فالمقصود بهاتين الآيتين: بيان أن الإنسان لن يستطيع أن يهرب من نتائج عمله مهما حاول ذلك، لأن جوارحه شاهدة عليه، ولأن أعذاره لن تكون مقبولة، لأنها جاءت في غير وقتها، كما قال- تعالى-: يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ، وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ.
ثم أرشد الله- تعالى- نبيه ﷺ إلى ما يجب عليه عند تبليغ القرآن إليه عن طريق الوحى. فقال- سبحانه-: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ. فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ.
والضمير في بِهِ
يعود إلى القرآن الكريم المفهوم من المقام. والمراد بقوله:
لا تُحَرِّكْ
نهيه ﷺ عن التعجل في القراءة.
والمقصود بقوله: قرآنه، قراءته عليك، وتثبيته على لسانك وفي قلبك بحيث تقرؤه متى شئت فهو مصدر مضاف لمفعوله.
قال الآلوسى: قوله: وَقُرْآنَهُ
أى: إثبات قراءته في لسانك، فالقرآن هنا، وكذا فيما بعده، مصدر كالرجحان بمعنى القراءة.. مضاف إلى المفعول وقيل: قرآنه، أى: تأليفه على لسانك.. «١» .
أى: لا تتعجل- أيها الرسول الكريم- بقراءة القرآن الكريم عند ما تسمعه من أمين وحينا جبريل- ﵇، بل تريث وتمهل حتى ينتهى من قراءته ثم اقرأ من بعده، فإننا قد تكفلنا بجمعه في صدرك وبقراءته عليك عن طريق وحينا، وما دام الأمر كذلك، فمتى قرأ عليك جبريل القرآن فاتبع قراءته ولا تسبقه بها، ثم إن علينا بعد ذلك بيان ما خفى عليك منه، وتوضيح ما أشكل عليك من معانيه.
قال الإمام ابن كثير ما ملخصه هذا تعليم من الله- تعالى- لنبيه ﷺ في كيفية تلقيه الوحى من الملك، فإنه كان يبادر إلى أخذه، ويسابق الملك في قراءته.
روى الشيخان وغيرهما عن ابن عباس قال كان النبي ﷺ يعالج من التنزيل شدة، فكان يحرك شفتيه- يريد أن يحفظه مخافة أن يتفلت منه شيء، أو من شدة رغبته في حفظه- فأنزل الله- تعالى- هذه الآيات «٢» .
فأنت ترى أن الله- تعالى- قد ضمن لنبيه ﷺ أن يجمع له القرآن في صدره وأن يجريه على لسانه، بدون أى تحريف أو تبديل، وأن يوضح له ما خفى عليه منه.
قالوا: فكان رسول الله ﷺ إذا ما نزل عليه الوحى بعد ذلك بالقرآن، أطرق وأنصت، وشبيه بهذه الآيات قوله- سبحانه-: فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ، وَلا تَعْجَلْ
стр. 6372
بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ، وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً.
ثم عادت السورة الكريمة مرة أخرى إلى الحديث عن يوم القيامة، وعن أحوال الناس فيه، وعن حالة الإنسان في وقت الاحتضار، وعن مظاهر قدرته- تعالى- وعن حكمته في البعث والحساب والجزاء، فقال- سبحانه-:
[سورة القيامة (٧٥) : الآيات ٢٠ الى ٤٠]
كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ (٢٤)
تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ (٢٥) كَلاَّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ راقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩)
إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ (٣٠) فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى (٣١) وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٤)
ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٥) أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى (٣٧) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣٩)
أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (٤٠)
وقوله- سبحانه- كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ. وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ بيان لما جبل عليه كثير من الناس، من إيثارهم منافع الدنيا الزائلة، على منافع الآخرة الباقية، وزجر ونهى لهم عن سلوك هذا المسلك، الذي يدل على قصر النظر، وضعف التفكير.
أى: كلا- أيها الناس- ليس الرشد في أن تتركوا العمل الصالح الذي ينفعكم يوم القيامة، وتعكفوا على زينة الحياة الدنيا العاجلة.. بل الرشد كل الرشد في عكس ذلك، وهو أن تأخذوا من دنياكم وعاجلتكم ما ينفعكم في آخرتكم، كما قال- سبحانه-: وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا.
وشبيه بهاتين الآيتين قوله- تعالى- إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا «١» .
стр. 6373
ثم يبين- سبحانه- حال السعداء والأشقياء يوم القيامة فقال: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ. إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ. وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ. تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ.
وقوله: ناضِرَةٌ اسم فاعل من النّضرة- بفتح النون المشددة وسكون الضاد- وهي الجمال والحسن. تقول: وجه نضير، إذا كان حسنا جميلا.
وقوله: باسِرَةٌ من البسور وهو شدة الكلوح والعبوس، ومنه قوله- تعالى-:
ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ يقال: بسر فلان يبسر بسورا، إذا قبض ما بين عينيه كراهية للشيء الذي يراه.
والفاقرة: الداهية العظيمة التي لشدتها كأنها تقصم فقار الظهر. يقال: فلان فقرته الفاقرة، أى: نزلت به مصيبة شديدة أقعدته عن الحركة. وأصل الفقر: الوسم على أنف البعير بحديدة أو نار حتى يخلص إلى العظم أو ما يقرب منه.
والمراد بقوله: يَوْمَئِذٍ: يوم القيامة الذي تكرر ذكره في السورة أكثر من مرة.
والجملة المقدرة المضاف إليها «إذ» والمعوض عنها بالتنوين تقديرها يوم إذ برق البصر.
والمعنى: في يوم القيامة، الذي يبرق فيه البصر، ويخسف القمر.. تصير وجوه حسنة مشرقة، ألا وهي وجوه المؤمنين الصادقين.. وهذه الوجوه تنظر إلى ربها في هذا اليوم نظرة سرور وحبور، بحيث تراه- سبحانه- على ما يليق بذاته، وكما يريد أن تكون رؤيته- بلا كيفية، ولا جهة، ولا ثبوت مسافة.
وهناك وجوه أخرى تصير في هذا اليوم كالحة شديدة العبوس، وهي وجوه الكافرين والفاسقين عن أمر ربهم، وهذه الوجوه تَظُنُّ أى: تعتقد أو تتوقع، أن يفعل بها فعلا يهلكها، ويقصم ظهورها لشدته وقسوته.
وجاء لفظ «وجوه» في الموضعين منكرا، للتنويع والتقسيم، كما في قوله- تعالى- فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ وكما في قول الشاعر:
فيوم علينا ويوم لنا ... ويوم نساء ويوم نسر
وقد أخذ العلماء من قوله- تعالى-: إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ أن الله- تعالى- يتكرم على عباده المؤمنين في هذا اليوم، فيربهم ذاته بالكيفية التي يريدها- سبحانه-.
ومنهم من فسر ناظِرَةٌ بمعنى منتظرة، أى: منتظرة ومتوقعة ما يحكم الله- تعالى- به عليها.
قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات: وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله- -
стр. 6374
في الدار الآخرة، في الأحاديث الصحاح، من طرق متواترة عند أئمة الحديث، لا يمكن دفعها ولا منعها. لحديث أبى سعيد وأبى هريرة- وهما في الصحيحين- أن ناسا قالوا:
يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: «هل تضارون في رؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحاب» قالوا: لا، قال: «فإنكم ترون ربكم كذلك» .
وفي الصحيحين عن جرير بن عبد الله قال: نظر رسول الله ﷺ إلى القمر ليلة البدر فقال: «إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر» .
ثم قال ابن كثير- ﵀: وهذا- بحمد الله- مجمع عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة. كما هو متفق عليه بين أئمة الإسلام، وهداة الأنام.
ومن تأول إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ فقال: تنتظر الثواب من ربها.. فقد أبعد هذا القائل النجعة، وأبطل فيما ذهب إليه. وأين هو من قوله- تعالى- كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ.
قال الشافعى: ما حجب الفجار إلا وقد علم أن الأبرار يرونه- .. «١» .
ثم زجر- سبحانه- الذين يكذبون بيوم الدين، ويؤثرون العاجلة على الآجلة، زجرهم بلون آخر من ألوان الردع والزجر، حيث ذكرهم بأحوالهم الأليمة عند ما يودعون هذه الدنيا فقال: كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ وَقِيلَ مَنْ راقٍ. وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ.
والضمير في بَلَغَتِ يعود إلى الروح المعلومة من المقام. كما في قوله- تعالى- فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ.. ومنه قول الشاعر:
أماوى ما يغنى الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
والتراقي: جمع ترقوة، وهي العظام المحيطة بأعالى الصدر عن يمينه، وعن شماله، وهي موضع الحشرجة، وجواب الشرط محذوف.
أى: حتى إذا بلغت روح الإنسان التراقي، وأوشكت أن تفارق صاحبها.. وجد كل إنسان ثمار عمله الذي عمله في دنياه، وانكشفت له حقيقة عاقبته.
والمقصود من الآية الكريمة وما بعدها: الزجر عن إيثار العاجلة على الآجلة.
فكأنه- تعالى- يقول: احذروا- أيها الناس- ذلك قبل أن يفاجئكم الموت، وقبل أن تبلغ أرواحكم نهايتها، وتنقطع عند ذلك آمالكم.
وقوله- سبحانه-: وَقِيلَ مَنْ راقٍ
بيان لما يقوله أحباب الإنسان الذي بلغت
стр. 6375
روحه التراقي، على سبيل التحسر والتوجع واستبعاد شفائه. ومَنْ
اسم استفهام مبتدأ. وراقٍ
خبره، وهو اسم فاعل من الرّقية، وهي كلام يقوله القائل، أو فعل يفعله الفاعل من أجل شفاء المريض. والمراد به هنا: مطلق الطبيب الذي يرجى على يديه الشفاء لهذا المحتضر.
أى: اذكروا- أيها الناس- وقت بلوغ الروح نهايتها، ووقت أن وقف من يهمهم أمر المريض مستسلمين لقضاء الله- تعالى- وملتمسين من كل من بيده شفاء مريضهم، أن يتقدم لإنقاذه مما هو فيه من كرب، ولكنهم لا يجدون أحدا يحقق لهم آمالهم.
قال الآلوسى: قوله وَقِيلَ مَنْ راقٍ
أى: وقال من حضر صاحبها، من يرقيه وينجيه مما هو فيه، من الرقية، وهو ما يستشفى به الملسوع والمريض من الكلام المعد لذلك، ولعله أريد به مطلق الطبيب، أعم من أن يطب بالقول أو بالفعل.. والاستفهام عند البعض حقيقى. وقيل: هو استفهام استبعاد وإنكار. أى: قد بلغ هذا المريض مبلغا لا أحد يستطيع أن يرقيه.
وقيل هذا الكلام من كلام ملائكة الموت. أى: أيكم يرقى بروحه، أملائكة الرحمة، أم ملائكة العذاب، من الرقى وهو العروج. والاستفهام عليه حقيقى.
