والضمير في عَلَيْها يعود إلى الأرض بقرينة المقام، والمراد بمن عليها: كل من يعيش فوقها، ويدخل فيهم دخولا أوليا بنو آدم، لأنهم هم المقصودون بالخطاب، ولذا جيء بمن الموصولة الخاصة بالعقلاء.
أى: كل من على الأرض من إنسان وحيوان وغيرهما سائر إلى الزوال والفناء وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ وذاته بقاء لا تغير معه ولا زوال، فهو- سبحانه- ذُو الْجَلالِ أى: ذو العظمة والاستغناء المطلق وَالْإِكْرامِ أى: والفضل التام، والإحسان الكامل..
وقال- سبحانه-: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ولم يقل ويبقى وجه ربكما. كما في قوله:
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما....
لأن الخطاب للنبي ﷺ على سبيل التكريم والتشريف، ويدخل تحته كل من يتأتى له الخطاب على سبيل التبع.
قال القرطبي: لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة هلك أهل الأرض. فنزلت كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ فأيقنت الملائكة بالهلاك.
وقوله: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ أى: ويبقى الله، فالوجه عبارة عن وجوده وذاته، قال الشاعر:
قضى على خلقه المنايا ... فكل شيء سواه زائل
وهذا الذي ارتضاه المحققون من علمائنا.. «١» .
وقوله- تعالى-: يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ بيان لغناه المطلق عن غيره، واحتياج غيره إليه.
стр. 5847
والمراد باليوم هنا: مطلق الوقت مهما قل زمنه، والشأن: الأمر العظيم، والحدث الهام..
أى: أنه- سبحانه- يسأله من في السموات والأرض، سؤال المحتاج إلى رزقه، وفضله، وستره، وعافيته.. وهو- في كل وقت من الأوقات، وفي كل لحظة من اللحظات، في شأن عظيم. وأمر جليل، حيث يحدث ما يحدث من أحوال في هذا الكون، فيحيى ويميت، ويعز ويذل، ويغنى ويفقر، ويشفى ويمرض.. دون أن يشغله شأن عن شأن..
قال الآلوسى ما ملخصه: قوله: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ أى: كل وقت من الأوقات، هو في شأن من الشئون، التي من جملتها إعطاء ما سألوا. فإنه- تعالى- لا يزال ينشئ أشخاصا، ويفنى آخرين، ويأتى بأحوال، ويذهب بأحوال، حسبما تقتضيه إرادته المبنية على الحكم البالغة..
أخرج البخاري في تاريخه، وابن ماجة، وجماعة عن أبى الدرداء، عن النبي ﷺ أنه قال في هذه الآية: «من شأنه: أن يغفر ذنبا، ويفرج كربا، ويرفع قوما، ويخفض آخرين» .
وسأل بعضهم أحد الحكماء، عن كيفية الجمع بين هذه الآية، وبين ما صح من أن القلم قد جف بما هو كائن إلى يوم القيامة، فقال: «شئون يبديها لا شئون يبتديها» ..
وانتصب «كل يوم» على الظرفية، والعامل فيه هو العامل في قوله- تعالى-: فِي شَأْنٍ وهو ثابت المحذوف، فكأنه قيل: هو ثابت في شأن كل يوم.. «١» .
ثم هدد- سبحانه- الذين يخالفون عن أمره تحذيرا شديدا، فقال: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ.
وجيء بحرف التنفيس الدال على القرب وهو السين للإشعار بتحقق ما أخبر به- سبحانه-.
وقوله: سَنَفْرُغُ من الفراغ، وهو الخلو عما يشغل..
والمراد به هنا: القصد إلى الشيء والإقبال عليه، يقال: فلان فرغ لفلان وإليه، إذا قصد إليه لأمر ما ...
والثقلان: تثنية ثقل- بفتحتين-، وأصله كل شيء له وزن وثقل، والمراد بهما هنا:
الإنس والجن.
стр. 5848
والمعنى: سنقصد يوم القيامة إلى محاسبتكم على أعمالكم، وسنجازيكم عليها بما تستحقون، وسيكون هذا شأننا- أيها الثقلان- في هذا اليوم العظيم.
قال صاحب الكشاف: قوله: سَنَفْرُغُ لَكُمْ مستعار من قول الرجل لمن يتهدده، سأفرغ لك، يريد سأتجرد للإيقاع بك من كل ما يشغلني عنك، حتى لا يكون لي شغل سواه، والمراد: التوفر على النكاية فيه، والانتقام منه.
ويجوز أن يراد ستنتهى الدنيا وتبلغ آخرها، وتنتهي عند ذلك شئون الخلق التي أرادها بقوله- تعالى-: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ، فلا يبقى إلا شأن واحد، وهو جزاؤكم، فجعل ذلك فراغا لهم على طريق المثل ... «١» .
وقوله- سبحانه-: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا ... مقول لقول محذوف، دل عليه ما قبله.
والمعشر- برنة مفعل- اسم للجمع الكثير الذي يعد عشرة فعشرة.
وقوله: تَنْفُذُوا من النفاذ بمعنى الخروج من الشيء، والأمر منه وهو قوله:
فَانْفُذُوا مستعمل في التعجيز. والأقطار: جمع قطر- بضم القاف وسكون الطاء- وهو الناحية الواسعة..
والمعنى: سنقصد إلى محاسبتكم ومجازاتكم على أعمالكم يوم القيامة، وسنقول لكم على سبيل التعجيز والتحدي. يا معشر الجن والإنس، إن استطعتم أن تنفذوا وتخرجوا من جوانب السموات والأرض ومن نواحيهما المتعددة.. فانفذوا واخرجوا، وخلصوا أنفسكم من المحاسبة والمجازاة..
وجملة: لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ بيان للتعجيز المتمثل في قوله- تعالى- فَانْفُذُوا، والسلطان المراد به هنا: القدرة والقوة.
أى: لا تنفذون من هذا الموقف العصيب الذي أنتم فيه إلا بقدرة عظيمة، وقوة خارقة، تزيد على قوة خالقكم الذي جعلكم في هذا الموقف، وأنى لكم هذه القوة التي أنتم أبعد ما تكونون عنها؟.
فالمقصود بالآية الكريمة، تحذير الفاسقين والكافرين، من التمادي في فسقهم وكفرهم، وبيان أنهم سيكونون في قبضة الله- تعالى- وتحت سلطانه، وأنهم لن يستطيعوا الهروب من قبضته وقضائه فيهم بحكمه العادل.
стр. 5849
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ. وَخَسَفَ الْقَمَرُ. وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ. يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ. كَلَّا لا وَزَرَ. إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ «١» .
وقوله- سبحانه-: يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ استئناف في جواب سؤال مقدر عما سيصيبهم إذا ما حاولوا الفرار.
والشواظ: اللهب الذي لا يخالطه دخان، لأنه قد تم اشتعاله فصار أشد إحراقا.
والنحاس: المراد به هنا الدخان الذي لا لهب فيه، ويصح أن يراد به: الحديد المذاب.
أى: أنتم لا تستطيعون الهرب من قبضتنا بأى حال من الأحوال، وإذا حاولتم ذلك، أرسلنا عليكم وصببنا على رءوسكم لهبا خالصا فأحرقكم، ودخانا لا لهب معه فكتم أنفاسكم، وفي هذه الحالة لا تنتصران. ولا تبلغان ما تبغيانه، ولا تجدان من يدفع عنكم عذابنا وبأسنا.
هذا والمتأمل في تلك الآيات الكريمة. يراها قد صورت بأسلوب بديع تفرد الله- تعالى- بالملك والبقاء، وافتقار الخلائق جميعا إلى عطائه، وأنهم جميعا في قبضته، ولن يستطيعوا الهروب من حكمه فيهم..
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك جانبا من أهوال يوم القيامة، ومن العذاب الذي يحيط بالمجرمين، وينزل بهم، فقال- تعالى-:
[سورة الرحمن (٥٥) : الآيات ٣٧ الى ٤٥]
فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ (٣٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٨) فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ (٣٩) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٠) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ (٤١)
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٢) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٥)
стр. 5850
وجواب «إذا» في قوله- سبحانه-: فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ محذوف لتهويل أمره..
وقوله- سبحانه-: فَكانَتْ وَرْدَةً تشبيه بليغ، أى: فكانت كالوردة في الحمرة.
والوردة جمعها ورود، وهي زهرة حمراء معروفة ذات أغصان شائكة. والدهان: ما يدهن به الشيء.. أى: فإذا انشقت السماء، فصارت حين انشقاقها وتصدعها، كالوردة الحمراء في لونها، وكالدهان الذي يدهن به الشيء في ذوبانها وسيلانها، رأيت ما يفزع القلوب، ويزلزل النفوس من شدة الهول.
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا. الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً «١» .
وقوله- سبحانه-: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ، وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً، فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ. وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ.. «٢» .
وقوله- : يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ، وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ، وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً «٣» .
ثم بين- سبحانه- ما يترتب على هذا الانشقاق والذوبان للسماء من أهوال فقال:
فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ. أى: ففي هذا اليوم العصيب، وهو يوم الحشر، لا يسأل عن ذنبه أحد، لا من الإنس ولا من الجن.
أى: أنهم لا يسألون عن ذنوبهم عند خروجهم من قبورهم، وإنما يسألون عن ذلك في موقف آخر، وهو موقف الحساب والجزاء، إذ في يوم القيامة مواقف متعددة.
وبذلك يجاب عن الآيات التي تنفى السؤال يوم القيامة، والآيات التي تثبته، كقوله- تعالى-: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ.
وبعضهم يرى أن السؤال المنفي في بعض الآيات هو سؤال الاستخبار والاستعلام، والسؤال المثبت هو سؤال التوبيخ والتقريع.. عن الأسباب التي جعلتهم ينحرفون عن الطريق المستقيم، ويسيرون في طريق الفسوق والعصيان ...
стр. 5851
ثم بين- سبحانه- ما يحل بالمجرمين في هذا اليوم من عذاب فقال: يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ، فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ. هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ.
وقوله: بِسِيماهُمْ أى: بعلاماتهم التي تدل عليهم، وهي زرقة العيون. وسواد الوجوه، كما في قوله- تعالى-: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ ... «١» .
