والتوكل: تفعل من وكل فلان أمره إلى فلان. إذا اعتمد في كفايته عليه ولم يتوله بنفسه.
والتوكل الحقيقي إنما يكون بعد الأخذ بالأسباب التي شرعها الله- تعالى- ثم بعد ذلك يترك الإنسان النتائج للخالق- يسيرها كيف يشاء. والجملة الكريمة أفادت قصر التوكل على الله وحده، كما يؤذن به تقديم الجار والمجرور.
أى وعلى الله وحده لا على غيره فليكل المؤمنون أمورهم، بعد اتخاذ الأسباب التي أمرهم- سبحانه- باتخاذها، فإنهم متى فعلوا ذلك تولاهم- سبحانه- بتأييده ورعايته.
ثم ذكرهم- سبحانه- بفضله عليهم وتأييده لهم يوم غزوة بدر فقال- تعالى-: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ.
وبدر: اسم لماء بين مكة والمدينة، التقى عنده المسلمون والمشركون من قريش في السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة، وكان عدد المسلمين ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، وكان عدد المشركين قريبا من ألف رجل، ومع ذلك كان النصر حليفا للمسلمين. والأذلة- كما يقول الزمخشري: جمع قلة، وجاء بجمع القلة ليدل على أنهم على ذلتهم كانوا قليلين.
وذلتهم: ما كان بهم من ضعف الحال، وقلة السلاح والمال والمركوب، وذلك أنهم خرجوا على النواضح يعتقب النفر منهم على البعير الواحد، وما كان معهم إلا فرس واحد. وقلتهم: أنهم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر، وكان عدوهم في حال كثرة زهاء ألف مقاتل ومعهم مائة فرس، ومعهم الشكة والشوكة- أى السلاح والقوة- «١» .
وإذن فليس المراد بكونهم أذلة أنهم كانوا أضعاف النفوس. أو كانوا راضين بالهوان. وإنما المراد أنهم كانوا قليلي العدد والعدد، فقراء في الأموال وفي وسائل القتال.
وفي هذا التذكير لهم بما حدث في غزوة بدر، تنبيه لهم إلى وجوب تفويض أمورهم إلى خالقهم، وإلى أن القلة المؤمنة التقية الصابرة كثيرا ما تنتصر على الكثرة الفاسقة الظالمة، ولذا فقد ختم- سبحانه- بقوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
أى فاتقوا الله بأن تستشعروا هيبته، وتجتنبوا ما نهاكم عنه، وتفعلوا ما أمركم به لعلكم بذلك تكونون قد قمتم بواجب شكر ما أنعم به عليكم من نعم لا تحصى.
ثم ذكرهم- سبحانه- بما كان يوجهه إليهم النبي ﷺ من توجيهات سامية، وإرشادات نافعة فقال- تعالى-: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ.
стр. 912
قال ابن كثير: اختلف المفسرون في هذا الوعد هل كان يوم بدر أو يوم أحد على قولين؟
أحدهما: أن قوله- تعالى-: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ متعلق بقوله وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ، وهذا عن الحسن والشعبي والربيع بن أنس وغيرهم. فعن الحسن في قوله: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ ... إلخ قال: هذا يوم بدر. وعن الشعبي: أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر يريد أن يمد المشركين- برجال وسلاح- فشق ذلك على المسلمين فأنزل الله- تعالى-: أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ إلى قوله: مُسَوِّمِينَ قال: فبلغت كرزا الهزيمة فلم يمد المشركين.
وقال الربيع بن أنس: أمد الله المسلمين بألف ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم صاروا خمسة آلاف.
فإن قيل فكيف الجمع بين هذه الآية على هذا القول وبين قوله في قصة بدر إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ.. إلى قوله: إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ «١» .
فالجواب: أن التنصيص على الألف هاهنا لا ينافي الثلاثة الآلاف فما فوقها لقوله- تعالى-:
مُرْدِفِينَ بمعنى غيرهم ويتبعهم ألوف أخر مثلهم.
وهذا السياق شبيه بالسياق في سورة آل عمران، فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر كما هو المعروف من أن قتال الملائكة إنما كان ببدر.
والقول الثاني يرى أصحابه أن هذا الوعد متعلق بقوله: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وذلك يوم أحد. وهو قول مجاهد وعكرمة والضحاك وغيرهم. لكن قالوا: لم يحصل الإمداد بالخمسة الآلاف، لأن المسلمين يومئذ فروا. وزاد عكرمة: ولا بالثلاثة الآلاف لقوله تعالى-: بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فلم يصبروا، بل فروا فلم يمدوا بملك واحد «٢» . ويبدو من كلام ابن كثير أنه يميل إلى أن هذا الوعد كان يوم بدر، فقد قال: فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر..
وهذا ما تسكن إليه النفس: لأن الوعد بنصرة الملائكة للمؤمنين كان يوم بدر لا يوم أحد، فقد كانوا في بدر قليلي العدد والعدد، وكانت غزوة بدر أول معركة حربية كبرى يلتقى فيها المؤمنون بالكافرين، ولأن سياق الآيات يشعر بأن الله- تعالى- قد ساقها ليستحضر في أذهان المؤمنين مشهد غزوة بدر وما تم فيها من نصر بسبب صدق إيمانهم، وطاعتهم لنبيهم ﷺ حتى لا يعودوا إلى ما حدث من بعضهم في غزوة أحد من مخالفة للرسول ﷺ .
стр. 913
وعلى هذا الرأى يكون قوله- تعالى-: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ متعلقا بقوله: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ أى: اذكروا أيها المؤمنون أن الله- تعالى- قد نصركم ببدر وأنتم قلة في العدد والعدة، وكان رسولكم ﷺ في ذلك الوقت يقول لكم على سبيل التثبيت والتقوية: أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ أى منزلين من السماء لنصرتكم وتقويتكم ودحر أعدائكم.
أما على الرأى القائل بأن هذا الوعد كان في غزوة أحد، فيكون قوله- تعالى-: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ إلخ. بدل من قوله- تعالى- قبل ذلك: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ.
قال الآلوسى: «والهمزة في قوله: أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ لإنكار ألا يكفيهم ذلك. وأتى بلن لتأكيد النفي، وفيه إشعار بأنهم كانوا حينئذ كالآيسين من النصر لقلة عددهم وعدتهم. وفي التعبير بعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين ما لا يخفى من اللطف وتقوية الإنكار.
وقوله: أَنْ يُمِدَّكُمْ في تأويل المصدر فاعل يَكْفِيَكُمْ. ومِنَ الْمَلائِكَةِ بيان أو صفة لآلاف أو لما أضيف إليه. ومُنْزَلِينَ صفة لثلاثة آلاف، وقيل حال من الملائكة» «١» وقوله- تعالى-: بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا إما من تتمة مقوله ﷺ للمؤمنين، وإما ابتداء خطاب من الله- تعالى- تأييدا لقول نبيه ﷺ وزيادة على ما وعدهم تكرما وفضلا.
وقوله: بَلى إيجاب لما بعد «لن» أى، بلى يكفيكم الإمداد بثلاثة آلاف. ولكنه- سبحانه- يعدكم بأنكم إِنْ تَصْبِرُوا على قتال أعدائكم وعلى ما أمركم الله بالصبر عليه، وتتقوا. أى وتتقوا الله وتخشوه وتجتنبوا معاصيه وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا أى ويأتوكم المشركون مسرعين ليحاربوكم، وقد أعددتم أنفسكم لقتالهم، إذا فعلتم ذلك.
يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ، أى يمددكم ربكم بفضله ورعايته لكم بخمسة آلاف من الملائكة معلمين أنفسهم أو خيلهم بعلامات مخصوصة.
وقرئ مُسَوِّمِينَ- بالفتح- أى معلمين من جهته- تعالى- بعلامات القتال. من التسويم وهو إظهار علامة الشيء.
قال صاحب الكشاف: وقوله مِنْ فَوْرِهِمْ هذا من قولك: قفل من غزوته وخرج من فوره إلى غزوة أخرى، وجاء فلان ورجع من فوره. ومنه قول أبى حنيفة- ﵀: الأمر على الفور لا على التراخي، وهو مصدر من فارت القدر إذا غلت، فاستعير للسرعة، ثم
стр. 914
سميت به الحالة التي لا ريث فيها. فقيل: خرج من فوره كما تقول: خرج من ساعته.
والمعنى: أنهم يأتونكم من ساعتهم هذه» «١» .
هذا، وقد تكلم العلماء هنا عن أمرين يتعلقان بهذه الآيات.
أما الأمر الأول فهو: هل أمد الله- تعالى- المؤمنين في غزوة بدر بهذا العدد الذي ذكر في هذه الآية؟.
والجواب على ذلك أن بعض المفسرين يرى أن الله- تعالى- قد أمد المؤمنين في بدر بخمسة آلاف من الملائكة، لأنهم صبروا واتقوا وأتاهم المشركون من مكة فورا حين استنفرهم أبو سفيان لإنقاذ العير، فكان المدد خمسة آلاف على سبيل التدريج، أى أمدوا أولا بألف، ثم صاروا ألفين، ثم صاروا ثلاثة آلاف. ثم صاروا خمسة آلاف لا غير، وإلى هذا الرأى ذهب الحسن وقتادة.
وقال الشعبي: إن المدد لم يزد على الألف، لأن المسلمين كان قد بلغهم أن كرز بن جابر المحاربي يريد أن يمد المشركين بسلاح وجند، فشق ذلك على المسلمين فأنزل الله- تعالى-:
أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ إلى قوله مُسَوِّمِينَ فبلغ كرزا الهزيمة فرجع ولم يمدهم، فلم يمد الله المسلمين بالخمسة الآلاف أيضا. أما ابن جرير فقد اختار أن المسلمين وعدوا بالمدد بعد الألف، ولا دلالة في الآية على أنهم أمدوا بما زاد على ذلك، ولا على أنهم لم يمدوا به، ولا يثبت شيء من ذلك إلا بنص. فقد قال- ﵀:
«وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر عن نبيه ﷺ أنه قال للمؤمنين:
أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ فوعدهم الله بثلاثة آلاف من الملائكة مددا له ثم وعدهم بعد الثلاثة الآلاف خمسة آلاف، إن صبروا لأعدائهم واتقوا الله، ولا دلالة في الآية على أنهم أمدوا بالثلاثة الآلاف، ولا بالخمسة الآلاف ولا على أنهم لم يمدوا بهم.
وقد يجوز أن يكون الله- تعالى- أمدهم على نحو ما رواه الذين أثبتوا أنه أمدهم، وقد يجوز أن يكون لم يمدهم، على نحو الذي ذكره من أنكر ذلك وغير جائز أن يقال في ذلك قول إلا بخبر تقوم الحجة به، ولا خبر به كذلك فنسلم لأحد الفريقين قوله. غير أن في القرآن دلالة على أنهم أمدوا يوم بدر بألف. وذلك قوله- تعالى-: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ. أما في أحد فالدلالة على أنهم لم يمدوا أبين منها في أنهم أمدوا،
стр. 915
ذلك لأنهم لو أمدوا لم يهزموا ونيل منهم ما نيل منهم» «١» .
والذي نراه أن رأى ابن جرير هو أقرب الآراء إلى الصواب.
وأما الأمر الثاني فهو: إذا كان الله- تعالى- قد أمد المؤمنين بالملائكة في بدر، فهل كانت وظيفتهم القتال مع المؤمنين أو كانت وظيفتهم تثبيت المؤمنين فقط؟ والجواب على ذلك أن كثيرا من العلماء يرى أن الملائكة قد قاتلت مع المؤمنين.
قال القرطبي: تظاهرت الروايات بأن الملائكة حضرت يوم بدر وقاتلت.
ومن ذلك قول أبى أسيد مالك بن ربيعة وكان قد شهد بدرا: لو كنت معكم الآن ببدر ومعى بصرى لأريتكم الشعب- أى الطريق في الجبل- الذي خرجت منه الملائكة، لا أشك ولا أمترى» .
وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: بينما رجل من المسلمين يوم بدر يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول: «أقدم حيزوم» «٢» .
فنظر المسلم إلى المشرك أمامه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه. فجاء المسلم إلى رسول الله ﷺ فحدثه بذلك فقال: صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة «٣» .
