← Тафсир

Тафсир · id 23590

التفسير الوسيط لطنطاوي

محمد سيد طنطاوي

Полный текст (6 701 стр.). Показаны 6406–6445 · переход к 6411.

стр. 6406

وقوله: أَحْياءً وَأَمْواتاً منصوبان على أنهما مفعولان به، لقوله كِفاتاً. أو مفعولان لفعل محذوف. أى: لقد جعلنا الأرض وعاء ومكانا تجتمع فيه الخلائق: الأحياء منهم يعيشون فوقها، والأموات منهم يدفنون في باطنها، وَجَعَلْنا فِيها- أيضا- جبالا رَواسِيَ أى: ثوابت شامِخاتٍ أى: مرتفعات ارتفاعا كبيرا، جمع شامخ وهو الشديد الارتفاع. قال صاحب الكشاف: الكفات: من كفت الشيء إذا ضمه وجمعه.. وبه انتصب أَحْياءً وَأَمْواتاً كأنه قيل: كافتة أحياء وأمواتا، أو انتصبا بفعل مضمر يدل عليه، وهو تكفت. والمعنى: تكفت أحياء على ظهرها، وأمواتا في بطنها. فإن قلت: لم قيل أحياء وأمواتا على التنكير، وهي كفات الأحياء والأموات جميعا؟ قلت: هو من تنكير التفخيم، كأنه قيل: تكفت أحياء لا يعدون، وأمواتا لا يحصرون.. «١» . وقوله- سبحانه- وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً بيان لنعمة أخرى من أجل نعمه على خلقه، أى: وأسقيناكم- بفضلنا ورحمتنا- ماء فُراتاً أى: عذبا سائغا للشاربين. وقوله- تعالى- وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ تكرير للتوبيخ والتقريع على جحودهم لنعم الله، التي يرونها بأعينهم، ويحسونها بحواسهم ويستعملونها لمنفعتهم. ثم انتقلت السورة الكريمة إلى بيان المصير الأليم الذي ينتظر هؤلاء المكذبين، فقال- تعالى-: انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ. انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ. لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ. إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ. كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ. وقوله- سبحانه-: انْطَلِقُوا مفعول لقول محذوف. أى: يقال للكافرين يوم القيامة- على سبيل الإهانة والإذلال-: انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون به في الدنيا من العذاب. وقوله: انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ.. بدل مما قبله، وأعيد فعل انْطَلِقُوا.. على سبيل التوكيد، لقصد الزيادة في تقريعهم وتوبيخهم. والمراد بالظل: دخان جهنم، وسمى بذلك لشدة كثافته، أى: انطلقوا- أيها المشركون- إلى ظل من دخان جهنم الذي يتصاعد من وقودها، ثم يتفرق بعد ذلك إلى ثلاث شعب، شأن الدخان العظيم عند ما يرتفع.

стр. 6407

وسمى هذا الدخان العظيم الخانق بالظل، على سبيل التهكم بهم، إذ هم في هذه الحالة يكونون في حاجة شديدة إلى ظل يأوون إلى برده. ثم وصف- سبحانه- هذا الظل بصفة ثانية فقال: لا ظَلِيلٍ أى: ليس هو بظل على سبيل الحقيقة، وإنما هو دخان خانق لا برد فيه. ثم وصفه بصفة ثالثة فقال: وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ أى: أن هذا الظل الذي تنطلقون إليه لا يغنى شيئا من الإغناء، من حر لهب جهنم التي هي مأواكم ونهايتكم. وبهذه الصفات يكون لفظ الظل، قد فقد خصائصه المعروفة من البرودة والشعور عنده بالراحة.. وصار المقصود به ظلا آخر، لا برد فيه، ولا يدفع عنهم شيئا من حر اللهب. وهذه الصفات إنما جيء بها لدفع ما يوهمه لفظ «ظل» . وعدى الفعل «يغنى» بحرف من، لتضمنه معنى يبعد. والضمير في قوله- سبحانه-: إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ.. لجهنم، لأن السياق كله في شأنها وفي شأن المصطلين بلهيبها. والشرر: واحده شررة، وهي القطعة التي تتطاير من النار لشدة اشتعالها. والقصر: البناء العالي المرتفع. وقيل: هو الغليظ من الشجر. أو هو قطع من الخشب، يجمعها الجامعون للاستدفاء بها من البرد. وقوله: جِمالَتٌ جمع جمل- كحجارة وحجر. قال الآلوسى: «جمالة» بكسر الجيم- كما قرأ به حمزة والكسائي وحفص وهو جمع جمل. والتاء لتأنيث الجمع. يقال: جمل وجمال وجمالة.. والتنوين للتكثير. وقرأ الجمهور جمالات- بكسر الجيم مع الألف والتاء- جمع جمال.. فيكون جمع الجمع.. «١» . والمعنى: إنها- أى: جهنم- ترمى المكذبين بالحق، الذين هم وقودها، ترميهم بشرر متطاير منها لشدة اشتعالها، كل واحدة من هذا الشرر كأنها البناء المرتفع في عظمها وارتفاعها. وقوله- تعالى-: كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ وصف آخر للشرر، أى: كأن هذا الشرر في هيئته ولونه وسرعة حركته.. جمال لونها أصفر.

стр. 6408

واختير اللون الأصفر للجمال، لأن شرر النار عند ما يشتد اشتعالها يكون مائلا إلى الصفرة. وقيل المراد بالصفر هنا: السواد، لأن سواد الإبل يضرب إلى الصفرة. فأنت ترى أن الله- تعالى- قد شبه الشرر الذي ينفصل عن النار في عظمته وضخامته بالقصر، وهو البناء العالي المرتفع، وشبهه- أيضا- حين يأخذ في الارتفاع والتفرق.. بالجمال الصفر، في هيئتها ولونها وسرعة حركتها، وتزاحمها. والمقصود بهذا التشبيه: زيادة الترويع والتهويل، فإن هؤلاء الكافرين لما كذبوا بالحساب والجزاء، وصف الله- تعالى- لهم نار الآخرة بتلك الصفات المرعبة، لعلهم يقلعون عن شركهم، لا سيما وأنهم يرون النار في دنياهم، ويرون شررها حين يتطاير ... وإن كان الفرق شاسعا بين نار الدنيا ونار الآخرة. وزيادة في التخويف والإنذار ختمت هذه الآيات- أيضا- بقوله- تعالى- وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ. ثم صور- سبحانه- حالهم عند ما يردون على النار، ويوشكون على القذف بهم فيها، فقال- تعالى- هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ، وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ، وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ. هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ. فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ. أى: ويقال لهؤلاء المجرمين- أيضا- عند الإلقاء بهم في النار: هذا يوم لا ينطقون فيه بشيء ينفعهم، أو لا ينطقون فيه إطلاقا لشدة دهشتهم، وعظم حيرتهم. ويكون في الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة، فإنهم بعد أن خوطبوا خطاب إهانة وإذلال بقوله- تعالى-: انْطَلِقُوا أعرض المخاطبون لهم، على سبيل الإهمال لهؤلاء الكافرين، وقالوا لهم: هذا يوم القيامة الذي لا يصح لكم النطق فيه. وهذا لا يتعارض مع الآيات التي تفيد نطقهم، كما في قوله- تعالى-: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ لأن في يوم القيامة مواطن متعددة، فهم قد ينطقون في موطن، ولا ينطقون في موطن آخر. وقوله- تعالى- وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ معطوف على ما قبله. أى: في يوم القيامة لا ينطق هؤلاء المجرمون نطقا يفيدهم، ولا يؤذن لهم في الاعتذار عما ارتكبوه من سوء، حتى يقبل اعتذارهم، وإنما يرفض اعتذارهم رفضا تاما، لأنه قد جاء في غير وقته وأوانه.

стр. 6409

يقال: اعتذرت إلى فلان، إذا أتيت له بعذر يترتب عليه محو الإساءة. ثم يقال لهم- أيضا- على سبيل التحدي والتقريع هذا هو يوم القيامة يَوْمُ الْفَصْلِ بين المحقين والمبطلين جَمَعْناكُمْ فيه- أيها الكافرون- مع من تقدمكم من الكفار الْأَوَّلِينَ. فَإِنْ كانَ لَكُمْ- أيها الكافرون- كَيْدٌ أى: مخرج وحيلة ومنفذ من العذاب الذي حل بكم فَكِيدُونِ أى: فافعلوه وقوموا به فأنتم الآن في أشد حالات الاحتياج إلى من يخفف العذاب عنكم. أو المعنى: فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ أى: قدرة على كيد ديني ورسلي والمؤمنين، كما كنتم تفعلون في الدنيا فَكِيدُونِ أى: فأظهروه اليوم. والأمر للتعجيز، لأنه من المعروف أنهم في يوم القيامة لا قدرة لهم ولا حيلة. وهكذا نجد أن هذه الآيات الكريمة، قد ساقت ألوانا من الأدلة على وحدانية الله- تعالى-، وعلى أن يوم البعث حق، وعلى العاقبة السيئة التي سيكون عليها الكافرون يوم القيامة. ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بالموازنة بين حال المتقين، وحال المجرمين، فقال: [سورة المرسلات (٧٧) : الآيات ٤١ الى ٥٠] إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥) كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠) أى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ الذين صانوا في دنياهم أنفسهم عن الكفر والفسوق والعصيان، واعتصموا بالرشد والهدى والإيمان. سيكونون يوم القيامة فِي ظِلالٍ الأشجار والقصور، جمع ظل: وهو كل موضع

стр. 6410

لا تصل إليه الشمس. وفي عُيُونٍ من ماء وعسل ولبن وخمر. وهم- أيضا- في فَواكِهَ وهي ما يتفكه به ويتنعم. جمع فاكهة مِمَّا يَشْتَهُونَ أى: يأكلون من تلك الفواكه ما يشتهونه منها، بدون تعب في طلبها، فهي تحت أيديهم. ويقال لهم- على سبيل التكريم والتشريف- كُلُوا أكلا مريئا وَاشْرَبُوا شربا هَنِيئاً جزاء بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في الدنيا من أعمال صالحة. إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ أى: إنا من شأننا أننا نعطى مثل هذا الجزاء الطيب للمؤمنين الذين أحسنوا أقوالهم وأفعالهم، وصانوا أنفسهم عن كل ما لا يرضينا، هذا هو جزاء المتقين المحسنين، أما الكافرون المكذبون، فيقال لهم مرة ومرات- على سبيل التوبيخ والزجر-: كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ. أى: كُلُوا في دنياكم كما تأكل الأنعام وَتَمَتَّعُوا بملذاتكم متاعا قَلِيلًا سينتهي عما قريب، وستلقون في آخرتكم أشد أنواع العذاب. بسبب أنكم كنتم في الدنيا دأبكم الإجرام، والإصرار على الكفر والفسوق والعصيان. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف صح أن يقال لهم ذلك في الآخرة؟ قلت: يقال لهم ذلك في الآخرة إيذانا بأنهم كانوا في الدنيا أحقاء بأن يقال لهم، وكانوا من أهله، تذكيرا بحالهم السمجة، وبما جنوا على أنفسهم من إيثار المتاع القليل، على النعيم والملك الخالد. وعلل ذلك بكونهم مجرمين، دلالة على أن كل مجرم ماله إلا الأكل والتمتع أياما قليلة، ثم البقاء في الهلاك أبدا. ويجوز أن يكون كُلُوا وَتَمَتَّعُوا كلاما مستأنفا خطابا للمكذبين في الدنيا.. «١» . وقوله- سبحانه-: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ أى: هلاك دائم وعذاب مقيم يوم القيامة للمكذبين، الذين آثروا المتاع القليل الفاني في الدنيا، على النعيم الدائم في الآخرة. وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ أى: وإذا قيل لهؤلاء المجرمين اركعوا في الدنيا مع الراكعين، وأدوا فريضة الصلاة مع الرسول ﷺ ومع المؤمنين. إذا قيل لهم ذلك- على سبيل النصح والإرشاد- صموا آذانهم، وأصروا واستكبروا استكبارا، وأبوا أن يصلوا مع المصلين. وعبر عن الصلاة بالركوع، باعتبار أن الركوع من أهم أركانها، فهو من باب التعبير بالجزء عن الكل.