ووقف حفص رواية عن عاصم على مَنْ
وابتدأ بقوله: راقٍ
وكأنه قصد أن لا يتوهم أنهما كلمة واحدة، فسكت سكتة لطيفة، لتشعر أنهما كلمتان «١» .
والضمير المستتر في قوله- تعالى-: وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ يعود إلى هذا الإنسان الذي أشرف على الموت، والذي بلغت روحه نهاية حياتها، والظن هنا بمعنى اليقين، أو بمعنى العلم المقارب لليقين.
أى: وأيقن هذا المحتضر، أو توقع أن نهايته قد اقتربت، وأنه عما قليل سيودع أهله وأحبابه ... وسيفارقهم فراقا لا لقاء بعده، إلا يوم يقوم الناس للحساب.
وقوله- تعالى-: وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ أى: والتوت والتصقت إحدى ساقيه بالأخرى. عند سكرات الموت وشدته، فصارتا متلاصقتين لا تكاد إحداهما تتزحزح عن الأخرى، فكأنهما ملتفتان.
ويصح أن يكون المعنى: والتفت الساق بالساق عند وضع هذا الذي أدركه الموت في كفنه، لأن هذا الكفن قد ضم جميع جسده، والتصقت كل ساق بالأخرى.
стр. 6376
ومنهم من يرى أن هذه الآية الكريمة: كناية عن هول الموت وشدته كما في قوله- تعالى-: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ والعرب لا تذكر الساق إلا في المحن والشدائد العظام، ومنه قولهم: قامت الحرب على ساق.
قال صاحب الكشاف: «والتفت» ساقه بساقه والتوت عليها عند الموت، وعن قتادة:
ماتت رجلاه فلا تحملانه وقد كان عليهما جوالا. وقيل: التفت شدة فراق الدنيا بشدة إقبال الآخرة، على أن الساق مثل في الشدة. وعن سعيد ابن المسيب: هما ساقاه حين تلفان في أكفانه «١» .
وقوله- سبحانه-: إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ أى: إلى ربك- أيها الرسول الكريم- مساق الناس ومرجعهم- لا إلى غيره- يوم القيامة.. لكي يحاسبوا على أعمالهم.
فالمساق مصدر ميمى من ساق الشيء إذا سيره أمامه إلى حيث يريد.
ثم بين- سبحانه- جانبا من الأسباب التي أدت إلى سوء عاقبة المكذبين للحق، فقال- تعالى-: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى. وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى. ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى.
والفاء للتفريع على ما تقدم، من قوله- تعالى-: أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ.. إلخ.
أو للتفريع والعطف على قوله- سبحانه-: إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ.. أى: أن هذا الإنسان الذي أنكر الحساب والجزاء، وفارق الحياة، كانت عاقبة أمره خسرا، فلا هو صدق بالحق الذي جاءه الرسول ﷺ ولا هو أدى الصلاة التي فرضها الله- تعالى- عليه، ولكنه كذب بكل ذلك، وتولى، وأعرض عن سبيل الرشاد.
ثم بعد ذلك: ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى أى: ذهب إلى أهله متبخترا متفاخرا، متباهيا بإصراره على كفره وفجوره.
وقوله: يَتَمَطَّى من المط بمعنى المد. وأصله: يتمطط، قلبت فيه الطاء حرف علة، ووصف المتبختر في مشيه بذلك، لأنه يمط خطاه، ويمدها على سبيل الإعجاب بنفسه، والتباهي بما هو عليه من كفر وضلال.
ولم يذكر- سبحانه- المتعلق والمفعول في الآيات الكريمة، للإشعار بأن هذا الإنسان الجاحد الجاهل.. لم يصدق بشيء من الحق، ولم يؤد لله- تعالى- فرضا ولا سنة، ولكنه
стр. 6377
استمر على تكذيبه وإعراضه عن الصراط المستقيم، ولم يكتف بكل ذلك، بل تفاخر وتباهي أمام غيره بما هو عليه من باطل.
وقوله- سبحانه-: أَوْلى لَكَ فَأَوْلى. ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى دعاء على هذا الإنسان الشقي، المصر على إعراضه عن الحق.. بالهلاك وسوء العاقبة. وأَوْلى اسم تفضيل من ولى، وفاعله ضمير محذوف يقدره كل قائل أو سامع بما يدل على المكروه.
والكاف في قوله لَكَ للتبيين، والكاف خطاب لهذا الإنسان المخصوص بالدعاء عليه.
وقوله: فَأَوْلى تأكيد لقوله أَوْلى لَكَ وجملة ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى مؤكدة للجملة الأولى. أى: أجدر بك هذا الهلاك الذي ينتظرك قريبا- أيها الإنسان- الجاحد، ثم أجدر بك، لأنك أصررت على كل ما هو باطل وسوء.
قال القرطبي ما ملخصه: هذا تهديد بعد تهديد، ووعيد بعد وعيد..
روى أن رسول الله ﷺ خرج من المسجد ذات يوم، فاستقبله أبو جهل على باب المسجد، فأخذ رسول الله ﷺ بيده، فهزه مرة أو مرتين ثم قال: «أولى لك فأولى» .
فقال أبو جهل: أتهددني- يا محمد- فو الله إنى لأعز أهل هذا الوادي وأكرمه، ونزل على رسول الله ﷺ كما قال لأبى جهل «١» .
وجيء بحرف «ثم» في عطف الجملة الثانية على الأولى، لزيادة التأكيد، وللارتقاء في الوعيد، وللإشعار بأن التهديد الثاني أشد من الأول، كما في قوله- تعالى-: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ. ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ.
ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بالإشارة إلى الحكمة من البعث والجزاء، وببيان جانب من مظاهر قدرته فقال: أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً.
والاستفهام للإنكار كما قال في قوله- تعالى- قبل ذلك: أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ.
و «سدى» - بضم السين مع القصر- بمعنى مهمل. يقال: إبل سدّى، أى: مهملة ليس لها راع يحميها.. وهو حال من فاعل «يترك» .
أى: أيظن هذا الإنسان الذي أنكر البعث والجزاء، أن نتركه هكذا مهملا، فلا نجازيه
стр. 6378
على أعماله التي عملها في الدنيا؟ إن كان يحسب ذلك فهو في وهم وضلال، لأن حكمتنا قد اقتضت أن نكرم المتقين، وأن تعاقب المكذبين.
والاستفهام في قوله: أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى.. للتقرير، والنطفة: القليل من الماء ويُمْنى يراق هذا المنى في رحم المرأة.
أى: كيف يحسب هذا الإنسان أنه سيترك سدى؟ ألم يك في الأصل قطرة ماء تصب من الرجل في رحم المرأة وتراق فيه؟ بل إنه كان كذلك.
ثم كانَ بعد ذلك عَلَقَةً أى: قطعة دم متجمد فَخَلَقَ فَسَوَّى أى: فخلقه الله- تعالى- خلقا آخر بقدرته، وسواه في أحسن تقويم، كما قال: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ...
وجملة أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بمثابة النتيجة بعد المقدمات والأدلة.
أى: أليس ذلك الرب العظيم الشأن والقدرة، الذي أحسن كل شيء خلقه: والذي خلق الإنسان في تلك الأطوار المتعددة ... أليس ذلك الإله صاحب الخلق والأمر.
بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى وعلى أن يعيدهم إلى الحياة مرة أخرى، ليجازى الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى؟ بلى إنه لقادر على ذلك قدرة تامة.
وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث منها: أن رجلا كان إذا قرأ هذه الآية قال: سبحانك اللهم وبلى. فسئل عن ذلك فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك «١» .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى
стр. 6379
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تفسير سورة الإنسان
مقدمة وتمهيد
١- سورة «الإنسان» يرى بعضهم أنها من السور المكية الخالصة، ويرى آخرون أنها من السور المدنية.
قال الآلوسى: هي مكية عند الجمهور، وقال مجاهد وقتادة: مدنية كلها، وقال الحسن: مدنية إلا آية واحدة، وهي قوله- تعالى-: وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً «١» .
٢- والذي تطمئن إليه النفس أن هذه السورة، من السور المكية الخالصة، فإن أسلوبها وموضوعها ومقاصدها.. كل ذلك يشعر بأنها من السور المكية، إذ من خصائص السور المكية، كثرة حديثها عن حسن عاقبة المؤمنين، وسوء عاقبة المكذبين، وأمر النبي ﷺ وأصحابه بالصبر، وإثبات أن هذا القرآن من عند الله- تعالى- والتحريض على مداومة ذكر الله- تعالى- وطاعته.. وكل هذه المعاني نراها واضحة في هذه السورة.
ولقد رأينا الإمام ابن كثير- وهو من العلماء المحققين- عند تفسيره لهذه السورة، قال بأنها مكية، دون أن يذكر في ذلك خلافا، مما يوحى بأنه لا يعتد بقول من قال بأنها مدنية.
٣- وتسمى هذه السورة- أيضا- بسورة «هل أتى على الإنسان» ، فقد روى البخاري- في باب القراءة في الفجر- عن أبى هريرة، قال: كان النبي ﷺ يقرأ في الفجر سورة «ألم السجدة» . وسورة. «هل أتى على الإنسان» .
وتسمى- أيضا- بسورة: الدهر، والأبرار، والأمشاج، لورود هذه الألفاظ فيها.
стр. 6380
وعدد آياتها: إحدى وثلاثون آية بلا خلاف.
٤- ومن مقاصدها البارزة: تذكير الإنسان بنعم الله- تعالى- عليه، حيث خلقه- سبحانه- من نطفة أمشاج، وجعله سميعا بصيرا، وهداه السبيل.
وحيث أعد له ما أعد من النعيم الدائم العظيم.. متى أطاعه واتقاه.
كما أن من مقاصدها: إنذار الكافرين بسوء العاقبة إذا ما استمروا على كفرهم. وإثبات أن هذا القرآن من عند الله- تعالى- وأمر الرسول ﷺ وأمته بالصبر والإكثار من ذكر الله- تعالى- بكرة وأصيلا.
وبيان أن حكمته- تعالى- قد اقتضت أنه: يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ، وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً.
стр. 6381
التفسير افتتح- سبحانه- السورة الكريمة بقوله- تعالى-:
[سورة الإنسان (٧٦) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً (٢) إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (٣)
والاستفهام في قوله- تعالى-: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ.. للتقرير. والمراد بالإنسان: جنسه، فيشمل جميع بنى آدم، والحين: المقدار المجمل من الزمان، لا حد لأكثره ولا لأقله. والدهر: الزمان الطويل غير المحدد بوقت معين.
والمعنى: لقد أتى على الإنسان حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ أى: وقت غير محدد من الزمان الطويل الممتد في هذه الحياة الدنيا.
لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً أى: لم يكن هذا الإنسان في ذلك الحين من الدهر، شيئا مذكورا من بين أفراد جنسه، وإنما كان شيئا غير موجود إلا في علم الله- تعالى-.
