وخاطئة: اسم فاعل من خطئ فلان- كعلم- فهو خاطئ وهو الذي يأتى الذنب متعمدا، ووصفت الناصية بأنها خاطئة مبالغة في تعمد هذا الإنسان لارتكاب المنكر، على حد قولهم: نهار صائم، أى: صائم صاحبه، ولأن الناصية هي مظهر الغرور والكبرياء.
أى: لئن لم ينته هذا الفاجر المغرور عن كفره ... لنذلنه إذلالا شديدا ... ولنسحبنه إلى النار من ناصيته التي طالما كذبت بالحق، وتعمدت ارتكاب المنكر ...
وقوله- سبحانه-: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ رد على غروره وتفاخره بعشيرته، فقد جاء في الحديث الشريف أن أبا جهل عند ما نهى النبي ﷺ عن الصلاة، نهره النبي ﷺ وزجره وأغلظ له القول ... فقال أبو جهل: أتهددني يا محمد وأنا أكثر هذا الوادي ناديا، فأنزل الله- سبحانه-: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ. سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ.
وأصل النادي: المكان الذي يجتمع فيه الناس للحديث، ولا يسمى المكان بهذا الاسم إلا إذا كان معدا لهذا الغرض، ومنه دار الندوة، وهي دار كان أهل مكة يجتمعون فيها للتشاور في مختلف أمورهم، وسمى بذلك لأن الناس يندون إليه، أى: يذهبون إليه، أو ينتدون فيه، أى: يجتمعون للحديث فيه. يقال: ندا القوم ندوا- من باب غزا- إذا اجتمعوا.
والأمر في قوله- تعالى-: فَلْيَدْعُ للتعجيز، والكلام على حذف مضاف. أى:
فليدع هذا الشقي المغرور أهله وعشيرته لإيذاء النبي ﷺ ، ولمنعه من الصلاة، إن قدروا على ذلك، فنحن من جانبنا سندع الزبانية، وهم الملائكة الغلاظ الموكلون بعقاب هذا المغرور وأمثاله.
ولفظ الزبانية في كلام العرب: يطلق على رجال الشرطة الذين يزبنون الناس، أى:
يدفعونهم إلى ما يريدون دفعهم إليه بقوة وشدة وغلظة، جمع زبنيّة، وأصل اشتقاقه من الزّبن، وهو الدفع الشديد، ومنه قولهم: حرب زبون، إذا اشتد الدفع والقتال فيها، وناقة زبون إذا كانت تركل من يحلبها.
والمقصود بهاتين الآيتين، التهكم بهذا الإنسان المغرور، والاستخفاف به وبكل من يستنجد به، ووعيده بأنه إن استمر في غروره ونهيه عن الصلاة فسيسلط الله- تعالى- عليه ملائكة غلاظا شدادا. لا قبل له ولا لقومه بهم.
وقوله- تعالى-: كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ردع آخر لهذا الكافر عن الغرور والبطر والطغيان، وإبطال لدعواه أنه سيدع أهل ناديه، وتأكيد لعجزه عن منع الرسول ﷺ عن الصلاة.
أى: كلا ليس الأمر كما قال هذا المغرور من أن أهله وعشيرته سينصرونه، وسيقفون إلى
стр. 6617
جانبه في منعك أيها الرسول الكريم- من الصلاة، فإنهم وغيرهم أعجز من أن يفعلوا ذلك، وعليك- أيها الرسول الكريم- أن تمضى في طريقك وأن تواظب على أداء الصلاة في المكان الذي تختاره، ولا تطع هذا الشقي، فإنه جاهل مغرور، واسجد لربك وتقرب إليه- تعالى- بالعبادة والطاعة، وداوم على ذلك.
فالمقصود بهذه الآية الكريمة، حض النبي ﷺ على المداومة على الصلاة في الكعبة، وعدم المبالاة بنهي الناهين عن ذلك، فإنهم أحقر من أن يفعلوا شيئا ...
نسأل الله- تعالى- أن يجعلنا جميعا من عباده الصالحين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 6618
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تفسير سورة القدر
مقدمة وتمهيد
١- سورة «القدر» من السور المكية عند أكثر المفسرين، وكان نزولها بعد سورة «عبس» ، وقبل سورة «الشمس» ، فهي السورة الخامسة والعشرون في ترتيب النزول، ويرى بعض المفسرين أنها من السور المدنية، وأنها أول سورة نزلت بالمدينة.
قال الآلوسى: قال أبو حيان: مدنية في قول الأكثر. وحكى الماوردي عكسه. وذكر الواحدي أنها أول سورة نزلت بالمدينة. وقال الجلال في الإتقان: فيها قولان، والأكثر أنها مكية ... «١» وعدد آياتها خمس آيات، ومنهم من عدها ست آيات. والأول أصح وأرجح.
٢- والسورة الكريمة من أهم مقاصدها: التنويه بشأن القرآن، والإعلاء من قدره، والرد على من زعم أنه أساطير الأولين، وبيان فضل الليلة التي نزل فيها، وتحريض المسلمين على إحيائها بالعبادة والطاعة لله رب العالمين.
стр. 6619
التفسير قال الله- تعالى-:
[سورة القدر (٩٧) : الآيات ١ الى ٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤)
سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)
والضمير المنصوب في قوله- تعالى- أَنْزَلْناهُ يعود إلى القرآن الكريم، وفي الإتيان بهذا الضمير للقرآن، مع أنه لم يجر له ذكر، تنويه بشأنه، وإيذان بشهرة أمره. حتى إنه ليستغنى عن التصريح به، لحضوره في أذهان المسلمين.
والمراد بإنزاله: ابتداء نزوله على النبي ﷺ ، لأنه من المعروف أن القرآن الكريم، قد نزل على النبي ﷺ منجما، في مدة ثلاث وعشرين سنة تقريبا.
ويصح أن يكون المراد بأنزلناه، أى: أنزلناه جملة من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، ثم نزل بعد ذلك منجما على النبي ﷺ .
قال الإمام ابن كثير: قال ابن عباس وغيره: أنزل الله- تعالى- القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل مفصلا بحسب الوقائع، في ثلاث وعشرين سنة، على رسول الله ﷺ . «١»
والقدر الذي أضيفت إليه الليلة، بمعنى الشرف والعظمة، مأخوذ من قولهم: لفلان قدر عند فلان، أى: له منزلة رفيعة، وشرف عظيم، فسميت هذه الليلة بذلك، لعظم قدرها وشرفها، إذ هي الليلة التي نزل فيها قرآن ذو قدر، بواسطة ملك ذي قدر، على رسول ذي
стр. 6620
قدر، لأجل إكرام أمة ذات قدر، هذه الأمة يزداد قدرها وثوابها عند الله- تعالى- إذا ما أحيوا تلك الليلة بالعبادات والطاعات.
ويصح أن يكون المراد بالقدر هنا: التقدير، لأن الله- تعالى- يقدر فيها ما يشاء تقديره لعباده، إلا أن القول الأول أظهر، لأن قوله- سبحانه- بعد ذلك: وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ يفيد التعظيم والتفخيم.
أى: إنا ابتدأنا بقدرتنا وحكمتنا، إنزال هذا القرآن العظيم، على رسولنا محمد ﷺ في ليلة القدر، التي لها ما لها عندنا من قدر وشرف وعظم.. لأن للطاعات فيها قدرا كبيرا، وثوابا جزيلا.
وليلة القدر هذه هي الليلة التي قال الله- تعالى- في شأنها في سورة الدخان: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ. فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ. أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ. رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
وهذه الليلة هي من ليالي شهر رمضان، بدليل قوله- تعالى-: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ.
قال بعض العلماء: ومن تسديد ترتيب المصحف، أن سورة القدر وضعت عقب سورة العلق، مع أنها أقل عدد آيات من سورة البينة وسور بعدها، وكأن ذلك إيماء إلى أن الضمير في أَنْزَلْناهُ يعود إلى القرآن، الذي ابتدئ نزوله بسورة العلق. «١» .
وقال صاحب الكشاف: عظم- سبحانه- القرآن من ثلاثة أوجه: أحدها: أن أسند إنزاله اليه، وجعله مختصا به دون غيره. والثاني: أنه جاء بضميره دون اسمه الظاهر، شهادة له بالنباهة والاستغناء عن التنبيه عليه، والثالث: الرفع من مقدار الوقت الذي أنزل فيه.
روى أنه أنزل جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، وأملاه جبريل على السفرة ثم كان ينزل به على رسول الله ﷺ نجوما في ثلاث وعشرين سنة.
وعن الشعبي: المعنى: أنا ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر ... «٢» .
وقوله- تعالى-: وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ تنويه آخر بشرف هذه الليلة، وتفخيم لشأنها، حتى لكأن عظمتها أكبر من أن تحيط بها الكلمات والألفاظ.