стр. 6411

وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ أى: هلاك شديد يوم القيامة لهؤلاء المكذبين. ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بهذا التعجيب من أحوالهم التي بلغت النهاية في القبح والجحود والعناد فقال- تعالى-: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ. والفاء للإفصاح، أى: إذا كانوا لم يؤمنوا بهذا القرآن المشتمل على أسمى أنواع الهدايات وأحكمها وأوضحها.. فبأى حديث بعد القرآن يؤمنون؟ إنه من المستبعد إيمانهم بعد أن أعرضوا عن كل الحجج التي تهدى إلى الإيمان، فالاستفهام في قوله: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ ... مستعمل في الإنكار التعجيبى من حالهم، والضمير في «بعده» يعود إلى القرآن، وهو وإن لم يسبق له ذكر، فإنه ملحوظ في أذهانهم، إذ في كل وقت يذكرهم الرسول ﷺ به. وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ. وبعد: فهذا تفسير لسورة «المرسلات» نسأل الله- تعالى- أن يجعله خالصا لوجهه ونافعا لعباده. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى

стр. 6412

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تفسير سورة النبأ مقدمة وتمهيد ١- سورة «النبأ» هي أول سورة في الجزء الأخير من القرآن الكريم، وتسمى- أيضا- بسورة «عم يتساءلون» وبسورة «عم» ، وبسورة «المعصرات» ، وبسورة «التساؤل» ، فهذه خمسة أسماء لهذه السورة، سميت بها لورود هذه الألفاظ فيها. ٢- وهي من السور المكية الخالصة، وعدد آياتها أربعون آية في المصحف الكوفي والمكي، وإحدى وأربعون في غيرهما. وكان نزولها بعد سورة «المعارج» ، وقبل سورة «النازعات» . ٣- وهذه السورة من أهم مقاصدها: توبيخ المشركين على خوضهم في القرآن الكريم بدون علم، وتهديدهم بسوء المصير إذا ما استمروا في طغيانهم، وإقامة الأدلة المتنوعة على وحدانية الله- تعالى- وعلى مظاهر قدرته، وبيان ما أعده- سبحانه- للكافرين من عقاب، وما أعده للمتقين من ثواب، وإنذار للناس بوجوب تقديم العمل الصالح من قبل أن يأتى يوم القيامة، الذي لا ينفع فيه الندم على ما فات.. ٤- ويبلغ عدد سور هذا الجزء الأخير من القرآن الكريم سبعا وثلاثين سورة، كلها مكية، سوى سورتي «البينة والنصر» وكلها تمتاز بقصرها، على تفاوت في هذا القصر، ومعظمها مشتمل على إقامة الأدلة على وحدانية الله- تعالى-، وعلى أن هذا القرآن من عند الله. وعلى صدق الرسول ﷺ فيما يبلغه عن ربه، وعلى المقارنة بين حسن عاقبة

стр. 6413

الأخيار، وسوء عاقبة الأشرار، وعلى التذكير المتكرر بأهوال يوم القيامة، وبأنه آت لا ريب فيه، وعلى التحذير من الغفلة عن الاستعداد له، وعلى الإفاضة في بيان نعم الله- تعالى- على الناس، وعلى بيان ما حل بالمكذبين السابقين من دمار.. كل ذلك بأسلوب بديع معجز، تخشع له القلوب، وتتأثر به النفوس، وتقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم..

стр. 6414

التفسير وقد افتتح- سبحانه- السورة الكريمة بقوله- تعالى-: [سورة النبإ (٧٨) : الآيات ١ الى ٢٠] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ عَمَّ يَتَساءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٥) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً (٦) وَالْجِبالَ أَوْتاداً (٧) وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً (٨) وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً (١١) وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً (١٢) وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً (١٣) وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً (١٦) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً (١٨) وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً (٢٠) ولفظ «عم» مركب من كلمتين، هما حرف الجر «عن» و «ما» التي هي اسم استفهام، فأصل هذا اللفظ: «عن ما» فأدغمت النون في الميم لأن الميم تشاركها في الغنة، وحذفت الألف ليتميز الخبر عن الاستفهام. والجار والمجرور متعلق بفعل «يتساءلون» . والتساؤل: تفاعل من السؤال، بمعنى أن يسأل بعض الناس بعضا عن أمر معين، على سبيل معرفة وجه الحق فيه، أو على سبيل التهكم. والنبأ: الخبر مطلقا، ويرى بعضهم أنه الخبر ذو الفائدة العظيمة.

стр. 6415

والمعنى: عن أى شيء يتساءل هؤلاء المشركون؟ وعن أى أمر يسأل بعضهم بعضا؟ إنهم يتساءلون عن النبأ العظيم، والخبر الهام الذي جاءهم به الرسول ﷺ ، والذي نطق به القرآن الكريم، من أن البعث حق، ومن أن هذا القرآن الكريم من عند الله- تعالى- ومن أن الرسول ﷺ صادق فيما يأمرهم به أو ينهاهم عنه. وافتتح- سبحانه- الكلام بأسلوب الاستفهام، لتشويق السامع إلى المستفهم عنه، ولتهويل أمره، وتعظيم شأنه. والضمير في قوله يَتَساءَلُونَ يعود إلى المشركين، الذين كانوا يكثرون من التساؤل فيما بينهم عن الرسول ﷺ ، وعما جاء به من عند ربه، فقد أخرج ابن جرير وابن أبى حاتم عن الحسن قال: لما بعث النبي ﷺ جعلوا يتساءلون فيما بينهم- عن أمره وعما جاءهم به- فنزل قوله- تعالى-: عَمَّ يَتَساءَلُونَ. عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ... «١» . وصح عود الضمير إليهم مع أنهم لم يسبق لهم ذكر، لأنهم معروفون من السياق، إذ هم- دون غيرهم- الذين كانوا يتساءلون فيما بينهم- على سبيل التهكم- عما جاء به النبي ﷺ . وقوله- تعالى-: عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ تهويل لشأن هذا الأمر الذي يتساءلون فيما بينهم عنه، ووصف- سبحانه- النبأ بالعظم، زيادة في هذا التهويل والتفخيم من شأنه، لكي تتوجه إليه أذهانهم، وتلتفت إليهم أفهامهم. فكأنه- سبحانه- يقول: عن أى شيء يسأل هؤلاء الجاحدون بعضهم بعضا؟ أتريدون أن تعرفوا ذلك على سبيل الحقيقة؟ إنهم يتساءلون عن النبأ العظيم، وعن الخبر الجسيم، الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ما بين منكر له إنكارا تاما، كما حكى- سبحانه- عنهم في قوله: إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ «٢» . وما بين متردد في شأنه، كما حكى- سبحانه- عن بعضهم في قوله: وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ، إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ «٣» . قال صاحب الكشاف قوله: عَمَّ أصله عما، على أنه حرف جر، دخل على ما الاستفهامية. ومعنى هذا الاستفهام: تفخيم الشأن، كأنه قال: عن أى شيء يتساءلون. ونحوه ما في

стр. 6416

قولك: زيد ما زيد؟ جعلته لانقطاع قرينه، وعدم نظيره، كأنه شيء خفى عليك جنسه، فأنت تسأل عن جنسه، وتفحص عن جوهره، كما تقول: ما الغول وما العنقاء..؟. ويَتَساءَلُونَ يسأل بعضهم بعضا.. والضمير لأهل مكة، فقد كانوا يتساءلون فيما بينهم عن البعث. وقوله: عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ بيان للشأن المفخم. فإن قلت: قد زعمت أن الضمير في يَتَساءَلُونَ للكفار، فما تصنع بقوله: الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ؟ قلت: كان فيهم من يقطع القول بإنكار البعث، ومنهم من يشك. وقيل: الضمير للمسلمين والكافرين جميعا، وكانوا جميعا يسألون عنه، أما المسلم فليزداد خشية واستعدادا، وأما الكافر فليزداد استهزاء.. «١» . ثم هدد- سبحانه- هؤلاء المستهزئين بما جاء به النبي ﷺ تهديدا شديدا، فقال كَلَّا سَيَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ. و «كلا» حرف زجر وردع، والمقصود بها هنا: ردع أولئك المتسائلين عن النبأ العظيم، ونوعدهم على اختلافهم في شأنه. أى: كلا ليس الأمر كما يتوهمه أولئك المتسائلون، من استهزائهم بما جاءهم به الرسول ﷺ ومن إنكارهم لكون القرآن الكريم من عند الله، أو لكون البعث حق. بل الحق كل الحق أن الرسول ﷺ صادق كل الصدق فيما يبلغه عن ربه، وأن هؤلاء المتسائلين سيرون عما قريب سوء عاقبة استهزائهم واختلافهم. والجملة الثانية وهي قوله: ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ جيء بها لزيادة التهديد والوعيد، ولبيان أن الوعيد الثاني أشد وأبلغ من الوعيد الأول. وحذف مفعول سَيَعْلَمُونَ للتعميم والتهويل، أى: سيعلمون علم اليقين ما سيحل بهم من عذاب مقيم، وسيرون ذلك رأى العين عما قريب، كما قال- تعالى- إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً، وَنَراهُ قَرِيباً. ثم ساق- سبحانه- بعد ذلك تسعة أدلة، كلها تدل على أن البعث حق، لأن القادر على إيجاد هذه الأشياء، قادر- أيضا- على إعادتهم إلى الحياة، فقال- تعالى-: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً والاستفهام هنا للتقرير، أى: لقد جعلنا- بقدرتنا التي لا يعجزها شيء-

