وقيل: إِلَّا لِيَعْبُدُونِ أى: إلا ليقروا لي بالعبادة طوعا أو كرها «١» .
ويبدو لنا أن أرجح هذه الأقوال هو ما أشرنا إليه أولا، من أن معنى الآية الكريمة، أن الله- تعالى- قد خلق الثقلين لعبادته وطاعته، ولكن منهم من أطاعه- سبحانه-، ومنهم من عصاه. لاستحواذ الشيطان عليه.
قال الإمام ابن كثير بعد أن ذكر جملة من الأقوال: ومعنى الآية أنه- تعالى- خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له، فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء، ومن عصاه عذبه أشد العذاب.
وفي الحديث القدسي: قال الله- «يا ابن آدم، تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى، وأسد فقرك، وإلا تفعل ملأت صدرك شغلا، ولم أسد فقرك ... » .
وفي بعض الكتب الإلهية. يقول الله- تعالى- «يا ابن آدم، خلقتك لعبادتي فلا تلعب، وتكفلت برزقك فلا تتعب، فاطلبنى تجدني. فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء» «٢» .
ثم بين- سبحانه- أنه غنى عن العالمين فقال: ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ أى: ما أريد منهم منفعة أو رزقا كما يريد الناس بعضهم من بعض.. وما أريد منهم طعاما ولا شرابا، فأنا الذي أطعم ولا أطعم كما قال- سبحانه-: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا، فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ «٣» .
قال الآلوسى: والآية لبيان أن شأنه- تعالى- مع عباده ليس كشأن السادة مع عبيدهم، لأنهم إنما يملكونهم ليستعينوا بهم في تحصيل معايشهم وأرزاقهم، ومالك العبيد نفى أن يكون ملكه إياهم لذلك، فكأنه- سبحانه- يقول: ما أريد أن أستعين بهم، كما يستعين ملاك العبيد بعبيدهم، فليشتغلوا بما خلقوا له من عبادتي «٤» .
ثم بين- سبحانه- أنه هو صاحب القوة والرزق فقال: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ أى: إن الله- تعالى- هو الرزاق لغيره دون أحد سواه، وهو- سبحانه- صاحب القوة التي لا تشبهها قوة، وهو المتين أى: الشديد القوة- أيضا- فهو صفة للرزاق، أو لقوله: ذُو، أو خبر مبتدأ محذوف. وهو مأخوذ من المتانة بمعنى القوة الفائقة.
стр. 5742
ثم بين- سبحانه- سوء عاقبة الظالمين فقال: فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ.
والذّنوب في الأصل: الدلو العظيمة المملوءة ماء، ولا يقال لها ذنوب إذا كانت فارغة.
وجمعها ذنائب، كقلوص وقلائص، وكانوا يستسقون الماء فيقسمونه بينهم على الأنصباء.
فيكون لهذا ذنوب، ولهذا ذنوب. فالمراد بالذنوب هنا: النصيب، والمعنى: فإن للذين ظلموا أنفسهم بعبادتهم لغير الله، وبظلمهم لغيرهم، نصيبا من العذاب، مثل نصيب نظرائهم في الظلم والكفر، فلا يستعجلون عذابي، فإنه نازل بهم في الوقت الذي أريد.
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ أى: فهلاك للذين كفروا، هذا الهلاك سيكون في اليوم الذي توعدتهم بالهلاك فيه، والذي هو نازل بهم بلا ريب أو شك.
وبعد: فهذا تفسير لسورة «الذاريات» ، نسأل الله- تعالى- أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
القاهرة- مدينة نصر د. محمد سيد طنطاوى مساء السبت ٢١ جمادى الأولى ١٤٠٦ هـ ١/ ٢/ ١٩٨٦ م
стр. 5743
تفسير سورة الطّور
стр. 5744
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة وتمهيد
١- سورة «الطور» من السور المكية الخالصة، وعدد آياتها تسع وأربعون آية في الكوفي والشامي، وثمان وأربعون في البصري، وسبع وأربعون في المصحف الحجازي.
وهذه السورة من السور التي كان النبي- ﷺ يقرأ بها كثيرا في صلاته.
روى الشيخان عن جبير بن مطعم قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، فما سمعت أحدا أحسن صوتا أو قراءة منه.
وروى البخاري عن أم سلمة قالت: شكوت إلى رسول الله ﷺ إنى اشتكى.
فقال: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة، فطفت ورسول الله ﷺ يصلى إلى جنب البيت، يقرأ بالطور وكتاب مسطور «١» .
٢- وتفتتح سورة «الطور» بقسم من الله- تعالى- ببعض مخلوقاته على أن البعث حق، وعلى أن الجزاء حق، وعلى أن كل ذلك كائن يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات.
تفتتح بهذا الافتتاح الذي يبعث الوجل والخوف في النفوس فتقول: وَالطُّورِ. وَكِتابٍ مَسْطُورٍ. فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ. وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ. وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ. إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ. ما لَهُ مِنْ دافِعٍ.
٣- وكعادة القرآن الكريم في المقارنة بين الأخيار والأشرار، يأتى الحديث عن حسن عاقبة المؤمنين، بعد الحديث عن سوء عاقبة المكذبين، فيقول- سبحانه-: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ. فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ، وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ. كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.
٤- ثم تنتقل السورة الكريمة إلى الحديث عن مفتريات المشركين وأكاذيبهم، فتحكيها
стр. 5745
بأمانة. وتقذف بالحق الذي أوحاه- سبحانه- إلى نبيه ﷺ فإذا بتلك المفتريات والأكاذيب زاهقة وباطلة، وتسوق ذلك بأسلوب ساحر خلاب فتقول: أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ. قُلْ تَرَبَّصُوا، فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ. أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا، أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ. أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ، بَلْ لا يُؤْمِنُونَ. فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ.
٥- ثم تختتم السورة الكريمة بما يسلى النبي ﷺ وبما يرسم له العلاج الشافي فتقول: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا، وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ. وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
د. محمد سيد طنطاوى ٣ من جمادى الآخرة سنة ١٤٠٦ هـ ١٢ من فبراير سنة ١٩٨٦ م د. محمد سيد طنطاوى
стр. 5746
التفسير قال الله- تعالى-:
[سورة الطور (٥٢) : الآيات ١ الى ١٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالطُّورِ (١) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤)
وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ (٧) ما لَهُ مِنْ دافِعٍ (٨) يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً (٩)
وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً (١٠) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٤)
أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)
افتتح الله- تعالى- هذه السورة الكريمة بالقسم بخمسة أشياء هي من أعظم مخلوقاته، للدلالة على كمال قدرته، وبديع صنعته، وتفرد ألوهيته.. فقال- سبحانه-: وَالطُّورِ والمراد به جبل الطور، والمشار إليه في قوله- تعالى-: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ. وَطُورِ سِينِينَ.
قال القرطبي: والطور: اسم الجبل الذي كلم الله- تعالى- عليه موسى. أقسم الله به تشريفا وتكريما له، وتذكيرا لما فيه من الآيات ... وقيل: إن الطور اسم لكل جبل أنبت، ومالا ينبت فليس بطور «١» .
стр. 5747
وَكِتابٍ مَسْطُورٍ أى مكتوب متسق الكتابة، منتظم الحروف، مرتب المعاني، فالمراد بالكتاب: المكتوب. وبالمسطور: الذي سطرت حروفه وكلماته تسطيرا جميلا حسنا.
والأظهر أن المقصود به القرآن الكريم، لأن الله- تعالى- قد أقسم به كثيرا، ومن ذلك قوله- سبحانه- حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ.
وقيل: المقصود به: جنس الكتب السماوية المنزلة. وقيل: صحائف الأعمال.
قال الآلوسى: قوله: وَكِتابٍ مَسْطُورٍ أى: مكتوب على وجه الانتظام، فإن السطر ترتيب الحروف المكتوبة. والمراد به على ما قال الفراء: الكتاب الذي تكتب فيه الأعمال، ويعطاه العبد يوم القيامة بيمينه أو بشماله، وقال الكلبي: هو التوراة. وقيل: القرآن الكريم وقيل: اللوح المحفوظ «١» .
وقوله: في رَقٍّ مَنْشُورٍ متعلق بمسطور. أى: مسطور في رق. والرق- بالفتح- كل ما يكتب فيه من ألواح وغيرها. وأصله: الجلد الرقيق الذي يكتب عليه.
والمنشور: المبسوط، ومنه قوله- تعالى-: وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً.
أى: أن هذا الكتاب المسطور، كائن في صحائف مبسوطة ظاهرة لكل من ينظر إليها.
وقوله: وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ هو بيت في السماء السابعة تطوف به الملائكة بأمر الله- تعالى-.
قال ابن كثير: ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال في حديث الإسراء والمعراج، بعد مجاوزته إلى السماء السابعة: «ثم رفع بي إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألفا من الملائكة» «٢» .
وقيل المراد بالبيت المعمور هنا: البيت الحرام، وسمى بذلك لأنه معمور بالحجاج والعمار، وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ، أى: والسماء المرفوعة، وسميت سقفا لكونها بمثابة السقف للأرض كما قال- تعالى- وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ.
وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ أى: المملوء بالماء، يقال، سجر فلان الحوض إذا ملأه بالماء.
أو المسجور: بمعنى: المملوء بالنار من السّجر، وهو إيقاد النار في التنور، ومنه قوله- تعالى-: ... ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ.
стр. 5748
والمراد بالبحر هنا: جنسه. قال ابن عباس: تملأ البحار كلها يوم القيامة بالنار، فيزاد بها في نار جهنم.
وبهذا نرى أن الله- تعالى- قد أقسم بخمسة أشياء من مخلوقاته، للدلالة على وحدانيته، وعلى شمول قدرته، وعلى بديع صنعته.
وجواب هذا القسم قوله- سبحانه-: إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ أى: وحق هذه المخلوقات الضخمة البديعة، إن عذاب ربك لواقع وقوعا لا شك فيه على الكافرين يوم القيامة.
وقوله: ما لَهُ مِنْ دافِعٍ خبر ثان لإن في قوله: إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ أى: هو واقع دون أن يستطيع أحد أن يدفعه أو يرده.
