صغيرا، ومنكم من يموت كبيرا، وما نحن بمسبوقين، أى: وما نحن بمغلوبين على ذلك، بل نحن قادرون قدرة تامة على تحديد آجالكم، فمن حضره أجله فلن يستطيع أن يتأخر عنه ساعة، أو يتقدم عنه ساعة. كما قال- تعالى-: فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ.
وقوله- تعالى-: عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ
متعلق بقوله: نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ....
والمراد بتبديل أمثالهم: إيجاد قوم آخرين من ذرية أولئك الذين ماتوا.
والمعنى: نحن وحدنا الذين قدرنا بينكم الموت وحددناه على حسب مشيئتنا ونحن الذين في قدرتنا أن نبدل من الذين ماتوا منكم أشباها لهم، نوجدهم بقدرتنا- أيضا- كما قال- سبحانه-: وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ، كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ «١» .
ويصح أن يكون قوله- تعالى-: قَدَّرْنا بمعنى قضينا وكتبنا، ويكون قوله:
عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ
متعلق بقوله بِمَسْبُوقِينَ، ويكون المراد بتبديل أمثالهم. إيجاد قوم آخرين سواهم.
والمعنى: نحن الذين وحدنا كتبنا عليكم الموت، وقضيناه على جميع الخلق فكل نفس ذائقة الموت، وما نحن بمغلوبين على إهلاككم، وعلى خلق أمثالكم بدلا منكم كما قال- تعالى-:
يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ. وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ، إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ، وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ «٢» .
وقوله- سبحانه-: وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ
بيان للون آخر من ألوان قدرته- تعالى-.
أى: نحن لسنا بعاجزين ولا بمغلوبين.. على أن نهلككم ونأتى بدلا منكم بغيركم. ولسنا- أيضا- بعاجزين على أن ننشئكم بعد إهلاككم فيما لا تعلمونه من الصور، والهيئات، والصفات.
قال صاحب الكشاف: قوله- تعالى-: نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ أى: قدرناه تقديرا، وقسمناه عليكم قسمة الرزق على اختلاف وتفاوت كما تقتضيه مشيئتنا فاختلفت أعماركم من قصير وطويل ومتوسط ...
стр. 5882
وقوله: وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ يقال: سبقته على الشيء إذا أعجزته عنه، وغلبته عليه، ولم تمكنه منه، فمعنى قوله وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ أنا قادرون على ذلك لا تغلبوننا عليه. وأمثالكم جمع مثل- بسكون الثاء- أى: على أن نبدل منكم ومكانكم أشباهكم من الخلق
وَعلى أن نُنْشِئَكُمْ
في خلق لا تعلمونها وما عهدتم مثلها. يعنى أنا نقدر على الأمرين جميعا: على خلق ما يماثلكم وما لا يماثلكم، فكيف نعجز عن إعادتكم.
ويجوز أن يكون أمثالكم جمع مثل، بفتحتين أى: على أن نبدل ونغير صفاتكم التي أنتم عليها في خلقكم وأخلاقكم، وننشئكم في صفات لا تعلمونها.. «١» .
ثم لفت- سبحانه- أنظارهم إلى ما يعلمونه من حالهم فقال: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ.
أى: والله لقد علمتم النشأة الأولى من خلقكم، حيث أوجدناكم من نطفة فعلقة فمضغة ...
فهلا تذكرتم ذلك وعقلتموه، وعرفتم أن من قدر على خلقكم ولم تكونوا شيئا مذكورا.. قادر على إعادتكم إلى الحياة مرة أخرى؟.
فالمقصود بهذه الآيات الكريمة إقامة الأدلة الساطعة، على إمكانية البعث وعلى أن من قدر على خلق الإنسان مع العدم قادر على إعادته.
قال القرطبي: وفي الخبر: عجبا كل العجب للمكذب بالنشأة الأخرى، وهو يرى النشأة الأولى. وعجبا للمصدق بالنشأة الآخرة، وهو لا يسعى لدار القرار «٢» .
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى بيان الدليل الثاني على صحة البعث وإمكانيته. فقال- تعالى-: أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ. أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ، لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ. إِنَّا لَمُغْرَمُونَ. بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ.
والحرث: شق الأرض من أجل زراعتها، والمراد به هنا: وضع البذر فيها بعد حرثها.
أى: أخبرونى عن البذور التي تلقون بها في الأرض بعد حرثها، أأنتم الذين تنبتونها وتصيرونها زرعا بهيجا نضرا أم نحن الذين نفعل ذلك؟ لا شك أنا نحن الذين نصير هذه البذور زروعا ونباتا يانعا، ولو نشاء لجعلنا هذا النبات حُطاماً أى مكسرا مهشما يابسا لا نفع فيه، فظللتم بسبب ذلك تَفَكَّهُونَ أى: فصرتم بسبب ما أصاب زرعكم من هلاك، تتعجبون مما أصابه، وتتحسرون على ضياع أموالكم، وتندمون على الجهد الذي بذلتموه من غير فائدة..
стр. 5883
وأصل التفكه: التنقل في الأكل من فاكهة إلى أخرى، ثم استعير للتنقل من حديث إلى آخر، وهو هنا ما يكون من أحاديثهم المتنوعة بعد هلاك الزرع.
والمراد بالتفكه هنا: التعجب والندم والتحسر على ما أصابهم.
وقوله- سبحانه-: إِنَّا لَمُغْرَمُونَ مقول لقول محذوف. أى: فصرتم بسبب تحطيم زروعكم تتعجبون، وتقولون على سبيل التحسر: إنا لمهلكون بسبب هلاك أقواتنا، من الغرام بمعنى الهلاك. أو إنا لمصابون بالغرم والاحتياج والفقر، بسبب ما أصاب زرعنا. من الغرم وهو ذهاب المال بلا مقابل.
وتقولون- أيضا-: بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ من منافع هذا الزرع الذي كنا نعلق الآمال على الانتفاع به، والاستفادة بثماره..
قال الإمام القرطبي- ﵀ عند تفسيره لهذه الآيات: والمستحب لكل من يلقى البذر في الأرض أن يقرأ بعد الاستعاذة: أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ ... الآيات. ثم يقول: بل الله الزارع، والمنبت والمبلغ. اللهم صل على محمد، وارزقنا ثمر هذا الزرع، وجنبنا ضرره، واجعلنا لأنعمك من الشاكرين، ولآلائك من الذاكرين، وبارك فيه يا رب العالمين ... «١» .
ثم ذكر- سبحانه- الدليل الثالث على إمكانية البعث، وعلى كمال قدرته- تعالى- فقال: أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ. أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ. لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ.
أى: وأخبرونى- أيضا- عن الماء الذي تشربونه، أأنتم الذين أنزلتموه من الْمُزْنِ أى. من السحاب أم نحن الذين أنزلناه؟.
لا شك أننا نحن الذين أنزلناه، ولا تستطيعون إنكار ذلك، لأن إنكاركم لذلك يعتبر نوعا من المكابرة المكشوفة، والمغالطة المفضوحة.
وتخصيص هذا الوصف، وهو الَّذِي تَشْرَبُونَ بالذكر، مع كثرة منافع الماء، لأن الشرب أهم المقاصد التي من أجلها أنزل- سبحانه- الماء من السحاب.
وقوله- سبحانه-: لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً ... بيان لمظهر من مظاهر رحمته- سبحانه- ومفعولي المشيئة هنا وفي ما قبله إلى قوله لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً ... محذوف، للاكتفاء عنه بجواب الشرط.
стр. 5884
والماء الأجاج: هو الماء الشديد الملوحة والمرارة في وقت واحد.
أى: لو نشاء أن نجعل هذا الماء النازل من المزن لشربكم، ماء جامعا بين الملوحة والمرارة لفعلنا، ولكنا لم نشأ ذلك رحمة بكم، وفضلا منا عليكم.
وقوله: فَلَوْلا تَشْكُرُونَ حض على الشكر لله- تعالى- أى: فهلا شكرتم الله- تعالى- على هذه النعم، وأخلصتم له العبادة والطاعة ووضعتم نعمه في مواضعها.
فالمراد بالشكر هنا: أن يواظب العبد على شكر ربه، وعلى المداومة على ما يرضيه وعلى استعمال النعم فيما خلقت له.
أما شكر الرب- لعبده فمعناه: منحه الثواب الجزيل، على عمله الصالح:
ومنه قوله- تعالى-: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ.
قال بعض العلماء: واعلم أن مادة الشكر تتعدى إلى النعمة تارة، وإلى المنعم أخرى.
فإن عديت إلى النعمة، تعدت إليها بنفسها دون حرف الجر، كقوله- تعالى-: رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ....
وإن عديت إلى المنعم تعدت إليه بحرف الجر الذي هو اللام، كقوله- تعالى-:
وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ.. «١» .
وقال- سبحانه- هنا: لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً وقال في الآيات السابقة: لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً ... بلام التأكيد، لأن إنزال الماء من السماء وتحويله من ماء عذب إلى ماء ملح، مما لا يتوهم أن لأحد قدرة عليه سوى الله- تعالى- لذا لم يحتج الأمر إلى تأكيد..
أما جفاف الزرع بعد نضارته، حتى يعود حطاما، فمما يحتمل أنه من فعل الزارع، أو لأى سبب آخر، كآفة زراعية، لذا أكد- سبحانه- أنه هو الفاعل لذلك على الحقيقة، وأنه- تعالى- قادر على تحطيمه بعد نموه وريعانه.
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الدليل الرابع على قدرته- تعالى- على البعث والنشور، فقال- تعالى-: أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ، أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ. نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ. فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ.
وقوله: تُورُونَ أى: توقدون، من أورى النار إذا قدحها وأوقدها. ويقال: ورى الزند يرى وريا، إذا خرجت ناره- وفعله من باب وعى- وأوراه غيره إذا استخرج النار منه.
стр. 5885
وقوله: لِلْمُقْوِينَ مأخوذ من أقوى الرجل إذا دخل في القواء، وهو الفضاء الخالي من العمران، والمراد بهم هنا المسافرون، لأنهم في معظم الأحيان يسلكون في سفرهم الصحارى والفضاء من الأرض.
وخصهم- سبحانه- بالذكر، لأنهم أكثر من غيرهم انتفاعا بالنار، وأحوج من غيرهم إليها.