ويرى فريق آخر من العلماء أن الملائكة ما قاتلت مع المسلمين يوم بدر، وإنما أمد الله المؤمنين بالملائكة لتثبيت نفوسهم، وتقوية قلوبهم، ولتخذيل المشركين، وإلقاء الرعب في قلوبهم، فقد قال- تعالى- إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ.
ويبدو أن الإمام ابن جرير الطبري كان يميل إلى هذا الرأى فقد قال عند تفسيره لقوله- تعالى- فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا أى: قووا عزائمهم، وصححوا نياتهم في قتال عدوهم من المشركين، وقيل: كان ذلك بمعونتهم إياهم بقتال أعدائهم» .
وقد حكى الآلوسى عن أبى بكر الأصم أنه أنكر قتال الملائكة مع المؤمنين في بدر وأنه قال:
«إن الملك الواحد يكفى في إهلاك سائر الأرض كما فعل جبريل بمدائن قوم لوط وأيضا أى فائدة في إرسال هذا الجمع من الملائكة معه وهو القوى الأمين. وأيضا فإن أكابر الكفار الذين قتلوا في بدر عرف من قتلهم من المسلمين» .
стр. 916
ولم يرتض الآلوسى ما قاله الأصم بل قال في الرد عليه: ولا يخفى أن هذه الشبه لا يليق إيرادها بقوانين الشريعة، ولا بمن يعترف بأنه- سبحانه- قادر على ما يشاء فعال لما يريد، فما كان يليق بالأصم إلا أن يكون أخرس عن ذلك.
ثم قال الآلوسى فالواجب التسليم بكل ممكن جاء به النبي ﷺ وتفويض ذلك وكيفيته إلى الله- تعالى- «١» .
ونرى من كلام الآلوسى أنه يرجح الرأى القائل بأن الملائكة قد قاتلت مع المؤمنين في غزوة بدر.
ونحن لا نرى مانعا من اشتراك الملائكة مع المؤمنين في بدر لأن النصوص الواردة عن النبي ﷺ صريحة في ذلك، ولسنا مع الذين يضعفون من شأن الأحاديث الصحيحة أو يؤولونها تأويلا لا يتفق مع العقل السليم.
ولقد سئل الإمام السبكى: ما الحكمة في قتال الملائكة مع أن جبريل قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه؟.
فأجاب: بأن ذلك لإرادة أن يكون الفضل للنبي ﷺ وأصحابه وتكون الملائكة مددا على عادة مدد الجيوش رعاية لصورة الأسباب التي أجراها- سبحانه- في عباده «٢» .
ثم تابع القرآن حديثه عن مظاهر فضل الله عليهم ورعايته لهم فقال- تعالى- وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ، وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ.
أى وما جعل الله- تعالى- الإمداد الذي أمدكم به إلا بشارة لقلوبكم، وتطمينا لنفوسكم فالضمير في جَعَلَهُ يعود إلى الإمداد المفهوم وهو الفاعلي المقدر المدلول عليه بقوله «أن يمدكم» فكأنه قيل: ألن يكفيكم إمداد الله تعالى لكم بما ذكر، وما جعل الله- تعالى- ذلك الإمداد إلا بشرى لكم، ولتسكن قلوبكم به فلا تخافوا كثرة العدو، بل تقدمون عليه بعزائم ثابتة، ونفوس قوية.
وقوله بُشْرى مفعول لأجله. والاستثناء مفرغ من أعم العلل، أى ما جعل الله إمدادكم بإنزال الملائكة لشيء من الأشياء إلا للبشارة لكم بأنكم ستنتصرون على أعدائكم.
وقوله لِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ معطوف على بُشْرى باعتبار موضعه أى ما جعل إمدادكم إلا للبشرى والطمأنينة.
стр. 917
وإنما جر المصدر المؤول من قوله وَلِتَطْمَئِنَّ باللام لاختلال شرط من شروط نصبه على أنه مفعول لأجله، وهذا الشرط هو عدم اتحاد الفاعل. فإن فاعل الجعل هو الله- تعالى-، وفاعل الاطمئنان القلوب، فلذلك نصب المعطوف عليه وهو بُشْرى لاستكمال شروطه. وجر المعطوف وهو وَلِتَطْمَئِنَّ لاختلال شرط من شروطه.
ثم ختم- سبحانه- الآية بقوله: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ.
أى ليس النصر إلا من الله وحده فهو العزيز الذي لا يغالب في أمره. الحكيم الذي يفعل كل ما يريد فعله حسبما تقتضيه إرادته.
فالجملة الكريمة المقصود منها غرس الاعتماد على الله في قلوب المؤمنين وتفويض أمورهم إليه، وبيان أن النصر إنما هو من الله وحده، وليس من الملائكة أو من غيرهم، لأن الملائكة أو غيرهم أسباب عادية بمعزل عن التأثير، إلا إذا أراد الله ذلك. فهو الخالق للأسباب والمسببات.
ولقد حرص القرآن في كثير من آياته على تثبيت هذا المعنى في قلوب المؤمنين حتى لا يعتمدوا على الأسباب والوسائل التي بين أيديهم، ويغتروا بها، دون أن يلتفتوا إلى قدرة خالق الأسباب والوسائل، فإنهم إذا اغتروا بالأسباب والوسائل، ونسوا خالقها أتاهم الفشل من حيث لم يحتسبوا وكان أمرهم فرطا.
والعاقل من الناس هو الذي يباشر الأسباب التي شرعها الله- تعالى- بتدبر واعتبار بحيث يوقن أن من ورائها خالقا لها، يجب أن يستجيب له في كل ما أمر أو نهى، وأن يعتمد عليه في كل شئونه وأحواله.
ثم بين- سبحانه- الحكمة من هذا النصر والثمرات التي ترتبت عليه فقال- تعالى-:
لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ.
وقوله لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ متعلق بقوله وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ وما بينهما تحقيق لحقيته، وبيان لكيفية وقوعه.
والقطع- كما يقول الراغب- فصل الشيء مدركا بالبصر كالأجسام، أو مدركا بالبصيرة كالأشياء المعقولة والمراد به هنا الإهلاك والقتل.
والطرف- بفتح الراء- جانب الشيء أو الجزء المتطرف منه كاليدين والرجلين والرأس.
والمراد به هنا طائفة من المشركين.
والكبت في اللغة: صرع الشيء على وجهه. يقال: كبته فانكبت، والمراد به هنا الإخزاء
стр. 918
والإذلال وشدة الغيظ بسبب ما أصابهم من هزيمة.
وخائبين من الخيبة وهي انقطاع الأمل في الحصول على الشيء. يقال: خاب يخيب إذا لم ينل ما طلب.
والمعنى: ولقد نصركم الله- تعالى- ببدر وأنتم في قلة من العدد والعدة لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أى ليهلك طائفة من الذين كفروا ويستأصلهم بالقتل. وينقص من أرضهم بالفتح، ومن سلطانهم بالقهر، ومن أموالهم بالغنيمة أَوْ يَكْبِتَهُمْ أى يذلهم ويخزيهم ويغيظهم غيظا شديدا بسبب ما نزل بهم من هزيمة، حتى يخبو صوت الكفر، ويعلو صوت الإيمان:
وقوله فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ أى فينهزموا ويرتدوا على أدبارهم منقطعي الآمال، غير ظافرين بمبتغاهم.
قال الآلوسى: «ولم يعبر عن تلك الطائفة بالوسط بل بالطرف فقال لِيَقْطَعَ طَرَفاً لأن أطراف الشيء يتوصل بها إلى توهينه وإزالته. وقيل: لأن الطرف أقرب إلى المؤمنين فهو كقوله- تعالى- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ. وقيل للإشارة إلى أنهم كانوا أشرافا، ومنه قولهم: هو من أطراف العرب أى من أشرافهم، ولعل إطلاق الأطراف على الأشراف لتقدمهم في السير.. فالمعنى ليهلك صناديد الذين كفروا ورؤساءهم المتقدمين فيهم بالقتل والأسر. وقد وقع ذلك في بدر فقد قتل المؤمنون من المشركين سبعين وأسروا سبعين» «١» .
وأَوْ في قوله أَوْ يَكْبِتَهُمْ للتنويع. لأن القطع والكبت قد وقعا للمشركين، فهي مانعة خلو، أى لا يخلو أمر الكافرين من الهلاك والكبت.
وعبر عن عودتهم خائبين بقوله فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ للإشارة إلى أن مقاصدهم وأهدافهم قد انقلبت، فقد كانوا يقصدون إطفاء نور الإسلام فخاب قصدهم، وطاش سهمهم، وعادوا وقد فقدوا الكثيرين من وجوههم وصناديدهم، وتركوا خلفهم في الأسر العشرات من رجالهم.
أما الإسلام فقد ازداد نوره تألقا، وازداد أتباعه إيمانا على إيمانهم. ورزقهم الله- تعالى- نصره المبين.
وقوله لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أى: ليس لك من أمر الناس شيء، وإنما أمرهم إلى الله وحده، أما أنت فوظيفتك التبليغ والإرشاد ثم بعد ذلك من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.
стр. 919
وقوله أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ. أى مما هم فيه من الكفر فيهديهم إلى الإسلام بعد كفرهم وضلالهم.
وقوله أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ أى أو يعذبهم في الدنيا والآخرة على كفرهم واجتراحهم للسيئات، فإنهم بذلك يكونون مستحقين للعقاب، وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، فهم الذين صموا آذانهم عن الحق واستحبوا العمى على الهدى.
وعلى هذا يكون قوله- تعالى- لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ جملة معترضة بين المتعاطفات ويكون تقدير الآيتين هكذا:
ولقد نصركم الله ببدر ليهلك طائفة من الذين كفروا بالقتل والأسر، أو يخزيهم ويغيظهم بالهزيمة، أو يتوب عليهم إن أسلموا، أو يعذبهم في الدنيا والآخرة بسبب ظلمهم، وليس لك من أمرهم شيء، إنما أنت رسول من عند الله- تعالى- مأمور بإنذارهم وجهادهم.
وقد رجح هذا الوجه صاحب الكشاف فقال: وقوله: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ اعتراض. والمعنى أن الله مالك أمرهم، فإما أن يهلكهم أو يهزمهم أو يتوب عليهم إن أسلموا أو يعذبهم إن أصروا على الكفر، وليس لك من أمرهم شيء إنما أنت عبد مبعوث لإنذارهم ومجاهدتهم..
وقيل إن أَوْ بمعنى «إلا أن» كقولك: لألزمنك أو تقضيني حقي، على معنى ليس لك من أمرهم شيء إلا أن يتوب عليهم فتفرح بحالهم، أو يعذبهم فتتشفى منهم «١» .
فأنت ترى أن الآيتين الكريمتين قد بينتا أحوال الكافرين في غزوة بدر أكمل بيان، لأن فريقا منهم قد قتلوا فقطع بهم طرف من الكافرين، وفريقا كبتوا وذلوا، وفريقا من الله عليهم بالإسلام فأسلموا، وفريقا عذبوا بالموت على الكفر أو عذبوا في الدنيا بالذل والصغار.
و «أو» التي جيء بها بين هذه الجمل للتقسيم.
هذا، وقد روى المفسرون في سبب نزول قوله- تعالى- لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ روايات منها ما أخرجه مسلم عن أنس أن النبي ﷺ كسرت رباعيته يوم أحد وشج في وجهه حتى سال الدم على وجهه فقال: كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم- فأنزل الله- تعالى- لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ.
ومنها ما أخرجه البخاري عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو
стр. 920
يدعو لأحد قنت بعد الركوع فربما قال إذا قال سمع الله لمن حمده: «اللهم ربنا ولك الحمد.
اللهم أنج الوليد بن الوليد. وسلمة بن هشام، وعياش بن أبى ربيعة، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسنى يوسف» يجهر بذلك. وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر: اللهم العن فلانا وفلانا «لأحياء من العرب» حتى أنزل الله- تعالى-: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ «١» .
ثم ختم- سبحانه- هذا التذكير بما جرى في غزوة بدر ببيان قدرته الشاملة، وإرادته النافذة فقال- سبحانه-: وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
أى الله جميع ما في السموات وما في الأرض ملكا وتصرفا وتدبيرا لا ينازعه في ذلك منازع ولا يعارضه معارض، وهو- سبحانه- يغفر لمن يشاء أن يغفر له من المؤمنين فلا يعاقبه على ذنبه فضلا منه وكرما، ويعذب من يشاء أن يعذبه عدلا منه وَاللَّهُ غَفُورٌ أى كثير المغفرة يحبها ويريدها، رَحِيمٌ أى واسع الرحمة بعباده، لا يؤاخذهم بكل ما اكتسبوه من ذنوب بل يعفو عن كثير منها.