стр. 6417

الأرض كالفراش الممهد الموطأ، لتتمكنوا من الاستقرار عليها، ومن التقلب فيها.. كما يتقلب الطفل في مهده، أى: فراشه. والمهاد: مصدر بمعنى الفراش الموطأ الممهد، وهو اسم لما يوضع للصبي لكي ينام عليه، ووصفت الأرض به على سبيل المبالغة في جعلها مكان استقرار الناس وانتفاعهم وراحتهم، والكلام على سبيل التشبيه البليغ، أو على حذف مضاف. وجعل بمعنى صير. أى: لقد صيرنا الأرض بقدرتنا كفراش الصبى بالنسبة لكم، حيث تتقلبون عليها كما يتقلب الصبى في فراشه.. أو صيرناها ذات مهاد. قال صاحب الكشاف ما ملخصه: فإن قلت: كيف اتصل قوله: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً بما قبله؟. قلت: لما أنكروا البعث قيل لهم: ألم يخلق من يضاف إليه البعث هذه الخلائق العجيبة الدالة على كمال قدرته، فما وجه إنكار قدرته على البعث. وما هو إلا اختراع كهذه الاختراعات؟ ومهادا: فراشا، وقرئ: مهدا. ومعناه: أنها لهم كالمهد للصبي، وهو ما يمهد له فينوّم عليه، تسمية للممهود بالمصدر، كضرب الأمير. أو وصفت بالمصدر، أو بمعنى ذات مهد ... «١» . وقوله: وَالْجِبالَ أَوْتاداً معطوف على ما قبله، والأوتاد: جمع وتد، وهو ما يشد به الشيء حتى لا يتحرك أو يضطرب، والكلام على التشبيه- أيضا-. أى: لقد صيرنا- بقدرتنا- الأرض كالمهاد لتتمكنوا من الاستقرار عليها.. وجعلنا الجبال كالأوتاد للأرض، لئلا تميد أو تضطرب بكم.. كما قال- تعالى-: وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ.. «٢» . وقوله- سبحانه-: وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً دليل ثالث على قدرته، والأزواج: جمع زوج. وهو اسم للعدد الذي يكرر الواحد منه مرة واحدة، والمراد به هنا: الذكور والإناث. أى: ومن مظاهر قدرتنا أننا خلقناكم- يا بنى آدم- مزدوجين، أى: ذكرا وأنثى، ليتأتى التناسل، وحفظ النوع من الانقراض، وتنظيم أمر المعاش في الأرض، عن طريق استمتاع كل نوع بالآخر، كما قال- تعالى-: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها، وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً.. «٣» .

стр. 6418

قال الآلوسى: أَزْواجاً أى: مزدوجين ذكرا وأنثى ليتسنى التناسل. وقيل أزواجا: أى: أصنافا في اللون والصورة واللسان. وقيل: يجوز أن يكون المراد من الخلق أزواجا: الخلق من منيين: منى الرجل ومنى المرأة.. «١» . وقوله- تعالى- وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً بيان لدليل رابع على قدرته- تعالى- على البعث. و «السبات» مصدر بمعنى السبت، أى: القطع، يقال: سبت فلان الشيء سبتا، إذا قطعه، وسبت فلان شعره، إذا حلقه وأزاله- وفعله كضرب ونصر-. ويصح أن يكون قوله سباتا من السبت بمعنى الراحة والسكون، يقال: سبت فلان يسبت، إذا استراح بعد تعب، ومنه سمى يوم السبت، لأن اليهود ينقطعون فيه عن أعمالهم للراحة. والمعنى: وجعلنا- بمقتضى حكمتنا ورحمتنا- نومكم «سباتا» أى: قطعا للحركة، لتحصل لكم للراحة التي لا تستطيعون مواصلة العمل إلا بعدها. وهذه الحالة التي لا بد لكم منها، وهي الراحة بعد عناء العمل عن طريق النوم ثم استيقاظكم منه، أشبه ما تكون بإعادة الحياة إليكم بعد موتكم.. وقوله- تعالى-: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً، وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً بيان لنعمة أخرى من نعمه التي لا تحصى، والتي تدل على كمال قدرته. أى: وجعلنا- بقدرتنا ورحمتنا- الليل كاللباس الساتر لكم، فهو يلفكم بظلمته، كما يلف اللباس صاحبه.. كما أننا جعلنا النهار وقت معاشكم، لكي تحصلوا فيه ما أنتم في حاجة إلى تحصيله من أرزاق ومنافع. ووصف- سبحانه- الليل بأنه كاللباس، والنهار بأنه وقت المعاش، لأن الشأن فيهما كذلك، إذ الليل هو وقت الراحة والسكون والاختلاء.. والنهار هو وقت السعى والحركة والانتشار. ثم لفت- سبحانه- الأنظار إلى مظاهر قدرته في خلق السموات فقال: وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً. أى: وبنينا وأوجدنا بقدرتنا التي لا يعجزها شيء، فوقكم- أيها الناس- سبع سماوات قويات محكمات، لا يتطرق إليهن فطور أو شقوق على مر العصور، وكر الدهور. فقوله شِداداً جمع شديدة، وهي الهيئة الموصوفة بالشدة والقوة. وقوله- سبحانه- وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً نعمة أخرى من نعمه الدالة على قدرته.

стр. 6419

والمراد بالسراج الوهاج: الشمس، وصفت بكونها سراجا، لأنها كالمصباح في إضاءته لما حوله. ووصف السراج بأنه وهاج، مبالغة في شدة ضيائه ولمعانه، من الوهج- يفتح الواو والهاء- بمعنى شدة الضياء.. والكلام على التشبيه البليغ، والمقصود منه تقريب صفة المشبه إلى الأذهان، وإلا فالشمس أعظم من كل سراج. أى: وأنشأنا وأوجدنا- بقدرتنا ومنتنا- في السماء، سراجا زاهرا مضيئا.. هو الشمس المتوهجة من شدة حرارتها وضيائها، والتي تشرق على هذا الكون فتحول ظلامه إلى نور، بقدرته- تعالى-. أما الدليل التاسع على قدرته- تعالى- على البعث، فنراه في قوله- تعالى-: وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً، لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً. وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً. والمعصرات- بضم الميم وكسر الصاد- السحب التي تحمل المطر، جمع معصرة- بكسر الصاد- اسم فاعل، من أعصرت السحابة إذا أوشكت على إنزال الماء لامتلائها به.. قال ابن كثير: عن ابن عباس: «المعصرات» الرياح. لأنها تستدر المطر من السحاب.. وفي رواية عنه أن المراد بها: السحاب، وكذا قال عكرمة.. واختاره ابن جرير.. وقال الفراء: هي السحاب التي تتحلب بالماء ولم تمطر بعد، كما يقال: امرأة معصر، إذا حان حيضها ولم تحض بعد. وعن الحسن وقتادة: المعصرات: يعنى السموات. وهذا قول غريب، والأظهر أن المراد بها السحاب، كما قال- تعالى-: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ. وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ.. «١» . والثجاج: المندفع بقوة وكثرة، يقال: ثج الماء- كرد- إذا انصب بقوة وكثرة. ومطر ثجاج، أى: شديد الانصباب جدا. وقوله: أَلْفافاً اسم جمع لا واحد له من لفظه، كالأوزاع للجماعات المتفرقة. وقيل: جمع لفيف، كأشراف وشريف. أى: وأنزلنا لكم- يا بنى آدم- بقدرتنا ورحمتنا- من السحائب التي أوشكت على الإمطار، ماء كثيرا متدفقا بقوة، لنخرج بهذا الماء حبا تقتاتون به- كالقمح والشعير.. ونباتا تستعملونه لدوابكم كالتبن والكلأ، ولنخرج بهذا الماء- أيضا بساتين قد التفت أغصانها لتقاربها وشدة نمائها.

стр. 6420

فهذه تسعة أدلة أقامها- سبحانه- على أن البعث حق، وهي أدلة مشاهدة محسوسة، لا يستطيع عاقل إنكار واحد منها.. ومادام الأمر كذلك فكيف ينكرون قدرته على البعث، مع أنه- تعالى- قد أوجد لهم كل هذه النعم التي منها ما يتعلق بخلقهم، ومنها ما يتعلق بالأرض والسموات، ومنها ما يتعلق بنومهم، وبالليل والنهار، ومنها ما يتعلق بالشمس، وبالسحب التي تحمل لهم الماء الذي لا حياة لهم بدونه. وبعد إيراد هذه الأدلة المقنعة لكل عاقل، أكد- سبحانه- ما اختلفوا فيه، وما تساءلوا عنه، وبين جانبا من أماراته وعلاماته فقال: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً. يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً. وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً. وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً. والمراد بيوم الفصل: يوم القيامة، لأن فيه يكون الفصل بين المحق والمبطل، والمحسن والمسيء، فيجازى كل إنسان على حسب عمله. والميقات- بزنة مفعال- مشتق من الوقت، وهو الزمان المحدد لفعل ما. والمراد به هنا: قيام الساعة، وبعث الناس من قبورهم. أى: إن يوم البعث والجزاء، كان ميعادا ووقتا محددا لبعث الأولين والآخرين، وما يترتب على ذلك من جزاء وثواب وعقاب. وقوله يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ... بدل مما قبله. أى: يوم القيامة آت لا ريب فيه، يوم نأمر إسرافيل بأن ينفخ في الصور. أى: في القرن الذي أوجدناه لذلك. فَتَأْتُونَ أَفْواجاً أى: فتخرجون من قبوركم جماعات جماعات، وطوائف، طوائف، دون أن يستطيع أحد منكم التخلف عن الحضور إلى المكان الذي أعددناه لذلك. وَفُتِحَتِ السَّماءُ ... في هذا اليوم وشقت.. فَكانَتْ أَبْواباً أى: فصارت شقوقها وفتحاتها كالأبواب في سعتها وكثرتها. وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ ... أى: وأزيلت الجبال وحركت من أماكنها بعد تفتتها. فَكانَتْ سَراباً أى: فصارت بعد تفتتها واقتلاعها من أماكنها ... كالسراب، وهو ما يلوح في الصحارى، فيظنه الرائي ماء وهو ليس بماء. وبعد هذا البيان البديع لجانب من مظاهر قدرته- تعالى- على كل شيء، ومن ألوان نعمه على خلقه، ومن تقرير أن البعث حق ... بعد كل ذلك، بين- سبحانه- جزاء الكافرين، وجزاء المتقين في هذا اليوم فقال- تعالى-:

стр. 6421

[سورة النبإ (٧٨) : الآيات ٢١ الى ٤٠] إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآباً (٢٢) لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً (٢٣) لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً (٢٤) إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً (٢٥) جَزاءً وِفاقاً (٢٦) إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذاباً (٣٠) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً (٣١) حَدائِقَ وَأَعْناباً (٣٢) وَكَواعِبَ أَتْراباً (٣٣) وَكَأْساً دِهاقاً (٣٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً (٣٥) جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً (٣٦) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً (٣٨) ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً (٣٩) إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً (٤٠) وقوله- سبحانه-: إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً ... كلام مستأنف لبيان أهوال جهنم وأحوالها. وجهنم: اسم لدار العذاب في الآخرة. والمرصاد: مفعال من الرّصد. تقول: رصدت فلانا أرصده، إذا ترقبته وانتظرته، بحيث لا يهرب منك، «فمرصادا» صيغة مبالغة للراصد الشديد الرصد، وصفت جهنم بذلك، لأن الكافرين لا يستطيعون التفلت منها مهما حاولوا ذلك. قال القرطبي: «مرصادا» مفعال من الرصد، والرصد: كل شيء كان أمامك ... وقال مقاتل: «مرصادا» أى: محبسا. وقيل: طريقا وممرا. وذكر القشيري: أن المرصاد: المكان الذي يرصد فيه الواحد العدد. أى: هي معدة لهم، فالمرصاد بمعنى المحل ... وذكر

