بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تفسير سورة العصر
مقدمة وتمهيد
١- سورة «العصر» وتسمى سورة «والعصر» من السور المكية عند جمهور المفسرين، وكان نزولها بعد سورة «الانشراح» وقبل سورة «العاديات» فهي السورة الثالثة عشرة في ترتيب النزول.
وقيل هي مدنية، والمعول عليه الأول، لأنه المنقول عن ابن عباس وابن الزبير وغيرهما، وعدد آياتها ثلاث آيات.
٢- وقد اشتملت على بيان من هم أهل الخسران، ومن هم أهل السعادة.
قال الآلوسى: وهي على قصرها جمعت من العلوم ما جمعت، فقد روى عن الشافعى أنه قال: لو لم ينزل من القرآن غير هذه السورة لكفت الناس، لأنها شملت جميع علوم القرآن.
وأخرج الطبراني في الأوسط، والبيهقي في الشعب عن أبى حذيفة- وكانت له صحبة- أنه قال: كان الرجلان من أصحاب رسول الله ﷺ إذا التقيا لم يتفرقا، حتى يقرأ أحدهما على الآخر، سورة «والعصر» ثم يسلم أحدهما على الآخر ... أى: عند المفارقة «١» .
стр. 6652
التفسير قال الله- تعالى-:
[سورة العصر (١٠٣) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)
وللعلماء أقوال متعددة في المقصود بالعصر هنا فمنهم من يرى أن المقصود به: الدهر كله، لما فيه من العبر التي تدل دلالة واضحة على عظيم قدرة الله- تعالى-، ولما فيه من الأحداث التي يراها الناس بأعينهم، ويعرفونها عن غيرهم ...
فهم يرون ويسمعون كم من غنى قد صار فقيرا، وقوى قد صار ضعيفا، ومسرور قد أصبح حزينا ... ورحم الله القائل:
أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كر الغداة ومر العشى
قال القرطبي: قوله- تعالى-: وَالْعَصْرِ أى: الدهر، قال ابن عباس وغيره.
فالعصر مثل الدهر ... وأقسم به- سبحانه- لما فيه من التنبيه بتصرف الأحوال وتبدلها «١» ...
ومنهم من يرى أن المقصود به: وقت صلاة العصر، وقد صدر صاحب الكشاف تفسيره لهذه الآية بهذا الرأى فقال: أقسم- سبحانه- بصلاة العصر لفضلها، بدليل قوله- تعالى-: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى - وهي صلاة العصر-، وقوله ﷺ : «من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله» ولأن التكليف في أدائها أشق لتهافت الناس في تجاراتهم ومكاسبهم آخر النهار ... «٢» .
ومنهم من يرى أن المراد بالعصر هنا: عصر النبوة. لأفضليته بالنسبة لما سبقه من عصور.
стр. 6653
وقد رجح الإمام ابن جرير القول الأول فقال: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن ربنا أقسم بالعصر، والعصر اسم الدهر، وهو العشى، والليل والنهار ... «١» .
وقوله- سبحانه-: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ... جواب القسم، والمراد بالإنسان:
جنسه ويدخل فيه الكافر دخولا أوليا. والخسر مثل الخسران، كالكفر بمعنى الكفران ...
أى: إن جنس الإنسان لا يخلو من خسران ونقصان وفقدان للربح في مساعيه وأعماله طوال عمره، وإن هذا الخسران يتفاوت قوة وضعفا.
فأخسر الأخسرين هو الكافر الذي أشرك مع خالقه إلها آخر في العبادة، وأقل الناس خسارة هو المؤمن الذي خلط عملا صالحا بآخر سيئا ثم تاب إلى الله- تعالى- توبة صادقة.
وجاء الكلام بأسلوب القسم، لتأكيد المقسم عليه، وهو أن جنس الإنسان في خسر.
وقال- سبحانه- لَفِي خُسْرٍ للإشعار بأن الإنسان كأنه مغمور بالخسر، وأن هذا الخسران قد أحاط به من كل جانب، وتنكير لفظ «خسر» للتهويل. أى: لفي خسر عظيم.
وقوله- سبحانه-: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ... استثناء مما قبله، والمقصود بهذه الآية الكريمة تسلية المؤمنين الصادقين ... وتبشيرهم بأنهم ليسوا من هذا الفريق الخاسر.
وقوله- تعالى-: وَتَواصَوْا فعل ماض، من الوصية وهي تقديم النصح للغير مقرونا بالوعظ.
و «الحق» : هو الأمر الذي ثبتت صحته ثبوتا قاطعا ...
و «الصبر» : قوة في النفس تعينها على احتمال المكاره والمشاق ...
أى: أن جميع الناس في خسران ونقصان ... إلا الذين آمنوا بالله- تعالى- إيمانا حقا، وعملوا الأعمال الصالحات، من صلاة وزكاة وصيام وحج ... وغير ذلك من وجوه الخير، وأوصى بعضهم بعضا بالتمسك بالحق، الذي على رأسه الثبات على الإيمان وعلى العمل الصالح ... وأوصى بعضهم بعضا كذلك بالصبر على طاعة الله- تعالى-، وعلى البلايا والمصائب والآلام ... التي لا تخلو عنها الحياة.
فهؤلاء المؤمنون الصادقون، الذين أوصى بعضهم بعضا بهذه الفضائل ليسوا من بين الناس
стр. 6654
الذين هم في خسران ونقصان، لأن إيمانهم الصادق وعملهم الصالح ... قد حماهم من الخسران ...
قال بعض العلماء: وقد اشتملت هذه السورة الكريمة على الوعيد الشديد، وذلك لأنه- تعالى- حكم بالخسارة على جميع الناس، الا من كان متصفا بهذه الأشياء الأربعة، وهي:
الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، فدل ذلك على أن النجاة معلقة بمجموع هذه الأمور، وأنه كما يجب على الإنسان أن يأتى من الأعمال ما فيه الخير والنفع، يجب عليه- أيضا- أن يدعو غيره إلى الدين، وينصحه بعمل الخير والبر، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحب لأخيه ما يحب لنفسه، وأن يثبت على ذلك، فلا يحيد عنه، ولا يزحزحه عن الدعوة إليه ما يلاقيه من مشاق ... «١» .
نسأل الله- تعالى- أن يجعلنا من أصحاب هذه الصفات.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 6655
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تفسير سورة الهمزة
مقدمة وتمهيد
١- سورة «الهمزة» من السور المكية، وكان نزولها بعد سورة «القيامة» وقبل سورة «المرسلات» وعدد آياتها تسع آيات.
٢- ومن أهم أغراضها: التهديد الشديد لمن يعيب الناس، ويتهكم بهم، ويتطاول عليهم، بسبب كثرة ماله، وجحوده للحق.
وقد ذكروا أن هذه السورة الكريمة نزلت في شأن جماعة من أغنياء المشركين، منهم: الوليد ابن المغيرة، وأمية بن خلف، وأبى بن خلف ... كانوا يؤذون النبي ﷺ وأصحابه، ويشيعون الأقوال السيئة عنهم.
وهذا لا يمنع أن السورة الكريمة تشمل أحكامها كل من فعل مثل هؤلاء المشركين، إذ العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.
стр. 6656
التفسير قال الله- تعالى-:
[سورة الهمزة (١٠٤) : الآيات ١ الى ٩]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مالاً وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤)
وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)
والويل: لفظ يدل على الذم وعلى طلب العذاب والهلكة ... وقيل: اسم لواد في جهنم.
والهمزة من الهمز، بمعنى الطعن في أعراض الناس، ورميهم بما يؤذيهم ...
واللّمزة من اللمز، بمعنى السخرية من الغير، عن طريق الإشارة باليد أو العين أو غيرهما.
قال الجمل: الهمزة واللمزة: هم المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة الباغون العيب للبريء، فعلى هذا هما بمعنى واحد.
وقيل: الهمزة الذي يعيبك في الغيب، واللمزة الذي يعيبك في الوجه وقيل: العكس.