ثم أوجده- سبحانه- بعد ذلك من نطفة فعلقة فمضغة.. ثم أنشأه- سبحانه- بعد ذلك خلقا آخر، فتبارك الله أحسن الخالقين.
فالمقصود بهذه الآية الكريمة بيان مظهر من مظاهر قدرته- حيث أوجد الإنسان من العدم، ومن كان قادرا على ذلك، كان- من باب أول- قادرا على إعادته إلى الحياة بعد موته، للحساب والجزاء.
قال الإمام الفخر الرازي ما ملخصه: اتفقوا على أن «هل» هاهنا، وفي قوله- تعالى-: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ. بمعنى قد، كما تقول: هل رأيت صنيع
стр. 6382
فلان، وقد علمت أنه قد رآه. وتقول: هل وعظتك وهل أعطيتك، ومقصودك أن تقرره بأنك قد أعطيته ووعظته.
والدليل على أن «هل» هنا ليست للاستفهام الحقيقي.. أنه محال على الله- تعالى- فلا بد من حمله على الخبر «١» .
وجاءت الآية الكريمة بأسلوب الاستفهام، لما فيه من التشويق إلى معرفة ما سيأتى بعده من كلام.
وجملة لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً في موضع نصب على الحال من الإنسان، والعائد محذوف. أى: حالة كون هذا الإنسان، لم يكن في ذلك الحين من الدهر، شيئا مذكورا من بين أفراد جنسه. وإنما كان نسيا منسيا، لا يعلم بوجوده أحد سوى خالقه- .
ثم فصل- سبحانه- بعد هذا التشويق، أطوار خلق الإنسان فقال: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ والمراد بالإنسان هنا- أيضا- جنسه وجميع أفراده.
و «أمشاج» بمعنى أخلاط من عناصر شتى، مشتق من المشج بمعنى الخلط، يقال: مشج فلان بين كذا وكذا- من باب ضرب- إذا خلط ومزج بينهما، وهو جمع مشج- كسبب، أو مشج- ككتف، أو مشيج- كنصير.
قال الجمل: «أمشاج» نعت لنطفة. ووقع الجمع صفة لمفرد، لأنه في معنى الجمع، أو جعل كل جزء من النطفة نطفة، فاعتبر ذلك فوصف بالجمع.. «٢» .
ويرى صاحب الكشاف ان لفظ «أمشاج» مفرد جاء على صيغة أفعال، كلفظ أعشار في قولهم: برمة أعشار، أى: برمة متكسرة قطعا قطعا، وعليه يكون المفرد قد نعت بلفظ مفرد مثله. فقد قال- ﵀: «من نطفة أمشاج» كبرمة أعشار.. وهي ألفاظ مفردة غير جموع.
ولذلك وقعت صفات للأفراد، والمعنى: من نطفة قد امتزج فيها الماءان.. «٣» .
وجملة «نبتليه» حال من الإنسان. أو من فاعل «خلقنا» .
стр. 6383
أى: إنا خلقنا الإنسان بقدرتنا وحدها. «من نطفة» أى: من منّى، وهو ماء الرجل وماء المرأة، «أمشاج» أى: ممتزج أحدهما بالآخر امتزاجا تاما.
أو خلقناه من نطفة مختلطة بعناصر متعددة، تتكون منها حياة الإنسان بقدرتنا وحكمتنا.
وخلقناه كذلك حالة كوننا مريدين ابتلاءه واختباره بالتكاليف، في مستقبل حياته حين يكون أهلا لهذه التكاليف.
فَجَعَلْناهُ بسبب إرادتنا ابتلاءه واختباره بالتكاليف عند بلوغه سن الرشد سَمِيعاً بَصِيراً أى: فجعلناه بسبب هذا الابتلاء والاختبار والتكاليف مزودا بوسائل الإدراك، التي بواسطتها يسمع الحق ويبصره ويستجيب له ويدرك الحقائق والآيات الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا وصدق رسلنا.. إدراكا سليما، متى اتبع فطرته، وخالف وساوس الشيطان وخطواته.
وخص- سبحانه- السمع والبصر بالذكر، لأنهما أنفع الحواس للإنسان، إذ عن طريق السمع يتلقى دعوة الحق وما اشتملت عليه من هدايات، وعن طريق البصر ينظر في الأدلة المتنوعة الكثيرة التي تدل على وحدانية الله- تعالى- وعلى صدق أنبيائه فيما جاءوا به من عند ربهم.
وقوله- سبحانه- إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ تعليل لقوله نَبْتَلِيهِ، وتفصيل لقوله- تعالى- فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً، والمراد بالهداية هنا: الدلالة إلى طريق الحق، والإرشاد إلى الصراط المستقيم.
أى: إنا بفضلنا وإحساننا- قد أرشدنا الإنسان إلى ما يوصله إلى طريق الحق والصواب، وأرشدناه إلى ما يسعده، عن طريق إرسال الرسل وتزويده بالعقل المستعد للتفكر والتدبر في آياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا.
وقوله: إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً حالان من ضمير الغيبة في «هديناه» وهو ضمير الإنسان.
و «إما» للتفصيل باعتبار تعدد الأحوال مع اتحاد الذات: أو للتقسيم للمهدي بحسب اختلاف الذوات والصفات.
أى: إنا هديناه ودللناه على ما يوصله إلى الصراط المستقيم، في حالتي شكره وكفره، لأنه إن أخذ بهدايتنا كان شاكرا، وإن أعرض عنها كان جاحدا وكافرا لنعمنا، فالهداية موجودة في كل الأحوال، إلا أن المنتفعين بها هم الشاكرون وحدهم.
ومثل ذلك كمثل رجلين، يرشدهما مرشد إلى طريق النجاة، فأحدهما يسير في هذا الطريق
стр. 6384
فينجو من العثرات والمتاعب والمخاطر.. والآخر يعرض عن ذلك فيهلك.
ولما كان الشكر قل من يتصف به، كما قال- سبحانه-: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ جاء التعبير بقوله- سبحانه- شاكِراً بصيغة اسم الفاعل. ولما كان الجحود والكفر يعم أكثر الناس، جاء التعبير بقوله- تعالى- كَفُوراً بصيغة المبالغة.
والمقصود من الآية الكريمة: قفل الباب أمام الذين يفسقون عن أمر ربهم، ويرتكبون ما يرتكبون من السيئات.. ثم بعد ذلك يعلقون أفعالهم هذه على قضاء الله وقدره، ويقولون- كما حكى القرآن عن المشركين-: لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ «١» .
ثم بين- سبحانه- بعد هذه الهداية، ما أعده لفريق الكافرين، وما أعده لفريق الشاكرين، فقال- تعالى-:
[سورة الإنسان (٧٦) : الآيات ٤ الى ٢٢]
إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالاً وَسَعِيراً (٤) إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً (٥) عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً (٨)
إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً (٩) إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً (١٠) فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً (١١) وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً (١٢) مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً (١٣)
وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً (١٤) وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا (١٥) قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً (١٧) عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً (١٨)
وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً (١٩) وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً (٢٠) عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً (٢١) إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً (٢٢)
стр. 6385
فقوله- سبحانه-: إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ.. كلام مستأنف لبيان جزاء الكافرين، بعد أن تطلعت إليه النفس، بعد سماعها لقوله- تعالى-: إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً.
وابتدأ- سبحانه- بذكر جزاء الكافر، لأن ذكره هو الأقرب ولأن الغرض بيان جزائه على سبيل الإجمال، ثم تفصيل القول بعد ذلك في بيان جزاء المؤمنين.
والسلاسل: جمع سلسلة، وهي القيود المصنوعة من الحديد والتي يقيد بها المجرمون. وقد قرأ بعض القراء السبعة هذا اللفظ بالتنوين، وقرأه آخرون بدون تنوين.
والأغلال: جمع غل- بضم الغين- وهو القيد الذي يقيد به المذنب ويكون في عنقه، قال- تعالى-: إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ، وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ.
والمعنى: إنا أعتدنا وهيأنا للكافرين سلاسل يقادون بها، وأغلالا تجمع بها أيديهم إلى أعناقهم على سبيل الإذلال لهم، وهيأنا لهم- فوق ذلك- نارا شديدة الاشتعال تحرق بها أجسادهم.
ثم بين- سبحانه- ما أعده للمؤمنين الصادقين من خير عميم فقال: إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً.
والأبرار: جمع برّ أو بارّ. وهو الإنسان المطيع لله- تعالى- طاعة تامة، والمسارع في فعل الخير، والشاكر لله- تعالى- على نعمه.
والكأس: هو الإناء الذي توضع فيه الخمر، ولا يسمى بهذا الاسم إلا إذا كانت الخمر
стр. 6386
بداخله، ويصح أن يطلق الكأس على الخمر ذاتها على سبيل المجاز، من باب تسمية الحال باسم المحل، وهو المراد هنا. لقوله- تعالى- كانَ مِزاجُها كافُوراً. و «من» للتبعيض.
والضمير في قوله مِزاجُها يعود إلى الكأس التي أريد بها الخمر، والمراد «بمزاجها» : خليطها من المزج بمعنى الخلط يقال: مزجت الشيء بالشيء، إذا خلطته به.
والكافور: اسم لسائل طيب الرائحة، أبيض اللون، تميل إليه النفوس.
أى: إن المؤمنين الصادقين، الذين أخلصوا لله- تعالى- الطاعة والعبادة والشكر..
يكافئهم- سبحانه- على ذلك، بأن يجعلهم يوم القيامة في جنات عالية، ويتمتعون بالشراب من خمر، هذه الخمر كانت مخلوطة بالكافور الذي تنتعش له النفوس، وتحبه الأرواح والقلوب، لطيب رائحته، وجمال شكله.
وذكر- سبحانه- هذه الأشياء في هذه السورة- من الكافور- والزنجبيل، وغيرهما، لتحريض العقلاء على الظفر في الآخرة بهذه المتع التي كانوا يشتهونها في الدنيا، على سبيل تقريب الأمور لهم، وإلا فنعيم الآخرة لا يقاس في لذته ودوامه بالنسبة لنعيم الدنيا الفاني.
قال ابن عباس: كل ما ذكر في القرآن مما في الجنة وسماه، ليس له من الدنيا شبيه إلا في الاسم. فالكافور، والزنجبيل، والأشجار والقصور، والمأكول والمشروب، والملبوس والثمار، لا يشبه ما في الدنيا إلا في مجرد الاسم.
وقوله- سبحانه- عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ.. بدل من قوله: كانَ مِزاجُها كافُوراً لأن ماءها في بياض الكافور وفي رائحته وبرودته.
أى: أن الأبرار يشربون من كأس، ماؤها ينبع من عين في الجنة، هذا الماء له بياض الكافور ورائحته وبرودته.