والمراد بشجرة النار: المرخ والعفار، وهما شجرتان، يقدح غصن إحداهما بغصن الأخرى فتتولد النار منهما بقدرة الله- تعالى- ...
ومن أمثال العرب: لكل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار. أى: وعلا على غيرهما المرخ والعفار لأنهما أكثر الشجر نصيبا في استخراج النار. فهو مثل يضرب في تفضيل الشيء على غيره.
والمعنى: وأخبرونى- أيضا- عن النار التي تقدحونها وتستخرجونها من الشجر الرطب الأخضر، أأنتم خلقتم شجرتها، واخترعتم أصلها، أم نحن الخالقون لها وحدنا؟.
لا شك أن الجواب الذي لا جواب غيره، أننا نحن الذين أنشأنا شجرتها لا أنتم.
ونحن الذين جعلناها تذكرة، نذكر الناس بها في دار الدنيا إذا أحسوا بشدة حرارتها، بنار الآخرة التي هي أشد وأبقى، حتى يقلعوا عن الأقوال والأفعال التي تؤدى بهم إلى نار الآخرة.
ونحن- أيضا- الذين جعلنا هذه النار مَتاعاً أى منفعة لِلْمُقْوِينَ أى للمسافرين، والذين هم في حاجة إليها في شئونهم المختلفة.
والفاء في قوله- تعالى-: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ لترتيب ما بعدها على ما قبلها.
أى: وما دام الأمر كذلك، فسبح- أيها العاقل- باسم ربك العظيم، بأن تنزهه عن الشريك والولد، وبأن تخلص له العبادة والطاعة.
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة، قد ذكرت أربعة أدلة على إمكانية البعث: الأول عن طريق خلق الإنسان. والثاني عن طريق إنبات النبات، والثالث عن طريق إنزال الماء من السحاب: والرابع عن طريق إنشاء الشجر الذي تستخرج منه النار.
وإنها لأدلة واضحة على كمال قدرة الله- تعالى- ووحدانيته لكل عبد منيب.
وبعد أن ساق- سبحانه- هذه الأدلة المتنوعة على كمال قدرته وعلى صحة البعث..
стр. 5886
التفت- سبحانه- بالحديث إلى أولئك الذين وصفوا القرآن بأنه أساطير الأولين.. فرد عليهم بما يخرس ألسنتهم، ونعت القرآن بنعوت جليلة فقال- تعالى-:
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٧٥ الى ٨٠]
فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)
تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨٠)
قال بعض العلماء: ورد القسم على هذا النحو في القرآن الكريم كثيرا، ومن ذلك قوله- تعالى-: فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ، وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ وقوله: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ. الْجَوارِ الْكُنَّسِ....
وقد جاء على غير هذه الصورة، أى: من غير لا النافية، ومن غير الفعل «أقسم» كما في قوله- تعالى-: فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ.. وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ....
وتارة يكون القسم بأشياء مختلفة من خلقه- تعالى- كالصافات، والطور، والتين، والقرآن «١» . والفاء في قوله- تعالى-: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ للتفريع على ما تقدم من أدلة البعث.
وفَلا عند أكثر المفسرين في هذا التركيب وأمثاله: مزيدة للتأكيد، كما في قوله- تعالى-: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ ... أى ليعلم أهل الكتاب. والمعنى هنا: فأقسم بمواقع النجوم..
قالوا: وزيادتها هنا جاءت جريا على سنن العرب من زيادتها قبل القسم، كما في قولهم:
لا وأبيك، كأنهم ينفون ما سوى المقسم عليه، فيفيد الكلام التأكيد.
ويرى بعضهم أن لا هنا: للنفي فيكون المعنى: فلا أقسم بمواقع النجوم، لأن الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسم أصلا فضلا عن هذا القسم العظيم.
قال الآلوسى ما ملخصه: فَلا أُقْسِمُ ... لا مزيدة للتأكيد مثلها في قوله- تعالى-:
стр. 5887
لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أو هي لام القسم- بعينها- أشبعت فتحتها فتولدت منها ألف أى: فلأقسم..
وقيل إن لا هنا للنفي والرد على ما يقوله الكفار في القرآن من أنه سحر. كأنه قيل: فلا صحة لما يقولون فيه، ثم استؤنف فقيل أقسم..
وقال بعضهم إن «لا» كثيرا ما يؤتى بها قبل القسم على نحو الاستفتاح، كما في قولهم لا وأبيك..
وقال أبو مسلم وجمع: إن الكلام على ظاهره المتبادر منه. والمعنى: لا أقسم إذ الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسم. أى: لا يحتاج إلى قسم أصلا، فضلا عن هذا القسم العظيم.. «١» .
والمواقع: جمع موقع، وموقع الشيء ما يوجد فيه، وما يسقط من مكان مرتفع.
فالمراد بمواقع النجوم: مساقطها التي تسقط فيها عند غروبها.. وقيل: مواضعها من بروجها في السماء، ومنازلها منها.. وقيل: المراد مواقعها يوم القيامة عدما تنتشر وتتفرق..
وأقسم- سبحانه- بذلك، للتنوية بشأنها، ولما فيها من الدلالة على أن لهذا الكون خالقا قادرا حكيما، يسير كواكبه بدقة ونظام بديع، لا اختلال معه ولا اضطراب.. إذ كل نجم من هذه النجوم المتناثرة في الفضاء، له مجاله الذي يغيب فيه، وله مكانه الذي لا يصطدم فيه بغيره.
قال بعض العلماء: إن هذه النجوم والكواكب، التي تزيد على عدة بلايين نجم، ما يمكن رؤيته بالعين المجردة، وما لا يرى إلا بالمجاهر والأجهزة، وما يمكن أن تحس به الأجهزة، دون أن تراه كلها تسبح في الفلك الغامض، ولا يوجد أى احتمال أن يقترب مجال مغناطيسى لنجم، من مجال نجم آخر، أو يصطدم بكوكب آخر.. «٢» .
ومن العلماء من يرى أن المراد بمواقع النجوم أوقات نزول القرآن نجما نجما، وطائفة من الآيات تلى طائفة أخرى..
قال ابن كثير: واختلفوا في معنى قوله «بمواقع النجوم» فعن ابن عباس أنه يعنى نجوم القرآن فإنه نزل جملة ليلة القدر، من السماء العليا إلى السماء الدنيا، ثم نزل مفرقا بعد ذلك..
وعن قتادة: «مواقع النجوم» منازلها.. وقال مجاهد: مطالعها ومشارقها.. وعن الحسن:
انتشارها يوم القيامة.. «٣» .
стр. 5888
ويبدو لنا أن تفسير النجوم هنا، بنجوم السماء هو الأرجح، لأنه هو الظاهر من معنى الآية الكريمة.
وقوله- سبحانه-: وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ كلام معترض بين القسم وجوابه والضمير في «وإنه» يعود إلى القسم المذكور في قوله: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ أو يعود إلى بِمَواقِعِ النُّجُومِ بتأويله بمعنى المذكور..
قال صاحب الكشاف: بِمَواقِعِ النُّجُومِ أى: بمساقطها، ومغاربها.. واستعظم ذلك بقوله: وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ.. وهو اعتراض في اعتراض، لأنه اعترض به بين المقسم والمقسم عليه، وهو قوله: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ واعترض بقوله- لو تعلمون- بين الموصوف وصفته.. «١» .
وجواب «لو» إما محذوف بالكلية لأنه لا يتعلق بذكره غرض، إذ المقصود هو نفى علمهم، أى: أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم عظيم، ولكنكم لا تعلمون قيمته ومنزلته.
وإما أن يكون جوابها مقدرا، فيكون المعنى: أقسم بمواقع النجوم، وإنه لقسم عظيم لو كان عندكم علم نافع، لعظمتموه، ولآمنتم بما أقسمنا عليه، ولكنكم لم تعظموه ولم تؤمنوا لجهلكم، ولانطماس بصائركم..
والضمير في قوله- سبحانه-: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ راجع إلى غير مذكور في الكلام إلا أن علم المخاطبين به واستحضارهم له، نزل منزلة ذكره..
أى: أقسم بمواقع النجوم، إن هذا الذي يتلوه عليكم نبينا محمد ﷺ لقرآن كريم.
أى: رفيع القدر طاهر الأصل، كثير المنافع، ظاهر الفضل، لأن الناس يجدون فيه كل ما يريدونه من سعادة وخير..
وليس أمره- كما زعمتم- من أن الشياطين تنزلت به، أو أنه من أساطير الأولين..
وقوله- سبحانه-: فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ وصف آخر للقرآن الكريم، والمكنون:
المستور والمحجوب عن أنظار الناس، بحيث لا يعلم كنهه إلا الله- تعالى-، والمراد بالكتاب: اللوح المحفوظ. أى: أن هذا القرآن الكريم قد جعله الله- تعالى- في كتاب مصون من غير الملائكة المقربين، بحيث لا يطلع عليه أحد سواهم..
وقوله- سبحانه-: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ: صفة للكتاب الذي هو اللوح المحفوظ. أى: أن هذا القرآن قد اقتضت حكمتنا أن نجعله في كتاب مصون بحيث لا يطلع
стр. 5889
عليه قبل نزوله. من اللوح المحفوظ ولا يمسه أحد، إلا الملائكة المطهرون من كل ما يوجب الطهارة.
وعلى هذا التفسير يكون الغرض من الآيات الكريمة، نفى ما زعمه المشركون من أن القرآن تنزلت به الشياطين، وإثبات أن هذا القرآن مصون في كتاب مستور عن الأعين، هو اللوح المحفوظ. وأن الملائكة المطهرين وحدهم هم الذين يطلعون على هذا القرآن من اللوح المحفوظ، وهم وحدهم الذين ينزلون به على الرسول ﷺ .
كما قال- تعالى-: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ. بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ.. «١» .
وكما قال- سبحانه-: وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ. وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ، إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ... «٢» .
ومنهم من يرى أن قوله- تعالى-: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ صفة أخرى للقرآن الكريم، فيكون المعنى: إن هذا القرآن الكريم. لا يصح أن يمسه إلا المطهرون من الناس، عن الحدث الأصغر، والحدث الأكبر، فيكون المراد بالطهارة: الطهارة الشرعية..
وقد رجح العلماء الرأى الأول الذي يرى أصحابه أن قوله- تعالى-: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ صفة للوح المحفوظ المعبر عنه بأنه كتاب مكنون، وأن المراد بالمطهرين:
الملائكة المقربون..
