← Тафсир

Тафсир · id 23590

التفسير الوسيط لطنطاوي

محمد سيد طنطاوي

Полный текст (6 701 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

الناس من الظلمات إلى النور، وسيكون مصيره إلى الموت إن عاجلا أو آجلا كما هو شأن سائر البشر الذين اصطفى الله- تعالى- منهم رسله، إلا أن رسالته التي جاء بها من عند الله لن تموت من بعده، بل ستستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولا يصح أن يضعف أتباعه في عقيدتهم أو في تبليغ رسالته من بعده، بل عليهم أن يستمسكوا بما جاءهم به، وأن يدافعوا عنه بأنفسهم وأموالهم. ولذا فقد وبخ الله- تعالى- بعض المسلمين الذين صدر منهم اضطراب أو ضعف عند ما أشاع ضعاف النفوس بأن الرسول ﷺ قد قتل في غزوة أحد فقال- تعالى-: أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ؟ أى: إذا مات محمد ﷺ أيها المؤمنون- وقد علمتم أن موته حق لا ريب فيه، أو قتل وهو يدافع عن دينه وعقيدته، انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ أى: رجعتم إلى ما كنتم عليه من الكفر والضلال. والانقلاب: الرجوع إلى المكان. وهو هنا مجاز في الرجوع إلى الحال التي كانوا عليها قبل الإسلام. يقال لكل من رجع إلى حاله السيئ الأول: نكص على عقبيه، وارتد على عقبيه. والعقب مؤخر الرجل. وجمعه أعقاب. قال صاحب الكشاف: قوله أَفَإِنْ ماتَ الفاء معلقة للجملة الشرطية بالجملة قبلها على معنى التسبب. والهمزة لإنكار أن يجعلوا خلو الرسل قبله سببا لانقلابهم على أعقابهم بعد هلاكه بموت أو قتل، مع علمهم أن خلو الرسل قبله وبقاء دينهم متمسكا به يجب أن يجعل سببا للتمسك بدين محمد ﷺ لا للانقلاب عنه. فإن: قلت: لم ذكر القتل وقد علم أنه لا يقتل؟ قلت: لكونه مجوزا عند المخاطبين. فإن قلت: أما علموه من ناحية قوله: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ؟ قلت: هذا مما يختص بالعلماء منهم وذوى البصيرة» «١» . وفي قوله انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تنفير شديد من الرجوع إلى الضلال بعد الهدى، وتصوير بليغ لمن ارتد عن الحق بعد أن هداه الله إليه. فقد صور- سبحانه- حالة من ترك الهداية إلى الضلال، بحالة من رجع إلى الوراء وبصره إلى الأمام، وأعقابه هي التي تقوده إلى الخلف، وهو في حالة انتكاس، بأن جعل رأسه إلى أسفل وعقبه إلى أعلا. ولا شك أن هذا أقبح منظر يكون عليه الإنسان.

стр. 947

وقوله وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً الغرض منه تأكيد الوعيد، لأن كل عاقل يعلم أن الله- تعالى- لا يضره كفر الكافرين. أى: ومن ينقلب على عقبيه بعد وفاة النبي ﷺ بأن يرجع إلى ما كان عليه من الكفر والضلال، فلن يضر الله شيئا من الضرر وإن قل، إنما يضر نفسه بتعريضها للسخط والعذاب، وبحرمانها من الأجر والثواب. ثم أتبع- سبحانه- هذا الوعيد بالوعد فقال: وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ أى: وسيثيب الله- تعالى- الثابتين على الحق والصابرين على الشدائد الشاكرين له نعمه في السراء والضراء، سيثيبهم على ذلك بالنصر في الدنيا وبرضوانه في الآخرة. وعبر هنا بالشاكرين ولم يعبر بالصابرين مع أن الصبر في هذا الموطن أظهر، وذلك لأن الشكر في هذا المقام هو أسمى درجات الصبر، لأن هؤلاء المؤمنين الصادقين الذين وقفوا إلى جانب النبي ﷺ في ساعة العسرة، لم يكتفوا بتحمل البلاء معه فقط، بل تجاوزوا حدود الصبر إلى حدود الشكر على هذه الشدائد التي ميزت الخبيث من الطيب، فالشكر هنا صبر وزيادة، وقليل من الناس هو الذي يكون على هذه الشاكلة، ولذا قال تعالى وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ فالآية الكريمة قد تضمنت عتابا وتوبيخا لأولئك المسلمين الذين ضعف يقينهم، وفترت همتهم، عند ما أرجف المرجفون في غزوة أحد بأن الرسول ﷺ قد قتل. كما تضمنت الثناء الجزيل على أولئك الثابتين الصابرين الذين لم تؤثر في قوة إيمانهم تلك الأراجيف الكاذبة، بل مضوا في جهادهم وثباتهم بدون تردد أو تزعزع ولقد كان الثابتون حول رسول الله ﷺ في غزوة أحد كثيرين ومن بينهم أنس بن النضر- رضى الله عنه-، فقد روى البخاري عن أنس- رضى الله عنه- قال: غاب عمى أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله. غبت عن أول قتال قاتلت فيه المشركين، لئن أشهدنى الله قتال المشركين ليرين الله ما أصنع. فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون. قال: اللهم إنى أعتذر إليك مما صنع هؤلاء- يعنى المسلمين-. وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء- يعنى المشركين-. ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ. فقال: يا سعد بن معاذ!! الجنة ورب النضر إنى لأجد ريحها من دون أحد. قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع. قال أنس: فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل، وقد مثل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته بينانه.

стр. 948

قال أنس كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ «١» . كما تضمنت الآية الكريمة التحذير عن الارتداد عن دين الله بعد وفاة الرسول ﷺ وبيان أنه بشر من البشر، وأنه يموت كما يموت سائر البشر، وأن رسالته هي الخالدة الباقية، فمن تمسك بها فقد سعد وفاز. ومن أعرض عنها فلن يضر الله شيئا. ثم بين- سبحانه- أن الآجال بيد الله وحده. وأنه- سبحانه- قد جعل لكل أجل وقتا محددا لا يعدوه فقال- تعالى-: وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا. أى: ما كان الموت حاصلا لنفس من النفوس مطلقا، لأى سبب من الأسباب، إلا بمشيئة الله وأمره وإذنه، فهو- سبحانه- الذي كتب لكل نفس عمرها كتابا مؤقتا بوقت معلوم لا يتقدم ولا يتأخر. المراد بالنفس هنا. جنسها. أى كل نفس لا تموت إلا بإذن الله. والمراد بإذنه-: أمره ومشيئته، فكل نفس لا تحيا إلا بأمره، ولا تموت إلا بإذنه. وكانَ ناقصة وقوله أَنْ تَمُوتَ في محل رفع اسمها وقوله لِنَفْسٍ متعلق بمحذوف وقع خبرا لها. والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال والأسباب. أى ما كان لها أن تموت في حالة من الأحوال أو لسبب من الأسباب إلا مأذونا لها منه- سبحانه-. والباء في قوله إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ للمصاحبة. وقوله كِتاباً مفعول مطلق مؤكد لمضمون الجملة التي قبله، وعامله مضمر والتقدير: كتب الله ذلك كتابا مؤجلا. أى له أجل معلوم لا يتقدم عنه ولا يتأخر، وهو آت لا ريب فيه. وقوله مُؤَجَّلًا صفة لقوله كِتاباً. ثم ذم- سبحانه- الذين يؤثرون متاع الدنيا على الآخرة، فقال: وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها أى من يرد بعمله ثواب الدنيا أى جزاءها وثمارها كالأموال والغنائم نؤته منها ما نشاء أن نؤتيه، ولا يكون له في الآخرة من نصيب. وهذا تعريض بمن شغلوا بجمع الغنائم عن الجهاد مع رسول الله ﷺ أو بمن تركوا أماكنهم التي وضعهم فيها رسول الله ﷺ وسارعوا إلى جمع حطام الدنيا، فنتج عن ذلك هزيمة المسلمين في غزوة أحد.

стр. 949

ثم مدح- سبحانه- الذين يبتغون بأعمالهم ثواب الآخرة فقال: وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها. أى ومن يرد بعمله وجهاده ثواب الآخرة وما ادخره الله فيها لعباده المتقين من أجر جزيل نؤته منها ما نشاء من عطائنا الذين تشتهيه النفوس، وتقر له العيون. وقوله وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ تذييل مقرر لمضمون ما قبله، ووعد من عطاء الله لمن شكره على نعمه ويثبت على شرعه. أى وسنجزى الشاكرين في دنياهم بما يسعدهم ويرضيهم، وسنجزيهم في الآخرة بما يشرح صدورهم، ويدخل البهجة على نفوسهم. فأنت ترى أن الآية الكريمة قد تضمنت تحريض المؤمنين على القتال. وتحذيرهم من الجبن والفرار، لأن الجبن لا يؤخر الحياة، كما أن الإقدام لا يؤدى إلى الموت قبل حلول وقته، فإن أحدا لا يموت قبل أجله، وإن خاض المهالك واقتحم المعارك. كما تضمنت دعوة المؤمنين إلى الزهد في متع الحياة الدنيا، وإلى أن يجعلوا مقصدهم الأكبر في تحصيل ما ينفعهم في آخرتهم، فإن هذا هو المقصد الأسمى، والمطلب الأعلى: قال- تعالى- مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ، وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ «١» . وإن الذين خالفوا وصية رسول الله ﷺ وتركوا أما كنهم التي أمرهم بالثبات فيها جريا وراء الغنائم، لم يحصلوا منها شيئا، بل فقدوها وفقدوا أرواحهم وعزتهم وكرامتهم، وكان فعلهم هذا من أسباب هزيمة المسلمين في غزوة أحد. كما تضمنت وعدا من الله- تعالى- بأن يزيد الشاكرين من فضله وإحسانه، وأن يكافئهم على شكرهم إياه بما هم أهل له من نصر وخير وفير. ثم بين- سبحانه- ما كان عليه أتباع الأنبياء السابقين من إيمان عميق، وعزم وثيق، حتى يتأسى بهم كل ذي عقل سليم، فقال- تعالى-: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ، فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا. وكلمة كَأَيِّنْ مركبة من كاف التشبيه وأى الاستفهامية المنونة، ثم هجر معنى جزأيها وصارت كلمة واحدة بمعنى كم الخبرية الدالة على الكثير.

стр. 950

ويكنى بها عن عدد مبهم فتفتقر إلى تمييز بعدها وهي مبتدأ: وجملة قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ خبرها. والربيون جمع ربي، وهو العالم بربه الصادق في إيمانه به، المخلص له في عبادته نسبة إلى الرب كالرباني. قال القرطبي ما ملخصه: والربيون- بكسر الراء- قراءة الجمهور. وقرأها بعضهم بضم الراء وقرأها بعضهم بفتحها والربيون: الجماعة الكثيرة نسبة إلى الربة- بكسر الراء وضمها- وهي الجماعة.. ومنه يقال للخرقة التي تجمع فيها القداح: ربة. وربة والرباب: قبائل تجمعت. وقال ابن عباس: ربيون- بفتح الراء- منسوب إلى الرب. وقال الخليل: الربى- بكسر الراء- الواحد من العباد الذين صبروا مع الأنبياء، وهم الربانيون نسبوا إلى التأله والعبادة ومعرفة الربوبية الله- تعالى- «١» . وقوله فَما وَهَنُوا من الوهن وهو اضطراب نفسي، وانزعاج قلبي، يبتدئ من داخل الإنسان، فإذا وصل إلى الخارج كان ضعفا وتخاذلا. والمعنى: وكثير من الأنبياء قاتل معهم مؤمنون صادقو الايمان من أجل إعلاء كلمة الله وإعزاز دينه وأصيبوا وهم يقاتلون بما أصيبوا من جراح وآلام، فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أى فما عجزوا أو جبنوا بسبب ما أصابهم من جراح، أو ما أصاب أنبياءهم وإخوانهم من قتل واستشهاد. لأن الذي أصابهم إنما هو في سبيل الله وطاعته وإقامة دينه، ونصرة رسله. وقوله وَما ضَعُفُوا أى: عن قتال أعدائهم وعن الدفاع عن الذي آمنوا به وقوله وَمَا اسْتَكانُوا أى ما خضعوا وذلوا لأعدائهم. فأنت ترى أن الله- تعالى- قد نفى عن هؤلاء المؤمنين الصادقين ثلاثة أوصاف لا تتفق مع الإيمان. نفى عنهم- أولا- الوهن وهو اضطراب نفسي، وهلع قلبي، يستولى على الإنسان فيفقده ثباته وعزيمته. ونفى عنهم- ثانيا- الضعف الذي هو ضد القوة، وهو ينتج عن الوهن. ونفى عنهم- ثالثا- الاستكانة وهي الرضا بالذل وبالخضوع للأعداء ليفعلوا بهم ما يريدون.