أى: وما الذي يدريك بمقدار عظمتها وعلو قدرها، إن الذي يعلم مقدار شرفها هو الله
стр. 6621
- تعالى- علام الغيوب.
ثم- بين- سبحانه- مظاهر فضلها فقال: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ أى:
ليلة القدر أفضل من ألف شهر، بسبب ما أنزل فيها من قرآن كريم يهدى للتي هي أقوم.
ويخرج الناس من الظلمات إلى النور، وبسبب أن العبادة فيها أكثر ثوابا، وأعظم فضلا من العبادة في أشهر كثيرة ليس فيها ليلة القدر.
والعمل القليل قد يفضل العمل الكثير، باعتبار الزمان والمكان، وإخلاص النية، وحسن الأداء، ولله- تعالى- أن يخص بعض الأزمنة والأمكنة والأشخاص بفضائل متميزة.
والتحديد بألف شهر يمكن أن يكون مقصودا. ويمكن أن يراد منه التكثير. وأن المراد أن أقل عدد تفضله هذه الليلة هو هذا العدد. فيكون المعنى: أن هذه الليلة تفضل الدهر كله.
ثم ذكر- سبحانه- بعد ذلك مزية أخرى لهذه الليلة المباركة فقال: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ.
أى: ومن مزايا وفضائل هذه الليلة أيضا، أن الملائكة- وعلى رأسهم الروح الأمين جبريل- ينزلون فيها أفواجا إلى الأرض، بأمره- تعالى- وإذنه، وهم جميعا إنما ينزلون من أجل أمر من الأمور التي يريد إبلاغها إلى عباده، وأصل «تنزل» تتنزل، فحذفت إحدى التاءين تخفيفا، ونزول الملائكة إلى الأرض، من أجل نشر البركات التي تحفهم، فنزولهم في تلك الليلة يدل على شرفها، وعلى رحمة الله- تعالى- بعباده.
والروح: هو جبريل، وذكره بخصوصه بعد ذكر الملائكة، من باب ذكر الخاص بعد العام، لمزيد الفضل، واختصاصه بأمور لا يشاركه فيها غيره.
وقوله- سبحانه- بِإِذْنِ رَبِّهِمْ متعلق بقوله: تَنَزَّلُ، والباء للسببية، أى:
يتنزلون بسبب إذن ربهم لهم في النزول.
قال الجمل ما ملخصه. وقوله: مِنْ كُلِّ أَمْرٍ يجوز في «من» وجهان: أحدهما أنها بمعنى اللام، وتتعلق بتنزل، أى: تنزل من أجل كل أمر قضى إلى العام القابل. والثاني: أنها بمعنى الباء، أى: تنزل بكل أمر قضاه الله- تعالى- فيها من موت وحياة ورزق.
وليس المراد أن تقدير الله لا يحدث إلا في تلك الليلة بل المراد إظهار تلك المقادير لملائكته. «١»
стр. 6622
وقوله- تعالى-: سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ بيان لمزية ثالثة من مزايا هذه الليلة، وقوله سَلامٌ مصدر بمعنى السلامة، وهو خبر مقدم، وهِيَ مبتدأ مؤخر، وإنما قدم الخبر تعجيلا للمسرّة، وقد أخبر عن هذه الليلة بالمصدر على سبيل المبالغة، أو على سبيل تأويل المصدر باسم الفاعل، أو على تقدير مضاف ... والمراد بمطلع الفجر: طلوعه وبزوغه.
أى: هذه الليلة يظلها ويشملها السلام المستمر، والأمان الدائم، لكل مؤمن يحييها في طاعة الله- تعالى- إلى أن يطلع الفجر، أو هي ذات سلامة حتى مطلع الفجر، أو هي سالمة من كل أذى وسوء لكل مؤمن ومؤمنة حتى طلوع الفجر.
هذا وقد أفاض العلماء في الحديث عن فضائل ليلة القدر، وعن وقتها. وعن خصائصها ...
وقد لخص الإمام القرطبي ذلك تلخيصا حسنا فقال: وهنا ثلاث مسائل:
الأولى: في تعيين ليلة القدر ... والذي عليه المعظم أنها ليلة سبع وعشرين ... والجمهور على أنها في كل عام من رمضان ... وقيل: أخفاها- سبحانه- في جميع شهر رمضان، ليجتهدوا في العمل والعبادة طمعا في إدراكها.
الثانية: في علاماتها: ومنها أن تطلع الشمس في صبيحتها بيضاء لا شعاع لها.
الثالثة: في فضائلها ... وحسبك قوله- تعالى- لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ وقوله: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها وفي الصحيحين «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر الله له ما تقدم من ذنبه ... » «١» .
نسأل الله- تعالى- أن يجعلنا من المنتفعين بهذه الليلة المباركة.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 6623
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تفسير سورة البينة
مقدمة وتمهيد
١- سورة «البينة» ، تسمى- أيضا- سورة «لم يكن ... » وسورة «المنفكين» وسورة «القيمة» وسورة «البرية» ، وعدد آياتها ثماني آيات عند الجمهور، وعدها قراء البصرة تسع آيات.
٢- وقد اختلف المفسرون في كونها مدنية أو مكية، وقد لخص الإمام الآلوسى هذا الخلاف فقال: قال في البحر: هي مكية ... وقال ابن الزبير وعطاء بن يسار: مدنية ... وجزم ابن كثير بأنها مدنية، واستدل على ذلك بما أخرجه الإمام أحمد. عن أبى خيثمة البدري قال: لما نزلت هذه السورة، قال جبريل: يا رسول الله، إن ربك يأمرك أن تقرئها «أبيّا» .
فقال ﷺ لأبىّ بن كعب- رضى الله عنه-: «إن جبريل أمرنى أن أقرئك هذه السورة، فقال أبىّ: أو قد ذكرت ثمّ يا رسول الله؟ قال: نعم.» فبكى أبىّ.
وقد رجح الإمام الآلوسى كونها مدنية، فقال: وهذا هو الأصح «١» .
وهذا الذي رجحه الإمام الآلوسى هو الذي نميل إليه، لأن حديثها عن أهل الكتاب، وعن تفرقهم في شأن دينهم، يرجح أنها مدنية، كما أن الإمام السيوطي قد ذكرها ضمن السور المدنية، وجعل نزولها بعد سورة «الطلاق» وقبل سورة «الحشر» «٢» .
стр. 6624
٣- ومن أهم المقاصد التي اشتملت عليها السورة الكريمة، توبيخ أهل الكتاب والمشركين، على إصرارهم على ضلالهم من بعد أن تبين لهم الحق. والتعجيب من تناقض أحوالهم. وبيان أن كفرهم لم يكن بسبب جهلهم، وإنما بسبب جحودهم وعنادهم وحسدهم للنبي ﷺ على ما آتاه الله من فضله، والتسجيل عليهم بأنهم شر البرية، وأن المؤمنين هم خير البرية.
стр. 6625
التفسير قال الله- تعالى-:
[سورة البينة (٩٨) : الآيات ١ الى ٨]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً (٢) فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤)
وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)
و «من» في قوله- تعالى- مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ للبيان، وقوله- سبحانه-:
مُنْفَكِّينَ: للعلماء في معنى هذا اللفظ أقوال متعددة، منها: أنه اسم فاعل من انفك بمعنى انفصل، يقال: فككت الشيء فانفك إذا افترق ما كان ملتحما منه.
والبينة: الحجة الظاهرة التي يتميز بها الحق من الباطل، وأصلها من البيان بمعنى الظهور والوضوح، لأن بها تتضح الأمور، أو من البينونة بمعنى الانفصال، لأن بها ينفصل الحق عن الباطل بعد التباسهما.
стр. 6626
والمراد بها هنا: رسول الله ﷺ ، لقوله- تعالى- بعد ذلك: رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً، ولأنه ﷺ كان في ذاته برهانا على صحة ما ادعاه من النبوة، لتحليه بكمال العقل وبمكارم الأخلاق، ولإتيانه بالمعجزات التي تؤيد أنه صادق فيما يبلغه عن ربه.
والمعنى: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى، ولم يكن- أيضا- الذين كذبوا الحق من المشركين، ولم يكن الجميع بمفارقين وبمنفصلين عن كفرهم وشركهم، حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ التي هي الرسول ﷺ فلما أتتهم هذه البينة، منهم من آمن ومنهم من استمر على كفره وشركه وضلاله.