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد افتتحت الحديث عن غزوة أحد باستحضار بعض أحداثها، وبتذكير المؤمنين بما همّ به بعضهم قبل أن تبدأ المعركة، ثم بتذكيرهم بمعركة بدر وما تم لهم فيها من نصر مؤزر منحه الله لهم مع قلتهم وضعفهم، حتى يعرفوا أن النصر ليس بكثرة العدد والعدد وإنما النصر يتأتى مع صفاء النفوس، ونقاء القلوب، ومضاء العزائم والطاعة التامة الله ولرسوله ﷺ ، وحتى لا يعودوا إلى ما حدث من بعضهم في غزوة أحد من مخالفة رسول الله ﷺ ، ومن طمع في زينة الحياة الدنيا.
وبعد هذا التذكير الحكيم والتوجيه السديد، وجه القرآن نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن تعاطى الربا، وأمرهم بتقوى الله وبطاعته وطاعة رسوله ﷺ وبالمسارعة إلى الأعمال الصالحة التي توصلهم إلى مغفرته ورضوانه فقال- تعالى-:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٣٠ الى ١٣٦]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)
وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (١٣٦)
стр. 921
قال الإمام الرازي ما ملخصه: اعلم أن من الناس من قال: إن الله- تعالى- لما شرح عظيم نعمه على المؤمنين فيما يتعلق بإرشادهم إلى الأصلح لهم في أمر الدين وفي أمر الجهاد، أتبع ذلك بما يدخل في الأمر والنهى والترغيب والترهيب فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً.
وقال القفال: يحتمل أن تكون هذه الآية متصلة بما قبلها من جهة أن المشركين في غزوة أحد أنفقوا على عساكرهم أموالا كثيرة جمعوها من الربا، ولعل ذلك يصير داعيا للمسلمين إلى الإقدام على الربا حتى يجمعوا المال وينفقوه على العسكر، ويتمكنوا من الانتقام منهم، فلا جرم نهاهم الله عن ذلك.
وكان الرجل في الجاهلية إذا كان له على إنسان مائة درهم- مثلا- إلى أجل، فإذا حل الأجل ولم يكن المدين واجدا لذلك المال قال: زدني في المال حتى أزيد في الأجل، فربما جعله مائتين، ثم إذا حل الأجل الثاني فعل مثل ذلك ثم إلى آجال كثيرة، فيأخذ بسبب تلك المائة أضعافها فهذا هو المراد من قوله أَضْعافاً مُضاعَفَةً «١» .
стр. 922
وقد ابتدأ- سبحانه- الآية بالنداء بقوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لبيان أن أكل الربا ليس من شأن المؤمنين، وإنما هو من سمات الكافرين والفاسقين.
وإذا كان الكافرون يستكثرون من تعاطى الربا فعلى المؤمنين أن يجتنبوا هذا الفعل القبيح، وأن يتحروا الحلال في كل أمورهم.
وخصه بالنهى لأنه كان شائعا في ذلك الوقت، ولأنه- كما يقول القرطبي- هو الذي أذن فيه بالحرب في قوله- تعالى- فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ والحرب يؤذن بالقتل، فكأنه يقول لهم: إن لم تتقوا الربا هزمتم وقتلتم «١» .
والمراد من الأكل الأخذ، وعبر عنه بالأكل لما أنه معظم ما يقصد به، ولشيوعه في المأكولات مع ما فيه من زيادة التشنيع.
والربا معناه الزيادة، والمراد بها هنا تلك الزيادة التي كانت تضاف على الدين.
قال الإمام ابن جرير: عن عطاء قال: كانت ثقيف تداين بنى المغيرة في الجاهلية، فإذا حل الأجل قالوا: نزيدكم وتؤخرون.
وقال ابن زيد: كان أبى- زيد بن ثابت- يقول: إنما كان ربا الجاهلية في التضعيف.
يكون للرجل على الرجل دين فيأتيه إذا حل الأجل فيقول له: «تقضيني أو تزيدني» «٢» .
وقوله أَضْعافاً حال من الربا، وقوله مُضاعَفَةً صفة له.
والأضعاف جمع ضعف. وضعف الشيء مثله، وضعفاه مثلاه، وأضعافه أمثاله.
وهذا القيد وهو قوله «أضعافا مضاعفة» ليس لتقييد النهى به، أى ليس النهى عن أكل الربا في هذه الحالة وإباحته في غيرها، بل هذا القيد لمراعاة الواقع، ولبيان ما كانوا عليه في الجاهلية من التعامل الفاسد المؤدى إلى استئصال المال، ولتوبيخ من كان يتعاطى الربا بتلك الصورة البشعة.
وقد حرم الله- تعالى- أصل الربا ومضاعفته، ونفر منه تنفيرا شديدا، فقال- تعالى- الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا.
وهذا النوع من الربا الذي نهى الله- تعالى- عنه هنا بقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً هو الذي يسمى عند الصحابة والفقهاء بربا النسيئة، أو ربا الجاهلية
стр. 923
وقد حرمه الإسلام تحريا قاطعا. فقد قال الرسول ﷺ في خطبة الوداع: «ألا إن ربا الجاهلية موضوع- أى مهدر- وأول ربا أبدأ به ربا عمى العباس بن عبد المطلب.» .
وقال الإمام أحمد بن حنبل: إن ربا النسيئة يكفر من يجحد تحريمه.
ويقابل هذا النوع من الربا، ربا البيوع وهو الذي ورد في حديث النبي ﷺ الذي يقول فيه:
«البر بالبر مثلا بمثل يدا بيد، والذهب بالذهب مثلا بمثل يدا بيد والفضة بالفضة مثلا بمثل يدا بيد والشعير بالشعير مثلا بمصل يدا بيد، والتمر بالتمر مثلا بمثل يدا بيد، والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى» .
وقد اتفق العلماء على أن بيع هذه الأصناف لا بد أن يكون بغير زيادة إذا كانت بمثلها كقمح بقمح، ولا بد من قبضها. وإذا اختلف الجنس كقمح بشعير جازت الزيادة، ولا بد من القبض في المجلس، والتأخير يسمى ربا النساء، والزيادة المحرمة تسمى ربا الفضل.
وللفقهاء في هذا الموضوع مباحث طويلة فليرجع إليها من شاء في مظانها. ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة بأمر المؤمنين بخشيته وتقواه فقال: وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
أى: واتقوا الله بأن تجعلوا بينكم وبين محارمه ساترا ووقاية، لعلكم بذلك تنالون الفلاح في الدنيا والآخرة.
ثم حذرهم- سبحانه- من الأعمال التي تفضى بهم إلى النار فقال: وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ.
أى: صونوا أنفسكم. واحترزوا من الوقوع في الأعمال السيئة كتعاطى الربا وما يشابه ذلك، لأن الوقوع في هذه الأعمال السيئة يؤدى بكم إلى دخول النار التي هيئت للكافرين.
وفي التعقيب على النهى عن تعاطى الربا بتقوى الله وباتقاء النار، إشعار بأن الذي يأكل الربا يكون بعيدا عن خشية الله وعن مراقبته، ويكون مستحقا لدخول النار التي أعدها الله- تعالى- للكافرين والفاسقين عن أمره.
قال صاحب الكشاف: «كان أبو حنيفة- إذا قرأ هذه الآية وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ يقول: هي أخوف آية في القرآن، حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه» «١» .
ثم بعد هذا التحذير الشديد للمؤمنين من ارتكاب ما نهى الله عنه، أمرهم- سبحانه- بطاعته وطاعة رسوله فقال: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ.
стр. 924
أى أطيعوا الله في كل ما أمركم به ونهاكم عنه، وأطيعوا الرسول الذي أرسله إليكم ربكم لهدايتكم وسعادتكم، لعلكم بهذه الطاعة تكونون في رحمة من الله، فهو القائل وقوله الحق إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ.
وفي ذكر طاعة الرسول ﷺ مقترنة بطاعة الله- تعالى- تنبيه إلى أن طاعة الرسول طاعة الله.
فقد قال- تعالى- مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً «١» .
ثم أمرهم- سبحانه- بالمبادرة إلى الأعمال الصالحة التي توصلهم إلى مغفرة الله ورضوانه فقال: وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ.
قال الآلوسى: وسبب نزول هذه الآية على ما أخرجه عبد بن حميد وغيره عن عطاء بن أبى رباح: أن المسلمين قالوا: يا رسول الله. بنو إسرائيل كانوا أكرم على الله منا، كانوا إذا أذنب أحدهم ذنبا أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة في عتبة داره اجدع أنفك، اجدع أذنك، افعل كذا وكذا فسكت ﷺ فنزلت هذه الآيات إلى قوله وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً الآية فقال النبي ﷺ ألا أخبركم بخير من ذلكم ثم تلاها عليهم» «٢» .
وقوله: سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ من السرعة بمعنى المبادرة إلى الشيء بدون تأخير أو تردد. والكلام على حذف مضاف: أى سارعوا وبادروا إلى ما يوصلكم إلى ما به تظفرون بمغفرة ربكم ورحمته ورضوانه وجنته، بأن تقوموا بأداء ما كلفكم به من واجبات، وتنتهوا عما نهاكم عنه من محظورات.
ولقد قرأ نافع وابن عامر بغير واو، وهي قراءة أهل المدينة والشام. والباقون بالواو، وهي قراءة أهل مكة والعراق.
فمن قرأ بالواو، جعل قوله- تعالى- وَسارِعُوا، معطوفا على قوله وَأَطِيعُوا أى:
أطيعوا الله والرسول وسارعوا إلى مغفرة من ربكم.
ومن قرأ بغير واو جعل قوله «سارعوا» مستأنفا، إذ هو بمنزلة البيان أو بدل الاشتمال.
ومِنْ في قوله مِنْ رَبِّكُمْ ابتدائية، والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة للمغفرة أى مغفرة كائنة من ربكم..
ولقد عظم- سبحانه- بذلك شأن هذه المغفرة التي ينبغي طلبها بإسراع ومبادرة، بأن جاء بها منكرة، وبأن وصفها بأنها كائنة منه- سبحانه- هو الذي خلق الخلق بقدرته، ورباهم برعايته.
стр. 925
ووصف- سبحانه- الجنة بأن عرضها السموات والأرض على طريقة التشبيه البليغ، بدليل التصريح بحرف التشبيه في قوله- تعالى- سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ «١» .
قال الفخر الرازي ما ملخصه: وفي معنى أن عرض الجنة مثل عرض السموات والأرض وجوه منها: أن المراد لو جعلت السموات والأرضون طبقا طبقا، بحيث تكون كل واحدة من تلك الطبقات سطحا مؤلفا من أجزاء لا تتجزأ، ثم وصل البعض بالبعض طبقا واحدا لكان ذلك مثل عرض الجنة، وهذا غاية في السعة لا يعلمها إلا الله.
ومنها أن المقصود المبالغة في وصف السعة للجنة، وذلك لأنه لا شيء عندنا أعرض منهما ونظيره قوله خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ. فإن أطول الأشياء بقاء عندنا هو السموات والأرض، فخوطبنا على وفق ما عرفناه، فكذا هنا» «٢» .
وخص- سبحانه- العرض بالذكر، ليكون أبلغ في الدلالة على عظمها واتساع طولها، لأنه إذا كان عرضها كهذا، فإن العقل يذهب كل مذهب في تصور طولها «لأن العرض في العادة أقل من الطول. وذلك كقوله- تعالى- في صفة فرش الجنة مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ لأنه إذا كانت بطانة الفرش من الحرير فكيف يكون ما فوق البطانة مما تراه الأعين؟.
قال القفال: ليس المراد بالعرض هاهنا ما هو خلاف الطول، بل هو عبارة عن السعة كما تقول العرب: بلاد عريضة، ويقال هذه دعوى عريضة أى واسعة عظيمة. والأصل فيه أن ما اتسع عرضه لم يضق، وما ضاق عرضه دق، فجعل العرض كناية عن السعة» .
قال ابن كثير: وقد روينا في مسند الإمام أحمد أن هرقل كتب إلى النبي ﷺ يقول: «إنك دعوتني إلى جنة عرضها السموات والأرض فأين النار؟ فقال النبي ﷺ : سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار» .