стр. 951

وقد نفى- سبحانه- هذه الأوصاف الثلاثة عن هؤلاء المؤمنين الصادقين مع أن واحدا منها يكفى نفيه لنفيها لأنها متلازمة- وذلك لبيان قبح ما يقعون فيه من أضرار فيما لو تمكن واحد من هذه الأوصاف من نفوسهم. وجاء ترتيب هذه الأوصاف في نهاية الدقة بحسب حصولها في الخارج، فإن الوهن الذي هو خور في العزيمة إذا تمكن من النفس أنتج الضعف الذي هو لون من الاستسلام والفشل. ثم تكون بعدهما الاستكانة التي يكون معها الخضوع لكل مطالب الأعداء وإذا وصل الإنسان إلى هذه المرحلة في حياته كان الموت أكرم له من هذه الحياة. وقوله وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ تذييل قصد به حض المؤمنين على تحمل المكاره وعلى مقاساة الشدائد ومعاناة المكاره من أجل إعلاء دينهم حتى يفوزوا برضا الله ورعايته كما فاز أولئك الأنقياء الأوفياء. أى والله- تعالى- يحب الصابرين على آلام القتال، ومصاعب الجهاد، ومشاق الطاعات، وتبعات التكاليف التي كلف الله- تعالى- بها عباده. ثم أتبع- سبحانه- محاسنهم الفعلية، ببيان محاسنهم القولية فقال- تعالى- وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا، وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا، وَثَبِّتْ أَقْدامَنا، وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ. أى أن هؤلاء الأنقياء الأوفياء الصابرين ما كان لهم من قول في مواطن القتال وفي عموم الأحوال إلا الضراعة إلى الله- بثلاثة أمور: أولها: حكاه القرآن عنهم في قوله: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا. أى: إنهم يدعون الله- تعالى- بأن يغفر لهم ذنوبهم ما كان صغيرا منها وما كان كبيرا: وأن يغفر لهم إسرافهم في أمرهم أى ما تجاوزوه من الحدود التي حدها لهم وأمرهم بعدم تجاوزها. وثانيها: حكاه القرآن عنهم في قوله وَثَبِّتْ أَقْدامَنا اى اجعلنا يا ربنا ممن يثبت لحرب أعدائك وقتالهم ولا تجعلنا ممن يوليهم الأدبار. وثالثها: حكاه القرآن عنهم في قوله وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ أى اجعل النصر لنا يا ربنا على أعدائك وأعدائنا الذين جحدوا وحدانيتك، وكذبوا نبيك وضلوا ضلالا بعيدا. وتأمل معى- أخى القارئ- هذه الدعوات الكريمة تراها قد جمعت ما جمعت من صدق اليقين، وحسن الترتيب.

стр. 952

فهم قد التمسوا- أولا- من خالقهم مغفرة ذنوبهم والتجاوز عما وقعوا فيه من أخطاء وهذا يدل على سلامة قلوبهم وتواضعهم واستصغار أعمالهم مهما عظمت أمام فضل الله ونعمه. ثم التمسوا منه- ثانيا- تثبيت أقدامهم عند لقاء الأعداء حتى لا يفروا من أمامهم. ثم التمسوا منه- ثالثا- النصر على الكافرين وهو غاية القتال، لأن الانتصار عليهم يؤدى إلى منع وقوع الفتنة في الأرض، وإلى إعلاء كلمة الحق. قال صاحب الكشاف: قوله وَما كانَ قَوْلَهُمْ إلخ هذا القول وهو إضافة الذنوب والإسراف إلى أنفسهم مع كونهم ربانيين هضما لها واستقصارا. والدعاء بالاستغفار منها مقدما على طلب تثبيت الأقدام في مواطن الحرب والنصرة على العدو، ليكون طلبهم إلى ربهم عن زكاة وطهارة وخضوع. وهو أقرب إلى الاستجابة» «١» . وكان هنا ناقصة، وقوله قَوْلَهُمْ بالنصب خبرها واسمها المصدر المتحصل من «أن» وما بعدها في قوله إِلَّا أَنْ قالُوا والاستثناء مفرغ. أى: ما كان قولهم في ذلك المقام وفي غيره من المواطن إلا قولهم هذا الدعاء أى هو دأبهم وديدنهم. ثم بين- سبحانه- الثمار التي ترتبت على هذا الدعاء الخاشع والإيمان الصادق والعمل الخالص لوجهه- سبحانه- فقال: فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ، وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. والفاء في قوله فَآتاهُمُ لترتيب ما بعدها على ما قبلها. أى أن هؤلاء الذين آمنوا بالله حق الإيمان وجاهدوا في سبيله حق الجهاد لم يخيب الله- تعالى- سعيهم ولم يقفل بابه عن إجابة دعائهم، وإنما أعطاهم الله- تعالى- ثواب الدنيا من النصر والغنيمة وقهر الأعداء، وصلاح الحال. كما أعطاهم حسن ثواب الآخرة بأن منحهم رضوانه ورحمته ومثوبته وإنما خص ثواب الآخرة بالحسن للتنبيه على عظمته وفضله ومزيته، وأنه هو المعتد به عنده- تعالى- لأنه غير زائل، وغير مشوب بتنغيص أو قلق. وقوله وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ تذييل مقرر لمضمون ما قبله، فإن محبة الله- تعالى- للعبد مبدأ كل خير وسعادة. وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد قررت في مطلعها حقيقة ثابتة. وهي أن محمدا ﷺ

стр. 953

بشر من البشر، وأنه يموت كما يموت سائر البشر وأن رسالته لا تموت من بعده بل على أتباعه أن يسيروا على طريقته وأن يحملوا من بعده عبء تبليغ تعاليم الإسلام الذي جاء به ثم قررت بعد ذلك أن الآجال بيد الله وأن الحذر لا يمنع القدر وأن أحدا لن يموت قبل انتهاء أجله، مادام الأمر كذلك فعلى المؤمنين أن يجاهدوا الكفار والمنافقين وأن يغلظوا عليهم. ثم ذكرت الناس بعد ذلك بما كان من أتباع الرسل السابقين من إيمان عميق وجهاد صادق وثبات في وجه الباطل ودعاء مخلص خاشع.. حتى يتأسى بهم في أقوالهم وأعمالهم كل ذي عقل سليم. ثم ختمت هذه الآيات ببيان النتائج الطيبة التي منحها الله- تعالى- لعباده المؤمنين الصادقين في دنياهم وآخرتهم حتى يسارع الناس في كل زمان ومكان إلى الأعمال الصالحة التي تكون سببا في سعادتهم وعزتهم ثم وجه القرآن نداء إلى المؤمنين، نهاهم فيه عن طاعة أعداء الله وأعدائهم، وأمرهم بالتمسك بتعاليم دينهم وبشرهم بسوء عاقبة أعدائهم فقال- تعالى: [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٤٩ الى ١٥١] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١) قال الآلوسى ما ملخصه: قوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا شروع في زجر المؤمنين عن متابعة الكفار ببيان مضارها، إثر ترغيبهم في الاقتداء بأنصار الأنبياء ببيان فضائله وتصدير الخطاب بالنداء والتنبيه لإظهار الاعتناء بما في حيزه ووصفهم بالإيمان لتذكيرهم بحال ينافي تلك الطاعة فيكون الزجر على أكمل وجه. والمراد من الذين كفروا إما المنافقون لأنهم هم الذين قالوا للمؤمنين عند هزيمتهم في أحد: ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم.. وإما أبو سفيان وأصحابه وحينئذ فالمراد بإطاعتهم الاستكانة لهم وطلب الأمان منهم.. وإما اليهود

стр. 954

والنصارى لأنهم هم الذين كانوا يلقون الشبه في الدين ويقولون: لو كان محمد نبيّا حقا لما غلبه أعداؤه.. وإما سائر الكفار» «١» . فالآية الكريمة تنهى المؤمنين عن طاعة الكفار لأن الكفر والإيمان نقيضان لا يجتمعان وجاء التعبير «بإن» الشرطية دون «إذا» لأن إذا لتحقق الشرط والجزاء أما إن فإنها لا تفيد التحقق بل تفيد الشك، وهذا هو المناسب لحال المؤمنين لأن إيمانهم يحجزهم عن طاعة الذين كفروا ويمنعهم من الوقوع في ذلك والنداء متوجه ابتداء للمؤمنين المجاهدين الذين حضروا غزوة أحد، وسمعوا ما سمعوا من أراجيف أعدائهم وأكاذيبهم، إلا أنه يندرج تحت مضمونه كل مؤمن في كل زمان أو مكان لأن الكافرين في كل العصور لا يريدون بالمؤمنين إلا خبالا، ولا يتمنون لهم إلا الشرور والمصائب. ثم بين- سبحانه- النتيجة- السيئة التي تترتب على طاعة المؤمنين للكافرين فقال: يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ. أى: إن تطيعوهم يرجعوكم إلى ما كنتم عليه قبل الإسلام من ضلال وكفران أو يردوكم إلى الحالة التي كنتم عليها قبل مشروعية الجهاد وهي حالة الضعف والهوان التي رفعها الله عنكم بأن أذن لكم في مقاتلة أعدائكم الذين أخرجوكم من دياركم بغير حق. وقوله فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ أى فترجعوا خاسرين لخيرى الدنيا والآخرة، أما خسران الدنيا فبسبب انقيادكم لهم، واستسلامكم لمطالبهم.. وأما خسران الآخرة فبسبب ترككم لوصايا دينكم ومخالفتكم لأوامر خالقكم، وتوجيهات نبيكم ﷺ وكفى بذلك خسارة شنيعة. فأنت ترى أن الآية الكريمة قد نهت المؤمنين عن طاعة الكافرين، ثم بينت لهم نتيجتين سيئتين تترتبان على هذه الطاعة، وهما: الرجوع إلى الضلال بعد الهدى، والخسران في الدنيا والآخرة. والتعبير بقوله فَتَنْقَلِبُوا يفيد أن إطاعة الكافرين يؤدى بالمؤمنين إلى انقلاب حالهم وانتكاس أمرهم وجعل أعلاهم أسفلهم.. وفي ذلك ما فيه من التنفير عن إطاعة الكافرين والاستماع إلى وساوسهم. ثم أمرهم- سبحانه- بطاعته والاعتماد عليه والاستعانة به وحده فقال بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ. وحرف «بل» هنا للإضراب الانتقالى، لأنه- سبحانه- بعد أن حذر المؤمنين من إطاعة

стр. 955

الكافرين وما يترتب عليها من مضار، انتقل إلى توجيههم إلى ما فيه عزتهم وكرامتهم وسعادتهم. والمولى هنا بمعنى النصير والمعين، وهذا اللفظ لا يدل على النصرة والعون فقط، وإنما يدل على كمال المحبة والمودة والقرب، والنصرة تجيء ملازمة لهذه المعاني، لأنه من كان الله محبا له، كان- سبحانه- ناصرا له لا محالة. والمعنى إنى أنهاكم- أيها المؤمنون- عن إطاعة الكافرين، لأنهم ليسوا أولياء لكم فتطيعوهم، بل الله- تعالى- هو وليكم ومعينكم وهو خير الناصرين، لأنه هو الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء فأخلصوا له العبادة والطاعة. ثم بشرهم- سبحانه- بأنه سيلقى الرعب والفزع في قلوب أعدائهم فقال- تعالى-: سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً. والرعب: الخوف والفزع، يقال رعبه يرعبه أى خوفه أصله من الملء يقال: سيل راعب، إذا ملأ الأودية. ورعبت الحوض: ملأته. والسلطان: الحجة والبرهان وسميت الحجة سلطانا لقوتها ونفوذها. أصل المادة يدل على الشدة والقوة ومنها السليط الشديد واللسان الطويل. والمعنى: سنملأ قلوب المشركين خوفا وفزعا بسبب إشراكهم مع الله- تعالى- آلهة لم ينزل الله بها حجة والمراد: أنه لا حجة لهم حتى ينزلها. قال الآلوسى: قوله ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ أى بإشراكه أو بعبادته، و «ما» نكرة موصوفة أو موصولة اسمية وليست مصدرية و «سلطانا» أى حجة والإتيان بها للإشارة بأن المتبع في باب التوحيد هو البرهان السماوي دون الآراء والأهواء الباطلة.. وذكر عدم إنزال الحجة مع استحالة تحققها من باب انتفاء المقيد لانتفاء قيده اللازم، أى: لا حجة حتى ينزلها، فهو على حد قوله في وصف مفازة: لا تفزع الأرنب أهوالها ... ولا ترى الضب بها ينجحر إذ المراد: لا ضب بها حتى ينجحر. فالمراد نفيهما جميعا «١» . فالآية الكريمة قد بشرت المؤمنين بأن الله- تعالى- سيلقى الرعب والفزع في قلوب أعدائهم حتى لا يتجاسروا عليهم. ومن مظاهر الرعب التي ألقاها الله- تعالى- في قلوب المشركين أنهم بعد أن انتصروا على