وكما في قوله- سبحانه-: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً ... «٢» .
والنواصي: جمع ناصية، وهي مقدم الرأس. والأقدام: جمع قدم، وهو ظاهر الساق، و «أل» في هذين اللفظين عوض عن المضاف إليه.
والمراد بالطواف في قوله: يَطُوفُونَ بَيْنَها.. كثرة التردد والرجوع إليها بين وقت وآخر.
والحميم: الماء الشديد الغليان والحرارة.
وآنٍ: أى: قد بلغ النهاية في شدة الحرارة، يقال: أنى الحميم، أى انتهى حره إلى أقصى مداه، فهو آن وبلغ الشيء أناه- بفتح الهمزة وكسرها- إذا وصل إلى غاية نضجه وإدراكه، ومنه قوله- تعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ أى: نضجه..
أى: في هذا اليوم، وهو يوم الحساب والجزاء يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بسواد وجوههم، وزرقة عيونهم، وبما تعلو أفئدتهم من غبرة ترهقها قترة. فتأخذ الملائكة بالشعر الذي في مقدمة رءوسهم، وبالأمكنة الظاهرة من سيقانهم، وتقذف بهم في النار، وتقول لهم على سبيل الإهانة والإذلال: هذه جهنم التي كنتم تكذبون بها في الدنيا أيها المجرمون، فترددوا بين مائها الحار، وبين سعيرها البالغ النهاية في الشدة.
وفي قوله: فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ إشارة إلى التمكن منهم تمكنا شديدا، بحيث لا يستطيعون التفلت أو الهرب.
وقد ختمت كل آية من هذه الآيات السابقة بقوله- تعالى-: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ لأن عقاب العصاة المجرمين، وإثابة الطائعين المتقين، يدل على كمال عدله
стр. 5852
- سبحانه-، وعلى فضله ونعمته على من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى.
قال الإمام ابن كثير: ولما كان معاقبة العصاة المجرمين، وتنعيم المتقين، من فضله.
ورحمته، وعدله، ولطفه بخلقه، وكان إنذاره لهم من عذابه وبأسه، مما يزجرهم عما هم فيه من الشرك والمعاصي وغير ذلك قال ممتنا بذلك على بريته فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ «١» .
وكعادة القرآن الكريم في قرن أحوال الأخيار، بأحوال الأشرار، أو العكس: جاء الحديث عما أعده- سبحانه- للمتقين من جزيل الثواب، بعد الحديث عما سينزل بالمجرمين من عقاب فقال- تعالى-:
[سورة الرحمن (٥٥) : الآيات ٤٦ الى ٦١]
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٧) ذَواتا أَفْنانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٩) فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ (٥٠)
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥١) فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ (٥٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٣) مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ (٥٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٥)
فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٧) كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ (٥٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٩) هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ (٦٠)
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦١)
قال الآلوسى: قوله- تعالى-: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ ... شروع في تعديد الآلاء التي تفاض في الآخرة على المتقين، بعد بيان سوء عاقبة المكذبين.
ومَقامَ مصدر ميمى بمعنى القيام مضاف إلى الفاعل. أى: ولمن خاف قيام ربه عليه وكونه مراقبا له، ومهيمنا عليه فالقيام هنا مثله في قوله- تعالى- أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِ
стр. 5853
نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ... أو هو اسم مكان. والمراد به مكان وقوف الخلق في يوم القيامة للحساب.. إذ الخلق جميعا قائمون له- تعالى- كما في قوله- سبحانه-: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ «١» .
والمعنى: ولكل من خاف القيام بين يدي ربه للحساب، وخشي هيمنته- سبحانه- عليه، ومجازاته له ... لكل من خاف ذلك وقدم في دنياه العمل الصالح، جَنَّتانِ يتنقل بينهما، ليزداد سروره، وحبوره.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم قال: جَنَّتانِ؟ قلت الخطاب للثقلين، فكأنه قيل لكل خائفين منكما جنتان. جنة للخائف الإنسى، وجنة للخائف الجنى.
ويجوز أن يقال: جنة لفعل الطاعات، وجنة لترك المعاصي، لأن التكليف دائر عليهما، وأن يقال: جنة يثاب بها وأخرى تضم إليها على وجه التفضل، كقوله- تعالى-: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ «٢» .
وقوله: ذَواتا أَفْنانٍ صفة للجنتين. والأفنان جمع فنن- بفتحتين- وهو الغصن.
أى: جنتان صاحبتا أغصان عظيمة. تمتاز بالجمال واللين والنضرة.
ثم وصفهما- سبحانه- بصفات أخرى كريمة فقال: فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ أى: في كل جنة منهما عين تجرى بالماء العذب الفرات ...
فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ أى: وفيهما كذلك من كل نوع من أنواع الفاكهة صنفان، ليتفكه المتقون ويتلذذوا بتلك الفواكه الكثيرة، التي لا هي مقطوعة، ولا هي ممنوعة.
ثم بين- سبحانه- حسن مجلسهم فقال: مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ، وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ.
والجملة الكريمة حال من قوله- تعالى-: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ ...
وعبر- سبحانه- بالاتكاء لأنه من صفات المتنعمين الذين يعيشون عيشة راضية، لاهم معها ولا حزن.
والفرش: جمع فراش- ككتب وكتاب- وهو ما يبسط على الأرض للنوم أو الاضطجاع.
стр. 5854
والبطائن: جمع بطانة، وهي ما قابل الظهارة من الثياب، ومشتقة من البطن المقابلة للظهر، ومن أقوالهم: أفرشنى فلان ظهره وبطنه، أى: أطلعنى على سره وعلانيته.
والإستبرق: الديباج المصنوع من الحرير السميك، وهو من أجود أنواع الثياب.
والمعنى: أن هؤلاء الذين خافوا مقام ربهم ونهوا أنفسهم عن الهوى، يعيشون في الجنات حالة كونهم، متكئين في جلستهم على فرش بطائنها الداخلية من الديباج السميك. وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ أى: وما يجنى ويؤخذ من الجنتين قريب التناول، دانى القطاف.
فالمراد بقوله- تعالى-: وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ ما يجتنى من ثمارهما ودانٍ من الدنو بمعنى القرب.
أى: أنهم لا يتعبون أنفسهم في الحصول على تلك الفواكه، وإنما يقطفون ما يشاءون منها، وهم متكئون على فراشهم الوثير.
ثم بين- سبحانه- ألوانا أخرى من نعيمهم فقال: فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ، كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ.
وقوله- سبحانه-: قاصِراتُ الطَّرْفِ صفة لموصوف محذوف. والطمث: كناية عن افتضاض البكارة. يقال: طمث الرجل امرأته- من باب ضرب وقتل-، إذا أزال.
بكارتها. وأصل الطمث: الجماع المؤدى إلى خروج دم الفتاة البكر، ثم أطلق على كل جماع وإن لم يكن معه دم.
أى: في هاتين الجنتين اللتين أعدهما- سبحانه- لمن خاف مقامه.. نساء قاصرات عيونهن على أزواجهن، ولا يلتفتن إلى غيرهم. وهؤلاء النساء من صفاتهن- أيضا- أنهن أبكار، لم يلمسهن ولم يزل بكارتهن أحد قبل هؤلاء الأزواج ... وكأن هؤلاء النساء في صفائهن وجمالهن وحمرة خدودهن ... الياقوت والمرجان.
ثم ختم- سبحانه- هذه النعم بقوله: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ والاستفهام لنفى أن يكون هناك مقابل لعمل الخير، سوى الجزاء الحسن، فالمراد بالإحسان الأول، القول الطيب، والفعل الحسن، والمراد بالإحسان الثاني: الجزاء الجميل الكريم على فعل الخير.
أى: ما جزاء من آمن وعمل صالحا، وخاف مقام ربه، ونهى نفسه عن الهوى.. إلا أن يجازى الجزاء الحسن، ويقدم له العطاء الذي يشرح صدره وتقر به عينه.
وقد عقب- سبحانه- بعد كل آية من تلك الآيات السابقة بقوله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما
стр. 5855
تُكَذِّبانِ
لأن كل آية قد اشتملت على نعمة أو نعم عظيمة من شأن العاقل أن يشكر الله- تعالى- عليها شكرا جزيلا.
ثم واصلت السورة حتى نهايتها، حديثها عن النعم التي منحها- سبحانه- لمن خاف مقام ربه، فقال- تعالى-:
[سورة الرحمن (٥٥) : الآيات ٦٢ الى ٧٨]
وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٣) مُدْهامَّتانِ (٦٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٥) فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ (٦٦)
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٧) فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٩) فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧١)
حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ (٧٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٣) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٧٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٥) مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ (٧٦)
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٧) تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٧٨)
وقوله- سبحانه-: وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ معطوف على قوله- تعالى- قبل ذلك:
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ.
ولفظ دون هنا يحتمل أنه بمعنى غير. أى: ولمن خاف مقام ربه جنتان، وله- أيضا- جنتان أخريان غيرهما، فهو من باب قوله- سبحانه- لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ.
قالوا: ويشهد لهذا الاحتمال. أن الله- تعالى- قد وصف هاتين الجنتين بما يقارب وصفه للجنتين السابقتين، وأن تكرير هذه الأوصاف من باب الحض على العمل الصالح الذي يوصل الى الظفر بتلك الجنات، وما اشتملت عليه من خيرات.
стр. 5856
ويحتمل أن لفظ دون هنا: بمعنى أقل، أى: وأقل من تلك الجنتين في المنزلة والقدر، جنتان أخريان..
وعلى هذا المعنى سار جمهور المفسرين، ومن المفسرين الذين ساروا على هذا الرأى الإمام ابن كثير، فقد قال- ﵀ هاتان الجنتان دون اللتين قبلهما في المرتبة والفضيلة والمنزلة، بنص القرآن، فقد قال- تعالى-: وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ..
فالأوليان للمقربين، والأخريان: لأصحاب اليمين..
والدليل على شرف الأولين على الأخريين وجوه:
أحدها: أنه نعت الأوليين قبل هاتين، والتقديم يدل على الاعتناء، ثم قال: وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ وهذا ظاهر في شرف المتقدم، وعلوه على الثاني.