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: «كان الكفار من الفريقين، أهل الكتاب، وعبدة الأصنام، يقولون قبل مبعث النبي ﷺ : لا ننفك عما نحن عليه من ديننا، ولا نتركه حتى يبعث النبي المكتوب في التوراة والإنجيل، وهو محمد ﷺ ، فحكى الله- تعالى- ما كانوا يقولونه، ثم قال: وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ، يعنى أنهم كانوا يعدون باجتماع الكلمة، والاتفاق على الحق، إذا جاءهم الرسول، ثم ما فرقهم عن الحق، ولا أقرهم على الكفر، إلا مجيء الرسول ﷺ ، ونظيره في الكلام أن يقول الفقير الفاسق لمن يعظه: لست بمنفك عما أنا فيه حتى يرزقني الله- تعالى- الغنى، فيرزقه الله الغنى فيزداد فسقا، فيقول له واعظه: لم تكن منفكا عن الفسق حتى توسر، وما غمست رأسك في الفسق إلا بعد اليسار، يذكره ما كان يقوله توبيخا وإلزاما.
وانفكاك الشيء من الشيء، أن يزايله بعد التحامه به. كالعظم إذا انفك من مفصله.
والمعنى: أنهم متشبثون بدينهم لا يتركونه إلا عند مجيء البينة. «١» .
ومنهم من يرى: أن مُنْفَكِّينَ بمعنى متروكين لا بمعنى تاركين، أى: لم يكونوا جميعا متروكين على ما هم عليه من الكفر والشرك، حتى تأتيهم البينة، على معنى قوله- تعالى-:
أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً.
أو المعنى: لم يكن هؤلاء القوم منفكين من أمر الله- تعالى- وقدرته ونظره لهم، حتى يبعث الله- تعالى- إليهم رسولا منذرا، تقوم عليهم به الحجة، ويتم على من آمن النعمة، فكأنه- تعالى- قال: ما كانوا ليتركوا سدى ... «٢» .
стр. 6627
وهناك أقوال أخرى في معنى الآية رأينا أن نضرب عنها صفحا لضعفها.
وقد قدم الله- تعالى- ذكر أهل الكتاب في البيان، لأن كفرهم أشنع وأقبح. إذ كانوا يقرءون الكتب، ويعرفون أوصاف النبي ﷺ فكانت قدرتهم على معرفة صدقه أكبر وأتم. وفي التعبير عنهم بأهل الكتاب دون اليهود والنصارى، تسجيل للغفلة وسوء النية عليهم. حيث علموا الكتاب. وعرفوا عن طريقه أن هناك رسولا كريما قد أرسله الله- تعالى- لهدايتهم، ومع ذلك كفروا به، كما قال- تعالى-: فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ.
وقوله- سبحانه-: رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً بدل من «البيّنة» على سبيل المبالغة، حيث جعل- سبحانه- الرسول نفس البينة.
أى: لم يفارقوا دينهم حتى جاءهم رسول كريم، كائن من عند الله- تعالى- لكي يقرأ على مسامعهم صحفا من القرآن الكريم، مطهرة، أى: منزهة عن الشرك والكفر والباطل، وهذه الصحف من صفاتها- أيضا- أنها فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ أى: فيها سور آيات قرآنية مستقيمة لا عوج فيها، بل هي ناطقة بالحق والخير والصدق والهداية، وبأخبار الأنبياء السابقين وبأحوالهم مع أقوامهم.
فقوله: قَيِّمَةٌ بمعنى مستقيمة لا عوج فيها ولا اضطراب، من قولهم: قام فلان يقوم، إذا استوى على قدميه في استقامة.
ثم بين- سبحانه- ما كان عليه أهل الكتاب من جحودهم للحق، ومن إنكارهم له مع علمهم به، فقال- تعالى- وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ. أى: أن الجاحدين والمعاندين والحاسدين لك- أيها الرسول الكريم- من أهل الكتاب، ما تفرقوا في أمره، وما اختلفوا في شأن نبوتك ... إلا من بعد أن جئتهم أنت بما يدل على صدقك، دلالة لا يجحدها إلا جهول، ولا ينكرها إلا حسود، ولا يعرض عنها إلا من طغى وآثر الحياة الدنيا.
فالآية الكريمة كلام مستأنف، المقصود به تسليته ﷺ عما أصابه من هؤلاء الجاحدين فكأنه- سبحانه- يقول له: لا تحزن- أيها الرسول الكريم- لإعراض من أعرض عن دعوتك من أهل الكتاب، فإن إعراضهم لم يكن عن جهل، وإنما عن عناد وجحود وحسد لك على ما آتاك الله من فضله.
وإنما خص- سبحانه- هنا أهل الكتاب بالذكر، مع أن الكلام في أول السورة كان فيهم وفي المشركين، للدلالة على شناعة حالهم، وقبح فعالهم، لأن الإعراض عن الحق ممن له
стр. 6628
كتاب، أشد قبحا ونكرا، ممن ليس له كتاب وهم المشركون.
والاستثناء في الآية مفرغ، والمستثنى منه عموم الأوقات. والمعنى: لم يتفرق الجاحدون من الذين أوتوا الكتاب في وقت من الأوقات، إلا في الوقت الكائن بعد مجيء البينة لهم.
ومن الآيات القرآنية الكثيرة التي وردت في هذا المعنى قوله- تعالى- وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ.
ثم بين- سبحانه- ما كان يجب عليهم أن يفعلوه، فقال: وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ، وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ، وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ.
والواو في قوله- تعالى- وَما أُمِرُوا للحال، فهذه الجملة حالية، والمقصود منها بيان أن هؤلاء الضالين، قد بلغوا النهاية في قبح الأفعال، وفي فساد العقول، إذ أنهم تفرقوا واختلفوا وأعرضوا عن الهدى، في حال أنهم لم يؤمروا إلا بما فيه صلاحهم.
وقوله: حُنَفاءَ من الحنف، وهو الميل من الدين الباطل إلى الدين الحق. كما أن الجنف هو الميل من الحق إلى الباطل.
أى: أن هؤلاء الكافرين من أهل الكتاب تفرقوا واختلفوا في شأن الحق، والحال، أنهم لم يؤمروا إلا بعبادة الله- تعالى- وحده، مخلصين له الطاعة، ومائلين عن الأديان الباطلة إلى الدين الحق، مؤمنين بجميع الرسل بدون تفرقة بينهم، إذ ملتهم جميعا واحدة، ولم يؤمروا- أيضا- إلا بإقامة الصلاة في أوقاتها بخشوع وإخلاص لله رب العالمين، وبإيتاء الزكاة التي تطهرهم وتزكيهم.
وَذلِكَ الذي أمرناهم به من إخلاص العبادة لنا، ومن أداء فرائضنا دِينُ الْقَيِّمَةِ. أى: دين الملة المستقيمة القيمة، أو دين الكتب القيمة.
ولفظ «القيمة» - بزنة فيعلة- من القوامة، وهي غاية الاستقامة، وهذا اللفظ صفة لموصوف محذوف.
ثم- بين- سبحانه- سوء عاقبة هؤلاء الجاحدين من أهل الكتاب ومن المشركين فقال:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها.
أى: إن الذين أصروا على كفرهم بعد أن تبين لهم، من اليهود والنصارى، ومن المشركين الذين هم عبدة الأصنام ... مكانهم المهيأ لهم هو نار جهنم، حالة كونهم خالدين فيها خلودا أبديا أُولئِكَ الموصوفون بتلك الصفات الذميمة هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ أى: هم شر كل صنف من أصناف المخلوقات، لإصرارهم على الكفر والإشراك مع علمهم بالحق.
стр. 6629
ولفظ «البرية» من البرى وهو التراب، لأنهم قد خلقوا في الأصل منه، يقال: فلان براه الله- تعالى- يبروه بروا. أى: خلقه. وقرأ نافع بالهمز، من قولهم برأ الله- تعالى- الخلق يبرؤهم، أى: خلقهم.
وقدم سبحانه- أهل الكتاب في المذمة، لأن جنايتهم في حق الرسول ﷺ أشد، إذ كانوا يستفتحون به على المشركين ويقولون لهم: إن نبيا قد أظلنا زمانه، وإننا عند مبعثه سنتبعه ... فلما بعث ﷺ كفروا به.
وقد تضمنت هذه الآية الكريمة أمرين: الأول: أن هؤلاء الضالين خالدون في النار، والثاني: أنهم شر المخلوقات التي خلقها الله- تعالى-.
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك حسن عاقبة المؤمنين فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ. أى: وعملوا الأعمال الصالحات أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ أى: أولئك هم خير المخلوقات التي خلقها الله- تعالى-.
جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ أى: جزاؤهم الطيب الكائن لهم عند ربهم وخالقهم ومالك أمرهم.
جَنَّاتُ عَدْنٍ. أى: جنات يقيمون فيها إقامة دائمة، من عدن فلان بالمكان إذا أقام فيه. تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أى: تجرى من تحت أشجارها وثمارها الأنهار خالِدِينَ فِيها أَبَداً أى: خالدين في تلك الجنات خلودا أبديا.
