و «اللات» اسم لصنم كان لثقيف بالطائف. قال الشاعر:
وفرت ثقيف إلى «لاتها» ... بمنقلب الخائب الخاسر
وكان هذا الصنم على هيئة صخرة مربعة، قد بنوا عليه بناء ونقشوا عليه نقوشا، وكانت قريش وجمهور العرب، يعظمونه ويعبدونه..
وكأنهم قد سموه بهذا الاسم، على سبيل الاشتقاق من اسم الله- تعالى- فقالوا «اللات» قصدا للتأنيث..
والْعُزَّى: فعلى من العز. وهي اسم لصنم، وقيل لشجرة حولها بناء وأستار، وكانت بمكان يقال له نخلة، بين مكة والطائف، وكانت قريش تعظمها، كما قال أبو سفيان يوم أحد «لنا العزى ولا عزى لكم» .
فقال ﷺ قولوا له: «الله مولانا ولا مولى لكم» .
ولعلهم قد سموها بذلك. أخذا من لفظ العزيز، أو من لفظ العز، فهي تأنيث الأعز، كالفضلى والأفضل.
وأما «مناة» فكانت صخرة ضخمة، بمكان يقال له المشلل، بين مكة والمدينة، وكانت قبيلة خزاعة والأوس والخزرج في جاهليتهم يعظمونها ويهلون منها للحج إلى الكعبة.
قالوا: وسميت بهذا الاسم، لأن دماء الذبائح كانت تمنى عندها، أى: تراق وتسكب.
والمعنى: لقد ذكرنا لكم- أيها المشركون- ما يدل على وحدانيتنا، وكمال قدرتنا. وسمو منزلة نبينا ﷺ .. فأخبرونى بعد ذلك ما شأن هذه الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، كاللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى. إنها أشياء في غاية الحقارة والعجز، فكيف سويتم بينها وبين الخالق- في العبادة، وكيف أبحتم لأنفسكم تعظيمها، وزعمتم أنها بنات الله ... ؟.
فالمقصود بالاستفهام التعجيب من أحوالهم، والتجهيل لعقولهم.
ويصح أن تكون الرؤية في قوله- سبحانه- أَفَرَأَيْتُمُ بصرية، فلا تحتاج إلا لمفعول واحد. أى: انظروا بأعينكم إلى تلك الأصنام، التي من أشهرها: اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، أترونها تملك الدفاع عن نفسها فضلا عن غيرها؟ إنها لا تملك شيئا، فكيف عظمتموها مع حقارتها وعجزها؟.
والاستفهام- أيضا- للتهكم بهم، والتعجيب من تفكيرهم السقيم.
قال الآلوسى: والظاهر أن «الثالثة الأخرى» صفتان لمناة. وهما على ما قيل للتأكيد ...
стр. 5777
وقال بعض الأجلة: الثالثة للتأكيد. والْأُخْرى للذم بأنها متأخرة في الرتبة، وضيعة المقدار ...
والكلام خطاب لعبدة هذه المذكورات، وقد كانوا مع عبادتهم لها يقولون: إن الملائكة- ﵈ وتلك المعبودات الباطلة، بنات الله. - تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا فقيل لهم توبيخا وتبكيتا: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى.... إلخ «١» .
وقوله- سبحانه-: أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى. تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى توبيخ آخر لهم على جهلهم، وبيان لسبب التوبيخ والتهكم.
ولفظ «ضيزى» بمعنى جائرة وظالمة. يقال: ضاز فلان في حكمه، إذا جار وظلم ولم يراع القسط في أقواله وأفعاله، ويقال: ضاز فلان فلانا حقه، إذا بخسه ونقصه ...
قال الجمل ما ملخصه: قرأ الجمهور ضِيزى من ضازه يضيزه. إذا جار عليه، فمعنى «ضيزى» جائرة. وعلى هذا فتحتمل وجهين: أحدهما أن تكون صفة على فعلى، - بضم الفاء- وإنما كسرت الفاء لتصح الياء كبيض- جمع أبيض-..
وثانيهما: أن تكون من ضأزه بالهمز كقراءة ابن كثير، إلا أن الهمزة قد خففت.. ومعنى ضأزه يضأزه: نقصه.. «٢» .
أى: أجعلتم لله- تعالى- البنات، وجعلتم لأنفسكم البنين، مع تفضيلكم للبنين على البنات، ومع اعترافكم بأن الله- تعالى- هو الخالق لكم ولكل شيء.
إن فعلكم هذا لهو في غاية الجور والظلم، لأنكم نسبتم إلى الله- تعالى- وهو خالقكم ما استنكفتم من نسبته لأنفسكم ...
فأنت ترى أنه- سبحانه- لم يكتف بوصفهم بالكفر، بل أضاف إلى ذلك وصفهم بالجور والحمق وانطماس البصيرة.
وجملة: تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى تعليل للإنكار والتوبيخ المستفاد من الاستفهام في قوله: أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى.
وقدم- سبحانه- الجار والمجرور في قوله: أَلَكُمُ ... لإفادة التخصيص.
والإشارة بتلك تعود إلى القسمة المفهومة من قوله: أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى
стр. 5778
وإِذاً في قوله: تِلْكَ إِذاً ... حرف جواب. أى: إن كان الأمر كما زعمتم، فقسمتكم إذا قسمة جائرة ظالمة.
ثم بين لهم- سبحانه- وجه الحق في هذه الأصنام فقال: إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ، ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ.... أى: ما هذه الأصنام التي عبدتموها من دون الله، أو توهمتم أنها تشفع لكم عنده- تعالى-. ما هي إلا أسماء محضة، ليس فيها شيء أصلا من صفات الألوهية، وأنتم وآباؤكم سميتموها آلهة من تلقاء أنفسكم، دون أن يكون معكم على هذه التسمية شيء من الحجة أو الدليل أو البرهان ...
فالضمير «هي» يعود إلى اللات والعزى ومناة وغيرها من الآلهة الباطلة.
والمراد بقوله: أَسْماءٌ: أنها ليس لها من الألوهية التي أثبتوها لها سوى اسمها، وأما معناها وحقيقتها فهي أبعد ما تكون عن ذلك..
وجملة «سميتموها» صفة للأسماء، والهاء هي المفعول الثاني، والمفعول الأول محذوف، والتقدير: إن هي إلا أسماء سميتموها الأصنام، أى: سميتم بها الأصنام.
والمراد بالسلطان: الحجة والدليل، والمراد بالإنزال: الإخبار بأنها آلهة و «من» مزيدة لتوكيد عدم الإنزال على سبيل القطع والبت..
أى: ما أخبر الله- تعالى- عنها بأنها آلهة، بأى لون من ألوان الإخبار، ولا توجد حجة من الحجج حتى ولو كانت واهية تشير إلى ألوهيتها ...
ثم يهمل- سبحانه- خطابهم بعد ذلك، ويذرهم في أوهامهم يعمهون، ويلتفت بالحديث عنهم حتى كأنهم لا وجود لهم، فيقول: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ....
أى: ما يتبع هؤلاء الجاهلون في عبادتهم لتلك الآلهة الباطلة، إلا الظنون الكاذبة، وإلا ما تشتهيه أنفسهم الأمارة بالسوء، وتقليد للآباء بدون تفكر أو تدبر..
فالمراد بالظن هنا: الظن الباطل الذي يقوم على الاعتقاد الفاسد، كما في قوله- تعالى-: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ.
والتعريف في قوله- سبحانه-: وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ عوض عن المضاف إليه.
وما موصولة والعائد محذوف. أى: والذي تهواه أنفسهم التي استحوذ عليها الشيطان..
وجملة: وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى حالية من فاعل «يتبعون» ، وجيء بها لزيادة التعجب من حالهم.
أى: هم ما يتبعون إلا الظنون وما تهواه أنفسهم المحجوبة عن الحق، والحال أنه قد جاء
стр. 5779
إليهم، ووصل إلى مسامعهم من ربهم، ما يهديهم إلى الصواب لو كانوا يعقلون.
وأكد- سبحانه- هذه الجملة بلام القسم وقد، لتأكد الخبر، ولزيادة التعجب من أحوالهم التي بلغت الغاية في الغرابة..
والتعبير بقوله: جاءَهُمْ يشعر بأن الحق قد وصل إليهم بدون عناء منهم، ولكنهم مع ذلك رفضوه وأعرضوا عنه.
والتعريف في لفظ «الهدى» يدل على كماله وسموه. أى. ولقد جاءهم من ربهم الهدى الكامل الذي ينتهى بمن يتبعه إلى الفوز والسعادة.
والمراد به: ما جاء به النبي ﷺ من قرآن كريم ومن سنة مطهرة..
ثم بين- سبحانه- أن شهوات النفس ومطالبها وأمنياتها لا تتحقق إلا في الإطار الذي يريده الله- تعالى- لها، فقال: أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى. فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى.
والاستفهام هنا- أيضا- للإنكار، ولإبطال اتباعهم للظنون ولما تهواه أنفسهم..
أى: إن هؤلاء قد اتبعوا في ضلالهم وكفرهم الظنون والأوهام، وما تشتهيه قلوبهم من حب للرياسة، ومن تقليد للآباء، ومن تطلع إلى أن هذه الأصنام ستشفع لهم عند الله- تعالى- ...
مع أن وقائع الحياة وشواهدها التي يرونها بأعينهم، تدل دلالة واضحة، على أنه ليس كل ما يتمناه الإنسان يدركه، وليس كل ما يريده يتحقق له ... لأن كل شيء في هذه الحياة مرهون بإرادته ومشيئته- سبحانه- وهو- صاحب الدار الآخرة، وصاحب الدار الأولى وهي دار الدنيا، ولا يقع فيهما إلا ما يريده..
فالمقصود من الآيتين الكريمتين، نفى ما كان يتمناه أولئك المشركون من شفاعة أصنامهم لهم يوم القيامة، كما حكى عنهم- سبحانه- ذلك في قوله: ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى.... ونفى ما كانت تتطلع إليه نفوس بعضهم، من نزول القرآن عليه، أو من اختصاصه بالنبوة. فقد حكى- سبحانه- عنهم قولهم:.. لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ «١» .
كما أن المقصود بها كذلك، ترويض النفس البشرية على عدم الجري وراء ظنونها وأهوائها، بل عليها أن تتمسك بالحق، وأن تعتصم بطاعة الله- تعالى- وأن تباشر الأسباب التي شرعها- سبحانه-، ثم بعد ذلك تترك النتائج له يسيرها كيف يشاء، فإن له الآخرة والأولى.
стр. 5780
وقدم- سبحانه- الجار والمجرور في قوله: أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى لإفادة أن هذا التمني هو محط الإنكار، وأن الإنسان العاقل هو الذي لا يجرى وراء أمنياته، وإنما هو الذي يسعى إلى تحقيق ما أمره الله- تعالى- به من تكاليف.