عن جبير بن مطعم- رضى الله عنه- قال: قدمت المدينة على رسول الله ﷺ لأكلمه في أسارى بدر، فجئت إليه وهو يصلى بأصحابه صلاة المغرب، فسمعته يقرأ وَالطُّورِ إلى إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ، ما لَهُ مِنْ دافِعٍ فكأنما صدع قلبي، فأسلمت خوفا من نزول العذاب وما كنت أظن أن أقوم مقامي ... «١» .
والظرف في قوله: يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً متعلق بقوله لَواقِعٌ ومنصوب به، أى: إن هذا العذاب لواقع يوم تضطرب السماء اضطرابا شديدا، وتتحرك بمن فيها تحركا تتداخل معه أجزاؤها.
فالمور. هو الحركة والاضطراب والدوران، والمجيء والذهاب، والتموج والتكفّؤ، يقال:
مار الشيء مورا، إذا تحرك واضطرب.
وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً أى عذاب ربك واقع يوم تضطرب السماء بأهلها وتزول الجبال عن أماكنها، وتتطاير كالسحب، ثم تتفتت كالرمال، ثم تصير كالصوف المنفوش.
قال- تعالى-: وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ، صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ «٢» .
وقال- سبحانه-: يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ. وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ. وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً «٣» .
стр. 5749
وقوله: فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ أى: فهلاك وحسرة في هذا اليوم للمكذبين به.
الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ أى: إذا كان الأمر كما ذكرنا لك- أيها العاقل- فهلاك وحسرة في هذا اليوم للمكذبين بالحق، الذين هم عاشوا حياتهم الدنيا يلهون ويلعبون دون أن يذكروا حسابا ولا ثوابا ولا عقابا.
وأصل الخوض: المشي في الماء، ثم غلب استعماله في الاندفاع في كل باطل.
ثم بين- سبحانه- حالهم يوم القيامة فقال: يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا، هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ.
والدع: الدفع بعنف وشدة. يقال: دعّ فلان فلانا دعّا، إذا دفعه بجفوة وغلظة، ومنه قوله- تعالى-: أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ. فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ.
أى: اذكر- أيها العاقل- لتعتبر وتتعظ، يوم يدفع هؤلاء المكذبون إلى النار دفعا قويا.
لا رحمة معه، ولا شفقة فيه، ثم يقال لهم بعد هذا الطرد الشديد: هذه هي النار التي كنتم بها تكذبون في الدنيا، ادخلوها فبئس مثوى المتكبرين.
ثم يقال لهم- أيضا- على سبيل التوبيخ والزجر: أَفَسِحْرٌ هذا أى أفسحر هذا الذي ترونه من العذاب كما كنتم تزعمونه في الدنيا؟
أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ أى: أم أنتم عمى عن مشاهدة العذاب المعد لكم فلا تبصرونه؟
لا، إن هذا العذاب ليس سحرا، ولستم أنتم بمحجوبين عن رؤيته، بل هو أمام أعينكم، ومهيأ لاستقبالكم، وهذه النار تناديكم، وملائكتنا تقول لكم:
اصْلَوْها أى: ادخلوها، وقاسوا حرها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا أى: ادخلوها داخرين فاصبروا على سعيرها أو لا تصبروا، فهي مأواكم لا محالة.
سَواءٌ عَلَيْكُمْ الأمران، الصبر وعدمه، لأن كليهما لا فائدة لكم من ورائه.
فقوله: سَواءٌ عَلَيْكُمْ خبر لمبتدأ محذوف. أى: الأمران سواء بالنسبة لكم.
إِنَّما تُجْزَوْنَ في هذا اليوم عاقبة، ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أى: في الدنيا.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم علل استواء الصبر وعدمه بقوله: إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ؟
قلت: لأن الصبر إنما يكون له مزية على الجزع، لنفعه في العاقبة بأن يجازى عليه الصابر
стр. 5750
جزاء الخير، فأما الصبر على العذاب الذي هو الجزاء، ولا عاقبة له ولا منفعة، فلا مزية له على الجزع «١» .
وكعادة القرآن الكريم في المقارنة بين سوء عاقبة المكذبين، وحسن عاقبة المؤمنين، جاء الحديث عن المتقين، بعد الحديث عن الكافرين، فقال- تعالى-:
[سورة الطور (٥٢) : الآيات ١٧ الى ٢٨]
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (١٨) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ (٢١)
وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ (٢٣) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٥) قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ (٢٦)
فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨)
المعنى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ الذين صانوا أنفسهم عن كل ما نهى الله- تعالى- عنه.
فِي جَنَّاتٍ عظيمة وفي نَعِيمٍ دائم لا ينقطع. فاكِهِينَ أى: متلذذين متنعمين بما يحيط بهم من خيرات، مأخوذ من الفكاهة- بفتح الفاء- وهي طيب العيش مع
стр. 5751
النشاط، يقال: فكه الرجل فكها، وفكاهة فهو فكه وفاكه. إذا طاب عيشه، وزاد سروره، وعظم نشاطه، وسميت الفاكهة بهذا الاسم لتلذذ الإنسان بها.
بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ أى متلذذين بسبب ما آتاهم ربهم من جنات عظيمة، ووقاهم- سبحانه- بفضله ورحمته العذاب الذي يؤلمهم.
ويقال لهم فضلا عن ذلك على سبيل التكريم: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً أى: كلوا أكلا مريئا، واشربوا شربا هنيئا. والهنيء من المأكول والمشروب: مالا يلحقه تعب أو سوء عاقبة.
وقوله: مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ منصوب على الحال من فاعل كُلُوا أو من الضمير المستكن في قوله جَنَّاتٍ.
أى: هم في جنات عظيمة، حالة كونهم متكئين فيها على سرر موضوعة على صفوف منتظمة، وعلى خطوط مستوية، والسّرر: جمع سرير وهو ما يجلس عليه الإنسان للراحة.
وقوله: وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ بيان لنعمة أخرى من النعم التي يتلذذون بها.
أى: وفضلا عن كل ذلك، فقد زوجناهم بنساء جميلات.
وبذلك نرى أن هؤلاء المتقين، قد أكرمهم الله- تعالى- بكل أنواع النعيم، من مسكن طيب، ومأكل كريم، ومشرب هنيء، وأزواج مطهرات من كل سوء.
ثم بين- سبحانه- أنواعا أخرى من تكريمه- تعالى- لهم، فقال: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ، وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ.
والآية الكريمة بيان لحال طائفة من أهل الجنة- وهم الذين شاركتهم ذريتهم الأقل عملا منهم في الإيمان- إثر بيان حال المتقين بصفة عامة.
والاسم الموصول مبتدأ، وخبره جملة أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ. والمراد بالذرية هنا:
ما يشمل الآباء والأبناء وقوله: وَاتَّبَعَتْهُمْ معطوف على آمَنُوا. وقوله بِإِيمانٍ متعلق بالاتباع، والباء للسببية أو بمعنى في.
ومعنى: أَلَتْناهُمْ أنقصناهم. يقال: فلان ألت فلانا حقه يألته- من باب ضرب- إذا بخسه حقه.
والمعنى: والذين آمنوا بنا حق الإيمان واتبعتهم ذريتهم في هذا الإيمان، ألحقنا بهم ذريتهم، بأن جمعناهم معهم في الجنة، وما نقصنا هؤلاء المتبوعين شيئا من ثواب أعمالهم، بسبب إلحاق ذريتهم بهم في الدرجة، بل جمعنا بينهم في الجنة. وساوينا بينهم في العطاء- حتى ولو كان
стр. 5752
بعضهم أقل من بعض في الأعمال- فضلا منا وكرما.
قال الإمام ابن كثير: يخبر- تعالى- عن فضله وكرمه، وامتنانه ولطفه بخلقه وإحسانه:
أن المؤمنين إذا اتبعتهم ذرياتهم في الإيمان، يلحقهم بآبائهم في المنزلة وإن لم يبلغوا عملهم، لتقر أعين الآباء بالأبناء عندهم في منازلهم، فيجمع بينهم على أحسن الوجوه، بأن يرفع الناقص العمل بكامل العمل، ولا ينقص ذاك من عمله ومنزلته. للتساوى بينه وبين ذاك. ولهذا قال:
أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ، وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ.
عن ابن عباس قال: إن الله ليرفع ذرية المؤمن في درجته، وإن كانوا دونه في العمل، لتقر بهم عينه، ثم قرأ هذه الآية.
وفي رواية أخرى عنه قال- عند ما سئل عن هذه الآية-: هم ذرية المؤمنين يموتون على الإيمان، فإن كانت منازل آبائهم أرفع من منازلهم ألحقوا بآبائهم، ولم ينقصوا من أعمالهم التي عملوها شيئا «١» .
وقال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما معنى تنكير الإيمان؟ قلت: معناه الدلالة على أنه إيمان خاص عظيم المنزلة، ويجوز أن يراد: إيمان الذرية الداني المحل، كأنه قال: بشيء من الإيمان، لا يؤهلهم لدرجة الآباء ألحقناهم بهم «٢» .
قال الجمل: والذرية هنا تصدق على الآباء والأبناء، فإن المؤمن إذا كان عمله الصالح أكثر ألحق به من هو دونه في العمل أبا كان أو ابنا، وهذا منقول عن ابن عباس وغيره.
وعن ابن عباس- أيضا- يرفعه إلى النبي ﷺ قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، سأل أحدهم عن أبويه وعن زوجته وولده، فيقال: إنهم لم يدركوا ما أدركت، فيقول: يا رب إنى عملت لي ولهم، فيؤمر بإلحاقهم به» «٣» .
وقوله: كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ أى: كل إنسان مرهون بعمله عند الله- تعالى- فإن كان عمله صالحا سعد وفاز، وأطلق نفسه من كل ما يسوؤها ويحزنها، وإن كان غير ذلك جوزي على حسب عمله وسعيه.
والتعبير بقوله رَهِينٌ للإشعار بأن كل إنسان مرتهن بعمله، حتى لكأن العمل بمنزلة الدّين، وأن الإنسان لا يستطيع الفكاك منه إلا بعد أدائه.