стр. 956

المسلمين في غزوة أحد. كان في قدرتهم أن يوغلوا في مهاجمتهم وقتالهم إلا أن الرعب صدهم عن ذلك. ولقد حاولوا وهم في طريقهم إلى مكة أن يعودوا للقضاء على المسلمين إلا أن الخوف داخل قلوبهم وجعل أحد زعمائهم وهو صفوان بن أمية يقول لهم: «يا أهل مكة لا ترجعوا لقتال القوم، فإنى أرى أنه سيكون للقوم قتال غير الذي كان» . قال الفخر الرازي ما ملخصه قوله سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ اختلفوا في أن هذا الوعد هل هو مختص بيوم أحد، أو هو عام في جميع الأوقات؟ قال كثير من المفسرين: إنه مختص بهذا اليوم، وذلك لأن جميع الآيات المتقدمة إنما وردت في هذه الواقعة. ثم القائلون بهذا القول ذكروا في كيفية إلقاء الرعب في قلوب المشركين في هذا اليوم وجهين: الأول: أن الكفار لما استولوا على المسلمين وهزموهم أوقع الله الرعب في قلوبهم، فتركوهم وفروا منهم من غير سبب ... والثاني: أن الكفار لما ذهبوا إلى مكة فلما كانوا في بعض الطريق قالوا ما صنعنا شيئا قتلنا الأكثرين منهم ثم تركناهم ونحن قاهرون. ارجعوا حتى نستأصلهم بالكلية، فلما عزموا على ذلك ألقى الله الرعب في قلوبهم. والقول الثاني: أن هذا الوعد غير مختص بيوم أحد، بل هو عام، كأنه قيل: إنه وإن وقعت لكم هذه الواقعة في يوم أحد، إلا أن الله- تعالى- سيلقى الرعب منكم بعد ذلك في قلوب الكافرين حتى يقهر الكفار، ويظهر دينكم على سائر الأديان. وقد فعل الله ذلك حتى صار دين الإسلام قاهرا لجميع الأديان والملل. ونظير هذه الآية قوله ﷺ «نصرت بالرعب مسيرة شهر» «١» . ثم ختم- سبحانه- الآية ببيان سوء عاقبة هؤلاء الكافرين فقال: وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ. والمأوى: اسم مكان من أوى يأوى. وهو المكان الذي يرجع إليه الشخص ويعود إليه. والمثوى: اسم مكان- أيضا- يقال: ثوى بالمكان وفيه يثوى ثواء وثويا وأثوى به، أى أطال الإقامة والنزول فيه.

стр. 957

والمعنى: أن هؤلاء الكافرين سيلقى الله- تعالى- الرعب والفزع في قلوبهم حتى لا يتجاسروا على المؤمنين، هذا في الدنيا، أما في الآخرة، فالمكان الذي يأوون إليه ويستقرون فيه هو النار، لا مأوى لهم غيرها، وبئس هذه النار موضع إقامة دائمة لهم. وقد أظهر- سبحانه- الاسم في موضع الإضمار فلم يقل: وبئس النار مثواهم، بل قال: وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ: للإشارة إلى أن هذا المآل الأليم إنما هو جزاء عادل لهم بسبب ظلمهم إذ هم الذين ظلموا أنفسهم فأضلوها وصدوها عن الحق فكانت نهايتهم تلك النهاية المهينة، «وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون» . وفي جعل هذه النار مثواهم بعد جعلها مأواهم إشارة إلى خلودهم فيها، فإن المثوى مكان الإقامة المنبئة عن المكث، وأما المأوى فهو المكان الذي يأوى إليه الإنسان. وقدم المأوى على المثوى لأن هذا هو الترتيب الوجودي في الخارج، لأن الإنسان يأوى إلى المكان ثم يثوى فيه. وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد نهت المؤمنين عن إطاعة الكافرين وبينت لهم النتائج الوخيمة التي تترتب على إطاعتهم ثم دعتهم إلى الاعتصام بدين الله وبشرتهم بسوء عاقبة أعدائهم في الدنيا والآخرة. ثم ذكر الله- تعالى- المؤمنين بما حدث لهم في غزوة أحد، وكيف أنهم انتصروا على أعدائهم في أول المعركة ثم كيف أنهم أصيبوا بالهزيمة بعد ذلك بسبب فشلهم وتنازعهم ومعصيتهم لرسولهم ﷺ ثم صور- سبحانه- أحوالهم في هذه المعركة تصويرا بليغا مؤثرا وحكى أقوال ضعاف الإيمان ورد عليها بما يدحضها. استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى كل ذلك فيقول:

стр. 958

[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٥٢ الى ١٥٥] وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٥٣) ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٥٤) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥) قال القرطبي: قال محمد بن كعب القرطبي: لما رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة بعد أحد، وقد أصيبوا قال بعضهم لبعض: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر؟ فنزل قوله- تعالى- وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ الآية. وذلك أنهم قتلوا صاحب لواء المشركين وسبعة نفر منهم بعده على اللواء، وكان الظفر ابتداء

стр. 959

للمسلمين، غير أنهم اشتغلوا بالغنيمة وترك بعض الرماة أيضا مراكزهم طلبا للغنيمة فكان ذلك سبب الهزيمة. وقد روى البخاري عن البراء بن عازب قال: لما كان يوم أحد ولقينا المشركين أجلس رسول الله ﷺ أناسا من الرماة وأمر عليهم عبد الله بن جبير وقال لهم: «لا تبرحوا من مكانكم. إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم قد ظهروا علينا فلا تعينونا» . قال: فلما لقيناهم هربوا حتى رأيت النساء يشتددن الجبل- أى يسرعن الفرار- يرفعن عن سوقهن، قد بدت خلاخلهن. فجعلوا يقولون- أى الرماة- «الغنيمة.. الغنيمة» فقال لهم أميرهم عبد الله بن جبير. أمهلوا. أما عهد إليكم رسول الله ﷺ ألا تبرحوا أماكنكم؟ فأبوا- وانطلقوا لجمع الغنائم- فلما أتوهم صرف الله وجوههم وقتل من المسلمين سبعون رجلا» «١» . وصدق الوعد معناه: تحقيقه والوفاء به، الصدق: مطابقة الخبر للواقع. والمراد بهذا الوعد، ما وعد الله به المؤمنين من النصر والظفر في مثل قوله- تعالى- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ «٢» . وفي مثل قوله- تعالى- سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً «٣» . وفي مثل قول الرسول ﷺ للرماة قبل أن تبدأ المعركة «لا تبرحوا أماكنكم فلن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم» . ومعنى «تحسونهم تقتلونهم قتلا شديدا يفقدون معه حسهم وحركتهم. يقال: حسه حسا إذا قتله. وحقيقته: أصاب حاسته بآفة فأبطلها، يقال: كبده وفأده أى: أصاب كبده وفؤاده. ومنه جراد محسوس، وهو الذي قتله البرد أو مسته النار فأهلكته. والمعنى: ولقد حقق الله- تعالى- لكم- أيها المؤمنون- ما وعدكم به من النصر على أعدائكم إذ أيدكم في أول معركة أحد بعونه وتأييده فصرتم تقتلون المشركين قتلا ذريعا شديدا بإذنه وتيسيره ورعايته وكان حليفا لكم في أول المعركة. و «صدق» يتعدى لاثنين أحدهما بنفسه والآخر بحرف الجر تقول: صدقت زيدا في

стр. 960

الحديث. وقد يتعدى بنفسه إلى المفعولين كما هنا إذ المفعول الأول ضمير المخاطبين، والثاني قوله وَعْدَهُ. وقوله إِذْ تَحُسُّونَهُمْ معمول لصدقكم أى صدقكم في هذا الوقت وهو وقت قتلهم وقوله «بإذنه» متعلق بمحذوف لأنه حال من فاعل «تحسونهم» أى تقتلونهم مأذونا لكم في ذلك. فالجملة الكريمة تذكر المؤمنين بما كان من نصر الله- تعالى- لهم عند ما أقبلوا على معركة أحد بقلوب مخلصة، ونفوس ثابتة وعزيمة صادقة.. ثم بين- سبحانه- أما ما أصابهم من هزيمة بعد ذلك كان بسبب فشلهم وتنازعهم فقال- تعالى: حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ. والفشل: بمعنى الجبن والضعف، يقال فشل يفشل فهو فشل وفاشل والتنازع: التخاصم والتحالف. والمعنى: ولقد صدقكم الله وعده في النصر- أيها المؤمنون- عند ما كنتم تقاتلون أعداءكم بإيمان صادق، وإخلاص الله- تعالى- حتى إذا ضعفت نفوسكم وعجزتم عن مقاومة أهوائكم وتنازعتم فيما بينكم (أنتبع الغنائم نجمعها أم نبقى في أماكننا التي حددها الرسول ﷺ لنا) ؟ ومال أكثركم إلى طلب الغنائم مخالفا أمر الرسول ﷺ من بعد ما أراكم الله في أول المعركة من نصر مؤزر تحبونه وترجونه، ومن مغانم تتطلعون إليها بلهفة وشوق. حتى إذا فعلتم ذلك منع الله- تعالى- عنكم نصره، وتحول نصركم إلى هزيمة وفقدتم أنفسكم وما جمعتموه من غنائم. وهكذا نرى أن ما أصاب المسلمين في أحد من هزيمة كان بسبب فشل بعضهم وتنازعهم وعصيانهم أمر رسولهم ﷺ وصدق الله إذ يقول: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً «١» . ولقد رتب الله- تعالى- ما حدث من بعض المؤمنين في غزوة أحد ترتيبا دقيقا، يتفق مع ما حصل منهم وذلك لأنهم حدث منهم- أولا- الفشل بمعنى العجز النفسي عن الثبات والصبر. ثم ترتب على ذلك أن تنازعوا فيما بينهم ونتج عن هذا التنازع أن ترك معظمهم مكانه ونزل إلى ميدان المعركة لجمع المغانم، ثم ترتب على كل ذلك معصيتهم لأمر رسولهم وقائدهم ﷺ .

стр. 961

قال الجمل ما ملخصه: وقوله حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ في حتى هذه قولان: أحدهما: أنها حرف جر بمعنى إلى وفي متعلقها حينئذ ثلاثة أوجه. أحدها: أنها متعلقة بقوله: تَحُسُّونَهُمْ أى تقتلونهم إلى هذا الوقت. والثاني: أنها متعلقة «بصدقكم» أى صدقكم الله وعده إلى وقت فشلكم. والثالث: أنها متعلقة بمحذوف دل عليه السياق تقديره: ودام لكم ذلك إلى وقت فشلكم. والقول الثاني: أنها حرف ابتداء داخلة على الجملة الشرطية وإِذْ على بابها من كونها شرطية، والصحيح أن جوابها محذوف أى حتى إذا فشلتم وتنازعتم منع الله عنكم نصره» «١» . وقال الفخر الرازي: فإن قيل ما الفائدة في قوله مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ؟ فالجواب عنه: أن المقصود منه التنبيه على عظم المعصية، لأنهم لما شاهدوا أن الله- تعالى- «أكرمهم بإنجاز الوعد كان من حقهم أن يمتنعوا عن المعصية، فلما أقدموا عليها لا جرم سلبهم الله ذلك الإكرام وأذاقهم وبال أمرهم. وقوله مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ تفصيل للتنازع الذي كان بين الرماة، أو بين بعض أفراد المسلمين الذين اشتركوا في هذه الغزوة «٢» . أى: منكم- أيها المسلمون- من يريد الدنيا ومغانمها حتى حمله ذلك على ترك مكانه المخصص له مخالفا نصيحة قائده ورسوله ﷺ ولو أن هذا البعض منكم خالف هواه، وحارب مطامعه، وأطاع أمر رسوله ﷺ لتم لكم النصر، ولأتتكم الدنيا بغنائمها وهي صاغرة. ومنكم من يريد بجهاده وعمله ثواب الآخرة وهم الذين أطاعوا أمر رسولهم ﷺ وثبتوا إلى جانبه يدافعون عنه وعن عقيدتهم وعن أنفسهم دفاع الأبطال الصامدين وهؤلاء هم الذين رضى الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم ما يسعدهم في دنياهم وآخرتهم. قال ابن جرير: قال ابن عباس: لما هزم الله المشركين يوم أحد، قال الرماة: أدركوا الناس لا يسبقوكم إلى الغنائم فتكون لهم دونكم، وقال بعضهم: لا نريم حتى يأذن لنا النبي ﷺ فنزلت: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ. وقال ابن مسعود: ما علمنا أن أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ كان يريد الدنيا وعرضها حتى كان يوم أحد» «٣» .