وقدم- سبحانه- الآخرة على الأولى، لأنها الأهم، إذ نعيمها هو الخالد الباقي، أما شهوات الدنيا وملذاتها، فهي مهما كثرت، زائلة فانية.
ثم بين- سبحانه- أن الملائكة مع سمو منزلتهم، وشدة حرصهم على طاعة الله- تعالى-، لا يملكون الشفاعة لأحد إلا بإذنه- فقال: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ، لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى.
و «كم» هنا خبرية بمعنى كثير، وهي في موضع رفع على الابتداء، وخبرها جملة، «لا تغنى شفاعتهم ... » وهي وإن كانت مفردة لفظا، إلا أنها في معنى الجمع..
أى: وكثير من الملائكة المقربين لدينا في السموات العلا، لا تغنى شفاعتهم عندنا شيئا من الأشياء. إلا من بعد أن يأذن الله- تعالى- لهم فيها، لمن يشاء أن يشفعوا له، ويرضى- سبحانه- عن هذا المشفوع له.
فالآية الكريمة من قبيل ضرب المثل للمشركين، الذين توهموا أن أصنامهم ستشفع لهم، وكأنه- سبحانه- يقول لهم: إذا كان الملائكة مع سمو منزلتهم عندنا لا يشفعون إلا بإذننا، ولمن نرضى عنه ... فكيف وصل بكم الجهل والحمق- أيها المشركون- إلى توهم أن أصنامكم- مع خستها وحقارتها- ستشفع لكم عندنا؟.
وقوله: فِي السَّماواتِ صفة «لملك» والمقصود بهذه الصفة التشريف والتكريم.
وقوله: شَيْئاً التنكير فيه للتقليل والتعميم، وهو في موقع المفعول المطلق.
أى: لا تغنى شفاعتهم شيئا من الإغناء حتى ولو كان في غاية القلة..
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ.. «١» .
وقوله- سبحانه-:.. وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى، وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ «٢» .
وهذه الآيات الكريمة بجانب تيئيسها للكافرين من الحصول على أية شفاعة، لأنهم ليسوا ممن رضى الله عنهم، تدعو المؤمنين إلى مواصلة المحافظة على أداء حقوقه- سبحانه-،
стр. 5781
لينالوا رضاه عنهم يوم القيامة، وليكونوا أهلا للحصول على الشفاعة التي يبغونها.
ثم عادت السورة إلى ذم الكافرين الذين وصفوا الملائكة بصفات لا تليق بهم. فقال- تعالى-: إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وما فيها من حساب وجزاء وثواب وعقاب ... لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى، أى: ليصفون الملائكة بوصف الإناث فيقولون: الملائكة بنات الله كما قال- تعالى-: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ، سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ «١» .
ولفظ: «الملائكة» هنا في معنى استغراق كل فرد، أى: ليسمون كل واحد منهم ويصفونه بصفة الأنوثة.
وقوله- سبحانه: وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ، إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ... رد عليهم فيما قالوه، وتجهيل لهم فيما زعموه، والجملة حال من ضمير «ليسمون» .
أى: إنهم ليصفون الملائكة بالأنوثة، والحال أنهم لا علم لهم بتكوين هؤلاء الملائكة، أو بصفتهم.. وإنما يتبعون الظن الباطل في أقوالهم وأحكامهم..
.. وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً أى: وإن الظن الباطل، والاعتقاد الخاطئ لا يغنى في معرفة الحق شيئا، حتى ولو كان هذا الشيء قليلا، لأن العقائد السليمة، لا تبنى على الظنون والأوهام، وإنما تبنى على الحقائق الراسخة والعلوم الثابتة.
وأظهر- سبحانه- لفظ الظن هنا، مع تقدم ذكره لتكون الجملة مستقلة بنفسها، ولتكون- أيضا- بمثابة المثل الذي يقال في الموضع الذي يناسبه.
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة، قد وبخت المشركين على شركهم بأسلوب منطقي سليم، حيث ساقت لهم الحقائق في أسلوب يغلب عليه طابع الموازنة والمقارنة، والاستشهاد بالواقع، ووضع أيديهم على أماكن الدواء، لو كانوا ممن يريدونه، ويبحثون عنه.
وبعد هذا البيان الحكيم الذي يحق الحق، ويبطل الباطل، أمر الله- تعالى- نبيه ﷺ أن يمضى في طريقه الذي رسمه- سبحانه- له، وأن يترك حساب هؤلاء الضالين لله- تعالى- الذي يجازى كل نفس بما كسبت، والذي يعلم السر وأخفى، والذي رحمته وسعت كل شيء ... فقال- تعالى-:
стр. 5782
[سورة النجم (٥٣) : الآيات ٢٩ الى ٣٢]
فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا (٢٩) ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى (٣٠) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى (٣٢)
والفاء في قوله: فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا للإفصاح..
وأصل الإعراض: لفت الوجه عن الشيء، لأن الكاره لشيء يعرض بصفحة خده عنه.
والمراد به هنا: ترك هؤلاء المشركين، وعدم الحرص على إيمانهم، بعد أن وصلتهم دعوة الحق ... أى: إذا كان الأمر كما ذكرنا لك- أيها الرسول الكريم- من أن هؤلاء المشركين، ما يتبعون في عقائدهم إلا الظن الباطل، وإلا ما تشتهيه أنفسهم..
فاترك مجادلتهم ولا تهتم بهم، بعد أن بلغتهم رسالة ربك ... فإنهم قوم قد أصروا على عنادهم. وعلى الإدبار عن وحينا وقرآننا الذي أنزلناه إليك، ولم يريدوا من حياتهم إلا التشبع من زينة الحياة الدنيا، ومن شهواتها ومتعها..
ومن كان كذلك فلن تستطيع أن تهديه، لأنه آثر الغي على الرشد، والضلالة على الهداية.
وجيء بالاسم الظاهر في مقام الإضمار، فقيل: فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا ولم يقل: فأعرض عنهم.. لبيان ما تؤذن به صلة الموصول من علة الأمر بالإعراض عنهم، وهي أنهم قوم أعرضوا عن الوحى، ولم يريدوا سوى متع دنياهم، وأما ما يتعلق بالآخرة فهم في غفلة عنه.
وقوله: ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ تسلية له ﷺ عما أصابه منهم، وتحقير لهم
стр. 5783
ولأفكارهم، وتهوين من شأنهم.. أى: ذلك الذي تراه منهم من التولي عن قرآننا، ومن الحرص على عرض الحياة الدنيا، منتهى علمهم، ولا علم سواه ...
فاسم الإشارة «ذلك» يعود إلى المفهوم من الكلام السابق وهو توليهم عن القرآن الكريم، وتكالبهم على الحياة الدنيا..
وفي هذه الجملة المعترضة ما فيها من تحقير أمرهم، ومن الازدراء بعلمهم الذي أدى بهم إلى إيثار الشر على الخير، والعاجلة على الآجلة ...
وقوله- سبحانه-: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ... تعليل للأمر بالإعراض عنهم، والإهمال لشأنهم، وتسلية أخرى له ﷺ .
أى: امض- أيها الرسول الكريم- في طريقك، وأعرض عن هؤلاء الجاحدين المعاندين، الذين أصروا على عدم الاستجابة لك، بعد أن سلكت معهم كل وسيلة تهديهم إلى الحق ... إن ربك- أيها الرسول الكريم- هو أعلم بمن أصر من الناس على الضلال، وهو- سبحانه- أعلم بمن شأنه الاهتداء، والاستجابة للحق..
والمراد بالعلم هنا لازمه، أى: ما يترتب عليه من ثواب وعقاب، ثواب للمؤمنين، وعقاب للكافرين.
وكرر- سبحانه- قوله هُوَ أَعْلَمُ لزيادة التقرير، والمراد بمن ضل: من أصر على الضلال، وبمن اهتدى: من عنده الاستعداد لقبول الحق والهداية.
وقدم- سبحانه- من ضل على من اهتدى هنا، لأن الحديث السابق واللاحق معظمه عن المشركين، الذين عبدوا من دون الله- تعالى- أصناما لا تضر ولا تنفع..
وضمير الفصل في قوله- سبحانه- هُوَ أَعْلَمُ لتأكيد هذا العلم، وقصره عليه- سبحانه- قصرا حقيقيا، إذ هو- تعالى- الذي يعلم دخائل النفوس، وغيره لا يعلم.
ثم بين- سبحانه- ما يدل على شمول ملكه لكل شيء فقال: وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ... أى: ولله- تعالى- وحده جميع ما في السموات وما في الأرض خلقا، وملكا، وتصرفا ...
واللام في قوله: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا، وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى متعلقة بمحذوف يدل عليه الكلام السابق.
أى: فعل ما فعل- سبحانه- من خلقه للسموات والأرض وما فيهما، ليجزي يوم
стр. 5784
القيامة، الذين أساءوا في أعمالهم بما يستحقونه من عقاب، وليجزي الذين أحسنوا في أعمالهم بما يستحقونه من ثواب.
وقوله: بِالْحُسْنَى صفة لموصوف محذوف، أى: بالمثوبة الحسنى التي هي الجنة.
وقوله: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ.. صفة لقوله: الَّذِينَ أَحْسَنُوا أو بدل منه.
والمراد بكبائر الإثم: الآثام الكبيرة، والجرائم الشديدة، التي يعظم العقاب عليها. كقتل النفس بغير حق، وأكل أموال الناس بالباطل..
والفواحش: جمع فاحشة، وهي ما قبح من الأقوال والأفعال كالزنا، وشرب الخمر ...
وعطفها على كبائر الإثم من باب عطف الخاص على العام، لأنها أخص من الكبائر، وأشد إثما.
واللمم: ما صغر من الذنوب، وأصله: ما قل قدره من كل شيء: يقال: ألم فلان بالمكان، إذا قل مكثه فيه. وألم بالطعام: إذا قل أكله منه.. وقيل: اللمم، مقاربة الذنب دون الوقوع فيه، من قولهم: ألم فلان بالشيء، إذا قاربه ولم يخالطه..
وجمهور العلماء على أن الاستثناء هنا منقطع، وأن اللمم هو الذنوب الصغيرة، كالنظرة الخائنة ولكن بدون مداومة، والإكثار من الممازحة..
قال الإمام ابن كثير ما ملخصه: «واللمم» : صغائر الذنوب، ومحقرات الأعمال، وهذا استثناء منقطع..
قال الإمام أحمد: عن ابن عباس- رضى الله عنهما- قال: ما رأيت شيئا أشبه باللمم، مما قال أبو هريرة، عن النبي ﷺ قال: «إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه» .