وعن أبى هريرة أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: أرأيت قوله- تعالى-: جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ فأين النار قال: أرأيت الليل إذا جاء لبس كل شيء فأين النهار؟
قال: حيث شاء الله فقال ﷺ : «وكذلك النار تكون حيث شاء الله» «٣» .
وقوله- تعالى- أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ أى هيئت للمتقين الذين صانوا أنفسهم عن محارم الله، وجعلوا بينهم وبينها وقاية وساترا، وخافوا مقام ربهم ونهوا أنفسهم عن الهوى.
стр. 926
ثم بين- سبحانه- صفات المتقين الذين يصلحون في الأرض ولا يفسدون، والذين أعد لهم- سبحانه- جنته فقال- تعالى- الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ أى الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله في جميع أحوالهم، فهم يبذلونها ابتغاء وجه ربهم في حال يسرهم وفي حال عسرهم، وفي حال سرورهم وفي حال حزنهم، وفي حال صحتهم وفي حال مرضهم، لا يصرفهم صارف عن إنفاق أموالهم في وجوه الخير ما داموا قادرين على ذلك.
وقوله الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في محل جر صفة للمتقين. ويجوز أن يكون في محل نصب أو رفع على القطع المشعر بالمدح.
وقال يُنْفِقُونَ بالفعل المضارع، للإشارة بأنهم يتجدد إنفاقهم في سبيل الله آنا بعد آن بدون انقطاع.
وقدم الإنفاق على غيره من صفاتهم لأنه وصف إيجابى يدل على صفاء نفوسهم، وقوة إخلاصهم، فإن المال شقيق الروح، فإذا أنفقوه في حالتي السراء والضراء كان ذلك دليلا على التزامهم العميق لتعاليم دينهم وطاعة ربهم.
وقد مدح الله- تعالى- الذين ينفقون أموالهم في سبيله في عشرات الآيات من كتابه، ومن ذلك قوله- تعالى-: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ، وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ «١» أما الصفتان الثانية والثالثة من صفات هؤلاء المتقين فهما قوله تعالى: وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ.
أى سارعوا أيها المؤمنون إلى العمل الصالح الذي يوصلكم إلى جنة عظيمة أعدها الله- تعالى- لمن يبذلون أموالهم في السراء والضراء، ولمن يمسكون غيظهم، ويمتنعون عن إمضائه مع القدرة عليه، ولمن يغضون عمن أساء إليهم، فالمراد بكظم الغيظ حبسه وإمساكه. يقال:
كظم فلان غيظه إذا حبسه ولم يظهره مع قدرته على إيقاعه بمن أغضبه. ويقال: كظم البعير جرته، إذا ردها وكف عن الاجترار. وكظم القربة: إذا ملأها وشد على فمها ما يمنع من خروج ما فيها.
وقد ساق ابن كثير جملة من الأحاديث التي وردت في فضل كظم الغيظ والعفو عن الناس ومن ذلك ما رواه الشيخان عن أبى هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» .
وروى الإمام أحمد- بسنده- عن حارثة بن قدامة السعدي أنه سأل رسول الله ﷺ فقال:
стр. 927
يا رسول الله: قل لي قولا ينفعني وأقلل على لعل أعقله: فقال له: «لا تغضب» فأعاد عليه حتى أعاد عليه مرارا كل ذلك يقول: «لا تغضب» .
وعن أبى بن كعب أن رسول الله ﷺ قال: «من سره أن يشرف له البنيان وترفع له الدرجات فليعف عن من ظلمه ويعط من حرمه، ويصل من قطعه» «١» .
وكظم الغيظ والعفو عن الناس هاتان الصفتان إنما تكونان محمودتين عند ما تكون الإساءة متعلقة بذات الإنسان، أما إذا كانت الإساءة متعلقة بالدين بأن انتهك إنسان حرمة من حرمات الله ففي هذه الحالة يجب الغضب من أجل حرمات الله، ولا يصح العفو عمن انتهك هذه الحرمة.
فلقد وصفت السيدة عائشة النبي ﷺ بأنه كان لا يغضب لنفسه فإذا انتهكت حرمات الله لم يقم لغضبه شيء.
وقوله: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ تذييل مقرر لمضمون ما قبله.
والإحسان معناه الإتقان والإجادة. وأل في المحسنين إما للجنس أى والله- تعالى- يحب كل محسن في قوله وعمله، ويكون هؤلاء الذين ذكر الله صفاتهم داخلين دخولا أوليا.
وإما أن تكون للعهد فيكون المعنى: والله- تعالى- يحب هؤلاء المحسنين الذين من صفاتهم أنهم ينفقون أموالهم في كل حال من أحوالهم، ويكظمون غيظهم، ويعفون عمن ظلمهم.
أما الصفة الرابعة من صفات هؤلاء المتقين فقد ذكرها- سبحانه- في قوله: وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ، وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ.
والفاحشة من الفحش وهو مجاوزة الحد في السوء. والمراد بها الفعلة البالغة في القبح كالزنا والسرقة وما يشبههما من الكبائر.
والمعنى: سارعوا أيها المؤمنون إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدها خالقكم- للمتقين الذين من صفاتهم أنهم ينفقون أموالهم في السراء والضراء، ويكظمون غيظهم، ويعفون عن الناس، وأنهم إذا فعلوا فعلة فاحشة متناهية في القبح، أو ظلموا أنفسهم، بارتكاب أى نوع من أنواع الذنوب «ذكروا الله» أى تذكروا حقه العظيم، وعذابه
стр. 928
الشديد، وحسابه العسير للظالمين يوم القيامة «فاستغفروا لذنوبهم» أى طلبوا منه- سبحانه- المغفرة لذنوبهم التي ارتكبوها، وتابوا إليه توبة صادقة نصوحا.
وعلى هذا يكون قوله- تعالى- وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا معطوفا على الصفة الأولى من صفات المتقين، ويكون قوله- تعالى- وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ جملة معترضة بين الصفات المتعاطفة.
قال الفخر الرازي: واعلم أن وجه النظم من وجهين:
الأول: أنه- تعالى- لما وصف الجنة بأنها معدة للمتقين بين أن المتقين قسمان:
أحدهما: الذين أقبلوا على الطاعات والعبادات، وهم الذين وصفهم بالإنفاق في السراء والضراء، وكظم الغيظ والعفو عن الناس.
وثانيهما: الذين أذنبوا ثم تابوا وهو المراد بقوله- تعالى- وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً وبين- سبحانه- أن هذه الفرقة كالفرقة الأولى في كونها متقية..
والوجه الثاني: أنه في الآية الأولى ندب إلى الإحسان إلى الغير، وندب في هذه الآية إلى الإحسان إلى النفس، فإن المذنب إذا تاب كانت توبته إحسانا منه إلى نفسه» «١» .
وقوله أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ معطوف على قوله فَعَلُوا فاحِشَةً من باب عطف العام على الخاص، وهذا على تفسير الفاحشة بأنها كبائر الذنوب، أما ظلم النفس فيتناول كل ذنب سواء أكان صغيرا أم كبيرا.
وبعضهم يرى أن الفاحشة وظلم النفس وجهان للمعصية لا ينفصلان عنها، بمعنى أن كل معصية لا تخلو منهما فهي فاحشة وظلم للنفس، وعلى هذا تكون «أو» بمعنى الواو.
ويكون المعنى: ومن يرتكب فاحشة ويظلم نفسه، ويتذكر الله عند ارتكابها فيعود إليه تائبا منيبا يكون من المتقين.
وفي التعبير بقوله: إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ بصيغة الشرط الجواب، إشعار بوجوب اقتران الجواب بالشرط. أى أن الشخص الذي يدخل في جملة المتقين هو الذي يعود إلى ربه تائبا فور وقوع المعصية، بحيث لا يسوف ولا يؤخر التوبة حتى إذا حضره الموت.
قال: إنى تبت الآن.
وقوله: وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ جملة معترضة بين قوله فَاسْتَغْفَرُوا وبين قوله وَلَمْ يُصِرُّوا.
стр. 929
والاستفهام في قوله: وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ للإنكار والنفي.
أى: لا أحد يقبل توبة التائبين، ويغفر ذنوب المذنبين، ويمسح خطايا المخطئين، إلا الله العلى الكبير «الذي يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويتوب الله على من تاب» - كما جاء في الحديث الشريف- ولذا قال صاحب الكشاف عند تفسيره لهذه الجملة ما ملخصه: في هذه الجملة وصف لذاته- تعالى- بسعة الرحمة، وقرب المغفرة، وأن التائب من ذنبه كمن لا ذنب له، وأنه لا مفزع للمذنبين إلا فضله وكرمه.
وفيها تطييب لنفوس العباد، وتنشيط للتوبة، وبعث عليها، وردع عن اليأس والقنوط، وأن الذنوب وإن جلت فإن عفوه أجل، وكرمه أعظم. والمعنى أنه وحده عنده مصححات المغفرة، وهذه جملة معترضة بين المعطوف، والمعطوف عليه» «١» .
وقوله وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ بيان لشروط الاستغفار المقبول عند الله- تعالى-.
أى أن من صفات المتقين أنهم إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم، سارعوا بالتوبة إلى الله- تعالى-، ولم يصروا على الفعل القبيح الذي فعلوه، وهم عالمون بقبحه، بل يندمون على ما فعلوا، ويستغفرون الله- تعالى- مما فعلوا، ويتوبون إليه توبة صادقة.
وقوله وَلَمْ يُصِرُّوا معطوف على قوله فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ.
وقوله وَهُمْ يَعْلَمُونَ جملة حالية من فاعل «يصروا» أى ولم يصروا على ما فعلوا وهم عالمون بقبحه.
ومفعول يعلمون محذوف للعلم به أى يعلمون سوء فعلهم، أو يعلمون أن الله يتوب على من تاب، أو يعلمون عظم غضب الله على المذنبين الذين يداومون على فعل القبائح دون أن يتوبوا إليه.
فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد فتحت باب التوبة أمام المذنبين، وحرضتهم على ولوجه بعزيمة صادقة، وقلب سليم، ولم تكتف بذلك بل بشرتهم بأنهم متى أقلعوا عن ذنوبهم، وندموا على ما فعلوا، وعاهدوا الله على عدم العودة على ما ارتكبوه من خطايا، وردوا المظالم إلى أهلها، فإن الله- تعالى- يغفر لهم ما فرط منهم، ويحشرهم في زمرة عباده المتقين.
إنه- سبحانه- لا يغلق في وجه عبده الضعيف المخطئ باب التوبة، ولا يلقيه حائرا منبوذا في ظلام المتاهات، ولا يدعه مطرودا خائفا من المصير، وإنما يطمعه في مغفرته- سبحانه-
стр. 930
ويرشده إلى أسبابها، ويغريه بمباشرة هذه الأسباب حتى ينجو من العقاب.
ولقد ساق- سبحانه- في عشرات الآيات ما يبشر التائبين الصادقين في توبتهم بمغفرته ورحمته ورضوانه، ومن ذلك قوله- تعالى-: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ، وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً. إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً. وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً «١» .
وقد وردت أحاديث كثيرة في هذا المعنى ومن ذلك ما رواه أبو داود والترمذي عن أبى بكر الصديق- رضى الله عنه- قال: رسول الله ﷺ : «ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة» «٢» .
وقال القرطبي: وأخرج الشيخان عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه» .
وفي صحيح مسلم عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم» .
ثم قال القرطبي: «والذنوب التي يتاب منها إما كفر أو غيره فتوبة الكافر إيمانه مع ندمه على ما سلف من كفره، وغير الكفر إما حق الله- تعالى- وإما حق لغيره فحق الله- تعالى- يكفى في التوبة منه الترك، غير أن منها ما لم يكتف الشرع فيها بمجرد الترك، بل أضاف إلى ذلك في بعضها قضاء كالصلاة والصوم. ومنها ما أضاف إليها كفارة كالحنث في الأيمان والظهار وغير ذلك وأما حقوق الآدميين فلا بد من إيصالها إلى مستحقيها، فإن لم يوجدوا تصدق عنهم، ومن لم يجد السبيل لخروج ما عليه لإعسار فعفو الله مأمول، وفضله مبذول، فكم ضمن من التبعات، وبدل من السيئات بالحسنات» «٣» .
ثم بين- سبحانه- عاقبة من هذه صفاتهم فقال: أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ، وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ.