стр. 962

وقوله ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ عطف على جواب «إذا» المقدر، وما بينهما اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه. والتقدير: منع الله نصره عنكم بسبب فشلكم وتنازعكم ومعصيتكم لنبيكم ثم ردكم عنهم دون أن تنالوا ما تبتغون لِيَبْتَلِيَكُمْ أى ليعاملكم الله- تعالى- معاملة من يمتحن غيره، ليتميز قوى الإيمان من ضعيفه وليتبين لكم الصابر المخلص من غيره. وجاء العطف بثم في قوله ثُمَّ صَرَفَكُمْ للإشعار بالتفاوت الكبير بين المقصد الأصلى الذي خرجوا من أجله وهو النصر والحصول على الغنيمة وبين النتيجة التي انتهوا إليها وهي العودة مقهورين. وكان التعبير بكلمة صَرَفَكُمْ دون كلمة «هزمتم» لأن ما حدث في أحد لم يكن هزيمة وإن لم يكن نصرا. لأن الهزيمة تقتضي أن يولى المسلمون الأدبار وأن يتحكم فيهم أعداؤهم وما حدث في أحد لم يكن كذلك، وإنما كان زيادة في عدد الشهداء من المسلمين عن عدد القتلى من المشركين لأن بعض المسلمين خالفوا وصية نبيهم ﷺ وتطلعوا إلى زهرة الدنيا وزينتها بطريقة تتعارض مع ما يقتضيه الإيمان الصادق فكان من الله- تعالى- التأديب لهم.. وفي هذا التعبير ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ تسلية لهم عما أصابهم، وتخفيف لمصابهم فكأنه- سبحانه- يقول لهم: إن ما حدث في أحد إنما هو نوع من الصرف عن الغاية التي من أجلها خرجتم لحكم من أهمها: تمييز الخبيث من الطيب، وتربيتكم على تحمل المصائب والآلام، وتأديبكم بالأدب المناسب حتى لا تعودوا مرة أخرى إلى مخالفة رسولكم ﷺ . ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة بما يمسح آلامهم ويذهب الحسرة من قلوبهم فقال- تعالى- وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ. أى: ولقد عفا- سبحانه- عما صدر منكم تفضلا منه وكرما، والله تعالى هو صاحب الفضل المطلق الدائم على المؤمنين. ولقد أكد- سبحانه- هذا العفو باللام وبقد وبالتعبير بالماضي، ليفتح أمامهم طريق الأمل، وليحفزهم على التوبة الصادقة والإيمان العميق، حتى لا ييأسوا من رحمة الله. والتذييل بقوله وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مؤكد لمضمون ما قبله. قال الآلوسى: «إيذان بأن ذلك العفو، ولو كان بعد التوبة، بطريق التفضل لا الوجوب أى: شأنه أن يتفضل عليهم بالعفو في جميع الأحوال أديل لهم أو أديل عليهم، إذ الابتلاء أيضا رحمة» «١» .

стр. 963

فأنت ترى أن الآية الكريمة قد ذكرت المؤمنين بأن الله- تعالى- قد حقق وعده معهم في أول المعركة بأن سلطهم على المشركين يقتلونهم بتأييده ورعايته قتلا ذريعا فلما صدر من بعض المؤمنين الفشل والتنازع والعصيان منع الله عنهم عونه وصرفهم عن الغاية التي كانوا يتمنونها ليتميز الخبيث من الطيب ومع ذلك فقد عفا الله عما صدر منهم من أخطاء لأنه هو صاحب الفضل الدائم على المؤمنين. ثم ذكرهم- سبحانه- بعد ذلك بما كان من بعضهم بعد أن اضطربت أحوالهم وجاءهم أعداؤهم من أمامهم ومن خلفهم بسبب ترك معظم الرماة لأماكنهم، فقال- تعالى- إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ. وقوله: تُصْعِدُونَ من الإصعاد وهو الذهاب في صعيد الأرض والإبعاد فيه. يقال: أصعد في الأرض إذا أبعد في الذهاب وأمعن فيه، فهو الصعد. قال القرطبي: الإصعاد: السير في مستو من الأرض وبطون الأودية والشعاب. والصعود: الارتفاع على الجبال والدرج. وقوله إِذْ تُصْعِدُونَ متعلق بقوله صَرَفَكُمْ أو بقوله لِيَبْتَلِيَكُمْ أو بمحذوف تقديره اذكروا. أى اذكروا- أيها المؤمنون- وقت أن كنتم مصعدين تهرولون بسرعة في بطن الوادي بعد أن اختلت صفوفكم- واضطراب جمعكم. وصرتم لا يعرج بعضكم على بعض ولا يلتفت أحدكم إلى غيره من شدة الهرب، والحال أن رسولكم ﷺ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ أى يناديكم في أخراكم أو في جماعتكم الأخرى أو من خلفكم يقال. جاء فلان في آخر الناس وأخراهم إذا جاء خلفهم، كما يقال: جاء في أموالهم وأولادهم. والمراد أن الرسول ﷺ كان يدعو المنهزمين إلى الثبات وإلى ترك الفرار من الأعداء وإلى معاودة الهجوم عليهم وهو ثابت لم يتزعزع ومعه نفر من أصحابه. قال ابن جرير لما اشتد المشركون على المسلمين بأحد فهزموهم، دخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم إلى الجبل فوق الصخرة فقاموا عليها، فجعل رسول الله ﷺ يدعو الناس: «إلى عباد الله» ! فذكر الله صعودهم إلى الجبل، ثم ذكر دعاء النبي ﷺ إياهم فقال: إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ «١» . ففي هذه الجملة الكريمة تصوير بديع معجز لحال المسلمين عند ما اضطربت صفوفهم في

стр. 964

غزوة أحد، فهي تصور حالهم وهم مصعدون في الوادي بدون تمهل أو تثبت، وتصور حالهم وقد أخذ منهم الدهش مأخذه بحيث أصبح بعضهم لا يلتفت إلى غيره أو يسمع له نداء، أو يجيب له طلبا وتصور حال النبي ﷺ وقد ثبت كالطود الأشم بدون اضطراب أو وجل ومعه صفوة من أصحابه وقد أخذ ينادى الفارين بقوله: «إلى عباد الله، إلى عباد الله أنا رسول الله، من يكر فله الجنة» . وقوله- تعالى- فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ. بيان للنتيجة التي ترتبت على هذا الاضطراب وهو معطوف على قوله صَرَفَكُمْ أو على قوله تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ ولا يضر كونهما مضارعين في اللفظ لأن إذ المضافة إليهما صيرتهما ماضيين في المعنى. وأصل الإثابة إعطاء الثواب، وهو شيء يكون جزاء على عطاء أو فعل ولفظ الثواب لا يستعمل في الأعم الأغلب إلا في الخير، والمراد به هنا العقوبة التي نزلت بهم. وسميت العقوبة التي نزلت بهم ثوابا على سبيل الاستعارة التهكمية كما في قوله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ. ويجوز أن يكون اللفظ مستعملا في حقيقته، لأن لفظ الثواب في أصل اللغة معناه ما يعود على الفاعلي من جزاء فعله، سواء أكان خيرا أو شرا. قال القرطبي: قوله- تعالى- فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ الغم في اللغة التغطية. يقال: غممت الشيء أى غطيته. ويوم غم وليلة غمة إذا كانا مظلمين. قال مجاهد وقتادة وغيرهما، والغم الأول القتل والجراح والغم الثاني الإرجاف بمقتل النبي ﷺ وقيل الغم الأول ما فاتهم من الظفر والغنيمة والثاني: استعلاء المشركين عليهم. وعند ذلك قال النبي ﷺ «اللهم لا يعان علينا» . والباء في بِغَمٍّ على هذا بمعنى على. وقيل هي على بابها والمعنى أنهم غموا النبي ﷺ بمخالفتهم إياه فأثابهم بذلك غمهم بمن أصيب منهم» «١» . ويجوز أن يكون الكلام لمجرد التكثير أى جازاكم بغموم وأحزان كثيرة متصل بعضها ببعض بأن منع عنكم نصره وحرمكم الغنيمة وأصابتكم الجراح الكثيرة وأشيع بينكم أن نبيكم قد قتل ... وكل ذلك بسبب أنكم خالفتم وصية نبيكم ﷺ وتغلب حب الدنيا وشهواتها على قلوب بعضكم فلم تخلصوا الله الجهاد فأصابكم ما أصابكم.

стр. 965

وقوله لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ تعليل لقوله وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ أى: ولقد عفا الله- تعالى- عنكم لئلا تحزنوا على ما فاتكم من غنائم ونصر، ولا على ما أصابكم من جراح وآلام، فإن عفو الله- تعالى- يذهب كل حزن ويمسح كل ألم. ويرى صاحب الكشاف أن معنى «لكي لا تحزنوا» لتتمرنوا على تجرع الغموم فلا تحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع، ولا على مصيب من المضار. ثم قال: ويجوز أن يكون الضمير في فَأَثابَكُمْ للرسول. أى: فآساكم في الاغتمام- أى فصار أسوتكم- لأنه كما غمكم ما نزل به من كسر الرباعية والشجة وغيرها فقد غمه ما نزل بكم. فأثابكم غما اغتمه لأجلكم بسبب غم اغتممتموه لأجله ولم يثربكم على عصيانكم ومخالفتكم لأمره، وإنما فعل ذلك ليسليكم وينفس عنكم لئلا تحزنوا على ما فاتكم من نصر الله ولا على ما أصابكم من غلبة العدو» «١» . ثم ختم- سبحانه- الآية بقوله وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ أى: والله- تعالى- عليم بأعمالكم ونياتكم علما كاملا، وخبير بما انطوت عليه نفوسكم فهو- سبحانه- لا تخفى عليه خافية مهما صغرت، فاتقوه وراقبوه واتبعوا ما كلفكم به لتنالوا الفوز والسعادة. ثم ذكرهم- سبحانه- ببعض مظاهر لطفه بهم ورحمته لهم حيث أنزل على طائفة منهم النعاس الذي أدخل الطمأنينة على قلوبهم وأزال الخوف والفزع من نفوسهم فقال- تعالى- ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ والجملة الكريمة معطوفة على قوله فَأَثابَكُمْ. والأمنة- بفتحتين- مصدر كالأمن. يقال: أمن أمنا وأمانا وأمنة. والنعاس: الفتور في أوائل النوم ومن شأنه أن يزيل عن الإنسان بعض متاعبه ولا يغيب صاحبه فلذلك كان أمنة لهم: لأنه لو كان نوما ثقيلا لهاجمهم المشركون. أى: ثم أنزل عليكم- أيها المؤمنون- بعد أن أصابكم من الهم والغم ما أصابكم، أمنا كان مظهره نعاسا اطمأنت معه نفوسكم واستراحت معه أبدانكم من غير فزع ولا قلق، وكان هذا الأمان والاطمئنان لطائفة معينة منكم أخلصت جهادها الله، وخافت مقام ربها ونهت نفسها عن الهوى. قال ابن كثير: يقول- تعالى- ممتنا على المؤمنين فيما أنزل عليهم من السكينة والأمنة وهو النعاس الذي غشيهم وهم مشتملون السلاح في حال همهم وغمهم والنعاس في مثل تلك الحال.

стр. 966

دليل على الأمان، كما قال في سورة الأنفال: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ فعن ابن مسعود قال: النعاس في القتال من الله وفي الصلاة من الشيطان» . وروى البخاري عن أبى طلحة قال: كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد حتى سقط سيفي من يدي مرارا يسقط وآخذه ويسقط وآخذه» «١» . وقوله نُعاساً بدل من أَمَنَةً أو عطف بيان. قال الفخر الرازي: واعلم أن ذلك النعاس فيه فوائد: أحدها: أنه وقع على كافة المؤمنين لا على الحد المعتاد، فكان ذلك معجزة للنبي ﷺ ولا شك أن المؤمنين متى شاهدوا تلك المعجزة الجديدة ازدادوا إيمانا مع إيمانهم، ومتى صاروا كذلك ازداد جدهم في محاربة العدو. ووثوقهم بأن الله منجز وعده. وثانيهما: أن الأرق والسهر يوجبان الضعف والكلال والنوم يفيد عود القوة والنشاط واشتداد القوة والقدرة. وثالثها: أن الكفار لما اشتغلوا بقتل المسلمين ألقى الله النوم على عين من بقي منهم لئلا يشاهدوا قتل أعزتهم فيشتد خوفهم. ورابعها: أن الأعداء كانوا في غاية الحرص على قتلهم فبقاؤهم في النوم مع السلامة في مثل تلك المعركة من أول الدلائل على أن حفظ الله وعصمته معهم وذلك مما يزيل الخوف عن قلوبهم ويورثهم مزيد الوثوق بوعد الله» «٢» . هذا جانب مما امتن الله به على المؤمنين من فضل ورعابة، حيث أنزل عليهم النعاس في أعقاب ما أصابهم من هموم ليكون راحة لأبدانهم، وأمانا لنفوسهم. أما غير المؤمنين الصادقين فلم ينزل عليهم هذا النعاس بل بقوا في قلقهم وحسرتهم وقد عبر الله- تعالى- عنهم بقوله: وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ. وقوله أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ حملتهم على الهم، والهم ما يهتم له الإنسان أو ما يحزنه يقال: أهمنى الأمر أى أقلقنى وأزعجنى، كما يقال: أهمنى الشيء، أى جعلني مهتما به اهتماما شديدا. والمعنى: أن الله- تعالى- أنزل النعاس أمانا واطمئنانا للمؤمنين الصادقين بعد أن أصابتهم الغموم، وهناك طائفة أخرى من الذين اشتركوا في غزوة أحد لم تكن صادقة في إيمانها لأنها

стр. 967

كانت لا يهمها شأن الإسلام انتصر أو انهزم ولا شأن النبي ﷺ وأصحابه. وإنما الذي كان يهمها هو شيء واحد وهو أمر نفسها وما يتعلق بذلك من الحصول على الغنائم ومتع الدنيا. أو المعنى: أن هذه الطائفة قد أوقعت نفسها في الهم والحزن بسبب عدم اطمئنانها وعدم صبرها، وجزعها المستمر. وإلى هذين المعنيين أشار صاحب الكشاف بقوله: قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ أى: ما يهم إلا هم أنفسهم، لا هم الدين ولا هم الرسول ﷺ والمسلمين. وقد أوقعتهم أنفسهم وما حل بهم في الهموم والأشجان فهم في التشاكى والتباكي» «١» . والجملة الكريمة مستأنفة مسوقة لبيان حال ضعاف الإيمان بعد أن بين- سبحانه- ما امتن به على أقوياء الإيمان. وقوله: يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ وصف آخر لسوء أخلاق هذه الطائفة التي ضعف إيمانها، وصارت لا يهمها إلا ما يتعلق بمنافعها الخاصة. أى أن هذه الطائفة لم تكتف بما استولى عليها من طمع وجشع وحب لنفسها بل تجاوزت ذلك إلى سوء الظن بالله بأن توهمت بأن الله- تعالى- لن ينصر رسوله ﷺ وأن الإسلام ليس دينا حقا وأن المسلمين لن ينتصروا على المشركين بعد معركة أحد.. إلى غير ذلك من الظنون الباطلة التي تتولد عند المرء الذي ضعف إيمانه وصار لا يهمه إلا أمر نفسه. وقوله يَظُنُّونَ بِاللَّهِ حال من الضمير المنصوب في أَهَمَّتْهُمْ أو استئناف على وجه البيان لما قبله. وقوله غَيْرَ الْحَقِّ مفعول مطلق وصف لمصدر محذوف أى يظنون بالله ظنا غير الحق الذي يجب أن يتحلى به المؤمنون إذ من شأن المؤمنين الصادقين أن يستسلموا لقدر الله بعد أن يباشروا الأسباب التي شرعها لهم: وأن يصبروا على ما أصابهم وأن يوقنوا بأن ما أصابهم هو بتقدير الله وبحكمته وبإرادته وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ. وقوله ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ بدل أو عطف بيان مما قبله. أى يظنون بالله شيئا هو من شأن أهل الجاهلية الذين يتوهمون أن الله لا ينصر رسله ولا يؤيد أولياءه ولا يهزم أعداءه. ثم بين- سبحانه- ما صدر عنهم من كلام باطل بسبب ظنونهم السيئة فقال- تعالى-

стр. 968

يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ. والاستفهام للإنكار بمعنى النفي، وهم يريدون بهذا القول تبرئة نفوسهم من أن يكونوا سببا فيما أصاب المسلمين من آلام يوم أحد، وأن الذين تسببوا في ذلك هم غيرهم. أى: يقول بعضهم لبعض ليس لنا من الأمر شيء أى شيء فلسنا مسئولين عن الهزيمة التي حدثت للمسلمين في أحد لأننا لم يكن لنا رأى يطاع ولأن الله- تعالى- لو أراد نصر محمد ﷺ لنصره. وهذا القول قاله عبد الله بن أبى بن سلول حين أخبروه بمن استشهد من قبيلة الخزرج في غزوة أحد. وذلك أن عبد الله بن أبى لما استشاره النبي ﷺ في شأن الخروج لقتال المشركين في أحد أشار عليه بأن لا يخرج من المدينة، إلا أن الرسول ﷺ خرج لقتال المشركين بناء على إلحاح بعض الصحابة. فلما أخبر ابن أبى بمن قتل من الخزرج قال: هل لنا من الأمر شيء؟ يعنى أن النبي ﷺ لم يقبل قوله حين أشار عليه بعدم الخروج من المدينة. وقد أمر الله- تعالى- نبيه ﷺ أن يرد على هؤلاء الظانين بالله ظن السوء بقوله: قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ. أى قل لهم إن تقدير الأمور كلها الله- تعالى- وحده وإن العاقبة ستكون للمتقين، إلا أنه- سبحانه- قد جعل لكل شيء سببا، فمن أخلص الله في جهاده وباشر الأسباب التي شرعها للنصر نصره الله- تعالى- ومن تطلع إلى الدنيا وزينتها وخالف أمر نبيه ﷺ أدبه الله- تعالى- بحجب نصره عنه حتى يفيء إلى رشده ويتوب توبة صادقة إلى ربه، ويتخذ الوسائل التي شرعها الله- تعالى- للوصول إلى الفوز والظفر. فالجملة الكريمة معترضة للرد عليهم فيما تقولوه من أباطيل. ثم كشف- سبحانه- عما تخفيه نفوسهم من أمور سيئة فقال: يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ. يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا. أى: أن هؤلاء الذين أهمتهم أنفسهم: والذين يظنون بالله غير الحق. يخفون في أنفسهم من الأقوال القبيحة والظنون السيئة أو يقولون فيما بينهم بطريق الخفية مالا يستطيعون إظهاره أمامك. وهذه الجملة حال من الضمير في قوله يَقُولُونَ هَلْ لَنا السابقة.

стр. 969

وقوله يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا بيان لبعض ما يخفون أو لما يقولونه فيما بينهم. أى يقولون لو كان لنا من الأمر المطاع أو المسموع شيء ما خرجنا من المدينة إلى هذا المكان الذي قتل فيه أقاربنا وعشائرنا. فأنت ترى أن القرآن يحكى عنهم أنهم يريدون تبرئة أنفسهم مما نزل بالمسلمين بأحد، وأنهم لو كان لهم رأى مطاع لبقوا في المدينة ولم يخرجوا منها لقتال المشركين، وأن التبعة في كل ما جرى في غزوة أحد يتحملها النبي ﷺ وأصحابه الذين ألحوا عليه في الخروج لقتال المشركين خارج المدينة، وأن النبي ﷺ وأصحابه لو كانوا على الحق لانتصروا. قال ابن جرير: وذكر أن ممن قال هذا القول- لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا معتب بن قشير من بنى عمرو بن عوف. فعن عبد الله بن الزبير عن الزبير قال، والله إنى لأسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشاني ما أسمعه إلا كالحلم حين قال: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا «١» . وقد أمر الله- تعالى- رسوله ﷺ أن يرد عليهم بما يدفع أقوالهم الباطلة فقال: قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ. وقوله لَبَرَزَ من البروز وهو الخروج من المكان الذي يستتر فيه الإنسان والمضاجع جمع مضجع وهو مكان النوم. والمراد به هنا المكان الذي استشهد فيه من استشهد من المسلمين. والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء الذين يقولون: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتل أقاربنا في هذا المكان من جبل أحد. قل لهم لو كنتم في بيوتكم ومنازلكم بالمدينة ولم تخرجوا للقتال بجملتكم، لخرج لسبب من الأسباب الداعية إلى الخروج الذين كتب عليهم القتل في اللوح المحفوظ إلى مضاجعهم أى أماكن قتلهم التي قدر الله لهم أن يقتلوا فيها لأنه ما من نفس تموت إلا بإذن الله وبإرادته، ولن يستطيع أحد أن ينجو من قدر الله المحتوم وقضائه النافذ، فإن الحذر لا يدفع القدر، والتدبير لا يقاوم التقدير وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ «٢» . وفي هذا الرد مبالغة في إبطال ما قاله هؤلاء الذين يظنون بالله الظنون السيئة حيث لم يقتصر- سبحانه- على تحقيق القتل نفسه متى قدره بل عين مكانه- أيضا-.

стр. 970

ثم بين- سبحانه- بعض الحكم من وراء ما حدث للمسلمين في أحد فقال: وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ، وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ. والابتلاء: الاختبار، وهو هنا كناية عن أثره، وهو إظهاره للناس ليتميز قوى الإيمان من ضعيفه. والتمحيص تخليص الشيء مما يخالطه مما فيه عيب له. والجملة معطوفة على كلام سابق يفهم من السياق. والتقدير: نزل بكم ما نزل من الشدائد في أحد لتتعودوا تحمل الشدائد والمحن، وليعاملكم- سبحانه- معاملة المختبر لنفوسكم، فيظهر ما تنطوى عليه من خير أو شر، حتى يتبين الخبيث من الطيب وليخلص ما في قلوبكم ويزيل ما عساه يعلق بها من أدران، ويطهرها مما يخالطها من ظنون سيئة- فإن القلوب يخالطها بحكم العادة وتزيين الشيطان واستيلاء الغفلة وحب الشهوات. ما يضاد ما أودع الله فيها من إيمان وإسلام وبر وتقوى. فلو تركت في عافية دائمة مستمرة لم تتخلص من هذه المخالطة، ولم تتمحص من الآثام فاقتضت حكمة الله- تعالى- أن ينزل بها من المحن والبلاء ما يكون بالنسبة لها كالدواء الكريمة لمن عرض له داء. وقوله وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أى عليم بأسرارها وضمائرها الخفية التي لا تفارقها فهو القائل إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ «١» وهو القائل وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى «٢» . ثم أخبر- سبحانه- عن الذين لم يثبتوا مع النبي ﷺ يوم أحد، وبين السبب في ذلك وفتح لهم باب عفوه فقال: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ، إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا. وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ. وقوله تَوَلَّوْا من التولي ويستعمل هذا اللفظ بمعنى الإقبال وبمعنى الإدبار فإن كان متعديا بنفسه كان بمعنى الإقبال كما في قوله- تعالى- وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وإذا كان متعديا بعن أو غير متعد أصلا كان بمعنى الإعراض كما في الآية التي معنا. والتولي الذي وقع فيه من ذكرهم الله- تعالى- في الآية التي معنا يتناول الرماة الذين تركوا أماكنهم التي أمرهم الرسول ﷺ بالبقاء فيها لحماية ظهور المسلمين كما يتناول الذين لم يثبتوا

стр. 971

بجانب النبي ﷺ بل فروا إلى الجبل أو إلى غيره عند ما اضطربت الصفوف. ولقد حكى لنا التاريخ أن هناك جماعة من المسلمين ثبتت إلى جانب النبي ﷺ بدون وهن أو ضعف وقد أصيب ممن كان حوله أكثر من ثلاثين، وكلهم يفتدى النبي ﷺ بنفسه ويقول: وجهى لوجهك الفداء ونفسي لنفسك الفداء. وعليك السلام غير مودع «١» . ومعنى اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ طلب لهم الزلل والخطيئة، أو حملهم عليها بوسوسته لهم: أن يخالفوا أمر رسول الله ﷺ لهم بالثبات في مواقفهم التي عينها لهم، فكانت مخالفتهم لرسولهم وقائدهم طاعة للشيطان. فحرمهم الله تأييده وتقوية قلوبهم. قال الراغب: استزله إذا تحرى زلته، وقوله- تعالى- إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا أى استجرهم الشيطان حتى زلوا، فإن الخطيئة الصغيرة إذا ترخص الإنسان فيها تصير مسهلة لسبيل الشيطان على نفسه، والزلة في الأصل: استرسال الرجل من غير قصد» «٢» . والمراد بالزلة هنا ما حدث منهم من مخالفة الرسول ﷺ وقد ترتب عليها هزيمتهم. والمعنى: إن الذين تولوا منكم- يا معشر المؤمنين- عن القتال أو تركوا أماكنهم فلم يثبتوا فيها طلبا للغنيمة يوم التقيتم بالمشركين في معركة أحد إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ أى طلب منهم الزلل والمعصية، ودعاهم إليها بمكر منه وكان ذلك بِبَعْضِ ما كَسَبُوا أى بسبب بعض ما اكتسبوه من ذنوب، لأن نفوسهم لم تتجه بكليتها إلى الله فترتب على ذلك أن منعوا النصر والتأييد وقوة القلب والثبات. قال ابن القيم: «كانت أعمالهم جندا عليهم ازداد بها عدوهم قوة. فإن الأعمال جند للعبد وجند عليه ولا بد للعبد في كل وقت من سرية من نفسه تهزمه أو تنصره. فهو يمد عدوه بأعماله من حيث يظن أنه يقاتل بها، ويبعث إليه سرية تغزوه مع عدوه من حيث يظن أنه يغزو عدوه. فأعمال العبد تسوقه قسرا إلى مقتضاها من الخير والشر والعبد لا يشعر أو يشعر ويتعامى. ففرار الإنسان من عدوه وهو يطيقه إنما هو بجند من عمله بعثه له الشيطان واستزله به» «٣» . ثم أخبر- سبحانه- أنه قد عفا عن هؤلاء الزالين، حتى تكون أمامهم الفرصة لتطهير

стр. 972

نفوسهم. وبعثها على التوبة الصادقة والإخلاص الله رب العالمين، فقال- تعالى- وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ. أى: ولقد عفا- سبحانه- عنهم لصدق توبتهم وندمهم على ما فرط منهم، لأن فرارهم لم يكن عن نفاق، بل كان عارضا عرض لهم عند ما اضطربت الصفوف واختلطت الأصوات ثم عادوا إلى صفوف الثابتين من المؤمنين ليكونوا معهم في قتال أعدائهم. ولقد أكد الله- تعالى- هذا العفو بلام التأكيد وبقد المفيدة للتحقيق، وبوصفه- سبحانه- لذاته بالمغفرة فإن هذا الوصف يؤكد أن العفو شأن من شئونه، وبوصفه- سبحانه- لذاته بالحلم، فإن هذا الوصف يفيد أنه لا يعاجل عباده بالعقاب، بل إن ما أصابهم من مصائب فهو بسبب ما اقترفوه من ذنوب ويعفو- سبحانه- عن كثير. وصدق الله إذ يقول: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ «١» . وقد أكد- سبحانه- شأن هذا العفو لتذهب عن نفوس هؤلاء الذين استزلهم الشيطان حيرتها ولتنخلع عن الماضي، ولتستقبل الحاضر والمستقبل بقلوب عامرة بالإيمان، وبنفوس متغلبة على أهوائها مطيعة لتعاليم دينها. وبذلك نرى الآية الكريمة قد بينت للمؤمنين بعض الأسباب الظاهرة والخفية لما أصابهم في أحد، وفتحت لهم باب التوبة لتطهير أنفسهم، وأخبرتهم بعفو الله عنهم، وفي ذلك ما فيه من عظات وعبر لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. وبعد هذا الحديث الحكيم عن أحداث معركة أحد، وعما تم للمسلمين في أولها من نصر، ثم عما جرى لهم بعد ذلك من اضطراب وتفرق بسبب مخالفة بعضهم لوصايا نبيهم ﷺ . بعد كل ذلك وجه القرآن نداء إلى المؤمنين نهاهم عن التشبه بالكافرين وعن الاستماع إلى أباطيلهم وحضهم فيه على مواصلة الجهاد في سبيل الله، حتى تكون كلمة الله هي العليا وأخبرهم بأن الآجال بيد الله، وأن موتهم من أجل الدفاع عن الحق أشرف لهم من الحياة الذليلة. استمع إلى القرآن وهو يصور هذه المعاني بأسلوبه البليغ فيقول:

стр. 973

[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٥٦ الى ١٥٨] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨) فقوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إلخ كلام مستأنف قصد به تحذير المؤمنين من التشبه بالكافرين ومن الاستماع إلى أقوالهم الذميمة. والمراد بالذين كفروا المنافقون كعبد الله بن أبى بن سلول وأشباهه من المنافقين الذين سبق للقرآن أن حكى عنهم أنهم قالوا: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا. وإنما ذكرهم بصفة الكفر للتصريح بمباينة حالهم لحال المؤمنين وللتنفير عن مماثلتهم ومسايرتهم. وقيل المراد بهم جميع الكفار. والمراد بإخوانهم: إخوانهم في الكفر والنفاق والمذهب أو في النسب وقوله إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أى سافروا فيها للتجارة أو غيرها فماتوا. وأصل الضرب: إيقاع شيء على شيء ثم استعمل في السير، لما فيه من ضرب الأرض بالأرجل، ثم صار حقيقة فيه. وقوله: غُزًّى جمع غاز كراكع وركع، وصائم وصوم، ونائم ونوم. والمعنى: يا من آمنتم بالله واليوم الآخر لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا بفزع وجزع من أجل إخوانهم الذين فقدوهم بسبب سفرهم للتجارة أو بسبب غزوهم في سبيل الله. قالوا على سبيل التفجع: لو كان هؤلاء الذين ماتوا في السفر أو الغزو مقيمين معنا، أو ملازمين بيوتهم، ولم يضربوا في الأرض ولم يغزوا فيها لبقوا أحياء ولما ماتوا أو قتلوا. وقولهم هذا يدل على جبنهم وعجزهم، كما يدل على ضعف عقولهم وعدم إيمانهم بقضاء الله

стр. 974

وقدره، إذ لو كانوا مؤمنين بقضاء الله وقدره لعلموا أن كل شيء عنده بمقدار، وأن العاقل هو الذي يعمل ما يجب عليه بجد وإخلاص ثم يترك بعد ذلك النتائج الله يسيرها كيف يشاء. وقولهم هذا بجانب ذلك يدل على سوء نيتهم، وخبث طويتهم، لأنهم قصدوا به تثبيط عزائم المجاهدين عن الجهاد، وعن السعى في الأرض من أجل طلب الرزق الذي أحله الله. والنهى في قوله- تعالى- لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا يشعر بالتفاوت الشديد بين المقامين: مقام الإيمان ومقام الكفران، وأنه لا يليق بالمؤمن أن ينحدر إلى المنحدر الدون وهو التشبه بالكافرين، بعد أن رفعه الله بالإيمان إلى أعلى عليين، وفي هذا تقبيح للمنهى عنه بأبلغ وجه وبأدق تصوير. واللام في قوله لِإِخْوانِهِمْ يرى صاحب الكشاف أنها للتعليل فقد قال: قوله: وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ أى لأجل إخوانهم، كقوله- تعالى- وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ «١» . ويجوز أن تكون اللام للدلالة على موضع الخطاب، ويكون المعنى: لا تكونوا أيها المؤمنون كهؤلاء الذين كفروا وقالوا لإخوانهم الأحياء: لو كان أولئك الذين فقدناهم ملازمين لبيوتهم ولم يضربوا في الأرض ولم يغزوا لما أصابهم ما أصابهم من الموت أو القتل. قال الفخر الرازي ما ملخصه: فإن قيل إن قوله قالُوا لِإِخْوانِهِمْ يدل على الماضي، وقوله إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ يدل على المستقبل فكيف الجمع بينهما؟ فالجواب من وجوه: أولها: أن قوله قالُوا تقديره: يقولون، فكأنه قيل: لا تكونوا كالذين كفروا ويقولون لإخوانهم كذا وكذا.. وإنما عبر عن المستقبل بلفظ الماضي للتأكيد وللإشعار بأن جدهم في تقرير الشبهة قد بلغ الغاية، وصار بسبب ذلك الجد ينظر إلى هذا المستقبل كالكائن الواقع. وثانيها: أن الكلام خرج على سبيل حكاية الحال الماضية. والمعنى أن إخوانهم إذا ضربوا في الأرض، فالكافرون يقولون لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، فمن أخبر عنهم بعد ذلك فلا بد أن يقول: قالوا. وثالثها: قال «قطرب» كلمة «إذ» و «وإذا يجوز إقامة كل واحدة منهما مقام الأخرى وهو حسن لأنا إذا جوزنا إثبات اللغة بشعر مجهول، فلأن يجوز إثباتها بالقرآن العظيم أولى» «٢» .

стр. 975

وقوله أَوْ كانُوا غُزًّى معطوف على ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ من عطف الخاص بعد العام، اعتناء به لأن الغزو هو المقصود في هذا المقام وما قبله توطئة له. قالوا: على أنه قد يوجد الغزو بدون الضرب في الأرض بناء على أن المراد بالضرب في الأرض السفر البعيد، فيكون على هذا بين الضرب في الأرض وبين الغزو خصوص وعموم من وجه. وإنما لم يقل أو غزوا: للإيذان باستمرار اتصافهم بعنوان كونهم غزاة، أو لانقضاء ذلك، أى كانوا غزاة فيما مضى. وقوله لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا في محل نصب مقول القول. ثم بين- سبحانه- ما ترتب على أقوالهم من عواقب سيئة فقال: لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ. والحسرة- كما يقول الراغب- هي غم الإنسان على ما فاته، والندم عليه كأنه انحسر عنه الجهل الذي حمله على ما ارتكبه، أو انحسرت قواه- أى انسلخت- من فرط الغم، وأدركه إعياء عن تدارك ما فرط» «١» . فالحسرة هي الهم المضنى الذي يلقى على النفس الحزن المستمر والألم الشديد، واللام في قوله لِيَجْعَلَ هي التي تسمى بلام العاقبة، وهي متعلقة بقالوا أى قالوا ما قالوه لغرض من أغراضهم التي يتوهمون من ورائها منفعتهم ومضرة المؤمنين فكان عاقبة قولهم ومصيره إلى الحسرة والندامة لأن المؤمنين الصادقين لن يلتفتوا إلى هذا القول. بل سيمضون في طريق الجهاد الذي كتبه الله عليهم وسيكون النصر الذي وعدهم الله إياه حليفهم وبذلك يزداد الكافرون المنافقون حسرة على حسرتهم. ويجوز أن تكون اللام للتعليل ويكون المعنى: ان الله- تعالى- طبع الكفار على هذه الأخلاق السيئة بسبب كفرهم وضلالهم لأجل أن يجعل الحسرة في قلوبهم والغم في نفوسهم والضلال بهذه الأقوال والأفعال في عقولهم. قال صاحب الكشاف: فإن قلت ما متعلق ليجعل؟ قلت: قالوا. أى قالوا ذلك واعتقدوه ليكون حسرة في قلوبهم على أن اللام مثلها في لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً أو لا تكونوا بمعنى: لا تكونوا مثلهم في النطق بذلك القول واعتقاده ليجعله الله حسرة في قلوبهم خاصة ويصون منها قلوبكم. فإن قلت: ما معنى إسناد الفعل إلى الله؟ قلت: معناه أن الله- تعالى- عند