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أى: قبل الله- تعالى- منهم أعمالهم ورضيها عنده، وفرحوا هم ورضوا بما أعطاهم من خير عميم.
فالمراد برضاء- تعالى- عنهم: قبوله لأعمالهم، وبرضاهم عنه: فرحهم بما أعطاهم من فضله. ذلِكَ أى: العطاء الجزيل لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ أى: كائن وثابت لمن خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى.
نسأل الله- تعالى- أن يجعلنا جميعا من أصحاب الميمنة.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 6630
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تفسير سورة الزلزلة
مقدمة وتمهيد
١- سورة «الزلزلة» وتسمى- أيضا- سورة «إذا زلزلت» وسورة «الزلزال» من السور المكية، وقيل: هي من السور المدنية.
قال الآلوسى: هي مكية في قول ابن عباس ومجاهد وعطاء، ومدنية في قول مقاتل وقتادة.
ويبدو لنا أن القول بكونها مكية أرجح، لأن الحديث عن أهوال يوم القيامة، يكثر في السور المكية، ولأن بعض المفسرين- كالإمام ابن كثير- قد اقتصر على كونها مكية، ولم يذكر في ذلك خلافا.
وعدد آياتها ثماني آيات في المصحف الكوفي، وتسع آيات في غيره. وسبب ذلك اختلافهم في قوله- تعالى-: يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ هل هو آيتان أو آية واحدة.
٢- والسورة الكريمة من أهم مقاصدها: إثبات أن يوم القيامة حق وبيان ما اشتمل عليه من أهوال، وتأكيد أن كل إنسان سيجازى على حسب عمله في الدنيا ...
стр. 6631
التفسير قال الله- تعالى-:
[سورة الزلزلة (٩٩) : الآيات ١ الى ٨]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (٢) وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها (٤)
بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)
وقوله- تعالى-: زُلْزِلَتِ أى: حركت تحريكا شديدا لا يعلم مقداره إلا الله- تعالى-، إذ الزلزال: الحركة الشديدة مع الاضطراب، وهو بفتح الزاى اسم لذلك، وبكسرها مصدر بمعنى التحرك والاضطراب، وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا، ويكون هذا الزلزال الشديد، عند ما يأذن الله- تعالى- بقيام الساعة، ويبعث الناس للحساب.
وافتتح- سبحانه- الكلام بظرف الزمان إِذا، لإفادة تحقق وقوع الشرط.
وقوله: زِلْزالَها مصدر مضاف لفاعله. أى: إذا زلزلت الأرض زلزالها الذي لا يماثله زلزال آخر في شدته وعظمته وهوله، كما قال- تعالى-: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ.
وقوله- تعالى-: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها بيان لأثر آخر من آثار ما يحدث في هذا اليوم الهائل الشديد.
والأثقال: جمع ثقل- بكسر فسكون- وهو المتاع الثقيل، ومنه قوله- تعالى-:
стр. 6632
وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ.
والمراد بها هنا: ما يكون في جوف الأرض من أموات وكنوز وغير ذلك مما يكون في باطنها. قال أبو عبيدة والأخفش: إذا كان الميت في جوف الأرض فهو ثقل لها، وإذا كان فوقها فهو ثقل عليها، وإنما سمى الجن والإنس بالثقلين لأن الأرض تثقل بهم ... «١» .
والمراد بالإنسان في قوله- سبحانه-: وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها جنسه فيشمل المؤمن والكافر.
وقوله ما لَها مبتدأ وخبر، والاستفهام: المقصود به التعجب مما حدث من أهوال.
أى: وقال كل إنسان على سبيل الدهشة والحيرة، أى: شيء حدث للأرض، حتى جعلها تضطرب هذا الاضطراب الشديد.
قال الجمل: وفي المراد بالإنسان هنا قولان: أحدهما: أنه اسم جنس يعم المؤمن والكافر، وهذا يدل على قول من جعل الزلزلة من أشراط الساعة، والمعنى: أنها حين تقع لم يعلم الكل أنها من أشراط الساعة، فيسأل بعضهم بعضا عن ذلك. والثاني: أنه الكافر خاصة، وهذا يدل على قول من جعلها زلزلة القيامة، لأن المؤمن عارف بها فلا يسأل عنها، والكافر جاحد لها، فإذا وقعت سأل عنها ... «٢» .
وقوله- سبحانه-: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها جواب الشرط، و «أخبارها» مفعول ثان لقوله: تُحَدِّثُ والمفعول الأول محذوف. أى: إذا زلزلت الأرض زلزالها. وأخرجت الأرض أثقالها. وقال الإنسان ماذا حدث لها ... عندئذ تحدّث الأرض الخلائق أخبارها، بأن تشهد للطائع بأنه كان كذلك، وتشهد على الفاسق بأنه كان كذلك.
أخرج الإمام أحمد والترمذي والنسائي عن أبى هريرة قال: قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها ثم قال: «أتدرون ما أخبارها» ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها، بأن تقول:
عمل كذا وكذا يوم كذا وكذا. فهذه أخبارها.» «٣» .
والظاهر أن هذا التحديث من الأرض على سبيل الحقيقة، بأن يخلق الله- تعالى- فيها حياة وإدراكا، فتشهد بما عمل عليها من عمل صالح أو طالح، كما تشهد على من فعل ذلك.
стр. 6633
وقيل: هذا مثل ضربه الله- تعالى- والمقصود منه أن كل إنسان في هذا اليوم سيتبين جزاء عمله، وما أعده الله- تعالى- له على ما قدم في حياته الأولى، ونظير ذلك أن تقول:
إن هذه الدار لتحدثنا بأنها كانت مسكونة.
قال بعض العلماء ما ملخصه: قوله: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها يومئذ بدل من إذا.
أى: في ذلك الوقت تحدثك الأرض أحاديثها، وتحديث الأرض تمثيل- كما قال الطبري وغيره- أى: أن حالها وما يقع فيها من الانقلاب، وما لم يعهد من الخراب، يعلم السائل ويفهمه الخبر، وأن ما يراه لم يكن بسبب من الأسباب التي وضعتها السنة الإلهية، حال استقرار نظام الكون، بل ذلك بسبب بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها أى: أن ما يحدث للأرض يومئذ، إنما هو بأمر إلهى خاص. بأن قال لها كوني كذلك فكانت كما قال لها «١» .
وعدى فعل «أوحى» باللام- مع أن حقه أن يتعدى بإلى كما في قوله- تعالى- وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ لتضمينه معنى «قال» كما في قوله- سبحانه- فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ.
والمعنى: إن الأرض تحدث الناس عن أخبارها، وتبينها لهم، وتشهد عليهم.... بسبب أن ربك الذي خلقك فسواك فعدلك- أيها الإنسان- قد أمرها بذلك.
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك أحوال الناس في هذا اليوم فقال: يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ.
والجملة الكريمة بدل من جملة «يومئذ تحدث أخبارها» ، وقوله يَصْدُرُ فعل مضارع من الصدر- بفتح الدال- وهو الرجوع عن الشرب، يقال: صدر الناس عن الورد، إذا انصرفوا عنه. وأَشْتاتاً جمع شتيت، أى: متفرق، ومنه قولهم: شتت الله جمع الأعداء، أى فرق أمرهم.
وقوله- تعالى- لِيُرَوْا فعل مضارع مبنى للمجهول، وماضيه المبنى للمعلوم «أراه» بمعنى أطلعه. أى: في هذا اليوم الذي تتزلزل فيه الأرض زلزلة شديدة ... يخرج الناس من قبورهم متجهين أشتاتا إلى موقف الحساب، وكل واحد منهم مشغول بنفسه، لكي يبصروا جزاء أعمالهم، التي عملوها في دنياهم.
وجاء فعل «ليروا» مبنيا للمجهول، لأن المقصود رؤيتهم لأعمالهم، وليس المقصود تعيين
стр. 6634
من يريهم إياها. ثم فصل- سبحانه- ما يترتب على هذه الرؤية من جزاء فقال: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ.
و «المثقال» مفعال من الثقل، ويطلق على الشيء القليل الذي يحتمل الوزن، و «الذرة» تطلق على أصغر النمل، وعلى الغبار الدقيق الذي يتطاير من التراب عند النفخ فيه. والمقصود المبالغة في الجزاء على الأعمال مهما بلغ صغرها، وحقر وزنها.
والفاء: للتفريع على ما تقدم. أى: في هذا اليوم يخرج الناس من قبورهم متفرقين لا يلوى أحد على أحد. متجهين إلى موقف الحساب ليطلعوا على جزاء أعمالهم الدنيوية ...
فمن كان منهم قد عمل في دنياه عملا صالحا رأى ثماره الطيبة، حتى ولو كان هذا العمل في نهاية القلة، ومن كان منهم قد عمل عملا سيئا في دنياه، رأى ثماره السيئة، حتى ولو كان هذا العمل- أيضا- في أدنى درجات القلة.