وقال هناك ذَواتا أَفْنانٍ وهي الأغصان، أو الفنون في الملاذ: وقال هاهنا مُدْهامَّتانِ أى: سوداوان من شدة الري من الماء.. «١» .
وقال الإمام القرطبي: فإن قيل: كيف لم يذكر أهل هاتين الجنتين، كما ذكر أهل الجنتين الأوليين؟.
قيل: الجنان الأربع لمن خاف مقام ربه. إلا أن الخائفين مراتب، فالجنتان الأوليان لأعلى العباد منزلة في الخوف من الله- تعالى-، والجنتان الأخريان لمن قصرت حاله في الخوف من الله- تعالى- «٢» .
وقال الآلوسى: قوله- تعالى-: وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ مبتدأ وخبر أى: ومن دون تينك الجنتين في المنزلة والقدر جنتان أخريان والأكثرون على أن الأوليين للسابقين، وهاتين لأصحاب اليمين ...
وقوله: مُدْهامَّتانِ صفة للجنتين.. أى: هما شديدتا الخضرة، والخضرة إذا اشتدت ضربت إلى السواد من كثرة الري.. «٣» .
ثم فصل- سبحانه- أوصاف هاتين الجنتين فقال: يهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ
أى:
فوارتان بالماء الذي لا ينقطع منهما من النضخ وهو فوران الماء من العيون مع حسنه وجماله.
فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ وعطف- سبحانه- النخل والرمان على الفاكهة مع أنهما منها، لفضلهما، فكأنهما لما لهما من المزية جنسان آخران.
стр. 5857
أو- كما يقول صاحب الكشاف-: لأن النخل ثمره فاكهة وطعام، والرمان فاكهة ودواء، فلم يخلصا للتفكه، ولذا قال أبو حنيفة- ﵀ إذا حلف لا يأكل فاكهة، فأكل رمانا أو رطبا لم يحنث ... «١» .
والضمير في قوله- تعالى-: فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ يعود إلى الجنات الأربع:
الجنتين المذكورتين في قوله- تعالى-: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ والجنتين المذكورتين هنا في قوله- سبحانه-: وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ.
ولفظ خَيْراتٌ صفة لموصوف محذوف. أى: نساء خيرات حسان.
أى: في هذه الجنات نساء فاضلات الأخلاق، حسان الخلق والخلق.
قال الجمل: قوله: خَيْراتٌ فيه وجهان: أحدهما: أنه جمع خيرة بزنة فعلة بسكون العين- يقال: امرأة خيرة، وأخرى شرة، والثاني. أنه جمع خيرة المخفف من خيرة بالتشديد، ويدل على ذلك قراءة خيرات- بتشديد الياء.. «٢» .
وقوله حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ بدل من خيرات. والحور: جمع حوراء، وهي المرأة ذات الحور، أى: ذات العين التي اشتد بياضها واشتد سوادها في جمال وحسن..
ومقصورات: جمع مقصورة أى: محتجبة في بيتها. قد قصرت نفسها على زوجها ... فهي لا تجرى في الطرقات.. بل هي ملازمة لبيتها، وتلك صفة النساء الفضليات اللاتي يزورهن من يريدهن، أما هن فكما قال الشاعر:
ويكرمها جاراتها فيزرنها ... وتعتل عن إتيانهن فتعذر
أى: في تلك الجنات نساء خيرات فضليات جميلات مخدرات. ملازمات لبيوتهن، لا يتطلعن إلى غير رجالهن..
هؤلاء النساء لَمْ يَطْمِثْهُنَّ أى: لم يلمسهن ويباشرهن إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ.
أى: لم يجامعهن أحد لا من الإنس ولا من الجن قبل الرجال الذين خصصهن الله- تعالى- لهم..
وقوله: مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ ... حال من قوله- تعالى-:
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ....
стр. 5858
والرفرف: مأخوذ من الرّف بمعنى الارتفاع، وهو اسم جمع واحده رفرفة، أو اسم جنس جمعى وخُضْرٍ صفة له..
والعبقري: وصف لكل ما كان ممتازا في جنسه. نادر الوجود في صفاته والمراد به هنا الثوب الموشى بالذهب، والبالغ النهاية في الجودة والجمال..
قال القرطبي: العبقري: ثياب منقوشة تبسط.. قال القتيبي: كل ثوب وشى عند العرب فهو عبقري. وقال أبو عبيد: هو منسوب الى أرض يعمل فيها الوشي..
ويقال: عبقر قرية باليمن تنسج فيها بسط منقوشة. وقال ابن الأنبارى: إن الأصل فيه أن عبقر قرية يسكنها الجن ينسب إليها كل فائق جليل، ومنه قول النبي ﷺ : في عمر ابن الخطاب: فلم أر عبقريا يفرى فريه.. «١» .
أى: هؤلاء الذين خافوا مقام ربهم، قد أسكناهم بفضلنا الجنات العاليات حالة كونهم فيها على الفرش الجميلة المرتفعة. وعلى الأبسطة التي بلغت الغاية في حسنها وجودتها ودقة وشيها..
ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بقوله: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ.
أى: جل شأن الله- تعالى-، وارتفع اسمه الجليل عما لا يليق بشأنه العظيم، فهو- صاحب الجلال. أى: العظمة والاستغناء المطلق، والإكرام. أى: الفضل التام، والإحسان الذي لا يقاربه إحسان.
وبعد: فهذا تفسير لسورة «الرحمن» نسأل الله- تعالى- أن يجعله خالصا لوجهه ونافعا لعباده.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..
الدوحة- قطر صباح الأحد ٦ من رجب ١٤٠٦ هـ ١٦ من مارس ١٩٨٦ م.
كتبه الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى
стр. 5859
تفسير سورة الواقعة
стр. 5860
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة وتمهيد
١- سورة «الواقعة» هي السورة السادسة والخمسون في ترتيب المصحف، أما ترتيبها في النزول، فقد كان نزولها بعد سورة «طه» وقبل سورة «الشعراء» .
وقد عرفت بهذا الاسم منذ عهد النبوة، فعن ابن عباس قال: قال أبو بكر- رضى الله عنه- للنبي ﷺ : يا رسول الله قد شبت. قال: شيبتني هود والواقعة والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت.
وعن عبد الله بن مسعود- رضى الله عنه- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا ... » «١» .
٢- وعدد آياتها ست وتسعون آية عند الكوفيين. وسبع وتسعون عند البصريين، وتسع وتسعون عند الحجازيين والمدنيين.
٣- وسورة «الواقعة» من السور المكية الخالصة، واستثنى بعضهم بعض آياتها، وعدها من الآيات المدنية، ومن ذلك قوله- تعالى-: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ.
وقوله- سبحانه-: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ... إلى قوله- تعالى-:
وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ.
والذي تطمئن إليه النفس أن السورة كلها مكية، وأن ما استثنى منها لم يقم دليل يعتد به على صحته.
٤- وقد افتتحت سورة «الواقعة» بالحديث عن أهوال يوم القيامة، وعن أقسام الناس في هذا اليوم..
قال- تعالى-: وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً، فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ، وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ، وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ....
٥- وبعد أن فصل- سبحانه- الحديث عن كل قسم من هذه الأقسام، وبين ما أعد له
стр. 5861
من جزاء عادل ... أتبع ذلك بالحديث عن مظاهر قدرته، وسعة رحمته، وعظيم فضله، فقال- تعالى-: نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ. أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ، أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ....
أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ، أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ....
أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ، أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ.
أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ، أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ.
٦- وكما افتتحت السورة الكريمة ببيان أهوال يوم القيامة، وبيان أنواع الناس في هذا اليوم.. اختتمت- أيضا- بالحديث عن أقسام الناس يوم الحساب، وعاقبة كل قسم، قال- تعالى-: فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ، فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ. وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ، فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ، وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ، فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ، وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ، إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ، فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ.
٧- هذا والمتدبر في هذه السورة الكريمة، يراها قد ساقت بأسلوب بليغ مؤثر، ما يحمل الناس على حسن الاستعداد ليوم القيامة، عن طريق الإيمان العميق، والعمل الصالح، وما يبين لهم عن طريق المشاهدة مظاهر قدرة الله- تعالى- ووحدانيته، وما يكشف لهم النقاب عن أقسام الناس في يوم الحساب، وعن عاقبة كل قسم، وعن الأسباب التي وصلت بكل قسم منهم إلى ما وصل إليه من جنة أو نار..
وما يريهم عجزهم المطلق أمام قدرة الله- تعالى- وأمام قضائه وقدره.. فهم يرون بأعينهم أعز إنسان عندهم، تنتزع روحه من جسده.. ومع ذلك فهم عاجزون عن أن يفعلوا شيئا..
وصدق الله إذ يقول: فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ. وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ، وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ. فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ. تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ..
نسأل الله- تعالى- أن يجعلنا من عباده المقربين.. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..
الدوحة قطر مساء الاثنين ٧ من رجب سنة ١٤٠٦ هـ ١٧ من مارس سنة ١٩٨٦ م د. محمد سيد طنطاوى
стр. 5862
التفسير قال الله- تعالى-:
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ١ الى ٢٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ (٢) خافِضَةٌ رافِعَةٌ (٣) إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤)
وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (٥) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً (٧) فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (٩)
وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)
عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ (١٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (١٩)
وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)
لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً (٢٥) إِلاَّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً (٢٦)
افتتحت سورة «الواقعة» بتقرير الحقيقة التي لا شك فيها، وهي أن يوم القيامة حق وأن الحساب حق، وأن الجزاء حق..
стр. 5863
وقد اختير الافتتاح بالظرف المتضمن معنى الشرط، لأنه ينبه الأذهان ويحرك النفوس لترقب الجواب.
والواقعة من أسماء القيامة كالقارعة، والحاقة، والآزفة..
قال الجمل: وفي إِذا هنا أوجه: أحدها: أنها ظرف محض، ليس فيها معنى الشرط، والعامل فيها ليس، من حيث ما فيها من معنى النفي، كأنه قيل: ينتفى التكذيب بوقوعها إذا وقعت.
والثاني: أن العامل فيها اذكر مقدرا. الثالث: أنها شرطية وجوابها مقدر، أى: إذا وقعت الواقعة كان، كيت وكيت، وهو العامل فيها.. «١» .