وحاصل هذه الأقوال يرجع إلى أصل واحد، وهو الطعن وإظهار العيب، ويدخل في ذلك من يحاكى الناس في أقوالهم وأفعالهم وأصواتهم ليضحكوا منه ... «١» .
ولفظ «ويل» مبتدأ وساغ الابتداء به مع كونه نكرة، لأنه دعاء عليهم، وقوله: لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ خبره، وهمزة ولمزة وصفان لموصوف محذوف.
стр. 6657
أى: عذاب شديد، وخزي عظيم، لكل من يطعن في أعراض الناس، ويغض من شأنهم، ويحقر أعمالهم وصفاتهم، وينسب إليهم ما هم برآء منه من عيوب.
والتعبير بقوله: هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ يدل على أن تلك الصفات القبيحة، كانت عادة متأصلة فيهم، لأن اللفظ الذي بزنة فعلة- بضم الفاء وفتح العين- يؤتى به للدلالة على أن الموصوف به ديدنه ودأبه الإتيان بهذا الوصف، ومنه قولهم: فلان ضحكة: إذا كان يكثر من الضحك.
كما أن لفظ «فعلة» - بضم الفاء وسكون العين- يؤتى به للدلالة على أن الموصوف به، يكثر أن يفعل به ذلك، ومنه قولهم: فلان ضحكة، إذا كان الناس يكثرون الضحك منه.
وقوله- سبحانه-: الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ زيادة تشنيع وتقبيح للهمزة اللمزة ...
ومعنى «عدده» : جعله عدته وذخيرته، وأكثر من عده وإحصائه لحرصه عليه، والجملة الكريمة في محل نصب على الذم.
أى: عذاب وهلاك لكل إنسان مكثر من الطعن في أعراض الناس، ومن صفاته الذميمة أنه فعل ذلك بسبب أنه جمع مالا كثيرا، وأنفق الأوقات الطويلة في عده مرة بعد أخرى، حبا له وشغفا به وتوهما منه أن هذا المال الكثير هو مناط التفاضل بين الناس.
وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي جَمَعَ- بتشديد الميم- وهو مبالغة في جَمَعَ بتخفيف الميم.
وقوله- تعالى-: يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ، صفة أخرى من صفاته القبيحة، والجملة يصح أن تكون مستأنفة استئنافا بيانيا، جوابا لسؤال مقدر، كأنه قيل: ما باله يجمع المال ويهتم به؟ فكان الجواب: يحسب أن ماله أخلده.
ويصح أن تكون حالا من فاعل «جمع» أى: هذا الجاهل المغرور جمع المال وعدده، حالة كونه يظن أن ماله يخلده في الدنيا، ويجعله في مأمن من حوادث الدهر.
قال الأستاذ الإمام محمد عبده: أى أن الذي يحمل هذا الهمزة اللمزة على الحط من أقدار الناس، هو جمعه المال وتعديده ... فكلما نظر إلى كثرة ما عنده منه، انتفخ وظن أنه من رفعة المكانة، بحيث يكون كل ذي فضل ومزية دونه ... ويظن أن ما عنده من المال، قد حفظ له حياته التي هو فيها، وأرصدها عليه، فهو لا يفارقها إلى حياة أخرى، يعاقب فيها على ما كسب من سيئ الأعمال ... «١» .
стр. 6658
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك سوء عاقبة هذا الجاهل المغرور فقال: كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ، وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ.
و «كلا» حرف زجر وردع، والمراد به هنا إبطال ما توهمه هذا المغرور من حسبانه أن ماله سيخلده. والنبذ: الطرح للشيء والإلقاء به مع التحقير والتصغير من شأنه.
والحطمة من الحطم، وهو كسر الشيء بشدة وقوة، ويقال: رجل حطمة، إذا كان شديدا في تحطيمه وكسره لغيره، والمراد بالحطمة هنا: النار الشديدة الاشتعال: التي لا تبقى على شيء إلا وأحرقته.
أى: كلا ليس الأمر كما زعم هذا الهمزة اللمزة، من أن ماله سيخلده، بل الحق أنه والله ليطرحن بسبب أفعاله القبيحة في النار التي تحطم كل شيء يلقى فيها، والتي لا يعرف مقدار شدتها واشتعالها إلا الله- تعالى-.
فالمقصود بالاستفهام في قوله- تعالى-: وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ تهويل أمر هذه النار، وتفظيع شأنها، وبيان أن كنهها لا تدركه عقول البشر ...
وقوله- سبحانه-: نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ بيان للحطمة وتفصيل لأمرها بعد إبهامها.
أى: الحطمة هي نار الله- تعالى- الشديدة الإحراق، وأضيفت إلى الله- تعالى- لزيادة الترويع والتخويف منها، لأن خالقها- هو الذي لا يعجزه شيء.
وقوله- تعالى-: الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ صفة أخرى من صفات هذه النار، وقوله: تَطَّلِعُ من الاطلاع، بمعنى الوصول إلى الشيء بسرعة، والكشف عن خباياه، والنفاذ إلى منتهاه.
أى: سيلقى بهذا الشقي في نار الله- تعالى- الموقدة، التي تصل إلى أعماق الأفئدة والقلوب، فتحيط بها، وتنفذ إليها، فتحرقها إحراقا تاما.
وخصت الأفئدة التي هي القلوب بالذكر، لأنها ألطف ما في الأبدان وأشدها تألما بأدنى أذى يصيبها، أو لأنها محل العقائد الزائفة، والنيات الخبيثة، ومنشأ الأعمال السيئة، التي استحق هذا الهمزة اللمزة بسببها العقاب الشديد.
ثم وصف- سبحانه- هذه النار بصفة ثالثة فقال: إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ أى: إن هذه النار من صفاتها- أيضا- أنها مطبقة ومغلقة عليهم بحيث لا يستطيعون الخروج منها، فقوله مُؤْصَدَةٌ اسم مفعول من قولك أوصدت الباب، إذا أغلقته بشدة، بحيث لا يستطاع الخروج منه ...
стр. 6659
وقوله- تعالى-: فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ صفة رابعة من صفات هذه النار الشديدة الاشتعال.
وقوله عَمَدٍ- بفتحتين- جمع عمود كأديم وأدم، وقيل: جمع عماد، وقيل: هو اسم جمع لعمود، وليس جمعا له، والمراد بها: الأوتاد التي تشد بها أبواب النار.
وقرأ بعض القراء السبعة: في عمد بضمتين جمع عمود كسرير وسرر.
والممددة: الطويلة الممدودة من أول الباب إلى آخره.
أى: أن هذه النار مغلقة عليهم بأبواب محكمة، هذه الأبواب قد شدت بأوتاد من حديد، تمتد هذه الأوتاد من أول الأبواب إلى آخرها. بحيث لا يستطيع من بداخلها الفكاك منها.
وبذلك نرى السورة الكريمة قد توعدت هؤلاء المغرورين الجاهلين، الطاعنين في أعراض الناس ... بأشد ألوان العقاب، وأكثره إهانة وخزيا لمن ينزل به.
نسأل الله- تعالى- أن يعيذنا من ذلك.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 6660
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تفسير سورة الفيل
مقدمة وتمهيد
١- سورة «الفيل» وسماها بعضهم سورة «ألم تر ... » من السور المكية الخالصة، وعدد آياتها خمس آيات، وكان نزولها بعد سورة «قل يا أيها الكافرون» ، وقبل سورة «القيامة» فهي السورة التاسعة عشرة في ترتيب النزول من بين السور المكية.
٢- ومن أهم مقاصدها تذكير أهل مكة بفضل الله- تعالى- عليهم، حيث منع كيد أعدائهم عنهم، وعن بيته الحرام، وبيان أن هذا البيت له مكانته السامية عنده- تعالى-، وأن من أراده بسوء قصمه الله- تعالى-، وتبشير النبي ﷺ بأنه- سبحانه- كفيل برعايته ونصره على أعدائه، كما نصر أهل مكة على أبرهة وجيشه، وتثبيت المؤمنين على الحق، لكي يزدادوا إيمانا على إيمانهم، وبيان أن الله- سبحانه- غالب على أمره.