وعن مجاهد أنه قال في هذه الآية إِلَّا اللَّمَمَ الذي يلم بالذنب ثم يدعه، كما قال الشاعر:
إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأى عبد لك ما ألما «١»
ومن العلماء من يرى أن الاستثناء هنا متصل، وأن المراد باللمم ارتكاب شيء من الفواحش، ثم التوبة منها توبة صادقة نصوحا..
стр. 5785
فعن الحسن أنه قال: اللمم من الزنا أو السرقة أو شرب الخمر، ثم لا يعود ... «١» .
ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب، لأن العلماء قسموا الذنوب إلى كبائر وصغائر، وأن اللمم من النوع الثاني الذي لا يدخل تحت كبائر الإثم والفواحش.
قال صاحب الكشاف: واللمم: ما قل وصغر ... والمراد به الصغائر من الذنوب، ولا يخلو قوله- تعالى- إِلَّا اللَّمَمَ من أن يكون استثناء منقطعا.. كأنه قيل: كبائر الإثم غير اللمم «٢» .
وليس المقصود من قوله- تعالى-: إِلَّا اللَّمَمَ فتح الباب لارتكاب صغائر الذنوب، وإنما المقصود فتح باب التوبة، والحض على المبادرة بها، حتى لا ييأس مرتكب الصغائر من رحمة الله- تعالى- وحتى لا يمضى قدما في ارتكاب هذه الصغائر، إذ من المعروف أن ارتكاب الصغائر، قد يجر إلى ارتكاب الكبائر.
كذلك من المقصود بهذا الاستثناء أن لا يعامل مرتكب الصغائر، معاملة مرتكب الكبائر.
هذا، وقد أفاض الإمام الآلوسي في الحديث عن الكبائر والصغائر، فقال: والآية عند الأكثرين دليل على أن المعاصي منها الكبائر، ومنها الصغائر..
وأنكر جماعة من الأئمة هذا الانقسام، وقالوا: سائر المعاصي كبائر.
ثم قال: واختلف القائلون بالفرق بين الكبائر والصغائر في حد الكبيرة فقيل: هي كل ما لحق صاحبها عليها بخصوصها وعيد شديد، بنص كتاب أو سنة..
وقيل: كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين، ورقة الديانة.
واعتمد الواحدي أنه لا حد لها يحصرها ويعرفها العباد به، وقد أخفى الله- تعالى- أمرها ليجتهدوا في اجتناب المنهي عنه، رجاء أن تجتنب الكبائر.. «٣» .
وقوله- سبحانه-: إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ ... تعليل لاستثناء اللمم، وتنبيه على أن إخراجه عن حكم المؤاخذة، ليس لخلوه عن الذنب في ذاته، بل لسعة رحمة الله ومغفرته.
أى: إن ربك- أيها الرسول الكريم- واسع المغفرة والرحمة، لعباده الذين وقعوا فيما نهاهم عنه- سبحانه- ثم تابوا إليه توبة صادقة نصوحا.
ثم بين- سبحانه- أن هذه الرحمة الواسعة، صادرة عن علم شامل للظواهر والبواطن،
стр. 5786
فقال: هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ، إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ، وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ....
والظرف «إذ» متعلق بقوله أَعْلَمُ والأجنة: جمع جنين، ويطلق على ما يكون بداخل الأرحام قبل خروجه منها.
وسمى بذلك، لأنه يكون مستترا في داخل الرحم، كما قال- تعالى-: يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ.. «١» .
أى: هو- سبحانه- أعلم بكم من وقت إنشائه إياكم من الأرض، ضمن خلقه لأبيكم آدم، ومن وقت أن كنتم أجنة في بطون أمهاتكم، يعلم أطواركم فيها، ويرعاكم برحمته، إلى أن تنفصلوا عنها.
وقال- سبحانه- فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ مع أن الجنين لا يكون إلا في بطن أمه، للتذكير برعايته- تعالى- لهم، وهم في تلك الأطوار المختلفة من وقت العلوق إلى حين الولادة، وللحض على مداومة شكره وطاعته.
وقوله- تعالى-: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى تحذير من التفاخر بالأعمال والأحساب والأنساب، لأنه- سبحانه- لا يخفى عليه شيء من أحوال الناس، والفاء للتفريع على ما تقدم. أى: إذا كان الأمر كما ذكرت لكم من عدم مؤاخذتى إياكم على اللمم، فإن ذلك بسبب سعة رحمتي، فلا تمدحوا أنفسكم بأنكم فعلتم كذا وكذا من الأفعال الحسنة، بل اشكروني على سعة رحمتي ومغفرتي، فإنى أنا العليم بسائر أحوالكم، الخبير بالظواهر والبواطن للأتقياء والأشقياء.
قالوا: والآية نزلت في قوم من المؤمنين، كانوا يعملون أعمالا حسنة، ثم يتفاخرون بها.
قال صاحب الكشاف: قوله: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ... أى فلا تنسبوها إلى زكاء العمل، زيادة الخير. وعمل الطاعات، أو إلى الزكاء والطهارة من المعاصي، ولا تثنوا عليها واهضموها فقد علم الله الزكي منكم والتقى أولا وآخرا، قبل أن يخرجكم من صلب آدم، وقبل أن تخرجوا من بطون أمهاتكم.
وهذا إذا كان على سبيل الإعجاب أو الرياء، فأما من اعتقد أن ما عمله من العمل الصالح، من الله وبتوفيقه وتأييده. ولم يقصد به التمدح، لم يكن من المزكين لأنفسهم، لأن المسرة بالطاعة طاعة، وذكرها شكر لله- تعالى- «٢» .
стр. 5787
وقال الآلوسى: والمراد النهى عن تزكية السمعة أو المدح للدنيا، أو التزكية على سبيل القطع، وأما التزكية لإثبات الحقوق ونحوه- كالإخبار عن أحوال الناس بما يعلم منهم وجربوا فيه من ثقة وعدالة فهي جائزة «١» .
وبعد هذا التوجيه الحكيم للنفوس البشرية، والبيان البديع لمظاهر رحمة الله- تعالى- بعباده بعد ذلك أخذت السورة في الحديث مرة أخرى عن الكافرين. وفي الرد على شبهاتهم، وفي بيان مظاهر قدرته- تعالى- فقال- سبحانه-:
[سورة النجم (٥٣) : الآيات ٣٣ الى ٦٢]
أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطى قَلِيلاً وَأَكْدى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى (٣٦) وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)
أَلاَّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (٤٠) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى (٤١) وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى (٤٢)
وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى (٤٧)
وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى (٤٨) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى (٤٩) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى (٥٠) وَثَمُودَ فَما أَبْقى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى (٥٢)
وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى (٥٣) فَغَشَّاها ما غَشَّى (٥٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى (٥٥) هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧)
لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ (٥٨) أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)
стр. 5788
ذكر المفسرون روايات في سبب نزول قوله- تعالى-: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى. وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى منها: أنها نزلت في الوليد بن المغيرة، كان قد سمع قراءة النبي ﷺ ، وجلس إليه ووعظه، فهمّ أن يدخل في الإسلام. فعاتبه رجل من المشركين، وقال له: أتترك ملة آبائك؟ ارجع إلى دينك، واثبت عليه، وأنا أتحمل عنك كل شيء تخافه في الآخرة، لكن على أن تعطيني كذا وكذا من المال.
فوافقه الوليد على ذلك، ورجع عماهم به من الدخول في الإسلام، وأعطى بعض المال لذلك الرجل، ثم أمسك عن الباقي، وبخل به، فأنزل الله- تعالى- هذه الآيات.. «١» .
والاستفهام في قوله- تعالى-: أَفَرَأَيْتَ ... للتعجيب من حال هذا الإنسان، الذي أعرض عن الحق، بعد أن عرف الطريق إليه.
أى: أفرأيت- أيها الرسول الكريم- حالا أعجب من حال هذا الإنسان الذي تولى عن الهدى، ونبذه وراء ظهره، بعد أن قارب الدخول فيه.
وَأَعْطى قَلِيلًا من العطاء وَأَكْدى أى ثم قطع هذا العطاء.
قال صاحب الكشاف: وَأَكْدى أى: وقطع عطيته وأمسك، وأصله إكداء الحافر، وهو أن تلقاه كديه، وهي صلابة كالصخر فيمسك عن الحفر ... «٢» .
والمراد به هنا: ذمه بالبخل والشح، بعد ذمه بالتولى عن الحق.
أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى أى: أعند هذا الإنسان الذي أعرض عن الرشد، علم الغيوب المستترة عن الأعين والنفوس، فهو وحده يراها، ويطلع عليها ويعلم أن في إمكان الغير أن يحمل عنه أوزاره وذنوبه يوم القيامة؟.
كلا، إنه لا علم عنده بشيء من ذلك، وإنما هو قد ارتد على أعقابه، لانطماس بصيرته.
بعد أن قارب الرشد والصواب.
فالاستفهام في قوله: أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ ... للنفي والإنكار.
стр. 5789
وقدم- سبحانه- الظرف «عنده» وهو مسند، على «علم الغيب» وهو مسند إليه، لإفادة الاهتمام بهذه العندية التي من أعجب العجب ادعاؤها، وللإشعار بأنه بعيد عنها بعد الأرض عن السماء.
والفاء في قوله: فَهُوَ يَرى للسببية، ومفعول يَرى محذوف.
أى: فهو بسبب معرفته للعوالم الغيبية، يبصر رفع العذاب عنه، ويعلم أن غيره سيتكفل بافتدائه من هذا العذاب.
ثم وبخه- سبحانه- على جهالته وعدم فهمه فقال: أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى، وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى، أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى....
و «أم» هنا للإضراب الانتقالى من ذمه على إعراضه وبخله، إلى ذمه على جهله وحمقه، وصحف موسى: هي التوراة التي أنزلها- سبحانه- عليه.
وصحف إبراهيم: هي الصحف التي أوحى الله- تعالى- إليه بما فيها، وقد ذكر سبحانه ذلك في قوله تعالى: إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى، صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى.
وخصت صحف هذين النبيين الكريمين بالذكر، لأنها كانت أشهر من غيرها عند العرب، وكانوا يسألون أهل الكتاب من اليهود عما خفى عليهم من صحف موسى.
وقدم- سبحانه- هنا صحف موسى، لاشتهارها بسعة الأحكام التي اشتملت عليها، بالنسبة لما وصل إليهم من صحف إبراهيم.
وأما في سورة الأعلى فقدمت صحف إبراهيم على صحف موسى لوقوعهما بدلا من الصحف الأولى، وصحف إبراهيم أقدم من صحف موسى، فكان الإتيان بهما على الترتيب الزمنى أنسب بالمقام.
وحذف- سبحانه- متعلق «ووفّى» ليتناول كل ما يجب الوفاء به، كمحافظته على أداء حقوق الله- تعالى-، واجتهاده في تبليغ الرسالة التي كلفه- سبحانه- بتبليغها، ووقوفه عند الأوامر التي أمره- تعالى- بها، وعند النواهي التي نهاه عنها ...