وعدى فعل «يشرب» بالباء، التي هي باء الإلصاق، لأن الكافور يمزج به شرابهم.
أى عينا يشرب عباد الله ماءهم وخمرهم بها. أى: مصحوبا بمائها وخمرها.
ومنهم من جعل الباء هنا بمعنى من التبعيضية. أى: عينا يشرب من بعض مائها وخمرها عباد الله، وهم الأبرار.
وعبر عنهم بذلك لتشريفهم وتكريمهم، حيث أضافهم- سبحانه- إلى ذاته.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم وصل فعل الشرب بحرف الابتداء أولا، وبحرف الإلصاق آخرا؟ قلت: لأن الكأس مبدأ شربهم وأول غايته، وأما العين فبها يمزجون
стр. 6387
شرابهم، فكأن المعنى: يشرب عباد الله بها الخمر، كما تقول: شربت الماء بالعسل.. «١» .
وقوله- سبحانه-: يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً صفة أخرى للعين، أى: يسيرونها ويجرونها إلى حيث يريدون، وينتفعون بها كما يشاءون، ويتبعهم ماؤها إلى كل مكان يتجهون إليه.
فالتعبير بقوله: يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً إشارة إلى كثرتها وسعتها وسهولة حصولهم عليها.
يقال: فجّر فلان الماء، إذا أخرجه من الأرض بغزارة ومنه قوله- تعالى- وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً.
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك في آيات متعددة، الأسباب التي من أجلها وصلوا إلى النعيم الدائم. فقال- تعالى-: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً.
والنذر: ما يوجبه الإنسان على نفسه من طاعة لله- تعالى-، والوفاء به: أداؤه أداء كاملا. أى: أن من الأسباب التي جعلت الأبرار يحصلون على تلك النعم، أنهم من أخلاقهم الوفاء بالنذر، ومن صفاتهم- أيضا- أنهم يخافون يوما عظيما هو يوم القيامة، الذي كان عذابه فاشيا منتشرا غاية الانتشار.
فقوله: مُسْتَطِيراً اسم فاعل من استطار الشيء إذا انتشر وامتد أمره. والسين والتاء فيه للمبالغة، وأصله طار. ومنه قولهم: استطار الغبار، إذا انتشر في الهواء وتفرق، وجيء بصيغة المضارع في قوله: يُوفُونَ للدلالة على تجدد وفائهم في كل وقت وحين.
والتعريف في «النذر» للجنس، لأنه يعم كل نذر.
وجاء لفظ اليوم منكرا، ووصف بأن له شرا مستطيرا.. لتهويل أمره، وتعظيم شأنه، حتى يستعد الناس لاستقباله بالإيمان والعمل الصالح.
ثم وصفهم- سبحانه- بصفات أخرى فقال: وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً.
أى: أن هؤلاء الأبرار من صفاتهم- أيضا أنهم يطعمون الطعام مع حب هذا الطعام لديهم، ومع حاجتهم إليه واشتهائهم له.
ومع كل ذلك فهم يقدمونه للمسكين، وهو المحتاج إلى غيره لفقره وسكونه عن الحركة..
стр. 6388
ولليتيم: وهو من فقد أباه وهو صغير، وللأسير: وهو من أصبح أمره بيد غيره. وخص الإطعام بالذكر: لما في تقديمه من كرم وسخاء وإيثار، لا سيما مع الحاجة إليه، كما يشعر به قوله- تعالى- عَلى حُبِّهِ أى: على حبهم لذلك الطعام، وقيل الضمير في قوله عَلى حُبِّهِ يعود إلى الله- أى: يطعمون الطعام على حبهم له- تعالى-.
والأول أولى. ويؤيده قوله- تعالى- لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ.
و «على» هنا بمعنى مع، والجملة في محل نصب على الحال. أى: حالة كونهم كائنين على حب هذا الطعام.
وخص هؤلاء الثلاثة بالذكر، لأنهم أولى الناس بالرعاية والمساعدة.
وقد ذكروا في سبيل نزول هذه الآية، والآيتين اللتين يعدها، روايات منها، أنها نزلت في الإمام على وزوجه فاطمة- رضى الله عنهما-.
قال القرطبي- بعد أن ذكر هذه الروايات-: والصحيح أنها نزلت في جميع الأبرار، وفي كل من فعل فعلا حسنا، فهي عامة.. «١» .
وقوله- سبحانه- إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ بيان لشدة إخلاصهم، ولطهارة نفوسهم. وهو مقول لقول محذوف أى: يقدمون الطعام لهؤلاء المحتاجين مع حبهم لهذا الطعام، ومع حاجتهم إليه.. ثم يقولون لهم بلسان الحال أو المقال: إنما نطعمكم ابتغاء وجه الله- تعالى- وطلبا لمثوبته ورحمته.
لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً أى: لا نريد منكم جزاء على ما قدمناه لكم، ولا نريد منكم شكرا على ما فعلناه، فإننا لا نلتمس ذلك إلا من الله- تعالى- خالقنا وخالقكم.
ثم أضافوا إلى ذلك قولهم: إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً.
والعبوس: صفة مشبهة لمن هو شديد العبس، أى كلوح الوجه وانقباضه.
والقمطرير: الشديد الصعب من كل شيء يقال: اقمطرّ يومنا، إذا اشتدت مصائبه.
ووصف اليوم بهذين الوصفين على سبيل المجاز في الإسناد، والمقصود وصف أهله بذلك، فهو من باب: فلان نهاره صائم.
стр. 6389
أى: ويقولون لهم- أيضا- عند تقديم الطعام لهم: إنا نخاف من ربنا يوما، تعبس فيه الوجوه، من شدة هوله، وعظم أمره، وطول بلائه.
أى: أنهم لم يقدموا الطعام- مع حبهم له- رياء ومفاخرة، وإنما قدموه ابتغاء وجه الله، وخوفا من عذابه.
والفاء في قوله: فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ.. للتفريع على ما تقدم ولبيان ما ترتب على إخلاصهم وسخائهم من ثواب. أى: فترتب على وفائهم بالنذور، وعلى خوفهم من عذاب الله- تعالى- وعلى سخائهم وإخلاصهم، ترتب على كل ذلك أن دفع الله- تعالى- عنهم شر ذلك اليوم، وهو يوم القيامة.
وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً أى: وجعلهم يلقون فيها حسنا وبهجة في الوجوه، وسرورا وانشراحا في الصدور، بدل العبوس والكلوح الذي حل بوجوه الكفار.
وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا أى: بسبب صبرهم جَنَّةً عظيمة.. وحَرِيراً جميلا يلبسونه. مُتَّكِئِينَ فِيها أى: في الجنة عَلَى الْأَرائِكِ أى: على السرر، أو على ما يتكأ عليه من سرير أو فراش ونحوه.
لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً أى: لا يرون فيها شمسا شديدة الحرارة بحيث تؤذيهم أو تضرهم، ولا يرون فيها كذلك زَمْهَرِيراً أى: بردا مفرطا، يقال: زمهر اليوم، إذا اشتد برده.
والمقصود من الآية الكريمة أنهم لا يرون في الجنة إلا جوا معتدلا، لا هو بالحار ولا هو بالبارد.
وقوله- سبحانه- وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها.. معطوف على قوله قبل ذلك:
مُتَّكِئِينَ.
و «ظلالها» فاعل «دانية» والضمير في «ظلالها» يعود إلى الجنة.
أى: أن الأبرار جالسون في الجنة جلسة الناعم البال، المنشرح الصدر. وظلال أشجار الجنة قريبة منهم، ومحيطة بهم، زيادة في إكرامهم.
وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا أى: أنهم- فضلا عن ذلك- قد سخرت لهم ثمار الجنة تسخيرا، وسهل الله- تعالى- لهم تناولها تسهيلا عظيما، بحيث إن القاعد منهم والقائم
стр. 6390
والمضطجع، يستطيع أن يتناول هذه الثمار اللذيذة بدون جهد أو تعب.
فقوله- تعالى-: وَذُلِّلَتْ من التذليل بمعنى الانقياد والتسخير، يقال: ذلّل الكرم- بضم الذال- إذا تدلت عناقيده وصارت في متناول اليد. والقطوف: جمع قطف- بكسر القاف- وهو العنقود حين يقطف أو الثمار المقطوفة.
وبعد أن وصف- سبحانه- جانبا من طعامهم ولباسهم ومسكنهم أخذت السورة الكريمة في وصف شرابهم. فقال- تعالى-: وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا. قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً.
وقوله: وَيُطافُ من الطواف، وهو السعى المكرر حول الشيء، ومنه الطواف بالكعبة. والآنية: جمع إناء، وهو اسم لكل وعاء يوضع فيه الطعام والشراب والمراد بها هنا:
الأوانى: التي يستعملونها في مجالس شرابهم.
والأكواب: جمع كوب، وهو القدح الذي لا عروة له، وعطفه على الآنية من باب عطف الخاص على العام.
والقوارير: جمع قارورة وهي في الأصل إناء رقيق من الزجاج النقي الشفاف، توضع فيه الأشربة وما يشبهها، فتستقر فيه.
أى: ويطاف على هؤلاء الأبرار بآنية كائنة من فضة، وبأكواب وأقداح من فضة- أيضا- وجعلت هذه الأكواب في مثل القوارير في صفائها ونقائها، وفي مثل الفضة في جمالها وحسنها، بحيث يرى ما بداخلها من خارجها.
وقوله- سبحانه- قَدَّرُوها تَقْدِيراً أى: إن الطائفين بهذه الأكواب عليهم، قد وضعوا فيها من الشراب على مقدار ما يشبع هؤلاء الأبرار ويرويهم بدون زيادة أو نقصان والطائفون عليهم بذلك هم الخدم الذين جعلهم الله- تعالى- لخدمة هؤلاء الأبرار. وبنى الفعل للمجهول للعلم بهم.
وقال- سبحانه- هنا بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وفي سورة الزخرف يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ.. زيادة في تكريمهم وفي سمو منزلتهم، إذ تارة يطاف عليهم بأكواب من فضة، وتارة يطاف عليهم بصحاف من ذهب، ومن المعروف أنه كلما تعددت المناظر الحسنة، والمشارب اللذيذة، كان ذلك أبهج للنفس.
والمراد بالكينونة في قوله- تعالى- كانَتْ قَوارِيرَا.. أنها تكونت ووجدت على هذه الصفة.
стр. 6391
قال الآلوسى: قوله- تعالى- كانَتْ قَوارِيرَا أى: كانت تلك الأكواب قوارير، جمع قارورة، وهي إناء رقيق من الزجاج توضع فيه الأشربة، ونصبه على الحال، فإن «كان» تامة، وهو كما تقول: خلقت قوارير. وقوله- تعالى-: قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ بدل. والكلام على التشبيه البليغ.
والمراد تكونت جامعة بين صفاء الزجاجة وشفيفها، ولون الفضة وبياضها.