وقال بعض العلماء: والذي يظهر لي صوابه، أن إذا هنا: هي الظرفية المتضمنة معنى الشرط، وأن قوله الآتي: إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا بدل من قوله: إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ وأن الجواب إذا هو قوله: فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ....
وعليه فالمعنى: إذا قامت القيامة، وحصلت هذه الأحوال العظيمة، ظهرت منزلة أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة.. «٢» .
وقوله- تعالى-: لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ مؤكد لما قبله، من أن وقوع يوم القيامة حق لا ريب فيه.
وكاذبة: صفة لموصوف محذوف، وهي اسم فاعل بمعنى المصدر..
أى: عند ما تقع القيامة، لا تكذبها نفس من النفوس التي كانت تجحدها في الدنيا، بل كل نفس حينئذ تكون مصدقة لها.
قال القرطبي: قوله: لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ. الكاذبة مصدر بمعنى الكذب، والعرب قد تضع الفاعل والمفعول موضع المصدر، كقوله- تعالى-: لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً أى:
لغو..
أى: ليس لقيام القيامة كذب ولا تخلف، بل هي واقعة يقينا..
أو الكاذبة صفة والموصوف محذوف، أى: ليس لوقعتها حال كاذبة أو نفس كاذبة.. «٣»
стр. 5864
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ.. «١» .
وقوله- سبحانه-: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ، وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ «٢» .
ثم بين- سبحانه- ما يترتب على قيام الساعة من أحوال فقال: خافِضَةٌ رافِعَةٌ أى: هي خافضة للأشقياء إلى أسفل الدركات: وهي رافعة للسعداء إلى أعلى الدرجات.
والخفض والرفع يستعملان عند العرب في المكان والمكانة. وفي العز والإهانة.. ونسب- سبحانه- الخفض والرفع إلى القيامة على سبيل المجاز.
والمقصود بالآية الكريمة ترغيب الصالحين في الازدياد من العمل الصالح، لترفع منزلتهم يوم القيامة، وترهيب الفاسقين من سوء المصير الذي ينتظرهم، إذا ما استمروا في فسقهم وعصيانهم.
ويرى بعضهم أن المراد بالخفض والرفع في هذا اليوم، ما يترتب عليه من تناثر النجوم، ومن تبدل الأرض غير الأرض، ومن صيرورة الجبال كالعهن المنفوش..
وعلى هذا يكون المقصود بالآية: التهويل من شأن يوم القيامة، حتى يستعد الخلق لاستقباله، بالإيمان والعمل الصالح، حتى لا يصيبهم فيه ما يصيب العصاة المفسدين، من خزي وهوان..
والآية الكريمة تسع المعنيين، لأن في هذا اليوم يرتفع الأخيار وينخفض الأشرار، ولأن فيه- أيضا- تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ....
والمراد بالرج في قوله- تعالى- بعد ذلك: إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا. وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا ... التحريك الشديد، والاضطراب الواضح. يقال: رج فلان الشيء رجا، إذا حركه بعنف وزلزلة بقوة..
وقوله وَبُسَّتِ من البس بمعنى التفتيت والتكسير الدقيق، ومنه قولهم: بس فلان السويق، إذا فتته ولته وهيأه للأكل ...
أى: إذا رجت الأرض وزلزلت زلزالا شديدا، وفتت الجبال تفتيتا حتى صارت كالسويق
стр. 5865
الملتوت.. فكانت تلك الجبال كالهباء المنبث أى: المتفرق الذي يلوح من خلال شعاع الشمس إذا ما دخل من نافذة..
إذا ما حدث كل ذلك، وجد كل إنسان جزاءه من خير أو شر، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ.
فجواب الشرط ما ذكرته الآيات بعد ذلك من حسن عاقبة أصحاب الميمنة وسوء عاقبة أصحاب المشأمة.
ومن الآيات الكثيرة، التي وردت في معنى هذه الآيات قوله- تعالى-: يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا «١» .
والخطاب في قوله- تعالى-: وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً للناس جميعا، وكان بمعنى صار، والأزواج بمعنى الأصناف والأنواع..
أى: وصرتم- أيها الناس- في هذا اليوم الهائل الشديد، أصنافا ثلاثة، على حسب أحوالكم في الدنيا..
ثم فصل- سبحانه- الحديث عن الأزواج الثلاثة فقال: فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ، وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ. وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ.
والمراد بأصحاب الميمنة، أولئك السعداء الذين يؤتون كتبهم يوم القيامة بأيمانهم، أو لأنهم يذهب بهم ذات اليمين إلى الجنة..
أو سموا بذلك، لأنهم ميامين، أى: أصحاب بركة على أنفسهم، لأنهم أطاعوا ربهم وخالفوا أهواءهم.. فكانت عاقبتهم الجنة.
وسمى الآخرون بأصحاب المشأمة، لأنهم مشائيم، أى: أصحاب شؤم على أنفسهم، لأنهم طغوا وآثروا الحياة الدنيا، فكانت عاقبتهم النار.
أو سموا بذلك، لأنهم يؤتون كتبهم بشمائلهم. أو لأنهم يذهب بهم ذات الشمال إلى النار..
والعرب تسمى الشمال شؤما، كما تسمى اليمين يمنا.
والتعبير بقوله: ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ للتفخيم والإعلاء من شأنهم، كما أن التعبير بقوله- تعالى-: ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ للتحقير والتعجيب من حالهم.
وجملة: ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ مكونة من مبتدأ- وهو ما الاستفهامية-، وخبر وهو
стр. 5866
ما بعدها، وهذه الجملة خبر لقوله فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ. ووضع فيها الاسم الظاهر موضع الضمير للتفخيم، بخلاف وضعه في أصحاب المشأمة، فهو للتشنيع عليهم.
وشبيه بهذا الأسلوب قوله- تعالى-: الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ والْقارِعَةُ مَا الْقارِعَةُ ولا يؤتى بمثل هذا التركيب إلا في مواضع التفخيم، أو التعجيب..
والمعنى: فأصحاب الميمنة، أى شيء هم في أحوالهم وصفاتهم الكريمة، وأصحاب المشأمة، أى شيء هم في أحوالهم وصفاتهم القبيحة؟.
وقد ترك هذا الاستفهام التعجيبى على إبهامه، لتذهب النفس فيه كل مذهب من الثواب أو العقاب..
وقوله: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ هؤلاء هم الصنف الثالث، وهم الذين سبقوا غيرهم إلى كل قول أو فعل فيه طاعة لله- تعالى- وتقرب إلى جلاله.
والأظهر في إعراب مثل هذا التركيب، أنه مبتدأ وخبر، على عادة العرب في تكريرهم اللفظ، وجعلهم الثاني خبرا عن الأول، ويعنون بذلك أن اللفظ المخبر عنه، معروف خبره، ولا يحتاج إلى تعريفه، كما في قول الشاعر:
أنا أبو النجم، وشعري شعري
يعنى: أن شعري هو الذي أتاك خبره، وانتهى إليك وصفه..
والمعنى: والسابقون هم الذين اشتهرت أحوالهم. وعرفت منزلتهم، وبلغت من الرفعة مبلغا لا يفي به إلا الإخبار عنهم بهذا الوصف.
وحذف- سبحانه- المتعلق في الآية لإفادة العموم، أى: هم السابقون إلى كل فضل ومكرمة وطاعة..
وأخرهم- سبحانه- عن أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة، لتشويق السامع إلى معرفة أحوالهم، وبيان ما أعد لهم من ثواب عظيم، فصله بعد ذلك في قوله- تعالى-: أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ... أى: والسابقون غيرهم إلى كل فضيلة وطاعة، أولئك هم المقربون عند الله- تعالى- وأولئك هم الذين مقرهم جنات النعيم.
فالجملة الكريمة مستأنفة استئنافا بيانيا، لأنها جواب يثيره في النفوس قوله- تعالى- وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ وأُولئِكَ مبتدأ، وخبره ما بعده. وما فيه من معنى البعد، مع قرب العهد بالمشار إليه، للإشعار يسمو منزلتهم عند الله- تعالى- ولفظ الْمُقَرَّبُونَ
стр. 5867
مأخوذ من القربة بمعنى الحظوة، وهو أبلغ من القريب، لدلالة صيغته على الاصطفاء والاجتباء..
أى: أولئك هم المقربون من ربهم- قربا لا يعرف أحد مقداره.
وقوله- سبحانه-: فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ بيان لمظهر من مظاهر آثار هذا التقرب.
قال الآلوسى: وقوله: فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ متعلق بقوله الْمُقَرَّبُونَ أو بمضمر هو حال من ضميره، أى كائنين في جنات النعيم.
وعلى الوجهين. فيه إشارة إلى أن قربهم محض لذة وراحة، لا كقرب خواص الملك القائمين بأشغاله عنده، بل كقرب جلسائه وندمائه الذين لا شغل لهم، ولا يرد عليهم أمر أو نهى، ولذا قيل جَنَّاتِ النَّعِيمِ دون جنات الخلود ونحوه.. «١» .
ثم قال- تعالى-: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ والثلة: الجماعة الكثيرة من الناس، وأصلها: القطعة من الشيء.. وهي خبر لمبتدأ محذوف، وللمفسرين في المراد بالثلة من الأولين، وبالقليل من الآخرين، اتجاهان:
أولهما: يرى أصحابه أن المراد بقوله: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ: أولئك السابقون من الأمم الكثيرة السابقة على الأمة الإسلامية، وهم الذين صدقوا أنبياءهم وعزروهم ونصروهم.
والمراد بقوله: وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ المؤمنون من هذه الأمة الإسلامية.
وعلى هذا المعنى سار صاحب الكشاف. فقد قال: الثلاثة، الأمة الكثيرة من الناس، قال الشاعر:
وجاءت إليهم ثلة خندقية ... بجيش كتيار من السيل مزبد
وقوله- : وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ كفى به دليلا على الكثرة- أى في لفظ ثُلَّةٌ- وهو من الثل وهو الكسر-.. كأنها جماعة كسرت من الناس وقطعت منهم.
والمعنى: أن السابقين من الأولين كثير، وهم الأمم من لدن آدم- ﵇ إلى محمد ﷺ .. وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ، وهم أمة محمد ﷺ «٢» .