وأن في قوله- تعالى-: أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى مخففة من الثقيلة.
واسمها ضمير الشأن محذوف، والجملة بدل من صحف موسى وإبراهيم.
وقوله تَزِرُ من الوزر بمعنى الحمل.. وقوله وازِرَةٌ صفة لموصوف محذوف. أى:
نفس وازرة.
والمعنى: إذا كان هذا الإنسان المتولى عن الحق.. جاهلا بكل ما يجب العلم به من شئون
стр. 5790
الدين، فهلا سأل العلماء عن صحف موسى وإبراهيم- ﵉ ففيها أنه لا تحمل نفس آثمة حمل أخرى يوم القيامة.
قال الآلوسى: وقوله: أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى أى: أنه لا تحمل نفس من شأنها الحمل، حمل نفس أخرى.. ولا يؤاخذ أحد بذنب غيره. ليتخلص الثاني من عقابه. ولا يقدح في ذلك قوله ﷺ : «من سن سنة سيئة فعليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» فإن ذلك وزر الإضلال الذي هو وزره لا وزر غيره «١» .
وقوله- تعالى-: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ... معطوف على ما قبله، لبيان عدم إثابة الإنسان بعمل غيره، إثر بيان عدم مؤاخذته بذنب سواه.
أى: كما أنه لا تحمل نفس آثمة حمل نفس أخرى، فكذلك لا يحصل الإنسان إلا على نتيجة عمله الصالح، لا على نتيجة عمل غيره.
فالمراد بالسعي في الآية. السعى الصالح، والعمل الطيب، لأنه قد جاء في مقابلة الحديث عن الأوزار والذنوب.
وقوله- تعالى-: وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى. ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى بيان لثمرة هذا السعى الصالح يوم القيامة.
أى: ليس للإنسان إلا ثمرة عمله الصالح بدون زيادة أو نقص، وهذا العمل الصالح سوف يراه مسجلا أمامه في صحف مكرمة، وفي ميزان حسناته، ثم يجازيه الله- تعالى- عليه الجزاء التام الكامل. الذي لا نقص فيه ولا بخس.
وفي رؤية الإنسان لعمله الصالح يوم القيامة، تشريف وتكريم له، كما قال- تعالى- يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ، بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، خالِدِينَ فِيها، ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ «٢» .
هذا، وقد توسع العلماء في الجمع بين قوله- تعالى-: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى وبين النصوص التي تفيد أن الإنسان قد ينتفع بعمل غيره، وهذه خلاصة لأقوالهم:
قال الإمام ابن كثير: ومن هذه الآية استنبط الشافعى ومن اتبعه، أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى. لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم، ولهذا لم يندب إليه رسول الله
стр. 5791
صلى الله عليه وسلم أمته، ولا حثهم عليه، ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء، ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة، ولو كان خيرا لسبقونا إليه، وباب القربات يقتصر فيه على النصوص، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء.
فأما الدعاء والصدقة، فذاك مجمع على وصولهما، ومنصوص من الشارع عليهما.
وأما الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية من بعده، أو علم ينتفع به» . فهذه الثلاثة في الحقيقة. هي من سعيه وكده وعمله «١» .
وقال الجمل في حاشيته على الجلالين: واستشكل الحصر في هذه الآية وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى بقوله- تعالى- في آية أخرى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ... وبالأحاديث الواردة في ذلك كحديث: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ... » .
وأجيب: بأنها مخصوصة بقوم إبراهيم وموسى، لأنها حكاية لما في صحفهم، وأما هذه الأمة فلها ما سعت هي، وما سعى لها غيرها، لما صح من أن لكل نبي وصالح شفاعة. وهو انتفاع بعمل الغير، ومن تأمل النصوص وجد من انتفاع الإنسان بما لم يعمله ما لا يكاد يحصى، فلا يجوز أن تؤول الآية على خلاف الكتاب والسنة واجتماع الأمة، وحينئذ فالظاهر أن الآية عامة، قد خصصت بأمور كثيرة ...
ثم قال الشيخ الجمل- ﵀: وقال الشيخ تقى الدين أبو العباس أحمد بن تيمية:
من اعتقد أن الإنسان لا ينتفع إلا بعمله. فقد خرق الإجماع. وذلك باطل من وجوه كثيرة:
أحدها: أن الإنسان ينتفع بدعاء غيره. وهو انتفاع بعمل الغير.
ثانيها: أن النبي ﷺ يشفع لأهل الموقف في الحساب ثم لأهل الجنة في دخولها.
ثالثها: أنه ﷺ يشفع لأهل الكبائر في الخروج من النار، وهذا انتفاع بسعي الغير.
رابعها: أن الملائكة يستغفرون ويدعون لمن في الأرض، وذلك منفعة بعمل الغير.
خامسها: أن الله- تعالى- يخرج من النار من لم يعمل خيرا قط- أى من المؤمنين- بمحض رحمته، وهذا انتفاع بغير عملهم.
стр. 5792
سادسها: أن أولاد المؤمنين يدخلون الجنة بعمل آبائهم، وذلك انتفاع بمحض عمل الغير.
سابعها: قال الله- تعالى- في قصة الغلامين اليتيمين: وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً فانتفعا بصلاح أبيهما، وليس من سعيهما.
ثامنها: أن الميت ينتفع بالصدقة عنه، وبالعتق، بنص السنة والإجماع، وهو من عمل الغير.
تاسعها: أن الحج المفروض يسقط عن الميت، بحج وليه بنص السنة، وهو انتفاع بعمل الغير.
عاشرها: أن الحج المنذور أو الصوم المنذور، يسقط عن الميت بعمل غيره، وهو انتفاع بعمل الغير.
حادي عشر: المدين قد امتنع ﷺ من الصلاة عليه حتى قضى دينه أبو قتادة، وقضى دين الآخر على بن أبى طالب، وانتفع بصلاة النبي ﷺ وهو من عمل الغير.
ثانى عشر: أن النبي ﷺ قال لمن صلى وحده: «ألا رجل يتصدق على هذا فيصلى معه» فقد حصل له فضل الجماعة بفعل الغير.
ثالث عشر: أن الإنسان تبرأ ذمته من ديون الغير، إذا قضاها عنه قاض، وذلك انتفاع بعمل الغير.
رابع عشر: أن من عليه تبعات ومظالم، إذا حلل منها سقطت عنه، وهذا انتفاع بعمل الغير.
خامس عشر: أن الجار الصالح ينفع في المحيا وفي الممات- كما جاء في الأثر- وهذا انتفاع بعمل الغير.
سادس عشر: أن جليس أهل الذكر يرحم بهم، وهو لم يكن معهم، ولم يجلس لذلك بل لحاجة عرضت له، والأعمال بالنيات، فقد انتفع بعمل غيره.
سابع عشر: الصلاة على الميت، والدعاء له في الصلاة، انتفاع للميت بصلاة الحي عليه وهو عمل غيره.
ثامن عشر: أن الجمعة تحصل باجتماع العدد، وكذا الجماعة بكثرة العدد وهو انتفاع للبعض بالبعض.
تاسع عشر: أن الله- تعالى- قال لنبيه: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وقال
стр. 5793
- تعالى-: وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ ... فقد رفع الله- تعالى- العذاب عن بعض الناس بسبب بعض، وذلك انتفاع بعمل الغير.
تمام العشرين: أن صدقة الفطر تجب على الصغير وغيره ممن يمونه الرجل، فإنه ينتفع بذلك من يخرج عنه، ولا سعى له فيها.
ثم قال- ﵀: ومن تأمل العلم وجد انتفاع الإنسان بما لم يعمله ما لا يكاد يحصى، فكيف يجوز أن تتأول الآية الكريمة، على خلاف صريح الكتاب والسنة، وإجماع الأمة ... «١» .
والخلاصة أن الآية الكريمة قد تكون من قبيل العام الذي قد خص بأمور كثيرة. كما سبق أن أشرنا، وقد تكون مخصوصة بقوم إبراهيم وموسى- ﵉، لأنها حكاية عما في صحفهما، أما الأمة الإسلامية فلها سعيها، ولها ما سعى لها به غيرها، وهذا من فضل الله ورحمته بهذه الأمة.
وقد قال بعض الصالحين في معنى هذه الآية: ليس للإنسان إلا ما سعى عدلا، ولله- تعالى- أن يجزيه بالحسنة ألفا فضلا.
ولهذه المسألة تفاصيل أخرى في كتب الفقه، فليرجع إليها من شاء.
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك جانبا من مظاهر قدرته ورحمته، فقال- تعالى-: وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى. أى: وأن إلى ربك وحده- لا إلى غيره- انتهاء الخلق ومرجعهم ومصيرهم فيجازى الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.
فقوله: الْمُنْتَهى: مصدر بمعنى الانتهاء، والمراد بذلك مرجعهم إليه- تعالى- وحده، وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى أى: وأنه- سبحانه- هو الذي أوجد في هذا الكون ما يؤدى إلى ضحك الإنسان وسروره تارة، وما يؤدى إلى حزنه وبكائه تارة أخرى. فبسبب ما يحيط بالإنسان من مؤثرات ومن مشاعر مختلفة: تارة يضحك وتارة يبكى.
وما أكثر هذه المؤثرات والأحوال والاعتبارات والدوافع.. في حياة الإنسان.
فالآية الكريمة انتقال من وجوب الاعتبار بأحوال الآخرة إلى وجوب الاعتبار بأحوال الإنسان، وبما يحيط به من مؤثرات تارة تضحكه وتارة تبكيه.
وأسند- سبحانه- الفعلين إليه لأنه هو خالقهما، وهو الموجد لأسبابهما.
стр. 5794
وحذف- سبحانه- المفعول به لهما، لأنهما هما المقصودان بالذات، لدلالتهما على كمال قدرته- تعالى- أى: وأنه وحده- هو الذي أوجد في الإنسان الضحك والبكاء، فالفعلان منزلان منزلة الفعل اللازم.
وقدم- سبحانه- الضحك على البكاء، للإشعار بمزيد فضله ومنته على عباده.
وقوله: وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا أى: وأنه- تعالى- بقدرته وحدها، هو الذي أحيا من يريد إحياءه من مخلوقاته، وأمات من يريد إماتته منهم.
وهذا رد على أولئك الجاهلين الذين أنكروا ذلك، وقالوا- كما حكى القرآن عنهم- ... ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا، وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ.. «١» .
وقوله- سبحانه- وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى، مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى.
وأصل النطفة: الماء الصافي، أو القليل من الماء الذي يبقى في الدلو أو القربة، وجمعها نطف ونطاف، يقال: نطفت القربة، إذا تقاطر ماؤها بقلة.