وقرأ نافع والكسائي وأبو بكر بتنوين قَوارِيرَا في الموضعين وصلا، وإبداله ألفا وقفا. وابن كثير يمنع صرف الثاني ويصرف الأول.. والقراءة بمنع صرفهما للباقين «١» .
وقال الشوكانى: وجملة «قدروها تقديرا» صفة لقوارير.. أى: قدرها السقاة من الخدم، الذين يطوفون عليهم على قدر ما يحتاج إليه الشاربون من أهل الجنة، من دون زيادة ولا نقصان..، وقيل: قدرها الملائكة. وقيل: قدرها الشاربون لها من أهل الجنة على مقدار حاجتهم، فجاءت كما يريدون في الشكل لا تزيد ولا تنقص.. «٢» .
ثم بين- سبحانه- محاسن شراب أهل الجنة فقال: وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا.
والمراد بالكأس هنا: كأس الخمر. والضمير في قوله فِيها يعود إلى الجنة.
والزنجبيل: نبات ذو رائحة عطرية طيبة، والعرب كانوا يستلذون الشراب الممزوج به.
والسلسبيل وصف قيل مشتق من السلاسة بمعنى السهولة واللين، يقال: ماء سلسل، أى:
عذب سائغ للشاربين، ومعنى تُسَمَّى على هذا الرأى. أى: توصف بالسلاسة والعذوبة.
وقيل: السلسبيل: اسم لهذه العين، لقوله- تعالى- تُسَمَّى.
أى: أن هؤلاء الأبرار- بجانب كل ما تقدم من نعم- يسقون في الجنة من كأس مليئة بالخمر، وهذه الخمر التي يشربونها ممزوجة بالزنجبيل، فتزداد لذة على لذتها.
ويسقون- أيضا- من عين فيها- أى: في الجنة- تسمى سلسبيلا، وذلك لسلاسة مائها ولذته وعذوبته، وسهولة نزوله إلى الحلق.
قال صاحب الكشاف: سَلْسَبِيلًا سميت بذلك- لسلاسة انحدارها في الحلق، وسهولة مساغها. يعنى: أنها في طعم الزنجبيل، وليس فيها لذعة، ولكن فيها نقيض اللذع
стр. 6392
وهو السلاسة، فقال: شراب سلسل وسلسال وسلسبيل، وقد زيدت الباء في التركيب حتى صارت الكلمة خماسية. ودلت على غاية السلاسة.. «١» .
ثم أخبر- سبحانه- عن نوع آخر من الخدم، يطوفون على هؤلاء الأبرار لخدمتهم، فقال: وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ، إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً.
أى: ويطوف على هؤلاء الأبرار وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ أى: دائمون على ما هم عليه من النضارة والشباب.. إذا رأيتهم- أيها المخاطب حَسِبْتَهُمْ وظننتهم لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً أى: حسبتهم من حسنهم، وصفاء ألوانهم، ونضارة وجوههم.. لؤلؤا ودرا مفرقا في جنبات المجالس وأوسطها.
فقوله- تعالى- مُخَلَّدُونَ احتراس المقصود منه دفع توهم أنهم سيصيرون في يوم من الأيام كهولا، قالوا: وشبهوا باللؤلؤ المنثور، لأن اللؤلؤ إذا نثر على البساط، كان أكثر جمالا منه فيما لو كان منظوما.
وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ وثم هنا ظرف مكان مختص بالبعيد، وهو منصوب على الظرفية، ومفعول الرؤية غير مذكور، لأن القصد: وإذا صدرت منك- أيها المخاطب رؤية إلى هناك، أى: إلى الجنة ونعيمها.. رَأَيْتَ نَعِيماً لا يقادر قدره وَمُلْكاً كَبِيراً أى: واسعا لا غاية له.
فقوله- سبحانه- رَأَيْتَ الثانية، جواب إذا. والشمار إليه «بثمّ» التي هي بمعنى هناك معلوم من المقام، لأن المقصود به الجنة التي سبق الحديث عنها في مثل قوله:
وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً أى: وإذا سرحت ببصرك إلى هناك رأيت نعيما وملكا كبيرا.
ثم فصل- سبحانه- جانبا من مظاهر هذا النعيم العظيم فقال عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ، وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ، وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً.
وقوله عالِيَهُمْ بفتح الياء وضم الهاء- بمعنى فوقهم، فهو ظرف خبر مقدم، وثياب مبتدأ مؤخر، كأنه قيل: فوقهم ثياب ويصح أن يكون حالا للأبرار. أى: تلك حال أهل النعيم والملك الكبير وهم الأبرار.
وقرأ نافع وحمزة عالِيَهُمْ- بسكون الياء وكسر الهاء- على أن الكلام جملة مستأنفة استئنافا بيانيا، لقوله- تعالى- رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً، ويكون لفظ عالِيَهُمْ أسم فاعل مبتدأ.
стр. 6393
وقوله: ثِيابُ سُندُسٍ فاعله ساد مسد الخبر، ويصح أن يكون خبرا مقدما، وما بعده مبتدأ مؤخر.
وإضافة الثياب إلى السندس بيانية، مثل: خاتم ذهب والسندس: الديباج الرقيق.
والإستبرق: الديباج الغليظ.
والمعنى: أن هؤلاء الأبرار، أصحاب النعيم المقيم، والملك الكبير، فوق أجسادهم ثياب من أفخر الثياب، لأنهم يجمعون في لباسهم بين الديباج الرقيق، والديباج الغليظ، على سبيل التنعيم والجمع بين محاسن الثياب.
وكانت تلك الملابس من اللون الأخضر، لأنها أبهج للنفس، وشعار لباس الملوك.
وكلمة: «خضر» قرأها بعضهم بالرفع على أنها صفة لثياب، وقرأها البعض الآخر بالجر، على أنها صفة لسندس. وكذلك كلمة «وإستبرق» قرئت بالرفع عطفا على ثياب، وقرئت بالجر عطفا على سندس.
وقوله: وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ بيان لما يتزينون به في أيديهم، أى أن هؤلاء الأبرار يلبسون في أيديهم أساور من فضة، كما هو الشأن بالنسبة للملوك في الدنيا، ومنه ما ورد في الحديث من ذكر سوارى كسرى.
وقوله- تعالى-: وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً أى: وفضلا عن كل تلك الملابس الفاخرة سقاهم ربهم- بفضله وإحسانه- شرابا بالغا نهاية الطهر، فهو ليس كخمر الدنيا، فيه الكثير من المساوئ التي تؤدى إلى ذهاب العقول.. وإنما خمر الآخرة: شراب لذيذ طاهر من كل خبث وقذر وسوء.
وجاء لفظ «طهورا» بصيغة المبالغة، للإشعار بأن هذا الشراب قد بلغ النهاية في الطهارة.
ثم ختم- سبحانه- هذا العطاء الواسع العظيم، ببيان ما ستقوله الملائكة لهؤلاء الأبرار على سبيل التكريم والتشريف، فقال: إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً.
وهذه الآية الكريمة مقول لقول محذوف، والقائل هو الله- تعالى- أو ملائكته بأمره- سبحانه- وإذنه، أى: سقاهم ربهم شرابا طهورا في الآخرة، ويقال لهم عند تمتعهم بكل هذا النعيم، إِنَّ هذا النعيم الذي تعيشون فيه كانَ لَكُمْ جَزاءً على إيمانكم وعملكم الصالح في الدنيا.
стр. 6394
وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً أى: مرضيا ومقبولا عند خالقكم، فازدادوا- أيها الأبرار- سرورا على سروركم، وبهجة على بهجتكم.
وبعد هذا التفصيل لما أعده الله- تعالى- لعباده الأخيار من أصناف النعيم، المتعلق بمأكلهم، ومشربهم.. أخذت السورة الكريمة. في أواخرها- في تثبيت النبي ﷺ وأصحابه. وفي دعوته ﷺ إلى المداومة على التحلي بفضيلة الصبر، وإلى الإكثار من ذكره- تعالى- وأنذرت الكافرين والفاسقين إذا ما استمروا في ضلالهم. فقال- تعالى-:
[سورة الإنسان (٧٦) : الآيات ٢٣ الى ٣١]
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً (٢٤) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً (٢٦) إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (٢٧)
نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلاً (٢٨) إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (٢٩) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (٣١)
وجاء قوله- تعالى-: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا مؤكدا بجملة من المؤكدات. منها: إن، ونحن، وتنزيلا.. للرد على أولئك الجاحدين الذين أنكروا أن يكون القرآن من عند الله- تعالى- وقالوا في شأنه: لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا، إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ.
أى: إنا نحن- وحدنا- أيها الرسول الكريم-، الذين نزلنا عليك القرآن تنزيلا محكما، وفصلناه تفصيلا متقنا، بأن أنزلناه على قلبك مفرقا على حسب مشيئتنا وحكمتنا.
стр. 6395
والفاء في قوله: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ للإفصاح. وعدى فعل الصبر باللام، لتضمنه معنى الخضوع والاستسلام لقضائه- سبحانه-.
أى: ما دام الأمر كما ذكرنا لك- أيها الرسول الكريم- فاصبر لحكم ربك، واخضع لقضائه ومشيئته، فهو- سبحانه- الكفيل بنصرك عليهم.
وقوله: وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً أى: ولا تطع- أيها الرسول الكريم- من هؤلاء المشركين، من كان داعيا إلى الإثم والفجور، أو من كان داعيا إلى الكفر والجحود.
ولم يقل- سبحانه- ولا تطع منهم آثما وكفورا بالواو، لأن الواو تجعل الكلام محتملا للنهى عن المجموع، وأن طاعة أحدهما دون الآخر تكفى في الامتثال.
ولذا قال الزجاج: إن «أو» هنا أوكد من الواو، لأنك إذا قلت: لا تطع زيدا وعمرا، فأطاع أحدهما كان غير عاص، فإن أبدلتها بأو، فقد دللت على أن كل واحد منهما، أهل لأن يعصى، ويعلم منه النهى عن إطاعتهما معا «١» .
والآثم: هو الفاجر بأقواله وأفعاله. والكفور: هو الجاحد بقلبه ولسانه.
ورحم الله صاحب الكشاف، فقد قال عند تفسيره لهاتين الآيتين ما ملخصه: تكرير الضمير بعد إيقاعه اسما لإنّ: تأكيد على تأكيد، لمعنى اختصاص الله- تعالى- بالتنزيل، ليتقرر في نفس رسول الله ﷺ أنه إذا كان هو المنزل للقرآن، لم يكن تنزيله على أى وجه نزل، إلا حكمة وصوابا، كأنه قيل: ما نزل عليك القرآن تنزيلا مفرقا منجما، إلا أنا لا غيرى، وقد عرفتني حكيما فاعلا لكل ما أفعله.
فإن قلت: كلهم كانوا كفرة، فما معنى القسمة في قوله: آثِماً أَوْ كَفُوراً؟ قلت:
معناه لا تطع منهم راكبا لما هو إثم، داعيا لك إليه، أو فاعلا لما هو كفر، داعيا لك إليه.