стр. 976

اعتقادهم ذلك المعتقد الفاسد يضع الغم والحسرة في قلوبهم ويضيق صدورهم عقوبة لهم.. كما قال- تعالى- وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ. ويجوز أن يكون ذلك إشارة إلى ما دل عليه النهى، أى لا تكونوا مثلهم ليجعل الله انتفاء كونكم مثلهم حسرة في قلوبهم لأن مخالفتهم فيما يقولون ويعتقدون ومضادتهم مما يغمهم ويغيظهم» «١» . والجعل هنا بمعنى التصيير، وقوله حَسْرَةً مفعول ثان له، وقوله، فِي قُلُوبِهِمْ متعلق بيجعل. وذكر القلوب مع أن الحسرة لا تكون إلا فيها، لإرادة التمكن، والإيذان بعدم الزوال. وقوله وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ رد على قولهم الباطل أثر بيان سوء عاقبته وحض للمؤمنين على الجهاد في سبيل الله وترغيب لهم في العمل الصالح، أى أن الأرواح كلها بيد الله يقبضها متى شاء، ويرسلها متى شاء فالقعود في البيوت لا يطيل الآجال كما أن الخروج للجهاد في سبيل الله أو للسعي في طلب الرزق لا ينقصها ومادام الأمر كذلك فعلى العاقل أن يسارع إلى الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله، وأن يسعى في الأرض ذات الطول والعرض ليأكل من رزق الله وأن يباشر الأسباب التي شرعها الله بدون عجز أو كسل وليعلم أن الله مطلع على أعمال الناس وأقوالهم وسيجازيهم عليها يوم القيامة بما يستحقون من خير أو شر. ثم رد الله- تعالى- على أولئك الكافرين برد آخر، فيه تثبيت للمؤمنين، وترغيب لهم في الجهاد فقال: وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ أيها المؤمنون وأنتم تجاهدون فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ على فراشكم بدون قتل بعد أن أديتم رسالتكم في الحياة على أكمل وجه، وأطعتم ربكم فيما أمركم به أو نهاكم عنه لنلتم مغفرة من الله- تعالى- لذنوبكم ولظفرتم برحمته الواسعة التي تسعدكم. وقوله خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ أى خير مما يجمعه الكفرة من متع الدنيا وشهواتها الزائلة بخلاف مغفرة الله ورحمته فإنهما باقيتان ولا كدر معهما ولا تعب ولا قلق. واللام في قوله وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ. موطئة للقسم، أى: والله لئن قتلتم في سبيل الله أو متم. وقوله لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ جواب القسم وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه ووفائه بمعناه. ثم بين- سبحانه- أن مصير العباد جميعا إليه وحده فقال: وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ.

стр. 977

أى ولئن متم- أيها المؤمنون- وأنتم في بيوتكم أو في أى مكان، أو قتلتم بأيدى أعدائكم وأنتم تجاهدون في سبيل الله، فعلى أى وجه من الوجوه كان انقضاء حياتكم فإنكم إلى الله وحده جميعا تعودون وتحشرون فيجازيكم على أعمالكم. فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد اشتملت على أبلغ ألوان الترغيب في الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله، لأنها قد بينت أن الحياة والموت بيد الله وحده وأنه سبحانه قد يكتب الحياة للمسافر والغازي مع اقتحامهما لموارد الحتوف، وقد يميت المقيم والقاعد في بيته مع حيازته لأسباب السلامة. وأن الذين يموتون على الإيمان الحق، أو يقتلون وهم يجاهدون في سبيل الله فإن لهم من مغفرة الله ورحمته ما هو خير مما يجمعه الكافرون من حطام الدنيا. وأن جميع الخلق مؤمنهم وكافرهم سيعودون إلى الله ليجازيهم على أعمالهم يوم الدين. قال الفخر الرازي: واعلم أن في قوله: لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ دقائق: إحداها: أنه لم يقل: تحشرون إلى الله، بل قال: لإلى الله تحشرون، وهذا يفيد الحصر، وهذا يدل على أنه لا حاكم في ذلك اليوم ولا نافع ولا ضار إلا هو. وثانيهما: أنه ذكر من أسمائه هذا الاسم، وهذا الاسم أعظم الأسماء وهو دال على كمال الرحمة. وكمال القهر، فهو لدلالته على كمال الرحمة أعظم أنواع الوعد، ولدلالته على كمال القهر أشد أنواع الوعيد. وثالثها: أن قوله تُحْشَرُونَ فعل لم يسم فاعله، مع أن فاعلى ذلك الحشر هو الله وإنما لم يقع التصريح به لأنه- تعالى- هو العظيم الكبير الذي شهدت العقول بأنه هو الذي يبدئ ويعيد، ومنه الإنشاء والإعادة فترك التصريح في مثل هذا الموضع أدل على العظمة. ورابعها: أن قوله تُحْشَرُونَ خطاب مع الكل فهو يدل على أن جميع العاملين، يحشرون إلى الله فيجتمع المظلوم مع الظالم والمقتول مع القاتل، والله- تعالى- هو الذي يتولى الحكم بينهم «١» . وقبل أن تتمم السورة حديثها مع الذين آمنوا عن أحداث غزوة أحد وما دار فيها من نصر وهزيمة، وعن الأسباب الظاهرة والخفية لذلك. أخذت في بيان حال النبي ﷺ وما كان عليه من قيادة حكيمة وأخلاق كريمة، وأنه ﷺ لم يقابل مخالفة المخالفين له والفارين عنه بالانتقام منهم وإنزال العقوبات بهم وإنما قابل ذلك بالحلم واللين والسياسة الرشيدة. فقال- تعالى-:

стр. 978

[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٥٩ الى ١٦٤] فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠) وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦١) أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٦٣) لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١٦٤) فالخطاب في قوله- تعالى- فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ، وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ.. ألخ للنبي ﷺ . والفاء لترتيب مضمون الكلام على ما ينبئ عنه السياق من استحقاق الفارين والمخالفين للملامة والتعنيف منه. ﷺ بمقتضى الجبلة البشرية.

стр. 979

والباء هنا للسببية، و «ما» مزيدة للتأكيد ولتقوية معنى الرحمة «لنت» من لان يلين لينا وليانا بمعنى الرفق وسعة الخلق و «الفظ» الغليظ الجافي في المعاشرة قولا وفعلا. وأصل الفظ- كما يقول الراغب- ماء الكرش وهو مكروه شربه بمقتضى الطبع ولا يشرب إلا في أشد حالات الضرورة. وغلظ القلب عبارة عن قسوته وقلة تأثره من الغلظة ضد الرقة، وتنشأ عن هذه الغلظة الفظاظة والجفاء. والمعنى: فبسبب رحمة عظيمة فياضة منحك الله إياها يا محمد كنت لينا مع أتباعك في كل أحوالك، ولكن بدون إفراط أو تفريط، فقد وقفت من أخطائهم التي وقعوا فيها في غزوة أحد موقف القائد الحكيم الملهم فلم تعنفهم على ما وقع منهم وأنت تراهم قد استغرقهم الحزن والهم.. بل كنت لينا رفيقا معهم. وهكذا القائد الحكيم لا يكثر من لوم جنده على أخطائهم الماضية، لأن كثرة اللوم والتعنيف قد تولد اليأس، وإنما يلتفت إلى الماضي ليأخذ منه العبرة والعظة لحاضره ومستقبله ويغرس في نفوس الذين معه ما يحفز همتهم ويشحذ عزيمتهم ويجعلهم ينظرون إلى حاضرهم ومستقبلهم بثقة وإطمئنان وبصيرة مستنيرة. وإن الشدة في غير موضعها تفرق ولا تجمع وتضعف ولا تقوى، ولذا قال- تعالى- وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ. أى ولو كنت- يا محمد- كريه الخلق، خشن الجانب، جافيا في أقوالك وأفعالك، قاسى القلب لا تتأثر لما يصيب أصحابك.. ولو كنت كذلك لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ أى لتفرقوا عنك ونفروا منك ولم يسكنوا إليك. فالجملة الكريمة تنفى عن الرسول ﷺ أن يكون فظا أو غليظا، لأن «لو» تدل على نفى الجواب لنفى الشرط. أى أنك لست- يا محمد- فظا ولا غليظ القلب ولذلك التف أصحابك من حولك يفتدونك بأرواحهم وبكل مرتخص وغال، ويحبونك حبا يفوق حبهم لأنفسهم ولأولادهم ولآبائهم ولأحب الأشياء إليهم. وقال- سبحانه- وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لينفى عنه ﷺ القسوة والغلظة في الظاهر والباطن: إذ القسوة الظاهرية تبدو أكثر ما تبدو في الفظاظة التي هي خشونة الجانب، وجفاء الطبع، والقسوة الباطنية تكون بسبب يبوسة القلب، وغلظ النفس وعدم تأثرها بما يصيب غيرها. والرسول ﷺ كان مبرأ من كل ذلك، ويكفى أن الله- تعالى- قد قال في وصفه:

стр. 980

لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ «١» . وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: إنى أرى صفة رسول الله ﷺ في الكتب المتقدمة. إنه ليس بفظ، ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزى بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح، «٢» . ولقد كان من أخلاقه ﷺ مداراة الناس إلا أن يكون في المداراة حق مضيع فعن عائشة رضى الله عنها، قالت: «قال رسول الله ﷺ : إن الله أمرنى بمداراة الناس كما أمرنى بإقامة الفرائض» «٣» . ثم أمر الله تعالى، نبيه ﷺ ، بما يترتب على الرفق والبشاشة فقال: فَاعْفُ عَنْهُمْ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ، وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ. فالفاء هنا تفيد ترتيب ما بعدها على ما قبلها، أى أنه يترتب على لين جانبك مع أصحابك، ورحمتك بهم، أن تعفو عنهم فيما وقعوا فيه من أخطاء تتعلق بشخصك أو ما وقعوا فيه من مخالفات أدت إلى هزيمتهم في أحد، فقد كانت زلة منهم وقد أدبهم الله عليها. وأن تلتمس من الله تعالى، أن يغفر لهم ما فرط منهم، إذ في إظهارك ذلك لهم تأكيد لعفوك عنهم. وتشجيع لهم على الطاعة والاستجابة لأمرك. وأن تشاورهم في الأمر أى في أمر الحرب ونحوه مما تجرى فيه المشاورة في العادة من الأمور التي تهم الأمة. وقد جاءت هذه الأوامر للنبي ﷺ ، على أحسن نسق، وأحكم ترتيب، لأن الله تعالى أمره أولا بالعفو عنهم فيما يتعلق بخاصة نفسه، فإذا ما انتهوا إلى هذا المقام، أمره بأن يستغفر لهم ما بينهم وبين الله تعالى، لتنزاح عنهم التبعات، فإذا صاروا إلى هذه الدرجة، أمره بأن يشاورهم في الأمر لأنهم قد أصبحوا أهلا لهذه المشاورة. ولقد تكلم العلماء كلاما طويلا عن حكم المشورة وعن معناها، وعن فوائدها، فقد قال القرطبي ما ملخصه: والاستشارة مأخوذة من قول العرب: شرت الدابة وشوّرتها، إذا علمت خبرها وحالها يجرى أو غيره.. وقد يكون من قولهم: شرت العسل واشترته، إذا أخذته من موضعه.