وقوله: تُمْنى أى: تتدفق في رحم المرأة، يقال: أمنى الرجل ومنى إذا خرج منه المنىّ.
أى: وأنه- تعالى- وحده، هو الذي خلق الزوجين الكائنين من الذكر والأنثى، من نطفة تتدفق من الرجل إلى رحم الأنثى، فتلتقى ببويضة الأنثى، فيكون منهما الإنسان- بإذن الله-.
كما قال- تعالى-: أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً. أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى. ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى. فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى. أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى «٢» .
وقوله- سبحانه-: وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى أى: وأن عليه وحده- سبحانه- الإحياء بعد الإماتة، والإعادة إلى الحياة مرة أخرى يوم البعث والنشور.
والنشأة هي المرة من الإنشاء، أى: الإيجاد والتكوين والخلق، والأخرى: مؤنث الأخير، والمراد أنه- سبحانه- يوجد النشأة التي لا نشأة بعدها.
وقوله: وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى أى: وأنه- سبحانه- هو الذي أغنى الناس بالأموال الكثيرة المؤثلة، التي يقتنيها الناس ويحتفظون بها لأنفسهم ولمن بعدهم.
стр. 5795
فقوله: أَقْنى من القنية بمعنى الادخار للشيء، والمحافظة عليه.
قال الآلوسى: قوله: وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى أى: وأعطى القنية وهو ما يبقى ويدوم من الأموال، ببقاء نفسه، كالرياض والحيوان والبناء.
وأفرد- سبحانه- ذلك بالذكر مع دخوله في أَغْنى لأن القنية أنفس الأموال وأشرفها..
وإنما لم يذكر المفعول، لأن القصد إلى الفعل نفسه.. «١» .
وقوله: وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى أى: وأنه- سبحانه- هو رب ذلك الكوكب المضيء، الذي يطلع بعد الجوزاء في شدة الحر، ويسمى الشعرى اليمانية.
وخص هذا النجم بالذكر، مع أنه- تعالى- هو رب كل شيء لأن بعض العرب كانوا يعبدون هذا الكوكب، فأخبرهم- سبحانه- بأن هذا الكوكب مربوب له- تعالى- وليس ربا كما يزعمون.
قال القرطبي: واختلف فيمن كان يعبده: فقال السدى: كانت تعبده حمير وخزاعة.
وقال غيره: أول من عبده رجل يقال له أبو كبشة، أحد أجداد النبي ﷺ من جهة أمهاته، ولذلك كان مشركو قريش يسمون النبي ﷺ ابن أبى كبشة. حين دعاهم إلى ما يخالف دينهم.. «٢» .
وبعد هذه الجولة في الأنفس والآفاق، ساقت السورة جانبا من مصارع الغابرين، فقال- تعالى-: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى. وَثَمُودَ فَما أَبْقى. وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى. وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى. أى: وأنه- تعالى- هو الذي أهلك بقدرته قبيلة عاد الأولى، وهم قوم هود- ﵇.
وسميت قبيلة عاد بالأولى، لتقدمها في الزمان على قبيلة عاد الثانية، التي هي قوم صالح- ﵇، وتسمى- أيضا- بثمود.
وقوله: وَثَمُودَ معطوف على عاد. أى: وأنه أهلك- أيضا- قبيلة ثمود، دون أن يبقى منهم أحدا.
وهلاك هاتين القبيلتين قد جاء في آيات كثيرة منها قوله- تعالى-: كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ. فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ. وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ.
стр. 5796
وقوله: وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ ... أى: وأهلك- أيضا- قوم نوح من قبل إهلاكه لعاد وثمود..
إِنَّهُمْ كانُوا أى: قوم نوح هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى أى: هم كانوا أشد في الظلم والطغيان من عاد وثمود، فقد آذوا نوحا- ﵇ أذى شديدا، استمر صابرا عليه زمنا طويلا. وكان هلاكهم بالطوفان، كما قال- تعالى-: فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ.
وقدم قبيلتي عاد وثمود في الذكر على قوم نوح- مع أن قوم نوح أسبق- لأن هاتين القبيلتين كانتا مشهورتين عند العرب أكثر، وديارهم معروفة لهم.
والمراد بالمؤتفكات قوم لوط- ﵇، وسموا بذلك لأن قريتهم ائتفكت بأهلها، أى: انقلبت رأسا على عقب. يقال: أفكه عن كذا يأفكه إذا قلبه وصرفه. ومنه الإفك، لأنه قلب للحق عن وجهه الصحيح.
أى: وأهلك- سبحانه- القرى المؤتفكة بأهلها، بأن أهوى بها جبريل- ﵇ إلى الأرض بعد أن رفعها إلى السماء فَغَشَّاها ما غَشَّى أى: فأصابها ما أصابها من العذاب المهين، والدمار الشامل، كما قال- تعالى-: جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ. مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ، وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ «١» .
ويجوز أن يكون الضمير في فَغَشَّاها يعود إلى جميع الأمم المذكورة، وأبهم- سبحانه- ما غشيهم من عذاب، للتهويل والتعميم.
وقوله- سبحانه- فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى تذكير بنعم الله- تعالى- بعد التحذير من نقمة. أى: فبأى نعمة من نعم الله- تعالى- تتشكك أيها الإنسان.
والآلاء: جمع إلى، وأى: اسم استفهام المقصود به التذكير بهذه النعم.
وسمى- سبحانه- ما مر في آيات السورة نعما، مع أن فيها النعم والنقم، لأن في النقم عظات للمتعظين، وعبرا للمعتبرين، فهي نعم بهذا الاعتبار.
ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بهذا الإنذار الشديد، فقال- تعالى-: هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى والنذير بمعنى المنذر، وهو من يخبر غيره بخبر فيه مضرة به، لكي يحذره. أى: هذا الرسول الكريم، وما جاء به من قرآن حكيم، نذير لكم- أيها الناس- من جنس الإنذارات الأولى. التي أتى بها الأنبياء السابقون لأممهم فاحذروا مخالفة رسولنا
стр. 5797
صلى الله عليه وسلم لأن مخالفته تؤدى إلى هلاككم وخسرانكم.
فقوله- تعالى-: مِنَ النُّذُرِ على حذف مضاف. أى: من جنس النذر التي سبقت..
أَزِفَتِ الْآزِفَةُ أى: قربت الساعة، ودنت القيامة، يقال: أزف السفر- كفرح- أزفا، إذا دنا وقرب، وأل في الآزفة للعهد، وهي علم بالغلبة على الساعة.
لَيْسَ لَها أى: الساعة مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ أى: ليس لها أحد سوى الله- تعالى- يستطيع الإخبار عنها، والكشف عن علاماتها، والعلم بوقتها وبوقوعها.
والاستفهام في قوله- تعالى-: أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ للإنكار والتوبيخ.
أى: أفمن هذا القرآن وما اشتمل عليه من هدايات وتشريعات.. تتعجبون، وتنكرون كونه من عند الله- تعالى-.
وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ أى: وتضحكون ضحك استهزاء وتهكم منه وممن جاء به ﷺ ولا تبكون خشية من الله- تعالى-، ومن سماع ما اشتمل عليه هذا القرآن من وعد ووعيد.
وَأَنْتُمْ سامِدُونَ أى: وأنتم لاهون معرضون، يقال: سمد يسمد: كدخل- إذ اشتغل باللهو والإعراض عن الرشد.
أو المعنى: وأنتم رافعون رءوسكم تكبرا يقال: سمد سمودا، إذا رفع رأسه تكبرا وغرورا، وكل متكبر فهو سامد، ومنه قولهم: بعير سامد في سيره إذا رفع رأسه متبخترا في مشيته.
وقيل السمود: الغناء بلغة حمير، ومنه قول بعضهم لجاريته: اسمدى لنا، أى: غنى لنا.
أى: وأنتم سادرون في غنائكم ولهوكم، دون أن تكترثوا بزواجر القرآن الكريم.
وقوله- سبحانه-: فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا إرشاد لهم إلى ما يجب عليهم، ونهى لهم عن الكفر والضلال.
فالفاء في قوله- تعالى-: فَاسْجُدُوا لترتيب الأمر بالسجود، على الإنذار بالعذاب الشديد إذا ما استمروا في كفرهم ولهوهم.
والمراد بالسجود: الخضوع لله- تعالى- وإخلاص العبادة له، ويندرج فيه سجود الصلاة، وسجود التلاوة.
أى: اتركوا ما أنتم عليه من كفر وضلال، وخصوا الله- تعالى- بالخضوع الكامل،
стр. 5798
وبالعبادة التامة، التي لا شرك فيها لأحد معه- سبحانه-.
قال الآلوسى: وهذه آية سجدة عند أكثر أهل العلم، وقد سجد النبي ﷺ عندها.
أخرج الشيخان، وأبو داود، والنسائي عن ابن مسعود قال: «أول سورة أنزلت فيها سجدة: سورة «النجم» فسجد الرسول ﷺ وسجد الناس كلهم إلا رجلا» .
هذا، وقد ذكر بعض المفسرين قصة الغرانيق. وملخصها أن الرسول ﷺ قرأ سورة النجم، فلما بلغ قوله- تعالى- أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى.
وقد قال الإمام ابن كثير عند حديثه عن هذه القصة: إنها من روايات وطرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح.
وقد ذكرنا عند تفسيرنا لقوله- تعالى-: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ، فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ، ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. ذكرنا ما يدل على بطلان هذه القصة من جهة النقل ومن جهة العقل.. «١» .
وبعد. فهذا تفسير لسورة «النجم» نسأل الله- تعالى- أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم ...
قطر- الدوحة صباح السبت ٢٧ جمادى الآخرة ١٤٠٦ هـ ٨/ ٣/ ١٩٨٦ كتبه الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى
стр. 5799
تفسير سورة القمر
стр. 5800
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدّمة
١- سورة القمر: هي السورة الرابعة والخمسون في ترتيب المصحف، أما ترتيبها في النزول فكان بعد سورة الطارق، وقبل سورة «ص» .
ويبلغ عدد السور التي نزلت قبلها، سبعا وثلاثين سورة.
ويغلب على الظن أن نزولها كان في السنوات الأولى من بعثته ﷺ قال بعض العلماء: وكان نزولها في حدود سنة خمس قبل الهجرة. ففي الصحيح أن عائشة- رضى الله عنها- قالت: أنزل على رسول الله ﷺ بمكة، وإنى لجارية ألعب، قوله- تعالى-: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ، وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ «١» .
٢- وتسمى هذه السورة بسورة القمر، وبسورة اقتربت الساعة، وتسمى بسورة اقتربت، حكاية لأول كلمة افتتحت بها.
روى الإمام مسلم وأهل السنن عن أبى واقد الليثي أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في العيد بسورتى «ق» و «اقتربت الساعة» .