فأنت ترى أن هاتين الآيتين قد جمعتا أسمى وأحكم ألوان الترغيب والترهيب، ولذا قال كعب الأحبار: لقد أنزل الله- تعالى- على نبيه محمد ﷺ آيتين، أحصتا ما في التوراة والإنجيل والزبور والصحف، ثم قرأ هاتين الآيتين.
وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهاتين عددا من الأحاديث، منها: ما أخرجه الإمام أحمد. أن صعصعة بن معاوية، أتى النبي ﷺ فقرأ عليه هاتين الآيتين، فقال: حسبي لا أبالى أن لا أسمع غيرها. وفي صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ قال: «اتقوا النار ولو بشق تمرة، ولو بكلمة طيبة» .
وفي الصحيح- أيضا- أن رسول الله ﷺ قال: «لا تحقرن من المعروف شيئا، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستقى، ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط» .
وكان ﷺ يقول لعائشة: «يا عائشة، استتري من النار ولو بشق تمرة، فإنها تسد من الجائع مسدها من الشبعان. يا عائشة. إياك ومحقرات الذنوب، فإن لها من الله- تعالى- طالبا» «١» .
ومن الآيات الكريمة التي وردت في معنى هاتين الآيتين قوله- تعالى- إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ، وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها، وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً.
стр. 6635
وقوله- سبحانه-: وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً، وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها، وَكَفى بِنا حاسِبِينَ.
نسأل الله- تعالى- أن يجعلنا جميعا ممن يواظبون على فعل الخيرات.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 6636
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تفسير سورة العاديات
مقدمة وتمهيد
١- سورة «العاديات» وتسمى- أيضا- سورة «والعاديات» بإثبات الواو، يرى بعضهم أنها من السور المكية، ولم يذكر في ذلك خلافا الإمام ابن كثير، ويرى بعضهم أنها مدنية.
قال الآلوسى: مكية في قول ابن مسعود وجابر والحسن وعكرمة وعطاء. ومدنية في قول أنس وقتادة وإحدى الروايتين عن ابن عباس. فقد أخرج عنه البزار، وابن المنذر، وابن أبى حاتم، والدّارقطنيّ، وابن مردويه أنه قال: بعث رسول الله ﷺ خيلا، فاستمرت شهرا لا يأتيه منها خبر، فنزلت هذه السورة ... «١» .
وهذه الرواية التي ساقها الآلوسى وغيره في سبب نزول هذه السورة، ترجح أنها مدنية، وإن كان كثير من المفسرين يرى أنها مكية، والعلم عند الله- تعالى-.
٢- وعدد آياتها إحدى عشرة آية، ومن أهم أغراضها ومقاصدها، التنويه بشأن الجهاد والمجاهدين، وبفضل الخيل التي تربط من أجل إعلاء كلمة الله- تعالى- وبيان ما جبل عليه الإنسان من حرص على منافع الدنيا. وتحريض الناس على أن يتزودوا بالعمل الصالح الذي ينفعهم يوم الحساب.
стр. 6637
التفسير قال الله- تعالى-:
[سورة العاديات (١٠٠) : الآيات ١ الى ١١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالْعادِياتِ ضَبْحاً (١) فَالْمُورِياتِ قَدْحاً (٢) فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (٤)
فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً (٥) إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (٩)
وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)
والعاديات: جمع عادية، اسم فاعل من العدو، وهو المشي السريع، وأصل الياء في العاديات واو، فلما وقعت متطرفة بعد كسرة قلبت ياء، مثل الغازيات من الغزو.
والضّبح: اضطراب النّفس المتردد في الحنجرة دون أن يخرج من الفم، والمراد به هنا:
صوت أنفاس الخيل عند جريها بسرعة. وقيل: الضبح نوع من السير والعدو، يقال:
ضبحت الخيل، إذا عدت بشدة. وهو مصدر منصوب بفعله المقدر، أى: يضبحن ضبحا، والجملة حال من «العاديات» .
والموريات: جمع مورية، اسم فاعل من الإيراء، وهو إخراج النار، تقول: أورى فلان، إذا أخرج النار بزند ونحوه.
والقدح: ضرب شيء بشيء لكي يخرج من بينهما شرر النار.
والمراد به هنا: النار التي تخرج من أثر احتكاك حوافر الخيل بالحجارة خلال عدوها بسرعة. وقَدْحاً منصوب بفعل محذوف، أى: تقدحن قدحا.
وفَالْمُغِيراتِ جمع مغيرة. وفعله أغار، تقول: أغار فلان على فلان، إذا باغته بفعل
стр. 6638
يؤذيه. وصُبْحاً منصوب على الظرفية. وقوله: فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً أى: هيجن وأثرن «النقع» أى: الغبار من شدة الجري. تقول: أثرت الغبار أثيره، إذا هيجته وحركته. والنون في «أثرن» ضمير العاديات.
وقوله: فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً أى: فتوسطن في ذلك الوقت جموع الأعداء، ففرقنها، ومزقنها، تقول: وسطت القوم أسطهم وسطا، إذا صرت في وسطهم.
والمراد بالعاديات، والموريات، والمغيرات: خيل المجاهدين في سبيل الله، والكلام على حذف الموصوف. والمعنى: وحق الخيل التي يعتلى صهواتها المجاهدون من أجل إعلاء كلمة الله- تعالى-. والتي تجرى بهم في ساحات القتال، فيسمع صوت أنفاسها، والتي تظهر شرر النار من أثر صك حوافرها بالحجارة وما يشبهها والتي تغير على العدو في وقت الصباح، فتثير الغبار، وتمزق جموع الأعداء.
وحق هذه الخيل الموصوفة بتلك الصفات ... إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ.
وقد أقسم- سبحانه- بالخيل المستعملة للجهاد في سبيله، للتنبيه على فضلها، وفضل ربطها، ولما فيها من المنافع الدينية والدنيوية، ولما يترتب على استعمالها في تلك الأغراض من أجر وغنيمة، ومن ترويع لجموع المشركين، وتمزيق لصفوفهم.
وأسند- سبحانه- الإغارة إليها- مع أنها في الحقيقة لراكبيها-، لأن الخيول هي عدة الإغارة، وهي على رأس الوسائل لبلوغ النصر على الأعداء.
وقيل: المراد بالعاديات: الإبل، إلا أن الأوصاف المذكورة في الآيات الكريمة من الضبح والإغارة ... تؤيد أن المراد بها الخيل.
قال صاحب الكشاف: أقسم- سبحانه- بخيل الغزاة تعدو فتضبح. والضبح: صوت أنفاسها إذا عدون.
فإن قلت: علام عطف «فأثرن» ؟ قلت: على الفعل الذي وضع اسم الفاعل موضعه، وهو قوله فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً وذلك لصحة عطف الفعل على الاسم الذي يشبه الفعل كاسم الفاعل- لأن المعنى: واللائي عدون، فأورين، فأغرن. فأثرن الغبار. «١» .
والتعبير بالفاء في قوله- تعالى-: فَأَثَرْنَ فَوَسَطْنَ. وبالفعل الماضي، للإشارة إلى أن إثارة الغبار، وتمزيق صفوف الأعداء، قد تحقق بسرعة، وأن الظفر بالمطلوب قد تم على أحسن الوجوه.
стр. 6639
وقوله- سبحانه-: إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ جواب القسم. والكنود: الجحود، يقال: فلان كند النعمة- من باب دخل-، إذا جحدها ولم يشكر الله عليها. وكند الحبل:
أى قطعه، وأصل الكنود: الأرض التي لا تنبت شيئا، فشبه بها الإنسان الذي يمنع الحق والخير، ويجحد ما عليه من حقوق وواجبات.
أى: إن في طبع الإنسان- إلا من عصمه الله- تعالى- الكنود لربه والكفران لنعمته، والنسيان لمننه وإحسانه، والغفلة عن المواظبة على شكره- تعالى-، والتضرع إليه- سبحانه- عند الشدائد والضراء.. والتشاغل عن ذلك عند العافية والرخاء.
فالمراد بالإنسان هنا: جنسه، إذ أن هذه الصفة غالبة على طبع الإنسان بنسب متفاوتة، ولا يسلم منها إلا من عصمه الله- تعالى-.
وقيل: المراد بالإنسان هنا: الكافر، وأن المقصود به، الوليد بن المغيرة.
والأولى أن يكون المراد به الجنس، ويدخل فيه الكافر دخولا أوليا.