стр. 6422

الماوردي، أنها بمعنى راصدة ... وفي الصحاح: الراصد الشيء الراقب له. تقول: رصدته أرصده، إذا ترقبته ... «١» . والمعنى: إن جهنم التي هي دار العذاب في الآخرة، كانت- بأمر الله- تعالى- ومشيئته- معدة ومهيئة للكافرين، فهي ترصدهم وترقبهم بحيث لا يستطيعون الهرب منها، فهي كالحارس اليقظ الذي يقف بالمرصد فلا يستطيع أحد أن يتجاوزه. والمقصود بالآية الكريمة تهديد المشركين، وبيان أنهم لا مهرب لهم من جهنم، وأنها في انتظارهم، كما ينتظر العدو عدوه ليقضى عليه. وقوله: لِلطَّاغِينَ مَآباً بدل من مِرْصاداً وقوله مَآباً من الأوب بمعنى المرجع. يقال: آب فلان يؤوب، إذا رجع ... أى: إن جهنم كانت للمتجاوزين الحد في الظلم والطغيان، هي المكان المهيأ لهم، والذي لا يستطيعون الهرب منه، بل هي مرجعهم الوحيد الذي يرجعون إليه. وقوله: لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً أى: مقيمين في جهنم أزمانا طويلة لا يعلم مقدارها إلا الله- تعالى- إذ الأحقاب: جمع حقب- بضمتين أو بضم فسكون-، وهو الزمان الطويل. لا يَذُوقُونَ فِيها أى: في جهنم بَرْداً أى: شيئا يخفف عنهم حرها، من هواء بارد، أو نسيم عليل وَلا شَراباً أى: شيئا من الشراب الذي يطفئ عطشهم، ويخفف من عذابهم. إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً والحميم. هو الماء الذي بلغ الغاية في الحرارة. والغساق: هو ما يسيل من جلودهم من القيح والدماء والصديد. يقال: غسق الجرح- كضرب وسمع- غسقانا، إذا سالت منه مياه صفراء. أى: أن هؤلاء الطغاة لا يذوقون في جهنم شيئا من الهواء البارد، ولا من الشراب النافع، لكنهم يذوقون فيها الماء الذي بلغ النهاية في الحرارة، والصديد الذي يسيل من جروحهم وجلودهم. فالاستثناء في قوله إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً، استثناء منقطع، لأن الحميم ليس من جنس البرد في شيء، وكذلك الغساق ليس من جنس الشراب في شيء. وقوله- سبحانه- جَزاءً وِفاقاً بيان لعدالة الله- تعالى- معهم، أى: أننا لم

стр. 6423

نظلمهم بإلقائهم في جهنم، وإنما جازيناهم بذلك جزاء موافقا لأعمالهم السيئة في الدنيا. فقوله: جَزاءً منصوب على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف، وقوله وِفاقاً صفة له والوفاق مصدر وافق، وهو هنا بمعنى اسم الفاعل. أى: جوزوا جزاء موافقا لأعمالهم القبيحة التي كانوا يعملونها في الدنيا. ثم علل- سبحانه- ما أصابهم من عذاب أليم، فقال: إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً. وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً. أى: إن هؤلاء الطغاة كانوا في الدنيا لا يخافون حسابنا، ولا يفكرون فيه، بل كانوا يكذبون به، وبكل ما جاءهم به رسولنا تكذيبا عظيما. وقوله: كِذَّاباً مصدر كذب، ومجيء فعّال بمعنى تفعيل في مصدر فعّل فصيح شائع. وأوثر هذا المصدر دون التكذيب، للإشعار بأن تكذيبهم لآيات الله- تعالى- قد وصل الغاية في قبحه وإفراطه. وهو منصوب على أنه مفعول مطلق مؤكد لعامله. قال صاحب الكشاف: قوله كِذَّاباً أى: تكذيبا. وفعّال في باب فعّل، كله فاش في كلام فصحاء العرب لا يقولون غيره. وهو مصدر كذّب ... «١» . ثم بين- سبحانه- شمول علمه لكل شيء فقال: وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً و «كل» منصوب على الاشتغال، والإحصاء للشيء: ضبطه ضبطا محكما. وأصله من لفظ الحصا، واستعمل فيه لأنهم كانوا يعتمدون على الحصا في العد، كما يعتمد بعض الناس الآن على الأصابع. قال الجمل: وقوله: كِتاباً فيه أوجه: أحدها: أنه مصدر من معنى أحصيناه، أى: إحصاء فالتجوز في نفس المصدر. والثاني: أنه مصدر لأحصينا، لأنه في معنى كتبنا. فالتجوز في نفس الفعل ... «٢» . أى: وكل شيء في هذا الكون، قد أحصيناه إحصاء تاما، بحيث لا يعزب منه شيء عن علمنا، مهما كان صغيرا. والفاء في قوله فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً للتفريع على ما تقدم من كون جهنم كانت مرصادا، للطاغين مآبا ... أى: إن جهنم كانت معدة ومهيأة لهؤلاء الطغاة بسبب أعمالهم القبيحة، وسيقال لهم يوم القيامة على سبيل الإذلال والإهانة، ذوقوا سوء عاقبة كفركم وفسوقكم وعصيانكم، فلن نزيدكم إلا عذابا فوق العذاب الذي أنتم فيه.

стр. 6424

قال ابن كثير: قال قتادة، عن أبى أيوب الأزدى، عن عبد الله بن عمرو قال: لم ينزل في شأن أهل النار آية أشد من هذه الآية فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً قال: فهم في مزيد من العذاب أبدا ... «١» . وكعادة القرآن الكريم في الموازنة بين عاقبة الأشرار والأخيار، جاء الحديث عن حسن عاقبة المتقين، بعد الحديث عن سوء عاقبة الطاغين فقال- تعالى-: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً أى: للمتقين الذين صانوا أنفسهم عن كل مالا يرضى ربهم ... مَفازاً أى: فوزا برضوانه وجنته فقوله مَفازاً مصدر بمعنى الفوز والظفر بالمطلوب، وتنوينه للتعظيم. ثم فصل- سبحانه- مظاهر هذا الفوز فقال: حَدائِقَ وَأَعْناباً أى: إن لهم في هذه الجنان التي ظفروا بها حدائق، أى: بساتين فيها ماء وأشجار مثمرة ... سميت بذلك تشبيها لها بحدقة العين في الهيئة، وحصول الماء فيها. وإن لهم- كذلك- في هذه الجنان أَعْناباً جمع عنب، وهو الكرم، وخصت الأعناب بالذكر، لأنها من أعظم الفواكه وأحبها إلى النفوس. وإن لهم- أيضا- كَواعِبَ أَتْراباً أى: فتيات في ريعان الشباب، قد تقاربت أعمارهن، وتساوين في الجمال والنضارة وحسن الهيئة. فالكواعب، جمع كاعب، وهي الفتاة التي وصلت إلى سن البلوغ، وسميت بذلك لأنها في تلك السن يتكعب ثدياها، أى: يستديران مع ارتفاع ... والأتراب، جمع ترب- بكسر التاء وسكون الراء- وهو المساوى لغيره في السن، وأكثر ما يطلق هذا اللفظ على الإناث. قيل: سمى من تقاربن في السن بذلك، على سبيل التشبيه بالترائب، أى: بالضلوع التي في الصدر في التساوي ... وإن لهم- أيضا- كَأْساً دِهاقاً أى: كأسا مليئة بالخمر. يقال دهق الحوض- كجعل- وأدهقه، إذا ملأه حتى فاض من جوانبه. لا يَسْمَعُونَ فِيها أى: في الجنة لَغْواً أى: كلاما ساقطا لا يعتد به. ولا يسمعون- أيضا- كِذَّاباً أى كلاما كاذبا. وقوله- سبحانه-: جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً بيان لمظاهر فضله ومننه على هؤلاء المتقين ... وقوله: جَزاءً منصوب بفعل محذوف من لفظه، ومِنْ ابتدائية.

стр. 6425

أى: هؤلاء المتقون كوفئوا مكافأة صادرة من ربك على سبيل العطاء أى: الإحسان والتفضل، حتى شيعوا واكتفوا. فقوله: حِساباً صفة للعطاء وهو بمعنى كاف. فهو مصدر أقيم مقام الوصف، من قولهم: أحسبه الشيء، إذا كفاه حتى قال حسبي، أى: كافينى. قال صاحب الكشاف: وحِساباً صفة بمعنى كافيا، من أحسبه الشيء إذا كفاه حتى قال حسبي ... «١» . ويصح أن يكون قوله حِساباً معناه «محسوبا» . أى: كافأهم الله- تعالى- على أعمالهم الحسنة في الدنيا مكافأة محسوبة، على قدر أعمالهم الطيبة. وقوله: رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ ... قرأه بعضهم بجر لفظ «رب» على أنه بدل «من ربك» ، وقرأه البعض الآخر بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف. أى: هذا الجزاء العظيم للمتقين هو كائن من ربك، الذي هو رب أهل السموات وأهل الأرض، ورب ما بينهما من مخلوقات لا يعلمها إلا هو، وهو- سبحانه- صاحب الرحمة الواسعة العظيمة التي لا تقاربها رحمة ... وقوله: لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً مقرر ومؤكد لما قبله، من كونه- تعالى- هو رب كل شيء. أى: أهل السموات والأرض وما بينهما، خاضعون ومربوبون لله- تعال- الواحد القهار، الذي لا يقدر أحد منهم- كائنا من كان- أن يخاطبه إلا بإذنه، ولا يملك أن يفعل ذلك إلا بمشيئته. وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ وقوله- سبحانه-: يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ «٢» . والظرف في قوله- تعالى-: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا ... متعلق بقوله- تعالى- قبل ذلك: لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً ... والمراد بالروح: جبريل- ﵇. أى: لا يملك أحد أن يخاطب الله- تعالى- إلا بإذنه، يوم القيامة، ويوم يقوم جبريل- ﵇ بين يدي خالقه قيام تذلل وخضوع، ويقوم الملائكة- أيضا- قياما كله أدب وخشوع، وهم في صفوف منتظمة.