وقالوا في تأييد ما ذهبوا إليه: إن الآيات مسوقة لتنزيه القرآن عن أن تنزل به الشياطين، وأنه في مكان مأمون لا يصل إليه إلا الملائكة المقربون.
والآيات- أيضا- مكية، والقرآن المكي أكثر اهتمامه كان موجها إلى إبطال شبهات المشركين، وليس إلى الأحكام الفرعية، التي تحدث عنها القرآن المدني كثيرا.
كذلك قالوا: إن وصف الكتاب بأنه مَكْنُونٍ يدل على شدة الصون والستر عن الأعين، بحيث لا تناله أيدى البشر، وهذا لا ينطبق إلا على اللوح المحفوظ، أما القرآن فيمسه المؤمن وغير المؤمن.. «٣» .
قال الإمام القرطبي ما ملخصه قوله: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ اختلف في معنى
стр. 5890
لا يَمَسُّهُ هل هو حقيقة في المس بالجارحة أو معنى؟ وكذلك اختلف في الْمُطَهَّرُونَ من هم؟ ..
فقال أنس وسعيد بن جبير: لا يمس ذلك الكتاب إلا المطهرون من الذنوب وهم الملائكة..
وقيل المراد بالكتاب: المصحف الذي بأيدينا، وهو الأظهر، وقد روى مالك وغيره أن رسول الله ﷺ كان في كتابه الذي كتبه إلى شرحبيل بن كلال ... «ألا يمس القرآن إلا طاهر» .
وقالت أخت عمر لعمر عند إسلامه: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ فقام واغتسل. ثم أخذ الصحيفة التي بيدها، وفيها القرآن.
ثم قال: واختلف العلماء في مس المصحف على غير وضوء: فالجمهور على المنع ...
وفي مس الصبيان إياه على وجهين: أحدهما المنع اعتبارا بالبالغ والثاني الجواز، لأنه لو منع لم يحفظ القرآن. لأن تعلمه حال الصغر، ولأن الصبى وإن كانت له طهارة إلا أنها ليست بكاملة، لأن النية لا تصح منه، فإذا جاز أن يحمله على طهارة، جاز أن يحمله محدثا «١» .
ثم ختم- سبحانه- هذه الآيات الكريمة بقوله: تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ أى: هذا الكتاب الكريم منزل من رب العالمين، لا رب سواه، ولا خالق غيره، وبذلك يرى: أن هذه الآيات الكريمة، قد وصف الله- تعالى- فيها القرآن الكريم، بجملة من الصفات الجليلة، فقد وصفه- سبحانه- بأنه كريم، ووصفه بأنه مصون ومحفوظ من أن يمسه أحد سوى ملائكته المقربين، وسوى عباده المطهرين من الأحداث، ووصفه بأنه منزل من عنده لا من عند أحد سواه كما زعم أولئك الجاهلون.
ثم تتحدث السورة في أواخرها. بأسلوب مؤثر، عن لحظات الموت. وعن اللحظات التي يفارق الإنسان فيها هذه الحياة، وأحباؤه من حوله لا يملكون له نفعا.. وعن بيان الحالة التي يكون عليها هذا المفارق لهم، فتقول:
[سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٨١ الى ٩٦]
أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢) فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ (٨٥)
فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٨٧) فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩٠)
فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥)
فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)
стр. 5891
والاستفهام في قوله- تعالى-: أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ للإنكار والتوبيخ.
وهو داخل على مقدر.
والمراد بالحديث: القرآن الكريم، وما تضمنه من هدايات وإرشادات وتشريعات..
وقوله: مُدْهِنُونَ من الإدهان وأصله جعل الجلد ونحوه مدهونا بشيء من الدهن ليلين، ثم صار حقيقة عرفية في الملاينة والمسايرة والمداراة ومنه قوله- تعالى-: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ.
والمراد به هنا: تظاهر المشركين بمهادنة الرسول ﷺ وبما جاء به من قرآن كريم، وإبداؤهم من اللين خلاف ما يبطنون من المكر والبغضاء.
ويصح أن يكون الإدهان هنا: بمعنى التكذيب والنفاق، إذ أن هذه المعاني- أيضا- تتولد عن المداهنة والمسايرة.
أى: أتعرضون- أيها المشركون- عن الحق الذي جاءكم به رسولنا ﷺ فتظهرون أمامه بمظهر المداهن والمهادن، الذي يلين أمام خصمه، ولا يقابله بالشدة والحزم: مع أنه في الوقت نفسه يضمر له أشد أنواع السوء والكراهية؟ ..
إذا كان هذا شأنكم، فاعلموا أن تصرفكم هذا لا يخفى علينا؟! ..
وقوله- سبحانه- وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون معطوف على ما قبله من باب عطف الجملة على الجملة. والكلام على حذف مضاف.
والمعنى: أتعرضون عن هذا القرآن على سبل المداهنة والملاينة، وتجعلون شكر نعمة رزقنا
стр. 5892
لكم به. وبالمطر الذي لا حياة لكم بدونه، أنكم تكذبون بكونهما من عند الله- تعالى- فتقولون في شأن القرآن، أساطير الأولين، وتقولون إذا ما أنزلنا المطر عليكم: مطرنا بسبب نوء كذا. أى: بسبب سقوط النجم في جهة المغرب من الفجر.
قال الآلوسى: قوله: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ أى: وتجعلون شكركم أنكم تكذبون، تقولون أمطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا وكذا وأكثر الروايات أن قوله- تعالى-: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ نزل في القائلين: مطرنا بنوء كذا.. أخرج مسلم- في صحيحه- عن ابن عباس قال: مطر الناس على عهد رسول الله ﷺ فقال ﷺ :
أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر. قالوا: هذه رحمة وضعها الله وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا فنزلت هذه الآية: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ حتى بلغ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ.
ثم قال الإمام الآلوسى: والآية على القول بنزولها في قائلى ذلك: ظاهرة في كفرهم المقابل للإيمان، فكأنهم كانوا يقولونه عن اعتقاد أن الكواكب مؤثرة حقيقة موجدة للمطر، وهو كفر بلا ريب بخلاف قوله مع اعتقاد أنه من فضل الله- تعالى-، وأن النوء ميقات وعلامة فإنه ليس بكفر.. «١» .
وقد ذكر المفسرون هنا جملة من الأحاديث في هذا المعنى فارجع إليها إن شئت.. «٢» .
ثم انتقلت الآيات إلى توبيخهم على أمر آخر، وهو غفلتهم عن قدرة الله- تعالى- ووحدانيته وهم يشاهدون آثار قدرته أمام أعينهم فقال- تعالى-: فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ. وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ. وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ، فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
ولو في الموضعين للتحضيض على التذكر والاعتبار، ولإبراز عجزهم في أوضح صورة، إذ إظهار عجزهم هو المقصود هنا بالحض..
وقوله إِذا بَلَغَتِ ظرف متعلق بقوله تَرْجِعُونَها أى: تردونها، وقد قدم عليه لتهويله، والتشويق إلى الفعل المحضوض عليه، وهو إرجاع الروح إلى صاحبها.
والضمير في بَلَّغْتَ يعود إلى الروح، وهي وإن كانت لم تذكر إلا أنها مفهومه من الكلام.
стр. 5893
والحلقوم: مجرى الطعام وأل فيه للعهد الجنسي.
وجملة: وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ حال من ضمير بَلَغَتِ، ومفعول تَنْظُرُونَ محذوف والتقدير: تنظرون وتبصرون صاحب الروح وهو في تلك الحالة العصيبة.
وجملة تَرْجِعُونَها ... جواب الشرطين في قوله: إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ وفي قوله: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
وجملة وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ مستأنفة لتأكيد توبيخهم على جهالاتهم وعدم اعتبارهم حتى في أوضح المواقف التي تدل على قدرة خالقهم- .
والمعنى: إذا كنتم- أيها الجاحدون المكذبون- لم تعتبروا ولم تتعظوا بكل ما سقناه لكم من ترغيب وترهيب على لسان رسولنا محمد ﷺ فهلا اعتبرتم واتعظتم وآمنتم بوحدانيتنا وقدرتنا.. حين ترون أعز وأحب إنسان إليكم، وقد بلغت روحه حلقومه، وأوشكت على أن تفارق جسده ...
وَأَنْتُمْ أيها المحيطون بهذا المحتضر العزيز عليكم حِينَئِذٍ أى: حين وصل الأمر به إلى تلك الحالة التي تنذر بقرب نهايته، أنتم تَنْظُرُونَ إلى ما يقاسيه من غمرات الموت، وتبصرون ما فيه من شدة وكرب، وتحرصون كل الحرص على إنجائه مما حل به ولكن حرصكم يذهب أدراج الرياح.
وَنَحْنُ في هذه الحالة وغيرها، أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ أى: ونحن أقرب إليه منكم بعلمنا وبقدرتنا، حيث إنكم لا تعرفون حقيقة ما هو فيه من أهوال ولا تدركون عظيم ما فيه من كرب، ولا تقدرون على رفع شيء من قضائنا فيه وفي غيره.
وقوله: وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ استدراك للكلام السابق. أى: ونحن أقرب إلى هذا المحتضر منكم، ولكنكم لا تدركون ذلك لجهلكم بقدرتنا النافذة، وحكمتنا البالغة..
فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ أى: فهلا إن كنتم غير عاجزين عن رد قضائنا في هذا المحتضر الحبيب إليكم، وغير مربوبين لنا، وخاضعين لسلطاننا.. يقال: دان السلطان الرعية، إذا ساسهم وأخضعهم لنفوذه.
هلا إن كنتم غير خاضعين لنا تَرْجِعُونَها أى: ترجعون الروح إلى صاحبها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في اعتقادكم بأن آلهتكم تستطيع الدفاع عنكم وفي اعتقادكم أنه لا بعث ولا حساب بعد الموت، وفي توهمكم أن هناك قوة سوى قوة الله- يمكنها أن تساعدكم عند الشدائد والمحن.
стр. 5894
وهكذا نجد هذه الآيات الكريمة، تقيم أوضح الأدلة وأكثرها تأثيرا في النفوس، على كمال قدرة الله- تعالى- وعلى نفاذ مشيئته وإرادته ...