٣- وقصة أصحاب الفيل من القصص المشهورة عند العرب، وملخصها: أن أبرهة الأشرم الحبشي أمير اليمن من قبل النجاشيّ ملك الحبشة، بنى كنيسة بصنعاء لم ير مثلها في زمانها ... وأراد أن يصرف الناس من الحج إلى بيت الله الحرام، إلى الحج إليها ... ثم جمع جيشا عظيما قدم به لهدم الكعبة ... فأهلكه الله- تعالى- وأهلك من معه من رجال وأفيال ...
وكانت ولادته ﷺ في هذا العام ... «١» .
стр. 6661
التفسير قال الله- تعالى-:
[سورة الفيل (١٠٥) : الآيات ١ الى ٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤)
فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)
والاستفهام في قوله- تعالى-: أَلَمْ تَرَ ... للتقرير بما تواتر نقله وعلمه ﷺ وعلمه غيره علما مستفيضا ... حتى إن العرب كانوا يؤرخون بتلك الحادثة، فيقولون: هذا الأمر حدث في عام الفيل، أو بعده أو قبله ... والمراد بالرؤية هنا: العلم المحقق.
وعبر- سبحانه- عن العلم بالرؤية، لأن خبر هذه القصة- كما أشرنا كان من الشهرة بمكان، فالعلم الحاصل بها مساو في قوة الثبوت للرؤية والمشاهدة.
والمعنى: لقد علمت- أيها الرسول الكريم- علما لا يخالطه ريب أو لبس، ما فعله ربك بأصحاب الفيل، الذين جاءوا لهدم الكعبة، حيث أهلكناهم إهلاكا شنيعا، كانت فيه العبرة والعظة، والدلالة الواضحة على قدرتنا، وعلى حمايتنا لبيتنا الحرام.
وأوقع- سبحانه- الاستفهام عن كيفية ما أنزله بهم، لا عن الفعل ذاته، لأن الكيفية أكثر دلالة على قدرته- تعالى- وعلى أنه- سبحانه- لا يعجزه شيء.
وفي التعبير بقوله: فَعَلَ رَبُّكَ ... إشارة إلى أن هذا الفعل لا يقدر عليه أحد سواه- سبحانه- فهو الذي ربي نبيه ﷺ وتعهده بالرعاية، وهو الكفيل بنصره على أعدائه، كما نصر أهل مكة، على جيوش الحبشة ... وهم أصحاب الفيل.
ووصفوا بأنهم «أصحاب الفيل» لأنهم أحضروا معهم الفيلة، ليستعينوا بها على هدم الكعبة، وعلى إذلال أهل مكة.
стр. 6662
والاستفهام في قوله- تعالى-: أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ للتقرير- أيضا- أى: لقد جعل الله- تعالى- مكر أصحاب الفيل وسعيهم لتخريب الكعبة، في تَضْلِيلٍ أى: في تخسير وإبطال وتضييع، بأن تبرهم- سبحانه- تتبيرا ودمرهم تدميرا.
والكيد: إرادة وقوع الإضرار بالغير في خفية، وسمى- سبحانه- ما فعله أبرهة وجيشه كيدا، مع أنهم جاءوا لهدم الكعبة جهارا نهارا ... لأنهم كانوا يضمرون من الحقد والحسد والعداوة لأهل مكة، أكثر مما كانوا يظهرونه، فهم- كما قال- تعالى-: قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ، وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ....
والمقصود بالتضليل هنا: التضييع والإبطال. تقول: ضللت كيد فلان، إذا جعلته باطلا ضائعا.
ثم بين- سبحانه- مظاهر إبطاله لكيدهم فقال: وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ.
والطير: اسم جمع لكل ما من شأنه أن يطير في الهواء، وتنكيره للتنويع والتهويل، والأبابيل: اسم جمع لا واحد له من لفظه، وقيل هو جمع إبّالة، وهي حزمة الحطب الكبيرة، شبهت بها الجماعة من الطير في تضامنها وتلاصقها.
أى: لقد جعل الله- تعالى- كيد هؤلاء المعتدين في تضييع وتخسير ... بأن أرسل إليهم جماعات عظيمة من الطير، أتتهم من كل جانب في تتابع، فكانت سببا في إهلاكهم والقضاء عليهم ... وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ.
وجملة: «ترميهم بحجارة من سجيل» بيان لما فعلته تلك الطيور بإذن الله- تعالى-، وهي حال من قوله طَيْراً، والسجيل: الطين اليابس المتحجر ...
قال بعض العلماء: قوله: تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ أى: من طين متحجر محرق.
أو بحجارة من جملة العذاب المكتوب المدون في السجيل، وهو الديوان الذي كتب فيه عذاب الكفار، كما أن السجيل هو الديوان الذي كتبت فيه أعمالهم. واشتقاقه من الإسجال بمعنى الإرسال.
وعن عكرمة: كانت ترميهم بحجارة معها كالحمّصة، فإذا أصاب أحدهم حجر منها، خرج به الجدري، وكان ذلك أول يوم رئي فيه الجدري بأرض العرب.
وقال ابن عباس: كان الحجر إذا وقع على أحدهم نفط جلده أى: احترق-، فكان ذلك أول الجدري. وقيل: إن أول ما رؤيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام.
وقال ابن جزى في تفسيره: إن الحجر كان يدخل من رأس أحدهم ويخرج من أسفله.
стр. 6663
ووقع في سائرهم الجدري والأسقام، وانصرفوا وماتوا في الطريق متفرقين، وتمزق أبرهة قطعة قطعة ... «١» .
وقوله- سبحانه- فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ بيان للآثار الفظيعة التي ترتبت على ما فعلته الحجارة التي أرسلتها الطيور عليهم بإذن الله- تعالى-.
والعصف: ورق الزرع الذي يبقى في الأرض بعد الحصاد وتعصفه الرياح فتأكله الحيوانات. أو هو التبن الذي تأكله الدواب.
أى: سلط الله- تعالى- عليهم طيرا ترميهم بحجارة من طين متحجر، فصاروا بسبب ذلك صرعى هالكين، حالهم في تمزقهم وتناثرهم كحال أوراق الأشجار اليابسة أو التبن الذي تأكله الدواب.
وهكذا نرى السورة الكريمة قد ساقت من مظاهره قدرة الله- تعالى- ما يزيد المؤمنين إيمانا على إيمانهم، وثباتا على ثباتهم، وما يحمل الكافرين على الاهتداء إلى الحق، والإقلاع عن الشرك والجحود لو كانوا يعقلون.
نسأل الله- تعالى- أن يجعلنا من عباده الشاكرين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 6664
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تفسير سورة قريش
مقدمة وتمهيد
١- سورة «قريش» تسمى- أيضا- سورة «لإيلاف قريش» وهي من السور المكية عند جماهير العلماء، وقيل مدنية، والأول أصح لأنه المأثور عن ابن عباس وغيره، وعدد آياتها أربع آيات، وعند الحجازيين خمس آيات.
وكان نزولها بعد سورة «التين» وقبل سورة «القارعة» ، فهي السورة التاسعة والعشرون في ترتيب النزول.
٢- ومن أهدافها: تذكير أهل مكة بجانب من نعم الله- تعالى- عليهم لعلهم عن طريق هذا التذكير يفيئون إلى رشدهم، ويخلصون العبادة لخالقهم وما نحهم تلك النعم العظيمة.
стр. 6665
التفسير قال الله- تعالى-:
[سورة قريش (١٠٦) : الآيات ١ الى ٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
لِإِيلافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)
والإيلاف: مصدر آلفت الشيء إيلافا و «إلفا» إذا لزمته وتعودت عليه. وتقول: آلفت فلانا الشيء، إذا ألزمته إياه. والإيلاف- أيضا- اجتماع الشمل مع الالتئام، ومنه قوله- تعالى-: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً....