стр. 6426

لا يَتَكَلَّمُونَ أى: لا يستطيع جبريل ولا الملائكة ولا غيرهم الكلام إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ منهم بالكلام أو بالشفاعة. وَقالَ صَواباً أى: وقال المأذون له في الكلام قولا صوابا يرضى الخالق- . وكون المراد بالروح: جبريل- ﵇ هو الرأى الراجح، لأن القرآن الكريم قد وصفه بذلك في آيات منها قوله- تعالى-: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ «١» . وهناك أقوال أخرى في المراد به، منها: أنه ملك من الملائكة، ومنها: أرواح بنى آدم. وجملة «لا يتكلمون» مؤكدة لجملة «لا يملكون منه خطابا» والضمير لجميع الخلائق. وقد أفادت الآية الكريمة أن الذين يتكلمون في هذا اليوم الهائل الشديد، هم الذين يأذن الله- تعالى- لهم بالكلام، وهم الذين يقولون قولا صوابا يرضى الله- تعالى- عنه. وجملة: «وقال صوابا» يجوز أن تكون في موضع الحال من الاسم الموصول «من» . أى: لا يستطيع أحد منهم الكلام إلا الشخص الذي قد أذن الله- تعالى- له في الكلام، والحال أن هذا المأذون له قد قال صوابا. ويصح أن تكون معطوفة على جملة «أذن له الرحمن» . أى: لا يستطيعون الكلام إلا الذين أذن لهم الرحمن في الكلام، وإلا الذين قالوا قولا صوابا يرضى الله، فإنهم يتكلمون. والمقصود من الآية الكريمة، بيان أن الخلائق جميعا يكونون في هذا اليوم، في قبضة الرحمن وتحت تصرفه، وأنهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا إلا بإذنه- تعالى-. واسم الإشارة في قوله- تعالى-: ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ يعود إلى يوم البعث الذي يقوم الناس فيه لله رب العالمين. أى: ذلك اليوم الذي يقوم فيه الخلائق للحساب والجزاء، هو اليوم الحق الذي لا شك في حدوثه. ولا ريب في ثبوته. والفاء في قوله- تعالى-: فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً هي الفصيحة، ومفعول المشيئة محذوف. أى: لقد بينا لكم ما يهديكم، وإذا كان الأمر كذلك، فمن شاء منكم أن يتخذ إلى ربه مرجعا حسنا وطريقا إلى رضاه، فليتخذه الآن، من قبل أن يأتى هذا اليوم الذي لا بيع فيه ولا خلال.

стр. 6427

ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بهذا الإنذار البليغ فقال: نَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً، يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ، وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً. والإنذار: الإخبار بحصول شيء تسوء عاقبته، في وقت يستطيع المنذر فيه أن يجنب نفسه الوقوع في ذلك الشيء. أى: إنا أخبرناكم- أيها الناس- بأن هناك عذابا قريبا، سيحل بمن يستحقه عما قريب. وذلك العذاب سيكون أشد هولا، وأبقى أثرا، يوم القيامة، وْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ أى: يوم يرى كل إنسان عمله حاضرا أمامه، ومسجلا عليه ... يَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً ، أى: ويقول الإنسان الكافر في هذا اليوم على سبيل الحسرة والندامة، يا ليتني كنت في الدنيا ترابا، ولم أخلق بشرا، ولم أكلف بشيء من التكاليف، ولم أبعث ولم أحاسب. فالمقصود بالآية قطع أعذار المعتذرين بأبلغ وجه، من قبل أن يأتى يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 6428

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تفسير سورة النازعات مقدمة وتمهيد ١- سورة «النازعات» من السور المكية الخالصة. وتسمى بسورة «والنازعات» بإثبات الواو، حكاية لأول ألفاظها، ومن ذكرها بدون واو، جعل لفظ «النازعات» علما عليها، وتسمى- أيضا- سورة «الساهرة» وسورة «الطامة» ، لوقوع هذين اللفظين فيها دون غيرها. ٢- وهي السورة التاسعة والسبعون في ترتيب المصحف، أما ترتيبها في النزول فهي السورة الحادية والثمانون من بين السور المكية، وكان نزولها بعد سورة «النبأ» ، وقبل سورة «الانفطار» ، أى: أن سورة النازعات تعتبر من أواخر السور المكية نزولا. ٣- وعدد آياتها خمس وأربعون آية في المصحف الكوفي، وست وأربعون في غيره. ٤- ومن أهم مقاصدها: إقامة الأدلة على وحدانية الله- تعالى-، وعلى أن البعث حق، وذكر جانب كبير من علاماته وأهواله، والرد على الجاحدين الذين أنكروا وقوعه، وتذكير الناس بجانب مما دار بين موسى- ﵇ وبين فرعون من مناقشات، وكيف أن الله- تعالى- قد أخذ فرعون أخذ عزيز مقتدر. كما أن السورة الكريمة اشتملت على مظاهر قدرته- تعالى-، التي نراها ونشاهدها في خلقه- سبحانه- للسموات وللأرض ... وما اشتملتا عليه عن عجائب. ثم ختمت ببيان حسن عاقبة المتقين، وسوء عاقبة الكافرين، وبالإجابة على أسئلة السائلين عن يوم القيامة، وبيان أن موعد مجيء هذا اليوم مرده إلى الله- تعالى- وحده. قال- تعالى-: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها. فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها. إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها. إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها. كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها.

стр. 6429

التفسير افتتح- سبحانه- سورة النازعات بقوله- تعالى-: [سورة النازعات (٧٩) : الآيات ١ الى ١٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً (١) وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً (٢) وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً (٣) فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً (٤) فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ (٨) أَبْصارُها خاشِعَةٌ (٩) يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ (١٠) أَإِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً (١١) قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ (١٣) فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤) والواو في قوله وَالنَّازِعاتِ ... وما بعده، للقسم، وجواب القسم محذوف دل عليه ما بعده، والتقدير: وحق هذه المخلوقات العظيمة ... لتبعثن. وكذلك المقسم به محذوف، إذ أن هذه الألفاظ وهي: النازعات، والناشطات والسابحات، والسابقات، والمدبرات، صفات لموصوفات محذوفة، اختلف المفسرون في المراد بها على أقوال كثيرة. أشهرها: أن المراد بهذه الموصوفات، طوائف من الملائكة، كلفهم الله- تعالى- بالقيام بأعمال عظيمة، وأفعال جسيمة. والنازعات: جمع نازعة. والنزع: جذب الشيء بقوة، كنزع القوس عن كبده. ومنه قوله- تعالى- في النزع الحسى: وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ وقوله- سبحانه- في النزع المعنوي: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ.

стр. 6430

وقوله: غَرْقاً اسم مصدر من أغرق، وأصله إغراقا. والإغراق في الشيء، المبالغة فيه والوصول به إلى نهايته، يقال: أغرق فلان هذا الأمر، إذا أوغل فيه، ومنه قوله: نزع فلان في القوس فأغرق، أى: بلغ غاية المد حتى انتهى إلى النّصل. وهو منصوب على المصدرية، لالتقائه مع اللفظ الذي قبله في المعنى، وكذلك الشأن بالنسبة للألفاظ التي بعده، وهي: «نشطا» و «سبحا» و «سبقا» . والمعنى: وحق الملائكة الذين ينزعون أرواح الكافرين من أجسادهم، نزعا شديدا، يبلغ الغاية في القسوة والغلظة. ويشير إلى هذا المعنى قوله- تعالى- في آيات متعددة، منها قوله- سبحانه-: وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا، الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ. وقوله: وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً: المقصود به طائفة أخرى من الملائكة. والناشطات من النّشط، وهو السرعة في العمل، والخفة في أخذ الشيء، ومنه الأنشوطة، للعقدة التي يسهل حلها، ويقال: نشطت الدلو من البئر- من باب ضرب- إذا نزعتها بسرعة وخفة. أى: وحق الملائكة الذين ينشطون ويسرعون إسراعا شديدا لقبض أرواح المؤمنين بخفة وسهولة ويقولون لهم- على سبيل البشارة والتكريم-: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ. ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً. وقوله- سبحانه-: وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً قسم ثالث بطائفة ثالثة من طوائف الملائكة، التي تسبح في هذا الكون، أى: تنطلق بسرعة لتنفيذ أمر الله- تعالى-، ولتسبيحه، وتحميده، وتكبيره، وتقديسه. أى: وحق الملائكة الذين يسرعون التنقل في هذا الكون إسراعا شديدا، لتنفيذ ما كلفهم- سبحانه- به، ولتسبيحه وتنزيهه عن كل نقص ... وقوله- تعالى-: فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً المقصود به طائفة رابعة من الملائكة، تسبق غيرها في تنفيذ أمر الله- تعالى-، إذ السبق معناه: أن يتجاوز السائر من يسير معه، ويسبقه إلى المكان المقصود الوصول إليه، كما قال- تعالى- في صفات المتقين: أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ. وقوله: فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً المقصود به طائفة خامسة من الملائكة، من وظائفهم تدبير

стр. 6431

شأن الخلائق، وتنظيم أحوالهم بالطريقة التي يأمرهم- سبحانه- بها، فنسبة التدبير إليهم، إنما هي على سبيل المجاز، لأن كل شيء في هذا الكون إنما هو بقضاء الله وتقديره وتدبيره. والمراد بالأمر: الشأن والغرض المهم، وتنوينه للتعظيم، ونصبه على المفعولية للفظ المدبرات. أى: وحق الملائكة الذين يرتبون شئون الخلائق، وينظمون أمورهم بالطريقة التي يكلفهم- سبحانه- بها. وجاء العطف في قوله: فَالسَّابِقاتِ فَالْمُدَبِّراتِ بالفاء، للدلالة على ترتيب ما بعدها على ما قبلها بغير مهلة. وللإيذان بأن هاتين الصفتين متفرعتين عما قبلهما. وعلى هذا التفسير الذي سرنا فيه على أن هذه الصفات لموصوف واحد، سار كثير من المفسرين: فصاحب الكشاف صدر تفسيره لهذه الآيات بقوله: أقسم- سبحانه- بطوائف الملائكة، التي تنزع الأرواح من الأجساد وبالطوائف التي تنشطها، أى تخرجها ... وبالطوائف التي تسبح في مضيها، أى: تسرع فتسبق إلى ما أمروا به، فتدبر أمرا من أمور العباد مما يصلحهم في دينهم ودنياهم، كما رسم الله- تعالى- لهم ... وأسند التدبير إليهم- أى إلى الملائكة- لأنهم من أسبابه ... «١» . وقال الشوكانى: أقسم- سبحانه- بهذه الأشياء التي ذكرها، وهي الملائكة التي تنزع أرواح العباد عن أجسادهم، كما ينزع النازع القوس فيبلغ بها غاية المد، وكذا المراد بالناشطات، والسابحات، والسابقات، والمدبرات، يعنى الملائكة. والعطف مع اتحاد الكل لتنزيل التغاير الوصفي، منزلة التغاير الذاتي، كما في قول الشاعر: إلى الملك القرم، وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم وهذا قول الجمهور من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم ... «٢» . ومنهم من يرى أن المراد بالنازعات: النجوم تنتقل من مكان إلى مكان، أو الأقواس التي تنزع السهام، أو الغزاة ينزعون من دار الإسلام إلى دار الحرب ... ومنهم من يرى أن المراد بالناشطات: الكواكب السيارة، أو السفن التي تمخر عباب الماء ... وأن المراد بالسابحات والسابقات: النجوم، أو الشمس والقمر، والليل والنهار ... أما المدبرات فقد أجمعوا على أن المراد بها الملائكة. قال الجمل: اختلفت عبارات المفسرين في هذه الكلمات، هل هي صفات لشيء واحد، أو