فهي تتحدى البشر جميعا أن يعيدوا الروح إلى أحب الناس إليهم، وهم واقفون من حوله وقفة الحائر المستسلم. العاجز عن فعل أى شيء من شأنه أن يدفع عن هذا المحتضر ما فيه من كرب، أو أن يؤخر انتزاع روحه من جسده، ولو لزمن قليل..
ثم تمضى السورة الكريمة بعد ذلك، في بيان مصير هذه الروح، التي توشك أن تستدبر الحياة الفانية، وتستقبل الحياة الباقية فتقول: فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ.
والروح: بمعنى الراحة والأمان والاطمئنان والريحان شجر طيب الرائحة.
أى: فأما إن كان صاحب هذه النفس التي فارقت الدنيا، من المقربين إلينا السابقين بالخيرات.. فله عندنا راحة لا تقاربها راحة، وله رحمة واسعة، وله طيب رائحة عند قبض روحه، وعند نزوله في قبره، وعند وقوفه بين أيدينا للحساب يوم الدين، وله جنات ينعم فيها بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
وَأَمَّا إن كان هذا الإنسان مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ وهم الذين ثقلت موازين حسناتهم..
فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ أى: فتقول له الملائكة عند قبض روحه وفي قبره، وفي الجنة، سلام لك يا صاحب اليمين، من أمثالك أصحاب اليمين.
قال الآلوسى: وقوله: فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ قيل هو على تقدير القول.
أى: فيقال لذلك المتوفى منهم: سلام لك يا صحاب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين.
وجوز أن يكون المعنى: فسلامة لك عما يشغل القلب من جهتهم فإنهم في خير. أى: كن فارغ البال من جهتهم فإنهم بخير.
وذكر بعض الأجلة أن هذه الجملة، كلام يفيد عظمة حالهم، كما يقال: فلان ناهيك به، وحسبك أنه فلان، إشارة إلى أنه ممدوح فوق حد التفصيل.. «١» .
وَأَمَّا إِنْ كانَ هذا المتوفى مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ وهم أصحاب الشمال فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ أى: فله نزل- أى: مكان- مِنْ حَمِيمٍ أى: من ماء قد بلغ أقصى
стр. 5895
درجات الحرارة وعبر عن المكان الذي ينزل فيه بالنزل، على سبل التهكم، إذا النزل في الأصل يطلق على ما يقدم للضيف على سبل التكريم..
وقوله: وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ أى: وله- أيضا- إدخال في نار جهنم التي تشوى جسده وتحرقه.
إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ أى: إن هذا الذي قصصناه عليك- أيها الرسول الكريم- في هذه السورة وغيرها، لهو الحق الثابت الذي لا يحوم حوله شك أو ريب..
فقوله: حَقُّ الْيَقِينِ من إضافة الصفة إلى الموصوف، أى: لهو اليقين الحق..
أو هو من إضافة الشيء إلى نفسه مع اختلاف اللفظين، كما في قوله- تعالى-: حَبْلِ الْوَرِيدِ إذ الحبل هو الوريد، والقصد من مثل هذا التركيب التأكيد.
ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بقوله: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ أى: إذا كان الأمر كما ذكرنا لك- أيها الرسول الكريم- فنزه ربك العظيم في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، عن كل ما لا يليق به..
وبعد فهذا تفسير لسورة «الواقعة» نسأل الله- تعالى- أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..
الدوحة- قطر صباح الأربعاء ١٦ من رجب سنة ١٤٠٦ هـ ٢٦/ ٣/ ١٩٨٦ م كتبه الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى
стр. 5896
تفسير سورة الحديد
стр. 5897
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة وتمهيد
١- سورة «الحديد» هي السورة السابعة والخمسون في ترتيب المصحف، وسميت بذلك لقوله- تعالى- فيها: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ.
وعدد آياتها تسع وعشرون آية في المصحف الكوفي، وثمان وعشرون في غيره.
٢- وقد اختلف المفسرون في كونها مدنية أو مكية، فابن كثير والقرطبي يقولان بأنها مدنية، ولا يذكران خلافا في ذلك.
بينما نرى صاحب الكشاف يقول إنها مكية، ولا يذكر- أيضا- خلافا في ذلك.
ومن المفسرين من يرى بأن سورة الحديد منها ما هو مكي ومنها ما هو مدني.
قال الآلوسى: أخرج جماعة عن ابن عباس أنها نزلت بالمدينة وقال النقاش وغيره: هي مدنية بإجماع المفسرين، ولم يسلم له ذلك، فقد قال قوم إنها مكية.
وقال ابن عطية: لا خلاف أن فيها قرآنا مدنيا. لكن يشبه أن يكون صدرها مكيا..
ويشهد لهذا ما أخرجه البزار في مسنده، والطبراني وابن مردويه.. عن عمر- رضى الله عنه- أنه دخل على أخته قبل أن يسلم، فإذا صحيفة فيها أول سورة الحديد، فقرأه حتى بلغ قوله- تعالى-: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فأسلم «١» .
والذي يبدولنا- بعد تدبرنا لهذه السورة الكريمة- أنها يغلب عليها طابع القرآن المدني، الذي يتحدث عن الجهاد في سبيل الله، وعن الإنفاق من أجل إعلاء كلمته، وعن سوء مصير المنافقين، وعن إرشاد المؤمنين إلى كيفية إقامة الدولة القوية العادلة.. وهذا لا يمنع من أن يكون من بين آياتها ما هو مكي، متى ثبت ذلك عن طريق النقل الصحيح.
٣- وقد افتتحت السورة الكريمة ببيان أن الله- تعالى- قد نزهه عن كل ما لا يليق به، جميع ما في السموات وما في الأرض، وأنه- هو مالكها، وهو الأول والآخر، والظاهر والباطن والمحيي والمميت والخالق لكل شيء، والعليم بكل شيء.
стр. 5898
قال- تعالى-: سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
٤- ثم حضت السورة الكريمة المؤمنين على الثبات على إيمانهم، وعلى الإنفاق في سبيل الله، ووعدتهم على ذلك بأجزل الثواب.
قال- تعالى-: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ، وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ.
٥- ثم تتحدث السورة الكريمة بعد ذلك بأسلوبها البليغ المؤثر، عن حسن عاقبة المؤمنين، وسوء عاقبة المنافقين، فتحكى جانبا مما يدور بين الفريقين من محاورات فتقول:
يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ، قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً، فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ، وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ، يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ؟ قالُوا: بَلى، وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ، وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ، حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ.
٦- وبعد أن تنتقل السورة الكريمة إلى حث المؤمنين على الخشوع لله، وعلى تذكر الموت، وعلى البذل في سبيل الله ... بعد كل ذلك تبين لهم مصير الحياة الدنيا، وتدعوهم إلى إيثار الآجلة على العاجلة، والباقية على الفانية فتقول: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ، وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ، كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ، ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً، وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ، وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ، سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ، وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ، أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.
٧- ثم تقرر السورة بعد ذلك أن كل شيء بقضاء الله وقدره، وأنه- سبحانه- قد أرسل رسله، وأنزل عليهم كتبه، وأمرهم بنشر العدل بين الناس، كما أمرهم بإعداد القوة لإرهاب أعداء الحق، لأن الناس في كل زمان ومكان فيهم المهتدون، وفيهم الضالون، كما قال- تعالى-: فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ.
٨- ثم ختم- سبحانه- السورة بهذا النداء الحكيم للمؤمنين فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ، وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.
стр. 5899
٩- وبعد، فهذا عرض مجمل لسورة «الحديد» ومنه نرى أنها زاخرة بالحديث عن مظاهر قدرة الله- تعالى-، وعن صفاته الجليلة.. وعن دعوة المؤمنين إلى التمسك بتعاليم دينهم، تمسكا يكون مقدما على كل شيء من زينة هذه الحياة الدنيا، لأن هذا التمسك يجعلهم يعيشون سعداء في دنياهم، وينالون بسببه الفوز والفلاح في أخراهم وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم الدوحة- قطر مساء الأربعاء ١٦ من رجب سنة ١٤٠٦ هـ ٢٦/ ٣/ ١٩٨٦ د. محمد سيد طنطاوى
стр. 5900
التفسير قال الله- تعالى-:
[سورة الحديد (٥٧) : الآيات ١ الى ٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤)
لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٦)
افتتحت سورة «الحديد» بتنزيه الله- تعالى- عن كل ما لا يليق به، وبالثناء عليه- تعالى- بما هو أهله، وببيان جانب من صفاته الجليلة، الدالة على وحدانيته، وقدرته، وعزته، وحكمته، وعلمه المحيط بكل شيء.
افتتحت بقوله- : سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
وقوله: سَبَّحَ من التسبيح، وأصله الإبعاد عن السوء، من قولهم سبح فلان في الماء، إذا توغل فيه، وسبح الفرس، إذا جرى بعيدا وبسرعة.
стр. 5901
قالوا: وهذا الفعل سَبَّحَ قد يتعدى بنفسه، كما في قوله- تعالى-: وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا وقد يتعدى باللام كما هنا. وهي للتأكيد والتبيين أى: سبح لله لا لغيره.
والمراد بالتسبيح هنا: تنزيه الله- تعالى- عن كل مالا يليق بجلاله وكماله.
والمعنى: نزه الله- تعالى- وعظمه وخضع له، وانقاد لمشيئته.. جميع ما في السموات والأرض من كائنات ومخلوقات.. لا يعلمها إلا هو- سبحانه-.
وقد جاء التسبيح تارة بصيغة الفعل الماضي كما في هذه السورة، وكما في سورتي الحشر والصف، وتارة بصيغة المضارع، كما في سورتي الجمعة والتغابن، وتارة بصيغة الأمر كما في سورة الأعلى، وتارة بصيغة المصدر كما في سورة الإسراء.
جاء التسبيح بهذه الصيغ المتنوعة، للإشعار بأن تسبيح هذه المخلوقات لله- تعالى- شامل لجميع الأوقات والأحوال.
قال- تعالى- تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ، وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ، إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً «١» .
وختم- سبحانه- الآية الكريمة بقوله: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، والعزيز: هو الغالب على كل شيء، إذ العزة معناها: الغلبة على الغير، ومنه قوله تعالى-: وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ أى: غلبني في الخصام.
وفي أمثال- العرب: من عزّ بزّ، أى: من غلب غيره تفوق عليه.
والحكيم مأخوذ من الحكمة، وهي وضع الأمور في مواضعها اللائقة بها.