لأنهم إما أن يدعوه إلى مساعدتهم على فعل إثم أو كفر، أو غير إثم ولا كفر: فنهى عن أن يساعدهم على الاثنين دون الثالث. فإن قلت: معنى أو: ولا تطع أحدهما، فهلا جيء بالواو وليكون نهيا عن طاعتهما جميعا؟
قلت: لو قيل: ولا تطعهما، جاز أن يطيع أحدهما، وإذا قيل: لا تطع أحدهما، علم أن الناهي عن طاعة أحدهما: عن طاعتهما جميعا أنهى، كما إذا نهى عن أن يقول لأبويه أف، علم أنه منهى عن ضربهما بالطريق الأولى.. «٢» .
стр. 6396
والمقصود من هاتين الآيتين تثبيت فؤاد النبي ﷺ وتيئيس المشركين من استجابته ﷺ لأى مطلب من مطالبهم الفاسدة.
ثم أرشده- سبحانه- إلى ما يعينه على الصبر والثبات. فقال: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا. وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا.
والبكرة: أول النهار. والأصيل: آخره. والمراد: المداومة على ذكر الله- تعالى- في كل وقت. أى: داوم- أيها الرسول الكريم- على ذكر الله- تعالى- في أول النهار وفي آخره، وعلى صلاة الفجر، والظهر والعصر.
وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ- تعالى- وأكثر من ذكره، وواظب على صلاة المغرب والعشاء.
وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا أى: ونزهه- تعالى- وتهجد له وقتا طويلا من الليل.
فهاتان الآيتان ترشدان الرسول ﷺ إلى ما يعينه على الازدياد من فضيلة الصبر الجميل، والثبات على الحق.
ومن الآيات الكثيرة التي تشبه هاتين الآيتين في معناهما: قوله- تعالى- وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ، إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ، ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ. وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ.
وقوله- تعالى-: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ.
ثم بين- سبحانه- جانبا من الأسباب التي تجعله ﷺ لا يطيع أحدا منهم فقال:
إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ، وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا.
أى: نحن قد نهيناك- يا محمد- عن طاعة أحد من هؤلاء المشركين، لأنهم جميعا ديدنهم ودأبهم أنهم يحبون الْعاجِلَةَ أى: الدنيا ولذائذها وشهواتها، العاجلة الزائلة.
وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ أى: ويتركون وينبذون وراء ظهورهم يَوْماً ثَقِيلًا وهو يوم القيامة، الشديد الأهوال، الذي يجعل الولدان شيبا.
ومع شدة هوله فهم لا يستعدون له، ولا يحسبون له حسابا.
فالآية الكريمة توبيخ وتجهيل لهم، حيث آثروا الفاني على الباقي، والعاجل على الآجل.
ووصف يوم القيامة بالثقل، لشدة ما يقع فيه من أهوال وكروب، فهو كالشىء الثقيل الذي لا يستطاع حمله.
стр. 6397
ثم بين- سبحانه- مظاهر فضله عليهم، ومع ذلك أشركوا معه في العبادة غيره فقال:
نَحْنُ خَلَقْناهُمْ، وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ، وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا.
أى: نحن وحدنا الذين خلقناهم وأوجدناهم من العدم.
ونحن وحدنا الذين شَدَدْنا أَسْرَهُمْ أى: قوينا وأحكمنا وأتقنا خلقهم، بأن منحناهم السمع والأبصار والأفئدة والعقول.. وربطنا بين مفاصلهم وأجزاء أجسادهم ربطا عجيبا معجزا.
يقال: أسر الله- تعالى- فلانا، أى: خلقه- وبابه ضرب- وفرس شديد الأسر، أى: شديد الخلق، والأسر: القوة، مشتق من الإسار- بكسر الهمزة- وهو الحبل الذي تشد به الأحمال، يقال: أسر فلان الحمل أسرا، إذا أحكم ربطه، ومنه الأسير لأنه يربط بالإسار، أى: القيد.
والمقصود بالأسر هنا: الإحكام والإتقان، والامتنان عليهم بأن الله- تعالى- خلقهم في أحسن وأتقن خلق.
وقوله- سبحانه- وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا تأكيد لشمول قدرته- تعالى- أى: ونحن وحدنا الذين خلقناهم، ونحن وحدنا الذين ربطنا مفاصلهم وأعضاءهم ربطا متقنا بديعا.
ومع ذلك، فإننا إذا شئنا إهلاكهم أهلكناهم، وجئنا بأمثالهم وأشباههم في شدة الخلق، وبدلناهم تبديلا معجزا، لا يقدر عليه أحد سوانا.
وقوله: تَبْدِيلًا منصوب على أنه مفعول مطلق مؤكد لعامله وهو بدلناهم.
ومن الآيات الشبيهة لهذه الآية في معناها قوله- تعالى-: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً «١» .
وقوله- سبحانه-: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ. وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ «٢» .
ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بالحض على طاعته، وبالتحذير من معصيته فقال:
إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا.
أى: إن هذه الآيات التي أنزلناها عليك يا محمد- تذكرة وموعظة للناس، فمن شاء
стр. 6398
أن يتخذ إلى الله- تعالى- وسيلة وطريقة يتقرب بها إليه- تعالى- اتخذها، لأنها خير هداية إلى رضاه- سبحانه-.
والتعبير بقوله: فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا تحريض شديد على المسارعة إلى الطاعة، لأن الله- تعالى- قد مكن الناس من ذلك، حيث وهبهم الاختيار والعقول المفكرة، وأرسل إليهم الرسل ليخرجوهم من الظلمات إلى النور.
ثم بين- سبحانه- أن مشيئته فوق كل مشيئة فقال: وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ.
أى: وما تشاءون شيئا من الأشياء، إلا بعد خضوع هذا الشيء لمشيئة الله- تعالى- وإرادته، إذ هو الخالق- سبحانه- لكل شيء، وهو صاحب الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين.
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً أى: إنه- تعالى- كان وما زال صاحب العلم المطلق الذي لا يحده شيء، وصاحب الحكمة البليغة التي لا نهاية لها.
يُدْخِلُ- سبحانه- مَنْ يَشاءُ إدخاله فِي رَحْمَتِهِ لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه.
وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ- سبحانه- عَذاباً أَلِيماً بسبب إصرارهم على ظلمهم، وإيثارهم الباطل على الحق، والغي على الرشد.
نسأل الله- تعالى- أن يجعلنا ممن هم أهل لرحمته ورضوانه، وأن يبعدنا عمن هم أهل لعذابه ونقمته.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى
стр. 6399
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تفسير سورة المرسلات
مقدمة وتمهيد
١- سورة «المرسلات» هي السورة السابعة والسبعون في ترتيب المصحف، أما ترتيبها في النزول فهي السورة الثالثة والثلاثون، وقد كان نزولها بعد سورة «الهمزة» ، وقبل سورة «ق» .
وهي من السور المكية الخالصة، وقيل إن آية: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ مدنية، وهذا القيل لا وزن له، لأنه لا دليل عليه. وعدد آياتها: خمسون آية.
٢- وقد ذكروا في فضلها أحاديث منها: ما أخرجه الشيخان عن عبد الله بن مسعود قال: بينما نحن مع النبي ﷺ في غار بمنى، إذ نزلت عليه: «والمرسلات» ، فإنه ليتلوها، وإنى لأتلقاها من فيه، وإن فاه لرطب بها..
وعن ابن عباس- رضى الله عنهما- قال: إن أم الفضل- امرأة العباس- سمعته يقرأ «والمرسلات عرفا» ، فقالت: يا بنى- ذكرتني بقراءتك هذه السورة. إنها لآخر ما سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بها في المغرب «١» .
٣- وسورة المرسلات زاخرة بالحديث عن أهوال يوم القيامة، وعن أحوال المكذبين في هذا اليوم، وعن مظاهر قدرة الله- تعالى-، وعن حسن عاقبة المتقين..
стр. 6400
التفسير وقد افتتحت هذه السورة بقوله- تعالى-:
[سورة المرسلات (٧٧) : الآيات ١ الى ١٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً (١) فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً (٢) وَالنَّاشِراتِ نَشْراً (٣) فَالْفارِقاتِ فَرْقاً (٤)
فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً (٥) عُذْراً أَوْ نُذْراً (٦) إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ (٧) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ (٩)
وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤)
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)
وللمفسرين في معنى هذه الصفات الخمس: «المرسلات والعاصفات والناشرات والفارقات والملقيات» اتجاهات، فمنهم من صدر تفسيره ببيان أن المراد بها الملائكة. فقد قال صاحب الكشاف: أقسم الله بطوائف من الملائكة، أرسلهن بأوامره فعصفن في مضيهن كما تعصف الرياح، تخففا في امتثال أمره. وبطوائف منهن نشرن أجنحتهن في الجو عند انحطاطهن بالوحي، أو نشرن الشرائع في الأرض.. ففرقن بين الحق والباطل، فألقين ذكرا إلى الأنبياء عذرا، للمحقين، أو نذرا للمبطلين.
فإن قلت: ما معنى عرفا؟ قلت: متتابعة كشعر العرف- أى: عرف الفرس- يقال:
جاءوا عرفا واحدا، وهم عليه كعرف الضبع: إذا تألبوا عليه.. «١» .
ومنهم من يرى أن المراد بالمرسلات وما بعدها: الرياح، فقد قال الجمل في حاشيته:
стр. 6401
أقسم الله- تعالى- بصفات خمس موصوفها محذوف، فجعلها بعضهم الرياح في الكل، وجعلها بعضهم الملائكة في الكل ... وغاير بعضهم فجعل الصفات الثلاث الأول، لموصوف واحد هو الرياح وجعل الرابعة لموصوف ثان وهو الآيات، وجعل الخامسة لموصوف ثالث وهو الملائكة.. «١» .
وسنسير نحن على هذا الرأى الثالث، لأنه في تصورنا أقرب الآراء إلى الصواب، إذ أن هذه الصفات من المناسب أن يكون بعضها للرياح، وبعضها للملائكة.
فيكون المعنى: وحق الرياح المرسلات لعذاب المكذبين، فتعصفهم عصفا، وتهلكهم إهلاكا شديدا، فقوله: عَصْفاً وصف مؤكد للإهلاك الشديد، يقال: عصفت الريح، إذا اشتدت، وعصفت الحرب بالقوم، إذا ذهبت بهم، وناقة عصوف، إذا مضت براكبها مسرعة، حتى لكأنها الريح.
وقوله: وَالنَّاشِراتِ نَشْراً أى: وحق الرياح التي تنتشر انتشارا عظيما في الآفاق، فتأتى بالسحب، التي تتحول بقدرة الله- تعالى- إلى أمطار غزيرة نافعة.