أى: أولئك الموصوفون بتلك الصفات السابقة من الإنفاق في السراء والضراء، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس.. إلخ أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ تستر ذنوبهم، وتمسح خطاياهم.
стр. 931
وفي الإشارة إليهم بأولئك الدالة على البعد، إشعار بعلو منزلتهم في الفضل، وسمو مكانتهم عند الله- تعالى-.
وقوله وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ معطوف على مَغْفِرَةٌ أى لهم بجانب هذه المغفرة جنات تجرى من تحت أشجارها وثمرها الأنهار.
وقوله خالِدِينَ فِيها حال مقدرة من الضمير المجرور في جَزاؤُهُمْ لأنه مفعول به في المعنى، إذ هو بمعنى أولئك يجزيهم الله- تعالى- جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها.
فأنت ترى أن الله- تعالى- قد وعد أصحاب هذه الصفات بأمور ثلاثة:
وعدهم بغفران ذنوبهم وهذا منتهى الأماني والآمال.
ووعدهم بإدخالهم في جناته التي يتوفر لهم فيها وتشتهيه الأنفس وتلذ الأعين.
ووعدهم بالخلود في تلك الجنات حتى يتم لهم السرور والحبور.
وقوله- تعالى- وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ تذييل قصد به مدح ما أعد لهم من جزاء، حتى يرغب في تحصيله العقلاء.
والمخصوص بالمدح محذوف أى ونعم أجر العاملين هذا الجزاء الذي وعدهم الله به مغفرة وجنات خالدين فيها.
وبذلك نرى السورة الكريمة قبل أن تفصل الحديث عن غزوة أحد، قد ذكرت المؤمنين بطرف مما حدث من بعضهم فيها، وبالنتائج الطيبة التي حصلوا عليها من غزوة بدر، ثم أمرتهم بتقوى الله، وبالمسارعة إلى الأعمال الصالحة التي توصلهم إلى رضاه.
ثم أخذت السورة الكريمة بعد ذلك تتحدث عن غزوة أحد وعن آثارها في نفوس المؤمنين، فبدأت بالإشارة إلى سنن الله في المكذبين بآياته لتخفف عن المؤمنين مصابهم، ثم أمرتهم بالصبر والثبات ونهتهم عن الوهن والجزع لأنهم هم الأعلون. وإن تكن قد أصابتهم جراح فقد أصيب المشركون بأمثالها، والله- تعالى- فيما حدث في غزوة أحد حكم، منها: تمييز الخبيث من الطيب، وتمحيص القلوب واتخاذ الشهداء، ومحق الكافرين.
استمع إلى القرآن الكريم وهو يسوق تلك المعاني بأسلوبه الذي يبعث الأمل في قلوب المؤمنين. ويرشدهم إلى ما يقويهم ويثبتهم، ويمسح بتوجيهاته دموعهم، ويخفف عنه آلامهم فيقول:
стр. 932
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٣٧ الى ١٤٣]
قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ (١٤١)
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)
قال الفخر الرازي ما ملخصه: اعلم أن الله- تعالى- لما وعد على الطاعة والتوبة من المعصية، الغفران والجنات، أتبعه بذكر ما يحملهم على فعل الطاعة وعلى التوبة من المعصية.
وهو تأمل أحوال القرون الخالية من المطيعين والعاصين فقال: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ.
وأصل الخلو في اللغة: الانفراد. والمكان الخالي هو المنفرد عمن يسكن فيه. ويستعمل أيضا في الزمان بمعنى المضي: لأن ما مضى انفرد عن الوجود وخلا عنه، وكذا الأمم الخالية.
والسنن جمع سنة وهي الطريقة المستقيمة والمثال المتبع. وفي اشتقاق هذه اللفظة وجوه منها:
أنها فعلة من سن الماء يسنه إذا والى صبه. والسن الصب للماء. والعرب شبهت الطريقة المستقيمة بالماء المصبوب، فإنه لتوالى أجزاء الماء فيه على نهج واحد يكون كالشىء الواحد» «١» .
стр. 933
والمراد بالسنن هنا: وقائع في الأمم المكذبة، أجراها الله- تعالى- على حسب عادته، وهي الإهلاك والدمار بسبب كفرهم وظلمهم وفسوقهم عن أمره.
والمعنى: إنه قد مضت وتقررت من قبلكم- أيها المؤمنون- سنن ثابتة، ونظم محكمة فيما قدره- سبحانه- من نصر وهزيمة، وعزة وذلة، وعقاب في الدنيا وثواب فيها، فالحق يصارع الباطل، وينتصر أحدهما على الآخر بما سنه- سبحانه- من سنة في النصر والهزيمة.
وقد جرت سننه- سبحانه- في خلقه أن يجعل العاقبة للمؤمنين الصادقين، وأن يملى للكافرين ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر.
فإن كنتم في شك من ذلك- أيها المؤمنون- فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ.
أى: فسيروا في الأرض متأملين متبصرين، فسترون الحال السيئة التي انتهى إليها المكذبون من تخريب ديارهم، وبقايا آثارهم.
قالوا: وليس المراد بقوله فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا الأمر بذلك لا محالة، بل المقصود تعرف أحوالهم، فإن حصلت هذه المعرفة بغير المسير في الأرض كان المقصود حاصلا، ولا يمتنع أن يقال أيضا: إن لمشاهدة آثار المتقدمين أثرا أقوى من أثر السماع كما قال الشاعر:
تلك آثارنا تدل علينا ... فانظروا بعدنا إلى الآثار «١»
والتعبير بلفظ كيف الدال على الاستفهام، المقصود به تصوير حالة هؤلاء المكذبين التي تدعو إلى العجب، وتثير الاستغراب، وتغرس الاعتبار والاتعاظ في قلوب المؤمنين لأن هؤلاء المكذبين. مكن الله لهم في الأرض، ومنحهم الكثير من نعمه. ولكنهم لم يشكروه عليها، فأهلكهم بسبب طغيانهم.
فهذه الآية وأشباهها من الآيات، تدعو الناس إلى الاعتبار بأحوال من سبقوهم. وإلى الاتعاظ بأيام الله، وبالتاريخ وما فيه من أحداث، وبالآثار التي تركها السابقون، فإنها أصدق من رواية الرواة ومن أخبار المخبرين.
ثم قال- تعالى- هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ.
والبيان: هو الدلالة التي تفيد إزالة الشبهة بعد أن كانت حاصلة.
والهدى: هو الإرشاد إلى ما فيه خير الناس في الحال والاستقبال.
стр. 934
والموعظة: هي الكلام الذي يفيد الزجر عما لا ينبغي من الأمور الدينية أو الدنيوية.
قالوا: فالحاصل أن البيان جنس تحته نوعان:
أحدهما: الكلام الهادي إلى ما ينبغي في الدين وهو الهدى.
والثاني: الكلام الزاجر عما لا ينبغي في الدين وهو الموعظة. فعطفهما على البيان من عطف الخاص على العام» «١» .
واسم الإشارة يعود إلى ما تقدم هذه الآية الكريمة من أوامر ونواه، ومن وعد ووعيد، ومن حض على السير في الأرض للاعتبار والاتعاظ.
أى هذا الذي ذكرناه لكم من وعد ووعيد، ومن أوامر ونواه، ومن حض على الاعتبار بأحوال المكذبين، بَيانٌ لِلنَّاسِ يكشف لهم الحقائق ويرفع عنهم الالتباس وَهُدىً يهديهم إلى ما فيه خيرهم وسعادتهم وَمَوْعِظَةٌ أى تخويف نافع لِلْمُتَّقِينَ الذين يعتبرون بالمثلات، وينتفعون بالعظات.
وقيل: إن اسم الإشارة يعود إلى القرآن.
أى هذا القرآن بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين.
وقد رجح ابن جرير الرأى الأول فقال: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب: قول من قال: قوله هذا إشارة إلى ما تقدم هذه الآية من تذكير الله- المؤمنين، وتعريفهم حدوده، وحضهم على لزوم طاعته، والصبر على جهاد أعدائه، لأن قوله هذا إشارة إلى حاضر إما مرئى وإما مسموع وهو في هذا الموضع إلى حاضر مسموع من الآيات المتقدمة، فمعنى الكلام: هذا الذي أوضحت لكم وعرفتكموه بيان للناس» «٢» .
والمراد بالناس جميعهم، إذ أن ما ساقه الله- تعالى- من دلالات وهدايات وعظات هي للناس كافة، إلا أن الذين ينتفعون بها هم المتقون، لأنهم هم الذين أخلصوا قلوبهم الله، وهم الذين طلبوا الحق وسلكوا طريقه ...
والكلمة الهادية لا يستفيد بها إلا القلب المؤمن المفتوح للهدى، والعظة البالغة لا ينتفع بها إلا القلب الخاشع المنيب، والناس في كل زمان ومكان لا ينقصهم- في الغالب- العلم بالحق وبالباطل، وبالهدى والضلال.... وإنما الذي ينقصهم هو القلب السليم الذي يسارع إلى الحق فيعتنقه ويدافع عنه بإخلاص وإصرار، ولذا وجدنا القرآن في هذه الآية- وفي عشرات
стр. 935
الآيات غيرها- يصرح بأن المنتفعين بالتذكير هم المتقون فيقول: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ.
وبعد هذا البيان الحكيم، يتجه القرآن إلى المؤمنين بالتثبيت والتعزية فينهاهم عن أسباب الفشل والضعف، ويأمرهم بالصمود وقوة اليقين. ويبشرهم بأنهم هم الأعلون فيقول:
وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
وقوله تَهِنُوا من الوهن- بسكون الهاء وفتحها- وهو الضعف. وأصله ضعف الذات كما في قوله- تعالى- حكاية عن زكريا: قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي أى ضعف جسمي.
وهو هنا مجاز عن خور العزيمة، وضعف الإرادة، وانقلاب الرجاء يأسا والشجاعة جبنا، واليقين شكا، ولذلك نهوا عنه.
وقوله تَحْزَنُوا من الحزن وهو ألم نفسي يصيب الإنسان عند فقد ما يحب أو عدم إدراكه، أو عند نزول أمر يجعل النفس في هم وقلق.
والمقصود من النهى عن الوهن والحزن، النهى عن سببهما وعن الاسترسال في الألم مما أصابهم في غزوة أحد.
والمعنى: لا تسترسلوا- أيها المؤمنون- في الهم والألم مما أصابكم في يوم أحد، ولا تضعفوا عن جهاد أعدائكم فإن الضعف ليس من صفات المؤمنين، ولا تحزنوا على من قتل منكم فإن هؤلاء القتلى من الشهداء الذين لهم منزلتهم السامية عند الله.
وقوله وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ جملة حالية من ضمير الجماعة في ولا تهنوا ولا تحزنوا والمقصود بها بشارتهم وتسليتهم وإدخال الطمأنينة على قلوبهم.
أى لا تضعفوا ولا تحزنوا والحال أنكم أنتم الأعلون الغالبون دون عدوكم فأنتم قد أصبتم منهم في غزوة بدر أكثر مما أصابوا منكم في غزوة أحد. وأنتم تقاتلون من أجل إعلاء كلمة الله وهم يقاتلون في سبيل الطاغوت.
وأنتم سيكون لكم النصر عليهم في النهاية، لأن الله- تعالى- قد وعدكم بذلك فهو القائل: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ «١» .
وقوله إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ جملة شرطية، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله.
أى: إن كنتم مؤمنين حقا فلا تهنوا ولا تحزنوا بل اعتبروا بمن سبقكم ولا تعودوا لما وقعتم
стр. 936
فيه من أخطاء فإن الإيمان يوجب قوة القلب، وصدق العزيمة، والصمود في وجه الأعداء، والإصرار على قتالهم حتى تكون كلمة الله هي العليا.
والتعليق بالشرط في قوله إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ المراد منه التهييج لنفوسهم حتى يكون تمسكها بالإيمان أشد وأقوى، إذ قد علم الله- تعالى- أنهم مؤمنون، ولكنهم لما لاح عليهم الوهن والحزن بسبب ما أصابهم في أحد صاروا بمنزلة من ضعف يقينه، فقيل لهم: إن كنتم مؤمنين حقا فاتركوا الوهن والحزن وجدوا في قتال أعدائكم، فإن سنة الله في خلقه اقتضت أن تصيبوا من أعدائكم وأن تصابوا منهم إلا أن العاقبة ستكون لكم.