ولفظ «إيلاف» مضاف لمفعوله وهو قريش، والفاعل هو الله- تعالى-: و «قريش» هم ولد النضر بن كنانة- على الأرجح- وهو الجد الثالث عشر للنبي ﷺ .
قال القرطبي ما ملخصه: وأما قريش فهم بنو النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس، بن مضر، فكل من كان من ولد النضر فهو قرشي.
وسموا قريشا، لتجمعهم بعد التفرق، إذ التقرش: التجمع والالتئام ... أو سموا بذلك لأنهم كانوا تجارا يأكلون من مكاسبهم، والتقرش: التكسب، ويقال: قرش فلان يقرش قرشا- كقتل-، إذا كسب المال وجمعه ... «١» .
وقوله: إِيلافِهِمْ بدل أو عطف بيان من قوله لِإِيلافِ قُرَيْشٍ، وهو من أسلوب الإجمال فالتفصيل للعناية بالخبر، ليتمكن في ذهن السامع كما في قوله- تعالى-:
لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ، أَسْبابَ السَّماواتِ....
стр. 6666
واللام في قوله- تعالى-: لِإِيلافِ ... للتعليل. والجار والمجرور متعلق بقوله- تعالى-: لْيَعْبُدُوا ...
. وتقدير الكلام: من الواجب على أهل مكة أن يخلصوا العبادة لله- تعالى- لأنه- سبحانه- هو الذي جمعهم بعد تفرق، وألف بينهم، وهيأ لهم رحلتين فيهما ما فيهما من النفع والأمن.
وزيدت الفاء في قوله- تعالى-: لْيَعْبُدُوا ...
لما في الكلام من معنى الشرط، فكأنه- سبحانه- يقول لهم: إن لم تعبدونى من أجل نعمى التي لا تحصى، فاعبدوني من أجل أنى جعلتكم تألفون هاتين الرحلتين النافعتين في أمان واطمئنان، وأنى جمعت شملكم، وألفت بينكم ...
قال صاحب الكشاف: «لإيلاف قريش» متعلق بقوله: لْيَعْبُدُوا
أمرهم أن يعبدوه لأجل إيلافهم الرحلتين.
فإن قلت: فلم دخلت الفاء؟ قلت: لما في الكلام من معنى الشرط، لأن المعنى: إما لا فليعبدوه لإيلافهم. على معنى أن نعم الله عليهم لا تحصى، فإن لم يعبدوه لسائر نعمه، فليعبدوه لهذه الواحدة التي هي نعمة ظاهرة.
وقيل المعنى: اعجبوا لإيلاف قريش. وقيل هو متعلق بما قبله- في السورة السابقة- أى: فجعلهم كعصف مأكول. لإيلاف قريش، وهذا بمنزلة التضمين في الشعر، وهو أن يتعلق معنى البيت بالذي قبله ... «١» .
وقوله- سبحانه-: رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ بيان لمظهر من مظاهر هذا الإيلاف الذي منحه- سبحانه- لهم، والرحلة هنا: اسم لارتحال القوم من مكان إلى آخر، ولفظ «رحلة» منصوب على أنه مفعول به لقوله إِيلافِهِمْ ...
والمراد بهذه الرحلة: ارتحالهم في الشتاء إلى بلاد اليمن، وفي الصيف إلى بلاد الشام، من أجل التجارة، واجتلاب الربح. واستدرار الرزق، والاستكثار من القوت واللباس وما يشبههما من مطالب الحياة.
وقيل: المراد برحلة الشتاء والصيف: رحلة الناس إليهم في الشتاء والصيف للحج والعمرة، فقد كان الناس يأتون إلى مكة في الشتاء والصيف لهذه الأغراض، فيجد أهل مكة من وراء ذلك الخير والنفع، كما قال- تعالى-: لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ.
وبعد أن ذكرهم- سبحانه- بنعمه أمرهم بشكره، فقال: لْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ ...
стр. 6667
أى: إن كان الأمر كما ذكرنا لهم، فليخلصوا العبادة لله- تعالى- الذي حمى لهم البيت الحرام، والكعبة المشرفة، ممن أرادهما بسوء..
الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ أى: الذي وسع لهم الرزق، ومهد لهم سبيله، عن طريق الوفود التي تأتى إليهم من مشارق الأرض ومغاربها.
وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ أى: والذي أوجد لهم الأمن بعد الخوف، والسعة بعد الضيق، ببركة هذا البيت الحرام.
وتنكير «جوع» و «خوف» للتعظيم، أى: أطعمهم بدلا من جوع شديد، وآمنهم بدلا من خوف عظيم، كانوا معرضين لهما، وذلك كله من فضله- سبحانه- عليهم، ومن رحمته بهم، حيث أتم عليهم نعمتين بهما تكمل السعادة، ويجتمع السرور.
ومن الآيات التي تشبه هذه الآية قوله- تعالى-: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ....
وقوله- سبحانه-: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً ...
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 6668
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تفسير سورة الماعون
مقدمة وتمهيد
١- سورة «الماعون» تسمى- أيضا- سورة «أرأيت» وسورة «الدين» وسورة «التكذيب» وهي مكية في قول الجمهور، وقيل: هي مدنية ...
قال الآلوسى: هي مكية في قول الجمهور ... وروى عن قتادة والضحاك أنها مدنية، وقال هبة الله المفسر الضرير: نزل نصفها- الأول- بمكة في العاص بن وائل، ونصفها- الثاني- بالمدينة في عبد الله بن أبى المنافق.
وعدد آياتها سبع آيات في المصحف العراقي، وست في المصاحف الباقية ... «١» .
٢- ومن أهدافها: التعجيب من حال المشركين، الذين كذبوا بالبعث، واعتدوا على اليتامى، وبخلوا بما آتاهم الله- تعالى- من فضله، وهجروا الصلاة، ومنعوا الزكاة.
стр. 6669
التفسير قال الله- تعالى-:
[سورة الماعون (١٠٧) : الآيات ١ الى ٧]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤)
الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ (٧)
فالاستفهام في قوله- سبحانه- أَرَأَيْتَ للتعجيب من حال هذا الإنسان الذي بلغ النهاية في الجهالة والجحود ... ولتشويق السامع إلى ما سيذكر بعد هذا الاستفهام.
والخطاب للرسول ﷺ ولكل من يصلح له. أى: أخبرنى- أيها الرسول الكريم- أرأيت وعرفت أسوأ وأعجب من حال هذا الإنسان الذي يكذب بيوم الدين، أى: بيوم البعث والجزاء والحساب وينكر ما جئت به من عند ربك من حق وهداية.
مما لا شك فيه أن حال هذا الإنسان من أعجب الأحوال، وعاقبته من أسوأ العواقب ...
والرؤية في قوله أَرَأَيْتَ يحتمل أن تكون بصرية، فتتعدى لواحد هو الاسم الموصول، كأنه- تعالى- قال: أأبصرت أسوأ وأعجب من هذا المكذب بيوم الدين.
ويحتمل أن تكون علمية، فتتعدى لاثنين، أولهما: الاسم الموصول والثاني: محذوف، والتقدير: أعرفت الذي يكذب بالدين من هو؟ إننا نحن الذين نعرفك صفاته، وهي:
فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ أى: فذلك الذي يكذب بالبعث والحساب والجزاء، من أبرز صفاته القبيحة. أنه «يدع اليتيم» أى: يقسو عليه، ويزجره زجرا عنيفا، ويسد كل باب خير في وجهه، ويمنع كل حق له ...
стр. 6670
فقوله: يَدُعُّ من الدع وهو الدفع الشديد، والتعنيف الشنيع للغير ...
وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ أى: أن من صفاته الذميمة- أيضا- أنه لا يحث أهله وغيرهم من الأغنياء على بذل الطعام للبائس المسكين، وذلك لشحه الشديد، واستيلاء الشيطان عليه، وانطماس بصيرته عن كل خير.
