← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23595

بيان المعاني

ملا حويش

Полный текст (3 362 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

لفظ الأرض يطلق على إقليم منها كأرض مصر، راجع الآيات ٢١- ٤٥ و ٥٦ من سورة يوسف الآتية ومثلها في سورة المؤمن وغيرها، وإذ لم يرد حديث صحيح أيضا في ذلك ولا فيما نقلناه عن الأخباريين والقصاص، فلا يحق لمجادل أن يجادل فيه، وإن تنويه المؤرخين إذا لم يقصد بحديث لا عبرة به أيضا، إذ لا يوجد تاريخ يعتمد عليه قبل التوراة التي هي أول كتاب استمدّ منه المؤرخون أقوالهم. هذا وأما ما جاء في هذه القصة من حسن النظم وبداعة التركيب وبلاغة القول وفصاحة إيجازه واطنابه وخاصة هذه الآية ٤٤، فحدّث ولا حرج، لأن البشر عاجز عن وصفه ولله در القائل في التنزيل وما جمعت آياته: وعلى تفنّن واصفيه بحسنه ... يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف ورحم الله الأبوصيري حيث يقول: آيات حق من الرحمن محدثة ... قديمة صفة الموصوف بالقدم لم تقترن بزمان وهي تخبرنا ... عن المعاد وعن عاد وعن ارم فما تعد ولا تحصى عجائبها ... ولا تسام على الإكثار بالسأم مطلب في قوله تعالى انه ليس من أهلك وتفنيد قول من قال إنه ليس ابنه: قال تعالى «وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ» بعد أن خرج من السفينة هو وأهله ومن معه وتذكر ابنه كنعان ووعد الله في الجاء أهله «فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي» وقد وعدتني بإنجائهم من الغرق «وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ» فلم أغرقته وأنت لا تخلف الميعاد ولم تستثنه «وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ ١٥» فاحكم لي بإنجاز وعدك، لأنك العادل في الحكم للعالم مما تحكم. قال هذا لأن الحاكم إذا حكم بالعدل ولم يعلم أنه عدل موافق للشرع بعد من أهل النار، لأنه بمنزلة العوارف الذين يحكمون برأيهم وبالقياس على أحكام من سلف من أمثالهم، لا يستند إلى كتاب سماوي أو تشريع نبوي أو قياس على أحدهما، فحكمه حكم الجاهل الذي يقضي بخلاف الحق، ولهذا قيل قاضيان في النار وقاض في الجنة، فالذي في الجنة قاضي عرف الحق وقضى به واللذان في النار هما الأولان، ولا فضل لحاكم على

стр. 1192

غيره إلا بالعلم والعدل، ورب جاهل ظالم غشم في زماننا لقب بقاضي القضاة بمعنى أحكم الحاكمين كما لقب كافر بملك الملوك وهو مع كفره طاغ باغ، وأكره الناس على الله من تلقب بهذا، كما في الحديث الشريف إذ لا تليق هاتان الصفتان إلا برب العالمين «قالَ» تعالى «يا نُوحُ إِنَّهُ» ابنك الذي تذكرته وغرق مع من غرق «لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ» الذين هم على دينك وليس هو داخل بالوعد الذي وعدتكه «إِنَّهُ عَمَلٌ» بالتنوين وقرىء بكسر الميم فعلا ماضيا أي عمل عملا «غَيْرُ صالِحٍ» وعلى القراءة الثانية تقرأ غير بالنصب على أنها مفعولة لعمل، وعلى القراءة الأولى وهي كون عمل مصدرا فتضم راء غير على أنها صفة للعمل، ويكون المعنى هو نفسه عمل غير صالح لأنه مشرك كافر هذا مبالغة في ذمه لإفناع نوح ﵇ بأنه ليس من أهله، ولذلك أغرقته لكونه غير داخل في الوعد. واعلم أن هذا القراءة جائزة لأنه لم يبدل ولم يغير منها حرف، كما أنه لم يزد ولم ينقص من حروف الكلمة، وإنما التبديل وقع فى الإعراب فقط، وكل ما كان على هذا من القراءات لا بأس فيه، أما ما يقع فيها تبديل أو نقص حرف أو زيادته فلا تجوز ولا تعد قراءة إذ هي تفسير لبعض الكلمات وردت من بعض الأصحاب أو كتبت على هامش مصاحفهم. تدبر هذا واعلم أن أهل الرجل من يجمعه وإباهم نسب أو دين أو ما يجري مجراهما، ولما حكمت الشريعة برفع حكم النسب في كثير من الأحكام بين المسلم والكافر، قال منزل هذه الآية لشريعته الثابتة في أزله إنه ليس من أهلك الذين هم على طريقتك وملّنك، لأنه لم يؤمن بك مثلهم، ولهذا فإن صريح الآية أبانت أنه ليس من أهله، وفي مثل هذا قال القائل: لا ينفع الأصل من هاشم ... إذا كانت النفس من باهله لأن مدار الأهلية هو القرابة الدّينية وقد انقطعت بالكفر، ولذا لم يرث الكافر المؤمن ولا المؤمن الكافر، ولا حجة بخبر سلمان منا أهل البيت فإن المراد به قرابة الدين وهي أقرب من النسب لكن في غير الإرث، قال أبو فراس: كانت مودة سلمان لنا نسبا ... ولم يكن بين نوح وابنه رحم

стр. 1193

وقال الآخر: لقد رفع الإسلام سلمان فارس ... وقد خفض الشرك الحسيب أبا لهب هذا ومن قال إنه ابن زوجته لا يلتفت إلى قوله بعد قول الله تعالى (وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ) وقوله (يا بُنَيَّ) و (إِنَّ ابْنِي) والقول في هذا كالقول بأن آزر عم إبراهيم مع صراحة القرآن بأنه أبوه كما سيأتي في الآية ٧٤ من سورة الأنعام. أما ما قيل إنه من البغي والعياذ بالله، فإنه قول باطل تتنزه ساحة الأنبياء عنه ويخشى على قائله الكفر، واستدلاله بقوله تعالى (إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي) أي من زوجتي لا من صلبي، استدلال واه لا قيمة له ولا عبرة به، كيف وقد سماه ابنه في الآيتين مرتين صراحة ولا بعد صراحة القرآن حاجة إلى تأويل أو كناية، وإنما قال ﵇ من أهلي لأن الله تعالى وعده بإنجاء أهله وهو منهم على ظنه أن الكفر لم يخرجه من معنى الأهلية، لا لأنه كما زعم هذا القائل الجاهل بأحوال الأنبياء المبرئين من كل عيب مادي أو معنوي. أما ما استبعده بعض المفسرين من أنه لا يكون ابن النبي كافرا فبعيد عن الحقيقة، لأن قابيل كافر وهو ابن آدم ﵇، وإبراهيم خليل الله أبوه كافر. وقال ابن عباس ما بغت امرأة نبي قط، ولا يقال كيف طلب النجاة له وهو كافر، لأن رقة الأبوة والأمل من نوبته عند رؤية أهوال الإغراق دعتاه إلى مناداته لعله يسلم وينجو، وهذا من موجبات الدعوة للغير فضلا عن الولد. قال تعالى «فَلا تَسْئَلْنِ» يا رسولي عن شيء «ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ» جاء لنهي في هذه الآية عام مندرج تحته النهي عن سؤاله بعدم إنجائه بدليل الفاء التفريعية، وقد روي عن ابن عباس أنه قال: ضمير إنه من قوله تعالى (إِنَّهُ عَمَلٌ) إلخ، يعود إلى المسألة المستفادة من معنى السؤال، أي مسألتك إياي يا نوح عن ابنك عمل غير صالح لا أرضاه لك، كما رواه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه، وفي رواية جرير سؤالك ما ليس لك به علم عمل غير صالح. ويستدل بهاتين الروايتين اللتين لم تعلم صحتهما القائل بأنه ابن بغي، ويقول إنما أعاد الضمير ابن عباس إلى المسألة حذرا من نسبة الزنى إلى من لا ينسب إليه، وهو ﵁ أجل قدرا من أن يخفى عليه ذلك المعنى أو يتصور من عود الضمير

стр. 1194

إلى ابن نوح ما تصوره هذا الجاهل بقدر الأنبياء، فيسند الضمير إلى من ليس له لئلا يتصور ما يلزم من ذلك المحذور، كيف وهو حبر الأمة وأعلم الناس بمعاني كتاب الله بعد المنزل عليه ووحيه وخلفائه، فعلى العاقل أن لا يلتفت إلى ترهات كهذه تلصق بأعظم الرجال لتؤخذ عنهم وهم منها براء، ومن له مسكة من عقل أو لمعة من إيمان لا يصدق أقوالا كهذه بمجرد نقلها عنهم، لأن كثيرا من الدساس يفعلون هذا، قاتلهم الله وأخزاهم. قال تعالى «إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ٤٦» لمثل هذا وأنت من أصفيائي وكان ﵇ لا يعلم أن سؤاله هذا محظور عليه، ولما علم مما أوحي إليه ربه أن طلبه نجاة ابنه وإدخاله في وعد ربه لا يرضى به ربه رجع واعتذر والتجأ إليه «قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ» بجوازه ورضائك به «وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي» جهلي هذا وخطئي بإقدامي على سؤالك شيئا لا يحق لي سؤاله، ولا يجوز لي طلبه البتة «وَتَرْحَمْنِي» بالعصمة عن العود إلى مثلها برحمتك التي وسعت كل شيء «أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ ٧٤» عملا واحرسني يا سيدي من أن أذهل عن شكر نعمتك، فإن الذهول عنه عندها معاملة خاسرة توجب زوالها. واعلم أن لا دلالة في هذه الآية على عدم عصمة الأنبياء، لأن الله تعالى وعد نوحا بإنجاء أهله وقد اتبع ظاهر هذا الوعد فسأل نجاته، فعاتبه الله تعالى على ما ليس له به علم من استثنائه من أهله في سابق علمه، لأنه كافر مصر على كفره، وبين له أنه ليس من أهله الذين وعده بنجاتهم، وأعلمه بأنه هالك لا محالة مع قومه الظالمين أنفسهم، ونهاه عن مخاطبته فيه، وفي كل ما لا يعلمه مما يوقعه الله تعالى في ملكه، فخاف ﵇ من إقدامه على سؤاله ذلك الذي لم يؤذن له به، فلجأ إلى ربه وسأله المغفرة حالا عن هذا الذنب الذي ليس بذنب عند غير الأنبياء، لأن العبد كلما ازداد قربا من الله تضاعفت خشيته منه، وقد جاء عن سيدنا محمد ﷺ أنه قال أعلمكم بالله وأخشاكم له أنا. وذلك لقربه من ربه ، لأن في ازدياد قربه ازدياد معرفته بربه ووقوفه على بعض عظمته وكبريائه، فيزداد خوفه منه فيستعظم ما يقع منه مما يراه مخالفا للأدب، ولهذا المعنى قبل إن حسنات الأبرار سيئات

стр. 1195

المقربين، وكما أن القرب من الله يكون سببا لكثرة أدبه معه فكذلك القريب من السلطان يكون أكثر من غيره أدبا وخوفا منه لما يرى من بطشه ولتأمين مقامه ومكانته عنده وعند الناس. هذا وليس في الآيات ما يقتضي صدور ذنب أو معصية من نوح ﵇ سوى تأويله وإقدامه على سؤال ربه بنجاة ابنه، وهو مما لا يؤاخذ عليه ولا يستوجب العتبى إلا عتاب الأحباب، وقدمنا في الآية ١٢١ من سورة طه في ج ١ ما يتعلق بعصمة الأنبياء ومعنى ما يصدر منهم فراجعه. قال تعالى «قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ» بسفينتك على المحل الذي استقرت عليه وانزل إلى الأرض المستوية المعتدلة مما حول جبل الجودي «بِسَلامٍ» وأمان من الغرق وتحية «مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ» من ذرية أهل السفينة، وهذه بشارة من الله تعالى إليهم بالنمو والخيرات وإلى قرون تجيء بعده، قال تعالى (وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ) الآية ١٧ من سورة الصافات الآتية، أي إلى يوم القيامة، لأن الخليقة الموجودة الآن منسوبة إلى أولاده الثلاثة سام وحام ويافث، ولهذا يسمى أبا البشر الثاني بعد الأب الأول آدم ﵇، وبهذا يستدل القائل بأن الطوفان عم الأرض كلها، وأن دعوة نوح شملت كل من كان عليها، قال محمد بن كعب القرظي دخل في هذه البشارة كل مؤمن إلى يوم القيامة. وإلى هنا للتمهت قصة نوح ﵇ التي قصها علينا في كتابة. ثم ابتدأ فقال «وَأُمَمٌ» كافرة يحدثون بعدك وينشأون ممن معك «سَنُمَتِّعُهُمْ» في هذه الدنيا بالسعة بالرزق والخفض في العيش والرفعة في الجاه مدة آجالهم «ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا» يوم القيامة جزاء أعمالهم السيئة «عَذابٌ أَلِيمٌ ٤٨» وقال محمد المومى إليه دخل في هذا المتاع والعذاب كل كافر إلى يوم القيامة «تِلْكَ» القصّة التي قصصناها عليك يا محمد «مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ» في جملة الأخبار الغيبية «ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا» القرآن الذي جاءك به ذلك في جملة ما أنزلناه عليك منه، ولا يقال إن هذه القصة معلومة في في التوراة أو غيرها من الكتب فكيف صح قوله (ما كُنْتَ تَعْلَمُها) إلخ، لأنها كانت معروفة على الإجمال، ومنها ما هو بطريق الرمز والإشارة، أما على هذا

стр. 1196

التفصيل فلم يوجد إلا في القرآن ولم يرد ذكرها على هذا الوضوح إلا به، ولأن حضرة الرسول أمي لم يقرأ ولم يكتب ولم يعلم ما في الكتب القديمة، وكذلك قومه جلّهم أمّيّون، ومنهم من لم يسمع بها أيضا، لأن الجهالة باختيار الأمم السابقة وكيفية إهلاكهم غالبة عليهم، فاندفع ما يقال وأخرس القائل. «فَاصْبِرْ» يا سيد الرسل أنت ومن معك من المؤمنين على أذى قومك وتحمل جفاهم حتى يأتي وعد الله، كما أن نوحا ومن بعده من الأنبياء صبروا حتى جاءهم وعد الله «إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ٤٩» ربهم الصابرين على ما يخبرهم به، فيكون لهم النصر والفوز، قال تعالى «وَإِلى عادٍ» أرسلنا «أَخاهُمْ هُوداً» في النسب، لانه منهم لا في الدين الذي نسبه أقرب ولا في الهوى الذي هو تبع لما جاء به حضرة الرسول القائل (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به) وأشار إليه ابن الفارض ﵀ بقوله فيه: كم نسب في الهوى بيننا ... أقرب من نسب من أبوي وتقدم نسب سيدنا هود في الآية ٦٥ من سورة الأعراف في ج ١ «قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ» يستحق العبادة «إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ ٥٠» بعبادتكم غيره كاذبون بادعائكم أن الأصنام آلهة مختلقون ما تزعمون من الشريك له «يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ» أي النصح الذي أسديه لكم وما أبلغه إليكم من رسالة ربي التي فيها هديكم وصلاحكم للخير وخلاصكم من الشر «أَجْراً» جعلا ولا أجرة آخذها منكم لقاءه، لتظنوا أن لي فيكم طمعا ما «إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي» خلقني فهو الذي يرزقني في الدنيا ويثيبني في الآخرة «أَفَلا تَعْقِلُونَ ٥١» وعظي وتأخذون بقولي الذي أبذله لكم مجانا، وهل شيء أنفى للتهمة من هذا فكيف لا تقبلون رشدي؟ واعلم أنه ما من رسول إلا واجه قومه بهذا القول لأن شأنهم الرشد والنصح، وأن مما يمحضها للقبول هو حسم الطمع. وما دام الرسول لا يريد ولا يتوقع شيئا من هداه المادة يجب أن يركن إليه ويجاب دعاؤه، وإذا كان الناصح يجنح إلى المادة أو يتوهم منه طلبها من المنصوح له لا ينجح بدعوته ولا تنفع هدايته «وَيا قَوْمِ

стр. 1197

اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ» مما أنتم عليه من الكفر وآمنوا به وحده «ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ» من الشرك ودواعيه، واخضعوا لعظمته وأنيبوا إليه «يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً» تباعا المرة بعد المرة، أي ينزل عليكم ماءها، إذ تطلق عليه لأنه نازل منها بالنسبة لما نرى وقيل في هذا المعنى: إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا والضمير في رعيناه يعود للغيث المتسبب عن نزول المطر، لأنه هو الذي يرعى لا المطر نفسه، وإنما وعدهم بالغيث لأن بلادهم أجدبت ثلاث سنين متوالية وذهب عنها خصبها بسبب عكوفهم على الأوثان وجنوحهم عن الواحد الديان وردهم دعوة رسوله، فوعدهم إذا هم آمنوا أن يرحمهم الله وبعيد لهم أرضهم خصبة كما كانت قبل المحل «وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ» وذلك أن الله تعالى غضب عليهم فأعقم نساءهم كما أمحل أرضهم، فوعدهم نبيهم بأنهم إذا آمنوا يعيد أرحام نسائهم إلى النتاج كما كانت عليه قبل أيضا، فيزداد عددهم وتقوى شكيتهم فتزداد قوتهم في المال والولد والرزق «وَلا تَتَوَلَّوْا» عني وتعرضوا عن نصحي فتكونوا قوما «مُجْرِمِينَ ٥٢» متلبسين الإثم مصدر أجرم إذا أذنب وجنى ويأتي على فلة من جرم وعليه قوله: طريد عشيرة ورهين ذنب ... بما جرمت يدي وجنى لساني «قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ» واضحة وبرهان ناصع وحجة ظاهرة ودليل قاطع على صحة قولك «وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ» المجرد عن المعجزة وتقول العرب حتى الآن (جئتني بإثمك) أي بلا شيء معك غير الكلام المجرد، وإذا كنت كذلك فلا نتبعك «وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ٥٣» فيما تقول أو تأتي به «إِنْ نَقُولُ» أي ما نقول «إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ» بجنون لأنك تسبّها فخبلتك انتقاما لكراهتها ففسد عقلك «قالَ» ألكم آلهة تفعل شيئا معاذ الله «إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ» على ما أقوله لكم «وَاشْهَدُوا» أنتم علي بأني أحقر آلهتكم وأجهلكم بعبادتها و «أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ٥٤» شيئا «مِنْ دُونِهِ» أي الإله الواحد الذي لا شريك له «فَكِيدُونِي جَمِيعاً»

стр. 1198

أنتم وشركاؤكم «ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ ٥٥» ولا تمهلوني لحظة واحدة إن صح قولكم إن لآلهتكم قدرة على إضرار من ينالها بسوء أو يصد عن عبادتها، وقد صارحتكم وأشهدتكم وتحديتكم فلا تتسامحوا معي مثقال ذرة، وهذا الحزم والعزم البالغان الغاية القصوى من معجزاته ﷺ لأنه كان وحيدا فيهم ولم يهبهم على ما هم عليه من الجبروت لما هو عليه من الثقة بالله، ثم كر عليهم بالتحدي فقال «إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ» بقصد التعريض بهم والتقريع بأوثانهم التي يزعمونها آلهة بأنها ليست برب لهم ولا يتوكل عليها وإن ربهم ورب شركائهم هو الله ربه ورب كل شيء «ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها» مالكها وقاهرها وميسرها لما خلقت له وفاقا لسابق علمه بها، لأن من أخذت بشعر مقدم رأسه فقد قهرته والناصية هي مقدم الرأس، وأطلق على الشعر النابت فيها للمجاورة، وإنما خصها بالذكر لأن العرب إذا وصفوا إنسانا بالذل قالوا ناصيته بيد فلان، وكانوا إذا أسروا أسيرا وأرادوا إطلاقه جزّوا ناصيته ليمنّوا عليه ويفخروا بذلك، فخاطبهم الله تعالى بما يعرفون، ثم أكد لهم ذلك بقوله عز قوله «إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ٥٦» يسير فيه خلقه كلا بما يناسبه بحسب فطرته التي فطر عليها أزلا كما هو مدون في لوحه، لا تبديل لخلق الله، وهو جل شأنه عدل لا يضيع عنده معتصم، ولا يفوته ظالم، مطلع على أمور عباده، مجاز لهم بمقتضى أعمالهم، كالواقف على الجادة ليحفظها ويدفع الضرر عن المارين بها بالنسبة لما تعرفون. وهذا كقوله تعالى (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ) الآية ١٤ من سورة والفجر، قال تعالى «فَإِنْ تَوَلَّوْا» عنك وأعرضوا عن نصحك ولم يؤمنوا فقل لهم «فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ» من الله «إِلَيْكُمْ» وقمت بما أوجبه علي من تبشيركم وإنذاركم، فإن لم تسمعوا وتطيعوا فلا بد من إهلاككم «وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ» لإعمار أرضه وخلافته فيها «وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً» بتوليتكم عن طاعته وإنما تضرون أنفسكم «إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ٥٧» ومن جملة الأشياء أنا فإنه لا محالة حافظي من تعديكم بمقتضى وعده إياي بذلك وهو لا يخلف الميعاد وكل هذا لم ينجع بهم وبقوا مصرين على كفرهم فحق عليهم العذاب، قال تعالى «وَلَمَّا

стр. 1199

جاءَ أَمْرُنا» بإهلاكهم وحل أوانه المقدر لإنزاله بهم «نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ» وهم على ما قيل أربعة آلاف «بِرَحْمَةٍ مِنَّا» ورأفة بهم، لأن البلاء إذا نزل بمدينة أو قوم عم الكافر والمؤمن، ولكن كرما منه تعالى وفضلا قد أنجى المؤمنين من عذاب الدنيا الذي أوقعه بقومهم عقوبة مقدمة ولعذاب الآخرة أشدّ وأخزى وأدوم «وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ ٥٨» في الآخرة كما أنجيناهم من عذاب الدنيا، ووصفه بالغلظة لأنه عظيم بالنسبة لعذاب الدنيا، وكان إهلاكهم بالريح الشديدة مدة سبع ليال وثمانية أيام حسوما نحسات كما ذكر الله، راجع قصتهم مفصّلة في الآية ٧٢ من سورة الأعراف في ج ١، وأشير إليها اجمالا في أكثر السور، وقد صادف ذكرها الآن خلال الأيام المذكورة المسماة عندنا بالعجوز والحسوم، إذ أن هذا اليوم من أوسطها يوم الخميس في ٢٧ شباط سنة ٩٢٨، وهذا من جملة الصدف التي وافقت تفسير بعض الآيات المشار إليها في هذا التفسير قال تعالى «وَتِلْكَ» القبيلة المهلكة هي «عادٌ» وسبب إهلاكهم هو أنهم «جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ» هودا فمن قبله «وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ٥٩» من رؤسائهم المتمردين على الله المترفعين عن قبول الحق عنادا «وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً» رديفا إلى لعنتهم في الآخرة الملمع إليها بقوله تعالى «وَيَوْمَ الْقِيامَةِ» أتبعهم لعنة أيضا، وحذفت من الأخيرة لدلالة الأولى عليها راجع الآية ٣٠ من سورة آل عمران ج ٣، وبين سبب هاتين اللعنتين بقوله «أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ» ولم يشكروا نعمه «أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ ٦٠» عطف بيان على عاد لأن عادا قبيلتان قبيلة هود وقبيلة عاد إرم أي العماليق المار ذكرهم في الآية ٨ من سورة والفجر في ج ١، فقال تعالى هنا قوم هود ليزول الاشتباه أي أهلكوا هلاكا أي هلاك، فسحقا لهم وبعدا لا يدرى مداه، بدليل التكرار، لأن العنة معناها البعد أيضا فكررها بعبارتين مختلفتين دلالة على نهاية التأكيد، كما أن تكرار التنبيه بألا مع النداء المستتر بالدعاء عليهم يدل على التهويل وتفظيع حالهم، ويبعث على الاعتبار بهم والحذر من أفعالهم، قال تعالى «وَإِلى ثَمُودَ» أرسلنا «أَخاهُمْ صالِحاً» بالنسب أيضا لأنه منهم

стр. 1200

وقد مر نسبه أيضا في الآية ٧٣ من سورة الأعراف في ج ١، وهم سكان الحجر وثمود اسم للقبيلة والثمد الماء القليل «قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ» البتة «هُوَ» الذي «أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ» وحده لا شريك له «وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها» فأطال أعماركم وجعلكم سكانها وعمارها. مطلب سبب طول العمر وبقاء الحكم كثيرا عند البعض: قالوا كان أحدهم يعيش كثيرا وتتراوح أعمارهم ما بين ثلاثمائة وألف سنة، وكان قوم عاد كذلك، وسئل نبي من أنبياء زمانهم عن سبب طول أعمارهم، فقال لأنهم عمروا البلاد وعاش بها العباد. وقيل إن الله أوحى لنبي من أنبيائهم بهذا، وقال معاوية لرجل أحيا أرضا آخر عمره ما حملك على هذا؟ قال قول القائل: ليس الفتى بفتى يستفاد به ... ولا يكون له في الأرض آثار وسئل عن بقاء حكمهم، فقال لأنهم لا يولون إلا ذوي العقول، ولا يحكمون إلا ذوي الأصول، ولا يعاقبون إلا بقدر الذنب لا يقدر البغض، ولا يكافئون إلا بقدر العمل لا بقدر المحبة، وقيل إن هذين السؤالين وقعا على ملوك الفرس والله أعلم. «فَاسْتَغْفِرُوهُ» عما سلف منكم من الذنوب «ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ» توبة نصوحا لا عودة فيها وأطيعوه وآمنوا به «إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ» رحمته من عباده المؤمنين لا يحول بينه وبينهم حائل «مُجِيبٌ ٦١» لدعائهم قابل رجوعهم غافر لما كان منهم «قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا» بأن تسعدنا ونفخر بك، لأنك ذو حسب ونسب فينا، ولأنّك تعين الضعيف وتبر الفقير وتحترم الناس، وكنا نطمع بك تأييد ديننا أيضا مع السيادة علينا «قَبْلَ هذا» القول الذي صدر منك حيث أسأتنا به وخيّبت آمالنا فيك «أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا» من الآلهة وقد عاش أسلافنا عليها لا لا تفعل هذا، فإن أملنا بك غيره «وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ» من عبادة إلهك وحده دون آلهتنا «مُرِيبٍ ٦٢» يوقعنا في مرية من أمرك وما تدعونا إليه، والريبة قلق النفس وانتفاء الطمأنينة والوقوع في الشبهة والركون إلى التهمة «قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ

стр. 1201

إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً» لآتيها لكم وتشاركوني في منافعها، إذ أمرني أن أدعوكم إليها لإرشادكم إلى الهدى فإذا لم أفعل «فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ» الذي شرفني بالرسالة إليكم وأوجب علي إنذاركم بالكف عن الكفر «إِنْ عَصَيْتُهُ» بعد تبليغكم رسالته وتبشيركم بجنة دائمة النعيم إذا أجبتم دعوتي وآمنتم بربي «فَما تَزِيدُونَنِي» بما ذكرتم من تعجبكم عن نهيي إياكم من عبادة الأوثان «غَيْرَ تَخْسِيرٍ ٦٣» بنسبتكم إياي إلى الخسارة أو نسبتي إياكم إلى الخسران، أي لا تفيدوني غير العلم بخسارتكم مما أدعوكم إليه من الرشد وسلوك طريق الصواب، أما أنا فلست خسرانا شيئا إلا خسارتكم وحرمانكم من فضل الله تعالى الذي وعدة لكم إن اتبعتموني ورفضتم ما أنتم عليه، فقالوا له إن كنت صادقا فآتنا بآية تدل على صدقك، فقال لهم سلوا ما شئتم، قالوا أن تخرج لنا ناقة من هذه الصخرة لصخرة كانت عندهم، قال ربه، فأجابه فقال «وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً» عظيمة واضحة على صدقي كما طلبتم «فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ» من نباته كسائر أنعامه لتدرّ لكم اللين فتشربونه مجانا دون أن أكافئكم مؤنتها «وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ» بأن تضربوها أو تعقروها، لأنكم إذا فعلتم بها شيئا «فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ ٦٤» في الدنيا لأنها من آيات الله وهو يغتار لآياته إن أهينت، فخالفوا أمره رغم تحذيرهم مغبة مخالفته وتهديدهم بعقاب الله إن هم مسوها بسوء، فأقدموا عليها «فَعَقَرُوها فَقالَ» لهم نبيهم أما وقد فعلتم ذلك «تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ» وفي آخرها يحل بكم عذاب الله إذ أخبرني بأنكم لا تعيشون في الدنيا غيرها لمخالفتكم أمري والدار تطلق على البلد وعلى الساحة جمع دارة وسوح قال أمية بن الصلت: له داع بمكة مشتعل ... وآخر فوق دارته ينادي وتطلق على الدنيا أيضا، والمشتعل الرجل الطويل الخفيف اللطيف، فقالوا له أمهلنا أكثر من ذلك على طريق الاستهزاء فقال لهم «ذلِكَ» الوعيد الذي أخبرتكم به «وَعْدٌ» صادق لا يبدل ولا يغير، لأنه صادر من الإله العظيم، فافعلوا ما شئتم فإنه «غَيْرُ مَكْذُوبٍ ٦٥» فيه أبدا وستجدون عاقبة سخريتكم

стр. 1202

هذه، قال تعالى «فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا» بإهلاكهم وانقضى أجلهم المقدر عليه أزلا أنزلناه بهم و «نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ» منه «بِرَحْمَةٍ» وفضل ولطف «مِنَّا وَ» نجيناهم (مِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ» أي ذلّه وهوانه إذ لا أخزى ممن كان هلاكه بغضب الله وانتقامه وقرىء (يَوْمِئِذٍ) بفتح الميم لأنه أضيف إلى غير متمكن، وهكذا إذا أضيف إلى الفعل فيكون مبنيا على الفتح أيضا، وقد وقع عليهم العذاب بشدة «إِنَّ رَبَّكَ» يا أكرم الرسل الذي يخبرك بحوادث من قبلك «هُوَ الْقَوِيُّ» على هذا الإهلاك الفظيع لأعدائه، وإنجاء أوليائه وأحبابه، الذين يحتفظون بدينه وينصرون عباده ويحفظون فقراءه، وهو «الْعَزِيزُ ٦٦» الغالب الذي لا يضاهيه أحد ولا يفلت من عذابه أحد «وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ» من قبل ملائكة الله والظاهر انه إسرافيل لأنه الموكل بصيحة القيامة وهي صيحة عظيمة دونها كل صوت صاعقة وكل شيء في الأرض فتقطعت قلوبهم من هولها فهلكوا جميعا وسبب إهلاكهم بالصيحة، لأنهم لم يرقّوا لصياح نبيهم وصياح فصيل الناقة، ولم يرحموا ثعاءه، ولم تلن قلوبهم لصياح أمه حين عقروها، والجزاء من جنس العمل «فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ ٦٧» على ركبهم قعودا خامدين صرعى هالكين لا حراك بهم «كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها» ولم يتوطنوا في الدنيا ولم يقيموا بها ولم يسكنوها أبدا، يقال غنى بالمكان إذا أتاه وأقام به ثم نبه تعالى على سبب إهلاكهم بقوله عز قوله «أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ» بعد إنعامه عليهم وإجابة طلبهم ألا بعدا لثمود ٦٨ تقدم مثله آنفا وذكرنا القصة مفصلة في الآية ٧٩ من الأعراف في ج ١، قال تعالى «وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى» بأن يأتيه ولد وحفيد والرسل هم الملائكة فلما دخلوا عليه «قالُوا سَلاماً» كأنه قيل له ما قالت الرسل لأن في مجيئهم مظنة لسؤال السامع بهم، لأنهم غالبا يأنون بالعذاب تنفيذا لأمر الله، فأجابهم إبراهيم بما ذكر الله «قالَ سَلامٌ» عليكم إذ ظنّهم ضيوفا، وكان عادته إقراء الضيف بدليل قوله تعالى «فَما لَبِثَ» تأخر وأبطا إلا «أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ٦٩» مشوي وكان ﵇ اعتاد أن يلف العجل كله بالعجين ويشويه بالتنور وهو من أحسن أنواع الأكل لا يعدله

стр. 1203

شيء من الأطعمة عند من يحسن عمله، وفي تقديم العجل كله إشارة إلى استحباب تقديم الأكل إلى الضيفان بزيادة عن كفايتهم، ومنه ﵇ أخذت عادة تقديم الذبيحة كلها إلى الضيوف والإسراع بتقديم القري لاحتمال أنهم جياع، وذلك من آداب الضيافة لما فيها من الاعتناء بالضيف، وهذا من مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب، ومن دلائل الإيمان. مطلب إقراء الضيف ومعنى الضحك وحقيقته: روى البخاري ومسلم عن ابن شريح قال: قال رسول الله ﷺ : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه. ورويا عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه. وفي خبر آخر قال ﷺ : من ذبح لضيفه كانت فداءه من النار. ومن السنة تلقي الضيف بطلاقة وجه، لأن البشاشة خير من القري، وأن يبالغ في خدمته بنسبته، لأن زيادة التواضع تخاسس، والعرب لا شك لا تألو جهدا في هذا الشأن، حتى أن أحدهم ليستدين ويكرم ضيفه، إلا أن التكليف للضيف بغير المستطاع مكروه، قال ﷺ : أنا وأنقياء أمتي براء من التكلف، وقد جاء عن أنس وغيره من الأصحاب أنهم كانوا يقدمون الكسرة اليابة وحشف التمر ويقولون ما ندري أيها أعظم وزرا الذي يحتقر ما قدم إليه أو الذي يحتقر ما عنده أن يقدمه، وأن يخدمهم بنفسه، كما فعل إبراهيم ﵇، ويظهر لهم السرور ويأكل معهم، ويطيل الحديث على الأكل، ولا ينظر إلى أكلهم، ويكرم دوابهم وخدمهم إن كان ذلك ليزدادوا سرورا، ومن السنة أن يحدث أضيافه بما يسرهم، وأن يقدم الألوان دفعة واحدة، أو يخبرهم بها ليأكل مما يشتهيه، وأن يشيعهم إلى باب الدار إن كانوا من أهل البلد، وإلى آخره إن كانوا غرباء عنه، ولهذا البحث صلة في الآية ٤٤ من سورة الذاريات، والآية ٥ من سورة الحجر الآتيتين، قال تعالى «فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ» أي العجل المقدم إليهم،

стр. 1204

وهذا يدل على أنه ﵇ لا يعرفهم أنهم ملائكة وإلا لما قدم إليهم شيئا لأنه يعلم أن الملائكة لا يأكلون، وهذا كاف للرد على من قال إنه يعرفهم، ويؤيد عدم معرفته لهم قوله تعالى «نَكِرَهُمْ» خاف منهم، لأن الضيف إذا مس الطعام أمنه المضيف وإلا خاف منه وحذره، ولهذا قال تعالى «وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً» في قلبه لأن الوجس رعب القلب ولهذا فإن من خال أنه يعرفهم فقد أخطأ المرمى ويؤكد خطأه قوله تعالى حكاية عنهم «قالُوا لا تَخَفْ» يا إبراهيم إذ عرفوا خوفه من هيولاء فأمنوه وبينوا له أنفسهم ليسكن روعه، فقالوا نحن رسل ربك «إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى» إهلاك «قَوْمِ لُوطٍ ٧٠» لتجاوزهم عليه «وَ» كان «امْرَأَتُهُ» سارة بنت عمه بتشديد الراء وتخفيفه كما ذكره صاحب الجمل على الجلالين «قائِمَةٌ» بالرفع على أن الواو من (وَامْرَأَتُهُ) للحال أي حاضرة في خدمتهم، لأن النساء إذ ذاك لا يحتجبن، ولا سيما العجائز، وما قيل إنها كانت وراء الستر وهو ما يسمونه الآن عرب البادية (خدرة) وهي بساط ثخين كبير يوضع فاصلا ما بين مقعد الرجال ومقر النساء في بيوت الشعر في البوادي والقرى. والحجاب من خصائص هذه الأمة، أما حرمة النظر فلا، إذ جاء في الإنجيل من نظر إلى أجنبية يشتهيها فهو يزني. قال تعالى حكاية عن سارة ﵂ «فَضَحِكَتْ» سرورا بزوال الخوف الذي توقعته من عدم أكلهم، ومن فسره هنا بمعنى الحيض، فقد صرفه عن معناه الحقيقي، وإن كثيرا من العلماء أنكروا مجيء الضحك بمعنى الحيض، وما استدل به بعضهم من قوله: تضحك الضبع لقتلي هذيل ... وترى الذئب بها يستهل وقول الآخر: تضحك الضبع من دماء سليم ... إذ رأتها على الحراب تمور بأن الضحك فيها بمعنى الحيض خطأ بين، لأن الشاعر أراد أنها تكشر بأنيابها عند أكل اللحم، فمن زعم أن كثرها هذا ضحك أي حيض فقد سها ولم يفرق بين الريم والمها، ولو أراده تعالى لقال حاضت لأنه لفظ جاء ذكره مرارا في سورة البقرة والطلاق فلا يقال لم يذكره لأنه مستهجن، هذا وحقيقة الضحك انبساط

стр. 1205

الوجه من سرور النفس ويستعمل في السرور المجرد في التعجب وسميت مقدمات الأسنان ضواحك لبدوها عند الضحك، وما قاله بعض اللّغويين ان ضحكت بمعنى حاضت، واستدل ببعض أقوال العرب فجائز، إلا أنه فيما نحن بصدده هنا لا ينطق على المعنى المراد، والله أعلم. قالوا إن إبراهيم ﵇ قال لضيفانه لماذا لا تأكلون؟ فقالوا له لا تأكل طعاما بلا ثمن، فقال ثمنه ذكر الله أوله، وحمده آخره، فقال جبريل لميكائيل حق لهذا أن يتخذه ربه خليلا. قالوا وضحكت سارة تعجبا لأنها وزوجها يخدمونهم بأنفسهما وهم لا يمدون أيديهم إلى الطعام الذي هو من أحسن الأطعمة إذ ذاك، وقد يكون الآن أيضا من أحسنها عند كثير من الناس، وقيل إنها ضحكت من غفلة قوم لوط وقرب العذاب منهم، والصحيح الأول، لأنها لا تعرف سبب مجيئهم أولا حتى تضحك تعجبا من ذلك، ومن قال إنها ضحكت بالبشارة من أن يكون لها ولد وحفيد على كبر سنها، فهو سابق لأوانه، لأن الملائكة لم تذكر هذه البشارة أولا. قال تعالى «فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ» ولد لإبراهيم منها «وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ» ٧١ حفيدا لها من ابنها اسحق، وفي هذه الآية بشارة أخرى بطول عمرهما حتى يريا ولدهما يكبر ويتزوج ويأتيه ولد، وإنما خصّت بالبشارة دون إبراهيم، مع أنها لهما جميعا لأن النساء أشدّ فرحا وأعظم سرورا بذلك من الرجل، ولأن إبراهيم له ولد من جاريتها هاجر، وهو إسماعيل ﵇ جد نبينا محمد ﷺ وسائر الأنبياء من اسحق أي من إبراهيم، فما بعد، أما من تقدمه كهود وصالح وغيرهما ممن لم يقصه الله علينا، فإنهم من سيدنا نوح ﵇ وهو ومن تقدمه كإدريس وشيث وغيرهما من آدم ﵇ «قالَتْ يا وَيْلَتى» كلمة يستعملها الناس عند رؤية أو سماع ما يتعجب منه مثل يا عجباه نداء ندبة «وأصلها (ويلتي) فأبدل الألف من ياء المتكلم للمضاف «أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ» كيف يكون هذا زاعمة أنه من المحال بالنسبة لمثلها، لأنها كانت بنت تسعين سنة على ما قالوا «وَهذا بَعْلِي شَيْخاً» زوجي مسنا كبيرا قالوا كان ابن مئة وعشرين سنة، والبعل هو المستعلي على غيره، ولما كان الزوج مستعليا على المرأة قائما بأمرها سمي بعلا، قال تعالى (الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى

стр. 1206

النِّساءِ) الآية ٣٤ من سورة النساء ج ٣، والشيخ لغة من بلغ سن الأربعين، واصطلاحا من بلغ رتبة أهل الفضل ولو صغيرا، وبعد أن استفهمت استفهام تعجب واستبعاد أكدته بقولها «إِنَّ هذا» الذي أخبرتموني به «لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ٧٢» مخالف للعادة، إذ لا يتصور أن مثلي يلد لمثله، ولا يتوهم ذلك أصلا، ولم يكن تعجبها هذا من قدرة الله تعالى، لانها تعلم أنه أقدر على أكثر من ذلك، كيف وقد نجى زوجها من النار ومن كيد النمرود وحفظها من الجبار الذي أراد أخذها من زوجها، وإنما تعجبت من حالها وحال زوجها بالنسبة للبشارة ليس إلا، «قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ» الذي يخرج الحي من الميت والميت من الحي ويحي الأرض بعد موتها كلا، لا تعجبي فإن الله أقدر على أن يجعل العجوز مثلك تلد من الشيخ الذي هو مثل زوجك، فقالت لا عجب من أمر الله، وإنما من أمري وأمر بعلي، فلما أعجبهم كلامها دعوا لهما بما ذكر الله، وهو «رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ» آل إبراهيم «إِنَّهُ حَمِيدٌ» على أفعاله كلها ومنها تعجيل النعم وتأجيل النّقم «مَجِيدٌ ٧٣» شريف منيع لا يرام كريم جواد واسع العطاء، وإن كلمة مجيد كررت في القرآن أربع مرات فقط هنا وفي أول ق وفي الآيتين ١٥/ ٢١ من سورة البروج المارتين في ج ١، قال تعالى «فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ» الخوف الذي نشأ من عدم إقدامهم على أكله «وَجاءَتْهُ الْبُشْرى» بالولد والحفيد، المتضمنة إطالة عمره بعد هرمه شرع «يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ ٧٤» لانه لما علم أنهم ملائكة الله وعلم أن مجيئهم لإهلاك قوم لوط سبب مساوئهم الخبيثة وتعديهم على نبيهم، قال لهم أرأيتم لو كان في مدائن لوط خمسون مؤمنا أتهلكونها؟ قالوا له لا، ثم لم يزل بهم حتى قال مؤمن واحد قالوا لا، كما في بحث التكوين ص ١٨ من التوراة، قال لهم إن فيها لوطّا، قالوا نحن أعلم بمن فيها وإنا لننجينه بأمر الله وأهله إلا امرأته، ونظير هذا في الآية ٣٢ من سورة العنكبوت الآتية، ثم طلب تأخير العذاب عنهم علّهم يؤمنون، فبين الله تعالى أن الذي حمل إبراهم على هذه المجادلة مع الملائكة ما هو مجبول عليه من الشفقة على عباد الله، ومشرب فيه من الصفات

стр. 1207

التي ذكرها الله بقوله «إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ» لا يحب تعجيل العقوبة على من يسيء إليه، كثير الاحتمال للأذى، صفوح عن زلة غيره، عفو على من اعتدى عليه «أَوَّاهٌ» كثير التأوه والتحسر خوفا من الله «مُنِيبٌ ٧٥» رجاع إلى الله رقيق القلب شديد الرأفة عظيم الإخبات إلى ربه كبير الرحمة بعباد الله، فهذه الصفات الجليلة حملته على الاستغفار لأبية كما أدت به إلى طلب تأخير العذاب عن قوم لوط، لأن الكامل لا يقصر خيره على الأقارب فقط بل يعم من عرف ومن لم يعرف، ولما كان الأمر بالإهلاك لا محيص عنه مقضيا مبرما بعلم الله جفّ القلم به في اللوح المحفوظ، خاطبه ربه لأن الملائكة لا تقدر أن ترده لعلمهم بقربه من الله واتخاذه خليلا له، قال عز قوله «يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا» الأمر لا تطلب تأخير عذاب جفت به الصحف عن أمري واترك رسلنا وشأنهم في تنفيذه «إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ» الذي لا راد له «وَإِنَّهُمْ» قوم لوط البغاة الذين تجاوزوا حدود الله بشيء لم يسبقوا به، ولولا هم لم يعرف «آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ٧٦» بدعاء ولا جدال ولا بطريق من الطرق، فسكت إبراهيم وترك جدال الملائكة لما عرف أن الأمر مقطوع به من عند الله لا حول لأحد ولا طول بتأخيره عن وقته طرفة عين، فخرج الملائكة من عنده وتوجهوا إلى قرى لوط وكان بينهما أربعة فراسخ. مطلب قصة لوط ﵇ وعرض بناته على أشراف قومه لتخليص ضيوفه الكرام: قال تعالى «وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ» ﵇ وحزن لأنه رآهم بصفة رجال حسان مرد، وخاف عليهم من تعدي قومه «وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً» صدرا ولم تكرر هذه الكلمة في القرآن، والذرع الوسع تقول العرب ليس هذا في يدي أي في وسعي، والذراع من اليد مر ذكره في الآية ٣٩ المارة ويقولون ضاق فلان ذرعا إذا وقع في مكروه لا يطيق الخروج منه، لأن الذرع يوضع موضع الطاقة، والمعنى ضاق بمكانهم صدره ﵇ لأنهم اعتادوا القبائح وعمل الفاحشة مع كل من قدروا عليه من المارين في قريتهم وغيرها، لا يراعون