وقوله- تعالى-: وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ أى: وإن الإنسان على كنوده وجحوده لنعم ربه «لشهيد» أى: لشاهد على نفسه بذلك، لظهور أثر هذه الصفة عليه ظهروا واضحا، إذ هو عند لجاجه في الطغيان يجحد الجلى من النعم، ويعبد من دون خالقه أصناما، مع أنه إذا سئل عن خالقه اعترف وأقر بأن خالقه هو الله- تعالى-، كما قال- سبحانه-: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ.
قال الإمام الشيخ محمد عبده: قوله: وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ أى: وإن الإنسان لشهيد على كنوده، وكفره لنعمة ربه، لأنه يفخر بالقسوة على من دونه، وبقوة الحيلة على من فوقه، وبكثرة ما في يده من المال مع الحذق في تحصيله، وقلما يفتخر بالمرحمة، وبكثرة البذل- اللهم إلا أن يريد غشا للسامع- وفي ذلك كله شهادة على نفسه بالكنود، لأن ما يفتخر به ليس من حق شكر النعمة، بل من آيات كفرها «١» .
ومنهم من يرى أن الضمير في قوله- تعالى- هنا وَإِنَّهُ يعود على الخالق- سبحانه- أى: وإن الله- تعالى- لعليم ولشهيد على ما يسلكه هذا الإنسان من جحود، فيكون المقصود من الآية الكريمة، التهديد والوعيد.
قالوا: والأول أولى، لأنه هو الذي يتسق مع سياق الآيات، ومع اتحاد الضمائر فيها.
وقوله- تعالى-: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ أى: وإن هذا الإنسان لشديد الحب
стр. 6640
لجمع المال، ولكسبه من مختلف الوجوه بدون تفرقة- في كثير من الأحيان- بين الحلال والحرام، ولكنزه والتكثر منه، وبالبخل به على من يستحقه.
وصدق الله إذ يقول: قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي، إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ، وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً «١» .
وقوله- تعالى-: أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ. وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ. إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ تهديد لهذا الإنسان الكنود ... وتحريض له على التفكر والاعتبار، وتذكير له بأهوال يوم القيامة.
أى: أيفعل ما يفعل هذا الإنسان الجحود لنعم ربه.. فلا يعلم مآله وعاقبته إِذا بُعْثِرَ. أى: إذا أثير وأخرج وقلب رأسا على عقب ما فِي الْقُبُورِ من أموات حيث أعاد- سبحانه- إليهم الحياة، وبعثهم للحساب والجزاء، كما قال- تعالى-: وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ أى: أثيرت وأخرج ما فيها. يقال: بعثر فلان متاعه، إذا جعل أسفله أعلاه.
وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ أى: وجمع ما في القلوب من خير وشر وأظهر ما كانت تخفيه، وأبرز ما كان مستورا فيها، بحيث لا يبقى لها سبيل إلى الإخفاء أو الكتمان.
وأصل التحصيل: إخراج اللب من القشر، والمراد به هنا: إظهار وإبراز ما كانت تخفيه الصدور، والمجازاة على ذلك. ومفعول يَعْلَمُ محذوف، لتذهب النفس فيه كل مذهب ويجول الفكر في استحضاره وتقديره.
وقوله- تعالى-: إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ جملة مستأنفة لزيادة التهديد والوعيد.
أى: إن رب المبعوثين للحساب والجزاء، لعليم علما تاما بأحوالهم الظاهرة والباطنة، في ذلك اليوم الهائل الشديد الذي يبعث فيه الناس من قبورهم، وسيجازى- سبحانه- الذين أساؤوا بما عملوا، وسيجازى الذين أحسنوا بالحسنى.
نسأل الله- تعالى- أن يجعلنا من أهل طاعته ومثوبته.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 6641
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تفسير سورة القارعة
مقدمة وتمهيد
سورة «القارعة» من السور المكية الخالصة، وكان نزولها بعد سورة «قريش» ، وقبل سورة «القيامة» ، وعدد آياتها إحدى عشرة آية في المصحف الكوفي، وعشر آيات في الحجازي، وثماني آيات في البصري والشامي.
وهي من السور التي فصلت الحديث عن أهوال يوم القيامة، لكي يستعد الناس لاستقباله، بالإيمان والعمل الصالح.
стр. 6642
التفسير قال الله- تعالى-:
[سورة القارعة (١٠١) : الآيات ١ الى ١١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْقارِعَةُ (١) مَا الْقارِعَةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ (٤)
وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩)
وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ (١٠) نارٌ حامِيَةٌ (١١)
ولفظ «القارعة» اسم فاعل من القرع، وهو الضرب بشدة بحيث يحصل منه صوت شديد.
والمراد بها هنا: القيامة، ومبدؤها النفخة الأولى، ونهايتها: قضاء الله- تعالى- بين خلقه، بحكمه العادل، وجزائه لكل فريق بما يستحقه من جنة أو نار.
وسميت القيامة بذلك. كما سميت بالطامة، والصاخة، والحاقة، والغاشية ... إلخ- لأنها تقرع القلوب بأهوالها، وتجعل الأجرام العلوية والسفلية يصطك بعضها ببعض، فيحصل لها ما يحصل من تزلزل واضطراب وتقرع أعداء الله- تعالى- بالخزي والعذاب والنكال، كما قال- تعالى-: وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ.
والاستفهام في قوله- سبحانه-: وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ استفهام عن حقيقتها، والمقصود به التهويل من أمرها، والتفظيع من حالها، وتنبيه النفوس إلى ما يكون فيها من شدائد، تفزع لها القلوب فزعا لا تحيط العبارة بتصويره، ولا تستطيع العقول أن تدرك كنهه.
стр. 6643
و «القارعة» : مبتدأ، و «ما» : مبتدأ ثان، و «القارعة» : خبر المبتدأ الثاني، وجملة المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول.
وقوله- سبحانه-: وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ معطوف على جملة «ما القارعة» والخطاب في قوله وَما أَدْراكَ لكل من يصلح له.
أى: وما أدراك- أيها المخاطب- ما كنهها في الشدة؟ إنها في الشدة والهول شيء عظيم. لا يعلم مقدارها إلا الله- تعالى-.
فالمقصود من الآيات الكريمة: تعظيم شأنها، والتعجيب من حالها، وأنها تختلف عن قوارع الدنيا- مهما بلغ عظمها- اختلافا كبيرا.
وبعد أن بين- سبحانه- أن معرفة حقيقتها أمر عسير ... أتبع ذلك ببيان أحوال الناس وقت وقوعها فقال: يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ.
و «يوم» منصوب بفعل مقدر. والفراش: هو الحشرة التي تتهافت نحو النار، وسمى بذلك لأنه يتفرش وينتشر من حولها.
والمبثوث: المنتشر المتفرق. تقول: بثثت الشيء، إذا فرقته، ومنه قوله- تعالى-:
وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ أى: متناثرة متفرقة.
أى: تحصل القارعة يوم يكون الناس في انتشارهم وكثرتهم واضطرابهم وإقبالهم نحو الداعي لهم نحو أرض المحشر ... كالحشرات الصغيرة المتهافتة نحو النار.
فأنت ترى أنه- سبحانه- قد شبه الناس في هذا الوقت العصيب، بالفراش المتفرق المنتشر في كل اتجاه، وذلك لأن الناس في هذا اليوم يكونون في فزع، يجعل كل واحد منهم مشغولا بنفسه، وفي حالة شديدة من الخوف والاضطراب.
وقوله- سبحانه-: وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ بيان لحالة أخرى من الأحوال التي يكون عليها هذا الكون يوم القيامة.
والعهن: الصوف ذو الألوان المتعددة، والمنفوش: المفرق بعضه عن بعض.
أى: وتكون الجبال في ذلك اليوم، كالصوف الذي ينفش ويفرق باليد ونحوها. لخفته وتناثر أجزائه، حتى يسهل غزله.
والمتأمل في هذه الآيات الكريمة، يراها قد اشتملت على أقوى الأساليب وأبلغها، في التحذير من أهوال يوم القيامة، وفي الحض على الاستعداد له بالإيمان والعمل الصالح.
لأنها قد ابتدأت بلفظ القارعة، المؤذن بأمر عظيم، ثم ثنت بالاستفهام المستعمل في
стр. 6644
التهويل، ثم أعادت اللفظ بذاته بدون إضمار له زيادة في تعظيم أمره، ثم جعلت الخطاب لكل من يصلح له، ثم شبهت الناس فيه تشبيها تقشعر منه الجلود، ثم وصفت الجبال- وهي المعروفة بصلابتها ورسوخها- بأنها ستكون في هذا اليوم كالصوف المتناثر الممزق.
ثم بين- سبحانه- أحوال السعداء والأشقياء في هذا اليوم فقال: فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ، فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ.
أى: فأما من ثقلت موازين حسناته. ورجحت أعماله الصالحة على غيرها. فهو في عيشة مرضية. أو في عيشة ذات رضا من صاحبها، لأنها عيشة هنية كريمة.
وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ أى: خفت موازين حسناته، وثقلت موازين سيئاته، فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ أى: فمرجعه ومأواه الذي يأوى إليه، نار سحيقة يهوى إليها بدون رحمة أو شفقة، بسبب كفره وفسوقه.
فالمراد بالأم هنا: المرجع والمأوى، وبالهاوية: النار التي يسقط فيها، وسميت النار بذلك. لشدة عمقها. وسمى المأوى أمّا، لأن الإنسان يأوى إليه كما يأوى ويلجأ إلى أمه.
ويرى بعضهم أن المراد بأمه هنا الحقيقة، لأن العرب يكنون عن حال المرء بحال أمه في الخير وفي الشر، لشدة محبتها له.
قال صاحب الكشاف: قوله: فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ من قولهم إذا دعوا على الرجل بالهلكة، هوت أمه، لأنه إذا هوى- أى سقط وهلك.. فقد هوت أمه ثكلا وحزنا ... فكأنه قيل: وأما من خفت موازينه فقد هلك.
وقيل: «هاوية» من أسماء النار، وكأنها النار العميقة لهوى أهل النار فيها مهوى بعيدا، كما روى: «يهوى فيها سبعين خريفا» ، أى: فمأواه النار.
وقيل للمأوى: أم، على التشبيه، لأن الأم مأوى الولد ومفزعه ... «١» .
وقال بعض العلماء: واعلم أنه يجب علينا أن نؤمن بما ذكره الله- تعالى- من الميزان في هذه الآية وما يشبهها. وليس علينا أن نبحث فيما وراء ذلك مما لم يثبت عن الله- تعالى- ورسوله ﷺ ونكل ما وراء ذلك إلى علام الغيوب، على أن وزن الأعمال، أو وزن صحائفها أو وزن الصور الجميلة، كل ذلك أمر ممكن، لا يترتب على فرض وقوعه محال، فوقوع شيء من ذلك، لا يعجز الله- تعالى- ولا يقف أمام قدرته الغالبة ... «٢» .
стр. 6645
ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة، بما يزيد من هول هذه الهاوية فقال: وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ، نارٌ حامِيَةٌ.
أى: وأى شيء يخبرك بكنه تلك النار السحيقة؟ إننا نحن الذين نخبرك بذلك فنقول لك- أيها المخاطب- على سبيل التحذير من العمل الذي يؤدى إليها: إنها نار قد بلغت النهاية في حرارتها.
نسأل الله تعالى- أن يعيذنا جميعا منها.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 6646
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تفسير سورة التكاثر
مقدمة وتمهيد
١- سورة «التكاثر» من السور المكية، وسميت في بعض المصاحف سورة «ألهاكم» وكان بعض الصحابة يسمونها «المقبرة» .
قال القرطبي: وهي مكية في قول المفسرين. وروى البخاري أنها مدنية وهي ثماني آيات.
وقد ذكروا في سبب نزولها روايات منها: ما روى عن ابن عباس أنها نزلت في حيين من قريش، بنى عبد مناف. وبنى سهم، تكاثروا بالسادة والأشراف في الإسلام، فقال كل حي منهم: نحن أكثر سيدا، وأعز نفرا ... فنزلت هذه السورة ... «١» .
٢- ومن أغراض السورة الكريمة: النهى عن التفاخر والتكاثر، والحض على التزود بالعمل الصالح، وعلى ما ينجى من العذاب، والتأكيد على أن يوم القيامة حق، وعلى أن الحساب حق، وعلى أن الجزاء حق ...
стр. 6647
التفسير قال الله- تعالى-:
[سورة التكاثر (١٠٢) : الآيات ١ الى ٨]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (٢) كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)
كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)
وقوله- سبحانه-: أَلْهاكُمُ من اللهو وهو الغفلة عن مواطن الخير، والانشغال عما هو نافع.
والتكاثر: التبارى والتباهي بالكثرة في شيء مرغوب فيه كالمال والجاه ...
أى: شغلكم- أيها الناس- التباهي والتفاخر بكثرة الأموال والأولاد والعشيرة، كما ألهاكم حب الدنيا عن القيام بما كلفناكم به ...
حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ أى: بقيتم على هذه الحال، حتى أتاكم الموت، ودفنتم في قبوركم، وانصرف عنكم أحب الناس إليكم، وبقيتم وحدكم.
والخطاب عام لكل عاقل، ويدخل فيه المشركون والفاسقون، الذين آثروا الدنيا على الآخرة دخولا أوليا.
فالمراد بزيارة المقابر: انتهاء الآجال، والدفن في القبور بعد الموت. وعبر- سبحانه- عن ذلك بالزيارة. لأن الميت يأتى الى القبر كالزائر له، ثم بعد ذلك يخرج منه يوم البعث والنشور، للحساب والجزاء، فوجوده في القبر إنما هو وجود مؤقت بوقت يعلمه الله- تعالى-.
стр. 6648
وقد روى أن أعرابيا عند ما سمع هذه الآية قال: بعثوا ورب الكعبة، فقيل له كيف ذلك؟
فقال: لأن الزائر لا بد أن يرتحل.
وقد نهى النبي ﷺ عن التهالك على حطام الدنيا، في أحاديث كثيرة منها ما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن الشّخّير قال: انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو يقول:
«ألهاكم التكاثر قال: يقول ابن آدم مالي مالي، وهل لك من مالك يا ابن آدم إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت» .
وقوله- تعالى-: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ. ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ردع وزجر عن الانشغال عن طاعة الله، وعن التكاثر بالأموال والأولاد.
وكرر لفظ «كلا» ثلاث مرات في هذه السورة، لتأكيد هذا الزجر والردع عن كل ما يشغل الإنسان عن وجوه الخير والبر.
والتعبير بقوله: سَوْفَ لزيادة الزجر، ولتحقيق حصول العلم، وحذف مفعول تَعْلَمُونَ لظهوره من المقام. أى: اتركوا التشاغل بالدنيا والتفاخر بالأموال، فإنكم إن بقيتم على ذلك بدون توبة صادقة، فسوف تعرفون سوء عاقبة ذلك معرفة لا يخامرها شك، ولا يفارقها ريب.
وجملة ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ مؤكدة تأكيدا لفظيا للجملة التي قبلها، وهذا التأكيد المقصود منه المبالغة في الردع والزجر والتحذير من التكاثر والتفاخر ...
ثم أضاف- سبحانه- إلى كل ما سبق من تحذيرات، زواجر أخرى فقال: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ. لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ. ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ ...
وجواب «لو» محذوف لقصد التهويل، و «اليقين» فعيل بمعنى مفعول، وعلم اليقين هو العلم الجازم المطابق للواقع الذي لا شك فيه. والإضافة فيه من إضافة الموصوف إلى الصفة، أو من إضافة العام الى الخاص.
أى: لو تعلمون- علما موثوقا به- سوء عاقبة انشغالكم عن ذكر الله- تعالى- وتكاثركم وتفاخركم بالأموال والأولاد ... لشغلكم هذا العلم اليقيني عما أنتم عليه من التشاغل والتكاثر.
فالمقصود بهذه الجملة الكريمة: الزيادة في ردعهم، لأنه من عادة الغافلين المكابرين. أنك إذا ذكرتهم بالحق وبالرشاد ... زعموا أنهم ليسوا في حاجة إلى هذا الإرشاد، لأنهم أهل علم ومعرفة بالعواقب، فكانت هذه الآية الكريمة بمثابة تنبيههم بأنهم ليسوا على شيء من العلم
стр. 6649
الصحيح، لأنهم لو كانوا كذلك لما تفاخروا، ولما تكاثروا.
وقوله- سبحانه-: لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ جواب قسم مقدر، قصد به تأكيد الوعيد الشديد في التهديد، وبيان أن المهدد به رؤية الجحيم في الآخرة، أى: والله لترون الجحيم في الآخرة.
ثم أكد- سبحانه- هذا المعنى تأكيدا قويا فقال: ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ أى: ثم لترون الجحيم رؤية هي ذات اليقين ونفسه وعينه، وذلك بأن تشاهدوها مشاهدة حقيقية، بحيث لا يلتبس عليكم أمرها.
وقد قالوا إن مراتب العلم ثلاثة: علم اليقين وهو ما كان ناتجا عن الأدلة والبراهين.
وعين اليقين: وهو ما كان عن مشاهدة وانكشاف.
وحق اليقين: وهو ما كان عن ملابسة ومخالطة.
ومثال ذلك أن تعلم بالأدلة أن الكعبة موجودة، فذلك علم اليقين، فإذا رأيتها بعينيك فذلك عين اليقين، فإذا ما دخلت في جوفها فذلك حق اليقين ...