وفي هذه الآية والتي قبلها دلالة واضحة على أن هذا الإنسان المكذب بالدين قد بلغ النهاية في السوء والقبح، فهو لقسوة قلبه لا يعطف على يتيم، بل يحتقره ويمنع عنه كل خير، وهو لخبث نفسه لا يفعل الخير، ولا يحض غيره على فعله، بل يحض على الشرور والآثام.
ولما كانت هذه الصفات الذميمة، لا تؤدى إلى إخلاص أو خشوع لله- تعالى- وإنما تؤدى إلى الرياء وعدم المبالاة بأداء التكاليف التي أوجبها- سبحانه- على خلقه ...
لما كان الأمر كذلك، وصف- سبحانه- هؤلاء المكذبين بالبعث والجزاء بأوصاف أخرى، فقال: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ. الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ. الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ.
والفاء في قوله: فَوَيْلٌ للتفريع والتسبب، والويل: الدعاء بالهلاك والعذاب الشديد.
وهو مبتدأ، وقوله لِلْمُصَلِّينَ خبره، والمراد بالسهو هنا: الغفلة والترك وعدم المبالاة ...
أى: فهلاك شديد، وعذاب عظيم، لمن جمع هذه الصفات الثلاث، بعد تكذيبه بيوم الدين، وقسوته على اليتيم، وامتناعه عن إطعام المسكين.
وهذه الصفات الثلاث أولها: الترك للصلاة، وعدم المبالاة بها، والإخلال بشروطها وأركانها وسننها وآدابها.
وثانيها: أداؤها رياء وخداعا لا عن إخلاص وطاعة لله رب العالمين كما قال- تعالى-:
إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ، وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى. يُراؤُنَ النَّاسَ، وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا.
وثالثها: منع الماعون: أى منع الخير والمعروف والبر عن الناس. فالمراد بمنع الماعون:
منع كل فضل وخير عن سواهم. فلفظ «الماعون» أصله «معونة» والألف عوض من الهاء «١» . والعون: هو مساعدة الغير على بلوغ حاجته ... فالمراد بالماعون: ما يستعان به على
стр. 6671
قضاء الحوائج، من إناء أو فأس، أو نار، أو ما يشبه ذلك.
ومنهم من يرى أن المراد بالماعون هنا: الزكاة، لأنه جرت عادة القرآن الكريم أن يذكر الزكاة بعد الصلاة.
قال الإمام ابن كثير: قوله: وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ أى: لا أحسنوا عبادة ربهم، ولا أحسنوا إلى خلقه، حتى ولا بإعارة ما ينتفع به، ويستعان به، مع بقاء عينه ورجوعه إليهم، فهؤلاء لمنع الزكاة ومنع القربات أولى وأولى ...
وسئل ابن مسعود عن الماعون فقال: هو ما يتعاوره الناس بينهم من الفأس والقدر ... «١» .
وهكذا نرى السورة الكريمة قد ذمت المكذبين بيوم الدين ذما شديدا حيث وصفتهم بأقبح الصفات وأشنعها.
نسأل الله- تعالى- أن يعيذنا من ذلك.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 6672
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تفسير سورة الكوثر
مقدمة وتمهيد
سورة «الكوثر» وتسمى- أيضا- سورة «النحر» ، تعتبر أقصر سورة في القرآن الكريم، وهي من السور المكية عند الجمهور، وقيل مدنية.
قال بعض العلماء: والأظهر أن هذه السورة مدنية، وعلى هذا سنسير في تفسير آياتها، وعلى القول بأنها مكية عددها الخامسة عشرة، في عداد نزول السور، نزلت بعد سورة «العاديات» ، وقيل سورة «التكاثر» ، وعلى القول بأنها مدنية، فقد قيل إنها نزلت في الحديبية. وعدد آياتها ثلاث آيات بالاتفاق «١» .
والسورة الكريمة بشارة للنبي ﷺ بأن الله- تعالى- سيعطيه الخير الجزيل، والذكر الخالد.
стр. 6673
التفسير قال الله- تعالى-:
[سورة الكوثر (١٠٨) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)
والكوثر: فوعل من الكثرة، مثل النّوفل من النفل، ومعناه: الشيء البالغ في الكثرة حد الإفراط، والعرب تسمى كل شيء كثر عدده، وعظم شأنه: كوثرا، وقد قيل لأعرابية بعد رجوع ابنها من سفر: بم آب ابنك؟ قالت: آب بكوثر. أى: بشيء كثير.
قال الإمام القرطبي ما ملخصه: واختلف أهل التأويل في الكوثر الذي أعطيه النبي ﷺ على ستة عشر قولا: الأول: أنه نهر في الجنة، رواه البخاري عن أنس، ورواه الترمذي- أيضا- عن ابن عمر ... الثاني: أنه حوض للنبي ﷺ في الموقف ...
الثالث: أنه النبوة والكتاب ... الرابع: أنه القرآن ... الخامس: الإسلام.
ثم قال- ﵀ قلت: أصح هذه الأقوال الأول والثاني، لأنه ثابت عن النبي ﷺ نص في الكوثر ... وجميع ما قيل بعد ذلك في تفسيره قد أعطيه ﷺ زيادة على حوضه ... » «١» .
وافتتح- سبحانه- الكلام بحرف التأكيد، للاهتمام بالخبر، وللإشعار بأن المعطى شيء عظيم ... أى: إنا أعطيناك بفضلنا وإحساننا- أيها الرسول الكريم- الكوثر، أى: الخير الكثير الذي من جملته هذا النهر العظيم، والحوض المطهر ... فأبشر بذلك أنت وأمتك، ولا تلتفت إلى ما يقوله أعداؤك في شأنك.
والفاء في قوله- تعالى-: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ لترتيب ما بعدها على ما قبلها، والمراد بالصلاة: المداومة عليها.
стр. 6674
أى: ما دمنا قد أعطيناك هذه النعم الجزيلة، فداوم على شكرك لنا، بأن تواظب على أداء الصلاة أداء تاما، وبأن تجعلها خالصة لربك وخالقك، وبأن تواظب- أيضا- على نحرك الإبل تقربا إلى ربك. كما قال- سبحانه- قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ.
ثم بشره- سبحانه- ببشارة أخرى فقال: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ والشانئ:
هو المبغض لغيره، يقال: شنأ فلان شنئا، إذا أبغضه وكرهه.
والأبتر في الأصل: هو الحيوان المقطوع الذنب، والمراد به هنا: الإنسان الذي لا يبقى له ذكر. ولا يدوم له أثر ...
شبه بقاء الذكر الحسن بذنب الحيوان، لأنه تابع له وهو زينته، وشبه الحرمان من ذلك ببتر الذيل وقطعه.
والمعنى: إن مبغضك وكارهك- أيها الرسول الكريم- هو المقطوع عن كل خير، والمحروم من كل ذكر حسن.
قال الإمام ابن كثير: «كان العاص بن وائل إذا ذكر رسول الله ﷺ قال: دعوه فإنه رجل أبتر لا عقب له، فإذا هلك انقطع ذكره، فأنزل الله- تعالى- هذه السورة.
وقال السدى: كانوا إذا مات ذكور الرجل قالوا: بتر، فلما مات أبناء النبي ﷺ قالوا: بتر محمد فأنزل الله هذه الآية.
وهذا يرجع إلى ما قلناه من أن الأبتر إذا مات انقطع ذكره، فتوهموا لجهلهم أنه إذا مات بنوه ينقطع ذكره، وحاشا وكلا، بل أبقى الله ذكره على رءوس الأشهاد، وأوجب شرعه على رقاب العباد، مستمرا على دوام الآباد، إلى يوم الحشر والمعاد، صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم التناد ...