أى: وهو- سبحانه- الغالب الذي لا يغلبه شيء- الحكيم الذي يضع الأمور في مواضعها السليمة.
ثم ذكر- سبحانه- صفات أخرى من صفاته الجليلة فقال: لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
أى. له- سبحانه- وحده دون أن يشاركه مشارك، ملك السموات والأرض، إذ هو- تعالى- المتصرف فيهما، والخالق لهما، إن شاء أبقاهما وإن شاء أزالهما.
وملكه- سبحانه- للسموات والأرض، ملك حقيقى، لأنه لا ينازعه فيه منازع، ولا يشاركه مشارك.. بخلاف ملك غيره لبعض متاع الدنيا، فإنه ملك زائل مهما طال، ومفتقر إلى من يحميه ويدافع عنه.
стр. 5902
وقوله: يُحْيِي وَيُمِيتُ صفة أخرى من صفاته- أى: هو الخالق للحياة لمن شاء أن يحييه، وهو الخالق للموت لمن أراد أن يميته.
وهذه الجملة خبر لمبتدأ محذوف، وهي في الوقت نفسه بدل اشتمال مما قبلها إذ الإحياء والإماتة، مما يشتمل عليه ملك السموات والأرض.
وخص- سبحانه- هاتين الصفتين بالذكر، لأنه هو المتفرد بهما، ولا يستطيع أحد أن يدعى أن له عملا فيهما، ومن ادعى ذلك كانت دعواه من قبيل المغالطة والمجادلة بالباطل، إذ الموجد الحقيقي لهما هو الله- وما سواه فهو سبب لهما.
وقوله- تعالى-: وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تذييل مؤكد لما قبله. أى: وهو- سبحانه- على كل شيء من الأشياء التي من جملتها ما ذكر- قدير على إيجادها أو إعدامها.
ثم ذكر- سبحانه- صفات أخرى من صفاته الجليلة فقال: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ، وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
أى: هو- سبحانه- الأول والسابق على جميع الموجودات، إذ هو موجدها ومحدثها ابتداء. فهو موجود قبل كل شيء وجودا لا حد ولا وقت لبدايته.
وَالْآخِرُ أى: الباقي بعد هلاك وفناء جميع الموجودات، كما قال- تعالى-:
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ.
وآثر لفظ الْآخِرُ على لفظ الباقي ليتم الطباق بين الوصفين المتقابلين ...
وهو الظَّاهِرُ أى: الظاهر وجوده عن طريق مخلوقاته التي أوجدها بقدرته إذ من المعروف عند كل عاقل أن كل مخلوق لا بد له من خالق، وكل موجود لا بد له من موجد.
فلفظ الظَّاهِرُ مشتق من الظهور الذي هو ضد الخفاء، والمراد به هنا ظهور الأدلة العقلية والنقلية على وجوده ووحدانيته وقدرته وعلمه.
ويجوز أن يكون مشتقا من الظهور، بمعنى الغلبة والعلو على الغير، كما في قوله- تعالى-: إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ ...
وعليه يكون المعنى: وهو الغالب العالي على كل شيء.
وهو الْباطِنُ من البطون بمعنى الخفاء والاستتار، أى: وهو- سبحانه- المحتجب يكنه ذاته عن أن تدركه الأبصار، أو أن تحيط بحقيقة ذاته العقول، كما قال- تعالى-
стр. 5903
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ، وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ، وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ «١» .
ويصح أن يكون الْباطِنُ بمعنى العالم بما بطن وخفى من الأمور يقال: فلان أبطن بهذا الأمر من غيره، أى: أعلم بهذا الشيء من غيره.
ثم ختم- سبحانه- الآية بقوله: وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ أى: وهو- سبحانه- عليم بكل ما في هذا الكون، لا تخفى عليه خافية من شئونه، كما قال- تعالى-: إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ «٢» .
قال ابن كثير: وهذه الآية هي المشار إليها في حديث عرباض بن معاوية أنها أفضل من ألف آية.
وقد اختلفت عبارات المفسرين في هذه الآية على نحو بضعة عشر قولا وقال البخاري:
قال يحيى: الظاهر على كل شيء علما والباطن على كل شيء علما.
وروى الإمام مسلم- في صحيحه-، والإمام أحمد- في مسنده- عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ كان يدعو عند النوم فيقول: «اللهم رب السموات ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، منزل التوراة والإنجيل والقرآن، فالق الحب والنوى، لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء. اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر..» «٣» .
ثم ساق- سبحانه- ألوانا أخرى من الأدلة التي تدل على وحدانيته وقدرته فقال:
هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ.
والأيام: جمع يوم، واليوم في اللغة مطلق الوقت، أى: في ستة أوقات لا يعلم مقدارها إلا الله- تعالى-. وقيل: هذه الأيام من أيام الدنيا.
والاستواء في اللغة: يطلق على الاستقرار، كما في قوله- تعالى- وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ أى استقرت سفينة نوح- ﵇ عند ذلك الجبل المسمى بذلك الاسم..
كما يطلق بمعنى القصد، ومنه قولهم: استوى إلىّ يخاصمني، أى: قصد لي. كما يطلق بمعنى الاستيلاء والقهر، ومنه قول الشاعر: قد استوى بشر على العراق.
стр. 5904
وعرش الله، مما لا يعلمه البشر إلا بالاسم أما حقيقته وكيفيته فلا يعلمها إلا الله- تعالى-.
وقد ذكر العرش في إحدى وعشرين آية من القرآن الكريم، كما ذكر الاستواء على العرش في سبع آيات.
أى: هو- سبحانه- الذي خلق السموات والأرض في ستة أوقات، ثم استوى على العرش، استواء يليق به- تعالى-. بلا كيف، ولا تمثيل، ولا تشبيه، لاستحالة اتصافه- تعالى: بصفات المحدثين، ولوجوب تنزيهه عما لا يليق به لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
قال الإمام مالك- ﵀ الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
ثم بين- سبحانه- شمول علمه فقال: يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها، وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها.
وقوله: يَلِجُ من الولوج بمعنى الدخول، يقال: ولج فلان بيته، إذا دخله.
وقوله: يَعْرُجُ من العروج وهو الذهاب في صعود، والسماء، جهة العلو مطلقا.
أى أنه- سبحانه- يعلم ما يلج في الأرض، وما يدخل فيها من ماء نازل من السماء، ومن جواهر وكنوز قد طويت في باطنها، ومن بذور ومعادن في طياتها.
ويعلم- أيضا- ما يَخْرُجُ مِنْها من نبات وحبوب وكنوز، وغير ذلك من أنواع الخيرات، ويعلم- كذلك- ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ من أمطار، وثلوج، وبرد، وصواعق، وبركات، من عنده- تعالى- لأهل الأرض.
ويعلم- أيضا- ما يصعد فيها من الملائكة، ومن الأعمال الصالحة، كما قال- تعالى- إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ.
وعدى العروج بحرف في، لتضمنه معنى الاستقرار، وهو في الأصل يعدى بحرف إلى، كما في قوله- تعالى-: تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ.
وقوله- سبحانه-: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ أى: وهو معكم بعلمه ولطفه ورحمته..
أينما كنتم وحيثما وجدتم.
قال الآلوسى: قوله- تعالى-: وهو معكم أينما كنتم تمثيل لإحاطة علمه- تعالى-
стр. 5905
بهم، وتصوير لعدم خروجهم عنه أينما كانوا، وقيل المعية مجاز مرسل عن العلم بعلاقة السببية والقرينة السياق واللحاق مع استحالة الحقيقة.
وقد أول السلف هذه الآية بذلك، أخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس أنه قال فيها: عالم بكم أينما كنتم.
وأخرج- أيضا- عن سفيان الثوري انه سئل عنها فقال: علمه معكم.
وفي البحر: أنه أجمعت الأمة على هذا التأويل فيها، وأنها لا تحمل على ظاهرها من المعية بالذات «١» .
ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة بقوله: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أى: والله- تعالى- لا يخفى عليه شيء من أقوالكم أو أفعالكم.. بل هو مطلع عليكم اطلاعا تاما.
ثم أكد- سبحانه- كمال قدرته فقال لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أى: له- سبحانه- التصرف الكلى في السموات والأرض. وفيما فيهما من موجودات، من حيث الإيجاد والإعدام وسائر التصرفات.
وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ أى: وإلى الله- تعالى- وحده لا إلى غيره، مرد الأمور كلها، والحكم عليها، والتصرف فيها.. وليس إلى أحد غيره لا على سبيل الاستقلال، ولا على سبيل الاشتراك.
يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ أى: يدخل- سبحانه- طائفة من الليل في النهار، فيقصر الليل ويزيد النهار ويدخل طائفة من النهار في الليل، فيقصر النهار، ويزيد الليل، ثم يسيران على هذا النظام البديع، دون أن يسبق أحدهما الآخر.
وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ و «ذات» هنا مؤنث ذو بمعنى صاحب.
أى: وهو- سبحانه- عليم علما تاما بمكنونات الصدور، وما تضمره من خير أو شر وما يتردد فيها من خواطر وأفكار.
والمتأمل في هذه الآيات الكريمة من أول السورة إلى هنا، يراها قد اشتملت على بضع عشرة صفة، من صفات الله الدالة على وجوب إخلاص العبادة له، والانقياد لأمره ونهيه.
стр. 5906
ثم- دعا- سبحانه- عباده المؤمنين إلى التمسك بهذا الإيمان، وإلى تنفيذ تكاليفه، ووعدهم على ذلك بأجزل الثواب، فقال- تعالى-:
[سورة الحديد (٥٧) : الآيات ٧ الى ١١]
آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٩) وَما لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١)
والخطاب في قوله- تعالى-: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ إلى الناس جميعا ويدخل فيه المؤمنون دخولا أوليا، ويكون المقصود بدعوتهم إلى الإيمان المداومة عليه والتمسك بتعاليمه، وتنفيذ توجيهاته.. كما قال- تعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ، وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ «١» .
وقوله: وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ بيان لما يقتضيه هذا الإيمان.
وقوله: مُسْتَخْلَفِينَ اسم مفعول من الاستخلاف، بمعنى أن يخلف الإنسان غيره، أو أن يخلفه غيره من بعده.