وعدد آياتها: خمس وخمسون آية وهي من السور المكية الخالصة- على الرأى الصحيح-، وقيل: هي مكية إلا ثلاث آيات منها، وهي قوله- تعالى-: أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ. سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ. بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ فإنها نزلت يوم بدر، وهذا القيل لا دليل له يعتمد عليه.
ويرده ما أخرجه ابن أبى حاتم عن أبى هريرة قال: أنزل الله- تعالى- على نبيه ﷺ بمكة قبل يوم بدر: سيهزم الجمع ويولون الدبر، وقال عمر بن الخطاب: قلت:
يا رسول الله أى جمع يهزم؟ فلما كان يوم بدر، وانهزمت قريش، نظرت إلى رسول الله ﷺ في آثارهم مصلتا بالسيف، وهو يقول: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ فكانت ليوم بدر.
стр. 5801
وبذلك نرى أن هذا الحديث، وحديث عائشة السابق، يدلان على أن هذه الآيات مكية- أيضا-، وأن الرسول ﷺ إنما قرأها في غزوة بدر على سبيل الاستشهاد بها.
٣- والسورة الكريمة قد تحدثت في مطلعها عن اقتراب يوم القيامة، وعن جحود المشركين للحق بعد إذ جاءهم، وعما سيكونون عليه يوم القيامة من ندم وحسرة. قال- تعالى-:
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ. وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ. وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ.
٤- ثم تحدثت السورة الكريمة عن مصارع الغابرين، فذكرت ما حل من هلاك ودمار، بقوم نوح، وهود، ولوط- ﵈ وما حل أيضا بفرعون وملئه من عقاب.
ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة، ببيان مظاهر قدرته، وبليغ حكمته، ودقة نظامه في كونه، وبشر المتقين بما يشرح صدورهم فقال- تعالى-: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ. وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ. وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ. وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ. وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ. إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ. فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ.
٥- والمتدبر في السورة الكريمة يراها قد اهتمت بالحديث عن أهوال يوم القيامة، وعن تعنت المشركين وعنادهم، وعن سنن الله- تعالى- في خلقه، التي من أبرز مظاهرها، نصر المؤمنين، وخذلان الكافرين.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..
دولة قطر- الدوحة صباح السبت ٢٧ جمادى الآخرة ١٤٠٦ هـ ٨/ ٣/ ١٩٨٦ م د. محمد سيد طنطاوى
стр. 5802
التفسير قال الله- تعالى-:
[سورة القمر (٥٤) : الآيات ١ الى ٨]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤)
حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ (٥) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)
افتتحت السورة الكريمة بهذا الافتتاح الذي يبعث في النفوس الرهبة والخشية، فهو يخبر عن قرب انقضاء الدنيا وزوالها.
إذ قوله- تعالى-: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ أى: قرب وقت حلول الساعة، ودنا زمان قيامها.
والساعة في الأصل: اسم لمدار قليل من الزمان غير معين، وتحديدها بزمن معين اصطلاح عرفي، وتطلق في عرف الشرع على يوم القيامة.
وأطلق على يوم القيامة يوم الساعة، لوقوعه بغتة، أو لسرعة ما فيه من الحساب، أو لأنه على طوله قدر يسير عند الله- تعالى-.
وقد وردت أحاديث كثيرة، تصرح بأن ما مضى من الدنيا كثير بالنسبة لما بقي منها، ومن
стр. 5803
هذه الأحاديث ما رواه البزار عن أنس أن رسول الله ﷺ خطب أصحابه ذات يوم، وقد كادت الشمس أن تغرب.. فقال: «والذي نفسي بيده ما بقي من الدنيا فيما مضى منها، إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه» .
وروى الشيخان عن سهل بن سعد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بعثت أنا والساعة هكذا» وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى.. «١» .
وشبيه بهذا الافتتاح قوله- تعالى-: في مطلع سورة الأنبياء: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ.
وقوله- سبحانه- في افتتاح سورة النحل: أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ، سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ.
والمقصود من هذا الافتتاح المتحدث عن قرب يوم القيامة، تذكير الناس بأهوال هذا اليوم، وحضهم على حسن الاستعداد لاستقباله عن طريق الإيمان والعمل الصالح.
وقوله- تعالى-: وَانْشَقَّ الْقَمَرُ معطوف على ما قبله عطف جملة على جملة.
وقوله: وَانْشَقَّ من الانشقاق بمعنى الافتراق والانفصال.
أى: اقترب وقت قيام الساعة، وانفصل وانفلق القمر بعضه عن بعض فلقتين، معجزة للنبي ﷺ ، وكان ذلك بمكة قبل هجرته ﷺ بنحو خمس سنين، وقد رأى هذا الانشقاق كثير من الناس..
وقد ذكر المفسرون كثيرا من الأحاديث في هذا الشأن، وقد بلغت الأحاديث مبلغ التواتر المعنوي..
قال الإمام ابن كثير: وهذا أمر متفق عليه بين العلماء- أى: انشقاق القمر-، فقد وقع في زمان النبي ﷺ وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات.
ثم ذكر- ﵀ جملة من الأحاديث التي وردت في ذلك، ومنها ما رواه الشيخان عن أنس بن مالك قال: سأل أهل مكة النبي ﷺ آية، فانشق القمر بمكة مرتين، فقال:
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ.
وأخرج الإمام أحمد عن جبير بن مطعم عن أبيه قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فصار فلقتين: فلقة على هذا الجبل وفلقة على هذا الجبل. فقالوا: سحرنا محمد،
стр. 5804
فقالوا: إن كان سحرنا فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم.
وروى الشيخان عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ شقتين، حتى نظروا إليه، فقال رسول الله ﷺ «اشهدوا» «١» .
وقال الآلوسى: بعد أن ذكر عددا من الأحاديث في هذا الشأن: والأحاديث الصحيحة في الانشقاق كثيرة، واختلف في تواتره، فقيل: هو غير متواتر: وفي شرح المواقف أنه متواتر.
وهو الذي اختاره العلامة السبكى، فقد قال: الصحيح عندي أن انشقاق القمر متواتر، منصوص عليه في القرآن، مروى في الصحيحين وغيرهما من طرق شتى، لا يمترى في تواتره.
وقد جاءت أحاديثه في روايات صحيحة، عن جماعة من الصحابة، منهم على بن أبى طالب، وأنس، وابن مسعود..
ثم قال- ﵀ بعد أن ذكر شبهات المنكرين لحادث الانشقاق: والحاصل أنه ليس عند المنكر سوى الاستبعاد، ولا يستطيع أن يأتى بدليل على الاستحالة الذاتية ولو انشق، والاستبعاد في مثل هذه المقامات قريب من الجنون. عند من له عقل سليم «٢» .
ثم بين- سبحانه- موقف هؤلاء المشركين من معجزاته ﷺ فقال: وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ.
أى: وإن ير هؤلاء المشركون آية ومعجزة تدل على صدقك- أيها الرسول الكريم- يعرضوا عنها جحودا وعنادا. ويقولوا- على سبيل التكذيب لك- ما هذا الذي أتيتنا به يا محمد إلا سحر مستمر، أى: سحر دائم نعرفه عنك، وليس جديدا علينا منك.
قال صاحب الكشاف: مُسْتَمِرٌّ أى دائم مطرد، وكل شيء قد انقادت طريقته، ودامت حاله، قيل فيه قد استمر، لأنهم لما رأوا تتابع المعجزات، وترادف الآيات. قالوا:
«هذا سحر مستمر» .
وقيل: مستمر، أى: قوى محكم- من المرّة بمعنى القوة-، وقيل: هو من استمر الشيء إذا اشتدت مرارته، أى: مستبشع عندنا مرّ على لهواتنا، لا نقدر أن نسيغه كما لا يساغ الشيء المر. وقيل: مستمر، أى: مار ذاهب زائل عما قريب- من قولهم: مرّ الشيء واستمر إذا ذهب «٣» .
стр. 5805
ثم أخبر- سبحانه- عن حالهم في الماضي، بعد بيان حالهم في المستقبل، فقال- تعالى-: وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ.
أى: أن هؤلاء الجاحدين جمعوا كل الرذائل، فهم إن يروا معجزة تشهد لك بالصدق- أيها الرسول الكريم- يعرضوا عنها، ويصفوها بأنها سحر، وهم في ماضيهم كذبوا دعوتك، واتبعوا أهواءهم الفاسدة، ونفوسهم الأمارة بالسوء.
وجملة: وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ معترضة، وهي جارية مجرى المثل، أى: وكل أمر لا بد وأن يستقر إلى غاية، وينتهى إلى نهاية، وكذلك أمر هؤلاء الظالمين، سينتهي إلى الخسران، وأمر المؤمنين سينتهي إلى الفلاح.
وفي هذا الاعتراض تسلية وتبشير للنبي ﷺ ولأصحابه بحسن العاقبة، وتيئيس وإقناط لأولئك المشركين من زوال أمر النبي ﷺ كما كانوا يتمنون ويتوهمون.
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ.
ثم بين- سبحانه- أنهم قوم لا تتأثر قلوبهم بالمواعظ والنذر، فقال: وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ، حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ.
والأنباء: جمع نبأ وهو الخبر المشتمل على أمور هامة، من شأنها أن يتأثر بها السامع.
ومزدجر: مصدر ميمى، وأصله مزتجر. فأبدلت تاء الافتعال دالا، وأصله من الزجر.
بمعنى المنع والانتهار. أى: ولقد جاء لهؤلاء المشركين في القرآن الكريم، من الأنباء الهامة، ومن أخبار الأمم البائدة، ما فيه ازدجار وانتهار لهم عن الارتكاس في القبائح وعن الإصرار على الفسوق والكفر والعصيان.
و «ما» في قوله- سبحانه-: ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ موصولة، وهي فاعل لقوله جاءَهُمْ، وقوله مِنَ الْأَنْباءِ في موضع الحال منها..
وقوله- تعالى-: حِكْمَةٌ بالِغَةٌ بدل من «ما» أو خبر لمبتدأ محذوف.
والحكمة: العلم النافع الذي يترتب عليه تحرى الصواب في القول والفعل.
أى: هذا الذي جاءهم من أنباء الماضين، ومن أخبار السابقين فيه ما فيه عن الحكم البليغة، والعظات الواضحة التي لا خلل فيها ولا اضطراب.
و «ما» في قوله: فَما تُغْنِ النُّذُرُ نافية، والنذر: جمع نذير بمعنى منذر.
أى: لقد جاء إلى هؤلاء المشركين من الأخبار ومن الحكم البليغة ما يزجرهم عن ارتكاب
стр. 5806
الشرور، وما فيه إنذار لهم بسوء العاقبة إذا ما استمروا في غيهم، ولكن كل ذلك لا غناء فيه، ولا نفع من ورائه لهؤلاء الجاحدين المعاندين الذين عموا وصموا ...