نسأل الله- تعالى- أن يجعلنا من أهل شفاعته يوم القيامة.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 6675
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تفسير سورة الكافرون
مقدمة وتمهيد
١- سورة «الكافرون» تسمى- أيضا- سورة «المقشقشة» أى: المبرئة من الشرك، وسورة «العبادة» وسورة «الدين» .
وهي من السور المكية عند الجمهور، وكان نزولها بعد سورة «الماعون» وقبل سورة «الفيل» .
وقيل: إنها مدنية، وعدد آياتها ست آيات.
٢- وقد ذكروا في سبب نزولها روايات منها ما ذكره ابن إسحاق عن ابن عباس، أن جماعة من زعماء المشركين أتوا إلى النبي ﷺ فقالوا له: هلم فلنعبد إلهك مدة، وأنت تعبد آلهتنا مدة، فيحصل بذلك الصلح بيننا وبينك ... فنزلت هذه السورة.
٣- وقد ذكر الإمام ابن كثير بعض الأحاديث التي تدل على أن النبي ﷺ كان يقرأ بها كثيرا في صلاة ركعتي الفجر، ومن ذلك ما أخرجه مسلم من حديث أبى هريرة، أن رسول الله ﷺ كان يقرأ سورة «الكافرون» وسورة «قل هو الله أحد» في ركعتي الفجر ... «١» .
стр. 6676
التفسير قال الله- تعالى-:
[سورة الكافرون (١٠٩) : الآيات ١ الى ٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٣) وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (٤)
وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)
أى: قل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء المشركين الذين جاءوك ليساوموك على أن تعبد آلهتهم مدة، وهم يعبدون إلهك مدة أخرى ... قل لهم على سبيل الحزم والتأكيد «لا أعبد» أنا الذي تعبدونه من آلهة باطلة، ولا أنتم عابدون الإله الحق الذي أعبده، لجهلكم وجحودكم.
وعكوفكم على ما كان عليه آباؤكم من ضلال.
وافتتحت السورة الكريمة بفعل الأمر «قل» للاهتمام لما سيأتى بعده من كلام المقصود منه إبلاغه إليهم، وتكليفهم بالعمل به.
ونودوا بوصف الكافرين، لأنهم كانوا كذلك، ولأن في هذا النداء تحقيرا واستخفافا بهم.
و «ما» هنا موصولة بمعنى الذي، وأوثرت على «من» لأنهم ما كانوا يشكون في ذات الآلهة التي يعبدونها، ولا في ذات الإله الحق الذي يعبده النبي ﷺ ، وإنما كانوا يشكون في أوصافه- تعالى-، من زعمهم أن هذه الأصنام ما يعبدونها إلا من أجل التقرب إليه.
ويقولون: هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ مع أن الله- تعالى- منزه عن ذلك، فالمقصود من «ما» هنا: الصفة، وليس الذات، فكأنه قال: لا أعبد الباطل الذي تعبدونه، وأنتم لجهلكم لا تعبدون الإله الحق الذي أعبده.
وقوله- تعالى-: وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ، وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ تأكيد وتقرير لما اشتمل عليه الكلام السابق ... «وما» هنا مصدرية، فكأنه قبل: ولا أنا عابد عبادتكم، ولا أنتم عابدون عبادتي.
стр. 6677
فالآيتان السابقتان تنفيان الاتحاد بينه ﷺ وبينهم في المعبود، وهاتان الآيتان تنفيان الاتحاد في العبادة، والمقصود من ذلك المبالغة التامة في البراءة من معبوداتهم الباطلة، ومن عبادتهم الفاسدة، وأنه ﷺ ومن معه من المؤمنين، لا يعبدون إلا الله- ، وهم بذلك يكونون قد اهتدوا إلى العبادة الصحيحة.
وقوله- تعالى-: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ تذييل مؤكد لما قبله. والدين: يطلق بمعنى العقيدة التي يعتقدها الإنسان ويدين بها، وبمعنى الملة التي تجرى أقواله وأفعاله على مقتضاها، وبمعنى الحساب والجزاء. ومنه قولهم: دنت فلانا بما صنع، أى: جازيته على صنيعه.
واللفظ هنا شامل لكل ذلك، أى: لكم- أيها الكافرون- دينكم وعقيدتكم التي تعتقدونها ولا تتجاوزكم إلى غيركم من المؤمنين الصادقين، فضلا عن رسولهم ومرشدهم ﷺ ، ولى ديني وعقيدتي التي هي عقيدة التوحيد، والتي بايعنى عليها أتباعى المؤمنون، وهي مقصورة علينا، وأنتم محرومون منها، وسترون سوء عاقبة مخالفتكم لي.
وقدم- سبحانه- المسند على المسند إليه، لإفادة القصد والاختصاص فكأنه قيل: لكم دينكم لا لغيركم، ولى ديني لا لغيري والله- تعالى- هو أحكم الحاكمين بيني وبينكم.
وبذلك نرى السورة الكريمة، قد قطعت كل أمل توهم الكافرون عن طريقه الوصول إلى مهادنة النبي ﷺ ، وإلى الاستجابة لشيء من مطالبهم الفاسدة، وإنما هو ﷺ برىء براءة تامة منهم ومن معبوداتهم وعباداتهم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 6678
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تفسير سورة النصر
مقدمة وتمهيد
١- سورة «النصر» تسمى- أيضا- سورة: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وتسمى سورة «التوديع» وهي من السور المدنية، قيل: نزلت عند منصرف النبي ﷺ من غزوة خيبر، وقيل: نزلت بمنى في أيام التشريق، والنبي ﷺ في حجة الوداع، وقيل نزلت عند منصرفه ﷺ من غزوة حنين.
وكان نزولها بعد سورة «الحشر» وقبل سورة «النور» ، وهي ثلاث آيات.
٢- وقد تضافرت الأخبار رواية وتأويلا، على أن هذه السورة تومئ إلى قرب نهاية أجل النبي ﷺ .
وقد ذكر الإمام ابن كثير جملة من الآثار في هذا المعنى منها ما أخرجه البيهقي عن ابن عباس قال: لما نزلت سورة إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، دعا رسول الله ﷺ فاطمة وقال: «قد نعيت إلىّ نفسي» فبكت ثم ضحكت، وقالت: أخبرنى أنه نعيت إليه نفسه فبكيت، ثم قال: «اصبري فإنك أول أهلى لحاقا بي» فضحكت.
وأخرج البخاري عن ابن عباس، قال: كان عمر- رضى الله عنه- يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم قد وجد في نفسه- أى: تغير وغضب- وقال: لماذا يدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله، فقال عمر: إنه ممن علمتم. فدعاهم ذات يوم فأدخله معهم ... فقال: ما تقولون في قوله- تعالى- إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره، إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فقال ... عمر: أكذلك تقول
стр. 6679
يا بن عباس؟ فقلت: لا، فقال: ما تقول؟ فقلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له ... فقال عمر: لا أعلم منها إلا ما تقول.
وأخرج الطبراني عن ابن عباس أنه قال: آخر سورة نزلت من القرآن هذه السورة «١» .
٣- والسورة الكريمة وعد منه- تعالى- لنبيه ﷺ بالنصر والفتح وبشارة بدخول أفواج الناس في دين الله، وأمر منه- سبحانه- بالمواظبة على حمده واستغفاره.
стр. 6680
التفسير قال الله- تعالى-:
[سورة النصر (١١٠) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً (٣)
والنصر: التغلب على العدو، والإعانة على بلوغ الغاية، ومنه قولهم: قد نصر الغيث الأرض، أى: أعان على إظهار نباتها.
والمراد به هنا: إعانة الله- تعالى- لنبيه ﷺ على أعدائه، حتى حقق له النصر عليهم.
والفتح: يطلق على فتح البلاد عنوة والتغلب على أهلها، ويطلق على الفصل والحكم بين الناس، ومنه قوله- تعالى-: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ.
والمراد به: هنا فتح مكة. وما ترتب عليه من إعزاز الدين، وإظهار كلمة الحق.