стр. 5907
أى: آمنوا- أيها الناس- بالله- تعالى- وبرسوله ﷺ إيمانا حقا، وإن من مقتضيات هذا الإيمان، أن تنفقوا من أموالكم في وجوه الخير، فإن هذه الأموال هي عارية في أيديكم، فقد ورثتموها من غيركم، وغيركم سيرثها عنكم، وهي في جميع الأحوال ملك لله- تعالى- وحده على الحقيقة.
قال القرطبي: قوله: وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ دليل على أن أصل الملك لله- سبحانه- وأن العبد ليس له فيه إلا التصرف الذي يرضى الله فيثيبه على ذلك بالجنة، فمن أنفق منها في حقوق الله، وهان عليه الإنفاق منها، كما يهون على الرجل النفقة من مال غيره إذا أذن له فيه، كان له الأجر الجزيل.
وقال الحسن: مستخلفين فيه: ورثتكم إياه عمن كان قبلكم.
وهذا يدل على أنها ليست بأموالكم في الحقيقة، وما أنتم إلا بمنزلة النواب والوكلاء، فاغتنموا الفرصة فيها بإقامة الحق، قبل أن تزال عنكم إلى من بعدكم «١» .
ثم بين- سبحانه- ما أعده لهؤلاء المنفقين فقال: فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ إيمانا حقا..
وَأَنْفِقُوا أموالهم فيما يرضى الله- تعالى- لَهُمْ منه- أَجْرٌ كَبِيرٌ لا يعلم مقداره إلا الله- تعالى-.
ثم رغبهم- سبحانه- في الثبات على الإيمان بالله ورسوله فقال: وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ، وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
أى: وأى مانع يمنعكم من الثبات على الإيمان. ومن القيام بتكاليفه، ومن إخلاص العبادة له- تعالى- وحده، والحال أن الرسول ﷺ بينكم صباح مساء، يدعوكم إلى الإيمان بربكم، وقد أخذ- سبحانه- عليكم العهود والمواثيق على هذا الإيمان، عن طريق ما ركب فيكم من عقول تعقل، وعن طريق ما نصب لكم من أدلة متنوعة كلها تدل على وجوب إخلاص العبادة لله الواحد القهار.
قال: الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: أى: وأى شيء يمنعكم من الإيمان، والرسول بين أظهركم يدعوكم إلى ذلك، ويبين لكم الحجج والبراهين على صحة ما جاءكم به. وقد روينا في الحديث من طرق، في أوائل شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري، أن رسول الله ﷺ قال يوما لأصحابه: «أى المؤمنين أعجب إليكم إيمانا؟» قالوا: الملائكة.
стр. 5908
قال: «ومالهم لا يؤمنون وهم عند ربهم؟» قالوا: فالأنبياء قال: «وما لهم لا يؤمنون والوحى ينزل عليهم» قالوا: فنحن، قال: «فما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ ولكن أعجب المؤمنين إيمانا قوم يجيئون بعدكم، يجدون صحفا يؤمنون بما فيها» .
وقوله- تعالى-: وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ كما قال- تعالى-: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ، إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا.. ويعنى بذلك بيعة الرسول ﷺ .
وزعم ابن جرير: أن المراد بذلك: الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم «١» .
وجواب الشرط في قوله- تعالى-: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ محذوف لدلالة ما قبله عليه.
أى: إن كنتم مؤمنين لسبب من الأسباب، فعلى رأس هذه الأسباب وجود الرسول ﷺ بينكم يدعوكم إلى هذا الإيمان ويقنعكم بوجوب الاعتصام به.
ثم ذكر- سبحانه- جانبا من مظاهر فضله على نبيه ﷺ وعليهم فقال: هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ. وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ.
والرءوف: مبالغة في الاتصاف بالرأفة، ومعناها: كراهية إصابة الغير بما يضره أو يؤذيه.
والرحيم: مبالغة في الاتصاف بصفة الرحمة. ومعناه: محبة إيصال الخير والنفع إلى الغير.
أى: هو- سبحانه- وحده الذي ينزل على عبده ورسوله محمد ﷺ آياتٍ بَيِّناتٍ أى: حججا واضحات، ودلائل باهرات، لكي يخرجكم من ظلمات الكفر والجهل، إلى نور الإيمان والعلم.
وإن الله- تعالى- بكم- أيها الناس- لكثير الرأفة والرحمة، حيث أنزل إليكم كتابه، وأرسل إليكم رسوله ﷺ .
وكما حضهم- سبحانه- على الثبات على الإيمان.. حضهم أيضا مرة أخرى على الإنفاق في سبيله بأبلغ أسلوب، فقال: وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.
والاستفهام في قوله تعالى: وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا.. للتعجيب من حال من يمسك عن الإنفاق في سبيل الله، مع أن كل المقتضيات تدعوه إلى هذا الإنفاق. والكلام في قوله
стр. 5909
- تعالى-: وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ على حذف مضاف، والجملة حال من فاعل أَلَّا تُنْفِقُوا، أو من مفعوله المعلوم مما تقدم.
وإضافة ميراث إلى السموات والأرض، من إضافة المصدر إلى المفعول أى: وأى سبب يحملكم على البخل وعدم الإنفاق في سبيل إعلاء كلمة الله، والحال أن لله- تعالى- ميراث أهل السموات وأهل الأرض.
إنه لا عذر لكم في الشح والإمساك بعد أن بينت لكم ما بينت من وجوب الإنفاق في سبيل الله.
قال الآلوسى: قوله: وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أى: يرث كل شيء فيهما، ولا يبقى لأحد مال، على أن ميراثهما مجاز أو كناية عن ميراث ما فيهما، لأن أخذ الظرف يلزمه أخذ المظروف. وجوز أن يراد: يرثهما وما فيهما، واختير الأول، لأنه يكفى لتوبيخهم، إذ لا علاقة لأخذ السموات والأرض هنا.. والجملة مؤكدة للتوبيخ، فإن ترك الإنفاق بغير سبب قبيح منكر، ومع تحقيق ما يوجب الإنفاق أشد في القبح، وأدخل في الإنكار «١» .
ثم قال- تعالى-: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ، أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا.
والمراد بمن أنفق من قبل الفتح وقاتل: السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، الذين أنفقوا الكثير من أموالهم، قيل فتح مكة ... وقيل: المراد بالفتح: صلح الحديبية.
وإنما كان الذين أنفقوا وقاتلوا قبل هذا الوقت، أعظم درجة ممن فعل ذلك بعد هذا الوقت، لأن الأيام التي سبقت الفتح تعرض المسلمون خلالها لكثير من المصائب والخوف والجوع ونقص الثمرات.. فكان الإنفاق والجهاد فيها أشق على النفس، والثواب على قدر المشقة.
أى: لا يستوي منكم- أيها المؤمنون- في الفضيلة والدرجة من أنفق الكثير من ماله، من قبل أن تفتح مكة، وجاهد في سبيل الله- تعالى- جهادا كبيرا، أولئك الذين فعلوا ذلك، أعظم درجة ومنزلة من الذين أنفقوا وقاتلوا بعد أن فتحت مكة.
فالجملة الكريمة بيان لتفاوت الدرجات، على حسب تفاوت الأحوال والأعمال، وعطف- سبحانه- القتال في قوله وَقاتَلُوا على الإنفاق في قوله: أَنْفَقُوا للإشعار بشدة ارتباطهما، وأنه لا غنى لأحدهما عن الآخر.
стр. 5910
قال القرطبي: أكثر المفسرين على أن المراد بالفتح: فتح مكة. وقال الشعبي والزهري:
فتح الحديبية ... وفي الكلام حذف. أى: لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل، ومن أنفق من بعد الفتح وقائل، فحذف لدلالة الكلام عليه.
وإنما كانت النفقة قبل الفتح أعظم، لأن حاجة الناس كانت أكثر لضعف الإسلام، وفعل ذلك كان على المنفقين حينئذ أشق، والأجر على قدر النصب «١» .
وقوله- تعالى-: مَنْ أَنْفَقَ.. عام يشمل جميع من بذل ماله قبل الفتح في سبيل الله.
وقيل: المراد به أبو بكر الصديق- رضى الله عنه- لأنه أول من أسلم، وأول من أنفق.
وقوله- : وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى مدح للفريقين، ودفع للتوهم من أن يظن ظان أن الفريق الثاني وهو الذي أنفق من بعد الفتح وقاتل، محروم من الأجر.
أى: وكلا الفريقين وعده الله- تعالى- المثوبة الحسنى وهي الجنة، إلا أن الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، أعظم درجة من الذين أنفقوا وقاتلوا بعد ذلك.
فهذه الآية أصل في تفاضل أهل الفضل فيما بينهم، وأن الفضل ثابت لهم جميعا إلا أنهم تفاوتوا على حسب أعمالهم وجهادهم وسبقهم.
ثم حتم- سبحانه- الآية الكريمة بقوله: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ أى: أنه- تعالى- لا تخفى عليه خافية من أعمالكم الظاهرة أو الباطنة فأخلصوا أقوالكم وأفعالكم لله- تعالى- لتنالوا أجره وثوابه.
وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث التي تدل على فضل الصحابة- رضوان الله عليهم- ومنها ما جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «لا تسبوا أصحابى، فو الذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» «٢» .
ثم ختم- سبحانه- هذه الآيات الكريمة، بتحريض أشد وأقوى على الإنفاق في وجوه الخير، فقال- تعالى-: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً، فَيُضاعِفَهُ لَهُ، وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ.
стр. 5911
قال القرطبي: القرض: اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء، وأقرض فلان فلانا، أى:
أعطاه ما يتجازاه واستقرضت من فلان أى: طلبت منه القرض فأقرضنى، واقترضت منه أى: أخذت منه القرض. وأصل الكلمة: القطع. ومنه المقراض، وأقرضته، أى: قطعت له من مالي قطعة يجازى عليها.
ثم قال: والتعبير بالقرض في هذه الآية، إنما هو تأنيس وتقريب للناس بما يفهمونه، والله هو الغنى الحميد، لكنه- تعالى- شبه عطاء المؤمن في الدنيا بما يرجو به ثوابه في الآخرة بالقرض، كما شبه إعطاء النفوس والأموال في أخذ الجنة بالبيع والشراء» «١» .
والقرض الحسن: هو الإنفاق من المال الحلال، مع صدق النية، دون رياء أو سمعة. أو منّ أو أذى مع تحرى أوسط الأموال.
والاستفهام: للحض على البذل والعطاء، والتحريض على التحلي بمكارم الأخلاق.
ومَنْ اسم استفهام مبتدأ، وذَا اسم إشارة خبره، والَّذِي وصلته صفة لاسم الإشارة، أو بدل منه.
والمعنى: من هذا المؤمن القوى الإيمان، الذي يقدم ماله في الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله، وفي غير ذلك من وجوه الخير كمعاونة المحتاجين، وسد حاجة البائسين ... فَيُضاعِفَهُ لَهُ أى: فيعطيه- سبحانه- أجره على إنفاقه أضعافا مضاعفة.
وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ، أى: ولهذا المنفق- فضلا عن كل ذلك- أجر كريم عند خالقه، لا يعلم مقداره إلا هو- تعالى-.
فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة، قد اشتملت على ألوان من الحض على الإنفاق في وجوه الخير.
ومن ذلك التعبير بالاستفهام في ذاته، لأنه للتنبيه وبعث النفوس إلى التدبر والاستجابة.
ومن ذلك- أيضا- التعبير بقوله: مَنْ ذَا الَّذِي.. إذ لا يستفهم بتلك الطريقة إلا إذا كان المقام ذا شأن وخطر، وكأن المخاطب لعظم شأنه، من شأنه أن يشار إليه، وأن يجمع له بين اسم الإشارة وبين الاسم الموصول.
ومن ذلك تسميته ما يبذله الباذل قرضا، ولمن هذا القرض؟ إنه لله الذي له خزائن السموات والأرض.
стр. 5912
فكأنه- تعالى- يقول: أقرضونى مما أعطيتكم، وسأضاعف لكم هذا القرض أضعافا مضاعفة، يوم القيامة يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً.
ومن ذلك إخفاء مرات المضاعفة، وضم الأجر الكريم إليها.
ومن ذلك التعبير عن الإنفاق بالقرض، إذ القرض معناه: إخراج المال. وانتظار ما يقابله من بدل.
والخلاصة أن هذه الآية وما قبلها، فيها ما فيها من الدعوة إلى الإنفاق في وجوه الخير، وإلى الجهاد في سبيل الله.
ثم بين- سبحانه- ما أعده للمؤمنين الصادقين من ثواب، وساق جانبا مما يدور بينهم وبين المنافقين من محاورات.. فقال- تعالى-:
[سورة الحديد (٥٧) : الآيات ١٢ الى ١٥]
يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ (١٣) يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥)
وقوله- تعالى- يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ منصوب بفعل مقدر، والرؤية بصرية، والخطاب لكل من يصلح له.
стр. 5913
والمعنى: واذكر- أيها العاقل- لتتعظ ولتعتبر، يوم تبصر المؤمنين والمؤمنات يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ. والأيمان: جمع يمين. والمراد جهة اليمين.
أى: يتحرك نورهم معهم من أمامهم، ومن جهة يمينهم، على سبيل التشريف والتكريم لهم.
قال ابن كثير: يقول- تعالى- مخبرا عن المؤمنين المتصدقين، أنهم يوم القيامة، يسعى نورهم بين أيديهم في عرصات القيامة بحسب أعمالهم، كما قال عبد الله بن مسعود: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم، ويمرون على الصراط، منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة، ومنهم من نوره مثل الرجل القائم «١» .
وعطف- سبحانه- الْمُؤْمِناتِ على الْمُؤْمِنِينَ للتنبيه على أن كلا من الذكر والأنثى. له أجره على عمله الصالح، بدون إجحاف أو محاباة لجنس على جنس، كما قال- تعالى-: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ، فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً، وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ «٢» .
والباء في قوله: وَبِأَيْمانِهِمْ بمعنى عن. واقتصر على ذكر الأيمان على سبيل التشريف لتلك الجهة، والمراد أن نورهم يحيط بهم من جميع جوانبهم.
وقوله: بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها، ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ مقول لقول محذوف.
وقوله: بُشْراكُمُ اسم مصدر من بشر. أى: أخبر بما يسر.
والمعنى: تقول لهم الملائكة على سبيل التكريم والتحية: نبشركم اليوم بجنات عظيمة.
تجرى من تحت ثمارها وأشجارها الأنهار العذبة، حالة كونكم خالدين فيها خلودا أبديا، وذلك الذي أنتم فيه من نور يسعى بين أيديكم، ومن جنات أنتم خالدون فيها.. هو الفوز العظيم، الذي لا يعادله فوز أو فلاح.
وقوله- : يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بدل من قوله- تعالى- يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ.
أى: واذكر- أيها العاقل- أيضا- يوم يقول المنافقون والمنافقات، الذين أظهروا الإسلام، وأبطنوا الكفر، يقولون للذين آمنوا، على سبيل التذلل والتحسر.
стр. 5914
انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ أى انتظرونا وتريثوا في سيركم لكي نلحق بكم، فنستنير بنوركم الذي حرمنا منه، وننتفع بالاقتباس من نوركم الذي أكرمكم الله- تعالى- به.
قال الآلوسى: انْظُرُونا أى: انتظرونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ نصب منه، وذلك بأن يلحقوا بهم، فيستنيروا به.. وأصل الاقتباس طلب القبس، أى الجذوة من النار.
وقولهم للمؤمنين ذلك، لأنهم في ظلمة لا يدرون كيف يمشون فيها. وروى أن ذلك يكون على الصراط «١» .
وقوله- سبحانه- قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً حكاية لما يرد به عليهم المؤمنون، أو الملائكة.
أى: قال المؤمنون في ردهم على هؤلاء المنافقين: ارجعوا وراءكم حيث الموقف الذي كنا واقفين فيه فالتمسوا منه النور، أو ارجعوا إلى الدنيا فالتمسوا نورا، عن طريق تحصيل سببه وهو الإيمان، أو ارجعوا خائبين فلا نور لكم عندنا.
وهذا القول من المؤمنين لهم، على سبيل التهكم بهم، إذ لا نور وراء المنافقين.
وقوله: وَراءَكُمْ تأكيد لمعنى ارْجِعُوا إذ الرجوع يستلزم الوراء.
ثم بين- سبحانه- ما حدث للمنافقين بعد ذلك فقال: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ، وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ.
أى: فضرب بين المؤمنين وبين المنافقين يحاجز عظيم، هذا الحاجز العظيم، والسور الكبير لَهُ بابٌ باطن هذا الباب مما يلي المؤمنين فِيهِ الرَّحْمَةُ أى: فيه الجنة، وظاهر هذا الباب مما يلي المنافقين مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ.
أى: يأتى من جهته العذاب. قالوا: وهذا السور، هو الحجاب المذكور في سورة الأعراف في قوله- تعالى-: وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ.
والمقصود بهذه الآية الكريمة، بيان أن المؤمنين في مكان آمن تحيط به الجنة، أما المنافقون ففي مكان مظلم يؤدى بهم إلى النار وبئس القرار.
ثم حكى- سبحانه- أن المنافقين لم يكتفوا بهذا الرجاء للمؤمنين، بل أخذوا ينادونهم في تحسر وتذلل فيقولون لهم- كما حكى القرآن عنهم-: يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ.
стр. 5915
أى: ينادى المنافقون المؤمنين نداء كله حسرة وندامة، فيقولون لهم: ألم نكن معكم في الدنيا، نصلى كما تصلون، وننطق بالشهادتين كما تنطقون؟
قالُوا بَلى أى: قال المؤمنون للمنافقين: بل كنتم معنا في الدنيا تنطقون بالشهادتين.
وَلكِنَّكُمْ في الدنيا فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ أى: أظللتم أنفسكم بالنفاق الذي هو كفر باطن، وإسلام ظاهر.
وَتَرَبَّصْتُمْ والتربص: الانتظار والترقب، أى: وانتظرتم وقوع المصائب بالمؤمنين.
وَارْتَبْتُمْ أى: وشككتم في الحق الذي جاءكم به الرسول ﷺ وأعرضتم عنه.
وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ والأمانى: جمع أمنية، وهي ما يمنون به أنفسهم من الباطل.
كزعمهم أنهم مصلحون، وأنهم على الحق، وأن المسلمين على الباطل.
حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ أى: بقيتم على الفتنة، والارتياب، والتربص، والاغترار بالباطل، حتى جاءكم أمر الله، وهو قضاؤه فيكم بالموت.
وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ أى: وخدعكم في سعة رحمة الله الشيطان. فأطمعكم بأنكم ستنجون من عقابه- تعالى- مهما فتنتم أنفسكم وتربصتم بالمؤمنين وارتبتم في كون الإسلام حق.
وها أنتم الآن ترون سوء عاقبة نفاقكم، وإصراركم على كفركم.
فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ أيها المنافقون فِدْيَةٌ وهي ما يبذل من أجل افتداء النفس من العذاب.
وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أى: ولا يؤخذ- أيضا- من الذين كفروا ظاهرا وباطنا فداء.
مَأْواكُمُ جميعا النَّارُ. أى: المكان الذي تستقرون فيه، هو النار.
هِيَ مَوْلاكُمْ أى: هذه النار هي أولى بكم من غيرها. والأصل هي مكانكم الذي يقال فيه أولى بكم.
ويجوز أن يكون المعنى: هذه النار: هي ناصركم، من باب التهكم بهم، على حد قول الشاعر: تحية بينهم ضرب وجيع ... أى: لا ناصر لكم إلا النار.
والمراد نفى الناصر لهم على سبيل القطع، بعد نفى أخذ الفدية منهم. «١»
стр. 5916
قال صاحب الكشاف: قوله: هِيَ مَوْلاكُمْ قيل: هي أولى بكم ... وحقيقة مولاكم، أى: مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم كما قيل هو مئنة للكرم، أى مكان لقول القائل إنه لكريم.
ويجوز أن يراد: هي ناصركم. أى: لا ناصر لكم غيرها. والمراد: نفى الناصر على البتات، ونحوه قولهم أصيب فلان بكذا فاستنصر بالجزع. ومنه قوله- تعالى- وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ.
وقيل: هي مولاكم، أى تتولاكم كما توليتم في الدنيا أعمال أهل النار.
وعطف- سبحانه- الذين كفروا على المنافقين في عدم قبول الفدية، لاتحادهم في التكذيب بيوم الدين، وفي الاستهزاء بالحق الذي جاءهم من عند الله- تعالى-.