فالآية الكريمة تحريض للمؤمنين على الجهاد والصبر، وتشجيع على القتال وتسلية لهم عما أصابهم، وبشارة بأن النصر في النهاية سيكون حليفهم.
ثم أضاف- سبحانه- إلى ذلك تسلية جديدة لهم، فأخبرهم بأن ما أصابهم من جراح وآلام قد أصيب أعداؤهم بمثله فقال- تعالى-: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ.
فقال الفخر الرازي: واعلم أن هذا من تمام قوله- تعالى- وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ فبين- تعالى- أن الذي يصيبهم من القرح لا يصح أن يزيل جدهم واجتهادهم في جهاد العدو، وذلك لأنه كما أصابهم ذلك فقد أصاب عدوهم مثله قبل ذلك، فإذا كانوا مع باطلهم وسوء عاقبتهم لم يفتروا لأجل ذلك في الحرب، فبأن لا يلحقكم الفتور مع حسن العاقبة والتمسك بالحق أولى «١» .
والمراد بالمس هنا: الإصابة بالجراح ونحوها.
والقرح- بفتح القاف- الجرح الذي يصيب الإنسان، والقرح- بضم القاف- الألم الذي يترتب على ذلك وقيل هما لغتان بمعنى واحد وهو الجرح وأثره.
والمعنى: إن تكونوا- أيها المؤمنون- قد أصابتكم الجراح من المشركين في غزوة أحد، فأنتم قد أنزلتم بهم من الجراح في غزوة بدر مثل ما أنزلوا بكم في أحد، ومع ذلك فإنهم بعد بدر قد عادوا لقتالكم، فأنتم أولى بسبب إيمانكم ويقينكم ألا تهنوا وألا تحزنوا لما أصابكم في أحد وأن تعقدوا العزم على منازلتهم حتى يظهر أمر الله وهم كارهون.
وقيل: إن المعنى إن تصبكم الجراح في أحد فقد أصيب القوم بجراح مثلها في هذه المعركة ذاتها.
стр. 937
وقد ذكر صاحب الكشاف هذين المعنيين فقال: والمعنى: إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم قبله يوم بدر، ثم لم يضعف ذلك قلوبهم، ولم يثبطهم عن معاودتكم بالقتال فأنتم أولى أن لا تضعفوا. ونحوه وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وقيل: كان ذلك يوم أحد، فقد نالوا منهم قبل أن يخالفوا أمر رسول الله ﷺ .
فإن قلت: كيف قيل «قرح مثله» وما كان قرحهم يوم أحد مثل قرح المشركين؟ قلت: بلى كان مثله. ولقد قتل يومئذ خلق من الكفار. ألا ترى إلى قوله- تعالى- وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ، حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ
«١» .
ويبدو لنا أن الظاهر هو الرأى الأول، وهو أن الكلام عن غزوتى بدر وأحد، لأن الله- تعالى- قد ساق هذه الآية الكريمة لتسلية المؤمنين بأن ما أصابهم في أحد من المشركين قد أصيب المشركون بمثله على أيدى المؤمنين في غزوة بدر، فلماذا يحزنون أو يضعفون؟ ولأن قوله- تعالى- بعد ذلك وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ، يؤيد هذا المعنى- كما سنبينه بعد قليل-.
وجواب الشرط في قوله إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ ... إلخ. محذوف. والتقدير إن يمسسكم قرح فاصبروا عليه واعقدوا عزمكم على قتال أعدائكم، فقد مسهم قرح مثله قبل ذلك.
وعبر عما أصاب المسلمين في أحد بصيغة المضارع يَمْسَسْكُمْ لقربه من زمن الحال، وعما أصاب المشركين بصيغة الماضي لبعده لأن ما أصابهم كان في غزوة بدر.
وقوله وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ بيان لسنة الله الجارية في كونه، وتسلية للمؤمنين عما أصابهم في أحد.
وقوله نُداوِلُها من المداولة، وهي نقل الشيء من واحد إلى آخر.
يقال: هذا الشيء تداولته الأيدى، أى انتقل من واحد إلى آخر ...
والمعنى: لا تجزعوا أيها المؤمنون لما أصابكم من الجراح في أحد على أيدى المشركين فهم قد أصيبوا منكم بمثل ذلك في غزوة بدر، وإن أيام الدنيا هي دول بين الناس، لا يدوم سرورها ولا غمها لأحد منهم، فمن سره زمن ساءته أزمان، ومن أمثال العرب. الحرب سجال، والأيام دول فهي تارة لهؤلاء وتارة لأولئك، كما قال الشاعر:
стр. 938
فلا وأبى الناس لا يعلمون ... فلا الخير خير ولا الشر شر
فيوم علينا، ويوم لنا ... ويوم نساء ويوم نسر
واسم الإشارة تِلْكَ مشاربه إلى ما بعده، كما في الضمائر المبهمة التي يفسرها ما بعدها، ومثل هذا التركيب يفيد التفخيم والتعظيم.
والمراد بالأيام: الأوقات والأزمان المختلفة لا الأيام العرفية التي يتكون الواحد منها من مدة معينة.
وقد فسر صاحب الكشاف مداولة الأيام بتبادل النصر، فقال: وقوله: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ، تلك مبتدأ. والأيام صفته ونُداوِلُها خبره.
ويجوز أن يكون تِلْكَ الْأَيَّامُ مبتدأ وخبرا، كما تقول: هي الأيام تبلى كل جديد.
والمراد بالأيام: أوقات الظفر والغلبة. ونداولها: نصرفها بين الناس، نديل تارة لهؤلاء وتارة لهؤلاء» «١» .
وقد تكلم الإمام الرازي عن الحكمة في مداولة الأيام بين الناس فقال ما ملخصه: واعلم أنه ليس المراد من هذه المداولة أن الله- تعالى- ينصر المؤمنين وأخرى ينصر الكافرين، وذلك لأن نصرة الله منصب شريف، وإعزاز عظيم فلا يليق بالكافر، بل المراد من هذه المداولة أنه تارة يشدد المحنة على الكفار وأخرى على المؤمنين والفائدة فيه من وجوه:
الأول: إنه- سبحانه- لو شدد المحنة على الكفار في جميع الأوقات وأزالها عن المؤمنين في جميع الأوقات. لحصل العلم الاضطراري بأن الإيمان حق وما سواه باطل، ولو كان كذلك لبطل التكليف والثواب والعقاب، فلهذا المعنى تارة يسلط الله المحنة على أهل الإيمان وأخرى على أهل الكفر لتكون الشبهات باقية، والمكلف يدفعها بواسطة النظر في الدلائل الدالة على صحة الإسلام فيعظم ثوابه عند الله.
والثاني: أن المؤمن قد يقدم على بعض المعاصي، فيكون تشديد المحنة عليه في الدنيا أدبا، وأما تشديد المحنة على الكافر فإنه يكون غضبا من الله عليه» «٢» .
ووجه آخر وهو شحذ عزائم المؤمنين في اتخاذ وسائل النصر فلا يركنوا إلى إيمانهم ويتركوا العمل بالأسباب.
ثم كشفت السورة الكريمة عن جوانب من حكمة الله فيما وقع من أحداث في غزوة أحد،
стр. 939
وفيما وراء مداولة الأيام بين الناس فقال- تعالى- وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ.
أى فعلنا ما فعلنا في أحد، واقتضت حكمتنا أن نداول الأيام بينكم وبين عدوكم، ليظهر أمركم- أيها المؤمنون-، وليتميز قوى الإيمان من ضعيفه.
فمعنى علم الله هو تحقق ما قدره في الأزل فيعلمه الناس، ويعلمه الله- تعالى- واقعا حاضرا، وذلك لأن العلم الغيبى لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب، وإنما يترتبان على المعلوم إذا صار مشاهدا واقعا في الحس.
قال صاحب الكشاف: وقوله وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا فيه وجهان:
أحدهما: أن يكون المعلل محذوفا والمعنى: وليتميز الثابتون على الإيمان منكم من الذين على حرف فعلنا ذلك. وهو من باب التمثيل. بمعنى: فعلنا ذلك فعل من يريد أن يعلم من الثابت على الإيمان منكم من غير الثابت، وإلا فالله- لم يزل عالما بالأشياء قبل كونها.
والثاني: أنه تكون العلة محذوفة، وهذا عطف عليه والمعنى: وفعلنا ذلك ليكون كيت وليعلم الله. وإنما حذف للإيذان بأن المصلحة فيما فعل ليست بواحدة، ليسليهم عما جرى عليهم، وليبصرهم بأن العبد يسوؤه ما يجرى عليه من المصائب، ولا يشعر أن الله في ذلك من المصالح ما هو غافل عنه» «١» .
وقوله وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ بيان لحكمة أخرى لما أصاب المسلمين يوم أحد.
أى: وليكرم ناسا منكم بالشهادة ليكونوا مثالا لغيرهم في التضحية بالنفس من أجل إعلاء كلمة الله، والدفاع عن الحق. وهو- سبحانه- يحب الشهداء من عباده، ويرفعهم إلى أعلا الدرجات، وأسمى المنازل.
قال القرطبي ما ملخصه: قوله- تعالى- وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ أى يكرمكم بالشهادة، أى ليقتل قوم منكم فيكونوا شهداء على الناس بأعمالهم. وقيل: لهذا قيل شهيد.
وقيل: سمى شهيدا لأنه مشهود له بالجنة. وقيل: سمى شهيدا، لأن أرواحهم احتضرت دار السّلام لأنهم أحياء عند ربهم، فالشهيد بمعنى الشاهد أى الحاضر للجنة. والشهادة فضلها عظيم ويكفيك في فضلها قوله- تعالى- إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ... الآية. وفي الحديث الشريف أن رجلا قال: يا رسول الله، ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ فقال ﷺ «كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة» «٢» .
стр. 940
وقوله- تعالى- وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ جملة معترضة لتقرير مضمون ما قبلها.
أى: والله- تعالى- لا يحب الذين ظلموا أنفسهم بسبب كفرهم ونفاقهم وتخاذلهم عن نصرة الحق، وإنما يحب المؤمنين الثابتين على الحق، المجاهدين بأنفسهم وأموالهم في سبيل إعلاء دين الله، ونصرة شريعته.
ثم ذكر- سبحانه- حكمتين أخريين لما جرى للمؤمنين في غزوة أحد فقال: وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ.
وقوله وَلِيُمَحِّصَ من المحص بمعنى التنقية والتخليص. يقال: محصت الذهب بالنار ومحصته إذا أزلت عنه ما يشوبه من خبث. أو من التمحيص بمعنى الابتلاء والاختبار.
وقوله وَيَمْحَقَ من المحق وهو محو الشيء والذهاب به، وأصله نقص الشيء قليلا قليلا حتى يفنى. يقال: محق فلان هذا الطعام إذا نقصه حتى أفناه ومنه المحاق، لآخر الشهر، لأن الهلال يبلغ أقصى مدى النقصان فيختفى.
والمعنى: ولقد فعل- سبحانه- ما فعل في غزوة أحد، لكي يطهر المؤمنين ويصفيهم من الذنوب، ويخلصهم من المنافقين المندسين بينهم، ولكي يهلك الكافرين ويمحقهم بسبب بغيهم وبطرهم.
فأنت ترى أن الله- تعالى- قد ذكر أربع حكم لما حدث للمؤمنين في غزوة أحد وهي:
تحقق علم الله- تعالى- وإظهاره للمؤمنين، وإكرام بعضهم بالشهادة التي توصل صاحبها إلى أعلى الدرجات، وتطهير المؤمنين وتخليصهم من ذنوبهم ومن المنافقين، ومحق الكافرين واستئصالهم رويدا رويدا.
ثم بين- سبحانه- أن طريق الجنة محفوف بالمكاره، وأن الوصول إلى رضا الله- تعالى- يحتاج إلى جهاد عظيم، وصبر طويل فقال- تعالى-: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ وأَمْ هنا يرى كثير من العلماء أنها منقطعة، بمعنى بل الانتقالية، لأن الكلام انتقال من تسليتهم إلى معاتبتهم على ما حدث منهم في غزوة أحد من مخالفة بعضهم لأمر رسول الله ﷺ وفرارهم عنه في ساعة الشدة.
والهمزة المقدرة معها للإنكار والاستبعاد.