стр. 5753
ثم بين- سبحانه- جانبا آخر من مظاهر فضله على عباده المؤمنين فقال: وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ. أى: وأمددنا هؤلاء المؤمنين- على سبيل الزيادة عما عندهم بفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة وبلحم لذيذ تشتهيه نفوسهم.
يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً أى: يتجاذبون على سبيل المداعبة، ويتعاطون على سبيل التكريم، الأوانى المملوءة بالخمر التي هي لذة للشاربين.
لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ أى: لا يصدر منهم في أعقاب شربهم لتلك الخمر، ما جرت به العادة في أعقاب شرب خمر الدنيا، من أن الشارب لها يصدر منه كلام ساقط لا خير فيه، ويأتى من الأقوال والأفعال ما يعاقب عليه. ويرتكب الإثم بسببه.
قال صاحب الكشاف: لا لَغْوٌ فِيها أى: في شربها وَلا تَأْثِيمٌ أى:
لا يتكلمون في أثناء الشرب بسقط الحديث، وما لا طائل تحته، كفعل المتنادمين في الدنيا على الشراب في سفههم وعربدتهم، ولا يفعلون ما يؤثم به فاعله، أى: ينسب إلى الإثم لو فعله في دار التكليف من الكذب والشتم والفواحش، وإنما يتكلمون بالحكم وبالكلام الحسن متلذذين بذلك، لأن عقولهم ثابتة غير زائلة وهم حكماء علماء «١» .
وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ أى: ويطوف عليهم بتلك الكئوس المليئة بالخمر، غلمان لهم، لكي يكونوا في خدمتهم.
كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ أى: كأن هؤلاء الغلمان في صفائهم ونقائهم، لؤلؤ مصون ومحفوظ في صدفه لم تنله الأيدى.
يقال: كننت الشيء كنّا وكنونا، إذا جعلته في كنّ، وسترته عن الأعين.
ثم حكى- سبحانه- تساؤلهم وهم في الجنة، فقال: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ أى: وأقبل بعضهم على بعض وهم في الجنة، يسأل أحدهم الآخر عن أحواله وعن أعماله، وعن حسن عاقبته.
قالُوا أى: قال كل مسئول لسائله: إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ أى: إنا كنا في الدنيا ونحن نعيش بين أهلنا خائفين من أهوال يوم القيامة، وكنا نقدم العمل الصالح الذي نرجو أن ننال بسببه رضا ربنا: فقبل- تعالى- بفضله منا هذا العمل فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا أى فتكرم علينا بمغفرته ورضوانه.
стр. 5754
وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ اى: وانقدنا من عذاب النار التي تنفذ بحرها وسعيرها، إلى العظام والمسام، نفاذ الريح الحارة إلى الأجساد، فتؤثر فيها تأثير السم في البدن.
قال صاحب الكشاف: والسموم: الريح الحارة التي تدخل المسام، فسميت بها نار جهنم، لأنها بهذه الصفة.
إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ.. أى: إنا كنا من قبل في الدنيا ندعوه أن يجنبنا هذا العذاب.
كما كنا- أيضا- نخلص له العبادة والطاعة.
إِنَّهُ- سبحانه- هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ أى: هو المحسن على عباده، الرحيم بهم.
فالبر- بفتح الباء- مشتق من البرّ- بكسرها-، بمعنى المحسن، يقال: بر فلان في يمينه، إذا صدق فيها، وأحسن أداءها.
وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة، قد بشرت المتقين ببشارات متعددة، وذكرت نعما متعددة أنعم بها- سبحانه- عليهم.
ثم عادت السورة الكريمة مرة أخرى إلى الحديث عن الكافرين، فأمرت النبي ﷺ أن يمضى في طريقه دون أن يهتم بأكاذيبهم، وحكت جانبا من هذه الأكاذيب التي قالوها في حقه ﷺ ولقنته الجواب المزهق لها.. فقال- تعالى-:
[سورة الطور (٥٢) : الآيات ٢٩ الى ٤٤]
فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣)
فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٣٤) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨)
أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩) أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٣)
وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ (٤٤)
стр. 5755
والفاء في قوله- سبحانه-: فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ للإفصاح. والكاهن: هو الإنسان الذي يزعم أنه يخبر عن الأشياء المغيبة، والمجنون: هو الإنسان الذي سلب عقله، فصار لا يعي ما يقول.
أى: إذا كان الأمر كما ذكرنا لك قبل ذلك- أيها الرسول الكريم- فاثبت على ما أنت عليه من التذكير بما أوحينا إليك.. فما أنت بسبب إنعام الله عليك بكاهن ولا مجنون كما يزعم أولئك الكافرون.
قال الجمل: والباء في قوله بِنِعْمَةِ رَبِّكَ للسببية، وهي متعلقة بالنفي الذي أفادته «ما» أى: انتفى كونك كاهنا أو مجنونا، بسبب إنعام الله عليك بالعقل الراجح، وعلو الهمة، وكرم الفعال، وطهارة الأخلاق، وهم معترفون بذلك لك قبل النبوة «١» .
ثم أخذت السورة الكريمة في تقريع هؤلاء الجاهلين بأسلوب استنكارى فيه ما فيه من التعجب من جهالاتهم. وفيه ما فيه من الرد الحكيم على أكاذيبهم، فساقت أقاويلهم بهذا الأسلوب الذي تكرر فيه لفظ «أم» خمس عشرة مرة، وكلها إلزامات ليس لهم عنها جواب. وبدأت بقوله- تعالى-: أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ. قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ، و «أم» في هذه الآيات بمعنى بل والهمزة.
وقوله: نَتَرَبَّصُ من التربص بمعنى الانتظار والترقب.
وقوله: رَيْبَ الْمَنُونِ يعنون به: حوادث الدهر التي تحدث له ﷺ منها
стр. 5756
الموت. فالمنون: الدهر، وريبه: حوادثه التي يصيبه بسببها الهلاك.
أى: بل أيقولون عنك- أيها الرسول الكريم- إنك شاعر، وأنهم يترقبون موتك لكي يستريحوا منك. كما استراحوا من الشعراء الذين من قبلك، كزهير والنابغة.. قل لهم على سبيل التبكيت والتهديد: تربصوا وترقبوا موتى فإنى معكم من المنتظرين، وستعلمون أينا خير مقاما وأحسن عاقبة.
قال الآلوسى: نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ أى: الدهر، وهو فعول من المنّ بمعنى القطع لأنه يقطع الأعمال وغيرها، ومنه حبل منين أى: مقطوع، والريب: مصدر رابه إذا أقلقه، أريد به حوادث الدهر وصروفه، لأنها تقلق النفوس، وعبر عنها بالمصدر مبالغة ...
وأخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس، تفسيره المنون بالموت.
روى أن قريشا اجتمعت في دار الندوة، وكثرت آراؤهم فيه ﷺ حتى قال قائل منهم: تربصوا به ريب المنون، فإنه شاعر سيهلك كما هلك زهير والنابغة والأعشى، فافترقوا على هذه المقالة «١» .
ثم وبخهم- سبحانه- على غفلتهم وعنادهم فقال: أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا، أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ.
والأحلام: جمع حلم- بكسر الحاء- والمراد بها هنا: العقول. وكان شيوخ قريش يدعون بذي الأحلام والنهى.
ويطلق الحلم في الأصل على ضبط النفس عن هيجان الغضب. وأطلق هنا على العقل لكونه منشأ له.
أى: بل أتأمرهم عقولهم التي زعموا سلامتها، بأن يقولوا في شأنك- أيها الرسول الكريم- إنك شاعر أم مجنون؟
لا، إن أى عقل سليم لم يأمرهم بذلك، وإنما هم قوم دأبهم الطغيان والعناد وتجاوز الحدود التي لا يجوز تجاوزها.
والعقول إذا استعملت في الشرور والآثام، ضاع رشدها، وفقدت سلامتها.
ولقد قيل لعمرو بن العاص. رضى الله عنه-: ما بال قومك لم يؤمنوا وهم أصحاب الأحلام؟ فقال: تلك عقول كادها الله- تعالى- أى: لم يصحبها التوفيق والرشاد.
стр. 5757
أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ. فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ والتقول:
تكلف القول واختلاقه. وأكثر ما يكون استعمالا في الكذب، يقال: فلان تقول على فلان، إذا افترى عليه الكذب. أى: بل أيقولون عنك- أيها الرسول- إنك افتريت هذا القرآن، واختلقته من عند نفسك، لا إنك معصوم عن ذلك، وأنت ما نطقت إلا بما أوحيناه إليك، ولكنهم هم المفترون للكذب عليك، وما حملهم على ذلك إلا عدم إيمانهم بالحق، وانغماسهم في الباطل، وإصرارهم على الجحود.
وإذا كان الأمر- كما زعموا- فها هو ذا القرآن أمامهم يسمعون آياته ... فليأتوا بحديث يشابه القرآن في بلاغته. وهدايته، وسمو تشريعاته وآدابه.
وقد تحداهم- سبحانه- في آيات أخرى أن يأتوا بعشر سور من مثله فقال: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ، وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ «١» .
ثم تحداهم سبحانه- أن يأتوا بسورة واحدة من مثله فقال: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ، وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ «٢» .
ولكنهم في جميع مراحل التحدي، وقفوا عاجزين مبهوتين، فثبت أن هذا القرآن من عند الله، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا.
ثم وبخهم- سبحانه- على عدم تفكرهم في خلق أنفسهم فقال: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ. أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ.
أى: بل أخلقوا على هذه الكيفية البديعة، والهيئة القويمة، من غير أن يكون هناك خالق لهم؟ أم هم الذين خلقوا أنفسهم بدون احتياج لخالق؟ أم هم الذين قاموا بخلق السموات والأرض؟
لا، إن شيئا من ذلك لم يحدث، فإنهم لم يخلقوا من غير شيء، وإنما الذي خلقهم بقدرته- تعالى- هو الله وحده، كما خلق- سبحانه- السموات والأرض بقدرته- أيضا- وهم يعترفون بذلك، كما في قوله- تعالى-: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ....
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ....