ويصح أن تكون «ما» هنا، للاستفهام الإنكارى. أى: ما الذي تغنيه النذر بالنسبة لهؤلاء المصرين على الكفر؟ إنها لا تغنى شيئا ما داموا لم يفتحوا قلوبهم للحق:
والفاء في قوله- تعالى-: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ للتفريع على ما تقدم، وهي تفيد السببية.
وقوله: يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ ظرف لقوله: يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ والداع: هو إسرافيل- ﵇ الذي ينفخ في الصور بأمر الله- تعالى-.
والمراد بالنكر: الأمر الفظيع الهائل، الذي لم تألفه النفوس، ولم تر له مثيلا في الشدة.
أى: إذا كان هذا حالهم من عدم إغناء النذر فيهم، فتول عنهم- أيها الرسول الكريم-، ولا تبال بهم، واتركهم في طغيانهم يعمهون، وانتظر عليهم إلى اليوم الذي يدعوهم فيه الداعي، إلى أمر فظيع عظيم، تنكره النفوس، لعدم عهدهم بمثله، وهو يوم البعث والنشور.
قال الجمل: وقوله: يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ منصوب إما باذكر مضمرا.. وإما بيخرجون..
وحذفت الواو من «يدع» لفظا لالتقاء الساكنين، ورسما تبعا للفظ، وحذفت الياء من الدَّاعِ للتخفيف ... والداع هو إسرافيل.. «١» .
وقوله: خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ حال من الفاعل في قوله: يَخْرُجُونَ ... : أى: ذليلة أبصارهم بحيث تنظر إلى ما أمامها من أهوال نظرة البائس الذليل، الذي لا يستطيع أن يحقق نظره فيما ينظر إليه.
قال القرطبي: الخشوع في البصر: الخضوع والذلة. وأضاف- سبحانه- الخشوع إلى الأبصار، لأن أثر العز والذل يتبين في ناظر الإنسان.
قال- تعالى-: أَبْصارُها خاشِعَةٌ وقال- تعالى-: وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ....
ويقال: خشع واختشع إذا ذل. وخشع ببصره إذا غضه..
стр. 5807
وقرأ حمزة والكسائي: خاشعا أبصارهم.. «١» .
وقوله: يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ أى: يخرجون من القبور، وعيونهم ذليلة من شدة الهول، وأجسادهم تملأ الآفاق، حتى لكأنهم جراد منتشر، قد سد الجهات. واستتر بعضه ببعض.
فالمقصود بالجملة الكريمة تشبيههم بالجراد في الكثرة والتموج، والاكتظاظ والانتشار في الأقطار وهم يسرعون الخطا نحو أرض المحشر.
وقوله: مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ أى: مسرعين نحوه، وقد مدوا أعناقهم إلى الإمام، مأخوذ من الإهطاع، وهو الإسراع في المشي مع مد العنق إلى الإمام. يقال: أهطع فلان في جريه، إذا أسرع فيه من الخوف، فهو مهطع.
يَقُولُ الْكافِرُونَ وقد رأوا من أهوال يوم القيامة ما يدهشهم: هذا يَوْمٌ عَسِرٌ أى: يقولون هذا يوم صعب شديد، بسبب ما يعاينون من أهواله ويتوقعون فيه من سوء العاقبة.
والمتأمل في هذه الآيات الكريمة، يراها قد وصفت أحوال الكافرين في هذا اليوم، وصفا تقشعر من هوله الأبدان.. فهم أذلاء ضعفاء ينظرون إلى ما يحيط بهم نظرة الخائف المفتضح، وهم في حالة خروجهم من قبورهم كأنهم الجراد المنتشر، في الكثرة والتموج والاضطراب، وهم يسرعون نحو الداعي بذعر دون أن يلووا على شيء، ودون أن يكون في إمكانهم المخالفة أو التأخر عن دعوته.
ثم هم بعد ذلك يقولون على سبيل التحسر والتفجع: هذا يوم شديد الصعوبة والعسر.
ثم عرضت السورة بعد ذلك جانبا من مصارع الغابرين، لعل في هذا العرض ما يروعهم عن الكفر والجحود، وما يحملهم على انتهاج طريق الحق والهدى، فقال- تعالى-:
[سورة القمر (٥٤) : الآيات ٩ الى ١٧]
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ (١٣)
تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)
стр. 5808
وقصة نوح- ﵇ مع قومه، قد وردت بصورة أكثر تفصيلا في سور أخرى.
كسورة هود، والمؤمنون، ونوح، والأعراف.
ولكنها جاءت هنا- كغيرها من القصص- بصورة حاسمة قاصمة، تزلزل النفوس، وتفتح العيون على مصارع الغابرين، لكي يعتبر الكافرون، وينتهوا عن كفرهم.
قال الآلوسى: قوله: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ ... شروع في تعداد بعض ما ذكر من الأنباء الموجبة للانزجار، ونوع تفصيل لها، وبيان لعدم تأثرهم بها، تقريرا لفحوى قوله:
فَما تُغْنِ النُّذُرُ.
والفعل «كذبت» منزل منزلة اللازم. أى: فعل التكذيب قبل قومك قوم نوح.. «١» .
وفي هذه الجملة الكريمة تسلية الرسول ﷺ لأن المصيبة إذا عمت خفت، وشبيه بهذه الآية قوله- سبحانه-: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ....
وأسند- سبحانه- التكذيب إلى جميع قوم نوح- ﵇. لأن الذين آمنوا به منهم عدد قليل، كما قال- تعالى-: في سورة هود: وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ.
وقوله- تعالى-: فَكَذَّبُوا عَبْدَنا تأكيد لتكذيبهم له- ﵇، فكأنه- سبحانه- يقول: إن قوم نوح- ﵇ قد أصروا على تكذيبهم لعبدنا ونبينا، وتواصوا بهذا التكذيب فيما بينهم، حتى لكأن الكبار قد أوصوا به الصغار.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما معنى قوله: فَكَذَّبُوا عَبْدَنا بعد قوله:
كَذَّبَتْ؟ قلت معناه: كذبوا فكذبوا عبدنا. أى: كذبوه تكذيبا على عقب تكذيب، كلما مضى منهم قرن مكذب، تبعهم قرن مكذب.
أو معناه: كذبت قوم نوح الرسل، فكذبوا عبدنا، أى: لما كانوا مكذبين بالرسل،
стр. 5809
جاحدين للنبوة رأسا، كذبوا نوحا لأنه من جملة الرسل.. «١» .
وقوله- سبحانه-: وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ بيان لما كانوا عليه من انطماس بصيرة، ومن سوء خلق.. أى: أنهم لم يكتفوا بتكذيب نبيهم ومرشدهم وهاديهم إلى الخير. بل أضافوا إلى ذلك وصفه بالجنون، والاعتداء عليه بأنواع الأذى والترهيب.
فقوله: وَازْدُجِرَ معطوف على قوله قالُوا وهو مأخوذ من الزجر بمعنى المنع والتخويف، وصيغة الافتعال للمبالغة في زجره وإيذائه.
وقد حكى القرآن في آيات أخرى ألوانا من هذا الزجر والإيذاء ومن ذلك قوله- تعالى- كما حكى عنهم: قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ.
ثم حكى- سبحانه- ما فعله نوح- ﵇ بعد أن صبر على إيذاء قومه فقال:
فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ.
أى: وبعد أن يئس نوح- ﵇ من إيمان قومه.. تضرع إلى ربه قائلا: يا رب إن قومي قد غلبوني بقوتهم وتمردهم ... فانتصر لي منهم، فأنت أقوى الأقوياء، وأعظم نصير للمظلومين والمغلوبين على أمرهم من أمثالى.
وحذف متعلق «فانتصر» للإيجاز. أى: فانتقم لي منهم.
ولقد كانت نتيجة هذا الدعاء، الإجابة السريعة، كما يشعر بذلك التعبير بالفاء في قوله- تعالى- بعد ذلك: فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ.
أى: فأجبنا لنوح دعاءه، ففتحنا أبواب السماء بماء كثير منهمر، أى: منصب على الأرض بقوة وبكثرة وتتابع. يقال: همر فلان الماء يهمر- بكسر الميم وضمها- إذا صبه بكثرة. وقراءة الجمهور فَفَتَحْنا بتخفيف التاء، وقرأ ابن عامر بتشديدها على المبالغة.
قال الجمل: والمراد من الفتح والأبواب والسماء: حقائقها فإن للسماء أبوابا تفتح وتغلق.
والباء في قوله: بِماءٍ للتعدية على المبالغة، حيث جعل الماء كالآلة التي يفتح بها، كما تقول: فتحت بالمفتاح.. «٢» .
وقوله: وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً ... معطوف على قوله: فَفَتَحْنا وتفجير الماء:
إسالته بقوة وشدة وكثرة، ومنه قوله- تعالى-: وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً.
стр. 5810
وقوله: عُيُوناً تمييز محول عن المفعول به، والأصل: وفجرنا عيون الأرض، ولكن جيء به على هذا الأسلوب المشتمل على التمييز للمبالغة، حتى لكأن الأرض جميعها قد تحولت إلى عيون متفجرة.
وقوله- سبحانه-: فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ بيان لكمال حكمته- تعالى- بعد بيان مظاهر قدرته. أى: فاجتمع الماء النازل من السماء، مع الماء المتفجر من الأرض، على أمر قد قدره الله- تعالى- وقضاه أزلا، وهو هلاك قوم نوح بالطوفان.
فالمراد بالماء: ماء السماء وماء الأرض.
وقال- سبحانه- فَالْتَقَى الْماءُ بالإفراد، لتحقيق أن التقاء الماءين لم يكن بطريقة المجاورة، بل كان بطريق الاتحاد والاختلاط، حتى لكأن الماء النازل من السماء. والمتفجر من الأرض، قد التقيا في مكان واحد كما يلتقى الجيشان المعدان لإهلاك غيرهما.
وعَلى في قوله- تعالى-: عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ للاستعلاء المفيد لشدة التمكن والمطابقة. أى: التقى الماء بعضه ببعض على الحال والشأن الذي قدرناه وقضيناه له، دون أن يحيد على ذلك قيد شعرة، إذ كل شيء عندنا بمقدار.
ثم بين- سبحانه- بعض مظاهر فضله على عبده نوح- ﵇ فقال:
وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ، تَجْرِي بِأَعْيُنِنا....
والدّسر: جمع دسار- ككتاب وكتب- أى: مسامير تربط بعض الخشب ببعض، وأصل الدسر: الدفع الشديد بقوة، سمى به المسمار، لأنه يدق في الخشب فيدفع بقوة.
وقيل: الدسر: الخيوط التي تشد بها ألواح السفينة، وقيل الدسر: صدرها ومقدمتها، وقوله: ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ صفة لموصوف محذوف.