وأما الاتجاه الثاني فيرى أصحابه، أن الخطاب في قوله- تعالى-: وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً للأمة الإسلامية خاصة، وأن المراد بقوله ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ صدر هذه الأمة الاسلامية.
стр. 5868
وأن المراد بقوله- تعالى-: وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ من أتى بعد صدر هذه الأمة إلى يوم القيامة.
وقد أفاض الإمام ابن كثير في ترجيح هذا القول، فقال ما ملخصه: وقد اختلفوا في المراد بقوله: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ فقيل: المراد بالأولين الأمم الماضية، وبالآخرين من هذه الأمة.. وهو اختيار ابن جرير.
وهذا الذي اختاره ابن جرير هاهنا فيه نظر، بل هو قول ضعيف، لأن هذه الأمة، هي خير الأمم بنص القرآن، فيبعد أن يكون المقربون أكثر منها، اللهم إلا أن يقابل مجموع الأمم بهذه الأمة ...
فالقول الراجح أن يكون المراد بقوله- تعالى- ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ أى: من صدر هذه الأمة.
والمراد بقوله: وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ أى: من هذه الأمة..
وروى عن الحسن أنه قال: أما السابقون فقد مضوا، ولكن اللهم اجعلنا من أصحاب اليمين.
وقد رجح بعض العلماء القول الأول فقال ما ملخصه: وقد اختلف أهل العلم في المراد بهذه الثلة من الأولين، وهذا القليل من الآخرين المذكورين هنا.
كما اختلفوا في الثلتين المذكورتين في قوله- تعالى- بعد ذلك: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ، وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ.
وظاهر القرآن يفيد في هذا المقام: أن الأولين في الموضعين من الأمم الماضية.
والآخرين فيهما من هذه الأمة.
وأن قوله- تعالى-: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ، وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ في السابقين خاصة.
وأن قوله- تعالى-: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ، وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ في أصحاب اليمين خاصة.
وذلك لشمول الآيات لجميع الأمم، إذ قوله- تعالى-: وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً خطاب لجميع أهل المحشر، فظهر أن السابقين وأصحاب اليمين. منهم من هو من الأمم السابقة، ومنهم من هو من هذه الأمة..
ولا غرابة في أن يكون السابقون من الأمم السابقة أكثر.. لأن الأمم الماضية أمم كثيرة..
وفيهم أنبياء كثيرون.
стр. 5869
وأما أصحاب اليمين من هذه الأمة، فيحتمل أن يكونوا أكثر من أصحاب اليمين من جمع الأمم، لأن الثلة تتناول العدد الكثير وقد يكون أحد العددين.. الكثيرين، أكثر من الآخر، مع أنهما كلاهما كثير.
ولهذا تعلم أن ما دل عليه ظاهر القرآن واختاره ابن جرير. لا ينافي ما جاء من أن نصف أهل الجنة من هذه الأمة.. «١» .
ثم بين- سبحانه- ما أعده لهؤلاء السابقين بالخيرات من عطاء كريم، فقال: عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ.
والسرر: جمع سرير، وهو ما يستعمله الإنسان لنومه أو الاتكاء عليه في جلسته.
والموضونة: أى المنسوجة بالذهب نسجا محكما، لراحة الجالس عليها ولتكريمه. يقال:
وضن فلان الغزل يضنه، إذا نسجه نسجا متقنا جميلا.
أى: مستقرين على سرر قد نسجت أطرافها بالذهب وبما يشبهه، نسجا بديعا يشرح الصدر. فقوله: عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ حال من المقربين..
ومثله قوله: مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ أى: مضطجعين عليها اضطجاع الذي امتلأ قلبه بالراحة، وفراغ البال من كل ما يشغله، وقد قابل وجه كل واحد منهم وجه الآخر، ليتم سرورهم ونعيمهم، إذ تقابل وجوه الأحباب يزيد الأنس والبهجة.
يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ أى: يدور عليهم من أجل خدمتهم غلمان، شبابهم باق لا يتغير، وهيئتهم الجميلة على حالها لا تتبدل، فهم دائما على تلك الهيئة المنعوتة بالشباب والمنظر الحسن.
بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ أى: يطوفون عليهم، بأكواب أى: بأقداح لا عرى لها، وأباريق، أى: وبأوان ذات عرا وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ أى: وبإناء مملوء بالخمر الكثير الجاري فقوله مَعِينٍ من المعن بمعنى الكثرة.
لا يُصَدَّعُونَ عَنْها.. أى لا يصيبهم صداع أو تعب بسبب شرب هذه الخمر. فعن هنا بمعنى باء السببية.
قوله: وَلا يُنْزِفُونَ أى: ولا تذهب الخمر عقولهم، كما تفعل خمر الدنيا بشاربيها، مأخوذ من النزف، بمعنى اختلاط العقل.
стр. 5870
وقوله: وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ أى: ويطاف عليهم بفاكهة يتلذذون بأكلها، وهذه الفاكهة تأتيهم من كل نوع، على حسب ما يريدون ويشتهون.
وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ مما يحبونه ويختارونه من هذه اللحوم الطيبة المحببة إلى النفوس، يطاف عليهم به- أيضا- وقوله: وَحُورٌ عِينٌ معطوف على قوله وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ أى: ويطوف عليهم- أيضا- نساء عيونهن شديدة البياض والسواد في سعة وجمال.
وهؤلاء الحور العين كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ أى: يشبهن اللؤلؤ المكنون الذي لم تلمسه الأيدى، في صفاء بياضهن، وفي شدة جمالهن.
وقوله- سبحانه-: جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ بيان للأسباب التي أوصلتهم إلى هذا النعيم الكبير..
ولفظ جَزاءً منصوب على أنه مفعول لأجله لفعل محذوف، أى: أعطيناهم هذا العطاء الجزيل، جزاء مناسبا بسبب ما كانوا يعملونه في الدنيا من أعمال صالحة.
قوله- تعالى-: لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً. إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً تتميم للنعم التي أنعم- سبحانه- عليهم بها في الجنة.
واللغو: الكلام الساقط الذي لا فائدة منه، ولا وزن له. يقال: لغا فلان يلغو. إذا قال كلاما يلام عليه.
والتأثيم: مصدر إثم، إذا نسب غيره إلى الإثم وفعل ما لا يليق.
أى: أن هؤلاء المقربين لا يسمعون في الجنة كلاما لا يعتد به، ولا يسمعون- أيضا- كلاما سيئا أو قبيحا، بأن ينسب بعضهم إلى بعض ما لا يليق به، وإنما الذي يسمعونه هو الكلام الطيب المشتمل على الأمان المتكرر، والتحية الدائمة.
ولفظ سَلاماً الأول، بدل من قوله قِيلًا أو نعت له.. أى: سالما من العيوب.
والتكرير لهذا اللفظ القصد منه التأكيد، والإشعار بكثرة تحيتهم بهذا اللفظ الدال على المحبة والوئام.
أى: لا يسمعون في الجنة إلا سلاما إثر سلام، وتحية في أعقاب تحية، ومودة تتلوها مودة.
والاستثناء منقطع، لأن السلام لا يندرج تحت اللغو، وهو من تأكيد المدح بما يشبه الذم، وقِيلًا بمعنى: قولا، وهو منصوب على الاستثناء..
стр. 5871
وإلى هنا نجد الآيات الكريمة، قد بينت أقسام الناس يوم القيامة. وفصلت ما أعده- سبحانه- للسابقين، من عطاء جزيل، وفضل عميم.
وبعد هذا الحديث الزاخر بالخيرات والبركات عن السابقين.. جاء الحديث عن أصحاب اليمين وعما أعده الله- تعالى- لهم من ثواب فقال- سبحانه-:
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٢٧ الى ٤٠]
وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَماءٍ مَسْكُوبٍ (٣١)
وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً (٣٦)
عُرُباً أَتْراباً (٣٧) لِأَصْحابِ الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)
قال الآلوسى: قوله- تعالى-: وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ... شروع في بيان تفاصيل شئونهم، بعد بيان شئون السابقين.
وأصحاب: مبتدأ وقوله: ما أَصْحابُ الْيَمِينِ جملة استفهامية مشعرة بتفخيمهم، والتعجب من حالهم، وهي خبر المبتدأ.. أو معترضة، والخبر قوله: فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ... «١» .
والسدر: شجر النبق، واحده سدرة، ومخضود. أى: منزوع الشوك، يقال: خضد فلان الشجر، إذا قطع الشوك الذي به فهو خضيد ومخضود، أو مخضود بمعنى ملئ بالثمر حتى تثنت أغصانه، من خضدت الغصن، إذا ثنيته وأملته إلى جهة أخرى.
أى: وأصحاب اليمين، المقول فيهم ما أصحاب اليمين على سبل التفخيم، مستقرون يوم القيامة في حدائق مليئة بالشجر الذي خلا من الشوك وامتلأ بالثمار الطيبة، التي تثنت أغصانها لكثرتها ...
стр. 5872
قال القرطبي: وذكر ابن المبارك قال: حدثنا صفوان عن سليم بن عامر قال: كان أصحاب النبي ﷺ يقولون: إنه لينفعنا الأعراب ومسائلهم. قال: أقبل أعرابى يوما فقال: يا رسول الله، لقد ذكر الله في القرآن: شجرة مؤذية، وما كنت أرى في الجنة شجرة تؤذى صاحبها؟
فقال ﷺ : وما هي؟ قال: السدر، فإن له شوكا مؤذيا، فقال: ﷺ : ألم يقل الله- تعالى- فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ؟ خضد الله- تعالى- شوكه فجعل مكان كل شوكة ثمرة «١» .
وقوله- تعالى-: وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ بيان لنعمة ثانية. والطلح: قالوا هو شجر الموز.
واحدة طلحة، والمنضود: المتراكب بعضه فوق بعض، بحيث صار ثمره متراصا على هيئة جميلة تسر الناظرين.
فقوله مَنْضُودٍ اسم مفعول من النضد وهو الرص. يقال نضد فلان متاعه، - من باب ضرب- إذا وضع بعضه فوق بعض بطريقة منسقة جميلة، ومنه قوله- تعالى-:
وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ.
وقوله- سبحانه-: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ أى: متسع منبسط، بحيث لا يزول كما يزول الظل في الدنيا، ويحل محله ضوء الشمس.
أخرج الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة- رضى الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها عاما- وفي رواية مائة عام- اقرءوا إن شئتم وَظِلٍّ مَمْدُودٍ «٢» .
وقوله- سبحانه- وَماءٍ مَسْكُوبٍ أى: وفيها ماء كثير مصبوب يجرى على الأرض، ويأخذون منه ما شاءوا، بدون جهد أو تعب.
يقال: سكب فلان الماء سكبا، إذا صبه بقوة وكثرة.
وقوله- تعالى-: وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ، لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ أى: وهم بجانب كل ذلك يتلذذون في الجنة بفاكهة كثيرة، هذه الفاكهة ليست مقطوعة عنهم في وقت من الأوقات، ولا تمتنع عن طالبها متى طلبها.
وجمع- سبحانه- بين انتفاء قطعها ومنعها، للإشعار بأن فاكهة الجنة ليست كفاكهة الدنيا
стр. 5873
فهي تارة تكون مقطوعة، لأنها لها أوقاتا معينة تظهر فيها، وتارة تكون موجودة ولكن يصعب الحصول عليها، لامتناع أصحابها عن إعطائها.
وقوله- تعالى-: وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ أى: وفيها- أيضا- فرش منضدة، قد ارتفعت عن الأرض، ليتكئ عليها أهل الجنة وأزواجهم.
والضمير في قوله- تعالى-: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً ... عائد إلى غير مذكور، إلا أنه يفهم من سياق الكلام. لأن الحديث عن الفرش المرفوعة يشير إلى من يجلس عليها، وهم الرجال ونساؤهم، أى: نساؤهم من أهل الدنيا أو الحور العين، ويرى بعضهم أنه يعود إلى مذكور، لأن المراد بالفرش النساء، والعرب تسمى المرأة لباسا، وإزارا، وفراشا.
والإنشاء: الخلق والإيجاد. فيشمل إعادة ما كان موجودا ثم عدم، كما يشمل الإيجاد على سبيل الابتداء.
أى: إنا أنشأنا هؤلاء النساء المطهرات من كل رجس حسى أو معنوي، إنشاء جميلا، يشرح الصدور.
فَجَعَلْناهُنَّ بقدرتنا أَبْكاراً أى: فصيرناهن أبكارا ليكون ذلك أكثر تلذذا بهن.
قال الآلوسى: وفي الحديث الذي أخرجه الطبراني عن أبى سعيد مرفوعا إن أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم، عدن أبكارا «١» .
وقوله: عُرُباً أَتْراباً صفة أخرى من صفات هؤلاء النساء الفضليات الجميلات.
وقوله: عُرُباً جمع عروب- كرسل ورسول- من أعرب فلان في قوله إذا نطق بفصاحة وحسن بيان.
وأترابا: جمع ترب- بكسر التاء وسكون الراء- وترب الإنسان هو ما كان مساويا له في السن.
أى: إنا أنشأنا هؤلاء النساء على تلك الصورة الجميلة، فجعلناهن أبكارا كما جعلناهن- أيضا- محببات إلى أزواجهن، ومستويات في سن واحدة.
روى الترمذي عن الحسن قال: أتت عجوز فقالت يا رسول الله ادع الله- تعالى- أن يدخلني الجنة، فقال ﷺ : «يا أم فلان إن الجنة لا تدخلها عجوز، فولت تبكى» .
стр. 5874
فقال ﷺ : أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، إن الله- تعالى- يقول: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً، فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً. عُرُباً أَتْراباً ... «١» .
واللام في قوله: لِأَصْحابِ الْيَمِينِ متعلقة بأنشأناهن، أو جعلناهن.
أى: أنشأناهن كذلك، ليكن في صحبة أصحاب اليمين، على سبيل التكريم لهم..
وقوله: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ، وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ خبر لمبتدأ محذوف. أى: أصحاب اليمين جماعة كبيرة منهم من الأمم الماضية، وجماعة كبيرة أخرى من هذه الأمة الإسلامية.
وبذلك نرى أن الله- تعالى- قد ذكر لنا ألوانا من النعم التي أنعم بها على أصحاب اليمين. كما ذكر قبل ذلك ألوانا أخرى مما أنعم به على السابقين.
قال الآلوسى: ولم يقل- سبحانه- في حق أصحاب اليمين: جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ.
كما قال- سبحانه- ذلك في حق السابقين، رمزا إلى أن الفضل في حقهم متمحض، كأن عملهم لقصوره عن عمل السابقين، لم يعتبر اعتباره.
ثم الظاهر أن ما ذكر من أصحاب اليمين، هو حالهم الذي ينتهون إليه فلا ينافي أن يكون منهم من يعذب لمعاص فعلها، ومات غير تائب عنها، ثم يدخل الجنة.. «٢» .
وبعد هذا الحديث الذي يشرح الصدور، ويقر العيون، وترتاح له الأفئدة. عن السابقين وعن أصحاب اليمين.. جاء الحديث عن أصحاب الشمال، وهم الذين استحبوا العمى على الهدى وآثروا الغي على الرشد، فقال- تعالى-:
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٤١ الى ٥٦]
وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ (٤٤) إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥)
وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦) وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)
ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥)
هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦)
стр. 5875
وقوله- تعالى-: وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ. أى: ما قصة هؤلاء القوم؟ وما حالهم؟ وما جزاؤهم؟ ..
ثم بين- سبحانه- ذلك فقال: فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ والسموم: الريح الشديدة الحرارة. التي تدخل في مسام الجسد، فكأنها السم القاتل.
والحميم: الماء الذي بلغ النهاية في الغليان. أى: هم في الآخرة مستقرون فيما يهلكهم من الريح الحارة، والماء الشديد الغليان.
وهم كذلك في ظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ أى: في دخان أسود شديد يخنق أنفاسهم، والعرب يقولون لكل شيء شديد السواد: أسود يحموم، مأخوذ من الشيء الأحم، وهو الأسود من كل شيء، ومثله الحمم.
ومِنْ في قوله: مِنْ يَحْمُومٍ للبيان. إذ الظل هنا هو نفس اليحموم وتسميته ظلا من باب التهكم بهم.
وقوله- تعالى-: لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ صفتان للظل. أى: هذا الظل لا شيء فيه من البرودة التي يستروح بها من الحر. ولا شيء فيه من النفع لمن يأوى إليه.
فهاتان الصفتان لبيان انتفاء البرودة والنفع عنه، ومتى كان كذلك انتفت عنه صفات الظلال التي يحتاج إليها.
قال صاحب الكشاف: قوله- تعالى-: لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ نفى لصفتى الظل عنه، يريد أنه ظل ولكن لا كسائر الظلال سماه ظلا ثم نفى عنه برد الظل وروحه ونفعه لمن يأوى إليه من أذى الحر، ليمحق ما في مدلول الظل من الاسترواح إليه. والمعنى: أنه ظل حار ضار، إلا أن للنفي في نحو هذا شأنا ليس للإثبات، وفيه تهكم بأصحاب المشأمة، وأنهم لا يستأهلون الظل البارد الكريم، الذي هو لأضدادهم في الجنة.. «١» .
стр. 5876
ثم بين- سبحانه- الأسباب التي أدت بهؤلاء الأشقياء إلى هذا المصير الأليم، فقال- تعالى- إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ أى: إنهم كانوا قبل ذلك العذاب الذي حل بهم، أى: كانوا في الدنيا مُتْرَفِينَ أى: متنعمين بطرين، متبعين لهوى أنفسهم، وسالكين خطوات الشيطان. دون أن يصدهم عن ذلك صاد، أو يردعهم رادع.
فالمراد بالترف هنا: بطر النعمة، وعدم شكر الله- تعالى- عليها، والمترف: هو الذي يتقلب في نعم الله- تعالى-، ولكنه يستعملها في المعاصي لا في الطاعات، وفي الشرور لا في الخيرات.
وقوله- سبحانه-: وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ بيان لسبب آخر من الأسباب التي أدت بهم إلى هذا المصير السيئ.
والحنث: الذنب الكبير، والمعصية الشديدة، ويندرج تحته الإشراك بالله- تعالى-، وإنكار البعث والجزاء، والحلف الكاذب مع تعمد ذلك.
أى: وكانوا في الدنيا يصرون على ارتكاب الذنوب العظيمة، ويتعمدون إتيانها بدون تحرج أو تردد، ومن مظاهر ذلك أنهم أقسموا بالأيمان المغلظة أنه لا بعث ولا حساب، ولا جزاء، كما قال- تعالى-: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ ... «١» .
ثم حكى- سبحانه- لونا من أقوالهم الباطلة، وحججهم الداحضة فقال: وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ.
أى: أنهم فوق ترفهم وإصرارهم على ارتكاب الآثام كانوا يقولون- على سبيل الإنكار- لمن نصحهم باتباع الحق: أإذا متنا، وانتهت حياتنا ووضعنا في القبور، وصرنا ترابا وعظاما، أإنا لمبعوثون ومعادون إلى الحياة مرة أخرى؟ وهل آباؤنا الأولون الذين صاروا من قبلنا عظاما ورفاتا يبعثون- أيضا-؟.
ولا شك أن قولهم هذا دليل على انطماس بصائرهم، وعلى شدة غفلتهم عن آثار قدرة الله- تعالى- التي لا يعجزها شيء، والتي من آثارها إيجادهم من العدم.
ولذا لقن الله- تعالى- نبيه ﷺ الجواب الذي يخرس ألسنتهم فقال- سبحانه-: قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ.
أى: قل لهم- أيها الرسول الكريم- إن الأمم السابقة التي من جملتها آباؤكم. والأمم
стр. 5877
اللاحقة التي من جملتها أنتم. الكل مجموعون ومسوقون إلى المحشر في وقت واحد محدد في علم الله- تعالى-. وعند ما يأتى هذا الوقت ماله من دافع.
فالميقات هنا: بمعنى الوقت والأجل، والمراد به هنا: يوم القيامة.
ووصفه- سبحانه- بأنه معلوم، للإشعار بكونه معينا وواقعا وقوعا لا ريب فيه، ولكن في الوقت الذي يشاؤه الله- تعالى- ويختاره.
ثم بين- سبحانه- ما سيحل بهم من عذاب في هذا اليوم فقال: ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ، لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ....
والجملة الكريمة معطوفة على قوله- تعالى-: إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ ...
وداخلة في حيز القول. وثُمَّ للتراخي الزمانى أو الرتبى والخطاب للمشركين الذين أعرضوا عن دعوة النبي ﷺ .
ومِنْ في قوله: مِنْ شَجَرٍ ابتدائية، وفي قوله: مِنْ زَقُّومٍ بيانية.
وشجر الزقوم: لا وجود له في الدنيا، وإنما يخلقه الله- تعالى- في النار كما يخلق غيره من أصناف العذاب، كالحيات والعقارب..
وقيل: هو شجر سام، متى مسه جسد إنسان، تورم هذا الإنسان ومات ويوجد هذا الشجر في الأراضي المجدبة المجاورة للصحراء.
والزقوم من التزقم، وهو ابتلاع الشيء الكرية، بمشقة شديدة..
والمعنى: ثم قل لهم- أيها الرسول الكريم- على سبيل التقريع والتبكيت: إنكم أيها الضالون عن الحق. المكذبون بالبعث والجزاء، لآكلون يوم القيامة من شجر، هو شجر الزقوم، الذي هو أخبث الشجر وأبشعه ...
فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ أى: فمالئون من هذه الشجرة الخبيثة بطونكم، لشدة الجوع الذي حل بكم..
وجاء الضمير مؤنثا في قوله: مِنْهَا لأن الشجر هنا بمعنى الشجرة، أو لأن ضمائر الجمع لغير العاقل تأتى مؤنثة في الغالب.
ثم قال- تعالى-: فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ. فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ والضمير في قوله: عَلَيْهِ يعود على الأكل المستفاد من قوله: لَآكِلُونَ..
أى: ثم إنكم أيها الضالون المكذبون بعد هذا الأكل الخبيث من شجرة الزقوم.. تشربون.
عليه في بطونكم- ماء- قد بلغ أقصى درجات الحرارة، فصرتم في شرابكم كالإبل العطاش
стр. 5878
التي لا يرويها الماء مهما كثر لأنها مصابة بداء، هذا الداء يمنعها من الشبع منه، فما تزال تشرب منه حتى تهلك.
فقوله: الْهِيمِ صفة لموصوف محذوف، أى: الإبل الهيم، جمع أهيم للمذكر. وهيماء للمؤنث.
والهيام- بضم الهاء- داء يصيب الإبل، يجعلها تشرب فلا تشبع، وما تزال تشرب حتى تهلك، أو تسقم سقما شديدا يؤدى إلى موتها، والفاء في قوله- تعالى-: فَشارِبُونَ عَلَيْهِ عطف على لَآكِلُونَ ... لإفادة أن شربهم مع عطشهم الشديد، يأتى بعد أكلهم من الزقوم، بدون مهلة أو استراحة.
وقوله: فَشارِبُونَ شُرْبَ ... تأكيد لما قبله، للتنبيه على أن هذا الشراب- مع فظاعته وقبحه- لا مفر لهم منه، ولا انفكاك لهم عنه.
ثم ختم- سبحانه- هذه الآيات بقوله: هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ والنزل: ما يعد للضيف من منزل حسن، ومأكل حسن لإكرامه.
أى: هذا المذكور من أنواع العذاب المهين.. نزلهم ومسكنهم ومقرهم أول قدومهم يوم الجزاء ...
فالإشارة بقوله: هذا إلى ما ذكر قبل ذلك من عذاب مهين، من مظاهره أكلهم من الزقوم، وشربهم من الحميم..
والتعبير عما أعد لهم من عذاب بالنزل، على سبل التهكم، كما في قول الشاعر:
وكنا إذا الجبار بالجيش ضافنا ... جعلنا القنا والمرهفات له نزلا
وبذلك نرى الآيات الكريمة، وقد بينت ما أعد لأصحاب الشمال، من عذاب مهين، بأسلوب تقشعر من هوله الأبدان ...
وبعد هذا الحديث الجامع عن أقسام الناس يوم القيامة، وعن جزاء كل قسم ... أخذت السورة الكريمة في إقامة الأدلة على وحدانية الله- تعالى- وعلى كمال قدرته ...
وجاءت هذه الأدلة لا عن طريق أمور تخييلية، أو فلسفية، أو غيبية ... وإنما عن طريق أمور يحسونها بأنفسهم، ويشاهدونها بأعينهم.. عن طريق خلقهم، وزروعهم التي يزاولونها بأيديهم، والماء الذي يشربونه، والنار التي يوقدونها..
لنستمع إلى السورة الكريمة، وهي تحكى كل ذلك فتقول:
стр. 5879
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٥٧ الى ٧٤]
نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ (٥٧) أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ (٦١)
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦)
بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ (٧٠) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١)
أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)
وقوله- تعالى-: نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ رد على إنكار المشركين للبعث والجزاء، ولولا هنا للتحضيض، والفاء لترتيب التحضيض على ما قبله.
أى: نحن الذين خلقناكم- أيها الجاحدون- هذا الخلق الأول بقدرتنا وحدها، فهلا صدقتم بذلك، وأطعتم رسولنا ﷺ فيما جاءكم به من عندنا، وأيقنتم بأن الأولين والآخرين سيقفون أمامنا يوم القيامة للحساب؟.
فالمراد بقوله- تعالى-: خَلَقْناكُمْ: خلقهم من سلالة من طين، ثم جعلهم نطفة في قرار مكين كما قال- تعالى-: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ. ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً، فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً، فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً، فَكَسَوْنَا
стр. 5880
الْعِظامَ لَحْماً، ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ.
«١» .
فإن قيل: إنهم كانوا يعترفون بأن الله- تعالى- قد خلقهم، بدليل قوله- تعالى-:
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ... فما فائدة قوله- سبحانه- نَحْنُ خَلَقْناكُمْ ... ؟
فالجواب أنهم لما كان اعترافهم بمنزلة العدم، حيث أشركوا مع الله- تعالى- آلهة أخرى في العبادة قيل لهم على سبيل الإلزام والتبكيت: نَحْنُ خَلَقْناكُمْ....
ثم ذكر- سبحانه- بعد ذلك أربعة أدلة على صحة هذا البعث وإمكانه، أما الدليل الأول فتراه في قوله- تعالى-: أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ، أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ....
وقوله: تُمْنُونَ مأخوذ من أمنى بمعنى قذف المنى، يقال: أمنى الرجل النطفة، إذا قذفها. والاستفهام للتقرير، والرؤية علمية. وما موصولة وهي المفعول الأول لقوله أَفَرَأَيْتُمْ والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد إلى الموصول محذوف. وجملة: أأنتم تخلقونه ... هو المفعول الثاني.
والضمير المنصوب في قوله: تَخْلُقُونَهُ يعود إلى الاسم الموصول في قوله:
ما تُمْنُونَ. أى: أخبرونى- أيها المشركون عما تصبونه وتقذفونه من المنى في أرحام النساء؟ أأنتم تخلقون ما تمنونه من النطف علقا فمضغا.. أم نحن الذين خلقنا ذلك؟ لا شك أنكم تعرفون بأننا نحن الذين خلقنا كل ذلك، وما دام الأمر كما تعرفون، فلماذا عبدتم مع الله- تعالى- آلهة أخرى.
فالاستفهام للتقرير حيث إنهم لا يملكون إلا الاعتراف بأن الله- تعالى- وحده خلق الإنسان في جميع أطواره.
قال الجمل: وأَمْ في هذه المواضع الأربعة منقطعة، لوقوع جملة بعدها، والمنقطعة تقدر ببل والهمزة الاستفهامية، فيكون الكلام مشتملا على استفهامين، الأول: أأنتم تخلقونه؟ وجوابه: لا. والثاني: مأخوذ من أَمْ أى: بل أنحن الخالقون؟ وجوابه نعم «٢» .
ثم أكد سبحانه- خلقه لكل شيء، وقدرته على كل شيء. فقال- تعالى- نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ. عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ، وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ.
أى نحن وحدنا الذين قدرنا لموتكم آجالا مختلفة، وأعمارا متفاوتة، فمنكم من يموت
стр. 5881
صغيرا، ومنكم من يموت كبيرا، وما نحن بمسبوقين، أى: وما نحن بمغلوبين على ذلك، بل نحن قادرون قدرة تامة على تحديد آجالكم، فمن حضره أجله فلن يستطيع أن يتأخر عنه ساعة، أو يتقدم عنه ساعة. كما قال- تعالى-: فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ.
وقوله- تعالى-: عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ
متعلق بقوله: نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ....
والمراد بتبديل أمثالهم: إيجاد قوم آخرين من ذرية أولئك الذين ماتوا.
والمعنى: نحن وحدنا الذين قدرنا بينكم الموت وحددناه على حسب مشيئتنا ونحن الذين في قدرتنا أن نبدل من الذين ماتوا منكم أشباها لهم، نوجدهم بقدرتنا- أيضا- كما قال- سبحانه-: وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ، كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ «١» .
ويصح أن يكون قوله- تعالى-: قَدَّرْنا بمعنى قضينا وكتبنا، ويكون قوله:
عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ
متعلق بقوله بِمَسْبُوقِينَ، ويكون المراد بتبديل أمثالهم. إيجاد قوم آخرين سواهم.
والمعنى: نحن الذين وحدنا كتبنا عليكم الموت، وقضيناه على جميع الخلق فكل نفس ذائقة الموت، وما نحن بمغلوبين على إهلاككم، وعلى خلق أمثالكم بدلا منكم كما قال- تعالى-:
يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ. وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ، إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ، وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ «٢» .
وقوله- سبحانه-: وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ
بيان للون آخر من ألوان قدرته- تعالى-.
أى: نحن لسنا بعاجزين ولا بمغلوبين.. على أن نهلككم ونأتى بدلا منكم بغيركم. ولسنا- أيضا- بعاجزين على أن ننشئكم بعد إهلاككم فيما لا تعلمونه من الصور، والهيئات، والصفات.
قال صاحب الكشاف: قوله- تعالى-: نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ أى: قدرناه تقديرا، وقسمناه عليكم قسمة الرزق على اختلاف وتفاوت كما تقتضيه مشيئتنا فاختلفت أعماركم من قصير وطويل ومتوسط ...