قال الإمام ابن كثير: والمراد بالفتح هنا فتح مكة قولا واحدا، فإن أحياء العرب كانت تتلوم- أى: تنتظر- بإسلامها فتح مكة، يقولون: إن ظهر على قومه فهو نبي، فلما فتح الله عليه مكة، دخلوا في دين الله أفواجا، فلم تمض سنتان حتى استوسقت- أى:
اجتمعت- جزيرة العرب على الإيمان، ولم يبق في سائر قبائل العرب إلا مظهر للإسلام، ولله الحمد والمنة.
والأفواج: جمع فوج، وهو الجماعة والطائفة من الناس وقوله فَسَبِّحْ جواب إذا.
والمعنى: إذا أتم الله- عليك- أيها الرسول الكريم- وعلى أصحابك النصر، وصارت
стр. 6681
لكم الكلمة العليا على أعدائكم، وفتح لكم مكة، وشاهدت الناس يدخلون في دين الإسلام، جماعات ثم جماعات كثيرة بدون قتال يذكر.
إذا علمت ورأيت كل ذلك، فداوم وواظب على تسبيح ربك، وتنزيهه عن كل مالا يليق به شكرا له على نعمه، وداوم- أيضا- على طلب مغفرته لك وللمؤمنين.
إِنَّهُ كانَ وما زال تَوَّاباً أى: كثير القبول لتوبة عباده التائبين إليه، كما قال- سبحانه-: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ، وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ.
نسأل الله- تعالى- أن يجعلنا من عباده التائبين توبة صادقة نصوحا.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 6682
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تفسير سورة المسد
مقدمة وتمهيد
١- سورة «المسد» تسمى- أيضا- بسورة «تبت» ، وبسورة «أبى لهب» ، وبسورة «اللهب» وهي من أوائل السور التي نزلت بمكة، فهي السورة السادسة في ترتيب النزول، وكان نزولها بعد سورة «الفاتحة» ، وقبل سورة «الكوثر» وهي خمس آيات.
٢- وقد ذكروا في سبب نزول هذه السورة روايات منها: ما أخرجه البخاري عن ابن عباس، أن النبي ﷺ خرج إلى البطحاء فصعد الجبل فنادى: «يا صباحاه» وهي كلمة ينادى بها للإنذار من عدو قادم- فاجتمعت إليه قريش، فقال-: «أرأيتم إن حدثتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أكنتم تصدقوني؟ قالوا: نعم. قال: «فإنى نذير لكم بين يدي عذاب شديد» .
فقال أبو لهب: ألهذا جمعتنا؟ تبا لك، فأنزل الله- تعالى- هذه السورة.
وفي رواية: أنه قام ينفض يديه وجعل يقول للرسول ﷺ : تبا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا، فأنزل الله- تعالى- هذه السورة» «١» .
وأبو لهب: هو أحد أعمام النبي ﷺ واسمه عبد العزى بن عبد المطلب بن هاشم ... وامرأته هي: أروى بنت حرب بن أمية، وكنيتها أم جميل.
روى أنها لما سمعت ما نزل في زوجها وفيها من قرآن، أتت رسول الله ﷺ ، وهو
стр. 6683
جالس في المسجد عند الكعبة ومعه أبو بكر الصديق، وفي يدها فهر- أى: حجر- فلما وقفت أخذ الله- تعالى- بصرها عن رسوله ﷺ فقالت: يا أبا بكر، بلغني أن صاحبك يهجونى، والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه ... ثم انصرفت، فقال أبو بكر:
يا رسول الله أما تراها رأتك؟ فقال ﷺ : «ما رأتنى، لقد أخذ الله بصرها عنى» «١» .
стр. 6684
التفسير قال الله- تعالى-:
[سورة المسد (١١١) : الآيات ١ الى ٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ (٢) سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤)
فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)
ومعنى تَبَّتْ هلكت وخسرت، ومنه قوله- تعالى-: وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ وقوله- سبحانه-: وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ.
وقوله: وَتَبَّ أى: وقد تب وهلك وخسر، فالجملة الأولى دعاء عليه بالهلاك والخسران، والجملة الثانية: إخبار عن أن هذا الدعاء قد استجيب، وأن الخسران قد نزل به فعلا.
أى: خسرت وخابت يدا أبى لهب، وقد نزل هذا الهلاك والخسران به، بسبب عداوته الشديدة للحق، الذي جاء به النبي ﷺ من عند ربه- سبحانه-.
والمراد باليدين هنا: ذاته ونفسه، من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل، كما في قوله- تعالى-: ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ.
ويجوز أن يكون المراد باليدين حقيقتهما، وذلك لأنه كان يقول: يعدني محمد ﷺ بأشياء، لا أدرى أنها كائنة، يزعم أنها بعد الموت، فلم يضع في يدي شيء من ذلك، ثم ينفخ في يديه ويقول: تبا لكما ما أرى فيكما شيئا.
وقوله- سبحانه-: ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ كلام مستأنف للانتقال من ذمه والدعاء عليه بالهلاك، إلى بيان أن ماله وجاهه ... لن يغنى عنه من عذاب الله- تعالى- شيئا.
стр. 6685
أى: أن أبا لهب لن يغنى عنه ماله الكثير، وكسبه الوفير من حطام الدنيا ... لن يغنى عنه شيئا من عذاب الله- تعالى-، أو شيئا من انتشار رسالة الله- تعالى- في الأرض، فإن الله- سبحانه- ناصر نبيه ﷺ ومؤيده بروح منه.
والتعبير بالماضي في قوله: ما أَغْنى ... لتحقيق وقوع عدم الإغناء.
والراجح أن «ما» الأولى نافية، والثانية موصولة. أى: ما أغنى عنه شيئا ماله الذي ورثه عن أبيه، وأيضا ما أغنى عنه شيئا ماله الذي جمعه واكتسبه هو بنفسه عن طريق التجارة وغيرها.
وقوله- سبحانه-: سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ بيان للعاقبة السيئة التي تنتظره، بعد هذا الذم والتأنيب والوعيد. أى: سيلقى بأبى لهب في نار شديدة الحرارة، تشوى الوجوه والأبدان، ووصف- سبحانه- النار بأنها «ذات لهب» لزيادة تقرير المناسبة بين اسمه وكفره، إذ هو معروف بأبى لهب، والنار موصوفة بأنها ذات لهب شديد.
ثم أعقب- سبحانه- ذلك، بذم زوجه التي كانت تشاركه العداوة لرسول الله ﷺ فقال: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ، فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ.
وقوله: وَامْرَأَتُهُ معطوف على الضمير المستتر العائد على أبى لهب في قوله سَيَصْلى، وانتصاب لفظ «حمالة» على الذم بفعل مضمر، لأن المقصود به هنا الذم، وقرأ الجمهور حَمَّالَةَ- بالرفع- على أنه صفة لها، أو خبر لمبتدأ محذوف، أى: هي حمالة الحطب.
والمقصود بقوله- تعالى- حَمَّالَةَ الْحَطَبِ الحقيقة، فقد روى أنها كانت تحمل بنفسها حزمة الشّوك والحسك والسّعدان، فتنثرها بالليل في طريقه ﷺ ، لإيذائه به، ويصح أن يكون المراد بهذه الجملة الكناية عن مشيها بين الناس بالنميمة، وإشاعة السوء حول الرسول ﷺ فإنه يقال لمن يمشى بالنميمة ليفسد بين الناس، إنسان يحمل الحطب بين الناس، أى: أنه يفسد بينهم.
ويصح أن يكون المقصود بهذه الجملة، حملها للذنوب والخطايا، من قولهم: فلان يحطب على ظهره، إذا كان يكتسب الذنوب والخطايا، فاستعير الحطب لذلك.
وقد رجح الإمام ابن جرير القول الأول، لأنها كانت تحمل الشوك فتطرحه في طريق النبي ﷺ «١» .
стр. 6686
وقوله- سبحانه-: فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ زيادة في تبشيع صورتها، وتحقير هيئتها.