وقوله أَمْ حَسِبْتُمْ معطوف على جملة وَلا تَهِنُوا وذلك أنهم لما مسهم القرح فحزنوا واعتراهم شيء من الضعف، بين الله لهم أنه لا وجه لهذا الضعف أو الحزن لأنهم هم الأعلون، والأيام دول، وما أصابهم فقد سبق أن أصيب بمثله أعداؤهم، ثم بين لهم هنا: أن
стр. 941
دخول الجنة لا يحصل لهم إذا لم يبذلوا مهجهم وأرواحهم في سبيل الله، فإذا ظنوا غير ذلك فقد أخطئوا.
والمعنى: بل أحسبتم أن تدخلوا الجنة، وتنالوا كرامة ربكم، وشرف المنازل عنده مع أنكم لم تجاهدوا في سبيل الله جهاد الصابرين على شدائده ومتاعبه ومطالبه، إن كنتم تحسبون هذا الحسبان فهو ظن باطل يحب عليكم الإقلاع عنه.
ويحتمل أن تكون أَمْ هنا للمعادلة بمعنى أنها متصلة لا منقطعة «ويكون المعنى عليه:
أعلمتم أن الله- تعالى- سننا في النصر والهزيمة، وأن الأيام دول. وأن الوصول إلى السنة يحتاج إلى إيمان وجهاد وصبر، أم حسبتم وظننتم أنكم تدخلون الجنة من غير مجاهدة واستشهاد؟.
وقوله وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ معناه: ولم تجاهدوا جهاد الصابرين فيعلم الله ذلك منكم.
قال صاحب الكشاف: وقوله وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ بمعنى ولما تجاهدوا. لأن العلم متعلق بالمعلوم، فنزل نفى العلم منزلة نفى متعلقه، لأنه منتف بانتفائه. يقول الرجل:
ما علم الله من فلان خيرا، يريد ما فيه خير حتى يعلمه، و «لما» بمعنى ولم إلا أن فيها ضربا من التوقع، فدل على نفى الجهاد فيما مضى، وعلى توقعه فيما يستقبل. وتقول: وعدني أن يفعل كذا ولما يفعل، تريد: وأنا أتوقع فعله» «١» .
وجملة وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ حالية من ضمير تَدْخُلُوا مؤكدة للإنكار، فإن رجاء الأجر من غير علم مستبعد عند ذوى العقول السليمة، ولذا قال بعضهم:
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تجرى على اليبس
وقال بعض الحكماء «طلب الجنة من غير عمل ذنب من الذنوب، وانتظار الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور. وارتجاء الرحمة ممن لا يطاع حمق وجهالة» .
وقوله وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ أى ويتميز الصابرون في جهادهم عن غيرهم فالآية الكريمة تشير إلى أن الشدائد من شأنها أن تميز المجاهدين الصادقين في جهادهم، الثابتين في البأساء والضراء من غيرهم، وأن تميز الصابرين الذين يتحملون مشاق القتال وتبعاته بقلب راسخ، ونفس مطمئنة من الذين يجاهدون ولكنهم تطيش أحلامهم عند الشدائد والأهوال.
فالجهاد في سبيل الله يستلزم الصبر، لأن الصبر هو عدة المجاهد وأساس نجاحه، ولقد سئل بعضهم عن الشجاعة فقال: الشجاعة صبر ساعة.
стр. 942
وقال بعض الشعراء يعتذر عن انتصار أعدائهم عليهم.
سقيناهم كأسا سقونا بمثلها ... ولكنهم كانوا على الموت أصبرا
ولقد كان عدم صبر الرماة في غزوة أحد، ومسارعتهم إلى جمع الغنائم، من أهم الأسباب التي أدت إلى هزيمة المسلمين في تلك المعركة.
والآية الكريمة كذلك تشير إلى أن الطريق إلى الجنة ليس سهلا يسلكه كل إنسان وإنما هو طريق محفوف بالمكاره والشدائد. ولا يصل إلى غايته إلا الذين جاهدوا وصبروا وصابروا، ولذا قال رسول الله ﷺ حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات» .
ثم ذكرهم- سبحانه- بما كان منهم من تمنى الشهادة في سبيله فقال وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ، فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ.
قال ابن جرير ما ملخصه: كان قوم من أصحاب النبي ﷺ ممن لم يشهد بدرا، يتمنون قبل يوم أحد يوما مثل يوم بدر، فيعطون الله من أنفسهم خيرا، وينالون من الأجر مثل ما نال أهل بدر، فلما كان يوم أحد، فر بعضهم وصبر بعضهم، حتى أوفى بما كان عاهد الله عليه قبل ذلك، فعاتب الله من فر منهم بقوله: وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ ... الآية.
وعن الحسن قال: بلغني أن رجالا من أصحاب النبي ﷺ كانوا يقولون: لئن لقينا مع النبي ﷺ المشركين لنفعلن ولنفعلن، فابتلوا بذلك- في أحد-، فلا والله ما كلهم صدق، فأنزل الله- تعالى- وَلَقَدْ كُنْتُمْ.... الآية «١» .
والخطاب في الآية الكريمة للمؤمنين الذين لم يفوزوا بالشهادة في غزوة أحد، وهو خطاب يجمع بين الموعظة والملام.
والمراد بالموت هنا الشهادة في سبيل الله، أو الحرب والقتال لأنهما يؤديان إلى الموت.
والمعنى: ولقد كنتم- يا معشر المؤمنين- تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ، أى الحرب أو الشهادة في سبيل الله مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ أى تشاهدوه وتعرفوا أهواله فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ أى فقد رأيتم ما تتمنونه من الموت بمشاهدة أسبابه وهي الحرب وما يترتب عليها من جراح وآلام وقتال وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ أى رأيتموه معاينين مشاهدين له حين قتل بين أيديكم من قتل من إخوانكم وأقاربكم وشارفتم أنتم أيها الأحياء أن تقتلوا.
وقوله مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ متعلق بقوله تَمَنَّوْنَ مبين لسبب إقدامهم على التمني. أى من قبل أن تشاهدوه وتعرفوا مصاعبه.
стр. 943
ففي الجملة الكريمة تعريض بأنهم تمنوا أمرا دون أن يقدروا شدته عليهم، ودون أن يوطنوا أنفسهم على تحمل مشقاته وتبعاته.
والفاء في قوله فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ للإفصاح عن شرط مقدر دل عليه صدر الكلام. والتقدير:
إذا كنتم قد تمنيتم الموت فقد وقع ما تمنيتموه ورأيتموه رأى العين، فأين بلاؤكم وصبركم وثباتكم؟.
وقوله وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ جملة حالية من ضمير المخاطبين مؤكدة لمعنى رأيتموه. أى رأيتموه معاينين له، وهذا على حد قولك: رأيته وليس في عيني علة، أى رأيته رؤية حقيقية لا خفاء ولا التباس.
والتعبير بالمضارع تَنْظُرُونَ يفيد التصوير. وإحضار الصورة الواقعة في الماضي كأنها واقعة في الحاضر، فيستحضرها العقل كما وقعت، وكما ظهرت في الوجود.
والنظر الذي قرره الله- تعالى- بقوله وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ يتضمن النظر إلى الموقعة كلها، وكيف كان النصر في أول الأمر للمسلمين، ثم كيف كانت الهزيمة بعد ذلك بسبب تطلع بعضهم إلى أعراض الدنيا. ثم كيف تفرقت صفوفهم بعد اجتماعها وكيف تضعضعت بعض العزائم بعد مضائها وقوتها.
ولقد حكت الآية الكريمة أن المسلمين كانوا يتمنون الموت في معركة، وليس في ذلك من بأس، بل إن هذا هو شعار المؤمن الصادق، لأن المؤمن الصادق هو الذي يتمنى الشهادة في سبيل الله ومن أجل نصرة دينه، ولقد قال رسول الله ﷺ «لوددت أنى أقتل في سبيل الله، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل» .
وقال عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- «اللهم إنى أسألك شهادة في سبيلك» . ولكن الذي يكرهه الإسلام هو أن يتمنى المسلم الشهادة ثم لا يفي بما تمناه، بمعنى أن يفر من الميدان أو يفعل ما من شأنه أن يتنافى مع الجهاد الحق في سبيل الله.
ولذا قال الآلوسى: «والمقصود من هذا الكلام عتاب المنهزمين على تمنيهم الشهادة، وهم لم يثبتوا حتى يستشهدوا، أو على تمنيهم الحرب وتسببهم لها ثم جبنهم وانهزامهم لا على تمنى الشهادة نفسها لأن ذلك مما لا عتاب عليه كما وهم» «١» .
فالآية الكريمة تعظ المؤمنين بأن لا يتمنوا أمرا حتى يفكروا في عواقبه، ويعدوا أنفسهم له، ويلتزموا الوفاء بما تمنوه عند تحققه، ولقد رسم النبي ﷺ الطريق القويم الذي يحب أن يسلكه
стр. 944
المسلم في حياته فقال في حديثه الصحيح: «أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية. فإذا لقيتموهم فاصبروا. واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف» «١» .
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد أمرت المؤمنين بأن يعتبروا بأحوال من سبقهم، وأن يتجنبوا ما كان عليه المكذبون من ضلال وعصيان وأن يوطنوا أنفسهم على تحمل المصائب والآلام فإن العاقبة لهم، وأن يعلموا أن الحياة لا تخلو من نصر وهزيمة، وسراء وضراء حتى يتميز الخبيث من الطيب، وأن يعرفوا أن الطريق إلى الجنة يحتاج إلى إيمان عميق، وصبر طويل، وجهاد شديد، واستجابة كاملة لتعاليم الإسلام وآدابه. ثم تمضى السورة الكريمة في حديثها عن غزوة أحد، فتذكر المؤمنين بما كان منهم عند ما أشيع بأن رسول الله ﷺ قد قتل، وترشدهم إلى أن الآجال بيد الله، وأن المؤمنين الصادقين قاتلوا مع أنبيائهم في سبيل إعلاء كلمة الله بدون ضعف أو ملل فعليهم أن يتأسوا بهم في ذلك، وأن الله- تعالى- قد تكفل بأن يمنح المؤمنين الصادقين المجاهدين في سبيله أجرهم الجزيل في الدنيا والآخرة.
استمع إلى القرآن الكريم وهو يسوق هذه المعاني بأسلوبه البليغ الحكيم فيقول:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٤٤ الى ١٤٨]
وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (١٤٧) فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨)
стр. 945
قال ابن كثير: لما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد، وقتل من قتل منهم، نادى الشيطان: ألا إن محمدا قد قتل، ورجع ابن قميئة إلى المشركين فقال لهم: قتلت محمدا. وإنما قد ضرب رسول الله ﷺ فشجه في رأسه. فوقع ذلك في قلوب كثير من الناس، واعتقدوا أن رسول الله ﷺ قد قتل، فحصل ضعف ووهن وتأخر- بين المسلمين- عن القتال. ففي ذلك أنزل الله تعالى- وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ الآية «١» .
وقوله- تعالى- وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ تقرير لحقيقة ثابتة، ولأمر مؤكد، وهو أن محمدا ﷺ واحد من البشر، وأنه سيموت كما يموت جميع البشر، وأنه ليس له صفة تميزه عن سائر البشر سوى الرسالة التي وهبها الله- تعالى- له، ومنحه إياها، وأن هذه الرسالة لا تقتضي بقاءه أو خلوده، إذ الرسل الذين سبقوه قد أدوا رسالتهم في الحياة كما أمرهم خالقهم ثم ماتوا أو قتلوا.
ومادام الأمر كذلك فمحمد ﷺ سيموت وينتقل إلى الرفيق الأعلى كما مات الذين سبقوه من الأنبياء، وكما سيموت جميع البشر.
والقصر في قوله- تعالى-: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ من باب قصر الموصوف على الصفة، أى قصر محمد ﷺ على وصف الرسالة قصرا إضافيا.
وفي هذا القصر رد على ما صدر من بعض المسلمين من اضطراب وضعف حين أرجف المنافقون في غزوة أحد بأن الرسول ﷺ قد قتل.
فكأنه- تعالى- يقول لهم: إن محمدا ﷺ رسول من الرسل الذين أرسلهم الله لإخراج
стр. 946
الناس من الظلمات إلى النور، وسيكون مصيره إلى الموت إن عاجلا أو آجلا كما هو شأن سائر البشر الذين اصطفى الله- تعالى- منهم رسله، إلا أن رسالته التي جاء بها من عند الله لن تموت من بعده، بل ستستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولا يصح أن يضعف أتباعه في عقيدتهم أو في تبليغ رسالته من بعده، بل عليهم أن يستمسكوا بما جاءهم به، وأن يدافعوا عنه بأنفسهم وأموالهم.