والمخصوص بالذم في قوله- تعالى-: وَبِئْسَ الْمَصِيرُ محذوف والتقدير: وبئس المصير جهنم التي هي المكان الذي تصيرون إليه.
فأنت ترى أن المؤمنين قد بينوا للمنافقين، أنهم يوافقونهم على أنهم كانوا معهم في الدنيا.
ولكن الذي أدى بهؤلاء المنافقين إلى هذا المصير الأليم هو: فتنة أنفسهم، والتربص بالمؤمنين، والارتياب في صدق الرسول ﷺ والاغترار بخداع الشيطان.. فما نزل بهم من عذاب إنما هو بسبب أفعالهم القبيحة.
وبعد هذا الحديث المؤثر عن المؤمنين ونورهم، وعن المنافقين وظلماتهم وعن تلك المحاورات التي تدور بينهم.. بعد كل ذلك حرض- سبحانه- المؤمنين، على أن يروضوا أنفسهم على خشية الله- تعالى- وحذرهم من أن ينهجوا نهج أهل الكتاب في قسوة القلب، ووعد- سبحانه- المؤمنين الصادقين بالأجر الجزيل، وبالنور العظيم، فقال- تعالى-:
[سورة الحديد (٥٧) : الآيات ١٦ الى ١٩]
أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧) إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٩)
стр. 5917
والاستفهام في قوله- تعالى-: أَلَمْ يَأْنِ للتقرير، و «يأن» فعل مضارع، يقال:
أنى الشيء- كرمى- أنيا وأناء- بالفتح- وإنى- بالكسر- إذا حان أناه، أى: وقته، فهو فعل معتل حذفت منه الياء لسبقه بلم الجازمة، ومنه قوله- تعالى- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ أى غير ناظرين حلول وقته.
والخطاب في الآية يحتمل أن يكون من باب العتاب لطائفة من المؤمنين، أصابهم بعض الفتور أو التكاسل، فيما أمروا به من الاجتهاد في طاعة الله- تعالى- بعد أن فتح الله- تعالى- لهم أقطار الأرض ورزقهم بالكثير من لين العيش، وخيرات الدنيا.
ويؤيد هذا ما أخرجه ابن المبارك، وعبد الرازق، وابن المنذر عن الأعمش قال: لما قدم أصحاب رسول الله ﷺ المدينة، فأصابوا من لين العيش ما أصابوا. بعد أن كان لهم من الجهد- وشظف العيش فكأنهم فتروا عن بعض ما كانوا عليه، فعوتبوا على ذلك فنزلت هذه الآية.
ويحتمل أن يكون الخطاب في الآية لجميع المؤمنين، على سبيل الحض على المداومة على طاعة الله- تعالى-، والتحذير من التقصير.
قال الآلوسى ما ملخصه: قوله- تعالى-: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ.
استئناف لعتاب المؤمنين على الفتور والتكاسل فيما ندبوا إليه، والمعاتب- على ما قاله الزجاج- طائفة منهم، وإلا فإن من المؤمنين من لم يزل خاشعا منذ أن أسلم إلى أن لقى ربه «١» .
стр. 5918
والخشوع: التذلل والخضوع، واللام في قوله لِذِكْرِ اللَّهِ للتعليل، والمراد بذكر الله- تعالى-: ما يشمل كل قول أو فعل يؤدى إلى الخوف من الله- تعالى- بحيث يظهر أثر ذلك على الجوارح.
وقيل: المراد به: القرآن الكريم، فيكون قوله- تعالى- بعد ذلك وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ من باب عطف الشيء على نفسه، لاختلاف اللفظين، كما في قوله- تعالى-:
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى. الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى. وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى.
والمعنى: لقد آن الأوان أن تخشع قلوب المؤمنين لذكر الله- تعالى- وأن تلين قلوبهم لما أنزله- سبحانه- على نبيه ﷺ من قرآن، تقشعر منه جلود الذين يخافون ربهم، وترق له مشاعرهم ونفوسهم.
وبعد هذا التحريض للمؤمنين على المسارعة في طاعة الله- تعالى- وخشيته والإكثار من ذكره: نهاهم- سبحانه- عن التشبه بأهل الكتاب، الذين طال عليهم الأمد في الانغماس في شهوات الدنيا فقست قلوبهم فقال- تعالى- وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ، فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ.
والمراد بالذين أوتوا الكتاب: اليهود والنصارى، وبالكتاب: التوراة والإنجيل.
والجملة الكريمة معطوفة على قوله- تعالى-: تَخْشَعَ والأمد: الغاية من زمان أو مكان. والمراد به هنا: الزمان الطويل.
أى: لقد آن الأوان أن تخشع قلوب الذين آمنوا لذكر الله وما نزل من الحق، وآن الأوان- أيضا- أن لا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبلهم، حيث طال عليهم الوقت وهم منغمسون في الشهوات والملذات، فقست قلوبهم، وصارت لا تتأثر لا بالترغيب ولا بالترهيب، ولا تفرق بين الحرام والحلال. وأصبح كثير منهم خارجين عن الصراط المستقيم.
فأنت ترى الآية الكريمة قد حضت المؤمنين على الركون إلى ذكر الله- تعالى- بشدة ومداومة.. ونهتهم عن التشبه بأهل الكتاب في عدم الخشوع وفي قسوة القلوب، بسبب استيلاء المطامع والشهوات على قلوبهم.
قال صاحب الكشاف ما ملخصه: قوله- تعالى-: أَلَمْ يَأْنِ من أنى الأمر إذا جاء أناه أى: وقته.. والآية نهى للمؤمنين عن مماثلة أهل الكتاب في قسوة القلوب، وذلك ان بنى إسرائيل، كان الحق يحول بينهم وبين شهواتهم، وإذا سمعوا التوراة والإنجيل خشعوا ورقت
стр. 5919
قلوبهم، فلما طال عليهم الزمان، غلبهم الجفاء والقسوة، واختلفوا وأحدثوا ما أحدثوا من التحريف وغيره.
فإن قلت: ما معنى لذكر الله وما نزل من الحق؟ قلت: يجوز أن يراد بالذكر وبما نزل من الحق القرآن، لأنه جامع للأمرين: الذكر والموعظة وأنه حق نازل من السماء.
وأن يراد خشوعها إذا ذكر الله. وإذا تلى القرآن، كقوله- تعالى-: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ. وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً «١» .
والآية الكريمة تشير إلى أن الإهمال لذكر الله، والاسترسال في الشهوات كل ذلك يؤدى إلى فسوة القلوب، وإلى الفسوق عن أمر الله- تعالى-.
ولذا وجدنا كثيرا من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، تحض على الإكثار من ذكر الله- تعالى- قال- سبحانه-: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ، أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً.
وفي الحديث الشريف: يقول ﷺ : «لا يقعد قوم يذكرون الله- تعالى- إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم فيمن عنده» .
ولقد كان سماع الآية الكريمة، بتدبر وتفكر وخشوع، على رأس الأسباب التي أدت إلى توبة بعض العصاة توبة صادقة نصوحا.
فهذا هو الفضل بن عياض يذهب ليلا لارتكاب ما نهى الله عنه، فيسمع قارئا يقرأ هذه الآية، فيرتجف ويعود أدراجه وهو يقول: بلى والله قد آن أوان الخشوع لذكر الله.. اللهم إنى تبت إليك، وجعلت توبتي إليك جوار بيتك الحرام «٢» .
ثم وجه- سبحانه- خطابه إلى المؤمنين فقال: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها، قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.
وافتتاح الآية بقوله- تعالى-: اعْلَمُوا. يؤذن بأن ما سيلقى على مسامعهم من توجيهات، جدير بالانتباه إلى مضمونه، وإلى الامتثال لما اشتمل عليه من أمر أو نهى.
وليس المقصود من الآية إخبار المؤمنين بأن الله- تعالى- قادر على إحياء الأرض بعد موتها، فذلك أمر يعتقدونه، ولا يتم إيمانهم إلا به.
وإنما المقصود من هذه الآية الكريمة، بيان أن المواظبة على ذكر الله- تعالى- وعلى تلاوة
стр. 5920
كتابه، كل ذلك يكون له أثره في خشوع النفوس، وفي طهارة القلوب ... كأثر المطر عند ما ينزل على الأرض الجدباء المقفرة ... فما تلبث إلا أن تهتز وتربو وتنبت من كل زوج بهيج.
قال الإمام الرازي: قوله- تعالى-: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها. فيه وجهان:
الأول: أنه تمثيل. والمعنى: أن القلوب التي ماتت بسبب القساوة، المواظبة على الذكر سبب لعودة حياة الخشوع إليها، كما يحيى الله- تعالى- الأرض بالغيث.
والثاني: أن المراد من قوله: يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها، بعث الأموات فذكر ذلك ترغيبا في الخشوع والخضوع، وزجرا عن القساوة «١» .
والمراد بالآيات في قوله- تعالى-: قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ الدلائل الدالة على وحدانيته وقدرته، وعلمه- سبحانه-.
أى: قد بينا لكم الدلائل والبراهين الناطقة بقدرتنا وحكمتنا.. لعلكم بهذا البيان تعقلون ما أرشدناكم إليه، وتعملون بموجب ما عقلتموه، وبذلك تنالون الفلاح والسعادة، وتخشع قلوبكم لذكرنا ولآياتنا.
ثم بين- سبحانه- ما أعده للمؤمنين الذين يبذلون أموالهم في سبيله. والذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه. فقال: إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً، يُضاعَفُ لَهُمْ، وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ.
وقراءة: إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ بتشديد الصاد- من التصدق، فأدغمت التاء في الصاد بعد قلبها صادا لقرب مخرجيهما ... وأصل الكلام: المتصدقين والمتصدقات.
وقرأ ابن كثير وغيره إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ- بتخفيف الصاد- على أنه من التصديق لما جاء به الرسول ﷺ .
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: علام عطف قوله: وَأَقْرَضُوا؟
قلت: على معنى الفعل في المصدقين، لأن «أل» بمعنى الذين، واسم الفاعل بمعنى:
اصّدقوا، فكأنه قيل: «إن الذين أصدقوا وأقرضوا» «٢» .
والمعنى: إن المؤمنين والمؤمنات الذين تصدقوا بأموالهم في وجوه الخير والدين وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً بأن أنفقوا أموالهم الحلال في سبيل الله بدون من أو أذى.