стр. 981

ثم قال: واختلف أهل التأويل في المعنى الذي أمر الله نبيه ﷺ أن يشاور فيه أصحابه فقالت طائفة: ذلك في مكائد الحروب، وعند لقاء العدو، تطييبا لنفوسهم ورفعا لأقدارهم وإن كان الله- تعالى- قد أغناه عن رأيهم بوحيه. وقال آخرون: ذلك فيما لم يأته فيه وحى. فقد قال الحسن: ما أمر الله- تعالى- نبيه بالمشاورة لحاجة منه إلى رأيهم، وإنما أراد أن يعلمهم ما في المشاورة من الفضل وليقتدى به أمته من بعده. ثم قال: والشورى من قواعد الشريعة، وعزائم الأحكام، والذي لا يستشير أهل العلم والدين- والخبرة- فعزله واجب وهذا لا خلاف فيه. وقد استشار النبي ﷺ أصحابه في كثير من الأمور، وقال «المستشار مؤتمن» وقال «ما ندم من استشار ولا خاب من استخار» وقال: «ما شقي قط عبد بمشورة وما سعد باستغناء رأى» . وقال البخاري: «وكانت الأمة بعد النبي ﷺ يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها» «١» . وقال الفخر الرازي ما ملخصه: «اتفقوا على أن كل ما نزل فيه وحى من عند الله لم يجز للرسول ﷺ أن يشاور فيه الأمة، لأنه إذا جاء النص بطل الرأى والقياس، فأما مالا نص فيه فهل تجوز المشاورة فيه في جميع الأشياء أولا؟ قال بعضهم: هذا الأمر مخصوص بالمشاورة في الحروب، لأن الألف واللام في لفظ «الأمر» تعود على المعهود السابق وهو ما يتعلق بالحروب- إذ الكلام في غزوة أحد-. وقال آخرون: اللفظ عام خص منه ما نزل فيه وحي فتبقى حجته في الباقي وظاهر الأمر في قوله وَشاوِرْهُمْ للوجوب وحمله الشافعى على الندب.. «٢» . والحق أن الشورى أصل من أصول الحكم في الإسلام، وقد استشار النبي ﷺ أصحابه في غزوات بدر وأحد والأحزاب وفي غير ذلك من الأمور التي تتعلق بمصالح المسلمين، وسار على هذا المنهج السلف الصالح من هذه الأمة. ولقد كان عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- يكتب لعماله يأمرهم بالتشاور ويتمثل لهم في كتبه بقول الشاعر: خليلي ليس الرأى في صدر واحد ... أشيرا على بالذي تريان

стр. 982

وقد تمدح الحكماء والشعراء بفضيلة الشورى وما يترتب عليها من خير ومنفعة ومن ذلك قول بشار بن برد: إذا بلغ الرأى المشورة فاستعن ... برأى نصيح أو نصيحة حازم ولا تحسب الشورى عليك غضاضة ... فإن الخوافي قوة للقوادم والحكام العقلاء المنصفون المتحرون للحق والعدل هم الذين يقيمون حكمهم على مبدأ الشورى ولا يعادى الشورى من الحكام إلا أحد اثنين: إما رجل قد أصيب بداء الغرور والتعالي، فهو يتوهم أن قوله هو الحق الذي لا يخالطه باطل، وأنه ليس محتاجا إلى مشورة غيره وإما رجل ظالم مستبد مجانب للحق، فهو ينفذ ما يريده بدون مشورة أحد لأنه يخشى إذا استشار غيره أن يطلع الناس على ظلمه وجوره وفجوره. هذا ومتى تمت المشورة على أحسن الوجوه وأصلحها واستقرت الأمور على وجه معين، فعلى العاقل أن يمضى على ما استقر عليه الرأى بدون تردد أو تخاذل، ولذا قال- سبحانه- فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ. أى فإذا عقدت نيتك على إتمام الأمر وإمضائه بعد المشاورة السليمة وبعد أن تبين لك وجه السداد فيما يجب أن تسلكه فبادر بتنفيذ ما عقدت العزم على تنفيذه، وفَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ أى اعتمد عليه في الوصول إلى غايتك، فإن الله- تعالى- يحب المعتمدين عليه، المفوضين أمورهم إليه مع مباشرة الأسباب التي شرعها لهم لكي يصلوا إلى مطلوبهم. فالجملة الكريمة تأمر النبي ﷺ وتأمر كل من يتأتى له الخطاب بأن يبذل أقصى جهده لمعرفة ما هو صواب بأن يستشير أهل الخبرة كل في مجال تخصصه فإذا ما استقر رأيه على وجهة نظر معينة- بعد أن درسها دراسة فاحصة واستشار العقلاء الأمناء فيها- فعليه أن يبادر إلى تنفيذها بدون تردد فإن التردد يضيع الأوقات والتأخر كثيرا ما يحول الحسنات إلى سيئات وعليه مع حسن الاستعداد أن يكون معتمدا على الله، مظهرا العجز أمام قدرته- سبحانه- لأنه هو الخالق للأسباب والمسببات وهو القادر على تغييرها. وكم من أناس اعتمدوا على قوتهم وحدها، أو على مباشرتهم للأسباب وحدها دون أن يجعلوا للاعتماد على الله مكانا في نفوسهم، فكانت نتيجتهم الفشل والخذلان وكانت الهزيمة المنكرة المرة التي اكتسبوها بسبب غرورهم وفجورهم وفسوقهم عن أمر الله. ورحم الله القائل إذا لم يكن عون من الله للفتى ... فأول ما يجنى عليه اجتهاده ولقد أكد الله- تعالى- وجوب التوكل عليه بعد ذلك في قوله:

стр. 983

إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ. وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ؟ والمراد بالنصر هنا العون الذي يسوقه لعباده حتى ينتصروا على أعدائهم. والمراد بالخذلان ترك العون. والمخذول، هو المتروك الذي لا يعبأ به. يقال: خذلت الوحشية إذا أقامت على ولدها في المرعى وتركت صواحباتها. والمعنى: إن يرد الله- تعالى- نصركم كما نصركم يوم بدر- فَلا غالِبَ لَكُمْ أى فإنه لا يوجد قوم يستطيعون قهركم، لأن الله معكم، ومن كان الله معه فلن يغلبه أحد من الخلق. وإن يرد أن يخذلكم ويمنع عنكم عونه كما حدث لكم يوم أحد، فلن يستطيع أحد أن ينصركم من بعد خذلانه، لأنه لا يوجد أحد عنده قدرة تقف أمام قدرة الله- تعالى- ومشيئته. والاستفهام هنا إنكارى بمعنى النفي، أى لا أحد يستطيع نصركم إن أراد الله خذلانكم، وهو جواب للشرط الثاني. وفيه لطف بالمؤمنين، حيث صرح لهم بعدم الغلبة في الأول، ولم يصرح لهم بأنهم لا ناصر لهم في الثاني، بل أتى به في صورة الاستفهام وإن كان معناه نفيا ليكون أبلغ، إذ في مجيئه على هذه الصورة الاستفهامية توجيه لأنظار المخاطبين إلى البحث عن قوى تكون قدرته كافية للوقوف أمام إرادة الله- تعالى- ولا شك أنهم لن يجدوه، وعندئذ سيعتقدون عن يقين بأن الله وحده هو الكبير المتعال، وأنه لا ناصر لهم سواه. وقوله وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ أى وعلى الله وحده لا على أحد سواه. فليجعل المؤمنون اعتمادهم واتكالهم عليه، لأن الذين يعتمدون على أن قوة سوى الله- تعالى- لن يصلوا إلى العاقبة الطيبة التي أعدها- سبحانه- لعباده المتقين. فالآية الكريمة كلام مستأنف، وقد سيق بطرق تلوين الخطاب، تشريفا للمؤمنين لإيجاب التوكل عليه والترغيب في طاعته التي تؤدى إلى النصر، وتحذيرا لهم من معصيته التي تفضى إلى الخسران والخذلان. ثم نهى- سبحانه- عن الغلول ونزه النبي ﷺ عن ذلك فقال- تعالى- وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ، وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ وقوله يَغُلَّ من الغلول وهو الأخذ من الغنيمة خفية قبل قسمتها. يقال: غل فلان شيئا من المغنم يغل غلولا إذا أخذه خفية. ويقال: أغل الجازر أو السالخ إذا أبقى في الجلد شيئا من اللحم على طريق الخفية. وأصله من الغلل وهو دخول الماء في خلل الشجر خفية. والغل: الحقد الكامن في الصدر وسميت هذه الخيانة غلولا، لأنها تجرى في المال على خفاء من وجه لا يحل.

стр. 984

والمعنى: ما صح ولا استقام لنبي من الأنبياء أن يخون في المغنم، لأن الخيانة تتنافى مع مقام النبوة الذي هو أشرف المقامات وَمَنْ يَغْلُلْ أى ومن يرتكب شيئا من ذلك، يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ أى يأت بما غله يوم القيامة حاملا إياه ليكون فضيحة له يوم الحشر، ليؤخذ بإثم غلوله وخيانته. وقد روى المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه أبو داود والترمذي عن ابن عباس قال: «نزلت هذه الآية» وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر. فقال بعض الناس: لعل رسول الله ﷺ أخذها، وأكثروا في ذلك فأنزل الله الآية» . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أيضا أن المنافقين اتهموا رسول الله ﷺ بشيء فقد، فأنزل الله- تعالى- وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ. قال ابن كثير- بعد أن ساق هاتين الروايتين- وهذا تنزيه له ﷺ من جميع وجوه الخيانة في أداء الأمانة وقسمة الغنيمة وغير ذلك «١» . وفي ورود هذه الآية الكريمة في سياق الحديث عن غزوة أحد، حكمة عظيمة، وتأديب من الله للمؤمنين، وتحذير لهم من الغلول، ذلك أن الرماة الذين تركوا أماكنهم مخالفين أمر رسول الله ﷺ قد دفعهم لذلك خشيتهم من أن ينفرد المقاتلون بالغنائم، ففعلوا ما فعلوا، ولقد روى أن الرسول ﷺ قال للرماة: «أظننتم أنا نغل ولا نقسم لكم» «٢» . وقد نهى ﷺ في كثير من الأحاديث عن الغلول ومن ذلك ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن أبى هريرة قال: «قام فينا رسول الله ﷺ ذات يوم، فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره، ثم قال لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول يا رسول الله أغثنى، فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك، ولا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة فيقول: يا رسول الله أغثنى فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك، ولا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء يقول يا رسول الله أغثنى فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك. لا ألفين أحكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح فيقول: يا رسول الله أغثنى فأقول: لا أملك من الله شيئا قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق- أى ثياب- فيقول يا رسول الله أغثنى فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت- أى ذهب وفضة- فيقول: يا رسول الله أغثنى فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك» .

стр. 985

هذا، وجمهور العلماء على أن الغال يأتى بما غله يوم القيامة بعينه على سبيل الحقيقة لأن ظواهر النصوص من الكتاب والسنة نؤيد ذلك. ولأنه لا موجب لصرف الألفاظ عن ظواهرها. ومن العلماء من جعل الإتيان بالغلول يوم القيامة مجاز عن الإتيان بإثمه تعبيرا بما غل عما لزمه من الإثم مجازا. قال الفخر الرازي: «واعلم أن هذا التأويل- المجازى- يحتمل، إلا أن الأصل المعتبر في علم القرآن أنه يجب إجراء اللفظ على الحقيقة إلا إذا قام دليل يمنع منه. وهنا لا مانع من هذا الظاهر فوجب إثباته» «١» . ومن المفسرين الذين حملوا الإتيان على ظاهره الإمام القرطبي فقد قال عند تفسيره لقوله- تعالى- وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ أى يأتى به حاملا له على ظهره ورقبته معذبا بحمله وثقله ومرعوبا بصوته، وموبخا بإظهار خيانته على رءوس الاشهاد. وقال بعد إيراده للحديث السابق الذي رواه مسلم عن أبى هريرة: قيل الخبر محمول على شهرة الأمر. أى يأتى يوم القيامة قد شهر الله أمره كما يشهر لو حمل بعيرا له رغاء أو فرسا له حمحمة. قلت: وهذا عدول عن الحقيقة إلى المجاز والتشبيه، وإذا دار الكلام بين الحقيقة والمجاز فالحقيقة الأصل- كما في كتب الأصول- وقد أخبر النبي ﷺ بالحقيقة ولا عطر بعد عروس» «٢» . ثم نبه- سبحانه- على العقوبة التي ستحل بالخائن، بعد أن بين ما سيناله من فضيحة وخزي فقال: ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ. أى: ثم تعطى كل نفس يوم القيامة جزاء ما كسبت من خير أو شر وافيا تاما، وهم لا يظلمون شيئا، لأن الحاكم بينهم هو ربك الذي لا يظلم أحدا. وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها وقوله وَمَنْ يَغْلُلْ وجاء العطف بثم المفيدة للتراخي، للإشعار بالتفاوت الشديد بين حمله ما غل وبين جزائه وسوء عاقبته يوم القيامة. وقال- سبحانه- ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ.. بصيغة العموم، ولم يقل ثم يوفى الغال مثلا- لأن من فوائد ذكر هذا الجزاء بصيغة العموم، الإعلام والإخبار للغال وغيره من جميع الكاسبين
следующие страницы →