أى: وحملنا نوحا ومن معه من المؤمنين، على سفينة ذات ألواح من الخشب ومسامير يشد بها هذا الخشب ويربط..
قال صاحب الكشاف: قوله: وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ أراد السفينة، وهو من الصفات التي تقوم مقام الموصوفات، فتنوب منابها، وتؤدى مؤداها، بحيث لا يفصل بينها وبينها. وهذا من فصيح الكلام وبديعه.. «١» .
стр. 5811
وعدى فعل وَحَمَلْناهُ إلى نوح وحده، مع أن السفينة حملت معه المؤمنين، لأن هذا الحمل كان إجابة لدعوته، وقد جاءت آيات أخرى أخبرت بأن المؤمنين كانوا معه في السفينة، ومن هذه الآيات، قوله- تعالى-: فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ، فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ....
وقوله تَجْرِي بِأَعْيُنِنا أى تجرى هذه السفينة بمرأى منا، وتحت رعايتنا وقدرتنا.
ثم بين- سبحانه- الأسباب التي جعلت قوم نوح محل غضب الله- تعالى- ونقمته فقال: جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ.
وقوله: جَزاءً مفعول لأجله، لقوله: فَفَتَحْنا وما عطف عليه، أى: فعلنا ما فعلنا من فتح السماء بماء منهمر، جزاء لكفرهم بالله- تعالى- وبنبيه نوح- ﵇ الذي كان نعمة لهم، ولكنهم كفروها ولم يشكروا الله عليها، فاستحقوا الغرق والدمار.
وحذف- سبحانه- متعلق كُفِرَ لدلالة الكلام عليه، أى: كفر به.
قال الآلوسى. وقوله: جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ أى: فعلنا ذلك جزاء لنوح- ﵇، فإنه كان نعمة أنعمها الله- تعالى- على قومه فكفروها، وكذا كل نبي نعمة من الله- تعالى- على أمته.
وجوز أن يكون على حذف الجار، وإيصال الفعل إلى الضمير، واستتاره في الفعل، بعد انقلابه مرفوعا. أى: لمن كفر به، وهو نوح- ﵇ أى: جحدت نبوته.
فالكفر عليه ضد الإيمان، وعلى الأول كفران النعمة.. «١» .
والضمير المنصوب في قوله- تعالى-: وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً ... يعود إلى الفعلة المهلكة التي فعلها الله- تعالى- بقوم نوح- ﵇.
أى: ولقد تركنا فعلتنا بقوم نوح، وإهلاكنا لهم، آية وعلامة لمن بعدهم. وعظة وعبرة لمن يعتبر ويتعظ بها.
ويؤيد هذا المعنى قوله- تعالى-: وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً ... «٢» ويصح أن يكون الضمير بعود إلى السفينة. أى: ولقد أبقينا هذه السفينة من بعد إهلاك قوم نوح، علامة وعبرة لمن يشاهدها.
стр. 5812
ويؤيد هذا المعنى قوله- تعالى-: فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ، وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ «١» .
قال القرطبي: قوله: وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً ... يريد هذه الفعلة عبرة.
وقيل: أراد السفينة، تركها آية لمن بعد قوم نوح يعتبرون بها فلا يكذبون الرسل..
قال قتادة: أبقاها الله- تعالى- بباقردى، من أرض الجزيرة- قرب الموصل بالعراق- لتكون عبرة وآية، حتى نظر إليها أوائل هذه الأمة، وكم من سفينة صارت بعدها رمادا ... «٢» .
ويبدو لنا أن الآية الكريمة تتسع للرأيين فهذه العقوبة التي أنزلها- سبحانه- بقوم نوح- ﵇ بقيت عبرة لمن بعدهم لينزجروا، ويكفوا عن تكذيب الرسل، كما أن السفينة قد أبقاها- سبحانه- بعد إغراقهم إلى الزمن الذي قدره وأراده، لتكون- أيضا- عبرة وعظة لغيرهم.
والاستفهام في قوله: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ للحض على التذكر والاعتبار، ولفظ مُدَّكِرٍ أصله مذتكر من الذّكر الذي هو ضد النسيان، فأبدلت التاء دالا مهملة، وكذا الذال المعجمة ثم أدغمت فيها، ومنه قوله- تعالى-: وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ... أى: وتذكر بعد نسيان.
أى: ولقد تركنا ما فعلناه بقوم نوح عبرة، فاعتبروا بذلك- أيها الناس-، وأخلصوا لله- تعالى- العبادة والطاعة، لتنجوا من غضبه وعقابه.
والاستفهام في قوله- سبحانه-: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ للتهويل والتعجيب من شدة هذا العذاب الذي حاق بقوم نوح- ﵇.
أى: فكيف كان عذابي لهم، وإنذارى إياهم؟ لقد كانا على كيفية هائلة لا يحيط بها الوصف، ولا تحدها العبارة.
والنذر: مفردة نذير، وجمع لتكرار الإنذار من نوح- ﵇ لقومه.
قال الجمل: وقرئ في السبع بإثبات الياء وحذفها. وأما في الرسم فلا تثبت لأنها من ياءات الزوائد، وكذا يقال في المواضع الآتية كلها.. «٣» .
стр. 5813
ثم بين- سبحانه- مظاهر فضله ورحمته على هذه الأمة، حيث جعل كتابه ميسرا في حفظه وفهمه، فقال- تعالى-: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ، فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ.
أى: والله لقد سهلنا القرآن لِلذِّكْرِ أى: للتذكر والحفظ، بأن أنزلناه فصيحا في ألفاظه، بليغا في تراكيبه، واضحا في معانيه، سهل الحفظ لمن أراد أن يحفظه.. فهل من معتبر ومتعظ، بقصصه، ووعده، ووعيده، وأمره، ونهبه؟.
وقد وردت هذه الآية في أعقاب قصة نوح وهود وصالح ولوط- ﵈، لتأكيد مضمون ما سبق في قوله- تعالى-: وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ. حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ.
وللتنبيه والإشعار بأن كل قصة من تلك القصص جديرة بإيجاب الاتعاظ، وكافية في الاعتبار والازدجار لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ، أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ.
والمقصود بالآية الكريمة التحضيض على حفظ القرآن الكريم والاعتبار بمواعظه، والعمل بما فيه من تشريعات حكيمة، وآداب قويمة، وهدايات سامية..
ثم انتقلت إلى الحديث عن قصة قبيلة عاد مع نبيهم هود- ﵇ فذكرت ما حل بهم من عقاب بسبب كفرهم وطغيانهم، فقال- تعالى-:
[سورة القمر (٥٤) : الآيات ١٨ الى ٢٢]
كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢)
والمراد بعاد، تلك القبيلة التي ينتهى نسبها إلى جدهم عاد، وكانت مساكنهم بالأحقاف في جنوب الجزيرة العربية. وكانوا يعبدون الأصنام، فأرسل الله- تعالى- إليهم نبيهم هودا- ﵇ لكي يأمرهم بعبادة الله- تعالى- وحده، وينهاهم عن عبادة غيره..
وقد جاء الحديث عنهم بصورة أكثر تفصيلا، في سور: الأعراف، وهود، والشعراء، والأحقاف ... ولم تعطف قصتهم هنا على قصة نوح التي قبلها، للإشعار بأنها قصة مستقلة جديرة بأن يعتبر بها المعتبرون، ويتعظ بها المتعظون..
стр. 5814
وحذف المفعول في قوله: كَذَّبَتْ عادٌ للعلم به وهو نبيهم هود- ﵇ أى: كذبت قبيلة عاد نبيها هودا- ﵇.
والاستفهام في قوله- سبحانه-: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ للتهويل، ولتشويق السامعين إلى معرفة العذاب الشديد الذي حل بهم. أى: كذبت قبيلة عاد نبيها، فهل علمتم ما حل بها من دمار وهلاك؟ إن كنتم لم تعلموا ذلك فهاكم خبره..
إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً ... أى: إنا أرسلنا عليهم ريحا شديدة البرودة والقوة، ذات صوت هائل.
فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ أى: في يوم مشئوم عليهم، وشؤمه دائم ومستمر لم ينقطع عنهم حتى دمرهم.
قال ابن كثير: قوله: مُسْتَمِرٍّ أى: مستمر عليهم نحسه ودماره، لأنه يوم اتصل فيه عذابهم الدنيوي بالأخروى.. «١» .
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ، لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ «٢» .
وإضافة «يوم» إلى «نحس» من إضافة الزمان إلى ما يقع فيه، كقولهم: يوم فتح خيبر ...
والمراد أنه يوم منحوس ومشئوم بالنسبة لهؤلاء المهلكين، وليس المراد أنه يوم منحوس بذاته، لأن الأيام يداولها الله- تعالى- بين الناس، بمقتضى إرادته وحكمته.
وقوله: تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ بيان لقوة هذه الريح وشدتها..
والنزع: الإزالة للشيء بعنف، حتى يزول عن آخره، وينفصل عما كان متصلا به.
والمراد بالناس: هؤلاء المهلكين من قوم هود- ﵇.
والأعجاز: جمع عجز، وهو مؤخر الشيء وأسفله. وأعجاز النخل: أصولها التي تقوم عليها. والمراد بها هنا: النخل بتمامه ما عدا الفروع.
وقوله: مُنْقَعِرٍ اسم فاعل انقعر، مطاوع قعره أى: بلغ قعره بالحفر، يقال: قعر فلان البئر إذا بلغ قعرها في الحفر، وهو صفة للنخل. أى: أن الريح لشدتها وقوتها، كانت
стр. 5815
تقتلعهم من أماكنهم، وتلقى بهم بعيدا وهم صرعى، فكأنهم وهم ممددون على الأرض هلكى، أعجاز نخل قد انقلع عن أصوله، وسقط على الأرض ...
قال ابن كثير: وذلك أن الريح كانت تأتى أحدهم، فترفعه حتى تغيبه عن الأبصار. ثم تنكسه على أم رأسه، فيسقط على الأرض، فتنخلع رأسه فيبقى جثة بلا رأس، ولهذا قال:
كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ «١» .
فالآية الكريمة فيها ما فيها من التفظيع لما أصابهم من هلاك واستئصال.
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ. سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ، وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً، فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى، كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ «٢» .
ثم ختم- سبحانه- قصة هؤلاء الطغاة، بمثل ما ختم به قصة قوم نوح، من تذكير للناس بما أصاب هؤلاء الظالمين من عذاب أليم، ومن دعوتهم إلى الاعتبار بقصص القرآن، وزواجره ووعده ووعيده.. فقال- تعالى-: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ. وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ، فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ.
ثم جاءت بعد قصة قوم هود، قصة قوم صالح- ﵉ فقال- سبحانه-:
[سورة القمر (٥٤) : الآيات ٢٣ الى ٣٢]
كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقالُوا أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٢٤) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦) إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧)
وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢)