين والمشركين، فاستطاع المسلمون أن ينشروا دعوة الحق في مكة وفي غيرها، كما استطاعوا أن ينتقلوا من مكان إلى آخر للتبشير بدينهم، فترتب على ذلك أن دخل في الإسلام عدد كبير من الناس. قال الزهري: لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية، وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين، فسمعوا كلامهم، وتمكن الإسلام من قلوبهم، وأسلم خلق كثير، وكثر بهم سواد الإسلام.

стр. 5625

قال ابن هشام: والدليل على صحة قول الزهري، أن رسول الله ﷺ خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة من أصحابه ثم خرج إلى مكة في عام الفتح- بعد ذلك بسنتين- في عشرة آلاف من أصحابه. وقد أكد- سبحانه- هذا الفتح بثلاثة أنواع من المؤكدات، وهي «إن» والمصدر «فتحا» والوصف «مبينا» وذلك للمسارعة إلى تبشير المؤمنين بتحقق هذا الفتح، ولإدخال السرور على قلوبهم، بعد تلك الشروط التي اشتمل عليها الصلح، والتي ظنها بعضهم أن فيها إجحافا بالمسلمين. وأسند- سبحانه- الفعل إلى نون العظمة فَتَحْنا لتفخيم شأن المخبر- وعلو شأن المخبر عنه وهو الفتح. وقدم- سبحانه- الجار والمجرور لَكَ على المفعول المطلق فَتْحاً للاهتمام وللإشعار بأن ذلك الفتح كان من أجله ﷺ وفي ذلك ما فيه من تعظيم أمره ﷺ ومن وجوب طاعته، والامتثال لأمره. ثم ذكر- سبحانه- بعد ذلك مظاهر فضله على رسوله ﷺ فقال: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ، وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ، وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً. وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً. واللام في قوله لِيَغْفِرَ متعلقة بقوله: فَتَحْنا وهي للتعليل. والمراد بما تقدم من ذنبه ﷺ ما كان قبل النبوة، وبما تأخر منه ما كان بعدها. والمراد بالذنب هنا بالنسبة له ﷺ ما كان خلاف الأولى، فهو من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، أو المراد بالغفران: الحيلولة بينه وبين الذنوب كلها، فلا يصدر منه ﷺ ذنب، لأن غفران الذنوب معناه: سترها وتغطيتها وإزالتها. قال الشوكانى: وقوله- تعالى-: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ اللام: متعلقة بفتحنا وهي لام العلة، قال المبرد: هي لام كي ومعناها: إنا فتحنا لك فتحا مبينا- أى: ظاهرا واضحا مكشوفا- لكي يجتمع لك مع المغفرة تمام النعمة في الفتح، فلما انضم إلى المغفرة شيء حادث واقع حسن معنى كي. وقال ابن عطية: المراد أن الله فتح لك لكي يجعل الفتح علامة لغفرانه لك، فكأنها لام الصيرورة.. «١» .

стр. 5626

وقال بعض العلماء: وقوله: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ هو كناية عن عدم المؤاخذة. أو المراد بالذنب ما فرط منه ﷺ من خلاف الأولى بالنسبة لمقامه ﷺ أو المراد بالغفران: الحيلولة بينه وبين الذنوب كلها، فلا يصدر منه ذنب. لأن الغفر هو الستر، والستر إما بين العبد والذنب، وهو اللائق بمقام النبوة، أو بين الذنب وعقوبته، وهو اللائق بغيره. واللام في لِيَغْفِرَ للعلة الغائية. أى: أن مجموع المتعاطفات الأربعة غاية للفتح المبين، وسبب عنه لا كل واحد منها. والمعنى: يسرنا لك هذا الفتح لإتمام النعمة عليك، وهدايتك إلى الصراط المستقيم، ولنصرك نصرا عزيزا. ولما امتن الله عليه بهذه النعم، صدرها بما هو أعظم، وهو المغفرة الشاملة ليجمع له بين عزى الدنيا والآخرة. فليست المغفرة مسببة عن الفتح «١» . ولقد كان ﷺ مع هذه المغفرة من الله- تعالى- له، أعبد الناس لربه، وأشدهم خوفا منه، وأكثرهم صلة به. قال ابن كثير: قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان عن زياد بن علاقة قال: سمعت المغيرة بن شعبة يقول: كان النبي ﷺ يصلى حتى ترم قدماه أى: تتورم- فقيل له: أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: «أفلا أكون عبدا شكورا» .. وعن عروة بن الزبير عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا صلى قام حتى تتفطر رجلاه- أى: تتشقق- فقالت له عائشة: يا رسول الله، أتصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟. فقال: «يا عائشة، أفلا أكون عبدا شكورا..» «٢» . وقوله- تعالى-: وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ معطوف على ما قبله. أى: ويتم- سبحانه- نعمه عليك- أيها الرسول الكريم- بأن يظهر دعوتك، ويكتب لها النصر، والخلود، ويعطيك من الخصائص والمناقب ما لم يعطه لأحد من الأنبياء، فضلا عن غيرهم. وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً أى: ويهديك ويرشدك- سبحانه- بفضله وكرمه، إلى

стр. 5627

الطريق القويم، والدين الحق، والأقوال الطيبة، والأعمال الصالحة.. وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ- تعالى- نَصْراً عَزِيزاً أى: نصرا قويا منيعا لا يغلبه غالب، ولا يدفعه دافع، لأنه من خالقك الذي لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه.. هذا، والمتأمل في هذه الآيات الكريمة، يرى أن الله- تعالى- قد أكرم نبيه ﷺ إكراما لا يدانيه إكرام، ومنحه من الخير والفضل ما لم يمنحه لأحد سواه. ثم بين- سبحانه- بعد ذلك جانبا من مظاهر فضله على المؤمنين فقال: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ.. .. والسكينة: من السكون، والمراد بها الثبات والطمأنينة التي أودعها- سبحانه- في قلوب المؤمنين، فترتب على ذلك أن أطاعوا الله ورسوله، بعد أن ظنوا أن في شروط صلح الحديبية ظلما لهم. وأن بايعوا النبي ﷺ على الموت بعد أن بلغهم أن عثمان- رضى الله عنه- قد قتله المشركون، وفي التعبير عن ذلك بالإنزال، إشعار بعلو شأنها، حتى لكأنها كانت مودعة في خزائن رحمة الله- تعالى-، ثم أنزلها بفضله في قلوبهم بعد ذلك.. أى: هو- سبحانه- بفضله ورحمته، الذي أنزل السكينة والطمأنينة والثبات في قلوب المؤمنين، فانشرحت صدورهم لهذا الصلح بعد أن ضاقت في أول الأمر. وقوله: لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ تعليل لهذا الإنزال للسكينة. أى: أوجد السكينة وخلقها في قلوبهم، ليزدادوا يقينا على يقينهم، وتصديقا إلى تصديقهم وثباتا على ثباتهم. وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: إِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وقوله- سبحانه-: وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ «١» . وقد أخذ العلماء من هذه الآية وأمثالها، أن الإيمان يزيد وينقص. قال الآلوسى ما ملخصه: قال البخاري: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار، فما رأيت أحدا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص. واحتجوا على ذلك بالعقل والنقل. أما العقل، فلأنه لو لم تتفاوت حقيقة الإيمان لكان إيمان آحاد الأمة المنهمكين في الفسوق والمعاصي، مساويا لإيمان الأنبياء، واللازم باطل، فكذا الملزوم..

стр. 5628

وأما الثاني: فلكثرة النصوص في هذا المعنى، ومنها الآية التي معنا وأمثالها، ومنها وما روى عن ابن عمر قال: قلنا: يا رسول الله، إن الايمان يزيد وينقص، قال: «نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة وينقص حتى يدخله النار» . وقال الإمام النووي وغيره: إن الايمان بمعنى التصديق القلبي، يزيد وينقص- أيضا بكثرة النظر، ووضوح الأدلة، ولهذا كان إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم.. «١» . ثم بين- سبحانه- شمول ملكه وقدرته فقال: وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً. أى: ولله- تعالى- وحده جنود السموات والأرض من ملائكة وجن وإنس، إذ الكل تحت قهره وسلطانه، فهو- سبحانه- الذي يدبر أمرهم كيف شاء، ويدفع بعضهم ببعض كما تقتضي حكمته وإرادته، وهو- تعالى- العليم بكل شيء. الحكيم في جميع أفعاله ... واللام في قوله- سبحانه-: لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ... متعلقة بمحذوف أو بقوله: فَتَحْنا.. أى: فعل- سبحانه- ما فعل من جعل جنود السموات والأرض تحت سيطرته وملكه، ومن دفع الناس بعضهم ببعض، ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجرى من تحتها الأنهار. خالِدِينَ فِيها خلودا أبديا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ التي فعلوها في دنياهم، بأن يغفرها لهم، ويزيلها عنهم، بل ويحولها لمن شاء منهم بفضله وكرمه إلى حسنات. وَكانَ ذلِكَ الإدخال للمؤمنين الجنة، وتكفير سيئاتهم.. عِنْدَ اللَّهِ- تعالى- فَوْزاً عَظِيماً لا يقادر قدره، لأنه نهاية آمال المؤمنين، وأقصى ما يتمناه العقلاء المخلصون. وَيُعَذِّبَ- سبحانه- بعدله الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ، وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ، الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ.... أى: الظانين بالله- تعالى- وبرسوله وبالمؤمنين الظن السيئ بأن توهموا أن الدائرة ستدور على المؤمنين وأنهم هم الذين سينتصرون. أو أنهم هم على الحق. وأن الرسول ﷺ وأتباعه على الباطل. فقوله: السَّوْءِ صفة لموصوف محذوف. أى: الظانين بالله ظن الأمر السوء.

стр. 5629

وقوله- تعالى- عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ دعاء عليهم بأن ينزل بهم ما توقعوه للمؤمنين من سوء. أى: عليهم وحدهم ينزل ما يتمنونه للمؤمنين من شر وسوء. والدائرة في الأصل: تطلق على الخط المحيط بالشيء. ثم استعملت في النازلة المحيطة بمن نزلت به. وتستعمل أكثر ما تستعمل في المصائب والمكاره. قال صاحب الكشاف: قوله: عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ أى: ما يظنونه ويتوقعونه بالمؤمنين فهو حائق بهم ودائر عليهم. والسوء: الهلاك والدمار. فإن قلت: هل من فرق بين السّوء والسّوء؟ قلت: هما كالكره والكره، والضّعف والضّعف: من ساء، إلا أن المفتوح غالب في أن يضاف إليه ما يراد ذمه من كل شيء، وأما السوء بالضم، فجار مجرى الشر الذي هو نقيض الخير «١» . ثم قال- تعالى-: وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ، وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً. أى: ليس عليهم دائرة السوء فقط، بل وفضلا عن ذلك فقد غضب الله- تعالى- عليهم، وطردهم من رحمته، وأعد لهم في الآخرة نار جهنم، وساءت هذه النار مصيرا لهم. ثم أكد- سبحانه- ملكيته لكل شيء فقال: وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً، أى: ولله- تعالى- وحده جنود السموات والأرض، وكان- سبحانه- وما زال غالبا على كل شيء، حكيما في كل أوامره ونواهيه. وفي كل تصرفاته وأفعاله. ولما كان المقصود من ذكر الجنود هنا: تهديد المنافقين والمشركين، وأنهم في قبضته- تعالى-، ناسب أن تذيل الآية هنا بقوله: وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً لأن العزة تقتضي الغلبة للغير. ولما كان المقصود من ذكر الجنود في الآية الرابعة، بيان أن المدبر لهذا الكون هو الله- تعالى- ناسب أن تذيل الآية هناك بقوله- سبحانه-: وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً. ثم حدد الله- تعالى- الوظيفة التي كلف بها رسوله ﷺ وبشر المؤمنين الذين وفوا بعهودهم بالأجر العظيم فقال: [سورة الفتح (٤٨) : الآيات ٨ الى ١٠] إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٩) إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (١٠)

стр. 5630

وقوله: مُبَشِّراً من التبشير، وهو الإخبار بالأمر السار لمن لا علم له بهذا الأمر. وقوله: وَنَذِيراً من الإنذار، وهو الإخبار بالأمر المخيف، لكي يجتنب ويحذر. أى: إِنَّا أَرْسَلْناكَ- أيها الرسول الكريم- إلى الناس، لتكون شاهِداً لمن آمن منهم بالإيمان، ولمن كفر منهم بالكفر، بعد أن بلغتهم رسالة ربك تبليغا تاما كاملا. ولتكون مُبَشِّراً للمؤمنين منهم برضا الله عنهم ومغفرته لهم وَنَذِيراً للكافرين وللعصاة بسوء المصير إذا ما استمروا على كفرهم وعصيانهم. والحكمة في جعله ﷺ شاهدا مع أن الله- تعالى- لا يخفى عليه شيء: إظهار العدل الإلهى للناس في صورة جلية واضحة، وتكريم النبي ﷺ بهذه الشهادة. وجمع- سبحانه- بين كونه ﷺ مُبَشِّراً وَنَذِيراً لأن من الناس من ينفعه الترغيب في الثواب، ومنهم من لا يزجره إلا التخويف من العقاب. وانتصاب شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً على الحال المقدرة. وفي معنى هذه الآية وردت آيات كثيرة، منها قوله- تعالى-: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ، وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ... «١» . وقوله- سبحانه- وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ.. «٢» . وقوله- : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً «٣» .

стр. 5631

ثم بين- سبحانه- الحكمة من إرساله ﷺ فقال: لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا. وقوله: وَتُعَزِّرُوهُ من التعزير بمعنى النصرة مع التعظيم والتفخيم. وقوله: وَتُوَقِّرُوهُ أى: تعظموه وتقدروه. وقوله: وَتُسَبِّحُوهُ من التسبيح بمعنى التنزيه. تقول: سبحت الله- تعالى-، أى: نزهته عما لا يليق به، وبُكْرَةً أول النهار، وأَصِيلًا آخره، والمراد ظاهرهما، أو جميع أوقات النهار، كما يقال: شرقا وغربا لجميع الجهات. والخطاب للرسول ﷺ ولأمته، كقوله- تعالى-: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ... والقراءة بتاء الخطاب، هي قراءة الجمهور من القراء. قال الآلوسى: وهو من باب التغليب، غلب فيه المخاطب على الغائب فيفيد أن النبي ﷺ مخاطب بالإيمان برسالته كأمته.. «١» . أى: أرسلناك- أيها الرسول الكريم- شاهدا ومبشرا ونذيرا، لتكون على رأس المؤمنين بما أرسلناك به، وليتبعك في ذلك أصحابك ومن سيأتى بعدهم، بأن يؤمنوا بالله ورسوله إيمانا حقا، ولينصروك ويعظموك، وليسبحوا الله- تعالى- في الصباح والمساء. وعلى هذا يكون الضمير في قوله- تعالى-: وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ يعود إلى الرسول ﷺ وفي قوله وَتُسَبِّحُوهُ يعود إلى الله- تعالى-. قال القرطبي ما ملخصه: قرأ ابن كثير وأبو عمرو ليؤمنوا وكذلك يعزروه ويوقروه ويسبحوه كله بالياء على الخبر.. وقرأ الباقون بالتاء في الخطاب ... والهاء في قوله: وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ للنبي ﷺ وهنا وقف تام. ثم تبتدئ بقوله: وَتُسَبِّحُوهُ أى: تسبحوا الله بكرة وأصيلا. وقيل: الضمائر كلها لله- تعالى- فعلى هذا يكون تأويل: تُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ أى: تثبتوا له صحة الربوبية، وتنفوا عنه أن يكون له ولد أو شريك.. «٢» . ثم مدح- سبحانه- الذين عاهدوا الرسول ﷺ ووفوا بعهودهم أكمل وفاء، فقال: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ..

стр. 5632

وقوله- سبحانه-: يُبايِعُونَكَ من المبايعة أو من البيعة، بمعنى المعاهدة أو العهد، وسميت المعاهدة مبايعة، لاشتمال كل واحدة منهما على معنى المبادلة، وعلى وجوب الصدق والوفاء. والمراد بهذه المبايعة، ما كان من المؤمنين في صلح الحديبية، عند ما عاهدوا الرسول ﷺ على الثبات وعلى مناجزة المشركين بعد أن أشيع أنهم قتلوا عثمان- رضى الله عنه-. أى: إن الذين يبايعونك على الموت أو على عدم الفرار عند لقاء المشركين، إنما يبايعون ويعاهدون الله- تعالى- على ذلك قبل أن يبايعوك أنت، لأن المقصود من هذه البيعة إنما هو طاعته- سبحانه- وامتثال أمره، كما قال- تعالى-: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ. فالمقصود بقوله: إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ تأكيد وجوب الوفاء بما عاهدوا الرسول ﷺ عليه من الثبات وعدم الفرار، والطاعة له في كل ما يأمرهم به. وقوله- سبحانه-: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ زيادة في تأكيد وجوب الوفاء. ومذهب السلف في هذه الآية وأمثالها من آيات الصفات: أنه يجب الإيمان بها، وتفويض علم معناها المراد منها إلى الله- تعالى- وترك تأويلها مع تنزيهه- تعالى- عن حقيقتها، لاستحالة مشابهته- تعالى- بالحوادث، كما قال- سبحانه-: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ. أما الخلف فمذهبهم تأويل هذه الصفات على معنى يليق بجلاله، فيؤولون اليد هنا بالقوة أو القدرة. أى: قوة الله- تعالى- وقدرته ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم، كما يقال: اليد في هذه المسألة لفلان، أى: الغلبة والنصرة له. أو المعنى: يد الله- تعالى- بالوفاء بما وعدهم من الخير والنصرة فوق أيديهم.. والمقصود بهذه الجملة- كما أشرنا- زيادة التأكيد على وجوب الوفاء والثبات. قال صاحب الكشاف: لما قال- سبحانه-: إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ أكده تأكيدا على سبيل التمثيل، فقال: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ يريد أن يد رسول الله ﷺ التي تعلو أيدى المبايعين: هي يد الله، والله- تعالى- منزه عن الجوارح وعن صفات الأجسام.. وإنما المعنى: تقرير أن عقد الميثاق من الرسول ﷺ كعقده مع الله- تعالى- «١» . ثم بين- سبحانه- سوء عاقبة الناكثين فقال: فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ

стр. 5633

أى: فمن نقض العهد بعد إبرامه وتوثيقه، فإنما عاقبة نقضه يعود وبالها وشؤمها عليه. فقوله نَكَثَ مأخوذ من النّكث- بكسر النون- وهو فك الخيوط المغزولة بعد غزلها، وقوله: وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً أى: ومن ثبت على الوفاء بما عاهد الله- تعالى- عليه فسيعطيه- سبحانه- من فضله أجرا عظيما على ذلك. والهاء في قوله: عَلَيْهُ قرأها حفص بالضم، توصلا إلى تفخيم لفظ الجلالة، الملائم لتفخيم أمر العهد المشعر به الكلام، وقرأها الجمهور بالكسر. هذا، وقد وردت أحاديث متعددة، تصرح بأن الذين كانوا مع النبي ﷺ في صلح الحديبية قد بايعوا جميعا النبي ﷺ على الموت أو على عدم الفرار، سوى جماعة من المنافقين، امتنعوا عن هذه البيعة، لمرض قلوبهم، وسوء طويتهم.. ومن هذه الأحاديث ما أخرجه الشيخان عن سلمة بن الأكوع قال: بايعت رسول الله ﷺ تحت الشجرة، قيل: على أى شيء؟ قال: على الموت. وروى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله أنه سئل: كم كان عددكم يوم الحديبية؟ قال: كنا أربع عشرة مائة، فبايعنا الرسول ﷺ على أن لا نفر- سوى الجد بن قيس فإنه اختفى تحت بطن بعيره، ولم يسرع مع القوم.. وهكذا فاز المؤمنون الصادقون بشرف هذه البيعة وحرم منها المنافقون لمرض قلوبهم. ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن المتخلفين، الذين لم يخرجوا مع النبي ﷺ إلى صلح الحديبية، فتحكى أعذارهم الزائفة، وتفضحهم على رءوس الأشهاد، وترد على أقوالهم الباطلة، وتأمر النبي ﷺ بالإعراض عنهم، وإهمال أمرهم، فهم قوم استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله.. [سورة الفتح (٤٨) : الآيات ١١ الى ١٧] سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١١) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً (١٢) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً (١٣) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٤) سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٥) قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٦) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً (١٧)

стр. 5634

قال الإمام الرازي ما ملخصه: لما بين- سبحانه- حال المنافقين، ذكر المتخلفين- بعد ذلك- فإن قوما من الأعراب امتنعوا عن الخروج مع رسول الله ﷺ إلى مكة، لظنهم أنه يهزم، فإنهم قالوا: أهل مكة قاتلوه على باب المدينة.. فكيف يذهب إليهم.. واعتذروا عن الخروج معه ﷺ «١» .

стр. 5635

والمخلفون: جمع مخلّف، وهو المتروك في مكان خلف الخارجين من البلد كالنساء والصبيان، فإنهم في العادة لا يخرجون مع الرجال للجهاد، وعبر عنهم بالمخلفين على سبيل الذم لهم. والأعراب: اسم جنس لبدو العرب، واحده أعرابى، والأنثى أعرابية، والمقصود بهم هنا سكان البادية من قبائل غفار، ومزينة، وجهينة، وأشجع، وأسلم، والدّيل، وكان الرسول ﷺ قد دعاهم إلى الخروج معه إلى مكة، ليساعدوه على إقناع قريش في الإذن بدخول مكة للطواف بالبيت الحرام.. ولكنهم اعتذروا. وقوله- سبحانه- سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا.. إعلام من الله- تعالى- لنبيه ﷺ بما سيقوله هؤلاء المتخلفون له، بعد عودته إليهم من صلح الحديبية. أى: سيقول المخلفون لك- أيها الرسول الكريم-: إننا ما تخلفنا عنك باختيارنا، ولكن انشغالنا بحفظ ورعاية أموالنا ونسائنا وأولادنا الصغار، حال بيننا وبين الخروج معك إلى الحديبية، وما دام الأمر كذلك فَاسْتَغْفِرْ لَنا الله- تعالى- لكي يغفر لنا ذنوبنا التي وقعنا فيها بسبب هذا التخلف الذي لم يكن عن تكاسل أو معصية لك. ولما كان قولهم هذا لم يكن صحيحا، فقد رد الله- تعالى- عليهم بقوله: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ. أى: هم ليسوا صادقين فيما يقولون، والحق أنهم يقولون قولا من أطراف ألسنتهم، دون أن تؤيده قلوبهم، فإن السبب الحقيقي لعدم خروجهم معك، هو ضعف إيمانهم، ومرض قلوبهم، وتذبذب نفوسهم. فالجملة الكريمة تكذيب لهم فيما قالوه، وفضيحة لهم على رءوس الأشهاد. ثم أمر الله- تعالى- أن يجابههم بقوله: قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً.. والاستفهام للإنكار والنفي. أى: قل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء المتخلفين من الأعراب لا أحد يستطيع أن يمنع عنكم قضاء الله- تعالى-، إن أراد بكم ما يضركم من قتل أو هزيمة، أو إن أراد بكم ما ينفعكم، من نصر أو غنيمة لأن قضاء الله- تعالى- لا دافع له، كما قال- سبحانه-: ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها، وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ «١» ..

стр. 5636

ثم أضرب- سبحانه- عن ذلك وقال: بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً أى: إن تخلفكم ليس سببه ما زعمتم، بل الحق أن تخلفكم كان بسبب ضعف إيمانكم، والله- تعالى- مطلع على أحوالكم اطلاعا تاما، وسيجازيكم بما تستحقون. ثم أكد- سبحانه- كذبهم بإضراب آخر عن أقوالهم فقال: بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً، وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ، وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً والبور في الأصل: مصدر كالهلك، يوصف به المفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث. وهو هنا مستعمل بمعنى اسم الفاعل. وقيل: هو جمع بائر، كحائل وحول. قال صاحب الكشاف والبور من بار، كالهلك من هلك بناء ومعنى، ولذلك وصف به الواحد والجمع والمذكر والمؤنث. ويجوز أن يكون جمع بائر كعائذ وعوذ.. «١» . والمعنى: ليس الأمر كما زعمتم- أيها المخلفون- من أن أموالكم وأولادكم هي التي شغلتكم عن الخروج مع رسولكم ﷺ ولكن الحق أنكم ظننتم أن العدو سيستأصل شأفة المؤمنين بالقتل والإهلاك. وأنهم لن يعودوا بعد ذلك إلى أهليهم أبدا.. وزين الشيطان هذا الظن الفاسد في قلوبكم، ومكنه من نفوسكم فقبعتم في دياركم، وظننتم، في كل ما يتعلق بالرسول ﷺ وبأتباعه الصادقين ظَنَّ السَّوْءِ أى: الظن الذي كله سوء وشر ومنكر.. وَكُنْتُمْ في علم الله- تعالى- وحكمه قَوْماً بُوراً أى: قوما هالكين فاسدين، لا تصلحون لشيء من الخير، ولا تستحقون إلا الخزي والعقاب. فأنت ترى أن الله- تعالى- قد ذم هؤلاء المتخلفين وفضحهم وتوعدهم بسوء المصير، لأسباب متعددة، منها: سوء ظنهم بالله- تعالى- وبرسوله، ﷺ فقد توهموا أن الرسول والمؤمنين سيقتلون على يد أعدائهم، وأنهم لن يعودوا إلى أهليهم أبدا. ومنها: اعتذارهم الكاذب، بانشغالهم بأموالهم وأهليهم.. ومنها: تعمدهم الكذب. وتفوههم بالكلام الذي لا تؤيده قلوبهم. ثم ختم- سبحانه- هذا الذم والتهديد للمتخلفين بقوله: وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً. أى: ومن لم يؤمن بالله- تعالى- إيمانا حقا، وبصدق الرسول ﷺ في كل ما جاء

стр. 5637

به من عند ربه، ويطيعه في كل ما أمر به أو نهى عنه، عاقبناه عقابا شديدا، فإنا قد هيأنا للكافرين نارا مسعرة، تحرق الأبدان، وتشوى الوجوه.. ثم بين- سبحانه- أنه هو المالك لكل شيء فقال: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ خلقا وتصرفا يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ أن يغفر له وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ أن يعذبه. وَكانَ- سبحانه- وما زال غَفُوراً أى: واسع المغفرة رَحِيماً أى: واسع الرحمة. ثم عادت السورة الكريمة إلى حكاية أقوال هؤلاء المنافقين، وإلى الرد عليها، فقال- تعالى-: سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ ... والمراد بالمخلفين هنا: السابقون الذين وصفوا بأنهم من الأعراب، فاللام للعهد. أى: سيقول المخلفون عن الخروج معك يا محمد إلى مكة بعد أن خاب ظنهم فرجعتم سالمين إليهم بعد صلح الحديبية، سيقولون لك ولأصحابك: ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ أى: اتركونا لنسير معكم، لنشارككم في جمع الغنائم التي تنالونها من أعدائكم. فقوله ذَرُونا بمعنى اتركونا ودعونا. قال الآلوسى: والمراد بالمغانم هنا: مغانم خيبر- كما عليه عامة المفسرين- ولم نقف على خلاف في ذلك، وأيد بأن السين تدل على القرب، وخيبر أقرب المغانم التي انطلقوا إليها من الحديبية- كما علمت-، فإرادتها كالمتعينة، وقد جاء في الأخبار الصحيحة أن الله- تعالى- وعد أهل الحديبية أن يعوضهم من مغانم مكة مغانم خيبر، إذا قفلوا موادعين لا يصيبون شيئا» «١» . وقد كان رجوع النبي ﷺ وأصحابه من صلح الحديبية في ذي الحجة من السنة السادسة، وخروجهم إلى خيبر كان في المحرم من السنة السابعة، وقد أصاب المسلمون من خيبر غنائم كثيرة، وقد جعلها ﷺ لمن شهد معه صلح الحديبية دون غيرهم. وقوله: يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ أى: يريد هؤلاء المخلفون بقولهم ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ أن يغيروا حكم الله- تعالى- الذي حكم به، وهو أن غنائم خيبر خاصة لمن شهد صلح الحديبية، أما هؤلاء المخلفون فلا نصيب لهم فيها.

стр. 5638

ثم لقن الله- تعالى- نبيه ﷺ الرد الذي يخرسهم فقال: قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ ... أى: قل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء المخلفين- على سبيل الإقناط والتيئيس والزجر- لا تتبعونا ونحن متجهون إلى خيبر لفتحها. فالنفي في قوله لَنْ تَتَّبِعُونا بمعنى النهى للمبالغة في منعهم من الخروج مع المؤمنين إلى خيبر. وقوله: كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ أى: مثل هذا النهى الصادر منى قد قاله الله- تعالى- من قبل رجوعنا من الحديبية، فقد أمرنى بمنعكم من الخروج معى إلى خيبر، وبحرمانكم من غنائمها، عقابا لكم على معصيتكم لي، وعلى سوء ظنكم بي وبأصحابى.. ثم حكى- سبحانه- ما سيقوله هؤلاء المنافقون بعد مجابهتهم بتلك الحقيقة فقال: فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا، بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا. أى: فسيقولون لك- أيها الرسول الكريم- بعد منعك إياهم من الخروج معكم إلى خيبر، وبعد أن ذكرت لهم حكم الله فيهم.. سيقولون لك على سبيل السفاهة وسوء الأدب: أنتم أيها المؤمنون تريدون بسبب هذا المنع من الخروج معكم إلى خيبر، أن تحسدونا وتمنعونا حقنا في الغنيمة، والله- تعالى- لم يأمركم بمنعنا، وإنما أنتم الذين فعلتموه حسدا لنا. وقوله: بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا إضراب عن قولهم هذا على سبيل التسلية للرسول ﷺ أى: ليس الحق كما زعموا، بل الحق أنهم قوم دأبهم الحمق والجهالة، ولا يفقهون من أمور الدين إلا فقها قليلا، لا يسمن ولا يغنى من جوع. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما الفرق بين حرفى الإضراب؟ قلت: الأول إضراب معناه: رد أن يكون حكم الله أن لا يتبعوهم وإثبات الحسد. والثاني: إضراب عن وصفهم بإضافة الحسد إلى المؤمنين، إلى وصفهم بما هو أطم منه، وهو الجهل وقلة الفقه.. «١» . ثم فتح- سبحانه- أمام هؤلاء المخلفين من الأعراب باب التوبة، فأمر النبي ﷺ أن يدعوهم إلى الجهاد معه، فإن صدقوا أفلحوا، وإن أعرضوا خسروا فقال: قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ، تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ. أى: قل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء المخلفين من الأعراب عن الخروج معك، ستدعون في المستقبل إلى القتال معى لقوم أصحاب قوة وشدة في الحرب، فيكون بينكم وبينهم أمران لا ثالث لهما: إما قتالكم لهم، وإما الإسلام منهم. «فأو» في قوله أَوْ يُسْلِمُونَ للتنويع والحصر. وجملة «تقاتلونهم أو يسلمون»

стр. 5639

مستأنفة للتعليل، كما في قوله: سيدعوك الأمير للقائه يكرمك أو يخزى عدوك. وقد اختلف المفسرون في المراد بهؤلاء القوم أولى البأس الشديد، فمنهم من قال: فارس والروم، ومنهم من قال: بنو حنيفة أتباع مسيلمة الكذاب. والذي عليه المحققون من العلماء أن المقصود بهم: هوازن وثقيف الذين التقى بهم المسلمون في غزوة حنين بعد فتح مكة. وذلك لأن عددا كبيرا من تلك القبائل المتخلفة قد اشتركت في تلك الغزوة، حتى لقد بلغ عدد المسلمين فيها ما يقرب من اثنى عشر ألفا، ولأن أهل هوازن وثقيف قد كانوا يجيدون الرماية والكر والفر، فاستطاعوا في أول المعركة- بعد أن اغتر المسلمون بقوتهم- أن يفرقوا بعض صفوف المسلمين، ثم تجمع المسلمون بعد ذلك وانتصروا عليهم، ثم كانت النتيجة أن انتهت تلك الغزوة بإسلام هوازن وثقيف. كما هو معروف في كتب السيرة. ولقد أشار القرآن الكريم إلى ما كان بين المسلمين وبين هوازن وثقيف من قتال في قوله- تعالى-: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً، وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ، ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ. ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها، وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ. ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ «١» . وقد رجح فضيلة شيخنا الدكتور أحمد السيد الكومى أن يكون المقصود بالقوم أولى البأس الشديد هوازن وثقيف، فقال ما ملخصه: وتكاد تنفق كتب السيرة على أن الجيش الذي ذهب لفتح مكة، ثم ذهب بعد ذلك إلى غزو هوازن وثقيف يوم حنين، كان يضم بين جوانحه العدد الكثير من قبائل أسلم وأشجع وجهينة وغفار ومزينة. وإذن فالأمر المحقق أن القبائل المتخلفة يوم الحديبية، ساهمت في الجهاد بقسط وافر يوم فتح مكة، ويوم حنين.. وقد أقام المسلمون بمكة بعد أن فتحوها- بدون قتال يذكر- خمسة عشر يوما.. ثم ذهبوا لقتال هوازن وثقيف.. وكانوا رماة مهرة ذوى مهارة حربية، ودراية بفنون القتال فهزموا المسلمين في أول الأمر، ثم هزمهم المسلمون. ومن كل ذلك يترجح الحكم بأن هؤلاء القوم هم هوازن، وأن كثيرا من المخلفين أسلم

стр. 5640

إسلاما خالصا، وحسنت توبته.. «١» . وقوله- سبحانه-: فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً، وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً بيان للثواب العظيم الذي أعده- سبحانه- للطائفين، وللعذاب الأليم الذي توعد به الفاسقين. أى: فإن تطيعوا- أيها المخالفون- رسولكم ﷺ يؤتكم الله من فضله أجرا حسنا، وإن تتولوا وتعرضوا عن الطاعة، كما أعرضتم من قبل في صلح الحديبية عن طاعته، يعذبكم- سبحانه- عذابا أليما. ثم ختم- سبحانه- هذه الآيات برفع الحرج عن الذين تخلفوا لأعذار حقيقة فقال: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ، وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ، وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ... أى: ليس على هؤلاء إثم في التخلف عن الجهاد، لما بهم من الأعذار والعاهات المرخصة لهم في التخلف عنه. وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فيما أمرا به أو نهيا عنه، يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، وَمَنْ يَتَوَلَّ عن طاعتهما يُعَذِّبْهُ الله- تعالى- عَذاباً أَلِيماً لا يقادر قدره. ثم بشر الله- تعالى- المؤمنين الصادقين ببشارات متنوعة، ومدحهم مدحا عظيما، وبين- سبحانه- أن سنته في خلقه لن تتخلف، فقال- تعالى-: [سورة الفتح (٤٨) : الآيات ١٨ الى ٢٤] لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (١٨) وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٩) وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٢٠) وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (٢١) وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٢٢) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً (٢٣) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (٢٤)
следующие страницы →