ولذا فقد وبخ الله- تعالى- بعض المسلمين الذين صدر منهم اضطراب أو ضعف عند ما أشاع ضعاف النفوس بأن الرسول ﷺ قد قتل في غزوة أحد فقال- تعالى-: أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ؟
أى: إذا مات محمد ﷺ أيها المؤمنون- وقد علمتم أن موته حق لا ريب فيه، أو قتل وهو يدافع عن دينه وعقيدته، انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ أى: رجعتم إلى ما كنتم عليه من الكفر والضلال. والانقلاب: الرجوع إلى المكان. وهو هنا مجاز في الرجوع إلى الحال التي كانوا عليها قبل الإسلام.
يقال لكل من رجع إلى حاله السيئ الأول: نكص على عقبيه، وارتد على عقبيه. والعقب مؤخر الرجل. وجمعه أعقاب.
قال صاحب الكشاف: قوله أَفَإِنْ ماتَ الفاء معلقة للجملة الشرطية بالجملة قبلها على معنى التسبب. والهمزة لإنكار أن يجعلوا خلو الرسل قبله سببا لانقلابهم على أعقابهم بعد هلاكه بموت أو قتل، مع علمهم أن خلو الرسل قبله وبقاء دينهم متمسكا به يجب أن يجعل سببا للتمسك بدين محمد ﷺ لا للانقلاب عنه.
فإن: قلت: لم ذكر القتل وقد علم أنه لا يقتل؟ قلت: لكونه مجوزا عند المخاطبين.
فإن قلت: أما علموه من ناحية قوله: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ؟ قلت: هذا مما يختص بالعلماء منهم وذوى البصيرة» «١» .
وفي قوله انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تنفير شديد من الرجوع إلى الضلال بعد الهدى، وتصوير بليغ لمن ارتد عن الحق بعد أن هداه الله إليه.
فقد صور- سبحانه- حالة من ترك الهداية إلى الضلال، بحالة من رجع إلى الوراء وبصره إلى الأمام، وأعقابه هي التي تقوده إلى الخلف، وهو في حالة انتكاس، بأن جعل رأسه إلى أسفل وعقبه إلى أعلا. ولا شك أن هذا أقبح منظر يكون عليه الإنسان.
стр. 947
وقوله وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً الغرض منه تأكيد الوعيد، لأن كل عاقل يعلم أن الله- تعالى- لا يضره كفر الكافرين.
أى: ومن ينقلب على عقبيه بعد وفاة النبي ﷺ بأن يرجع إلى ما كان عليه من الكفر والضلال، فلن يضر الله شيئا من الضرر وإن قل، إنما يضر نفسه بتعريضها للسخط والعذاب، وبحرمانها من الأجر والثواب.
ثم أتبع- سبحانه- هذا الوعيد بالوعد فقال: وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ أى: وسيثيب الله- تعالى- الثابتين على الحق والصابرين على الشدائد الشاكرين له نعمه في السراء والضراء، سيثيبهم على ذلك بالنصر في الدنيا وبرضوانه في الآخرة.
وعبر هنا بالشاكرين ولم يعبر بالصابرين مع أن الصبر في هذا الموطن أظهر، وذلك لأن الشكر في هذا المقام هو أسمى درجات الصبر، لأن هؤلاء المؤمنين الصادقين الذين وقفوا إلى جانب النبي ﷺ في ساعة العسرة، لم يكتفوا بتحمل البلاء معه فقط، بل تجاوزوا حدود الصبر إلى حدود الشكر على هذه الشدائد التي ميزت الخبيث من الطيب، فالشكر هنا صبر وزيادة، وقليل من الناس هو الذي يكون على هذه الشاكلة، ولذا قال تعالى وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ فالآية الكريمة قد تضمنت عتابا وتوبيخا لأولئك المسلمين الذين ضعف يقينهم، وفترت همتهم، عند ما أرجف المرجفون في غزوة أحد بأن الرسول ﷺ قد قتل.
كما تضمنت الثناء الجزيل على أولئك الثابتين الصابرين الذين لم تؤثر في قوة إيمانهم تلك الأراجيف الكاذبة، بل مضوا في جهادهم وثباتهم بدون تردد أو تزعزع ولقد كان الثابتون حول رسول الله ﷺ في غزوة أحد كثيرين ومن بينهم أنس بن النضر- رضى الله عنه-، فقد روى البخاري عن أنس- رضى الله عنه- قال: غاب عمى أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال:
يا رسول الله. غبت عن أول قتال قاتلت فيه المشركين، لئن أشهدنى الله قتال المشركين ليرين الله ما أصنع.
فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون. قال: اللهم إنى أعتذر إليك مما صنع هؤلاء- يعنى المسلمين-. وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء- يعنى المشركين-.
ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ. فقال: يا سعد بن معاذ!! الجنة ورب النضر إنى لأجد ريحها من دون أحد.
قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع.
قال أنس: فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل، وقد مثل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته بينانه.
стр. 948
قال أنس كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ «١» .
كما تضمنت الآية الكريمة التحذير عن الارتداد عن دين الله بعد وفاة الرسول ﷺ وبيان أنه بشر من البشر، وأنه يموت كما يموت سائر البشر، وأن رسالته هي الخالدة الباقية، فمن تمسك بها فقد سعد وفاز. ومن أعرض عنها فلن يضر الله شيئا.
ثم بين- سبحانه- أن الآجال بيد الله وحده. وأنه- سبحانه- قد جعل لكل أجل وقتا محددا لا يعدوه فقال- تعالى-: وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا.
أى: ما كان الموت حاصلا لنفس من النفوس مطلقا، لأى سبب من الأسباب، إلا بمشيئة الله وأمره وإذنه، فهو- سبحانه- الذي كتب لكل نفس عمرها كتابا مؤقتا بوقت معلوم لا يتقدم ولا يتأخر.
المراد بالنفس هنا. جنسها. أى كل نفس لا تموت إلا بإذن الله.
والمراد بإذنه-: أمره ومشيئته، فكل نفس لا تحيا إلا بأمره، ولا تموت إلا بإذنه.
وكانَ ناقصة وقوله أَنْ تَمُوتَ في محل رفع اسمها وقوله لِنَفْسٍ متعلق بمحذوف وقع خبرا لها. والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال والأسباب. أى ما كان لها أن تموت في حالة من الأحوال أو لسبب من الأسباب إلا مأذونا لها منه- سبحانه-.
والباء في قوله إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ للمصاحبة.
وقوله كِتاباً مفعول مطلق مؤكد لمضمون الجملة التي قبله، وعامله مضمر والتقدير:
كتب الله ذلك كتابا مؤجلا. أى له أجل معلوم لا يتقدم عنه ولا يتأخر، وهو آت لا ريب فيه.
وقوله مُؤَجَّلًا صفة لقوله كِتاباً.
ثم ذم- سبحانه- الذين يؤثرون متاع الدنيا على الآخرة، فقال: وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها أى من يرد بعمله ثواب الدنيا أى جزاءها وثمارها كالأموال والغنائم نؤته منها ما نشاء أن نؤتيه، ولا يكون له في الآخرة من نصيب.
وهذا تعريض بمن شغلوا بجمع الغنائم عن الجهاد مع رسول الله ﷺ أو بمن تركوا أماكنهم التي وضعهم فيها رسول الله ﷺ وسارعوا إلى جمع حطام الدنيا، فنتج عن ذلك هزيمة المسلمين في غزوة أحد.
стр. 949
ثم مدح- سبحانه- الذين يبتغون بأعمالهم ثواب الآخرة فقال: وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها.
أى ومن يرد بعمله وجهاده ثواب الآخرة وما ادخره الله فيها لعباده المتقين من أجر جزيل نؤته منها ما نشاء من عطائنا الذين تشتهيه النفوس، وتقر له العيون.
وقوله وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ تذييل مقرر لمضمون ما قبله، ووعد من عطاء الله لمن شكره على نعمه ويثبت على شرعه.
أى وسنجزى الشاكرين في دنياهم بما يسعدهم ويرضيهم، وسنجزيهم في الآخرة بما يشرح صدورهم، ويدخل البهجة على نفوسهم.
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد تضمنت تحريض المؤمنين على القتال. وتحذيرهم من الجبن والفرار، لأن الجبن لا يؤخر الحياة، كما أن الإقدام لا يؤدى إلى الموت قبل حلول وقته، فإن أحدا لا يموت قبل أجله، وإن خاض المهالك واقتحم المعارك.
كما تضمنت دعوة المؤمنين إلى الزهد في متع الحياة الدنيا، وإلى أن يجعلوا مقصدهم الأكبر في تحصيل ما ينفعهم في آخرتهم، فإن هذا هو المقصد الأسمى، والمطلب الأعلى: قال- تعالى- مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ، وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ «١» .
وإن الذين خالفوا وصية رسول الله ﷺ وتركوا أما كنهم التي أمرهم بالثبات فيها جريا وراء الغنائم، لم يحصلوا منها شيئا، بل فقدوها وفقدوا أرواحهم وعزتهم وكرامتهم، وكان فعلهم هذا من أسباب هزيمة المسلمين في غزوة أحد.
كما تضمنت وعدا من الله- تعالى- بأن يزيد الشاكرين من فضله وإحسانه، وأن يكافئهم على شكرهم إياه بما هم أهل له من نصر وخير وفير.
ثم بين- سبحانه- ما كان عليه أتباع الأنبياء السابقين من إيمان عميق، وعزم وثيق، حتى يتأسى بهم كل ذي عقل سليم، فقال- تعالى-: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ، فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا.
وكلمة كَأَيِّنْ مركبة من كاف التشبيه وأى الاستفهامية المنونة، ثم هجر معنى جزأيها وصارت كلمة واحدة بمعنى كم الخبرية الدالة على الكثير.
стр. 950
ويكنى بها عن عدد مبهم فتفتقر إلى تمييز بعدها وهي مبتدأ: وجملة قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ خبرها.
والربيون جمع ربي، وهو العالم بربه الصادق في إيمانه به، المخلص له في عبادته نسبة إلى الرب كالرباني.
قال القرطبي ما ملخصه: والربيون- بكسر الراء- قراءة الجمهور. وقرأها بعضهم بضم الراء وقرأها بعضهم بفتحها والربيون: الجماعة الكثيرة نسبة إلى الربة- بكسر الراء وضمها- وهي الجماعة.. ومنه يقال للخرقة التي تجمع فيها القداح: ربة. وربة والرباب: قبائل تجمعت.
وقال ابن عباس: ربيون- بفتح الراء- منسوب إلى الرب.
وقال الخليل: الربى- بكسر الراء- الواحد من العباد الذين صبروا مع الأنبياء، وهم الربانيون نسبوا إلى التأله والعبادة ومعرفة الربوبية الله- تعالى- «١» . وقوله فَما وَهَنُوا من الوهن وهو اضطراب نفسي، وانزعاج قلبي، يبتدئ من داخل الإنسان، فإذا وصل إلى الخارج كان ضعفا وتخاذلا.
والمعنى: وكثير من الأنبياء قاتل معهم مؤمنون صادقو الايمان من أجل إعلاء كلمة الله وإعزاز دينه وأصيبوا وهم يقاتلون بما أصيبوا من جراح وآلام، فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أى فما عجزوا أو جبنوا بسبب ما أصابهم من جراح، أو ما أصاب أنبياءهم وإخوانهم من قتل واستشهاد. لأن الذي أصابهم إنما هو في سبيل الله وطاعته وإقامة دينه، ونصرة رسله.
وقوله وَما ضَعُفُوا أى: عن قتال أعدائهم وعن الدفاع عن الذي آمنوا به وقوله وَمَا اسْتَكانُوا أى ما خضعوا وذلوا لأعدائهم.
فأنت ترى أن الله- تعالى- قد نفى عن هؤلاء المؤمنين الصادقين ثلاثة أوصاف لا تتفق مع الإيمان.
نفى عنهم- أولا- الوهن وهو اضطراب نفسي، وهلع قلبي، يستولى على الإنسان فيفقده ثباته وعزيمته.
ونفى عنهم- ثانيا- الضعف الذي هو ضد القوة، وهو ينتج عن الوهن.
ونفى عنهم- ثالثا- الاستكانة وهي الرضا بالذل وبالخضوع للأعداء ليفعلوا بهم ما يريدون.