قال ابن كثير- بعد أن ذكر آراء العلماء في معنى هذه الألفاظ-: والأظهر أن المرسلات هي الرياح، كما قال- تعالى-: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ.. وقال- سبحانه-:
وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ. وهكذا العاصفات هي الرياح، يقال:
عصفت الريح إذا هبت بتصويت، وكذا النَّاشِراتِ: هي الرياح التي تنشر السحاب في آفاق السماء كما يشاء الرب- .
وقوله- سبحانه- فَالْفارِقاتِ فَرْقاً يصح أن يكون وصفا للملائكة الذين ينزلون بالشرائع المفرقة بين الحق والباطل، وبين أهل الحق وأهل الضلال.
ويصح أن يكون وصفا للآيات التي أنزلها الله- تعالى- للتمييز بين الخير والشر، والرشد والغي.
وقوله فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً قال القرطبي: هم الملائكة بإجماع، يلقون كتب الله- تعالى- إلى الأنبياء- ﵈.. «٢» .
فالمراد بالذكر في قوله فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً: وحى الله- تعالى- الذي يبلغه الملائكة إلى الرسل.
стр. 6402
وقوله عُذْراً أَوْ نُذْراً منصوبان على أنهما بدل اشتمال من قوله ذِكْراً أو مفعول لأجله. أى: أن الملائكة يلقون وحى الله- تعالى- إلى أنبيائه، لإزالة أعذار المعتذرين عن الإيمان، حتى لا يقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير، ولإنذار الكافرين والفاسقين، حتى يقلعوا عن كفرهم وفسوقهم.
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى- رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت ما العذر والنذر، وبماذا انتصبا؟ قلت: هما مصدران من أعذر إذا محا الإساءة، ومن أنذر إذا خوف على فعل كالكفر والنكر، ويجوز أن يكون جمع عذير، بمعنى المعذرة، وجمع نذير بمعنى الإنذار ... وأما انتصابهما فعلى البدل من ذكرا ... أو على المفعول له.. «١» .
وجملة إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ جواب القسم، وجيء بها مؤكدة، لتقوية تحقيق وقوع الجواب، وما وعدوا به هو البعث والحساب.
أى: وحق الرياح المرسلة لعذاب المشركين.. وحق الملائكة الذين نرسلهم بوحينا للتفريق بين الحق والباطل، ولتبليغ رسلنا ما كلفناهم به.. إنكم- أيها الكافرون- لمبعوثون ومحاسبون على أعمالكم يوم القيامة الذي لا شك في وقوعه وحصوله وثبوته.
ثم بين- سبحانه- علامات هذا اليوم فقال: فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ أى: محقت وذهب ضوؤها، وزال نورها. يقال: طمست الشيء، من باب ضرب- إذا محوته واستأصلت أثره، وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ أى: شقت أو فتحت، وتدلت أرجاؤها، ووهت أطرافها. وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ أى: اقتلعت وأزيلت من أماكنها. يقال: نسف فلان البناء ينسفه، إذا قلعه من أصله.
وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ أى: بلغت وقتها الذي كانت تنتظره، وهو يوم القيامة، للقضاء بينهم وبين أقوامهم. فقوله: أُقِّتَتْ من التوقيت، وهو جعل الشيء منتهيا إلى وقته المحدد له.
قال الآلوسى: قوله وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ أى: بلغت ميقاتها. وجوز أن يكون المعنى: عين لها الوقت الذي تحضر فيه للشهادة على الأمم، وذلك عند مجيء يوم القيامة.. «٢» .
стр. 6403
وجواب فَإِذَا وما عطف عليها في قوله فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ محذوف، والتقدير:
وقع ما وعدناكم به وهو يوم القيامة.
وقوله: لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ. لِيَوْمِ الْفَصْلِ. وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ تعليل لبلوغ الرسل الى الوقت الذي كانوا ينتظرونه لأخذ حقوقهم من أقوامهم الظالمين، والاستفهام للتهويل والتعظيم من شأن هذا اليوم. «١»
أى: لأى يوم أخرت الأمور التي كانت متعلقة بالرسل؟ من تعذيب الكافرين، وإثابة المتقين.. إنها أخرت وأجلت، ليوم الفصل، وهو يوم القيامة، الذي يفصل الله- تعالى- فيه بقضائه العادل بين العباد.
وَما أَدْراكَ، - أيها المخاطب- ما يَوْمُ الْفَصْلِ؟ إنه يوم هائل شديد، لا تحيط العبارة بكنهه، ولا يعلم إلا الله- تعالى- وحده مقدار أهواله.
ويقال في هذا اليوم لكل فاسق عن أمر ربه، ومشرك معه في العبادة غيره، وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ أى: هلاك وحسرة في هذا اليوم للمكذبين بالحق الذي جاء به الرسل، وبلغوه إلى أقوامهم.
وقد تكررت هذه الآية عشر مرات في تلك السورة الكريمة، على سبيل الوعيد والتهديد لهؤلاء المكذبين لرسلهم، والجاحدين لنعم خالقهم، والويل: أشد السوء والشر، وهو في الأصل مصدر بمعنى الهلاك، وكان حقه النصب بفعل من لفظه أو معناه، إلا أنه رفع على الابتداء، للدلالة على ثبات الهلاك ودوامه للمدعو عليه.
وقوله يَوْمَئِذٍ ظرف للويل أو صفة له، ولذا صح الابتداء به.
ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك ألوانا من الأدلة على وحدانية الله- تعالى- وقدرته، كإهلاك المكذبين السابقين، وخلق الأولين والآخرين، والإنعام على الناس بالجبال والأنهار..
قال- تعالى-:
[سورة المرسلات (٧٧) : الآيات ١٦ الى ٤٠]
أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩) أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٢٠)
فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً (٢٥)
أَحْياءً وَأَمْواتاً (٢٦) وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً (٢٧) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨) انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ (٣٠)
لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١) إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ (٣٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤) هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥)
وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٠)
стр. 6404
والاستفهام في قوله أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ وفي الآيات المماثلة له بعد ذلك، للتقرير، والمقصود به استخراج الاعتراف والإقرار من مشركي قريش على صحة البعث، لأن من قدر على الإهلاك، قادر على الإعادة.
أى: لقد أهلكنا الأقوام الأولين الذين كذبوا رسلهم، كقوم نوح وعاد وثمود.
ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ أى: أهلكنا الأولين، ثم نتبعهم بإهلاك المتأخرين عنهم، والذين يشبهون سابقيهم في الكفر والجحود.
و «ثم» هنا للتراخي الرتبى، لأن إهلاك الآخرين الذين لم يعتبروا بمن سبقهم سيكون أشد من إهلاك غيرهم، وفي ذلك تهديد شديد ووعيد واضح لمشركي مكة.
وقوله: كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ أى: مثل ذلك الفعل الشنيع، والعقاب الأليم، نفعل بالمجرمين الذين أصروا على كفرهم وعنادهم حتى أدركهم الموت.
стр. 6405
فالكاف بمعنى مثل، والإشارة في قوله: كَذلِكَ تعود إلى الفعل المأخوذ من قوله نَفْعَلُ أى مثل ذلك الفعل نفعل بالمجرمين.
ثم كرر- سبحانه- التهديد والوعيد لهم، لعلهم يرتدعون أو يتعظون فقال: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ.
ثم قال- سبحانه- ممتنا على خلقه بإيجادهم في هذه الحياة، ومحتجا على إمكان الإعادة بخلقهم ولم يكونوا شيئا مذكورا، فقال: أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ.
أى: لقد خلقناكم- أيها الناس- من نطفة حقيرة ضعيفة، من مهن الشيء- بفتح الميم وضم الهاء- إذا ضعف، وميمه أصلية، وليس هو من مادة هان، و «من» ابتدائية.
وقوله: فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ تفصيل لكيفية الخلق على سبيل الإدماج، والقرار:
اسم للمكان الذي يستقر فيه الماء، والمراد به رحم المرأة. والمكين صفة له.
أى: خلقناكم من ماء ضعيف، ومن مظاهر قدرتنا وحكمتنا ولطفنا بكم أننا جعلنا هذا الماء الذي خلقتم منه، في مكان حصين، قد بلغ النهاية في تمكنه وثباته.
فقوله مَكِينٍ بمعنى متمكن، من مكن الشيء مكانة، إذا ثبت ورسخ.
وقوله: إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ بيان لبديع حكمته، والقدر بمعنى المقدار المحدد المنضبط، الذي لا يتخلف.
أى: جعلنا هذا الماء في قرار مكين، إلى وقت معين محدد في علم الله- تعالى- يأذن عنده بخروج هذا المخلوق من رحم أمه، إلى الحياة، وهذا الوقت هو مدة الحمل.
وقوله- تعالى-: فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ ثناء منه- تعالى- على ذاته بما هو أهله. أى: فقدّرنا ذلك الخلق تقديرا حكيما منضبطا، وتمكنا من إيجاده في أطوار متعددة، فنعم المقدرون نحن، ونعم الموجدون نحن لما نوجده من مخلوقات.
وما دام الأمر كذلك فويل وهلاك يوم القيامة، للمكذبين بوحدانيتنا وقدرتنا.
ثم انتقل- سبحانه- إلى الاستدلال على إمكانية البعث بطريق ثالث فقال: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً، أَحْياءً وَأَمْواتاً، وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ.
والكفات: اسم للمكان الذي يكفت فيه الشيء. أى يجمع ويضم ويوضع فيه.
يقال: كفت فلان الشيء يكفته كفتا، من باب ضرب- إذا جمعه ووضعه بداخل شيء معين، ومنه سمى الوعاء كفاتا، لأن الشيء يوضع بداخله، وهو منصوب على أنه مفعول ثان لقوله نَجْعَلِ، لأن الجعل هنا بمعنى التصيير.
стр. 6406
وقوله: أَحْياءً وَأَمْواتاً منصوبان على أنهما مفعولان به، لقوله كِفاتاً. أو مفعولان لفعل محذوف.
أى: لقد جعلنا الأرض وعاء ومكانا تجتمع فيه الخلائق: الأحياء منهم يعيشون فوقها، والأموات منهم يدفنون في باطنها، وَجَعَلْنا فِيها- أيضا- جبالا رَواسِيَ أى:
ثوابت شامِخاتٍ أى: مرتفعات ارتفاعا كبيرا، جمع شامخ وهو الشديد الارتفاع.
قال صاحب الكشاف: الكفات: من كفت الشيء إذا ضمه وجمعه.. وبه انتصب أَحْياءً وَأَمْواتاً كأنه قيل: كافتة أحياء وأمواتا، أو انتصبا بفعل مضمر يدل عليه، وهو تكفت.
والمعنى: تكفت أحياء على ظهرها، وأمواتا في بطنها.
فإن قلت: لم قيل أحياء وأمواتا على التنكير، وهي كفات الأحياء والأموات جميعا؟
قلت: هو من تنكير التفخيم، كأنه قيل: تكفت أحياء لا يعدون، وأمواتا لا يحصرون.. «١» .