стр. 5882
وقوله: وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ يقال: سبقته على الشيء إذا أعجزته عنه، وغلبته عليه، ولم تمكنه منه، فمعنى قوله وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ أنا قادرون على ذلك لا تغلبوننا عليه. وأمثالكم جمع مثل- بسكون الثاء- أى: على أن نبدل منكم ومكانكم أشباهكم من الخلق
وَعلى أن نُنْشِئَكُمْ
في خلق لا تعلمونها وما عهدتم مثلها. يعنى أنا نقدر على الأمرين جميعا: على خلق ما يماثلكم وما لا يماثلكم، فكيف نعجز عن إعادتكم.
ويجوز أن يكون أمثالكم جمع مثل، بفتحتين أى: على أن نبدل ونغير صفاتكم التي أنتم عليها في خلقكم وأخلاقكم، وننشئكم في صفات لا تعلمونها.. «١» .
ثم لفت- سبحانه- أنظارهم إلى ما يعلمونه من حالهم فقال: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ.
أى: والله لقد علمتم النشأة الأولى من خلقكم، حيث أوجدناكم من نطفة فعلقة فمضغة ...
فهلا تذكرتم ذلك وعقلتموه، وعرفتم أن من قدر على خلقكم ولم تكونوا شيئا مذكورا.. قادر على إعادتكم إلى الحياة مرة أخرى؟.
فالمقصود بهذه الآيات الكريمة إقامة الأدلة الساطعة، على إمكانية البعث وعلى أن من قدر على خلق الإنسان مع العدم قادر على إعادته.
قال القرطبي: وفي الخبر: عجبا كل العجب للمكذب بالنشأة الأخرى، وهو يرى النشأة الأولى. وعجبا للمصدق بالنشأة الآخرة، وهو لا يسعى لدار القرار «٢» .
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى بيان الدليل الثاني على صحة البعث وإمكانيته. فقال- تعالى-: أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ. أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ، لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ. إِنَّا لَمُغْرَمُونَ. بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ.
والحرث: شق الأرض من أجل زراعتها، والمراد به هنا: وضع البذر فيها بعد حرثها.
أى: أخبرونى عن البذور التي تلقون بها في الأرض بعد حرثها، أأنتم الذين تنبتونها وتصيرونها زرعا بهيجا نضرا أم نحن الذين نفعل ذلك؟ لا شك أنا نحن الذين نصير هذه البذور زروعا ونباتا يانعا، ولو نشاء لجعلنا هذا النبات حُطاماً أى مكسرا مهشما يابسا لا نفع فيه، فظللتم بسبب ذلك تَفَكَّهُونَ أى: فصرتم بسبب ما أصاب زرعكم من هلاك، تتعجبون مما أصابه، وتتحسرون على ضياع أموالكم، وتندمون على الجهد الذي بذلتموه من غير فائدة..
стр. 5883
وأصل التفكه: التنقل في الأكل من فاكهة إلى أخرى، ثم استعير للتنقل من حديث إلى آخر، وهو هنا ما يكون من أحاديثهم المتنوعة بعد هلاك الزرع.
والمراد بالتفكه هنا: التعجب والندم والتحسر على ما أصابهم.
وقوله- سبحانه-: إِنَّا لَمُغْرَمُونَ مقول لقول محذوف. أى: فصرتم بسبب تحطيم زروعكم تتعجبون، وتقولون على سبيل التحسر: إنا لمهلكون بسبب هلاك أقواتنا، من الغرام بمعنى الهلاك. أو إنا لمصابون بالغرم والاحتياج والفقر، بسبب ما أصاب زرعنا. من الغرم وهو ذهاب المال بلا مقابل.
وتقولون- أيضا-: بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ من منافع هذا الزرع الذي كنا نعلق الآمال على الانتفاع به، والاستفادة بثماره..
قال الإمام القرطبي- ﵀ عند تفسيره لهذه الآيات: والمستحب لكل من يلقى البذر في الأرض أن يقرأ بعد الاستعاذة: أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ ... الآيات. ثم يقول: بل الله الزارع، والمنبت والمبلغ. اللهم صل على محمد، وارزقنا ثمر هذا الزرع، وجنبنا ضرره، واجعلنا لأنعمك من الشاكرين، ولآلائك من الذاكرين، وبارك فيه يا رب العالمين ... «١» .
ثم ذكر- سبحانه- الدليل الثالث على إمكانية البعث، وعلى كمال قدرته- تعالى- فقال: أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ. أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ. لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ.
أى: وأخبرونى- أيضا- عن الماء الذي تشربونه، أأنتم الذين أنزلتموه من الْمُزْنِ أى. من السحاب أم نحن الذين أنزلناه؟.
لا شك أننا نحن الذين أنزلناه، ولا تستطيعون إنكار ذلك، لأن إنكاركم لذلك يعتبر نوعا من المكابرة المكشوفة، والمغالطة المفضوحة.
وتخصيص هذا الوصف، وهو الَّذِي تَشْرَبُونَ بالذكر، مع كثرة منافع الماء، لأن الشرب أهم المقاصد التي من أجلها أنزل- سبحانه- الماء من السحاب.
وقوله- سبحانه-: لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً ... بيان لمظهر من مظاهر رحمته- سبحانه- ومفعولي المشيئة هنا وفي ما قبله إلى قوله لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً ... محذوف، للاكتفاء عنه بجواب الشرط.
стр. 5884
والماء الأجاج: هو الماء الشديد الملوحة والمرارة في وقت واحد.
أى: لو نشاء أن نجعل هذا الماء النازل من المزن لشربكم، ماء جامعا بين الملوحة والمرارة لفعلنا، ولكنا لم نشأ ذلك رحمة بكم، وفضلا منا عليكم.
وقوله: فَلَوْلا تَشْكُرُونَ حض على الشكر لله- تعالى- أى: فهلا شكرتم الله- تعالى- على هذه النعم، وأخلصتم له العبادة والطاعة ووضعتم نعمه في مواضعها.
فالمراد بالشكر هنا: أن يواظب العبد على شكر ربه، وعلى المداومة على ما يرضيه وعلى استعمال النعم فيما خلقت له.
أما شكر الرب- لعبده فمعناه: منحه الثواب الجزيل، على عمله الصالح:
ومنه قوله- تعالى-: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ.
قال بعض العلماء: واعلم أن مادة الشكر تتعدى إلى النعمة تارة، وإلى المنعم أخرى.
فإن عديت إلى النعمة، تعدت إليها بنفسها دون حرف الجر، كقوله- تعالى-: رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ....
وإن عديت إلى المنعم تعدت إليه بحرف الجر الذي هو اللام، كقوله- تعالى-:
وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ.. «١» .
وقال- سبحانه- هنا: لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً وقال في الآيات السابقة: لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً ... بلام التأكيد، لأن إنزال الماء من السماء وتحويله من ماء عذب إلى ماء ملح، مما لا يتوهم أن لأحد قدرة عليه سوى الله- تعالى- لذا لم يحتج الأمر إلى تأكيد..
أما جفاف الزرع بعد نضارته، حتى يعود حطاما، فمما يحتمل أنه من فعل الزارع، أو لأى سبب آخر، كآفة زراعية، لذا أكد- سبحانه- أنه هو الفاعل لذلك على الحقيقة، وأنه- تعالى- قادر على تحطيمه بعد نموه وريعانه.
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الدليل الرابع على قدرته- تعالى- على البعث والنشور، فقال- تعالى-: أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ، أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ. نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ. فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ.
وقوله: تُورُونَ أى: توقدون، من أورى النار إذا قدحها وأوقدها. ويقال: ورى الزند يرى وريا، إذا خرجت ناره- وفعله من باب وعى- وأوراه غيره إذا استخرج النار منه.
стр. 5885
وقوله: لِلْمُقْوِينَ مأخوذ من أقوى الرجل إذا دخل في القواء، وهو الفضاء الخالي من العمران، والمراد بهم هنا المسافرون، لأنهم في معظم الأحيان يسلكون في سفرهم الصحارى والفضاء من الأرض.
وخصهم- سبحانه- بالذكر، لأنهم أكثر من غيرهم انتفاعا بالنار، وأحوج من غيرهم إليها.
والمراد بشجرة النار: المرخ والعفار، وهما شجرتان، يقدح غصن إحداهما بغصن الأخرى فتتولد النار منهما بقدرة الله- تعالى- ...
ومن أمثال العرب: لكل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار. أى: وعلا على غيرهما المرخ والعفار لأنهما أكثر الشجر نصيبا في استخراج النار. فهو مثل يضرب في تفضيل الشيء على غيره.
والمعنى: وأخبرونى- أيضا- عن النار التي تقدحونها وتستخرجونها من الشجر الرطب الأخضر، أأنتم خلقتم شجرتها، واخترعتم أصلها، أم نحن الخالقون لها وحدنا؟.
لا شك أن الجواب الذي لا جواب غيره، أننا نحن الذين أنشأنا شجرتها لا أنتم.
ونحن الذين جعلناها تذكرة، نذكر الناس بها في دار الدنيا إذا أحسوا بشدة حرارتها، بنار الآخرة التي هي أشد وأبقى، حتى يقلعوا عن الأقوال والأفعال التي تؤدى بهم إلى نار الآخرة.
ونحن- أيضا- الذين جعلنا هذه النار مَتاعاً أى منفعة لِلْمُقْوِينَ أى للمسافرين، والذين هم في حاجة إليها في شئونهم المختلفة.
والفاء في قوله- تعالى-: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ لترتيب ما بعدها على ما قبلها.
أى: وما دام الأمر كذلك، فسبح- أيها العاقل- باسم ربك العظيم، بأن تنزهه عن الشريك والولد، وبأن تخلص له العبادة والطاعة.
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة، قد ذكرت أربعة أدلة على إمكانية البعث: الأول عن طريق خلق الإنسان. والثاني عن طريق إنبات النبات، والثالث عن طريق إنزال الماء من السحاب: والرابع عن طريق إنشاء الشجر الذي تستخرج منه النار.
وإنها لأدلة واضحة على كمال قدرة الله- تعالى- ووحدانيته لكل عبد منيب.
وبعد أن ساق- سبحانه- هذه الأدلة المتنوعة على كمال قدرته وعلى صحة البعث..