← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23595

بيان المعاني

ملا حويش

Полный текст (3 362 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

وفي هذه الآية تنزيه ساحة صاحب الرسالة عن شائبة غرض عائد إليه من جلب نفع ودفع ضر لذلك أمره الله أن يقول لقومه العتاة المعاندين «وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ١٠٨» للقيام بأموركم وإصلاح أحوالكم، وإنما أنا بشير لمن أطاع الله بالجنة ونذير لمن عصاه بالنار، وفي هذه الآية إشارة إلى أنه ﷺ غير مجبر لهم على الإيمان ولا بمكرههم عليه، ولا هو مكلف بقسرهم على شيء ما وإنما هو مأمور بتبليغهم أوامر الله ونواهيه فقط كما مر في الآية الأخيرة من سورة طه المارة في ج ١، وللبحث صلة في الآية ٢١ فما بعدها من سورة الغاشية الآتية، قال تعالى «وَاتَّبِعْ» يا سيد الرسل في جميع شئونك اعتقادا وعملا وتبليغا «ما يُوحى إِلَيْكَ» من ربك في هذا القرآن واعمل به وذكر قومك ليعملوا به «وَاصْبِرْ» على عدم قبولهم أوامر ربك، وعلى أذاهم لك، ومخالفتهم لأمرك، ودم على هذه الحالة «حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ» بنصرك عليهم وإعلاء كلمتك وإظهار دينك بالوقت الذي قدرناه هذا وارض بحكم الله فيما تؤمر به وتنهى عنه «وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ ١٠٩» وأعدلهم وأنفذهم حكما، لأن المطلع على السراء العالم بما تخفيه الصدور من قول الخصمين يوقع حكمه على ما هو الواقع دون حاجة إلى بينة أو شهادة، فالخطأ في حكمه محال والقول بخلاف هذا ضلال، وفي هذه الآية الوعيد والتهديد بالخذلان للكافرين والوعد والبشارة للمؤمنين بالنصر بما لا يخفى على بصير. ويوجد سورة أخرى في القرآن مختومة بمثل هذه اللفظة وهي سورة والتين المارة في ج ١ فقط، وقد امتثل ﷺ أمر ربه بالصبر على قومه حتى جزع الصبر ولم يجزع هو كما قيل: سأصبر حتى يجزع الصبر عن صبري ... وأصبر حتى يحكم الله في أمري وكما قيل أيضا: سأصبر حتى يعلم الصبر أنني ... صبرت على شيء أمر من الصبر وكما في قول الآخر: يبيت يريني الدهر كيف انقلابه ... أبيت أريه الصبر كيف يكون وللصبر بحث في الآيات الأخيرات من سورة النحل الآتية فراجعها. هذا والله أعلم وأستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وسلم وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1157

تفسير سورة هود عدد ٢- ٥٢- ١١ نزلت بمكة بعد سورة يونس عدا آيتي ١٣/ ١٤ وآية ١١٤ فإنها نزلت بالمدينة، وهي مئة وثلاث وعشرون آية، وألف وستمئة كلمة وتسعة آلاف وخمسمائة حرفا، وقد بينا الآيات بما بدئت به أول سورة يونس المارة، وختمت بما ختمت به سورة النمل المارة في ج ١. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال تعالى: «الر» اسم للسورة وللقرآن وإشارة لأسماء الله الحسنى وصفاته أي بعضها، وقال بعض المفسرين معناه أنا الله أرى، وقد تقدم ما فيه من البحث الوافي أول سورة الأعراف والسور المصدرة بالحروف المنقطعة المارة في ج ١ وفي السورة قبلها وقولنا الله أعلم بمراده بما فيها أحسن ما قيل فى معناها لأنها عبارة عن رموز بين الله ورسوله لا يعلمهما غيرهما على الحقيقة، وهكذا حكم الآيات المتشابهات في هذا القرآن العظيم إذ يوكل معناها إلى الله، قال الإمام الرياني الشيخ نعمة الله بن محمود النخجواني في تفسيره الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية في تفسير هذه اللفظة: أيها الإنسان الأحق الأليق لإعلاء لوامع أنوار الإلهية وارتفاع رايات رموز أسرار الربوبية بين الأنام بالبيان والتبيان هذا «كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ» إحكاما مبرما لا تنسخ ولا يطرأ عليها تبديل أو تعديل إذ لا كتاب بعده، وقد نسخت آياته أكثر أحكام الكتب القديمة وعدلتها إلى أحسن نظما وأخف عبئا وأعظم أجرا، وإني لأعجب ممن يقرأ هذه الآية ويقول بالنسخ إذ ما بعد الاحكام إلا التسليم بجميع ما جاء فيه. واعلم أن الر تقرا كما هو الأصل بتفخيم الراء وهكذا في كل راء مفتوحة أو كان ما قبلها مفتوحا ولا عبرة بالحرف الساكن بينهما أي بينهما وما قبلها لأنه حاجز غير حصين «ثُمَّ فُصِّلَتْ» تفصيلا بديعا ونظمت تنظيما رصينا فبيّنت الحلال من الحرام والحق من الباطل أكمل بيان وأتم تبيان وأوضحت القصص والأخبار أحسن إيضاح، وهذا الإحكام والتفصيل واقع ومنزل «مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ١» بأفعاله عليهم بأقواله يضع الأشياء مواضعها بما يصلح أحوال عباده شاهد لما يقع منهم وقد أمركم أيها الناس «أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ»

стр. 1158

وحده لا شيء ولا أحد أبدا، وأن هنا مفسرة على ما جرينا عليه وهو أحسن من جعلها على تقدير اللام كما مشى عليه بعض المفسرين، والمعنى على الأول أن الله الذي أنزل هذا الكتاب وأحكم آياته وفصلها أمركم أن لا تعبدوا غيره وذلك لما في التفصيل من معنى القول دون حروفه، وعلى الثاني تكون مصدرية وتقدر اللام معها تعليلا وعليها يكون المعنى هذا كتاب أحكمت آياته ثم فصلت لئلا تعبدوا إلا الله، ويجوز أن تكون هذه الجملة مبتدأة للإغراء على التوحيد أي الأمر بالتبري عن عبادة غير الله تعالى أي الزموا التوحيد واتركوا عبادة الغير وارجعوا إلى الله ربي وربكم «إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ» أي يقول الله تعالى يا محمد قل لقومك إنني أيها العصاة «نَذِيرٌ» لكم من عقاب الله تعالى «وَبَشِيرٌ ٢» لكم أيها الطائعون بثوابه «وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ» مما اقترفتموه من الذنوب واخترقتموه من العيوب «ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ» بعدها عما سلف منكم حال حياتكم من كل ما يغضب الله فإذا فعلتم ذلك فإن الله تعالى «يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً» في هذه الدنيا بسعة الرزق والعافية والعزّ «إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى» عنده، واعلم أن ما جاء في الحديث الشريف: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر لا يرد على هذه الآية لأنها سجن المؤمن بالنسبة لما أعده الله تعالى له في الآخرة من النعيم المقيم فكل ما أعطاه له في هذه الدنيا من النعم لا يعد شيئا بجانبه على أن ما يصيبه فيها من البلاء يكون مكفرا لذنوبه كي يلقى ربه وليس عليه ذنب يستوجب المجازاة وهذا لطف من الله بعباده المؤمنين، وكذلك الكافر فإن الدنيا له جنة بالنسبة لما أعده له من العذاب الأليم في الآخرة، فكل ما يصيبه في الدنيا من النعيم لا يوازيه عذاب ثانية واحدة من عذابها وأن ما يناله من الخير فيها فهو بمقابل حسناته التي يعملها كصلة رحم وإقراء ضيف وشبههما كي يلقى الله تعالى وليس له حسنة تستحق الجزاء الحسن وهذا زيادة في شؤمه وعذابه «وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ» زيادة من عمل صالح «فَضْلَهُ» جزاءه لا يبخس منه شيئا أبدا، قال أبو العالية من كثرت طاعاته في الدنيا زادت حسناته ودرجاته في الجنة لأن الدرجات تكون على قدر الأعمال، وقال ابن مسعود: من عمل سيئة كتبت عليه سيئة، ومن عمل حسنة كتبت له

стр. 1159

عشر حسنات، فإن عوقب بالسيئة في الدنيا بقيت له عشر حسنات وإن لم يعاقب بها بالدنيا أخذ من حسناته العشر واحدة وبقيت له تسع حسنات، ثم يقول ابن مسعود ملك من غلبت آحاده أعشاره. فعلى العاقل أن يكثر من الخير إبان شبابه وسعته، لأنه قد يعجز في الكبر والفقر عن القيام بما يريده من القربات، ولهذا قال الحافظ: أترجو أن تكون وأنت شيخ ... كما قد كنت أيام الشباب لقد كذبتك نفسك ليس شيىء ... دريس كالجديد من الثياب «وَإِنْ تَوَلَّوْا» تتولوا وتعرضوا عن ما جئتكم به من الهدى وأسديت لكم من النصح والتوجيه والإرشاد «فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ» بمقتضى الشفقة والرحمة أن يحيط بكم «عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ٣» هو يوم الجزاء على الأعمال يوم مهول لا أعظم منه. واعلم أن كل عمل منعم عليه في الآخرة منعم على صاحبه في الدنيا أيضا بتزيين عمله في نظره وراحة ضميره إليه وتعلقه برضاء ربه، ورجاء ثوابه عليه، واطمئنان نفسه فيه، وانشراح قلبه له، وثناء الناس عليه، وترغيب الغير لمثله، وضرب المثل فيه بالخير والسماحة والعمل الطيب والفعل الحسن، كما أن كل عمل معذب عليه في الآخرة معذب ضمير صاحبه عليه في الدنيا بقبح صورته في نظره وسوء تصوّر عمله في قلبه، وإن كان ذاق لذته الظاهرة الزائلة بحينها وضيق صدره لما وقع بعد قضاء شهوته الحيوانية وتخوفه من سوء عاقبته إن كان له وجدان أو دين، وندمه على ما فرط منه وحسرته على تفريطه، وذم الناس له وتحذيرهم من عمله، وضرب مثل السوء به. مطلب كل ما ينعم عليه العبد في الدنيا ينعم عليه في الآخرة وبالعكس: روى الإمام أحمد بن حنبل والدارمي رحمهما الله بإسناد حسن في سنديهما عن وابصة بن معبد ﵁ دفين الرقة من أعمال دير الزور- سابقا-، قال أتيت رسول الله ﷺ فقال جئت تسأل عن البر؟ قلت نعم (وهذا من الإخبار بالغيب لأنه ﷺ أخبره بما جاء يسأل عنه قبل أن يبديه له) قال استفت قلبك، البر ما اطمأنت

стр. 1160

إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك بالفاء وفي رواية بالقاف- فعلى الأول من الفتيا وهي الجواز والرخصة والثاني من الإقتاء وهو الإرضاء، أي وإن أرضوك فلا تركن لقولهم. وروى مسلم عن النواس بن سمعان ﵁ عن النبي ﷺ قال: البرّ حسن الخلق والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس. وروى الترمذي والنسائي عن أبي محمد الحسن بن علي بن أبي طالب سبط رسول الله ﷺ وريحانته ﵄ قال حفظت من رسول الله: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك. وروى الترمذي عن أبي هريرة قال: قال ﷺ من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. قال تعالى «إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ» أيها الناس بعد الموت «جميعا» بركم وفاجركم «وَهُوَ» الذي أحياكم في الدنيا وأماتكم فيها ويحييكم ثانيا يوم القيامة ذلك الإله الواحد المتجلي في الآفاق بكمال الاستقلال والاستحقاق هو «عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ٤» لا يعجزه شيء «أَلا إِنَّهُمْ» أولئك الكفرة عند سماع آيات الله المنزلة عليك يا أكمل الرسل من ربك الملك الجبار القهار العلام «يَثْنُونَ» يلوون ويعطفون ويصرفون عنك «صُدُورَهُمْ» يزوّرونها عن رؤيتك وينحرفون بكليتهم عنك ويخفون ما فيها من عداوتك، يقال أزوّر عنه وثنى عنه لأن من يقبل على الشيء يقبل بصدره، ومن يدبر يزوّر وينحرف بصدره ويطوي كشحه، وهذه الآية في معرض الجواب عما تقدم من الترغيب والترهيب فكأن أولئك الكفرة بعد ما سمعوا من حضرة الرسول ذلك القول العظيم الإلهي الذي تخر له صم الجبال تمادوا في كفرهم وأصروا على ضلالهم ودارموا على إعراضهم المشار إليه بقوله (فإن تولوا) الجملة المارة في الآية ٣، وإنما خص الصدور بالازورار لأن ما فيها مكتوم، فكأنهم يظهرون له خلاف ما يبطنون، يدل عليه قوله تعالى «لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ» ﷺ والله لا تخفى عليه خافية فإنه جلت عظمته يخبر نبيّه بما يقع منهم ظاهرا وباطنا «أَلا» تنبيه ثان لما بعده بأنه شيء يهتم له ويجب الاعتناء به، وهو أن الله يعلم كل ما يقع منهم حتى أنهم «حِينَ» وقت وزمن «يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ» فيه فيغطون بها رءوسهم كراهية رؤية من تخطب

стр. 1161

رؤيته ﷺ وكراهية سماع قوله الذي يشتاق إليه الجماد لا لأمر آخر، قاتلهم الله، فإنه تعالى يعلم قبل وقوعه منهم بأنهم فاعلوه وهؤلاء مثلهم مثل قوم نوح ﵇ إذ أخبر الله عنهم حينما يتكلم معهم نوح ﵇ بقوله (جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ) لئلا يسمعوا كلامه (وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ) لئلا يروه كما سيأتي في الآية ٧ من سورته الآتية تشابهت قلوبهم، أخزاهم الله الذي «يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ» في أنفسهم «وَما يُعْلِنُونَ» من كلامهم كما هو عالم من قبل ما يقع منهم سرا وجهرا قبل وقوعه «إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ٥» بما فيها من الأسرار المستكنة فكيف يخفى عليه حال هؤلاء؟! وفي هذه الآية دليل على أنه تعالى يعلم الأشياء قبل وقوعها بل قبل وجودها الخارجي وهو مما لا ينكره أحد إلا بعض المعتزلة القائلين بأنه تعالى يعلم الأشياء بعد حدوثها، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، لما فيه من تشبيهه بخلقه، لأن العلم بالشيء بعد حدوثه يعلمه بعض خلقه فلا مزية فيه، وهذا كقول بعضهم إن الإسراء وقع مناما لأنه قد يقع لبعض خلقه من غير نكير، قال ابن عباس نزلت هذه الآية في الأخنس بن شريق وكان رجلا حلو الكلام حلو المنظر، وكان يلقى رسول الله بما يحب ويطوي بقلبه عليه ما يكره، وما قيل إنها نزلت في بعض المنافقين الذين كانوا يلقونه ﷺ بوجه منطلق ويبطنون له غير ذلك لا يتجه، لأن هذه السورة مكية والآية كذلك، والنفاق إنما ظهر في المدينة وهم فيها لا شك يقع منهم ذلك وأكثر، ولذلك سموا منافقين وهذه الآية تنطبق عليهم، إلا أنها لم تنزل بحقهم، اللهم إلا إذا كان هذا من قبيل الإخبار بالغيب عن شيء لم يقع، لعلمه تعالى بوقوعه فيما بعد، فيكون جائزا، ومثله كثير في القرآن، لأنه من جملة معجزاته ﷺ ومعجزات القرآن العظيم، وهو من قبيل ما تأخر حكمه عن نزوله، راجع أول سورة الطارق المارة في ج ١، قال تعالى «وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ» اسم لكل حيوان دب على وجه الأرض أي مشى عليها، ويطلق على ذوات الأربع عرفا، والمراد هنا ما هو عام للإنسان وغيره «إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها» تفضلا منه وتكرما لا واجبا «وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها» وبقاءها في عالم الشهادة، ومقدار ثباتها فيه وانفكاكها عنه، ومكامنها

стр. 1162

ومساكنها، ومحل وكرها الذي تأوي إليه في الأرض والبحار والجبال والهواء وغيرها، «وَمُسْتَوْدَعَها» قبل خروجها إلى عالم الظهور وقبل استقرارها في الأصلاب والأرحام والبيوض وغيرها، وبعد انعدامها من المحلات التي تدفن فيها أو تضمحل بها، وما قيل إن تفسير المستودع بهذا لا يلائم تكفل الله بأرزاقها إذ لا مجال له ولا حاجة للرزق فيه مردود، لأن المراد بالتكفل مدة بقائها في برزخ المادة واحتياجها للرزق، فتنتهي مدته بالأجل المقدر لكل دابة، فكأنه قيل إن الله تعالى متكفل برزق كل دابة، ويعلم مكانها أول ما تحتاج إلى الرزق ومكانها آخر ما تحتاج إليه. ولهذا البحث صلة في الآية ٩٨ من سورة الأنعام الآتية، وقد ألمعنا إليه في الآية ٩ من سورة مريم المارة في ج ١ «كُلٌّ» من الدواب دوّن اسمه ورزقه ومستقره ومستودعه، وما يطرأ عليه في مدة أجله «فِي كِتابٍ مُبِينٍ ٦» ظاهر مثبت فيه كل شيء قبل خلقه وبعد خلقه، وموضح فيه آجال الأشياء ومصيرها بعد موتها وانعدامها بأي صورة كانت وتكون، والدبّ مأخوذ من الدبيب وهو الشيء الخفيف وعليه قوله: زعمتني شيخا ولست بشيخ ... إنما الشيخ من يدب دبيبا ويفهم من هذه الآية أن الله تعالى يسوق رزق كل دابة إليها دون أن تسعى إليه بمقتضى تكفله لها بدليل قوله تعالى (وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ) الآية ٢٢ من الذاريات الآتية، وقوله ﷺ : لو توكلتم على الله لحق التوكل لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا. وما جاء في الخبر: لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب. وتؤذن أيضا في حمل العباد على التوكل، إلا أنه لا يمنع من مباشرة الأسباب، مع العلم بأن الله تعالى هو المسبب لها وجاء في الخبر: (اعقل وتوكل) وقال تعالى (فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) الآية ١٦ من سورة الملك الآتية، ففيهما إيذان بتعاطي الأسباب مع التوكل على الله، إلا أنه لا ينبغي أن يعتقد عدم حصول الرزق بدون مباشرة سبب، فإنه تعالى يرزق كثيرا من خلقه دون مباشرة الأسباب أصلا، فقد جاء في بعض الأخبار أن موسى ﵇ عند نزول الوحي تعلق قلبه بأحوال أهله

стр. 1163

إذ أمره الله تعالى بالاشتغال بتبليغ الرسالة إلى من يعلم عتوه له وعناده وبغضه له بسبب قتل الرجل من قومه قاتله الله ولم يحسب قتل الألوف من قبله من قوم موسى، فأمره الله تعالى أن يضرب صخرة بعصاه، فضربها فانشقت عن صخرة ثانية، فضربها فانشقت عن صخرة ثالثة، فضربها فانشقت عن دودة كالذرة، وفي فمها شيىء يجري مجرى الغذاء لها، وسمعها تقول سبحان من يراني ويسمع كلامي ويعرف مكاني ولا ينساني، فتنبه موسى ﵇ لذلك وصرف نظره عن ذكر أهله. وما أحسن قول ابن أذينة: لقد علمت وما الإسراف من خلقي ... إن الذي هو رزقى سوف يأتيني أسعى إليه فيعييني تطلبه ... ولو أقمت أتاني لا يعنيني وقد صدقه الله تعالى حيث وقد على هشام بن عبد الملك، فلما رآه قرّعه بقوله هذا فقال له وتشد رحلك من المدينة إلى الشام بطلب الرزق، فتركه ورجع، فلما غاب عنه ندم هشام على ما وقع منه نحوه، وكانوا يخشون الشعراء حفظا لكرامتهم، لأن الشاعر قد لا يترك عادته من الهجاء كما لا يتركها في المدح، ولهذا قال ﷺ : ذبوا بأموالكم عن أعراضكم، فأرسل بجائزته إليه من دمشق إلى المدينة، فلما رأى أنه أرسلها رغما عنه دون طلب منه، قال للرسول قل له قد صدقت في قولي ولو أراد الله لما بعثك بها من الشام إلى المدينة، فأخبر الرسول هشام بن عبد الملك بما قاله ابن أذينة فسمعه ورجع عن كلامه. مطلب إرسال الرزق عفوا وكون العرش على الماء وكيفية الخلق: ولا ينبغي لمثله أن يفعل ذلك، ويوجد أخبار وآثار كثيرة في هذا الشأن، وقد ألغى أمر الأسباب إلغاء تاما القائل: مثل الرزق الذي تطلبه ... مثل الظل الذي يمشي معك أنت لا تدركه متبعا ... وإذا وليت عنه تبعك وهذا يكون بحسب مكابرة الأشخاص واعتقاداتهم، وبالجملة فينبغي الوثوق بالله وربط القلب به فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وتشير هذه الآية أيضا إلى

стр. 1164

أن الحرام رزق وإلا فمن يأكل طول عمره حراما يلزم أن لا يكون مرزوقا، وهو خلاف الواقع، وقدمنا ما يتعلق في هذا عند الآية ٥٩ من سورة يونس المارة وما يتعلق بالكسب في الآية ٢٠ من سورة المزمل، والآيتين ٤٠/ ٣٩ من سورة والنجم، وفي الآية ١٣ من سورة فاطر المارات في ج ١، قال تعالى «وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ» راجع تفسيرها في الآية ٦٠ من سورة الفرقان المارة في ج ١ وفيها ما يرشدك إلى المواقع الأخرى التي تعرضنا فيها للبحث عما فيها، وله صلة في الآية ٩ من سورة فصلت الآتية «وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ» قبل خلق السموات والأرض، فتدل هذه الآية على أن العرش والماء خلقا قبل السموات والأرض، وفي وقوف العرش على الماء مع عظمته اعتبار لأهل الأفكار، وفيه من كمال القدرة ما فيه، لأن البناء الضعيف إذا لم يكن له أساس على أرض صلبة لم يثبت فكيف بهذا الخلق العظيم قد وضع على الماء، ولم يخرج عن حيّزه الطبيعي؟ ولا يقال كيف، لأن افعال الله تعالى لا تعلل وقدرته لا تضاهى كما قدمنا في الآية ٩٢ من سورة يونس المارة، روى مسلم عن عبد الله بن عمر وبن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول كتب الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء. وأخرج الطيالسي وأحمد والترمذي وحسنه وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي رزين العقيلي قال: قلت يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال كان في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء، وخلق عرشه على الماء. وروى البخاري عن عمران بن حصين قال دخلت على النبي ﷺ وعقلت ناقتي بالباب، فأتى ناس من تميم فقال اقبلوا البشرى يا بني تميم، فقالوا بشرتنا فأعطنا، فتغير وجه رسول الله ﷺ ، ثم دخل ناس من أهل اليمن فقال اقبلوا البشر يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم، قالوا قبلنا يا رسول الله، ثم قالوا جئنا نتفقه في الدين ونسألك عن أول هذا الأمر ما كان؟ قال كان الله ولم يكن معه شيء، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السموات والأرض وكتب في الذكر كل شيء، ثم أتاني رجل فقال يا عمران أدرك ناقتك فقد ذهبت،

стр. 1165

فانطلقت أطلبها، فإذا السراب يقطع دونها، وأيم الله لوددت أنها ذهبت ولم أقم. هذا ومعنى كان الله ولم يكن معه شيء، يعني لا الماء ولا العرش ولا غيرهما، ومعنى كان عرشه على الماء، يعني خلق الماء وخلق العرش فوقه، ومعنى العماء سحاب رقيق ليس معه شيء، ومعنى قوله ليس فوقه هواء أي ليس فوق العماء هواء، وكذلك وما تحته هواء، وفي رواية في عمى بالقصر لا بالمد، وعليه يكون المعنى أن لا شيء ثابت في ذلك، لأنه من عمى معرفته عن الخلق أي كان قبل أن يخلق خلقه، ولم يكن شيء غيره، ويكون معنى ما فوقه هواء ليس فوق العمى هواء ولا تحته هواء، لأنه لا شيء، وإذا كان لا شيء فليس يثبت له هواء بوجه ما. وقيل العمى كل أمر لا يدركه الفطن والله أعلم، لأن هذا التأويل على كلام العرب المعقول عنهم، وإلا فلا أحد يدري كيف كان ذلك العماء، فيجب الإيمان به بلا تكييف، لأن الأمور المتشابهة ينبغي الإيمان بها حسب ظاهرها والوقوف عندها، وذلك طريق السلامة، راجع الآية ٥ من سورة طه المارة في ج ١ تجد ما يسرك «لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» في هذه الدنيا وأكثر ورعا عن محارم الله، وأعظم شكرا لنعمائه، وأحسن تفكرا في موضوعاته، وأشدّ تدبرا في مكوناته أي لهذا خلقها وخلق ما فيها من الخلق الذي من جملته أنتم أيها العقلاء، ورتب فيها ما تحتاجون إليه من بدء وجودكم وأسباب معايشكم، وأودع فيها ما تستدلون به على بدائع مكوناته، وتعتبرون بها على ما يقع من مقدراته ليعاملكم معاملة المختبر الممتحن فيرى المحسن منكم لخلقه ويجاز به على إحسانه، والمسيء التصرف في ذلك فيعاقبه على إساءته، وإلا فهو عالم بالصالح والطالح قبل إيجادهما «وَلَئِنْ قُلْتَ» يا سيد الرسل لكفار قومك «إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ» أحياء كحياتكم هذه فتسألون عما عملتم وتحاسبون عما وقع منكم في الدنيا، فيثاب المؤمن على إيمانه ويعاقب الكافر على كفره «لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا» الذي يقوله محمد ويزعم أنه من القرآن الذي أنزل عليه من ربه ما هو «إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ٧» ظاهر خداعه باطل لا أصل له، يريد به أن نقول ما يقوله من الحياة بعد الموت وعبادة الإله الواحد ليغرينا به، قال تعالى «وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ

стр. 1166

الْعَذابَ» الذي وعدناك بإنزاله عليهم يا سيد الرسل عند عدم قبولهم ما تتلوه عليهم من وحينا «إِلى أُمَّةٍ» آجال وجماعة من الأوقات «مَعْدُودَةٍ» قلائل معلومة محدودة لأن الدنيا كلها قليلة بالنسبة إلى الآخرة، ويطلق لفظ الأمة على الجماعة من الناس، فكأنه تعالى قوله يقول لو أخرناهم بمقدار حياة أمة وانقراضها ومجيء أمة أخرى «لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ» ما يمنع العذاب الذي توعدنا به يا محمد من النزول استهزاء وسخرية بك يا أكمل الرسل، لشدة جهلهم وعدم علمهم أن لمقدراتنا كلها آجالا مقدرة لا تقدم ولا تؤخر عما هو مدون في علمنا الأزلي، ولكن قل لهم إنه نازل بهم لا محالة، ثم صدّر الخطاب بأداة التنبيه المار ذكرها في الآية الخامسة من هذه السورة فقال «أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ» بوجه من الوجوه لأن أجل الله إذا حل لا يحول وهو مهلكهم البتة. مطلب أداة التنبيه وجواز تقديم خبر ليس عليها: واستدل جمهور البصريين على جواز تقديم خبر ليس عليها كما يجوز تقديمه على اسمها بلا خلاف، لأن يوم منصوب بمصروفا الذي هو خبرها، ولا عبرة لمن ادعى عدم الجواز بعد أن وقع في كتاب الله تعالى، قال في البحر: تتبعت دوارين العرب فلم أظفر بتقديم خبر ليس عليها، ولا تقديم معموله إلا ما دل عليه ظاهر هذه الآية وقول الشاعر: فيأبى فما يزداد إلا لجاجة ... وكنت أبيا في الخنى لست أقدم فإنه مقدم عليها، قال تعالى «وَحاقَ بِهِمْ» أحاط بهم من جميع جهاتهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ٨» أي العذاب المعبر عنه بما من كل جوانبهم فلا محيص لهم للتخلص منه، وأصل (حاقَ) حقّ مثل زل وزال وذم وذام، وجاء بمعنى الماضي لتحقق وقوعه، وإلا فالمقام يستدعي مجيئه مستقلا لعدم وقوعه بعد (ان يحيق بهم) وجاء بيستهزئون مكان يستعجلون، لأن استعجالهم بطلب نزول العذاب كان بطريق السخرية، لأنهم غير مصدقين به قال تعالى «وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً» من صحة وسعة وأمن بحيث يجد لذّتها، ولذلك عبّر

стр. 1167

بالإذاقة عن الإعطاء والإيصال «ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ» لعدم قيامه بشكرها، قال ﵊ اشكروا النعم لا تكفروها، فإنها إن زالت فهيهات أن تعود. فالعاقل يقدر النعمة حال تلبسه بها، والجاهل لا يقدرها حتى تسلب منه بالمرض والضّيق والخوف فإذ ذاك يندم ولات حين مندم، وعبّر عن السلب بالنزع إشعارا بشدة تعلقه بها وإيذانا بزيادة حرصه عليها «إِنَّهُ لَيَؤُسٌ» من عودها إليه قنوط الرجاء من فضل الله، لعدم صبره وتوكله عليه وثقته به، ولو كان متوكلا وثقا بالله لقيدها بالشكر ولكنه «كَفُورٌ ٩» لما أسلفه الله من النعم شديد الجحود لها كأن لم ينعم عليه بشيء، لأن الضيق بعد سعة الرزق، والمرض بعد الصحة، والخوف بعد الأمن صعب جدا، لا يقدر من يصبر عليه كل أحد، أجارنا الله من ذلك. قال تعالى «وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ» وأرهقته «لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي» تباعد عني كل ما يسوءني من فقر ومرض وخوف وذل، فيأمن مكر الله إذ يغيب عن باله زوالها إذا لم يؤد شكرها ويصرفها مصارفها ولم يضفها إلى الله تعالى بل إلى الصدقة والعادة والكد، ولهذا فقد ذمه الله بقوله عز قوله «إِنَّهُ لَفَرِحٌ» بما ناله من ذلك الخير «فَخُورٌ ١٠» به على غيره، ولم يخطر بباله أن ذلك كله من ربه. واعلم أن للفرح لذة في القلب تحصل بنيل المراد، واليئوس والفخور والكفور، أحمد مبالغة تدل على الكثرة والفخر والتطاول على الناس بما عنده من المعاقب والمال والنشب والرياش والرياسة، واللام في لئن في الآيات الأربع المارة موطئة للقسم، وجوابه سادس جواب الشرط كما في قوله: لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها ... وأمكنني منها إذا لا أقيلها برفع أقيلها لأن إذن هنا حرف جواب وجزاء فقط، إذ فصلت لا النافية بينها وبين الفعل، وشرط النصب بها عدم الفصل والتصدير وكون الفعل بعدها مستقبلا ولم يغتفر بالفصل بينها وبين الفعل إلا بالقسم كقوله: إذن والله نرميهم بحرب ... يشيب الطفل من قبل المشيب لأن الفصل بغير القسم يمنع تسلط الناصب، وعليه قول أبي محجن الثقفي ﵀:

стр. 1168

إذا مت فادفنّي إلى أصل كرمة ... تروي عظامي بعد موتي عروقها ولا تدفنّي في الفلاة فإنني ... أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها بالرفع لعدم تسلط الناصب بسبب الفصل بلا، وإنما قلت ﵀ لأنه تاب توبة نصوحا في حرب القادسية، وسنأتي على قصته في غير هذا الموضع. قال تعالى «إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا» على الشدائد والمصائب وأيقنوا أن الله تعالى سيبدل عسرهم يسرا، وخسرهم نفعا، وخوفهم أمنا، وذلّهم عزّا، فإن هؤلاء يسندون كل ما يصيهم إلى ربهم ويعلمون أن الخير برضاه والشر بقضاه. واعلم أن هذا الاستثناء متصل من الإنسان إذا أردنا بالإنسان الهار ذكره في الآية المتقدمة الجنس، وأل فيه للاستغراق، ومنقطع إذا أردنا به الإنسان الكافر، وأل فيه للعهد. قال ابن عباس المراد كافر معين وهو الوليد بن المغيرة أو عبد الله بن أمية المخزومي. على أن الإطلاق أولى، فيدخل فيه المذكوران وغيرهم، ولا مندوحة عندي في تخصيص هذين الكافرين وأضرابهما في نزول آيات الله، وهم أصغر من ذلك، والأحسن أن يجنح المفسر إلى عدم تقييد أو تخصيص آيات الله بإنسان أو شيء إلا إذا كان هناك مقيد أو مخصص، وإلا فالإطلاق والتعميم أولى وأحسن للذين فقهوا معنى الآيات «وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ» مع صبرهم وداوموا عليها حال عسرهم ويسرهم وشكروا الله تعالى على ما آتاهم من فضله من النعم ورجوا منه دوامها وصبروا وحمدوا عند زوالها «أُولئِكَ» الذين هذه صفاتهم «لَهُمْ مَغْفِرَةٌ» عظيمة لذنوبهم مهما كانت، لأن الغفور لا يعظم عليه شيء «وَ» لهم بعد هذه المغفرة «أَجْرٌ كَبِيرٌ ١١» لا أكبر منه وهو الجنة، وقد وصف الله تعالى ثوابهم بالكبر لما يحتوي عليه من النعيم السرمدي ولاشتماله على رضاء الله. هذا ولما تمادى الكفرة على طلب اقتراح الآيات من حضرة الرسول تعنتا لا استرشادا، لأنهم لو كانوا مستهدين لكفتهم آية واحدة ولما داوموا على استهانتهم بحضرة الرسول وعدم اعتبارهم ما يتلوه عليهم من القرآن الحكيم، ضاق صدره الشريف من ذلك، واشتد ضيقه لما يرى من ضحكهم وسخريتهم واستهزائهم عليه وعلى ربه وكتابه، وخاف أن يلحقه ملل من الإدمان على وعظهم هيّجه

стр. 1169

الله تعالى والهب في قلبه التشدد بأداء الرسالة وطرح المبالاة بردهم ما يلقيه إليهم من الوحي، فقال ﷻ «فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ» من هذا القرآن مخافة عدم قبولهم به «وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ» من عتو كفرة قومك، فلا تتلوه عليهم ولا تبلغهم أحكامه. قال ضائق لمشاكلة تارك، وليدل على أن الضيق عارض له لأنه ﷺ أفسح الناس صدرا وأوسعهم خلقا، كيف لا وقد مدحه ربه بقوله عز قوله (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) الآية ٥ من سورة نون المارة في ج ١، وقوله تعالى (فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ) الآية ١٦٠ من آل عمران الآتية في ج ٣. مطلب في اسم الفاعل والآيتين المدنيتين والتحدي بالقرآن: إلا أن الضيق يطرأ عليه أحيانا بسبب ما يلاقي من قومه، ولأن كل صفة مشبهة إذا قصد بها الحدوث تحول إلى فاعل، فتقول في سيد وجواد وسمين سائد وجائد وسامن مثلا، وعلى هذا قول اللص إذ يصف السجن: بمنزلة أما اللئيم فامن ... بها وكرام الناس باد شحوبها فعلى هذا أن كل ما يبنى من الثلاثي للثبوت والاستقرار على غير وزن فاعل يرد إليه إن أريد به معنى الحدوث من غير توقف على سماع، وما قيل إن العدول من ضيّق إلى ضائق لمجرد مشاركة تارك ليس بشيء، ولا يوجد في القرآن اسم فاعل من ضاق على وزن ضائق إلا هذا كما لا يوجد فيه فعل خماسي أصالة. واعلم أن ما قاله بعض المفسرين من أن النبي ﷺ همّ أن يدع سبّ آلهتهم ظاهرا حينما قالوا له (ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ) بما ليس فيه سبّ آلهتنا ولا مخالفة آبائنا كما تقدم في الآية ١٥ من سورة يونس المارة غير سديد وحاشاه من ذلك، لأنه ﷺ معصوم من الإخبار مما أمر بتبليغه أن يبلغه بخلاف ما هو لا خطأ ولا عمدا، ولا سهوا ولا غلطا، ومعصوم أيضا أن يسكت عن شيء منه أو يكتمه، لأنه محتم عليه أن يبلغ ما أنزل إليه كما أنزل حرفيا، وإن الله تعالى عاصمه من كيد كل كائد كما سيمر عليك في الآية ٧٠ من المائدة في ج ٣، وقد

стр. 1170

أجمعت العلماء على ذلك، لأن تجويز ترك شيء من القرآن يؤدي إلى الشك في أداء الشريعة والتكاليف المطلوبة من البشر، إذ المقصود من إرسال الرسل تبليغ وحي الله للمرسل إليهم، فإذا لم يحصل فقد فاتت الفائدة المتوخاة من إرسالهم، وهم معصومون من ذلك كله، راجع آخر سورة والنجم المارة في ج ١ تجد ما يطمئن إليه ضميرك ويشرح له صدرك في هذا البحث «أَنْ يَقُولُوا» أي لعلك تترك تبليغ بعض الوحي مخافة قولهم «لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ» مال كثير يستغني به عن السعي ويجلب الناس بسبب بثه إليهم، الكنز هو ما يدخر من المال ولا يكون إلا كثيرا، وعبروا بالإنزال دون الإعطاء أو الحصول، لأن مرادهم التعجيز يكون ذلك على خلاف العادة، لأن الكنوز إنما تكون في الأرض فتستخرج منها لا أنها تنزل من السماء «أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ» يصدق كل ما يقوله لنا إنه من عند ربه حتى نصدقه، وإلا بمجرد كلامه فلا، لأنا نعلم أنه مختلقه من من نفسه أو يتعلمه من الغير أو يسمعه من خرافات الأولين، يقول الله تعالى لحبيبه إذا صارحوك بهذه الأقوال التافهة فأعرض عنهم «إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ» لهم من عذاب الله والله شاهد على رسالتك فلست بحاجة إلى المال الذي فيه مطمع قومك ولا إلى الملك ليشهد لك على وحينا، ولست بوكيل على إيمانهم «وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ١٢» بما فيه أنت وقومك، قال ابن عباس إن هذا القول والقول في سورة يونس الآية ٥ المارة قالته طائفة من الكفرة، أي عبد الله المخزومي ورفقاؤه من الضلال وإن حضرة الرسول قال لكل منهم لا أقدر على شيء من ذلك، فنزلت تلك الآية هناك وهذه هنا. وأول الآيتين المدنيتين ١٣/ ١٤ في هذه السورة هو قوله تعالى «أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ» اختلق محمد هذا القرآن ونسبه إلى الله «قُلْ» يا سيد الرسل لهؤلاء المفترين «فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ» أي تحداهم يا محمد بذلك، لأنهم عرب مثلك، والقرآن باللغة العربية، فقل إذا كنتم تزعمون أني افتريته فافتروا عشر سور مثله، وكان نزل من القرآن عند هذه الحادثة جميع السور المكية وهي ست وثمانون سورة، وقسم من المدني، لأن هذه الحادثة وقعت في المدينة، وهاتين الآيتين نزلت فيها متأخرتين

стр. 1171

عن سورتها المكية التي عددها بحسب النزول، اثنتان وخمسون سورة، فتراهم عاجزين عن الإتيان ببعض سورة من مثل هذا القرآن مهما بلغوا في الفصاحة، لأن كلام الخلق لا يضاهي كلام الخالق، وقد ذكرنا في سورة يونس المارّة عند قوله تعالى (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ) الآية ٣٨ أن معناها هناك مثل جميع ما نزل، فلما عجزوا تحداهم الآن بعشر سور، وقيل معناها هناك في الإخبار بالغيب والأحكام والوعد والوعيد لا بسورة واحدة، ومثلها الآية ٨٨ من سورة الإسراء المارة في ج ١، ومعناها هنا في الفصاحة والبلاغة من غير إخبار عن غيب ولا ذكر حكم ولا وعد ولا وعيد، ولهذا فلا دليل لمن قال إن هود نزلت قبل يونس، لأنه تحداهم بعشر سور فلما عجزوا تحداهم بسورة واحدة، تأمل وقد بينا أن يونس نزلت قبل هود على ما عليه الجمهور، وهود بعدها بالتنزيل وفي ترتيب القرآن أيضا، فضلا عن أن هذه الآية والتي بعدها مدنيتان، وأن بينها وبين آية يونس سنين وأشهرا وأياما، هذا ولما تحداهم بهذا الكلام أمره أن يقول لهم «وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ» من شركائكم وأعوانكم وأمثالكم من كل خلقه ليساعدوكم على الإتيان بذلك «إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ١٣» أنه مفترى، ولا تكرار في هذه الآية وآية يونس لأن هذه مدنية وبعشر سور، وتلك مكية، وبكل سوره النازلة وآية البقرة عدد ٢٣ بخلافها كما سيأتي في تفسيرها في ج ٣. وقد بينا عند تفسير آية يونس ما هو أوضح من هذا فراجعه. قال تعالى «فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ» جاء الضمير بالجمع تعظيما لحضرة الرسول وطبعا لم ولن يستجيبوا لأنهم أقل من ذلك «فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ» هذا القرآن كله يا محمد عليكم «بِعِلْمِ اللَّهِ» تعالى بواسطة أمينه جبريل ﵇ ليس بمفترى، لأنكم وجميع الخلق لا تقدرون على الإتيان بسورة منه، ولا آية معجزة أيضا «وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ» وحده الإله القادر على إنزاله وجعله معجزا للخلق أجمع، فقل لعامة الكفار هو كلام الله «فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ١٤» مذعنون له منقادون لعظمته، خاضعون لأوامره ونواهيه. وبعد إظهاركم العجز عن ما تحداكم به لم يبق شائبة شبهة بأنه من عند غير الله بل من عند الله حقيقة، وأن ما أنتم عليه من الشرك والإنكار باطل،

стр. 1172

فاتركوا هذه المكابرة والعناد وآمنوا بالله ورسوله. انتهت الآيتان المدنيتان. قال تعالى «مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها» بأعماله الحسنة فيها ونيته الصادقة، ورضي باستبدال الباقي بالفاني والدائم بالمنقطع «نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها» كاملة زائدة «وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ ١٥» شيئا منها ولا ينقصون نقيرا والضميران عائدان للحياة الدنيا، الثاني مؤكد للأول، لأن البخس لا يكون إلا في الدنيا من أولى الأمر، ونجس الآخرة ناشىء عن التقصير في الأعمال الصالحة. نزلت هذه الآية في كل من عمل عملا يبتغي به غير الله، والبخس نقص الحق على سبيل الظلم من أيّ كان، وجاء هنا على ظاهر الحال محافظة على صور الأعمال ومبالغة في نفي النقص، فكأنه نقص لحقوقهم التي يزعمونها، وفعل يبخسون هذا لم يكرر في القرآن. هذا، وما أخرجه النحاس في ناسخه عن ابن عباس بأن هذه الآية منسوخة بآية (مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ) الآية ١٨ من سورة الإسراء المارة في ج ١، مردود من وجهين: الأول أن هذه من الأخبار والأخبار لا يدخلها النسخ كما نوهنا به في الآية ٤١ من سورة يونس المارة، الثاني أن آية الإسراء مقدمة على هذه بالنزول، والمقدم لا ينسخ المؤخر كما بيناه في بحث الناسخ والمنسوخ في المقدمة ج ١، فلا معنى للقول بالنسخ البتة «أُولئِكَ» الذين وصفوا أعلاه هم «الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ» لأنهم استوفوا ثواب أعمالهم في الدنيا وقد عملوها لأجلها «وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها» من الخير لأنهم صنعوه للسمعة والرياء فلم يقصدوا فيه رضاء الله، فكافأهم عليه في الدنيا لأن عمل الخير لا بد وأن يكون له ثواب لا يعدمه فاعله بمقتضى قوله تعالى (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ) الآية ٧ من سورة الزلزلة في ج ٣. مطلب العمل لغير الله والآية المدنية الثالثة وعود الضمير في منه: قال تعالى «وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ١٦» في الدنيا من الخير أي في الآخرة لأنه كان لغير الله ولمكافأتهم عليه فيها، والباطل لا ثواب له في الآخرة. أخرج مسلم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله تبارك

стр. 1173

وتعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه. وأخرج الترمذي عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ من تعلم علما لغير الله أو أراد به غير الله فليتبوأ مقعده من النار. وأخرج أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصبب به غرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة. أي ريحها. وما قيل إن هذه الآية نزلت في اليهود لا دليل له لأنها مكية وليست من المستثنيات والآية مطلقة وسبب نزولها ما ذكرناه آنفا، أما الآية المدنية الثالثة فهي قوله تعالى «أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ» وأراد بأعماله الصالحة وجه الله تعالى ابتغاء ثوابه لأنه يعمل مخلصا على برهان ناصع وحجة واضحة دالة على طريق الحق والصواب فيما يأتيه ويذره لأن البيّنة هي الدلالة الواضحة عقلية كانت أو محسوسة، وتطلق على الدليل مطلقا وهاؤها للمبالغة وتنوينها للتعظيم، أي بينة عظيمة الشان، والمراد بها هنا القرآن المعبر عنه بالبيّنة ولذلك ذكر الضمير هنا بتأويل البينة بالبرهان أو القرآن أي الذي يعمل على هذا النور ليس كمن وصف بالآية المتقدمة من الذين يعملون على جهل وظلمة «وَيَتْلُوهُ» أي القرآن الموصوف بما تقدم «شاهِدٌ مِنْهُ» أي يتبع هذا القرآن دليل منه وهو الإعجاز في نظمه وإخباره بالغيب دليل كاف على أنه من عند الله تعالى «وَمِنْ قَبْلِهِ» أي القرآن، وذكر الضمير تأكيدا لأنه يكون المراد به هو هو «كِتابُ مُوسى» أي التوراة الجليلة لا الصحف المنزلة عليه قبلها لعدم إطلاق لفظ الكتاب عليها فهي شاهدة بصحته أنه من عند الله لأنه يخبر عما قبلها، وهذا كاف في الاستشهاد بكونه «إِماماً» في الدين والأحكام يقتدي به المهتدون «وَرَحْمَةً» عظيمة ونعمة كبرى لمن أنزل عليهم واتبعوه وعملوا بما فيه واهتدوا بهديه، لأن التوراة الجلية أول كتاب اشتمل على الأحكام والشرائع التي لا بد للبشر منها إذ الكتب والصحف قبلها كانت تحتوي على التوحيد والإيمان واعتقاد بالنبوة فقط، لذلك يقال لها صحف ولا يطلق عليها لفظ الكتاب إلا مجازا، وقد يجوز أن تتطرق الصحف لبعض الأحكام، راجع الآيتين ٣٦/ ٣٧ من سورة والنجم المارتين في ج ١ «أُولئِكَ» الذين اقتدوا في التوراة وعملوا فيها

стр. 1174

من أهل الكتابين المخلصين الذين لا يكابرون ولا يعاندون ولا يبدلون ولا يغيرون شيئا منها برأيهم مما يكون مخالفا لمراد الله تعالى ولما أنزله على رسلهم ولا يكتمون الحق المشار إليهم بأنهم على بينة من ربهم «يُؤْمِنُونَ بِهِ» أي القرآن لأنه يشتمل على ما في التوراة «وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ» الذين تجزّبوا على حضرة الرسول من أهل مكة وأهل الكتابين وغيرهم «فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ» يوم القيامة ومصيره فيها، والموعد مكان الوعد قال حسان: أوردتموها حياض الموت ضاحية ... فالنار موعدها والموت لا فيها «فَلا تَكُ» أيها الإنسان الكامل «فِي مِرْيَةٍ» شك أو شبهة «مِنْهُ» بأنه من غير الله بل هو حقا من عنده راجع الآية ٩٤ من سورة يونس المارة «إِنَّهُ» أي هذا القرآن «الْحَقُّ» الصريح الواقع الواضح «مِنْ رَبِّكَ الذي رباك في أمر دينك ودنياك وفضلك على من سواك «وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ١٧» أنه من عند الله لكثافة الرين الغاشي قلوبهم ولشدة عنادهم ومكابرتهم وعتوهم، واختلاف انكارهم، ونظير هذه الآية الآية ٢٨ من سورة الأحقاف الآتية. هذا، واعلم أن بعض المفسرين أعاد ضمير منه الأول إلى محمد ﷺ وقال إن الشاهد هو علي كرم الله وجهه، لاتصاله بحضرة الرسول، مستدلا بما قاله جابر بن عبد الله قال علي بن أبي طالب ما من رجل من قريش إلا وقد نزلت فيه الآية والآيتان، فقال له رجل وأنت أي آية نزلت فيك؟ فقال ﵇ ما تقرأ الآية التي في هود (وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ) أي من النبي ﷺ والمراد تشريفه ﵇ وهو المشرف على جميع الناس بعد الأنبياء، كيف لا وهو ابن عمه وبمنزلة هرون من موسى، وهو ختنه، وهو الذي فداه بنفسه يوم الهجرة، إلا أن سياق التنزيل يأباه، وهذا الخبر أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه، ولا يكاد يصح، ويرده ما روي عن محمد بن الحنفية، قال قلت لأبي (يعني عليا) أأنت التالي، قال وما تعني بالتالي؟ قلت قوله سبحانه (وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ) قال وددت أني هو، ولكنه لسان رسول الله ﷺ . أخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني في الأوسط، ووجه هذا القول أن اللسان. يعرب عن الجنان

стр. 1175

ويظهره، فجعل كالشاهد له، لأنه آلة البيان، وبه يتلى القرآن وتظهر فصاحته وبلاغته ودلالته على الغيب، قال محمود الآلوسي عليه الرحمة: إن في تقرير الاستدلال على أن المراد بالشاهد علي ﵇ ضعفا وركاكة بلغت القصوى. ونقل أبو حيان أن هذا الشاهد هو أبو بكر ﵁ مستدلا بقوله تعالى (وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ) الآية ٣٢ من سورة الزمر الآتية، وفيها بحث نفيس فراجعه. ويعني بالذي جاء بالصدق محمدا ﷺ ، والذي صدق به أبا بكر ﵁، لأنه كان الثاني بالغار، والثاني بالإمامة والخلافة، وكان من النبي ﷺ بمنزلة السمع والبصر، ويجعل عود الضمير للنبي بهذا المعنى لقوله ﷺ (إنهما يعني أبا بكر وعمر) منى بمنزلة السمع والبصر، نعم إنهما كانا كذلك وإن عليا كرم الله وجهه أقرب منهما لكن اختصاصهما أو أحدهما في هذه الآية بعيد ولم يرد القائل إلا تعزيز مكانتهما وتعظيمهما، وهما عظيمان عزيزان من دون هذا، ومن غير أن تقروا لهما ما هو خلاف الواقع، فمكانتهما عند الله وعند خلقه عظيمة بهذا وبغيره وهما عند الناس معظمان به وبدونه، على أن هناك أقوال أخر بأن الشاهد هو جبريل ﵇ أو هو ملك آخر أو هو الإنجيل لأنه يتلوه في التصديق نبوة محمد ﷺ ، لكن وجود نزولها قبل القرآن يأبى الركون إلى القول به، والقول الأول الذي جرينا عليه هو الصحيح، لمناسبته سياق التنزيل وقبوله من كبار المفسرين، كأبي السعود وأضرابه، وناهيك بمفتى الثقلين قدوة، وإنما نقلنا تلك الأقوال- وإن كنا لا نراها- للوقوف على صحتها وعدمه، وليعلم القارئ بالاطلاع عليها أننا لم نغفل شيئا مما له مساس بالمعاني ولا بالألفاظ. هذا، والله أعلم. انتهت الآية المدنية الثالثة، وهذه الآيات كغيرها من المدنيات واقعة بين ما قبلها وما بعدها كالمعترضة، قال تعالى «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً» لا أحد أظلم منه البتة، ولا أشد تعديا، ولا أكثر تجاوزا، لأن الكذب في نفسه كبيرة، وهو مجانب للإيمان فيما بين الناس، فكيف بالكذب على الله تعالى؟ فهو من أعظم الكبائر كما تشير إليه هذه الآية «أُولئِكَ» المفترون الكذب على الله «يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ» في الموقف العظيم يوم القيامة «وَيَقُولُ الْأَشْهادُ» الملائكة الذين

стр. 1176

يحفظون أعمال بني آدم وغيرهم أو الأنبياء أو أهل الموقف حين يسألون عن ذلك «هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ» في الدنيا، وهذا التشهير والفضيحة يكونان لكل من كذب على الله، وحينئذ يلعنهم أهل الموقف حينما يسمعون قول الله تعالى «أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ١٨» فيتنبه لذلك من لم يلعنهم، فيلعنهم أيضا. وهذه الجملة يحتمل أن تكون من كلام الأشهاد بالنظر لظاهرها، والأشهاد جمع شاهد وشهود، ويجمع على شهداء، فيكون جمع الجمع، وقد جاءت بلفظ الجمع في القرآن، وكلاهما بمعنى واحد، إلا أن الأخير أبلغ من الأول. روى البخاري ومسلم عن صفوان بن محرز المازني قال: بينما ابن عمر يطوف بالبيت إذ عرض له رجل، فقال يا أبا عبد الرحمن أخبرني ما سمعت من رسول الله ﷺ في النجوى، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول يدنو المؤمن من ربّه حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه، تعرف ذنب كذا وكذا، فيقول أعرف مرتين، فيقول سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته، وفي رواية ثم تطوى صحيفة حسناته، وأما الكفار والمنافقون فيقول الأشهاد، وفي رواية فينادي بهم على رءوس الأشهاد من الخلق (هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) الآية المارة. وقيل إنه من كلام الله تعالى، والأول أولى بالمقام. ثم وصف الله تعالى هؤلاء الظالمين أنفسهم بالكذب عليه فقال «الَّذِينَ يَصُدُّونَ» الناس ويمنعونهم «عَنْ» اتباع «سَبِيلِ اللَّهِ» ويحولون دون سلوكه «وَيَبْغُونَها» الطريق المعدلة المستقيمة المؤدية إلى الإيمان السويّ «عِوَجاً» مائلة عن السواء منحرفة عن الإستواء، بإلقاء الشبهات في قلوب الناس وقلب معاني الدلائل الدالة على صحة دين الإسلام «وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ ١٩» جاحدون وجودها منكرون البعث بعد الموت، وكرر لفظ هم تأكيدا لكفرهم «أُولئِكَ» الصادون الناس عن الإيمان المنكرون النشأة الآخرة الطالبون منهج السبل المضلة «لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ» الإله القدير العليم، ومهما ضربوا «فِي الْأَرْضِ» لا يفلتون عن قبضة الرّب، ولا يتمكنون من الهرب إذا أراد عذابهم للانتقام منهم «وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ» يقدرون على تخليصهم أو يدافعون

стр. 1177

عنهم ويقونهم من عذاب الله إذا أراد إيقاعه فيهم، ولكنه تعالى يمهلهم في الدنيا ليزدادوا إثما ويأخذوا ما هو مقدر لهم في الأزل من رزق حرام وعمل سيىء حتى لا يبقى لهم شيء في الدنيا ثم يميتهم و «يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ» في الآخرة على عدم إيمانهم وصدّهم الناس عن الإيمان ومنعهم من سلوك الطريق المستقيم وإنكارهم الآخرة، لأنهم صموا في الدنيا عن سماع هذا الحق و «ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ» لما يبلغهم نبيهم من وحي الله «وَما كانُوا يُبْصِرُونَ ٢٠» نهج السلام لينتفعوا به، وقد حرموا فوائد هاتين الحاستين التي منحها الله الإنسان ليستعملها في طلب الخير ودفع الشر، مع أن الحيوانات العجم تستفيد منها بدفع ما يضرهم برؤية أو سماع «أُولئِكَ» الذين هذه صفتهم هم «الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ» بإبدالهم عبادة النافع الضار بعبادة الأوثان التي لا تضّر ولا تنفع «وَضَلَّ عَنْهُمْ» بسبب صفقتهم الخاسرة «ما كانُوا يَفْتَرُونَ ٢١» في الدنيا على أنفسهم وغيرهم من أن الأوثان أو ما يعبدونهم من الملائكة وغيرهم يشفعون لهم في الآخرة «لا جَرَمَ» لا محالة حقا وجرم في الأصل فعل ماضي بمعنى كسب، قال الشاعر: نصبنا رأسه في جذع نخل ... بما جرمت يداه وما اعتدينا وتأتي بمعنى حقا كما هنا أي مع لا وهي اسم لا، أي حقا «أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ ٢٢» لأنهم باعوا الجنة بالنار واستبدلوا المخلوق بالخالق، فلا أخسر منهم أبدا، وهذا هو الخسران المبين، قال تعالى «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا» بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر «وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ» ضميمة على إيمانهم «وَأَخْبَتُوا» خشعوا وخضعوا لله وأنابوا واطمأنوا له فرجعوا «إِلى رَبِّهِمْ» وانقطعوا لعبادته وهذا إشارة إلى أعمال القلوب كما أن العمل إشارة إلى أعمال الجوارح، لأن الأولى لا تنفع في الآخرة بدون الثانية ولا تقبل «أُولئِكَ» الذين هذا نعتهم «أَصْحابُ الْجَنَّةِ» في الدار الآخرة جزاء إيمانهم وإخلاصهم «هُمْ فِيها خالِدُونَ ٢٣» دائبون آمنون لا يخرجون منها أبدا «مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ» أصحاب النار المذكورين أولا «كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَ» مثل أصحاب الجنة المذكورين أخيرا كا «الْبَصِيرِ

стр. 1178

وَالسَّمِيعِ» على سبيل المقابلة أحد أبواب البديع وهي أن يؤتى بمعنيين أو أكثر ثم بما يقابل كل منهما من أضداد، فيعود الأول إلى الأول والثاني على الثاني بطريق اللّف والنشر المرتب، فانظروا أيها الناس «هَلْ يَسْتَوِيانِ» هذان الصنفان الأولان مع الصنفين الآخرين «مَثَلًا» كلا، لا يستويان، فقل لهم يا سيد الرسل «أَفَلا تَذَكَّرُونَ ٢٤» معاني هذا المثل ومغزاه فتنتفعون به، وبعد أن بين تعالى ما يدل على توحيده وأحوال المؤمنين والكافرين وموقفهم مع حضرة الرسول بين أنبيه أخبار من تقدم من الأنبياء مع أقوامهم بقوله جل قوله «وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ» ليرشدهم إلى سلوك طريقه، فقال لهم «إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ٢٥» أخوفكم عقاب الله وأحذركم من الإشراك به وآمركم «أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ» وحده فهو المستحق للعبادة «إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ» إن لم تتركوا عباده الأوثان وترجعوا لطاعة الرحمن «عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ٢٦» شديد عذابه وصف اليوم بالألم لوفوعه فيه «فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ» يا نوح «إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا» مالك ميزة علينا بشيء فكيف تريد أن تستأثر بطاعتنا إليك «وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا» أسافلنا من الحاكة والإسكافية وأشباههم ذرى الحرف الخسيسة الذين أطاعوك «بادِيَ الرَّأْيِ» دون تدبر وتفكر على وهلة بما طليت عليهم من فصاحة لسانك ولين جانبك، ولو أنهم ذوو مكانة عندنا أو أنهم تمعنوا في الأمر الذي دعوتهم إليه وتصوروا العواقب لما اتبعوك حالا وتركوا دين آبائهم، ثم تجارءوا عليه، قاتلهم الله، فقالوا له جهارا «وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ» في مال أو جاه أو شرف أو غيره من المميزات التي توجب طاعتك، لا أنت ولا من اتبعك السوقة الذين لا نرضى مجالستهم، فكيف تريد أن ننقاد لك وتكون لك السلطة علينا. وجوابكم هذا لحضرته على غاية من الجهل وسوء الأدب، لأن الرفعة في الدين ومتابعة الرسل لا تكون بالشرف والسمعة والصيت والرياسة الدنيوية، وأن الدعوة إلى الله للبشر لا تكون إلا من بشر مثلهم اختصه الله تعالى وشرفه برسالته، لأن الفضيلة المعتبرة عند الله هي الإيمان به والانقياد لأوامره والاجتناب عن مناهيه

стр. 1179

لا بما ذكروه من الأمور الدنيوية وشرف الصنعة، وما هذا الجواب منهم إلا لفرط جهلهم وتوغلهم في الدنيا وملاذها وانهماكهم في شهواتهم، ولذلك ختموا كلامهم بقولهم «بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ ٢٧» في هذه الدعوى أنت وأتباعك، وإن تصديقهم لك عبارة عن مواطئة تمهيد للحصول على الرياسة علينا «قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي» فيما بشرتكم به وأنذرتكم منه واضحة شاهدة على صدقي «وَآتانِي» الذي أرسلني إليكم «رَحْمَةً» هديا ومعرفة ونبوة ورسالة «مِنْ عِنْدِهِ» وهو إله الكل «فَعُمِّيَتْ» ألبست وأخفيت «عَلَيْكُمْ» فلم تهدكم ولم تهتدوا إليها، لأن الحجة كما تكون بصيرة ومبصرة تكون عماء وعمها، وإن الأعمى والأعمه كما أنه لا يهتدي لا يقدر أن يهدي غيره، لذلك لا نقدر على إلزامكم بها «أَنُلْزِمُكُمُوها» قسرا وجبرا «وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ ٢٨» نافرون عنها، كلا لا نستطيع على ذلك إذ لا إكراه في قبول الدين بل يجب الإقدام عليه والإقبال إليه طوعا برغبته ومحبته «وَيا قَوْمِ» تدبروا ما أقوله لكم وانظروا عاقبته وتلقوه بحسن نية، واعلموا أني «لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا» لتظنوا بي طمعا ولا رياسة لتشتبهوا فيّ من أجلها أو تشكّوا أن إنذاري لكم لأمور دنيوية كلا «إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ» الذي أرسلني، وأن ما أبذله إليكم من النصح وأسديه لكم من الإرشاد لمجرد هدايتكم لطريق الله وحمايتكم من عذابه المترتب على إصراركم على الكفر «وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا» بي وصدقوني من أجل قولكم أنهم أراذل خسيسو الحرفة، فقراء وضيعون بالحسب والنسب، فهذا كله لا يمنعي من قبول إيمانهم، ولا يجوز لي أن أتباعد عنهم «إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ» بعد الموت، فيشكونني إليه، فيعاقبني على طردهم، لأن وظيفتي قبول إيمان من يؤمن مهما كان، وإن الإيمان سيجعل لهم شرفا وحسبا أعلى عند الله مما أنتم عليه «وَلكِنِّي أَراكُمْ» يا قوم بأقوالكم هذه وتطاولكم عليّ «قَوْماً تَجْهَلُونَ ٢٩» عظمة الله الذي عنده أكرم الناس أتقاهم لمحارمه وأخوفهم من عذابه، لا الأكثرون أموالا والأكبرون جاها والأحسنون حرفة، ولا العالون نسبا وحسبا، فالمؤمن الحقير بأعينكم خير عند الله من العظيم الكافر، فارتكزوا

стр. 1180

على الحكمة ولا تتسافهوا بإطالة اللسان على المؤمنين مهما كانوا، فهم أحسن منكم عندي وعند الله، لأنكم لا تعلمون ما ينبغي أن يعلم. هذا وقد يأتي لفظ الجهل بمعنى التعدي على الغير، ومنه قول صاحب المعلقة: ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلين وقدمنا في الآية ١١١ من الشعراء في ج ١ أن خسة الصنعة لا تضر مع الإيمان، وكم من صاحب صنعة خسيسة هو عند الله أفضل من كثير من خلقه، راجع الآية ١١٣ من سورة الحجرات في ج ٣ «وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ» يوم الجزاء ويحول دون تعذيبي والانتقام مني «إِنْ طَرَدْتُهُمْ» الآن بعد أن أظهروا الإيمان بالله وأخلصوا دينهم له «أَفَلا تَذَكَّرُونَ ٣٠» عاقبة أمر الذين يطردون المؤمنين، فتنبهوا عما أنتم فيه من الاستكبار والضاد، ونبهوا أنفسكم وغيركم، وأعرضوا عن مجادلتكم هذه التافهة، وآمنوا مثلهم لتفوزوا بخيري الدنيا والآخرة. مطلب تبرؤ الأنبياء من الحول والقوة وكون الإرادة غير الأمر وصنع السفينة: «وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ» فاتبعوني لأعطيكم منها. وأدعي الفضل بها عليكم، وهذا جواب لقولهم (وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ) المار ذكره «وَلا» أقول لكم إني «أَعْلَمُ الْغَيْبَ» لأصدق ما ذكرتموه في حق المؤمنين بأن إيمانهم عن غير تدبّر وتفكر، فما لي حق بذلك، وما عليّ إلا قبول الإيمان على ظاهره، والله يتولى السرائر «وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ» وهو جواب على قولهم (ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا) المار آنفا، لأني في الحقيقة بشر مثلكم ولكن الله فضلني عليكم برسالته فقط، ولا دليل في هذه الآية على أن الملك أفضل من البشر على الإطلاق، لأن قول نوح ﵇ هذا بمقابلة قولهم له كما مرّ، لأنهم كانوا يظنون أن الرسل لا يكونون من البشر لقرب عهدهم من بعضهم وتفشي أخبار الملائكة بينهم من يوم أمرهم بالسجود لآدم ﵇، فلهذا قال لهم: (وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ) ولم يرد أن درجة الملائكة أفضل من درجة الأنبياء، وقدمنا في الآية ٧٠ من الإسراء في ج ١ ما يتعلق في هذا البحث فراجعه «وَلا

стр. 1181

أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ» تحتقرها وتستصغرها وتتصورها بأنهم أراذل (وكلمة تزدري لم تكرر في القرآن) حيث «لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً» رزقا في الدنيا لهوانهم عليه نزولا عند هواكم، فعسى الله أن يؤتيهم خير الدنيا والآخرة، لإيمانهم به وتصديقهم لرسوله وصبرهم على الفقر والذل اللذين تفتقدونهم بهما، فأعرضوا عنهم أيها القوم «اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ» من صدق الاعتقاد وخلوص الإيمان، وهذا جواب لقولهم آنفا ما معناه أنهم لم يتبعوك رغبة في دينك بل لكونهم فقراء لا وزن لهم عند أحد فاطردهم ليتبعك الأشراف فإنهم لا يتنازلون أن يجالسوهم ويكونوا من أتباعك معهم، وهذا مثل قول قريش لمحمد ﷺ في الآية ٥٠/ ٥٢ من سورة الأنعام والآية ٢٨ من سورة الكهف الآتيتين، وهكذا فقد تشابهت قلوبهم كما أخبر الله عنهم في الآية ١٦٧ من سورة البقرة ج ٣ من زمن نوح إلى زمن محمد ﷺ فإنك تجد محاورتهم للأنبياء على وتيرة واحدة «إِنِّي إِذاً» إذا قبلت قولكم وطردتهم «لَمِنَ الظَّالِمِينَ ٣١» لهم ولنفسي أيضا، وإني لا أرضى بالظلم فكيف أفعله، كما ليس لي أن أكذّب ظاهر إيمانهم ولا أبطله، لأن الله يعلم ما في ضمائرهم «قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا» بما أوتيت من بلاغة في القول وقوة في المحاججة وفصاحة في البرهان، وإنا لا نؤمن بك مهما أسرفت في النصح وبذلت من الرشد الذي تزعم أنه لصالحنا «فَأْتِنا بِما تَعِدُنا» به من عذاب ربك وأنزله علينا «إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ٢٢» فيما تهددنا به من وعيدك، لأنا قد مللنا من تكرار قولك إنك رسول الله وإن لك ربا ينصرك علينا ويعذّبنا إن لم نؤمن بك ونتبعك «قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ» الذي كفرتم به وهو «إِنْ شاءَ» أنزله بكم عاجلا وإن شاء أخره وليس لي أن أقدم شيئا أو أؤخره خيرا كان أو شرا، لأني بشر مثلكم «وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ٣٣» الله العظيم القادر، ولا فائتين عذابه. ولا تقدرون على الهرب من قبضته «وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ» مهما بالغت فيه وأدمته «إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ» فيما أنتم عليه، ويضلكم عن هداه بما يجعله فيكم من البغي والطغيان. وفي هذه الآية دليل على

стр. 1182

أن الإرادة غير الأمر كما قدمناه في الآية ٩٨ من سورة يونس المارة، أما ما ذكرناه في الآية ١٢ منها فهو في حق تزيين الأعمال وكونها من الله. واعلم أن إرادة الله تعالى مما يصح تعلقها بالإغواء والتزيين والإضلال حق، وأن وقوع خلاف مراده ممتنع محال، وأما المعتزلة القائلون بضدّ هذا فقد وقعوا في حيص بيض منها، واختلفوا في تأويلها، فمنهم من أولها بالإهلاك، ومنهم من لجأ إلى المجاز عن تركهم، ومنهم من جعل إن نافية، وكلها أقوال أرهى من بيت العنكبوت، لأن الآية صريحة لا تقبل التأويل. والحق أن يقولوا معنا بأن ذلك المهدي المضل المزين «هُوَ رَبُّكُمْ» الذي خلقكم ورباكم في هذه الدنيا «وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ٣٤» في الآخرة فيجاري المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته «أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ» أي الوحي الذي يتلوه عليهم كما تقول كفار مكة لك يا أكرم الرسل، لأنهم قاتلهم الله جاءوا على وتيرة واحدة بالاحتجاج والتكذيب والمجادلة مع جميع الرسل، ولهذا قال تعالى في الآية ١٦٨ من سورة البقرة في ج ٣، تشابهت قوبهم «قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي» جمع جرم، وهو اقتراف السوء، يقال أجرم فلان إذا فعل الجرم أي الذنب الكبير، ويقال لفاعله مجرم، أي عليّ إثم إجرامي «وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ ٣٥» أنتم في إسنادكم الافتراء إليّ لأنه جرم عظيم، وهذا آخر محاورة سيدنا نوح مع قومه في هذه السورة، وما قيل إن آية (أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ) المارة ترجع إلى كفار مكة وإنها معترضة بين محاورة نوح وقومه لا وجه له، لأن السياق يدل على أنها من تمام محاورته، والسياق يؤيد هذا، قال تعالى «وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ» لا تحزن ولا تأيس عليهم، فإني مهلكهم «بِما كانُوا يَفْعَلُونَ ٣٦» بك يا رسولي من الأذى، وبأنفسهم من الضلال والكفر. قيل كانوا يضربون نوحا ﵇ حين يدعوهم إلى الله ويدلهم على الهدى ويأمرهم بالرشاد حتي يغشى عليه، فإذا أفاق يقول رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، وهكذا كان سيدنا محمد ﷺ مع قومه، يقابلهم بالدعاء لهم بالهداية. هذا، ولما تمادوا على ما هم عليه وهو ينتظرهم جيلا بعد جيل ولم ينجع بهم نصحه، ولم يكفوا

стр. 1183

عن أذاهم له ورأى كل جبل يظهر أنجس من الذي قبله، وقد أيس من إيمانهم، شكا أمره إلى الله بعد أن أقنطه من إيمانهم في هذه الآية، دعا عليهم كما هو مذكور في سورته الآتية في الآية ٢٦ فاستجاب سبحانه دعاءه، وأوحى إليه بقوله «وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا» على مرأى منا لئلا تزبغ عن الصواب في كيفية صنعها المثبتة في أزلنا، وذلك لأن الله تعالى كما خلق في عالم الذر جميع الناميات، صور أيضا كل الجامدات، فكان كل ما يظهر منها طبق ما هو مكون عنده في لوحه وكلمة (بِأَعْيُنِنا) جاءت هنا وفي الآية ١٤ من سورة القمر المارة في ج ١، «وَوَحْيِنا» أي اصنعها بمقتضى ما نأمرك به من عرضها وطولها وثخنها وارتفاعها وعمقها وهيئتها ومم يكونّها ومقدار ما تستوعبه، قال ابن عباس لم يعلم نوح كيف يصنعها فأوحى الله إليه أن يجعلها مثل جؤجؤ الطائر، «وَلا تُخاطِبْنِي» يا رسولي بعد انهاءك عملها وطوافها على وجه الماء الذي سأقدره لها «فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا» من قومك ولا تتشفع لأحد منهم، ولا تسألن بتأخير عذابهم «إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ٣٧» حتما محكوم عليهم في الموت غرقا حكما مبرمأ قضي فيه أزلا وجف به القلم، فلا سبيل إلى كفه «وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ» امتثالا لأمر ربّه حسبما أوحي له به. قال الأخباريون: بعد أن سمع نوح من ربه ما سمع أقبل على عمل السفينة، ولهي عن قومه بها، فقلع الخشب وضرب الحديد، ومحيا الإسفلت وهو القار، أي القير الأسود، واستحضر كل ما يحتاجه لعملها، وباشر صنعها بيده بمقتضى ستراءى له من صورتها، فصار لا يخطىء بشيء لأن العلم له هو الله ربه والعمل بجرأة النبوة كما فهمه من معنى الوحي وكيف يخطىء وهو أكمل البشر في زمانه، وصنع الكامل لا يكون إلا كاملا، وجعل يدأب على عملها وحده «وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ» ضحكوا من عمله واستهزءوا به، ويقولون له صرت نجارا بعد أن كنت نبيا، وكيف تصنع سفينة في أرض ييس من برية لا ماء فيها، وذلك أنه بدأ عملها بعيدا عن قومه وعن الماء بوحي ربه، وعادة الرسل أنهم لا يسألون ربهم عند ما يأمرهم بشيء تأدبا ولعلمهم أنه لا يأمرهم إلا بما فيه فوزهم، راجع الآية ٦٢ من الشعراء المارة في ج ١ «قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا» على ما ترون من

стр. 1184

عمل أمرني به ربي «فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ» إذا نجانا الله وعذبكم «كَما تَسْخَرُونَ ٦٨» منا الآن، قال هذا على سبيل الإزدواج في مشاكلة الكلام كما في قوله تعالى (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) الآية ٤٠ من سورة الشورى الآتية، لأن السخرية بمعناها المعلوم لا يليق صدورها من منصب النبوة ولما رآهم ازدادوا بالاستهتار به هددهم بقوله «فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ» غب عملكم هذا وسترون «مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ» في هذه الدنيا فيذله ويهينه ثم يهلكه ويدمّره «وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ ٣٩» في الآخرة لا يتحول عنه، وهو عذاب النار الدائم أنحن أم أنتم، ثم ثابر على عمله ولم يعبا بهم حتى أكملها، قالوا كانت بطول ثمانين ذراعا وعرض خمسين وارتفاع ثلاثين وهو عمقها بذراعه ﵇، والذراع من رءوس الأصابع إلى المنكب، وجعلها ثلاث طبقات: عليا ووسطى وسفلى، وجعل فيها كوى ليطل منها إلى الخلاء وليرى بعضهم بعضا منها، وكانت من خشب الساج، وقال الحسن كان طولها ألفا ومثني ذراع، وعرضها ستمئة، وقال غيره طولها ثلاثمائة ذراع، والأول أولى وأنسب وأوجه، أما ما قيل إن صنعها استغرق ثلاثين سنة فإن صح فيكون للقول الثاني وجه، والله أعلم، إذ لم يبين لنا ذلك، والقرآن اقتصر على ذكرها فقط، ولما أمر بر كوبها عند انتهاء الأجل المقدر لإغراق قومه، حمل ﵇ أهله ومن آمن به، ومن كل ذي روح زوجين اثنين فيها كما أمر، وهذا ما يدل على عظمتها، قالوا وقد جعل الله له علامة على ركوبها بقوله عزّ قوله «حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا» بإنفاد عذابهم، وحان الوقت المقدر لإغراقهم في سابق علمه «وَفارَ التَّنُّورُ» بالماء إذ جعلناه علامة لقرب نزول العذاب لقوم نوح ﵇ وإنجائه ومن آمن به أي أبق منتظرا ظهور هذه الأمارة فإذا رأيتها «قُلْنَا» لك اركب فيها أنت وأهلك ومن آمن بك و «احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ» من أنواع الحيوان «زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ» واترك الباقين «وَأَهْلَكَ» احملهم أيضا، ويدخل في الأهل من آمن به لأنهم صاروا من أهله لقول رسول الله سلمان منّا أهل البيت. ويجعله من أهله إلا لإيمانه. هذا، واعلم أن التنور هو الذي يخبز به، وهو بلغ

стр. 1185

الفرس أيضا بهذا المعنى لا أنه فارسي في الأصل معرّب، راجع الآية ١٨ من سورة الشعراء المارة في ج ١، والفور ان الغليان يعني نبع الماء إذا اشتدّ صار كأنه يفور كالماء في القدر على النار، فإنه يفور عند اشتداد الحرارة، واختلف في موقعه قيل بالكوفة، وقيل بالهند، وقيل في الجزيرة في عين وردة، وقيل بالشام، وفي كل هذه المواضع محل يسمى تنورا، والأولى كونه في الجزيرة لقربها من جبل الجودي الذي استقرت عليه بنص القرآن كما سيأتي في الآية ٤٣ لأنهم قالوا إنها رست بالمنطقة التي طافت منها، ويوجد الآن في الجزيرة محل يسمى تينير وفوقه عين ماء عند جبل كوكب الآتي ذكره في الآية ٤٣ المذكورة، وما قيل إن التنور هو وجه الأرض أو هو طلوع الفجر ففيها صرف الحقيقة إلى المجاز دون مسوّغ ما، والحق أنه التنور المعلوم بمعناه الحقيقي، لأن الكلام إذا دار بين الحقيقة والمجاز كان حمله على الحقيقة أولى ولفظ التنور حقيقة هو الذي يخبز فيه، ومعنى الزوجين كل اثنين لا يستغنى أحدهما عن الآخر، كالذكر والأنثى يقال لكل واحد منهما زوج، وليس المراد بالزوج هنا ما يقابل الفرد، ولأن المعنى من كل صنف زوجين ذكر وأنثى، قالوا حشر الله له جميع الحيوانات فجعل يضرب بيديه عليها، فتقع الأنثى بيده اليسرى والذكر باليمنى، فيعزلهم على حده، وقد خصص ﵇ الطبقة السفلى للوحوش والهوام، والوسطى الدواب والأنعام، والعليا لحضرته ومن معه والطير وما يحتاجونه من الزاد حسبما أمره الله، وكان هذا بعد إكمال عمل السفينة طبقا لمراده وخاطبه جلّ خطابه أن أدخل فيها من شئت مما أمرتك «إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ» من أهلك وهو ابنه كنعان وزوجته واعلة فقط، وذلك لسابق علمه بغرقهما مع الكفرة لما هو مدون بأزله اختيارهما الكفر على الإيمان حسب تفديره وإرادته ولا يقع في كونه خلاف مراده «وَمَنْ آمَنَ» عطف على وأهلك أي كل المؤمنين معك، قال تعالى «وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ ٤٠» جدا بالنسبة لكثرة قومه، ولم يبين ﷻ مقدارهم ولهذا تضاربت الأقوال في عددهم وأصحها أنهم ثمانون نسمة كما روي عن ابن عباس، ويؤيد قوله وجود قرية بقرب الجودي الذي رست عليه السفينة مسماة بقرية الثمانين وهي معروفة الآن والجزيرة

стр. 1186

معروفة بجزيرة ابن عمر «وَقالَ» الملك السلام مخاطبا رسوله نوحا ﵇ ومن آمن معه «ارْكَبُوا فِيها» فقد آن إغراق الكفرة، فأمر ﵇ أن يستقر كل في طبقته، ولما تم ذلك لم يعرف ﵇ كيف يمشيها على الماء فقال تعالى له ولصحبه إذا أردتم سيرها قولوا «بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها» فإنها تسير بإذن الله الذي نجاكم عليها «وَ» إذا أردتم إرساءها قولوا بسم الله «مُرْساها» فإنها تقف حالا وهذا تعليم من الله لعباده بأن من أراد أمرا فعليه أن يبدأه بذكر الله ليبارك له فيه وينجح بغايته المحمودة قالوا فصارت الأرض تنبع مياها غزيرة والسماء تمطر مياها وافرة مدة أربعين يوما بشدة وهم بالسفينة لم يبرحوا مكانهم ويشاهدون عظمة الله، قال تعالى (فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ) الآية ١١ (وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ) الآية ١٢ من سورة القمر المارة في ج ١، قالوا وارتفع الماء بالسفينة على أعلى جبل أربعين ذراعا فطافت بإذن الله بين عاصفة من الأمواج وصار سيدنا نوح ﵇ إذا أراد إيقافها قال بسم الله مرساها فتفف، وإذا أراد سيرها قال بسم الله مجراها فتسير مهما كان يحوطها من أمواج وعواصف، ولم يحجه ربه إلى المرابط والمراسي والمجاديف والملاحين فقال ﵇ شكرا لهذه النعمة «إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ٤١» بمن تاب وأناب من عباده، ومن رأفته يقبلهم إذا رجعوا إليه بعد كفرهم. ثم وصف الله تعالى سرعة سيرها بقوله جل قوله «وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ» عظيم هائل لدلالة التنوين أي في غاية من الشدة والموج ما ارتفع من الماء بسبب اشتداد عصف الرياح وقد شبهه الله تعالى في عظمته «كَالْجِبالِ» وبهذا أنجى الله المؤمنين جميعا وأغرق الكافرين ولم يرحم منهم أحدا استجابة لدعوة نبيهم حتى أم الصبي التي ضرب بها المثل: قالوا لما مر الماء بالسكك من القرية خافت امرأة على ابنها من الغرق فصعدت به إلى الجبل وكلما ارتفع صعدت به حتى بلغت قمته، فتناولها الماء فرفعت ولدها إلى حضنها فتناولها الماء فرفعته إلى رأسها فأدركها الماء فرفعته بيدها فوق رأسها فأخذها وإياه الماء فغرقا، ولذلك قالوا لو رحم الله أحدا من قوم نوح لرحم أم الصبي «وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ» كنعان أثناء نبع الماء من الأرض ونزوله من

стр. 1187

السماء «وَكانَ فِي مَعْزِلٍ» عنه لأنه لم يركب معه في السفينة وكان منعزلا عن المؤمنين بعيدا عنهم «يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا» بالسفينة لتنجو من الغرق الذي ألم بك في الدنيا ومن العذاب المقدر لك في الآخرة إن لم تؤمن وتتبعنا «وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ ٤٢» فتهلك معهم غرقا الآن وتعذيبا غدا «قالَ» كنعان كلا لا أركب معكم ولا أغرق لأني «سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ» بسبب ارتفاعه إذ لا يبلغه الماء مهما ارتفع، وقد اختلف العلماء في هذا الجبل كما اختلفوا بالتنور فمن قال بالجزيرة وهو الأصوب كما نوهنا آنفا قال هو جبل كوكب وهو قريب من محل التنور قريبا من مجرى الخابور من الشرق الشمالي من جهة الحكة والذي يليه من الشرق الجنوبي جبل سنجار والذي يليه من الغرب الجنوبي جبل عبد العزيز والذي يليه من الشمال الغربي جبل ماردين وكلها بالجزيرة قريبة منه، ومن قال إنه بالكوفة أو بالهند أو بالشام ذكر غير ذلك من الجبال الموجودة هناك والأول ينطبق على المعنى لأنه قال (إلى جبل) منكر منون وكل هذه الجبال يراها الرائي من موضع التنور الواقع في الجزيرة أما الأخر على الأقوال الأخرى فلا ندري هل يراها من كان عند التنور الذي فيها أم لا فكأنه قال إني سأعتصم بأحد هذه الجبال «قالَ» له أبوه ﵇ لا تعتر يا ولدي مما ترى من هذه الجبال ومن إغواء قومك فإنه «لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ» ولا مانع من عذابه ولا منجى من إهلاكه ولا يخلص من هذا الغرق «إِلَّا مَنْ رَحِمَ» الله منهم إركابهم هذه السفينة التي أمرني ربي بصنعها الذين لم يقدر إغراقهم، وإن ما ترى من قولك وغيرهم فإنهم كلهم هالكون ولا زال يسديه النصح وهو بمانع حتى تباعدا عن بعضهما «وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ» بحيث لم يبق أحدهما يشاهد الآخر ولم يسمع صوته ولا يرى إشارته لأنه بعد ما طافت السفينة ارتفع ارتفاعا هائلا وصار لشدة علوه كالسد بينهما وقد شبهه الله بالجبال آنفا لعظم ارتفاعه «فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ٤٣» معهم طبقا لقضاء الله وقدره أزلا، قال الأخباريون لما كثر الروث في السفينة لطول بقائها جارية على ظهر الماء أوحى الله إلى نوح أن اغمز ذنب الفيل ففعل فوقع خنزير وخنزيرة ومسح

стр. 1188

على الخنزير فوقعت منه فأرتان فأقبل الخنزيران على الروث فأكلوه وصار الفأر يفسد في السفينة ويقرض ما فيها، فأوحى الله إلى نوح أن اضرب بين عيني الأسد فضرب فخرج من منخره سنور وسنورة فأقبلا على الفأر فأكلاه إلا قليلا ودامت السفينة جارية ستة أشهر، إذ ركب فيها لعشر من رجب وهبطت على الجودي يوم عاشوراء، وتناهى الطوفان وخرجوا من السفينة وصاموا ذلك اليوم شكرا لله تعالى، وعمروا قرية هناك تسمى الآن سوق الثمانين وهي أول قرية عمرت على وجه الأرض بعد الطوفان. مطلب المياه كلها من الأرض والبحر المكفوف: وبعد أن تم مراد الله تعالى بإغراق الكفرة وإنجاء المؤمنين خاطب الأرض بقوله عز قوله «وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ» تشير هذه الآية على أن الماء كله من الأرض إذ أضافه إليها وهو موافق لقول من يقول أن الأمطار كلها من الأنجرة المتصاعدة من الأرض والبحار والأنهار وغيرها، وهذا مما يعرفه العرب الأقدمون إذ يقولون إن الغيوم تلتقم الماء من البحر تم تمطره، وعليه قوله: شربن بماء البحر ثم ترفعت ... في لحج خضر لهن أجيج وقال: كالبحر يمطره السحاب وماله ... من عليه لأنه من مائه راجع الآية ٣٠ من سورة النازعات الآتية تجد ما يتعلق في هذا البحث، وقال بعض العلماء المطر قسمان قسم من أبخرة الأرض والمياه وقسم من علم الله وذلك استنادا لما يقوله بعض العارفين بوجود بحر بين السماء والأرض يسمى المكفوف ينزل منه نوع من المطر، يؤيد هذا ظاهر الآية ٢٠ من سورة الزمر الآتية وهي قوله تعالى (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ) وآية المؤمنين ١٨ الآتية أيضا وهي (وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ) وتقدم ما يدل على هذا في قصة المعراج أول سورة الإسراء المارة في ج ١، وعدم اطلاع الطبيعيين والفلكيين على هذا البحر لا يكون حجة على عدم وجوده، لأن دعوى النّفي لا تثبت بالنفي بل بالإثبات. والله تعالى قادر على أكثر من ذلك فلا

стр. 1189

يستبعد شيء على الله تعالى وهو الخلاق العظيم، ولا يخفى أن أكثر أقوال الطبيعيين والفلكيين مبنية على الظن والحدس لأنها أمور غير محسوسة، والخطأ في الظن أكثر من صوابه وخاصة في غير المرئي ولا يعلم مكنونات الله إلا هو فعلى العاقل أن يؤمن بمثل هذه الأشياء لأن الإيمان بها لا يضره، ولا يجحدها فإن الجحد لها قد يضره والتسليم أسلم وهو مذهب السلف الصالح وناهيك بهم قدوة «وَيا سَماءُ أَقْلِعِي» أمسكي عن القطر «وَغِيضَ الْماءُ» نقص ونضب إذ انقطع من السماء انهماره ومن الأرض انفجاره فغار وذهب ولعبت الرياح شرقا وغربا، ونشفت الأرض وببست «وَقُضِيَ الْأَمْرُ» بإهلاك قوم نوح ﵇ ومن قدر عليهم تبعا لهم ممن أراد الله تعالى إغراقه من غيرهم «وَاسْتَوَتْ» السفينة «عَلَى الْجُودِيِّ» جبل معروف الآن شمالي دجلة مما يقابل عين ديوار من أرض الجزيرة الواقعة جنوبي دجلة شمالي غربي الموصل «وَقِيلَ بُعْداً» وسحقا وهلاكا «لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ٤٤» وكلمة بعدا يقولها العرب إذا أرادوا البعد البعيد من حيث الهلاك وعدم العودة، فإنهم يقولون بعدا بعدا، ولذلك خصوها بالسوء وهكذا كلما مرت هذه الكلمة يكون المراد منها ذلك المعنى، وقال الأخباريون لما استقرت السفينة على الجودي بعث نوح ﵇ غرابا ليأتيه بخبر قومه فوقع على جيفة فلم يرجع اليه، ثم بعث لحمامة فجاءت بورق زيتون في منقارها ولطخت رجليها بالطين، فعلم نوح أن الماء ذهب بالمرة، فدعا على الغراب بالخوف فلذلك لا تراه يألف البيوت حتى لآن، وطوق الحمامة بالخصرة في عنقها، ودعا لها بالأمان، فمن ذلك اليوم ألفت البيوت واعتاد الملوك إرسالها بالكتب إلى من تريد. وهي كذلك حتى الآن لم يستغن عنها مع وجود الطائرات وغيرها وإذ نعمت النظر فلا تجد شيئا يستغرب الآن إلا وله أصل قبل، وإذا تتبعت هذه المنشآت الحديثة لم تجدها بنت سنتها بل لا بد وقد سبق لها بحث أو عمل، وإذا مر الفكر على عمل شيء أو بحث في أمر قد يستحيله عقل غيره أمعن نظره فيه وأفرغ تدبيره، فجعل له أساسا حتى إذا لم يتوفق لا نجاره تركه لعيره، وهكذا حتى استوت هذه المخترعات فظهرت لعالم الوجود، وهي وإن كانت من صنع البشر إلا أنها من إلهام الله تعالى إياه قال تعالى (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ

стр. 1190

وَما تَعْمَلُونَ) الآية ٩٦ من الصافات الآتية، وسيظهر لنا هذا القرآن ما تستبعده العقول مثل قول أبي الحسن الأشعري إن بالإمكان أن يرى أعمى الصين بقة الأندلس راجع الآية ٣٨ من سورة الأنعام الآتية قالوا ومر نوح ﵇ أثناء سيره بالسفينة على البيت الحرام، وقد رفعه الله تعالى من الغرق وبقي موضعه، فطافت به السفينة سبعا حوله، وأودع الحجر الأسود في جبل أبي قبيس. قالوا ولم ينج من الغرق سوى عوج بن عنق، لأنه حمل أخشاب السفينة من الشام الى المحل التي هي فيه حال صنعها. هذا ولا يقال كيف أغرق الله تعالى الأطفال والحيوان إذ لا ذنب لها، لأنه تعالى مالك لها والمالك يتصرف بملكه كيفها يشاء، ولأن هذا الإغراق مجرّد سبب للموت في حقهم، وأي مجذور في إماتة من لا ذنب له بالنسبة إلى المحيي المميت الذي في كل لحظة يحيي أمما ويميت أمما بما يقدره من الحروب والطاعون والخسف وغيرها بسبب ولا سبب حسب حكمته البالغة، وهو الإله الفعال لما يريد الذي لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، ولا دافع لقدره ولا يسأل عما يفعل؟ وما قيل إن الله تعالى أعقم أرحام النساء قبل العرق بأربعين سنة كي لا يولد لهم ولد يهلك بسببهم، ليس بسديد، إذ لم يوجد ما يؤيده ويرد عليه إغراق الحيوانات والطيور وأولاد الأمم الأخرى الذين أصابهم الغرق وعمهم البلاء غير قوم نوح ﵇، لأن مبدأ دعوته خاصة لقومه ونهايتها عامة كما ذكرناه في الآية ٧٤ من سورة يونس المارة، ولا يوصف جل شأنه بظلم بتعميم العذاب، لما قدمناه غير مرة، وقالوا ان الحيوانات والطيور وقعت على قدمي نوح تلحسها راجية حملها معه بالسفينة، ولم يفعل، لأنه لم يؤمر بذلك. وقالوا إن الطوفان عم وجه الأرض كلها، وهناك أقوال بأنه عم جزيرة العرب وما بجوارها، يريدون قارة آسيا كلها، وان القرآن لم يذكر بأن الطوفان عم الأرض كلها، وان قوله تعالى حكاية عن سيدنا نوح ﵇ في دعائه (رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً) الآية ٣٦ من سورته الآتية، وأن الله تعالى أجاب دعاءه، فلم يفهم منه أن إهلاكهم كان بالغرق مع قومه، إذ يمكن أنه أهلكهم بغير طوفان، فلا يكون دليلا قطعيا على إهلاكهم به، ولم يرد فيه خبر أو حديث صحيح، ولأن

стр. 1191

لفظ الأرض يطلق على إقليم منها كأرض مصر، راجع الآيات ٢١- ٤٥ و ٥٦ من سورة يوسف الآتية ومثلها في سورة المؤمن وغيرها، وإذ لم يرد حديث صحيح أيضا في ذلك ولا فيما نقلناه عن الأخباريين والقصاص، فلا يحق لمجادل أن يجادل فيه، وإن تنويه المؤرخين إذا لم يقصد بحديث لا عبرة به أيضا، إذ لا يوجد تاريخ يعتمد عليه قبل التوراة التي هي أول كتاب استمدّ منه المؤرخون أقوالهم. هذا وأما ما جاء في هذه القصة من حسن النظم وبداعة التركيب وبلاغة القول وفصاحة إيجازه واطنابه وخاصة هذه الآية ٤٤، فحدّث ولا حرج، لأن البشر عاجز عن وصفه ولله در القائل في التنزيل وما جمعت آياته: وعلى تفنّن واصفيه بحسنه ... يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف ورحم الله الأبوصيري حيث يقول: آيات حق من الرحمن محدثة ... قديمة صفة الموصوف بالقدم لم تقترن بزمان وهي تخبرنا ... عن المعاد وعن عاد وعن ارم فما تعد ولا تحصى عجائبها ... ولا تسام على الإكثار بالسأم مطلب في قوله تعالى انه ليس من أهلك وتفنيد قول من قال إنه ليس ابنه: قال تعالى «وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ» بعد أن خرج من السفينة هو وأهله ومن معه وتذكر ابنه كنعان ووعد الله في الجاء أهله «فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي» وقد وعدتني بإنجائهم من الغرق «وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ» فلم أغرقته وأنت لا تخلف الميعاد ولم تستثنه «وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ ١٥» فاحكم لي بإنجاز وعدك، لأنك العادل في الحكم للعالم مما تحكم. قال هذا لأن الحاكم إذا حكم بالعدل ولم يعلم أنه عدل موافق للشرع بعد من أهل النار، لأنه بمنزلة العوارف الذين يحكمون برأيهم وبالقياس على أحكام من سلف من أمثالهم، لا يستند إلى كتاب سماوي أو تشريع نبوي أو قياس على أحدهما، فحكمه حكم الجاهل الذي يقضي بخلاف الحق، ولهذا قيل قاضيان في النار وقاض في الجنة، فالذي في الجنة قاضي عرف الحق وقضى به واللذان في النار هما الأولان، ولا فضل لحاكم على

стр. 1192

غيره إلا بالعلم والعدل، ورب جاهل ظالم غشم في زماننا لقب بقاضي القضاة بمعنى أحكم الحاكمين كما لقب كافر بملك الملوك وهو مع كفره طاغ باغ، وأكره الناس على الله من تلقب بهذا، كما في الحديث الشريف إذ لا تليق هاتان الصفتان إلا برب العالمين «قالَ» تعالى «يا نُوحُ إِنَّهُ» ابنك الذي تذكرته وغرق مع من غرق «لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ» الذين هم على دينك وليس هو داخل بالوعد الذي وعدتكه «إِنَّهُ عَمَلٌ» بالتنوين وقرىء بكسر الميم فعلا ماضيا أي عمل عملا «غَيْرُ صالِحٍ» وعلى القراءة الثانية تقرأ غير بالنصب على أنها مفعولة لعمل، وعلى القراءة الأولى وهي كون عمل مصدرا فتضم راء غير على أنها صفة للعمل، ويكون المعنى هو نفسه عمل غير صالح لأنه مشرك كافر هذا مبالغة في ذمه لإفناع نوح ﵇ بأنه ليس من أهله، ولذلك أغرقته لكونه غير داخل في الوعد. واعلم أن هذا القراءة جائزة لأنه لم يبدل ولم يغير منها حرف، كما أنه لم يزد ولم ينقص من حروف الكلمة، وإنما التبديل وقع فى الإعراب فقط، وكل ما كان على هذا من القراءات لا بأس فيه، أما ما يقع فيها تبديل أو نقص حرف أو زيادته فلا تجوز ولا تعد قراءة إذ هي تفسير لبعض الكلمات وردت من بعض الأصحاب أو كتبت على هامش مصاحفهم. تدبر هذا واعلم أن أهل الرجل من يجمعه وإباهم نسب أو دين أو ما يجري مجراهما، ولما حكمت الشريعة برفع حكم النسب في كثير من الأحكام بين المسلم والكافر، قال منزل هذه الآية لشريعته الثابتة في أزله إنه ليس من أهلك الذين هم على طريقتك وملّنك، لأنه لم يؤمن بك مثلهم، ولهذا فإن صريح الآية أبانت أنه ليس من أهله، وفي مثل هذا قال القائل: لا ينفع الأصل من هاشم ... إذا كانت النفس من باهله لأن مدار الأهلية هو القرابة الدّينية وقد انقطعت بالكفر، ولذا لم يرث الكافر المؤمن ولا المؤمن الكافر، ولا حجة بخبر سلمان منا أهل البيت فإن المراد به قرابة الدين وهي أقرب من النسب لكن في غير الإرث، قال أبو فراس: كانت مودة سلمان لنا نسبا ... ولم يكن بين نوح وابنه رحم

стр. 1193

وقال الآخر: لقد رفع الإسلام سلمان فارس ... وقد خفض الشرك الحسيب أبا لهب هذا ومن قال إنه ابن زوجته لا يلتفت إلى قوله بعد قول الله تعالى (وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ) وقوله (يا بُنَيَّ) و (إِنَّ ابْنِي) والقول في هذا كالقول بأن آزر عم إبراهيم مع صراحة القرآن بأنه أبوه كما سيأتي في الآية ٧٤ من سورة الأنعام. أما ما قيل إنه من البغي والعياذ بالله، فإنه قول باطل تتنزه ساحة الأنبياء عنه ويخشى على قائله الكفر، واستدلاله بقوله تعالى (إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي) أي من زوجتي لا من صلبي، استدلال واه لا قيمة له ولا عبرة به، كيف وقد سماه ابنه في الآيتين مرتين صراحة ولا بعد صراحة القرآن حاجة إلى تأويل أو كناية، وإنما قال ﵇ من أهلي لأن الله تعالى وعده بإنجاء أهله وهو منهم على ظنه أن الكفر لم يخرجه من معنى الأهلية، لا لأنه كما زعم هذا القائل الجاهل بأحوال الأنبياء المبرئين من كل عيب مادي أو معنوي. أما ما استبعده بعض المفسرين من أنه لا يكون ابن النبي كافرا فبعيد عن الحقيقة، لأن قابيل كافر وهو ابن آدم ﵇، وإبراهيم خليل الله أبوه كافر. وقال ابن عباس ما بغت امرأة نبي قط، ولا يقال كيف طلب النجاة له وهو كافر، لأن رقة الأبوة والأمل من نوبته عند رؤية أهوال الإغراق دعتاه إلى مناداته لعله يسلم وينجو، وهذا من موجبات الدعوة للغير فضلا عن الولد. قال تعالى «فَلا تَسْئَلْنِ» يا رسولي عن شيء «ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ» جاء لنهي في هذه الآية عام مندرج تحته النهي عن سؤاله بعدم إنجائه بدليل الفاء التفريعية، وقد روي عن ابن عباس أنه قال: ضمير إنه من قوله تعالى (إِنَّهُ عَمَلٌ) إلخ، يعود إلى المسألة المستفادة من معنى السؤال، أي مسألتك إياي يا نوح عن ابنك عمل غير صالح لا أرضاه لك، كما رواه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه، وفي رواية جرير سؤالك ما ليس لك به علم عمل غير صالح. ويستدل بهاتين الروايتين اللتين لم تعلم صحتهما القائل بأنه ابن بغي، ويقول إنما أعاد الضمير ابن عباس إلى المسألة حذرا من نسبة الزنى إلى من لا ينسب إليه، وهو ﵁ أجل قدرا من أن يخفى عليه ذلك المعنى أو يتصور من عود الضمير

стр. 1194

إلى ابن نوح ما تصوره هذا الجاهل بقدر الأنبياء، فيسند الضمير إلى من ليس له لئلا يتصور ما يلزم من ذلك المحذور، كيف وهو حبر الأمة وأعلم الناس بمعاني كتاب الله بعد المنزل عليه ووحيه وخلفائه، فعلى العاقل أن لا يلتفت إلى ترهات كهذه تلصق بأعظم الرجال لتؤخذ عنهم وهم منها براء، ومن له مسكة من عقل أو لمعة من إيمان لا يصدق أقوالا كهذه بمجرد نقلها عنهم، لأن كثيرا من الدساس يفعلون هذا، قاتلهم الله وأخزاهم. قال تعالى «إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ٤٦» لمثل هذا وأنت من أصفيائي وكان ﵇ لا يعلم أن سؤاله هذا محظور عليه، ولما علم مما أوحي إليه ربه أن طلبه نجاة ابنه وإدخاله في وعد ربه لا يرضى به ربه رجع واعتذر والتجأ إليه «قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ» بجوازه ورضائك به «وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي» جهلي هذا وخطئي بإقدامي على سؤالك شيئا لا يحق لي سؤاله، ولا يجوز لي طلبه البتة «وَتَرْحَمْنِي» بالعصمة عن العود إلى مثلها برحمتك التي وسعت كل شيء «أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ ٧٤» عملا واحرسني يا سيدي من أن أذهل عن شكر نعمتك، فإن الذهول عنه عندها معاملة خاسرة توجب زوالها. واعلم أن لا دلالة في هذه الآية على عدم عصمة الأنبياء، لأن الله تعالى وعد نوحا بإنجاء أهله وقد اتبع ظاهر هذا الوعد فسأل نجاته، فعاتبه الله تعالى على ما ليس له به علم من استثنائه من أهله في سابق علمه، لأنه كافر مصر على كفره، وبين له أنه ليس من أهله الذين وعده بنجاتهم، وأعلمه بأنه هالك لا محالة مع قومه الظالمين أنفسهم، ونهاه عن مخاطبته فيه، وفي كل ما لا يعلمه مما يوقعه الله تعالى في ملكه، فخاف ﵇ من إقدامه على سؤاله ذلك الذي لم يؤذن له به، فلجأ إلى ربه وسأله المغفرة حالا عن هذا الذنب الذي ليس بذنب عند غير الأنبياء، لأن العبد كلما ازداد قربا من الله تضاعفت خشيته منه، وقد جاء عن سيدنا محمد ﷺ أنه قال أعلمكم بالله وأخشاكم له أنا. وذلك لقربه من ربه ، لأن في ازدياد قربه ازدياد معرفته بربه ووقوفه على بعض عظمته وكبريائه، فيزداد خوفه منه فيستعظم ما يقع منه مما يراه مخالفا للأدب، ولهذا المعنى قبل إن حسنات الأبرار سيئات

стр. 1195

المقربين، وكما أن القرب من الله يكون سببا لكثرة أدبه معه فكذلك القريب من السلطان يكون أكثر من غيره أدبا وخوفا منه لما يرى من بطشه ولتأمين مقامه ومكانته عنده وعند الناس. هذا وليس في الآيات ما يقتضي صدور ذنب أو معصية من نوح ﵇ سوى تأويله وإقدامه على سؤال ربه بنجاة ابنه، وهو مما لا يؤاخذ عليه ولا يستوجب العتبى إلا عتاب الأحباب، وقدمنا في الآية ١٢١ من سورة طه في ج ١ ما يتعلق بعصمة الأنبياء ومعنى ما يصدر منهم فراجعه. قال تعالى «قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ» بسفينتك على المحل الذي استقرت عليه وانزل إلى الأرض المستوية المعتدلة مما حول جبل الجودي «بِسَلامٍ» وأمان من الغرق وتحية «مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ» من ذرية أهل السفينة، وهذه بشارة من الله تعالى إليهم بالنمو والخيرات وإلى قرون تجيء بعده، قال تعالى (وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ) الآية ١٧ من سورة الصافات الآتية، أي إلى يوم القيامة، لأن الخليقة الموجودة الآن منسوبة إلى أولاده الثلاثة سام وحام ويافث، ولهذا يسمى أبا البشر الثاني بعد الأب الأول آدم ﵇، وبهذا يستدل القائل بأن الطوفان عم الأرض كلها، وأن دعوة نوح شملت كل من كان عليها، قال محمد بن كعب القرظي دخل في هذه البشارة كل مؤمن إلى يوم القيامة. وإلى هنا للتمهت قصة نوح ﵇ التي قصها علينا في كتابة. ثم ابتدأ فقال «وَأُمَمٌ» كافرة يحدثون بعدك وينشأون ممن معك «سَنُمَتِّعُهُمْ» في هذه الدنيا بالسعة بالرزق والخفض في العيش والرفعة في الجاه مدة آجالهم «ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا» يوم القيامة جزاء أعمالهم السيئة «عَذابٌ أَلِيمٌ ٤٨» وقال محمد المومى إليه دخل في هذا المتاع والعذاب كل كافر إلى يوم القيامة «تِلْكَ» القصّة التي قصصناها عليك يا محمد «مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ» في جملة الأخبار الغيبية «ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا» القرآن الذي جاءك به ذلك في جملة ما أنزلناه عليك منه، ولا يقال إن هذه القصة معلومة في في التوراة أو غيرها من الكتب فكيف صح قوله (ما كُنْتَ تَعْلَمُها) إلخ، لأنها كانت معروفة على الإجمال، ومنها ما هو بطريق الرمز والإشارة، أما على هذا
следующие страницы →