стр. 5758
وقوله: بَلْ لا يُوقِنُونَ أى: هم ليسوا على يقين من أمرهم، وإنما هم يخبطون خبط عشواء، فهم مع اعترافهم بأن الله- تعالى- هو الذي خلقهم، إلا أن هذا الاعتراف صار كالعدم، لأنهم لم يعملوا بموجبه، من إخلاص العبادة له- تعالى- والإيمان بالحق الذي جاءهم به رسول الله ﷺ من عند خالقهم.
ثم قال- تعالى-: أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ أى: بل أعند هؤلاء الغافلين خَزائِنُ رَبِّكَ أى: مفاتيح أرزاقه- تعالى- لعباده، ومقدراته لهم، حتى يقسموها عليهم كما شاءوا، أم هم المصيطرون على أحوال هذا الكون، المتسلطون على مقدراته، حتى لكأنهم أربابه المتغلبون عليه؟.
كلا لا شيء لهم من ذلك إطلاقا، وإنما هم وغيرهم فقراء إلى رزق الله- تعالى- لهم أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ ... والسلم: هو ما يتوصل به إلى الأمكنة العالية.
أى: بل ألهم سلم يصعدون بواسطته إلى السماء، ليستمعوا إلى وحينا وأمرنا ونهينا..
إن كان أمرهم كذلك: فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ أى: فليأت من استمع منهم إلى شيء من كلامنا أو وحينا بحجة واضحة تدل على صدقه فيما ادعاه.
ومما لا شك فيه أنهم لا حجة لهم، بل هم كاذبون إذا ما ادعوا ذلك، لأن وحى الله- تعالى- خاص بأناس معينين، ليسوا منهم قطعا.
أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ أى: بل أيقولون إن لله- تعالى- البنات ولهم الذكور، إن قولهم هذا من أكبر الأدلة على جهلهم وسوء أدبهم. لأن الله- تعالى- هو الخالق للنوعين، وهو- سبحانه- يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ.
أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ أى: بل أتسألهم أجرا على دعوتك إياهم إلى الحق، فهم بسبب ذلك قد أثقلتهم الديون والمغارم، فصاروا ينفرون من دعوتك؟ كلا إنك لم تطلب منهم شيئا من ذلك.
والمغرم: الدين الذي يكون على الإنسان، فيثقل كاهله، ويحزن نفسه.
أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ أى: بل أيزعمون أن عندهم علم الغيب فهم يكتبونه للناس، ويطلعونهم عليه..؟.
كلا إنهم لا علم لهم بشيء من الغيب، لأن علم الغيب مرده إلى الله- تعالى- وحده، كما
стр. 5759
قال- سبحانه-: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً. إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ ... «١» .
أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً، فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ أى: بل أيريدون بك- أيها الرسول الكريم- الكيد والأذى والهلاك، إن كانوا يريدون بك ذلك فاعلم أن الذين كفروا بك وبدعوتك وأرادوا بك وبها الكيد والأذى، هم المغلوبون الخاسرون الذين يحيق بهم كيدهم ويعود عليهم وباله.
فقوله: الْمَكِيدُونَ اسم مفعول من الكيد، وهو المكر والخبث ...
وقد عاد عليهم وبال مكرهم فعلا، فقد خرج ﷺ من بين جموعهم ليلة الهجرة، دون أن يروه، وكانوا محيطين بداره ليقتلوه، وأحبط الله- تعالى- مكرهم.
أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ أى: بل ألهم إله غير الله- تعالى- يرزقهم من فضله، ويرعاهم بلطفه في جميع أطوار حياتهم.
كلا إنهم لا إله لهم سواه- تعالى- وتنزه- سبحانه- عن شركهم وكفرهم.
وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ والكسف جمع كسفة وهي القطعة من الشيء، والمركوم: المتراكم الذي تجمع بعضه فوق بعض.
أى: وإذا رأى هؤلاء الجاهلون قطعة عظيمة من العذاب نازلة عليهم لتهديدهم وزجرهم.
قالوا: هذا النازل علينا سحاب متراكم، قد اجتمع بعضه فوق بعض ليسقينا، ولم يصدقوا أنه نذير عذاب شديد لهم. وهذا شأن الطغاة المعاندين، وقد سبقهم إلى ذلك قوم عاد، فإنهم حين رأوا العذاب مقبلا نحوهم قالوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا فرد الله- تعالى- عليهم بقوله بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ.
هذا: والمتأمل في هذه الآيات الكريمة: يراها قد حملت على المشركين حملة شديدة، حيث وبختهم على جهالاتهم، وتحدتهم بأسلوب تعجيزى أن يأتوا بمثل القرآن الكريم، وتهكمت بهم وبعقولهم الفارغة التي انقادوا لها بدون تفكر أو تدبر، وبينت أنهم قوم متناقضون مع أنفسهم، لأنهم يقرون أن الله- تعالى- هو الخالق لهم ولغيرهم، ومع ذلك فهم يعبدون غيره.
وينسبون البنات إليه دون البنين ...
وقد ذكر بعض المفسرين أن ما أصابهم من هزيمة يوم بدر، كان في السنة الخامسة عشرة من
стр. 5760
بعثته ﷺ وأن هذه الآيات قد تكرر فيها لفظ «أم» خمس عشرة مرة، بعدد هذه السنين، ولذا قالوا: إن ذلك فيه إشارة إلى إعجاز القرآن الكريم.
ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة. بتوجيه الخطاب إلى النبي ﷺ ، على سبيل التسلية والتكريم، حيث أمره- سبحانه- بالإعراض عنهم، لأنه- سبحانه- هو الذي سيتولى حسابهم وعقابهم.. فقال- تعالى-:
[سورة الطور (٥٢) : الآيات ٤٥ الى ٤٩]
فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٧) وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ (٤٩)
والفاء في قوله- سبحانه-: فَذَرْهُمْ ... واقعة في جواب شرط مقدر. أى: إذا كان حال هؤلاء المشركين كما ذكرنا لك- أيها الرسول الكريم- فاتركهم في طغيانهم يعمهون..
حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ أى: فدعهم يخوضوا ويلعبوا حتى يأتيهم اليوم الذي فيه يموتون ويهلكون.
قال القرطبي: قوله يُصْعَقُونَ بفتح الياء قراءة العامة. وقرأ ابن عامر وعاصم بضمها. قال الفراء: هما لغتان: صعق وصعق مثل سعد وسعد. قال قتادة: يوم يموتون.
وقيل: هو يوم بدر، وقيل: يوم النفخة الأولى. وقيل: يوم القيامة يأتيهم فيه من العذاب ما يزيل عقولهم ... «١» .
وقوله: يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ... بدل من قوله: يَوْمَهُمُ. أى:
اتركهم- أيها الرسول الكريم- ولا تكترث بهم. وامض في دعوتك إلى الحق، فعما قريب سيأتيهم اليوم الذي لن ينفعهم فيه مكرهم السّيئ، وكيدهم القبيح..
وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ فيه من عقابنا من أى جهة من الجهات، أو من أى شخص من الأشخاص.
стр. 5761
وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا وهم هؤلاء الكافرون عَذاباً دُونَ ذلِكَ أى: عذابا آخر دون ذلك العذاب الذي سينزل بهم عند موتهم وفي حياتهم ...
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ لا يعلمون ذلك، لجهلهم بما سينتظرهم من عقاب.
ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة، بتلك التسلية الرقيقة لنبيه ﷺ فقال:
وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا....
أى: واصبر- أيها الرسول الكريم- لِحُكْمِ رَبِّكَ إلى أن ننزل بهم عقابنا في الوقت الذي نشاؤه ونختاره فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا أى: فإنك بمرأى منا وتحت رعايتنا وحمايتنا وحفظنا ...
وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ أى: وأكثر من تسبيح ربك وتنزيهه عن كل مالا يليق به حين تقوم من منامك، أو من مجلسك، أو حين تقوم للصلاة..
وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ أى: ومن الليل فأكثر من تسبيح ربك وَإِدْبارَ النُّجُومِ أى:
وأكثر من تسبيحه- تعالى- وقت إدبار النجوم وغروبها، وذلك في أواخر الليل.
وبذلك ترى أن الله- تعالى- قد أمر نبيه ﷺ بالإكثار من التسبيح له- في كل الأوقات، لأن هذا التسبيح يجلو عن النفس همومها وأحزانها..
وبعد: فهذا تفسير لسورة «الطور» نسأل الله- تعالى- أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده ...
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
القاهرة- مدينة نصر مساء الثلاثاء ١٦ جمادى الأولى ١٤٠٦ هـ ٢٥/ ٢/ ١٩٨٦ م كتبة الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى
стр. 5762
تفسير سورة النّجم
стр. 5763
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة وتمهيد
١- سورة «النجم» من السور المكية الخالصة، وعدد آياتها ثنتان وستون آية في المصحف الكوفي، وإحدى وستون في غيره، وكان نزولها بعد سورة «الإخلاص» ، فهي تعتبر من أوائل ما نزل على النبي ﷺ من قرآن، إذ لم يسبقها في النزول سوى اثنتين وعشرين سورة، أما ترتيبها في المصحف، فهي السورة الثالثة والخمسون.
٢- ويبدو أنها سميت بهذا الاسم منذ عهد النبوة..
قال الآلوسى: سورة «والنجم» . وتسمى- أيضا- سورة النجم- بدون واو-.
وهي مكية على الإطلاق. وفي الإتقان: استثنى منها: الذين يجتنبون كبائر الإثم ... إلى آخر الآية ... وهي- كما أخرج ابن مردويه- عن ابن مسعود قال: أول سورة أعلن النبي ﷺ بقراءتها، فقرأها في الحرم والمشركون يسمعون.
وأخرج البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، عنه قال: أول سورة أنزلت فيها سجدة سورة «والنجم» ، فسجد رسول الله ﷺ وسجد الناس كلهم إلا رجلا رأيته يأخذ كفا من تراب فسجد عليه، فرأيته بعد ذلك قتل كافرا، وهو أمية بن خلف..
وذكر أبو حيان أن سبب نزولها، قول المشركين: إن محمدا ﷺ يختلق القرآن.. «١» .
٣- وقد افتتحت السورة الكريمة بقسم منه- سبحانه- بالنجم، على صدق النبي ﷺ فيما يبلغه عن ربه، ثم وصف- سبحانه- جبريل- ﵇ وهو أمين الوحى، بصفات تدل على قوته وشدته، وعلى أن النبي ﷺ قد رآه على هيئته التي خلقه الله عليها.
قال- تعالى-: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى. ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى. وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى. ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى. وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى. ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى. فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى.
стр. 5764
٤- ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك إلى الحديث عن الآلهة المزعومة فبينت أن هذه الآلهة إنما هي أسماء أطلقها الجاهلون عليها، دون أن يكون لها أدنى نصيب من الصحة، وأن العبادة إنما تكون لله وحده.
قال- سبحانه-: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى. وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى. أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى. تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى. إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ.
٥- ثم أرشد الله- تعالى- رسوله ﷺ إلى الطريق الحكيم الذي يجب عليه أن يسلكه في دعوته، وسلاه عما لحقه من المشركين من أذى، فقال- سبحانه-: فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا، ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ، إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى.
٦- وبعد أن ساق- سبحانه- جانبا من مظاهر رحمته بعباده الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ أتبع ذلك ببيان مظاهر عدله في خلقه، وقدرته على كل شيء، وساق ما يشهد لذلك من أخبار الغابرين المكذبين الذين لا يخفى حالهم على المشركين المعاصرين للنبي ﷺ ، وأنذر هؤلاء المشركين بسوء المصير، إذا لم يعودوا إلى الحق، ويكفوا عن جحودهم وعنادهم..
قال- تعالى-: هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى. أَزِفَتِ الْآزِفَةُ. لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ. أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ. وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ. وَأَنْتُمْ سامِدُونَ. فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا.
٧- هذا، والمتأمل في هذه السورة الكريمة يراها بجانب إقامتها الأدلة الساطعة على وحدانية الله- تعالى- وعلى صدق النبي ﷺ فيما يبلغه عن ربه يراها بجانب ذلك قد ساقت ما ساقت من براهين واضحة، ومن توجيهات حكيمة.. بأسلوب بليغ أخاذ، له لفظه المنتقى، ومعناه السديد، وتراكيبه الموزونة وزنا بديعا ... مما يشهد بأن هذا القرآن من عند الله، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا.
نسأل الله- تعالى- أن يجعل القرآن ربيع حياتنا، وأنس نفوسنا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
دولة قطر- الدوحة مساء السبت ٢٠ جمادى الآخرة ١٤٠٦ هـ ١/ ٣/ ١٩٨٦ م د. محمد سيد طنطاوى
стр. 5765
التفسير قال الله- تعالى-:
[سورة النجم (٥٣) : الآيات ١ الى ١٨]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى (٤)
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (٧) ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (٨) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٩)
فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (١٠) ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (١١) أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤)
عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (١٦) ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (١٧) لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (١٨)
افتتح الله- تعالى- هذه السورة بهذا القسم العظيم، للدلالة على صدق رسوله ﷺ وللرد على أولئك المشركين الجاهلين، الذين زعموا أن النبي ﷺ قد اختلق القرآن الكريم.
والنجم: هو الكوكب الذي يبدو للناظرين، لامعا في جو السماء ليلا.
والمراد به هنا: جنسه، أى: ما يشمل كل نجم بازغ في السماء، فأل فيه للجنس.
وقيل: أل فيه للعهد والمراد به نجم مخصوص هو: الشعرى، وهو نجم كان معروفا عند العرب. وقد جاء الحديث عنه في آخر السورة، في قوله- تعالى-: وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى. قالوا: وكانت قبيلة خزاعة تعبده.
стр. 5766
وقيل المراد به: الثريا، فإنه من النجوم المشهورة عند العرب ...
وقيل: المراد به هنا: المقدار النازل من القرآن على النبي ﷺ وجمعه نجوم، وقد فسره بعضهم بذلك في قوله- تعالى-: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ.
ومعنى «هوى» : سقط وغرب. يقال هوى الشيء يهوى- بكسر الواو- هويا- بضم الهاء وفتحها- إذا سقط من أعلى إلى أسفل..
قال الآلوسى: وأظهر الأقوال، القول بأن المراد بالنجم، جنس النجم المعروف، فإن أصله اسم جنس لكل كوكب. وعلى القول بالتعيين، فالأظهر القول بأنه الثريا ووراء هذين القولين، القول بأن المراد به: المقدار النازل من القرآن.. «١» .
وقوله- سبحانه-: ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى، وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى. جواب القسم. و «ما» نافية. و «ضل» من الضلال، والمراد به هنا: عدم الاهتداء إلى الحق، وإلى الطريق المستقيم.
و «غوى» من الغي، وهو الجهل الناشئ من اعتقاد فاسد، وهو ضد الرشد..
و «الهوى» الميل مع شهوات النفس، دون التقيد بما يقتضيه الحق، أو العقل السليم.
والمعنى: وحق النجم الذي ترونه بأعينكم- أيها المشركون- عند غروبه وأفوله، وعند رجمنا به للشياطين.. إن محمدا ﷺ الذي أرسلناه إليكم شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً، ما ضل عن طريق الحق في أقواله وأفعاله، وما كان رأيه مجانبا للصواب في أمر من الأمور، وما ينطق بنطق صادر عن هوى نفسه ورأيه، وإنما ينطق بما نوحيه إليه من قرآن كريم، ومن قول حكيم، ومن توجيه سديد.
وقد أقسم- سبحانه- بالنجم عند غروبه، للإشعار بأن هذا المخلوق العظيم مسخر لإرادة الله- تعالى- وقدرته فهو مع لمعانه وظهوره في السماء لا يتأبى عن الغروب والأفول، إذا ما أراد الله- تعالى- له ذلك، ولا يصلح أن يكون إلها، لأنه خاضع لإرادة خالقه.
ولقد حكى- سبحانه- عن نبيه إبراهيم أنه حين جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي، فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ.
قال بعض العلماء: والوجه أن يكون قوله: إِذا هَوى بدل اشتمال من النجم، لأن المراد من النجم أحواله الدالة على قدرة خالقه ومصرفه، ومن أعظم أحواله حال هويّه
стр. 5767
وسقوطه، ويكون «إذا» اسم زمان مجردا عن معنى الظرفية، في محل جر بحرف القسم.. «١» .
وقال- سبحانه-: صاحِبُكُمْ للإشارة إلى ملازمته ﷺ لهم، طوال أربعين سنة قبل البعثة، وأنهم في تلك المدة الطويلة لم يشاهدوا منه إلا الصدق، والأمانة، والعقل الراجح، والقول السديد.. وأنهم لم يخف عليهم حاله بل كانوا مصاحبين له، ومطلعين على سلوكه بينهم، فقولهم بعد بعثته ﷺ إنه ساحر أو مجنون.. هو نوع من كذبهم البين، وجهلهم المطبق..
وقوله: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى استئناف بيانى مؤكد لما قبله.
والضمير «هو» يعود إلى المنطوق به، المفهوم من قوله- تعالى-: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى. أى: إن الرسول ﷺ لا يصدر نطقه فيما يأتيكم به عن هوى نفسه ورأيه، وإنما الذي ينطق به، هو وحى من الله- تعالى- أوحاه إليه على سبيل الحقيقة التي لا يحوم حولها شك أو ريب.
ومتعلق «يوحى» محذوف للعلم به. أى: ما هذا الذي ينطق به إلا وحى أوحاه- سبحانه- إلى نبيكم ﷺ .
قال الإمام ابن كثير: قوله: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى أى: إنما يقول ما أمر بتبليغه إلى الناس كاملا موفورا من غير زيادة ولا نقصان ... فعن عبد الله بن عمرو قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه. فنهتنى قريش فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ بشر يتكلم في الغضب، فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك له، فقال: «اكتب فو الذي نفسي بيده، ما خرج منى إلا الحق» .
وعن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا أقول إلا حقا» فقال بعض أصحابه:
فإنك تداعبنا يا رسول الله؟ قال: «إنى لا أقول إلا حقا» «٢» .
وقال صاحب الكشاف: ويحتج بهذه الآية من لا يرى الاجتهاد للأنبياء، ويجاب بأن الله- تعالى- إذا سوغ لهم الاجتهاد، كان الاجتهاد وما يستند إليه كله وحيا لا نطقا عن الهوى «٣» .
стр. 5768
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك جانبا من صفات جبريل- ﵇ الذي ينزل بالقرآن على النبي ﷺ فقال: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى.
أى: علّم النبىّ ﷺ القرآن، ملك من ملائكتنا الكرام، وهو جبريل- ﵇ الذي أعطيناه قوة شديدة، استطاع بها أن ينفذ ما كلفناه بتنفيذه.
والضمير المنصوب في «علمه» هو المفعول الأول، والثاني محذوف. أى: القرآن، لأن علّم تتعدى إلى مفعولين.
وقوله: شَدِيدُ الْقُوى صفة لموصوف محذوف. أى: ملك شديد القوى.
قالوا: وقد بلغ من شدة قوته، أنه اقتلع قرى قوم لوط- ﵇ ثم رفعها إلى السماء، ثم قلبها. بأن جعل أعلاها أسفلها ...
وقوله- تعالى-: ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى صفة أخرى من صفات جبريل- ﵇. والمرة- بكسر الميم- تطلق على قوة الذات، وحصافة العقل ورجاحته، مأخوذ من أمررت الحبل، إذا أحكمت فتله..
وشبيه بهاتين الآيتين قوله- تعالى-: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ. ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ. مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ....
وقوله: فَاسْتَوى أى: فاستقام على صورة ذاته الحقيقية، دون الصورة الآدمية التي كان ينزل بها على الرسول ﷺ .
وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى أى: وهو- أى جبريل- بالجهة العليا من السماء المقابلة للناظر إليها ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى أى: ثم قرب جبريل- ﵇ من النبي ﷺ فَتَدَلَّى أى: فانخفض من أعلى إلى أسفل ...
وأصل التدلي: أن ينزل الشيء من طبقته إلى ما تحتها، حتى لكأنه معلق في الهواء، ومنه قولهم: تدلت الثمرة إذا صارت معلقة في الهواء من أعلى إلى أسفل..
ثم صور- سبحانه- شدة قرب جبريل من النبي ﷺ فقال: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى والقاب: المقدار المعين: وقيل: هو ما بين وتر القوس ومقبضها..
والقوس: آلة معروفة عند العرب، يشد بها وتر من جلد، وتستعمل في الرمي بالسهام.
وكان من عادة العرب في الجاهلية، أنهم إذا تحالفوا، يخرجون قوسين ويلصقون إحداهما بالأخرى، فيكون قاب إحداهما ملاصقا للآخر، حتى لكأنهما قاب واحد، ثم ينزعونهما معا ويرمون بهما سهما واحدا، فيكون ذلك دليلا على التحالف التام والرضا الكامل ...
стр. 5769
والمعنى: أن جبريل- ﵇ بعد أن كان بالجهة العليا من السماء، ثم قرب من النبي ﷺ ، ثم زاد في القرب، حتى كان على مقدار مسافة قوسين منه ﷺ أو أقرب من ذلك.
قال صاحب الكشاف: قوله: قابَ قَوْسَيْنِ مقدار قوسين عربيتين، والقاب والقيب، والقاد والقيد، المقدار ... وقد جاء التقدير بالقوس، والرمح، والسوط، والذراع، والباع، والخطوة والشبر ... ومنه الحديث الشريف: «لقاب قوس أحدكم من الجنة، وموضع قده، خير من الدنيا وما فيها» والقد السوط ...
فإن قلت: كيف تقدير قوله: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ، قلت: تقديره فكان مقدار مسافة قربه مثل قاب قوسين، فحذفت هذه المضافات.. «١» .
و «أو» في قوله: أَوْ أَدْنى للشك، ولكن هذا الشك من جهة العباد، أى: أن الرائي إذا رأى هذا الوضع قال: هو قاب قوسين أو أقرب من ذلك، ويصح أن تكون بمعنى «بل» .
قال الجمل: قوله: أَوْ أَدْنى هذه الآية كقوله: وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ لأن المعنى: فكان- جبريل- بأحد هذين المقدارين في رأى الرائي. أى:
لتقارب ما بينهما يشك الرائي في ذلك.
وأدنى: أفعل تفضيل. والمفضل عليه محذوف. أى: أو أدنى من قاب قوسين.
ويصح أن تكون بمعنى بل، أى: بل هو أدنى.. «٢» .
وقوله: فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
أى: فأوحى جبريل- ﵇، إلى عبد الله ورسوله محمد ﷺ ما أوحى من قرآن كريم، ومن هدى حكيم.
فالضمير في قوله: فَأَوْحى
أى: جبريل، لأن الحديث في شأنه، وإيحاؤه إنما هو بأمر الله- تعالى- ومشيئته، ويرى بعضهم أنه يعود إلى الله- تعالى-.
قال الآلوسى: قوله: فَأَوْحى
أى: جبريل إِلى عَبْدِهِ
أى: عبد الله، وهو النبي ﷺ ، والإضمار- ولم يجر له- تعالى- ذكر، لكونه في غاية الظهور، ومثله كثير في الكلام، ومنه: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ....
ما أَوْحى
أى: الذي أوحاه، والضمير المستتر لجبريل- أيضا-.
стр. 5770
وقيل: الضمير المستتر لله- تعالى-. أى: أوحى جبريل إلى عبد الله، ما أوحاه الله إلى جبريل.
والأول مروى عن الحسن، وهو الأحسن.
وقيل: ضمير أوحى الأول والثاني لله- تعالى- والمراد بالعبد جبريل- ﵇ وهو كما ترى ... «١» .
وأبهم- سبحانه- ما أوحاه، لتفخيم شأنه، وإعلاء قدره، حتى لكأنه لا تحيط به عبارة، ولا يحده الوصف، وشبيه بهذا التعبير قوله- تعالى-: فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ، فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ.. «٢» .
وعبر- سبحانه- عن رسوله ﷺ بعبده، وأضافه إليه، للتشريف والتكريم، ولبيان أنه عبد من عباده- تعالى- الذين اصطفاهم لحمل رسالته، وتبليغ ما أوحاه إليه.
وقوله: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى رد على المشركين، وتكذيب لهم، فيما زعموه من أن الرسول ﷺ لم يتلق الوحى عن جبريل، ولم يشاهده.
واللام في قوله الْفُؤادُ عوض عن المضاف إليه، والفؤاد: العقل أو القلب، ومنه قوله- تعالى-: وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ.. «٣» .
وقراءة الجمهور كَذَبَ بفتح الذال مع التخفيف، وقرأ ابن عامر بفتحها مع التشديد، و «ما» موصولة، والعائد محذوف.
أى: ما كذب فؤاد النبي ﷺ وما أنكر، الذي رآه ببصره من صورة جبريل- ﵇ لأنه لم يكن يجهله، بل كان معروفا لديه، وصاحب الوحى إليه، فهو ﷺ عرفه بقلبه، وتأكدت هذه المعرفة برؤيته له بعينيه.
فالكذب هنا: بمعنى الإنكار والتردد والشك في صحة ما يراه.
قال صاحب الكشاف قوله: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى أى: ما كذب فؤاد النبي ﷺ ما رآه ببصره من صورة جبريل- ﵇.
أى: ما قال فؤاده لما رآه لم أعرفك، ولو قال ذلك- على سبيل الفرض- لكان كاذبا لأنه عرفه، يعنى أنه رآه بعينه، وعرفه بقلبه، ولم يشك في أن ما رآه حق.
стр. 5771
وقرئ. ما كَذَبَ- بالتشديد-، أى: صدقه ولم يشك أنه جبريل بصورته «١» .
ثم وبخ- سبحانه- المشركين على تكذيبهم للنبي ﷺ فيما يخبرهم عنه من شئون الوحى، فقال: أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى.
والمماراة: المجادلة والملاحاة بالباطل. يقال: مارى فلان فلانا مماراة ومراء، إذا جادله، مأخوذ من مرى الناقة يمريها. إذا مسح ضرعها ليستدر لبنها، ويأخذه كاملا، فشبه الجدال بذلك، لأن كل واحد من المتجادلين يمرى ما عند صاحبه، أى: يسعى لاستخراج كل ما عنده، حتى يقيم الحجة عليه.
وعدى الفعل بعلى لتضمنه معنى المغالبة.
أى: أفتجادلون نبينا محمدا ﷺ فيما رآه بعينيه، وتجادلونه في شيء هو تحقق منه بعقله وبصره، وهو ملاقاته ورؤيته لأمين وحينا جبريل- ﵇؟ إن مجادلتكم له في ذلك، هو من قبيل التعنت الواضح، والجهل الفاضح، لأنكم كذبتموه وجادلتموه في شيء هو قد رآه وتحقق منه، وأنتم تعلمون أنه صادق أمين.
فالمقصود بالاستفهام تبكيتهم وتجهيلهم على جدالهم بالباطل.
هذا وقد ذكر العلماء، أن هذه الآيات، تشير إلى رؤية النبي ﷺ لجبريل، على الهيئة التي خلقه الله- تعالى- عليها، فقد كان جبريل يأتى النبي ﷺ في صورة آدمي، فسأله أن يريه نفسه على صورته التي خلق عليها، فأراه نفسه مرتين: مرة في الأرض وهي التي تشير إليها هذا الآيات، ومرة في السماء، وهي التي تشير إليها الآيات التالية.
وقد توسع الإمام ابن كثير في ذكر الأحاديث التي وردت في ذلك فقال ما ملخصه:
عن عبد الله بن مسعود، أن رسول الله ﷺ لم ير جبريل في صورته إلا مرتين، أما واحدة فإنه سأله أن يراه في صورته، فسد الأفق، وأما الثانية فإنه كان معه حيث صعد ... «٢» .
وقوله- سبحانه-: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى.. إشارة إلى المرة الثانية التي رأى فيها الرسول ﷺ جبريل على هيئته التي خلقه الله- تعالى- عليها، وكان ذلك في ليلة الإسراء والمعراج. أى: والله لقد رأى محمد ﷺ جبريل في صورته التي خلق عليها، حالة كونه نازلا من السماء نزلة أخرى.
وقد جاء الإخبار عن هذه الرؤية بصيغة مؤكدة بلام القسم وبقد.. للرد على المشركين
стр. 5772
الذين أنكروا ذلك، فكأنه- سبحانه- يقول لهم: لئن كنتم قد أنكرتم هذه الرؤية في الأرض، فإنه ﷺ لم يره في الأرض فقط، بل رآه رؤية أعظم من ذلك، وهي رؤيته له في السماء، حين كان مصاحبا له في رحلته ليلة الإسراء والمعراج.
قال الآلوسى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى أى: رأى النبي ﷺ جبريل في صورته التي خلقه الله عليها نَزْلَةً أُخْرى أى: مرة أخرى، وهي فعلة من النزول، أقيمت مقام المرة، ونصبت نصبها على الظرفية، لأن أصل المرة مصدر مر يمر، ولشدة اتصال الفعل بالزمان يعبر به عنه. ولم يقل مرة بدل نزلة ليفيد أن الرؤية في هذه المرة، كانت بنزول ودنو، كالرؤية في المرة الأولى، الدال عليها ما مر ...
والمراد من الجملة القسمية، نفى الريبة والشك عن المرة الأخيرة، وكانت ليلة الإسراء «١» .
وقوله: عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى بيان للمكان الذي تمت عنده الرؤية الثانية.
والسدرة في الأصل: تطلق على شجرة النّبق، وهو ثمر معروف في بلاد العرب.
والمنتهى: اسم مكان، أو مصدر ميمى بمعنى الانتهاء. وإضافة السدرة إليه، من باب إضافة الشيء إلى مكانه، كما في قولهم: أشجار البستان. أو من إضافة المحل إلى الحال، كما في قولك: كتاب الفقه أو النحو..
وسمى هذا المكان بسدرة المنتهى، لانتهاء علوم الخلائق عنده، وما وراءه لا يعلمه إلا الله- تعالى-.
أخرج الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود قال: لما أسرى برسول الله ﷺ انتهى به إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السابعة وإليها ينتهى ما يعرج من الأرض فيقبض منها.
وإليها ينتهى ما يهبط من فوقها فيقبض منها «٢» .
ثم بين- سبحانه- ما يدل على شرف هذا المكان فقال: عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى.
أى: عند سدرة المنتهى، جنة المأوى. أى: الجنة التي تأوى وتسكن إليها أرواح المؤمنين الصادقين، الذين رضى الله عنهم ورضوا عنه.
ثم نوه- سبحانه- بما يحيط بذلك المكان من جلال وجمال لا تحيط العبارة بوصفه فقال:
إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى.
стр. 5773
والظرف «إذ» . في موضع الحال من «سدرة المنتهى» ، لقصد الإشادة بما أحاط بذلك المكان من شرف وبهاء.. أو هو متعلق بقوله: رَآهُ.
أى: ولقد رأى محمد ﷺ جبريل- ﵇ على هيئته التي خلقه الله عليها مرة أخرى، عند ذلك المكان الجليل المسمى بسدرة المنتهى، حالة كون هذا المكان ينزل به ما ينزل، ويغشاه ما يغشاه من الفيوضات الربانية، والأنوار القدسية، والخيرات التي لا يحيط بها الوصف..
فهذا الإبهام في قوله ما يَغْشى المقصود به التهويل والتعظيم والتكثير، لما يغشى هذا المكان من خيرات وبركات ...
وقوله- تعالى- ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى بيان لما كان عليه النبي ﷺ من ثبات واطمئنان عند رؤيته لما أذن الله- تعالى- له في رؤيته.
والزيغ: هو الميل عن حدود الاستقامة. والطغيان: تجاوز الحدود المشروعة.
أى: ما مال بصر النبي ﷺ عما أذن الله- تعالى- له في رؤيته. وما تجاوزه إلى ما لم يؤذن له في رؤيته، بل كان بصره ﷺ منصبا على ما أبيح له النظر إليه.
فالمقصود من الآية الكريمة، الثناء على النبي ﷺ ، ووصفه بما هو أهله من أدب وطاعة لخالقه- .
قال ابن كثير: قوله: ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى قال ابن عباس: ما ذهب يمينا ولا شمالا، وما جاوز ما أمر به، وهذه صفة عظيمة في الثبات والطاعة. فإنه ما فعل إلا ما أمر به، ولا سأل فوق ما أعطى، وما أحسن قول القائل:
رأى جنة المأوى وما فوقها ولو ... رأى غيره ما قد رآه لتاها «١»
ثم عظم- سبحانه- من شأن ما أراه لنبيه ﷺ فقال: لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى.
والكلام جواب لقسم محذوف، والآيات جمع آية، والمراد بها العجائب التي أطلع الله- تعالى- عليها نبيه ﷺ في تلك الليلة، وهي ليلة الإسراء والمعراج.
والكبرى: صفة لهذه الآيات، وحذف المرئي: لتفخيم أمره وتعظيمه.
أى: والله لقد رأى محمد ﷺ في تلك الليلة أمورا عظاما لا يحيط بها الوصف، وقد
стр. 5774
أكرمناه برؤيتها ليزداد يقينا على يقينه، وثباتا على ثباته، وقوة على قوته في تبليغ رسالتنا، وحمل أمانتنا.
هذا، وقد جرينا في تفسيرنا لهذه الآيات على الرأى الذي سار عليه المحققون من العلماء وهو أن هذه الآيات تحكى رؤية النبي ﷺ لجبريل مرتين، كما سبق أن بينا، وأن الضمائر في تلك الآيات منها ما يرجع إلى جبريل، ومنها ما يرجع إلى الله- .
وقد أعدنا كل ضمير إلى مرجعه الذي نراه مناسبا للمقام ...
فمثلا: الضمير المنصوب في قوله- تعالى-: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى قلنا: إنه يعود إلى جبريل. أى: أن الرسول ﷺ رأى جبريل على هيئته التي خلقه الله عليها مرة أخرى، غير المرة الأولى التي كانت في أوائل بعثته ﷺ .
ولكن بعض المفسرين يرون أن مرجع الضمير في هذه الآية وغيرها، يعود إلى الله- تعالى-، ويستدلون بذلك على أن الرسول ﷺ رأى ربه.
وقد فصل القول في هذه المسألة الإمام الآلوسى فقال ما ملخصه: فالضمائر في «دنا» «وتدلى» «وأوحى..» وكذلك الضمير المنصوب في «رآه» لله- ..
واستدل بذلك مثبتو رؤية النبي ﷺ لله- كابن عباس وغيره..
وخالفت في ذلك عائشة- رضى الله عنها- فقد أخرج مسلم عن مسروق قال: كنت عند عائشة فقالت: ثلاث من تكلم بواحدة منهن، فقد أعظم على الله- تعالى- الفرية.
قلت: ما هن؟ قالت: من زعم أن محمدا يعلم الغيب فقد كذب، ومن زعم أن محمدا كتم شيئا فقد كذب، ومن زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، فقلت: يا أم المؤمنين: ألم يقل الله- تعالى-: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى؟. فقالت: أنا أول من سأل رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: «لا، إنما هو جبريل، لم أره على صورته التي خلق عليها سوى هاتين المرتين. رأيته منهبطا من السماء سادا ما بين السماء إلى الأرض» .
ثم قال الآلوسى: ولا يخفى أن جواب الرسول ﷺ على عائشة، ظاهر في أن الضمير المنصوب في رَآهُ ليس راجعا إليه- تعالى-، بل إلى جبريل- ﵇.. «١» .
والمتأمل في هذه الآيات الكريمة يراها ترد على المشركين مزاعمهم، بأبلغ أسلوب، وأقوى
стр. 5775
بيان، وتثبت أن هذا القرآن، قد بلغه الرسول ﷺ عن جبريل- ﵇ دون أن يزيد فيه شيئا، أو ينقص منه شيئا، وأنه- سبحانه- قد أعطى نبيه ﷺ من المعجزات، ومن الخيرات والبركات.. ما لم يعط غيره.
وبعد هذا التصوير البديع لما كان عليه النبي ﷺ من حق واضح، ومن تكريم عظيم ومن طاعة تامة لخالقه- بعد كل ذلك أخذت السورة الكريمة، في تصوير ما عليه المشركون من باطل وجهل وفي تبكيتهم على عبادتهم لأصنام لا تسمع ولا تبصر، ولا تملك الدفاع عن نفسها فضلا عن غيرها.. فقال- تعالى-:
[سورة النجم (٥٣) : الآيات ١٩ الى ٢٨]
أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (٢١) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى (٢٣)
أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى (٢٥) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى (٢٦) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى (٢٧) وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (٢٨)
والهمزة في قوله: أَفَرَأَيْتُمُ للإنكار والتهكم، والفاء لترتيب الرؤية على ما سبق ذكره من صفات جليلة لله- تعالى- تدل على وحدانيته، وكمال قدرته، ومن ثناء على النبي ﷺ وعلى جبريل- ﵇ والرؤية هنا، علمية ومفعولها الثاني محذوف، لدلالة قوله- سبحانه- أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى عليه.
стр. 5776
و «اللات» اسم لصنم كان لثقيف بالطائف. قال الشاعر:
وفرت ثقيف إلى «لاتها» ... بمنقلب الخائب الخاسر
وكان هذا الصنم على هيئة صخرة مربعة، قد بنوا عليه بناء ونقشوا عليه نقوشا، وكانت قريش وجمهور العرب، يعظمونه ويعبدونه..
وكأنهم قد سموه بهذا الاسم، على سبيل الاشتقاق من اسم الله- تعالى- فقالوا «اللات» قصدا للتأنيث..
والْعُزَّى: فعلى من العز. وهي اسم لصنم، وقيل لشجرة حولها بناء وأستار، وكانت بمكان يقال له نخلة، بين مكة والطائف، وكانت قريش تعظمها، كما قال أبو سفيان يوم أحد «لنا العزى ولا عزى لكم» .
فقال ﷺ قولوا له: «الله مولانا ولا مولى لكم» .
ولعلهم قد سموها بذلك. أخذا من لفظ العزيز، أو من لفظ العز، فهي تأنيث الأعز، كالفضلى والأفضل.
وأما «مناة» فكانت صخرة ضخمة، بمكان يقال له المشلل، بين مكة والمدينة، وكانت قبيلة خزاعة والأوس والخزرج في جاهليتهم يعظمونها ويهلون منها للحج إلى الكعبة.
قالوا: وسميت بهذا الاسم، لأن دماء الذبائح كانت تمنى عندها، أى: تراق وتسكب.
والمعنى: لقد ذكرنا لكم- أيها المشركون- ما يدل على وحدانيتنا، وكمال قدرتنا. وسمو منزلة نبينا ﷺ .. فأخبرونى بعد ذلك ما شأن هذه الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، كاللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى. إنها أشياء في غاية الحقارة والعجز، فكيف سويتم بينها وبين الخالق- في العبادة، وكيف أبحتم لأنفسكم تعظيمها، وزعمتم أنها بنات الله ... ؟.
فالمقصود بالاستفهام التعجيب من أحوالهم، والتجهيل لعقولهم.
ويصح أن تكون الرؤية في قوله- سبحانه- أَفَرَأَيْتُمُ بصرية، فلا تحتاج إلا لمفعول واحد. أى: انظروا بأعينكم إلى تلك الأصنام، التي من أشهرها: اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، أترونها تملك الدفاع عن نفسها فضلا عن غيرها؟ إنها لا تملك شيئا، فكيف عظمتموها مع حقارتها وعجزها؟.
والاستفهام- أيضا- للتهكم بهم، والتعجيب من تفكيرهم السقيم.
قال الآلوسى: والظاهر أن «الثالثة الأخرى» صفتان لمناة. وهما على ما قيل للتأكيد ...
стр. 5777
وقال بعض الأجلة: الثالثة للتأكيد. والْأُخْرى للذم بأنها متأخرة في الرتبة، وضيعة المقدار ...
والكلام خطاب لعبدة هذه المذكورات، وقد كانوا مع عبادتهم لها يقولون: إن الملائكة- ﵈ وتلك المعبودات الباطلة، بنات الله. - تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا فقيل لهم توبيخا وتبكيتا: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى.... إلخ «١» .
وقوله- سبحانه-: أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى. تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى توبيخ آخر لهم على جهلهم، وبيان لسبب التوبيخ والتهكم.
ولفظ «ضيزى» بمعنى جائرة وظالمة. يقال: ضاز فلان في حكمه، إذا جار وظلم ولم يراع القسط في أقواله وأفعاله، ويقال: ضاز فلان فلانا حقه، إذا بخسه ونقصه ...
قال الجمل ما ملخصه: قرأ الجمهور ضِيزى من ضازه يضيزه. إذا جار عليه، فمعنى «ضيزى» جائرة. وعلى هذا فتحتمل وجهين: أحدهما أن تكون صفة على فعلى، - بضم الفاء- وإنما كسرت الفاء لتصح الياء كبيض- جمع أبيض-..
وثانيهما: أن تكون من ضأزه بالهمز كقراءة ابن كثير، إلا أن الهمزة قد خففت.. ومعنى ضأزه يضأزه: نقصه.. «٢» .
أى: أجعلتم لله- تعالى- البنات، وجعلتم لأنفسكم البنين، مع تفضيلكم للبنين على البنات، ومع اعترافكم بأن الله- تعالى- هو الخالق لكم ولكل شيء.
إن فعلكم هذا لهو في غاية الجور والظلم، لأنكم نسبتم إلى الله- تعالى- وهو خالقكم ما استنكفتم من نسبته لأنفسكم ...
فأنت ترى أنه- سبحانه- لم يكتف بوصفهم بالكفر، بل أضاف إلى ذلك وصفهم بالجور والحمق وانطماس البصيرة.
وجملة: تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى تعليل للإنكار والتوبيخ المستفاد من الاستفهام في قوله: أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى.
وقدم- سبحانه- الجار والمجرور في قوله: أَلَكُمُ ... لإفادة التخصيص.
والإشارة بتلك تعود إلى القسمة المفهومة من قوله: أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى
стр. 5778
وإِذاً في قوله: تِلْكَ إِذاً ... حرف جواب. أى: إن كان الأمر كما زعمتم، فقسمتكم إذا قسمة جائرة ظالمة.
ثم بين لهم- سبحانه- وجه الحق في هذه الأصنام فقال: إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ، ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ.... أى: ما هذه الأصنام التي عبدتموها من دون الله، أو توهمتم أنها تشفع لكم عنده- تعالى-. ما هي إلا أسماء محضة، ليس فيها شيء أصلا من صفات الألوهية، وأنتم وآباؤكم سميتموها آلهة من تلقاء أنفسكم، دون أن يكون معكم على هذه التسمية شيء من الحجة أو الدليل أو البرهان ...
فالضمير «هي» يعود إلى اللات والعزى ومناة وغيرها من الآلهة الباطلة.
والمراد بقوله: أَسْماءٌ: أنها ليس لها من الألوهية التي أثبتوها لها سوى اسمها، وأما معناها وحقيقتها فهي أبعد ما تكون عن ذلك..
وجملة «سميتموها» صفة للأسماء، والهاء هي المفعول الثاني، والمفعول الأول محذوف، والتقدير: إن هي إلا أسماء سميتموها الأصنام، أى: سميتم بها الأصنام.
والمراد بالسلطان: الحجة والدليل، والمراد بالإنزال: الإخبار بأنها آلهة و «من» مزيدة لتوكيد عدم الإنزال على سبيل القطع والبت..
أى: ما أخبر الله- تعالى- عنها بأنها آلهة، بأى لون من ألوان الإخبار، ولا توجد حجة من الحجج حتى ولو كانت واهية تشير إلى ألوهيتها ...
ثم يهمل- سبحانه- خطابهم بعد ذلك، ويذرهم في أوهامهم يعمهون، ويلتفت بالحديث عنهم حتى كأنهم لا وجود لهم، فيقول: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ....
أى: ما يتبع هؤلاء الجاهلون في عبادتهم لتلك الآلهة الباطلة، إلا الظنون الكاذبة، وإلا ما تشتهيه أنفسهم الأمارة بالسوء، وتقليد للآباء بدون تفكر أو تدبر..
فالمراد بالظن هنا: الظن الباطل الذي يقوم على الاعتقاد الفاسد، كما في قوله- تعالى-: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ.
والتعريف في قوله- سبحانه-: وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ عوض عن المضاف إليه.
وما موصولة والعائد محذوف. أى: والذي تهواه أنفسهم التي استحوذ عليها الشيطان..
وجملة: وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى حالية من فاعل «يتبعون» ، وجيء بها لزيادة التعجب من حالهم.
أى: هم ما يتبعون إلا الظنون وما تهواه أنفسهم المحجوبة عن الحق، والحال أنه قد جاء
стр. 5779
إليهم، ووصل إلى مسامعهم من ربهم، ما يهديهم إلى الصواب لو كانوا يعقلون.
وأكد- سبحانه- هذه الجملة بلام القسم وقد، لتأكد الخبر، ولزيادة التعجب من أحوالهم التي بلغت الغاية في الغرابة..
والتعبير بقوله: جاءَهُمْ يشعر بأن الحق قد وصل إليهم بدون عناء منهم، ولكنهم مع ذلك رفضوه وأعرضوا عنه.
والتعريف في لفظ «الهدى» يدل على كماله وسموه. أى. ولقد جاءهم من ربهم الهدى الكامل الذي ينتهى بمن يتبعه إلى الفوز والسعادة.
والمراد به: ما جاء به النبي ﷺ من قرآن كريم ومن سنة مطهرة..
ثم بين- سبحانه- أن شهوات النفس ومطالبها وأمنياتها لا تتحقق إلا في الإطار الذي يريده الله- تعالى- لها، فقال: أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى. فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى.
والاستفهام هنا- أيضا- للإنكار، ولإبطال اتباعهم للظنون ولما تهواه أنفسهم..
أى: إن هؤلاء قد اتبعوا في ضلالهم وكفرهم الظنون والأوهام، وما تشتهيه قلوبهم من حب للرياسة، ومن تقليد للآباء، ومن تطلع إلى أن هذه الأصنام ستشفع لهم عند الله- تعالى- ...
مع أن وقائع الحياة وشواهدها التي يرونها بأعينهم، تدل دلالة واضحة، على أنه ليس كل ما يتمناه الإنسان يدركه، وليس كل ما يريده يتحقق له ... لأن كل شيء في هذه الحياة مرهون بإرادته ومشيئته- سبحانه- وهو- صاحب الدار الآخرة، وصاحب الدار الأولى وهي دار الدنيا، ولا يقع فيهما إلا ما يريده..
فالمقصود من الآيتين الكريمتين، نفى ما كان يتمناه أولئك المشركون من شفاعة أصنامهم لهم يوم القيامة، كما حكى عنهم- سبحانه- ذلك في قوله: ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى.... ونفى ما كانت تتطلع إليه نفوس بعضهم، من نزول القرآن عليه، أو من اختصاصه بالنبوة. فقد حكى- سبحانه- عنهم قولهم:.. لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ «١» .
كما أن المقصود بها كذلك، ترويض النفس البشرية على عدم الجري وراء ظنونها وأهوائها، بل عليها أن تتمسك بالحق، وأن تعتصم بطاعة الله- تعالى- وأن تباشر الأسباب التي شرعها- سبحانه-، ثم بعد ذلك تترك النتائج له يسيرها كيف يشاء، فإن له الآخرة والأولى.
стр. 5780
وقدم- سبحانه- الجار والمجرور في قوله: أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى لإفادة أن هذا التمني هو محط الإنكار، وأن الإنسان العاقل هو الذي لا يجرى وراء أمنياته، وإنما هو الذي يسعى إلى تحقيق ما أمره الله- تعالى- به من تكاليف.
وقدم- سبحانه- الآخرة على الأولى، لأنها الأهم، إذ نعيمها هو الخالد الباقي، أما شهوات الدنيا وملذاتها، فهي مهما كثرت، زائلة فانية.
ثم بين- سبحانه- أن الملائكة مع سمو منزلتهم، وشدة حرصهم على طاعة الله- تعالى-، لا يملكون الشفاعة لأحد إلا بإذنه- فقال: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ، لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى.
و «كم» هنا خبرية بمعنى كثير، وهي في موضع رفع على الابتداء، وخبرها جملة، «لا تغنى شفاعتهم ... » وهي وإن كانت مفردة لفظا، إلا أنها في معنى الجمع..
أى: وكثير من الملائكة المقربين لدينا في السموات العلا، لا تغنى شفاعتهم عندنا شيئا من الأشياء. إلا من بعد أن يأذن الله- تعالى- لهم فيها، لمن يشاء أن يشفعوا له، ويرضى- سبحانه- عن هذا المشفوع له.
فالآية الكريمة من قبيل ضرب المثل للمشركين، الذين توهموا أن أصنامهم ستشفع لهم، وكأنه- سبحانه- يقول لهم: إذا كان الملائكة مع سمو منزلتهم عندنا لا يشفعون إلا بإذننا، ولمن نرضى عنه ... فكيف وصل بكم الجهل والحمق- أيها المشركون- إلى توهم أن أصنامكم- مع خستها وحقارتها- ستشفع لكم عندنا؟.
وقوله: فِي السَّماواتِ صفة «لملك» والمقصود بهذه الصفة التشريف والتكريم.
وقوله: شَيْئاً التنكير فيه للتقليل والتعميم، وهو في موقع المفعول المطلق.
أى: لا تغنى شفاعتهم شيئا من الإغناء حتى ولو كان في غاية القلة..
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ.. «١» .
وقوله- سبحانه-:.. وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى، وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ «٢» .
وهذه الآيات الكريمة بجانب تيئيسها للكافرين من الحصول على أية شفاعة، لأنهم ليسوا ممن رضى الله عنهم، تدعو المؤمنين إلى مواصلة المحافظة على أداء حقوقه- سبحانه-،