فأنت ترى أنه- سبحانه- قد حذر الناس من الاشتغال عن طاعته، ومن التباهي والتكاثر، بأبلغ أساليب التأكيد وأقواها.
ثم ختم- سبحانه- السورة بقوله: ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ، والمراد بالنعيم هنا: ما يتنعم به الإنسان خلال حياته الدنيوية من مال وولد، ومن طعام وشراب، ومن متعة وشهوة ... من النعومة التي هي ضد الخشونة.
أى: ثم إنكم بعد ذلك- أيها الناس- والله لتسألن يوم القيامة عن ألوان النعم التي منحكم الله- تعالى- إياها، فمن أدى ما يجب عليه نحوها من شكر الله- تعالى- عليها كان من السعداء، ومن جحدها وغمطها وشغلته عن طاعة ربه، وتباهي وتفاخر بها ... كان من الأشقياء، كما قال- تعالى-: وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ.
فالمراد بالسؤال إنما هو سؤال التكريم والتبشير للمؤمنين الشاكرين، وسؤال الإهانة والتوبيخ للفاسقين الجاحدين.
والآية الكريمة دعوة حارة للناس، إلى شكر نعمه- تعالى- واستعمالها فيما خلقت له.
قال القرطبي ما ملخصه: والسؤال يكون للمؤمن والكافر ... والجمع بين الأخبار التي
стр. 6650
وردت في ذلك: أن الكل يسألون، ولكن سؤال الكافر توبيخ، لأنه قد ترك الشكر، وسؤال المؤمن سؤال تشريف، لأنه قد شكر، وهذا النعيم في كل نعمة ... «١» .
نسأل الله- تعالى- أن يجعلنا من عباده الشاكرين ...
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ...
стр. 6651
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تفسير سورة العصر
مقدمة وتمهيد
١- سورة «العصر» وتسمى سورة «والعصر» من السور المكية عند جمهور المفسرين، وكان نزولها بعد سورة «الانشراح» وقبل سورة «العاديات» فهي السورة الثالثة عشرة في ترتيب النزول.
وقيل هي مدنية، والمعول عليه الأول، لأنه المنقول عن ابن عباس وابن الزبير وغيرهما، وعدد آياتها ثلاث آيات.
٢- وقد اشتملت على بيان من هم أهل الخسران، ومن هم أهل السعادة.
قال الآلوسى: وهي على قصرها جمعت من العلوم ما جمعت، فقد روى عن الشافعى أنه قال: لو لم ينزل من القرآن غير هذه السورة لكفت الناس، لأنها شملت جميع علوم القرآن.
وأخرج الطبراني في الأوسط، والبيهقي في الشعب عن أبى حذيفة- وكانت له صحبة- أنه قال: كان الرجلان من أصحاب رسول الله ﷺ إذا التقيا لم يتفرقا، حتى يقرأ أحدهما على الآخر، سورة «والعصر» ثم يسلم أحدهما على الآخر ... أى: عند المفارقة «١» .
стр. 6652
التفسير قال الله- تعالى-:
[سورة العصر (١٠٣) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)
وللعلماء أقوال متعددة في المقصود بالعصر هنا فمنهم من يرى أن المقصود به: الدهر كله، لما فيه من العبر التي تدل دلالة واضحة على عظيم قدرة الله- تعالى-، ولما فيه من الأحداث التي يراها الناس بأعينهم، ويعرفونها عن غيرهم ...
فهم يرون ويسمعون كم من غنى قد صار فقيرا، وقوى قد صار ضعيفا، ومسرور قد أصبح حزينا ... ورحم الله القائل:
أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كر الغداة ومر العشى
قال القرطبي: قوله- تعالى-: وَالْعَصْرِ أى: الدهر، قال ابن عباس وغيره.
فالعصر مثل الدهر ... وأقسم به- سبحانه- لما فيه من التنبيه بتصرف الأحوال وتبدلها «١» ...
ومنهم من يرى أن المقصود به: وقت صلاة العصر، وقد صدر صاحب الكشاف تفسيره لهذه الآية بهذا الرأى فقال: أقسم- سبحانه- بصلاة العصر لفضلها، بدليل قوله- تعالى-: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى - وهي صلاة العصر-، وقوله ﷺ : «من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله» ولأن التكليف في أدائها أشق لتهافت الناس في تجاراتهم ومكاسبهم آخر النهار ... «٢» .
ومنهم من يرى أن المراد بالعصر هنا: عصر النبوة. لأفضليته بالنسبة لما سبقه من عصور.
стр. 6653
وقد رجح الإمام ابن جرير القول الأول فقال: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن ربنا أقسم بالعصر، والعصر اسم الدهر، وهو العشى، والليل والنهار ... «١» .
وقوله- سبحانه-: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ... جواب القسم، والمراد بالإنسان:
جنسه ويدخل فيه الكافر دخولا أوليا. والخسر مثل الخسران، كالكفر بمعنى الكفران ...
أى: إن جنس الإنسان لا يخلو من خسران ونقصان وفقدان للربح في مساعيه وأعماله طوال عمره، وإن هذا الخسران يتفاوت قوة وضعفا.
فأخسر الأخسرين هو الكافر الذي أشرك مع خالقه إلها آخر في العبادة، وأقل الناس خسارة هو المؤمن الذي خلط عملا صالحا بآخر سيئا ثم تاب إلى الله- تعالى- توبة صادقة.
وجاء الكلام بأسلوب القسم، لتأكيد المقسم عليه، وهو أن جنس الإنسان في خسر.
وقال- سبحانه- لَفِي خُسْرٍ للإشعار بأن الإنسان كأنه مغمور بالخسر، وأن هذا الخسران قد أحاط به من كل جانب، وتنكير لفظ «خسر» للتهويل. أى: لفي خسر عظيم.
وقوله- سبحانه-: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ... استثناء مما قبله، والمقصود بهذه الآية الكريمة تسلية المؤمنين الصادقين ... وتبشيرهم بأنهم ليسوا من هذا الفريق الخاسر.
وقوله- تعالى-: وَتَواصَوْا فعل ماض، من الوصية وهي تقديم النصح للغير مقرونا بالوعظ.
و «الحق» : هو الأمر الذي ثبتت صحته ثبوتا قاطعا ...
و «الصبر» : قوة في النفس تعينها على احتمال المكاره والمشاق ...
أى: أن جميع الناس في خسران ونقصان ... إلا الذين آمنوا بالله- تعالى- إيمانا حقا، وعملوا الأعمال الصالحات، من صلاة وزكاة وصيام وحج ... وغير ذلك من وجوه الخير، وأوصى بعضهم بعضا بالتمسك بالحق، الذي على رأسه الثبات على الإيمان وعلى العمل الصالح ... وأوصى بعضهم بعضا كذلك بالصبر على طاعة الله- تعالى-، وعلى البلايا والمصائب والآلام ... التي لا تخلو عنها الحياة.
فهؤلاء المؤمنون الصادقون، الذين أوصى بعضهم بعضا بهذه الفضائل ليسوا من بين الناس
стр. 6654
الذين هم في خسران ونقصان، لأن إيمانهم الصادق وعملهم الصالح ... قد حماهم من الخسران ...
قال بعض العلماء: وقد اشتملت هذه السورة الكريمة على الوعيد الشديد، وذلك لأنه- تعالى- حكم بالخسارة على جميع الناس، الا من كان متصفا بهذه الأشياء الأربعة، وهي:
الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، فدل ذلك على أن النجاة معلقة بمجموع هذه الأمور، وأنه كما يجب على الإنسان أن يأتى من الأعمال ما فيه الخير والنفع، يجب عليه- أيضا- أن يدعو غيره إلى الدين، وينصحه بعمل الخير والبر، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحب لأخيه ما يحب لنفسه، وأن يثبت على ذلك، فلا يحيد عنه، ولا يزحزحه عن الدعوة إليه ما يلاقيه من مشاق ... «١» .
نسأل الله- تعالى- أن يجعلنا من أصحاب هذه الصفات.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 6655
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تفسير سورة الهمزة
مقدمة وتمهيد
١- سورة «الهمزة» من السور المكية، وكان نزولها بعد سورة «القيامة» وقبل سورة «المرسلات» وعدد آياتها تسع آيات.
٢- ومن أهم أغراضها: التهديد الشديد لمن يعيب الناس، ويتهكم بهم، ويتطاول عليهم، بسبب كثرة ماله، وجحوده للحق.
وقد ذكروا أن هذه السورة الكريمة نزلت في شأن جماعة من أغنياء المشركين، منهم: الوليد ابن المغيرة، وأمية بن خلف، وأبى بن خلف ... كانوا يؤذون النبي ﷺ وأصحابه، ويشيعون الأقوال السيئة عنهم.
وهذا لا يمنع أن السورة الكريمة تشمل أحكامها كل من فعل مثل هؤلاء المشركين، إذ العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.