والجيد: العنق، والمسد: الليف المتين الذي فتل بشدة، يقال: حبل ممسود، أى مفتول فتلا قويا.
والمعنى: سيصلى أبو لهب نارا شديدة، وستصلى معه امرأته التي تضع الشوك في طريق النبي ﷺ هذه النار المشتعلة- أيضا-، وسيزيد الله- تعالى- في إذلالها وتحقيرها، بأن يأمر ملائكته بأن تضع في عنقها حبلا مفتولا فتلا قويا، على سبيل الإذلال والإهانة لها، لأنها كانت في الدنيا تزعم أنها من بنات الأشراف الأكابر.
روى عن سعيد بن المسيب أنه قال: كان لها قلادة ثمينة فقالت: لأبيعنها ولأنفقن ثمنها في عداوة محمد ﷺ فأبدلها الله عنها حبلا في جيدها من مسد النار.
والذي يتأمل هذه السورة الكريمة، يراها قد اشتملت على أوضح الأدلة وأبلغ المعجزات الدالة على صدق النبي ﷺ فيما يبلغه عن ربه، فإن الله- تعالى- قد أخبر بشقاء أبى لهب وامرأته. وأنهما سيصليان نارا ذات لهب ... وقد علما بما جاء في هذه السورة من عقاب الله لهما ... ومع ذلك فقد بقيا على كفرهما حتى فارقا الحياة، دون أن ينطقا بكلمة التوحيد، ولو في الظاهر- فثبت أن هذا القرآن من عند الله، وأن الرسول ﷺ صادق فيما يبلغه عن ربه- .
نسأل الله- تعالى- أن يلحقنا بعباده الصالحين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 6687
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تفسير سورة الإخلاص
مقدمة وتمهيد
١- سورة «الإخلاص» من السور ذات الأسماء المتعددة، وقد ذكر لها الجمل في حاشيته عشرين اسما، منها أنها تسمى سورة التفريد، والتجريد، والتوحيد، والنجاة، والولاية، والمعرفة، والصمد، والأساس، والمانعة، والبراءة ... «١» .
٢- وقد ورد في فضلها أحاديث متعددة، منها ما أخرجه البخاري عن أبى سعيد الخدري، أن رجلا سمع رجلا يقرأ هذه السورة، ويرددها، فلما أصبح ذكر ذلك للنبي ﷺ فقال:
«والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن» «٢» .
قال بعض العلماء ومعنى هذا الحديث: أن القرآن أنزل على ثلاثة أقسام: ثلث منها الأحكام، وثلث منها وعد ووعيد، وثلث منها الأسماء والصفات، وهذه السورة جمعت الأسماء والصفات.
٣- وقد ذكروا في سبب نزولها روايات منها: أن المشركين قالوا: يا محمد، انسب لنا ربك، فأنزل الله- تعالى- هذه السورة الكريمة ... «٣» .
وجمهور العلماء على أنها السورة الثانية والعشرون في ترتيب النزول. ويرى بعضهم أنها مدنية، والأول أرجح، لأنها جمعت أصل التوحيد، وهذا المعنى غالب في السور المكية.
وعدد آياتها خمس آيات في المصحف الحجازي والشامي، وأربع آيات في الكوفي والبصري.
стр. 6688
التفسير قال الله- تعالى-:
[سورة الإخلاص (١١٢) : الآيات ١ الى ٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (٤)
وقد افتتحت بفعل الأمر «قل» لإظهار العناية بما بعد هذا الأمر من توجيهات حكيمة، ولتلقينه ﷺ الرد على المشركين الذين سألوه أن ينسب لهم ربه.
وهُوَ ضمير الشأن مبتدأ، والجملة التي بعده خبر عنه.
والأحد: هو الواحد في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله، وفي كل شأن من شئونه، فهو منزه عن التركيب من جواهر متعددة، أو من مادة معينة، كما أنه- منزه عن الجسمية والتحيز، ومشابهة غيره.
وفي الإتيان بضمير الشأن هنا: إشارة إلى فخامة مضمون الجملة، مع ما في ذلك من زيادة التحقيق والتقرير، لأن الضمير يشير إلى شيء مبهم تترقبه النفس، فإذا جاء الكلام من بعده زال الإبهام، وتمكن الكلام من النفس فضل تمكن.
وجيء بالخبر نكرة وهو لفظ «أحد» لأن المقصود الإخبار عن الله- تعالى- بأنه واحد، ولو قيل: الله الأحد، لأفاد أنه لا واحد سواه، وليس هذا المعنى مقصودا هنا، وإنما المقصود إثبات أنه واحد في ذاته وصفاته وأفعاله ... ونفى ما زعمه المشركون وغيرهم، من أنه- تعالى- مركب من أصول مادية أو غير مادية، أو من أنه له شريك في ملكه.
وقوله- سبحانه- اللَّهُ الصَّمَدُ أى: الله- تعالى- هو الذي يصمد إليه الخلق في حوائجهم، ويقصدونه وحده بالسؤال والطلب ... مأخوذ من قولهم صمد فلان إلى فلان. بمعنى توجه إليه بطلب العون والمساعدة.
стр. 6689
قال صاحب الكشاف: والصمد فعل بمعنى مفعول، من صمد إليه إذا قصده، وهو- سبحانه- المصمود إليه في الحوائج، والمعنى: هو الله الذي تعرفونه وتقرون بأنه خالق السموات والأرض، وخالقكم، وهو واحد متوحد بالإلهية لا يشارك فيها، وهو الذي يصمد إليه كل مخلوق لا يستغنون عنه، وهو الغنى عنهم ... «١» .
وجاء لفظ «الصمد» محلى بأل، لإفادة الحصر في الواقع ونفس الأمر، فإن قصد الخلق إليه- سبحانه- في الحوائج، أعم من القصد الإرادى، والقصد الطبيعي، والقصد بحسب الاستعداد الأصلى، الثابت لجميع المخلوقات إذ الكل متجه إليه- تعالى- طوعا وكرها.
وقوله- سبحانه-: لَمْ يَلِدْ تنزيه له- تعالى- عن أن يكون له ولد أو بنت، لأن الولادة تقتضي انفصال مادة منه، وذلك يقتضى التركيب المنافى للأحدية والصمدية، أو لأن الولد من جنس أبيه، وهو- تعالى- منزه عن مجانسة أحد.
وقوله: وَلَمْ يُولَدْ تنزيه له- تعالى- عن أن يكون له أب أو أم، لأن المولودية تقتضي- أيضا- التركيب المنافى للأحدية والصمدية، أو لاقتضائها سبق العدم، أو المجانسة، وكل ذلك مستحيل عليه- تعالى- فهو- سبحانه-: الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
وقوله- : وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ تنزيه له- تعالى- عن الشبيه والنظير والمماثل.
والكفؤ: هو المكافئ والمماثل والمشابه لغيره في العمل أو في القدرة.
أى: ولم يكن أحد من خلقه مكافئا ولا مشاكلا ولا مناظرا له- تعالى- في ذاته، أو صفاته، أو أفعاله، فهو كما قال- تعالى-: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
وبذلك نرى أن هذه السورة الكريمة قد تضمنت نفى الشرك بجميع ألوانه.
فقد نفى- سبحانه- عن ذاته التعدد بقوله: اللَّهُ أَحَدٌ ونفى عن ذاته النقص والاحتياج بقوله: اللَّهُ الصَّمَدُ، ونفى عن ذاته أن يكون والدا أو مولودا بقوله: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، ونفى عن نفسه الأنداد والأشباه بقوله: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ.
كما نراها قد تضمنت الرد على المشركين وأهل الكتاب، وغيرهم من أصحاب الفرق الضالة، الذين يقولون، بالتثليث، وبأن هناك آلهة أخرى تشارك الله- تعالى- في ملكه.
стр. 6690
وبغير ذلك من الأقاويل الفاسدة والعقائد الزائفة ... عما يقولون علوا كبيرا.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.