стр. 6432

لأشياء مختلفة، على أوجه: واتفقوا على أن المراد بقوله: فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً وصف لشيء واحد، وهم الملائكة ... «١» . ويبدو لنا أن كون هذه الصفات جميعها لشيء واحد، هو الملائكة، أقرب إلى الصواب، لأنه المأثور عن كثير من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. ثم شرع- سبحانه- في بيان علامات القيامة وأهوالها فقال: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ. تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ.... والراجفة: من الرجف وهو الاضطراب الشديد، والحركة القوية، لأن بسببها تضطرب الأمور، وتختل الشئون. يقال: رجفت الأرض والجبال، إذا اهتزت اهتزازا شديدا. والمراد بها: ما يحدث في هذا الكون عند النفخة الأولى التي يموت بعدها جميع الخلائق. والمراد بالرادفة: النفخة الثانية، التي تردف الأولى، أى: تأتى بعدها، وفيها يبعث الموتى بإذن الله- تعالى-، يقال: فلان جاء ردف فلان، إذا جاء في أعقابه. أى: اذكر- أيها العاقل- لتعتبر وتتعظ، يوم ينفخ في الصور فتضطرب الأرض وتهتز، ويموت جميع الخلق، ثم يتبع ذلك نفخة أخرى يبعث بعدها الموتى- بإذن الله- تعالى-. وجملة «تتبعها الرادفة» في محل نصب على الحال من الراجفة. وشبيه بهاتين الآيتين قوله- تعالى-: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ. وقوله- سبحانه-: قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ. أَبْصارُها خاشِعَةٌ بيان لما يترتب على قيام الساعة، وبعث الخلائق، من خوف ورعب. أى: قلوب كثيرة في هذا اليوم الهائل الشديد تكون في نهاية الاضطراب والفزع. يقال: وجف القلب يجف وجفا ووجيفا، إذا ارتفعت ضرباته من شدة الخوف ... وتكون أبصار أصحاب هذه القلوب خاشعة، أى ذليلة مهينة، لما يعتريهم من الفزع الشديد، والرعب الذي لا حدود له ... ولفظ «قلوب» مبتدأ، وتنكيره للتكثير، وقوله: واجِفَةٌ صفة للقلوب، وجملة «أبصارها خاشعة» خبر ثان للقلوب. والمراد بهذه القلوب: قلوب المشركين الذين أنكروا في الدنيا البعث والجزاء، فلما بعثوا

стр. 6433

اعتراهم الرعب الشديد، والفزع الذي لا يقاربه فزع ... فأما قلوب المؤمنين فهي- بفضل الله ورحمته- تكون في أمان واطمئنان، كما قال- تعالى-: لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ. وإضافة الأبصار إلى ضمير القلوب لأدنى ملابسة، لأن الأبصار لأصحاب هذه القلوب، وكلاهما من جوارح الأجساد. وقوله- سبحانه-: يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ. أَإِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً حكاية لما كان يقوله هؤلاء الكافرون في الدنيا، من إنكار للبعث، ومن استهزاء لمن كان يذكرهم به، ومن استبعاد شديد لحصوله ... والمراد بالحافرة: العودة إلى الحياة مرة أخرى بعد موتهم وتحولهم إلى عظام بالية. قال صاحب الكشاف: فِي الْحافِرَةِ. أى: في الحالة الأولى يعنون: الحياة بعد الموت. فإن قلت: ما حقيقة هذه الكلمة؟ قلت: يقال: رجع فلان في حافرته، أى: في طريقه التي جاء فيها فحفرها. أى: أثر فيها بمشيه فيها: جعل أثر قدميه حفرا ... ثم قيل لمن كان في أمر فخرج منه ثم عاد إليه: رجع إلى حافرته، أى: طريقته وحالته الأولى ... «١» . وقوله: نَخِرَةً صفة مشتقة من قولهم: نخر العظم- بفتح النون وكسر الخاء- إذا بلى وصار سهل التفتيت والكسر. وقرأ حمزة والكسائي «ناخرة» بمعنى بالية فارغة جوفاء، يسمع منها عند هبوب الريح نخير، أى: صوت. أى: أن هؤلاء المشركين كانوا يقولون في الدنيا- على سبيل التعجيب والاستهزاء والإنكار لأمر البعث والحساب: أنرد إلى الحياة مرة أخرى بعد موتنا وبعد أن نصير في قبورنا عظاما بالية. وعبر- سبحانه- عن قولهم هذا بالمضارع «يقولون» لاستحضار حالتهم الغريبة، حيث أنكروا ما قام الدليل على عدم إنكاره، وللإشعار بأن هذا الإنكار كان متجددا ومستمرا منهم. وقد ساق- سبحانه- أقوالهم هذه بأسلوب الاستفهام، للإيذان بأنهم كانوا يقولون ما يقولون في شأن البعث على سبيل التهكم والتعجب ممن يحدثهم عنه، كما هو شأن المستفهم

стр. 6434

عن شيء الذي لا يقصد معرفة الحقيقة، وإنما يقصد التعجيب والإنكار. وجملة «أإذا كنا عظاما نخرة» مؤكدة للجملة السابقة عليها، التي يستبعدون فيها أمر البعث بأقوى أسلوب. وقوله- تعالى-: قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ حكاية لقول آخر من أقوالهم الفاسدة، وهو بدل اشتمال من قوله- سبحانه- قبل ذلك: يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ. واسم الإشارة «تلك» يعود إلى الردة المستفادة من قولهم «أإنا لمردودون....» . ولفظ «إذا» جواب لكلامهم المتقدم. والكرّة: المرة من الكرّ بمعنى الرجوع، وجمعها: كرّات أى: يقول هؤلاء الجاحدون: أنرد إلى الحياة التي كنا فيها بعد أن نموت ونفنى؟ وبعد أن نصير عظاما نخرة؟ لو حدث هذا بأن رددنا إلى الحياة مرة أخرى، لكانت عودتنا عودة خاسرة غير رابحة، وهم يقصدون بهذا الكلام الزيادة في التهكم والاستهزاء بالبعث. والخسران: أصله عدم الربح في التجارة، والمراد به هنا: حدوث ما يكرهونه لهم. ونسب الخسران إلى الكرة على سبيل المجاز العقلي، للمبالغة في وصفهم الرجعة بالخيبة والفشل، وإلا فالمراد خيبتهم وفشلهم هم، لأنهم تبين لهم كذبهم، وصدق من أخبرهم بأن الساعة حق. وقد رد- سبحانه- عليهم ردا سريعا حاسما يخرس ألسنتهم فقال: فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ. فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ. والزجرة: المرة من الزجر، وهو الصياح المصحوب بالغضب، يقال: زجر فلان فلانا، إذا أمره أو نهاه عن شيء بحدة وغضب. والساهرة: الأرض المستوية الخالية من النبات. والمراد بها هنا: الأرض التي يحشر الله- تعالى- فيها الخلائق. قال القرطبي: قوله: فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ أى: على وجه الأرض، بعد أن كانوا في بطنها. سميت بهذا الاسم، لأن فيها نوم الحيوان وسهرهم، والعرب تسمى الفلاة ووجه الأرض ساهرة، بمعنى ذات سهر، لأنه يسهر فيها خوفا منها، فوصفها بصفة ما فيها ... «١» . والفاء في قوله: فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ ... للتفريع على قولهم السابق، وضمير «هي» يعود

стр. 6435

إلى الحالة والقصة التي أنكروها، وهي قيام الساعة. أى: قل لهم- أيها الرسول الكريم- على سبيل التوبيخ والتقريع: ليس الأمر كما زعمتم من أنه لا بعث ولا جزاء ... بل الحق أن ذلك آت لا ريب فيه، وأن عودتكم إلى الحياة مرة أخرى لا تقتضي من خالقكم سوى صيحة واحدة يصيحها ملك من ملائكته بكم، فإذا أنتم قيام من قبوركم، ومجتمعون في المكان الذي يحدده الله- تعالى- لاجتماعكم ولحسابكم وجزائكم. وعبر- سبحانه- عن اجتماعهم بأرض المحشر بإذا الفجائية فقال: فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ للإيذان بأن اجتماعهم هذا سيكون في نهاية السرعة والخفة، وأنه سيتحقق في أعقاب الزجرة بدون أقل تأخير. ووصف- سبحانه- الزجرة بأنها واحدة، لتأكيد ما في صيغة المرة من معنى الوحدة، أى: أن الأمر لا يقتضى سوى الإذن منا بصيحة واحدة لا أكثر، تنهضون بعدها من قبوركم للحساب والجزاء، نهوضا لا تملكون معه التأخر أو التردد ... والمراد بها: النفخة الثانية. وقال- سبحانه-: فَإِذا هُمْ بضمير الغيبة، إهمالا لشأنهم، وتحقيرا لهم عن استحقاق الخطاب. وشبيه بهاتين الآيتين قوله- تعالى-: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ. وإلى هنا نجد السورة الكريمة قد حدثتنا حديثا بليغا مؤثرا عن أهوال يوم القيامة، وعن أحوال المجرمين في هذا اليوم العسير. ثم ساق- سبحانه- بعد ذلك جانبا من قصة موسى مع فرعون، لتكون تسلية للنبي ﷺ عما أصابه من هؤلاء الجاحدين، وتهديدا لهم حتى يقلعوا عن غيهم ... فقال- تعالى-: [سورة النازعات (٧٩) : الآيات ١٥ الى ٢٦] هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (١٥) إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٦) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى (١٩) فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى (٢٢) فَحَشَرَ فَنادى (٢٣) فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى (٢٥) إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى (٢٦)

стр. 6436

قال الإمام الرازي: اعلم أن وجه المناسبة بين هذه القصة وبين ما قبلها من وجهين: الأول: أنه- تعالى- حكى عن الكفار إصرارهم على إنكار البعث، حتى انتهوا في ذلك الإنكار إلى حد الاستهزاء في قولهم: تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ، وكان ذلك يشق على الرسول ﷺ فذكر- سبحانه- قصة موسى- ﵇، وبين أنه تحمل المشقة في دعوة فرعون، ليكون ذلك تسلية للرسول ﷺ . الثاني: أن فرعون كان أقوى من كفار قريش ... فلما تمرد على موسى، أخذه الله- تعالى- نكال الآخرة والأولى، فكذلك هؤلاء المشركون في تمردهم عليك، إن أصروا، أخذهم الله وجعلهم نكالا.... «١» . والمقصود من الاستفهام في قوله- تعالى-: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى ... التشويق إلى الخبر، وجعل السامع في أشد حالات الترقب لما سيلقى إليه، حتى يكون أكثر وعيا لما سيسمعه. والخطاب للرسول ﷺ لقصد تسليته، ويندرج فيه كل من يصلح له. والمعنى: هل وصل إلى علمك- أيها الرسول الكريم- خبر موسى- ﵇ مع فرعون؟ إن كان لم يصل إليك فهاك جانبا من خبره نقصه عليك، فتنبه له، لتزداد ثباتا على ثباتك، وثقة في نصر الله- تعالى- لك على ثقتك. والظرف «إذ» في قوله- تعالى-: إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً متعلق بلفظ «حديث» ، والجملة بدل اشتمال مما قبلها. و «الواد» المكان المنخفض بين جبلين، أو بين مكانين مرتفعين. و «المقدس» : بمعنى المطهر. و «طوى» اسم للوادي. وقد جاء الحديث عنه في آيات متعددة، منها قوله- تعالى-: فَلَمَّا أَتاها- أى النار- نُودِيَ يا مُوسى. إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً «٢» .

стр. 6437

والمعنى: هل بلغك- أيها الرسول الكريم- خبر موسى، وقت أن ناديناه وهو بالواد المقدس طوى، الذي هو بجانب الطور الأيمن، بالنسبة للقادم من أرض مدين التي هي في شمال الحجاز. ويدل على ذلك قوله- تعالى-: فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً. لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ. فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ، أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ «١» . وقوله- سبحانه-: اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ ... مقول لقول محذوف، أى: ناديناه وقلنا له: اذْهَبْ يا موسى إلى فرعون إنه طغى، أى: إنه تجاوز كل حد في الكفر والغرور والعصيان. وفرعون: لقب لكل ملك من ملوك مصر في ذلك الزمان، وقد قالوا إن فرعون الذي أرسل الله- تعالى- إليه موسى- ﵇ هو منفتاح بن رمسيس الثاني. ثم بين- سبحانه- ما قاله لموسى على سبيل الإرشاد إلى أحكم وأفضل وسائل الدعوة إلى الحق فقال: فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى، وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى. والمقصود بالاستفهام هنا: الحض والترغيب في الاستجابة للحق، كما تقول لمن تنصحه: هل لك في كذا، والجار والمجرور «لك» خبر لمبتدأ محذوف، أى: هل لك رغبة في التزكية. أى: اذهب يا موسى إلى فرعون، فقل له على سبيل النصح الحكيم. والإرشاد البليغ: هل لك يا فرعون رغبة في أن أدلك على ما يزكيك ويطهرك من الرجس والفسوق والعصيان. وهل لك رغبة- أيضا- في أن أرشدك الى الطريق الذي يوصلك إلى رضى ربك، فيترتب على وصولك إلى الطريق السوى، الخشية منه- تعالى- والمعرفة التامة بجلاله وسلطانه. قال صاحب الكشاف: قوله: وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ.... أى: وأرشدك إلى معرفة الله، أى: أنبهك عليه فتعرفه فَتَخْشى لأن الخشية لا تكون إلا بالمعرفة ... وذكر الخشية، لأنها ملاك الأمر، من خشي الله أتى منه كل خير، ومن أمن اجترأ على كل شيء. ومنه قوله ﷺ : «من خاف أدلج، - أى: سار في أول الليل- ومن أدلج بلغ المنزل» . بدأ مخاطبته بالاستفهام الذي معناه العرض، كما يقول الرجل لضيفه: هل لك أن تنزل بنا؟ وأردفه الكلام الرقيق ليستدعيه بالتلطف في القول، ويستنزله بالمداراة من عتوه، كما أمر

стр. 6438

بذلك في قوله- تعالى- فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى ... «١» . والحق أن هاتين الآيتين فيهما أسمى ألوان الإرشاد إلى الدعوة إلى الحق بالحكمة والموعظة الحسنة. والفاء في قوله- تعالى-: فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى. فَكَذَّبَ وَعَصى للإفصاح والتفريع على كلام محذوف يفهم من المقام. والتقدير: فامتثل موسى- ﵇ أمر ربه، فذهب إلى فرعون، فدعاه إلى الحق، فكذبه فرعون، فما كان من موسى إلا أن أراه الآية الكبرى التي تدل على صدقه، وهي أن ألقى أمامه عصاه فإذا هي حية تسعى، وأن نزع يده من جيبه فإذا هي بيضاء من غير سوء. ولكن فرعون لم يستجب لدعوة موسى، بعد أن أراه الآية الكبرى الدالة على صدقه، بل كذب ما رآه تكذيبا شديدا، وعصى أمر ربه عصيانا كبيرا. ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى أى: ثم أضاف إلى تكذيبه وعصيانه. إعراضه وتوليه عن الإيمان والطاعة. وسعيه سعيا حثيثا في إبطال أمر موسى، وإصراره على تكذيب معجزته. وجاء العطف هنا بثم، للدلالة إلى أنه قد تجاوز التكذيب والعصيان، إلى ما هو أشد منهما في الجحود والعناد، وهو الإعراض عن الحق والسعى الشديد في إبطاله. ثم بين- سبحانه- ما فعله بعد ذلك فقال: فَحَشَرَ فَنادى فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى. والحشر: جمع الناس، والنداء: الجهر بالصوت لإسماع الغير، ومفعولاهما محذوفان. أى: فجمع فرعون الناس عن طريق جنده، وناداهم بأعلى صوته، قائلا لهم: أنا ربكم الأعلى الذي لا رب أعلى منه، وليس الأمر كما يقول موسى من أن لكم إلها سواي. والتعبير بالفاء في قوله: فَنادى للإشعار بأنه بمجرد أن جمعهم دعاهم إلى الاعتراف بأنه هو رب الأرباب. وجاء نداؤه بالصيغة الدالة على الحصر أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى للرد على ما قاله موسى له. من وجوب إخلاص العبادة لله- تعالى- وحده. ثم بين- سبحانه- ما ترتب على هذا الفجور الذي تلبس به فرعون، وعلى هذا الطغيان الذي تجاوز معه كل حد، فقال: فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى.

стр. 6439

والنكال: مصدر بمعنى التنكيل، وهو العقاب الذي يجعل من رآه في حالة تمتعه وتصرفه عما يؤدى إليه، يقال: نكّل فلان بفلان، إذا أوقع به عقوبة شديدة تجعله نكالا وعبرة لغيره. وهو منصوب على أنه مصدر مؤكد لقوله فَأَخَذَهُ، لأن معناه نكل به، والتعبير بالأخذ للإشعار بأن هذه العقوبة كانت محيطة بالمأخوذ بحيث لا يستطيع التفلت منها. والمراد بالآخرة: الدار الآخرة، والمراد بالأولى: الحياة الدنيا. أى: أن فرعون عند ما تمادى في تكذيبه وعصيانه وطغيانه ... كانت نتيجة ذلك أن أخذه الله- تعالى- أخذ عزيز مقتدر، بأن أنزل به في الآخرة أشد أنواع الإحراق، وأنزل به في الدنيا أفظع ألوان الإغراق. وقدم- سبحانه- عذاب الآخرة على الأولى، لأنه أشد وأبقى. ومنهم من يرى أن المراد بالآخرة قوله لقومه: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى، وأن المراد بالأولى تكذيبه لموسى- ﵇ أى، فعاقبه الله- تعالى- على هاتين المعصيتين وهذا العقاب الأليم، بأن أغرقه ومن معه جميعا ... ويبدو لنا أن التفسير الأول هو الأقرب إلى ما تفيده الآية الكريمة، إذ من المعروف أن الآخرة، هي ما تقابل الأولى وهي دار الدنيا، ولذا قال الإمام ابن كثير: قوله- تعالى-: فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى أى: انتقم الله منه انتقاما جعله به عبرة ونكالا لأمثاله من المتمردين في الدنيا. ويوم القيامة بئس الرفد المرفود، كما قال- تعالى-: وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ. هذا هو الصحيح في معنى الآية، أن المراد بقوله: نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى أى: الدنيا والآخرة. وقيل المراد بذلك كلمتاه الأولى والثانية. وقيل: كفره وعصيانه، والصحيح الذي لا شك فيه الأول ... «١» . والإشارة في قوله- تعالى-: إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى، تعود إلى حديث موسى الذي دار بينه وبين فرعون، وما ترتب عليه من نجاة لموسى ومن إهلاك لفرعون. أى: إن في ذلك الذي ذكرناه عما دار بين موسى وفرعون، لعبرة وعظة، لمن يخشى الله- تعالى-، ويقف عند حدوده، لا لغيره ممن لا يتوبون ولا يتذكرون ولا تخالط أنفسهم خشية الله- تعالى-. والمقصود من هذه القصة كلها، تسلية الرسول ﷺ ، وتهديد المشركين بأنهم إذا ما استمروا في طغيانهم، كانت عاقبتهم كعاقبة فرعون.

стр. 6440

وبعد هذا الاستطراد عن طريق ذكر جانب مما دار بين موسى وفرعون ... عادت السورة الكريمة، كما بدأت إلى الحديث عن أهوال يوم القيامة، وعن إمكانية وقوعه، وعن أحوال الناس فيه. وعن أن موعد قيامه مرد علمه إلى الله- تعالى- وحده، فقال- سبحانه-: [سورة النازعات (٧٩) : الآيات ٢٧ الى ٤٦] أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها (٢٧) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها (٣١) وَالْجِبالَ أَرْساها (٣٢) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٣) فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغى (٣٧) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى (٤١) يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (٤٣) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها (٤٤) إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها (٤٦) والخطاب في قوله- تعالى-: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً ... لأولئك الجاحدين الجاهلين الذين استنكروا إعادتهم إلى الحياة بعد موتهم، وقالوا: أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ. وجاء هذا الخطاب على سبيل التقريع والتوبيخ لهم، حيث بين لهم- سبحانه- أن إعادتهم إلى الحياة، ليست بأصعب من خلق السموات والأرض. وأَشَدُّ أفعل تفضيل، والمفضل عليه محذوف، لدلالة قوله- تعالى-: أَمِ السَّماءُ عليه. والمراد بالأشد هنا: الأصعب بالنسبة لاعتقاد المخاطبين، إذ كل شيء في هذا الكون خاضع لإرادة الله- تعالى- ومشيئته إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.

стр. 6441

والمعنى: أخلقكم- أيها الجاهلون- بعد موتكم، وإعادتكم إلى الحياة بعد هلاككم، أشد وأصعب في تقديركم، أم خلق السماء التي ترون بأعينكم عظمتها وضخامتها، والتي أوجدها- سبحانه وبناها بقدرته. فالمقصود من الآية الكريمة لفت أنظارهم إلى أمر معلوم عندهم بالمشاهدة، وهو أن خلق السماء أعظم وأبلغ من خلقهم، ومن كان قادرا على الأبلغ والأعظم كان على ما هو أقل منه- وهو خلقهم وإعادتهم بعد موتهم- أقدر. وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ.... ثم بين- سبحانه- جانبا من بديع قدرته في خلق السماء فقال: رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها. والسّمك- بفتح السين- المشددة وسكون الميم-: الرفع في الفضاء، وجعل الشيء عاليا عن غيره. تقول: سمكت الشيء، إذا رفعته في الهواء، وبناء مسموك، أى: مرتفع، ومنه قول الشاعر: إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعز وأطول أى: أن الله- تعالى- بقدرته، جعل مقدار ارتفاع السماء عن الأرض عظيما، وبجانب ذلك سوى بحكمته هذه السماء، بأن جعلها خالية من الشقوق والثقوب ... كما قال- سبحانه-: ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ.... وجملة «وأغطش ليلها....» معطوفة على «بناها» ، والإغطاش: الإظلام الشديد. يقال: غطش الليل- من باب ضرب- إذا اشتد ظلامه. أى: وجعل- بقدرته- ليل هذه السماء مظلما غاية الإظلام: بسبب مغيب شمسها. وَأَخْرَجَ ضُحاها أى: وأبرز وأضاء نهارها، إذ الضحى في الأصل: انتشار الشمس، وامتداد النهار. ثم سمى به هذا الوقت، لبروز ضوء الشمس فيه أكثر من غيره، فهو من باب تسمية الشيء باسم أشرف أجزائه وأطيبها. وأضاف- سبحانه- الليل والضحى إلى السماء لأنهما يحدثان بسبب غروب شمسها وطلوعها. ثم انتقلت الآيات الكريمة من الاستدلال على قدرته- تعالى- عن طريق خلق السماء،

стр. 6442

إلى الاستدلال على قدرته عن طريق خلق الأرض فقال: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها. ولفظ «الأرض» منصوب على الاشتغال. واسم الإشارة «ذلك» يعود إلى خلق السماء وتسويتها ورفعها وإغطاش ليلها. وقوله دَحاها من الدحو بمعنى البسط، تقول: دحوت الشيء أدحوه، إذا بسطته ... أى: خلق- سبحانه- السماء وسواها، وأغطش ليلها وأخرج ضحاها، والأرض بعد كل ذلك الخلق البديع للسماء، بسطها وأوسعها لتكون مستقرا لكم وموضعها لتقلبكم عليها ... وقد أخذ بعض العلماء من هذه الآية، تأخر خلق الأرض عن خلق السماء ... وجمهور العلماء على أن خلق الأرض متقدم على خلق السماء، بدليل قوله- تعالى-: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً، ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ «١» . قالوا في الجمع بين هذه الآية التي معنا، وبين آية سورة البقرة، بما روى عن ابن عباس من أنه سئل عن الجمع بين هاتين الآيتين فقال: خلق الله- تعالى- الأرض أولا غير مدحوة، ثم خلق السماء، ثم دحا الأرض بعد ذلك، وجعل فيها الرواسي والأنهار وغيرهما. أى: أن أصل خلق الأرض كان قبل خلق السماء، ودحوها بجبالها وأشجارها، كان بعد خلق السماء. وقالوا- أيضا- في وجه الجمع، إن لفظ بعد في قوله- تعالى- بَعْدَ ذلِكَ بمعنى مع. أى: والأرض مع ذلك بسطها ومهدها لسكنى أهلها فيها ... «٢» . وقدم- سبحانه- هنا خلق السماء على الأرض، لأنه أدل على القدرة الباهرة، لعظم السماء وانطوائها على الأعاجيب. وقوله- سبحانه- أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها. وَالْجِبالَ أَرْساها بدل اشتمال من قوله دَحاها، أو بيان وتفسير لدحوها، والمرعى: مصدر ميمى أطلق على المفعول، كالخلق بمعنى المخلوق، أى أخرج منها ما يرعى. أى: والأرض جعلها مستقرا لكم، ومكانا لانتفاعكم، بأن أخرج منها ماءها، عن طريق تفجير العيون والآبار والبحار، وأخرج منها مَرْعاها أى: جميع ما يقتات به الناس والدواب، بدليل قوله- تعالى- بعد ذلك: مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ.

стр. 6443

وكذلك من مظاهر قدرته- تعالى- ورحمته بكم، أنه أثبت الجبال في الأرض حتى لا تميد أو تضطرب، فالمقصود بإرساء الجبال: تثبيتها في الأرض. وقوله- تعالى-: مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ بيان لوجه المنة في خلق الأرض على هذه الطريقة البديعة. والمتاع: اسم لما يتمتع به الإنسان من منافع الحياة الدنيا لمدة محدودة من الزمان، وانتصب لفظ «متاعا» هنا بفعل مقدر من لفظه، أى: متعناكم متاعا. والمعنى: دحونا الأرض، وأخرجنا منها ماءها ومرعاها ... لتكون موضع منفعة لكم، تتمتعون بخيراتها أنتم وأنعامكم، إلى وقت معين من الزمان، تتركونها لانتهاء أعماركم. ثم بين- سبحانه- حال الأشقياء والسعداء يوم القيامة، فقال: فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى. والطامة: اسم للمصيبة العظمى، التي تطمّ وتغلب وتعلو ما سواها من مصائب، من قولهم: طمّ الشيء يطمّه طمّا، إذا غمره. وكل شيء كثر وعلا على غيره، فقد طم عليه. ويقال: طم الماء الأرض إذا غمرها. وهذا الوصف ليوم القيامة، من أوصاف التهويل والشدة، لأن أحوالها تغمر الناس وتجعلهم لا يفكرون في شيء سواها. وجواب الشرط محذوف، والمجيء هنا: بمعنى الحدوث والوقوع، أى: فإذا وقعت القيامة، وقامت الساعة ... حدث ما حدث ما لم يكن في الحسبان من شدائد وأهوال. وقوله: يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى بدل اشتمال من الجملة التي قبلها وهي قوله: فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ لأن ما أضيف إليه لفظ «يوم» من الأحوال التي يشملها يوم القيامة، وتذكر الإنسان لسعيه في الدنيا، يكون بإطلاعه على أعماله التي نسيها، ورؤيته إياها في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. أى: فإذا قامت القيامة، وتذكر الإنسان في هذا الوقت ما كان قد نسيه من أعمال في دنياه، وقع له من الخوف والفزع مالا يدخل تحت وصف.. وقوله: وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى معطوف على قوله جاءَتِ. أى: فإذا جاءت الطامة الكبرى، وتذكر الإنسان فيها ما كان قد نسيه من أعمال دنيوية وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ أى: وأظهرت إظهارا واضحا لا خفاء فيه ولا لبس لِمَنْ يَرى أى: لكل راء. كان الهول الأعظم. وقوله- سبحانه-: فَأَمَّا مَنْ طَغى.... تفصيل لأحوال الناس في هذا اليوم.

стр. 6444

أى: فَأَمَّا مَنْ طَغى بأن تجاوز الحدود في الكفر والفسوق والعصيان وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا بأن قدم متاعها الفاني، على نعيم الآخرة الخالد ... فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى أى: فإن مصير هذا الإنسان الشقي سيكون إلى النار الملتهبة، لا منزل له سواها في هذا اليوم. وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ أى: خاف عظمته وجلاله، وسلح نفسه بالإيمان والعمل الصالح استعدادا لهذا اليوم الذي يجازى فيه كل إنسان بما يستحقه. وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى أى: وزجر نفسه وكفها عن السيئات والمعاصي والميول نحو الأهواء الضالة المضلة. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى أى: فإن الجنة في هذا اليوم، ستكون هي مأواه ومنزله ومستقره ... ثم لقن الله- تعالى- نبيه ﷺ الجواب الذي يرد به على المشركين، الذين كانوا يكثرون من سؤاله عن يوم القيامة، على سبيل الإنكار والاستهزاء، فقال- تعالى-: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها. وأيان: اسم يستفهم به عن تعيين الوقت وتحديده، فهو ظرف زمان متضمن معنى «متى» ومرساها: مصدر ميمى من أرسى الشيء إذا ثبته وأقره، ولا يكاد يستعمل هذا اللفظ إلا في الشيء الثقيل، كما في قوله- تعالى-: وَالْجِبالَ أَرْساها.... ونسبة الإرساء إلى الساعة، باعتبار تشبيه المعاني بالأجسام. و «أيان» خبر مقدم، و «مرساها» مبتدأ مؤخر. والمعنى: يسألك يا محمد هؤلاء القوم عن وقت قيام الساعة، قائلين لك: متى يكون استقرارها وإرساؤها ووقوعها؟. وأطلق على يوم القيامة ساعة لوقوع بغتة، أو لسرعة ما فيه من الحساب، أو لأنه على طوله، زمان يسير عند الله- تعالى-. وقوله- سبحانه-: فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها. إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها واقع موقع الجواب عن سؤالهم عن الساعة، وعن وقت وقوعها. والمقصود بهذا الجواب توبيخهم على إلحاحهم في السؤال عنها، مع أن الأولى بهم كان الاستعداد لها بالإيمان والعمل الصالح. و «ما» في قوله فِيمَ اسم استفهام بمعنى: أى شيء، وهي هنا مستعملة في التعجيب

стр. 6445

من كثرة أسئلتهم عن شيء لا يهمهم حدوثه، وإنما الذي يهمهم- لو كانوا يعقلون- هو حسن الاستعداد له. قال الآلوسى: قوله: فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها إنكار ورد لسؤال المشركين عنها. أى: في أى شيء أنت من أن تذكر لهم وقتها، وتعلمهم به حتى يسألونك بيانها، كقوله- تعالى- يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها فالاستفهام للإنكار. وفيم خبر مقدم، وأنت مبتدأ مؤخر. وقوله مِنْ ذِكْراها على تقدير مضاف، أى: ذكرى وقتها، وهو متعلق بما تعلق به الخبر. وقيل: فِيمَ إنكار لسؤالهم، وما بعده استئناف تعليل للإنكار، وبيان لبطلان السؤال. أى: فيم هذا السؤال، ثم ابتدئ فقيل: أنت من ذكراها. أى: إرسالك وأنت خاتم النبيين ... علامة من علاماتها. «١» . وقوله- تعالى-: إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها أى: إلى ربك وحده منتهى علم قيامها، لأنه- سبحانه- هو وحده- دون غيره- العليم علما تاما بالوقت الذي ستقوم فيه الساعة. ومن الآيات التي وردت في هذا المعنى قوله: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ... وقوله- سبحانه- يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها، قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي، لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ..... وقوله- تعالى-: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها تحديد لوظيفته ﷺ أى: ليست وظيفتك- أيها الرسول الكريم- معرفة الوقت الذي تقوم فيه الساعة، فهذا أمر مرد معرفته إلى الله وحده ... وإنما وظيفتك امتثال ما أمرت به، من بيان اقترابها، وتفصيل أهوالها، ودعوة الناس إلى حسن الاستعداد لها بالإيمان والعمل الصالح ... وإذا كان الأمر كذلك فلماذا ترك هؤلاء الجاهلون ما يجب عليهم من الإيمان والعمل الصالح، وأخذوا يسألونك عن أشياء خارجة عن وظيفتك؟. وخص- سبحانه- الإنذار بمن يخشى قيام الساعة، مع أن رسالته ﷺ إلى الناس كافة. وإنذاره إنما هو لهم جميعا، لأن هؤلاء الذين يخشون وقوعها، ويعملون العمل الصالح الذي ينجيهم من أهوالها، هم الذين ينتفعون بهذا الإنذار. ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة، ببيان حالهم عند قيام الساعة، فقال- تعالى-: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها.
следующие страницы →