وقوله- سبحانه- وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً بيان لنعمة أخرى من أجل نعمه على خلقه، أى: وأسقيناكم- بفضلنا ورحمتنا- ماء فُراتاً أى: عذبا سائغا للشاربين.
وقوله- تعالى- وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ تكرير للتوبيخ والتقريع على جحودهم لنعم الله، التي يرونها بأعينهم، ويحسونها بحواسهم ويستعملونها لمنفعتهم.
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى بيان المصير الأليم الذي ينتظر هؤلاء المكذبين، فقال- تعالى-: انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ. انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ. لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ. إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ. كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ.
وقوله- سبحانه-: انْطَلِقُوا مفعول لقول محذوف. أى: يقال للكافرين يوم القيامة- على سبيل الإهانة والإذلال-: انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون به في الدنيا من العذاب.
وقوله: انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ.. بدل مما قبله، وأعيد فعل انْطَلِقُوا.. على سبيل التوكيد، لقصد الزيادة في تقريعهم وتوبيخهم.
والمراد بالظل: دخان جهنم، وسمى بذلك لشدة كثافته، أى: انطلقوا- أيها المشركون- إلى ظل من دخان جهنم الذي يتصاعد من وقودها، ثم يتفرق بعد ذلك إلى ثلاث شعب، شأن الدخان العظيم عند ما يرتفع.
стр. 6407
وسمى هذا الدخان العظيم الخانق بالظل، على سبيل التهكم بهم، إذ هم في هذه الحالة يكونون في حاجة شديدة إلى ظل يأوون إلى برده.
ثم وصف- سبحانه- هذا الظل بصفة ثانية فقال: لا ظَلِيلٍ أى: ليس هو بظل على سبيل الحقيقة، وإنما هو دخان خانق لا برد فيه.
ثم وصفه بصفة ثالثة فقال: وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ أى: أن هذا الظل الذي تنطلقون إليه لا يغنى شيئا من الإغناء، من حر لهب جهنم التي هي مأواكم ونهايتكم.
وبهذه الصفات يكون لفظ الظل، قد فقد خصائصه المعروفة من البرودة والشعور عنده بالراحة.. وصار المقصود به ظلا آخر، لا برد فيه، ولا يدفع عنهم شيئا من حر اللهب.
وهذه الصفات إنما جيء بها لدفع ما يوهمه لفظ «ظل» .
وعدى الفعل «يغنى» بحرف من، لتضمنه معنى يبعد.
والضمير في قوله- سبحانه-: إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ.. لجهنم، لأن السياق كله في شأنها وفي شأن المصطلين بلهيبها.
والشرر: واحده شررة، وهي القطعة التي تتطاير من النار لشدة اشتعالها.
والقصر: البناء العالي المرتفع. وقيل: هو الغليظ من الشجر. أو هو قطع من الخشب، يجمعها الجامعون للاستدفاء بها من البرد. وقوله: جِمالَتٌ جمع جمل- كحجارة وحجر.
قال الآلوسى: «جمالة» بكسر الجيم- كما قرأ به حمزة والكسائي وحفص وهو جمع جمل.
والتاء لتأنيث الجمع. يقال: جمل وجمال وجمالة.. والتنوين للتكثير.
وقرأ الجمهور جمالات- بكسر الجيم مع الألف والتاء- جمع جمال.. فيكون جمع الجمع.. «١» .
والمعنى: إنها- أى: جهنم- ترمى المكذبين بالحق، الذين هم وقودها، ترميهم بشرر متطاير منها لشدة اشتعالها، كل واحدة من هذا الشرر كأنها البناء المرتفع في عظمها وارتفاعها.
وقوله- تعالى-: كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ وصف آخر للشرر، أى: كأن هذا الشرر في هيئته ولونه وسرعة حركته.. جمال لونها أصفر.
стр. 6408
واختير اللون الأصفر للجمال، لأن شرر النار عند ما يشتد اشتعالها يكون مائلا إلى الصفرة.
وقيل المراد بالصفر هنا: السواد، لأن سواد الإبل يضرب إلى الصفرة.
فأنت ترى أن الله- تعالى- قد شبه الشرر الذي ينفصل عن النار في عظمته وضخامته بالقصر، وهو البناء العالي المرتفع، وشبهه- أيضا- حين يأخذ في الارتفاع والتفرق..
بالجمال الصفر، في هيئتها ولونها وسرعة حركتها، وتزاحمها.
والمقصود بهذا التشبيه: زيادة الترويع والتهويل، فإن هؤلاء الكافرين لما كذبوا بالحساب والجزاء، وصف الله- تعالى- لهم نار الآخرة بتلك الصفات المرعبة، لعلهم يقلعون عن شركهم، لا سيما وأنهم يرون النار في دنياهم، ويرون شررها حين يتطاير ... وإن كان الفرق شاسعا بين نار الدنيا ونار الآخرة.
وزيادة في التخويف والإنذار ختمت هذه الآيات- أيضا- بقوله- تعالى- وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ.
ثم صور- سبحانه- حالهم عند ما يردون على النار، ويوشكون على القذف بهم فيها، فقال- تعالى- هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ، وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ، وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ. هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ. فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ.
أى: ويقال لهؤلاء المجرمين- أيضا- عند الإلقاء بهم في النار: هذا يوم لا ينطقون فيه بشيء ينفعهم، أو لا ينطقون فيه إطلاقا لشدة دهشتهم، وعظم حيرتهم.
ويكون في الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة، فإنهم بعد أن خوطبوا خطاب إهانة وإذلال بقوله- تعالى-: انْطَلِقُوا أعرض المخاطبون لهم، على سبيل الإهمال لهؤلاء الكافرين، وقالوا لهم: هذا يوم القيامة الذي لا يصح لكم النطق فيه.
وهذا لا يتعارض مع الآيات التي تفيد نطقهم، كما في قوله- تعالى-: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ لأن في يوم القيامة مواطن متعددة، فهم قد ينطقون في موطن، ولا ينطقون في موطن آخر.
وقوله- تعالى- وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ معطوف على ما قبله. أى: في يوم القيامة لا ينطق هؤلاء المجرمون نطقا يفيدهم، ولا يؤذن لهم في الاعتذار عما ارتكبوه من سوء، حتى يقبل اعتذارهم، وإنما يرفض اعتذارهم رفضا تاما، لأنه قد جاء في غير وقته وأوانه.
стр. 6409
يقال: اعتذرت إلى فلان، إذا أتيت له بعذر يترتب عليه محو الإساءة.
ثم يقال لهم- أيضا- على سبيل التحدي والتقريع هذا هو يوم القيامة يَوْمُ الْفَصْلِ بين المحقين والمبطلين جَمَعْناكُمْ فيه- أيها الكافرون- مع من تقدمكم من الكفار الْأَوَّلِينَ.
فَإِنْ كانَ لَكُمْ- أيها الكافرون- كَيْدٌ أى: مخرج وحيلة ومنفذ من العذاب الذي حل بكم فَكِيدُونِ أى: فافعلوه وقوموا به فأنتم الآن في أشد حالات الاحتياج إلى من يخفف العذاب عنكم.
أو المعنى: فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ أى: قدرة على كيد ديني ورسلي والمؤمنين، كما كنتم تفعلون في الدنيا فَكِيدُونِ أى: فأظهروه اليوم. والأمر للتعجيز، لأنه من المعروف أنهم في يوم القيامة لا قدرة لهم ولا حيلة.
وهكذا نجد أن هذه الآيات الكريمة، قد ساقت ألوانا من الأدلة على وحدانية الله- تعالى-، وعلى أن يوم البعث حق، وعلى العاقبة السيئة التي سيكون عليها الكافرون يوم القيامة.
ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بالموازنة بين حال المتقين، وحال المجرمين، فقال:
[سورة المرسلات (٧٧) : الآيات ٤١ الى ٥٠]
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥)
كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠)
أى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ الذين صانوا في دنياهم أنفسهم عن الكفر والفسوق والعصيان، واعتصموا بالرشد والهدى والإيمان.
سيكونون يوم القيامة فِي ظِلالٍ الأشجار والقصور، جمع ظل: وهو كل موضع
стр. 6410
لا تصل إليه الشمس. وفي عُيُونٍ من ماء وعسل ولبن وخمر.
وهم- أيضا- في فَواكِهَ وهي ما يتفكه به ويتنعم. جمع فاكهة مِمَّا يَشْتَهُونَ أى: يأكلون من تلك الفواكه ما يشتهونه منها، بدون تعب في طلبها، فهي تحت أيديهم.
ويقال لهم- على سبيل التكريم والتشريف- كُلُوا أكلا مريئا وَاشْرَبُوا شربا هَنِيئاً جزاء بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في الدنيا من أعمال صالحة.
إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ أى: إنا من شأننا أننا نعطى مثل هذا الجزاء الطيب للمؤمنين الذين أحسنوا أقوالهم وأفعالهم، وصانوا أنفسهم عن كل ما لا يرضينا، هذا هو جزاء المتقين المحسنين، أما الكافرون المكذبون، فيقال لهم مرة ومرات- على سبيل التوبيخ والزجر-: كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ.
أى: كُلُوا في دنياكم كما تأكل الأنعام وَتَمَتَّعُوا بملذاتكم متاعا قَلِيلًا سينتهي عما قريب، وستلقون في آخرتكم أشد أنواع العذاب. بسبب أنكم كنتم في الدنيا دأبكم الإجرام، والإصرار على الكفر والفسوق والعصيان.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف صح أن يقال لهم ذلك في الآخرة؟ قلت: يقال لهم ذلك في الآخرة إيذانا بأنهم كانوا في الدنيا أحقاء بأن يقال لهم، وكانوا من أهله، تذكيرا بحالهم السمجة، وبما جنوا على أنفسهم من إيثار المتاع القليل، على النعيم والملك الخالد.
وعلل ذلك بكونهم مجرمين، دلالة على أن كل مجرم ماله إلا الأكل والتمتع أياما قليلة، ثم البقاء في الهلاك أبدا. ويجوز أن يكون كُلُوا وَتَمَتَّعُوا كلاما مستأنفا خطابا للمكذبين في الدنيا.. «١» .
وقوله- سبحانه-: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ أى: هلاك دائم وعذاب مقيم يوم القيامة للمكذبين، الذين آثروا المتاع القليل الفاني في الدنيا، على النعيم الدائم في الآخرة.
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ أى: وإذا قيل لهؤلاء المجرمين اركعوا في الدنيا مع الراكعين، وأدوا فريضة الصلاة مع الرسول ﷺ ومع المؤمنين.
إذا قيل لهم ذلك- على سبيل النصح والإرشاد- صموا آذانهم، وأصروا واستكبروا استكبارا، وأبوا أن يصلوا مع المصلين.
وعبر عن الصلاة بالركوع، باعتبار أن الركوع من أهم أركانها، فهو من باب التعبير بالجزء عن الكل.