стр. 1208

حرمة أحد ولا يذعنون لنهيه، وإنما قلق باله ﵇ لظنه أنهم من الإنس ولعلمه أنه لا يقدر على تخليصهم من مراودة قومه الخبثاء «وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ ٧٧» شديد، كأنه قد عصب وربط بالشر والبلاء، ولم تتكرر هذه الكلمة أيضا بالقرآن، روي أن الله تعالى قال للملائكة لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم نبيهم أربع شهادات باستحقاقهم الإهلاك، فقام ﵇ واستقبلهم على ما هو عليه من الكرب، ومشى معهم إلى منزله الخاص بالضيفان، وقال لهم أما بلغكم أمر هذه القرية، قالوا وما أمرهم؟ فقص عليهم حالتهم الخبيثة مع الناس وبعضهم وقال أشهد بالله أنهم لشر أهل قرية في الأرض، وكررها أربع مرات لشدة تأثره منهم، وكلما قالها مرة يقول جبريل لرفقائه اشهدوا، فدخلوا معه المنزل ولم يعلم بهم أحد من قومه، وقد عجب هو ﵇ من أمرهم كيف دخلوا ولم يتعرضهم أحد، ولم يعلم أنهم ملائكة، والملائكة يوجدون بالمحل الذي يريدونه بمثل البرق فمن أين يتوصل إليهم الناس، فلما رأتهم امرأته التي هي من أهل القرية خرجت فأخبرت قومها بهم، فلما سمعوا قولها بادروا وتوافدوا على بيت لوط، قال تعالى «وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ» يسرعون المشي نحوه، والهرع مشى بين الخبب والهرولة والجمز فصاروا من كثرتهم كأنهم يدفعون دفعا «وَمِنْ قَبْلُ» مجيئهم هذا «كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ» الفعلات الخبيثات وهي إتيانهم الرجال، فتلقاهم لوط و «قالَ يا قَوْمِ» اتركوا ضيفاني لا تعتدوا عليهم وإن كنتم لا تراعون خاطري وتقصدون فضيحتي ولا بد لكم مما عزمتم عليه فدونكم «هؤُلاءِ بَناتِي» اللاتي كنتم تخطبونهن مني وكنت أمتنع من زواجهن لكم لأنكم على غير ديني، وهذا الخطاب لملأ قومه ﵇ الذين كانوا خطبوهن منه قبل هذه الحادثة، وقد فداهنّ للمحافظة على ضيفانه، وقال لهم «هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ» مما أنتم قادمون عليه وقاصدون فعله فإني أفتدي أضيافي بهن وأوافق الآن على زواجهن لكم أيها الوجهاء، فادفعوا قومكم وانصروني واحموا أضيافي منهم، وكان في شريعته ﵇ جواز زواج المسلمة من الكافر، وكان امتناعه من زواجهن لأشرافهم بقصد جلبهم للإيمان به، واستدامت هذه الشريعة لزمن محمد صلى الله عليه وسلم

стр. 1209

إذ زوج بنته زينب لأبي العاص وهو كافر ورقية إلى عتبة وهو كافر حتى نزل الوحي بالمنع في المدينة المنورة، فحرم زواج المؤمنة بالكافر، ولا تزال الحرمة حتى الآن كما سيأتي بيانه في الآية ٢٣٠ من البقرة في ج ٣، وستدوم هذه الشريعة المطهرة إن شاء الله إلى يوم القيامة، وعلى هذا يظهر أن الامتناع من إعطائهن إلى أشراف قومه هو ما ذكرنا لأنه يرى عدم كفاءتهم لهن لما هم عليه من العمل القبيح، لا لأجل منع شرعي غيره، وإنما بادرهم بهذا الكلام ليكفوا عن أضيافه، وإن كان ليس من المروءة أن يعرض الرجل بنته على غيره ليتزوج بها لا سيما وهم كفار وهو نبي مكرم على الله، ولا يليق بمنصبه الشريف ذلك، ولكن للضرورة أحكام والضرورات تبيح المحظورات، وتفسير البنات بيناته نفسه ﵇ جاء على الحقيقة وموافق لسياق التنزيل، أما من قال إن المراد ببناته نساؤهم لأن النبي كالوالد والأمة كالولد له ولهذا أضافهن لنفسه، لأن كل نبي أب لأمته، فهو قول وجيه إلا أن المراد حينئذ المجاز لا الحقيقة، ولا يصرف القول إلى المجاز إلا إذا تعذرت الحقيقة، وإن من رأي أن الأخذ بالمجاز هنا متعذر لعدم الصارف فسر بما فسرناه عملا بحقيقة اللفظ وظاهر القرآن، وإلا فلا، لأن المعتل معتل أبدا مهما علّلته، والضمير لا يرتاح إلى ما به علّة دون أن يقف على الصارف أو المانع، وقد مر في الآية ٤٧ ما يتعلق بمثل هذا فراجعه، إلا أنه لما كان القوم كثيرين وبناته ثلاثا أو اثنتين وللفظ يؤيد الأول وليس يكفين كبار قومه رأي بعض المفسرين الأخذ بالمجاز أشبه من الحقيقة استنادا إلى هذا التعليل العليل، ويكون قوله لنسائهم بناتي مبالغة في التودد إليهم والتواضع هم وإظهارا لشدة امتعاضه مما أوردوه عليه طعما في أن يستحيوا منه ويرقوا له، فيتركوا ضيوفه عند سماع قوله هذا مع ظهور الأمر عنده واستقرار العلم عندهم، إذ لا مناكحة بينه وبينهم، فأقول هذا هو المناسب ويجوز القول به أنه هو الصحيح لولا قوله تعالى الآتي في الآية التالية لأنه صريح بأنهن بناته نفسه، وأنه إذا صاهرهم بهن فيكونون أصهاره وهم وجوه قومهم حماة له من تعدي الآخرين، وقد يوجد كبير واحد يحمي من ألف وأكثر إذ ليس شيء بألف مثله إلا الإنسان وهو بحاجة للنصرة لما ذكرنا أنه

стр. 1210

غريب عنهم لا علاقة معهم إلا بمصاهرتهم، هذا ولا يقال إنه يفهم من قوله تعالى هن أطهر لكم أن إتيان الرجال طاهر لأنه جاء بأفعل التفضيل، وكلما كان كذلك يؤذن بوجود رائحة الأفضلية في المفضول أيضا كما تقول فلان أعلم من فلان فإنه يقتضي وجود علم ما بالمفضول لأن الكلام خرج مخرج المقابلة وله نظائر كثيرة منها قوله ﷺ لما قال المشركون يوم أحد (أعل هبل) ثم قالوا إن لنا العزى ولا عزى لكم، قال لأصحابه ردوا عليهم فقالوا ما نقول يا رسول الله؟ قال قولوا الله أعلى وأجل، وقولوا الله مولانا ولا مولى لكم. إذ لا مماثلة بين الله تعالى والصنم فضلا عن المفاضلة، ومنها قوله تعالى (أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ) الآية ٢٦ من سورة الصافات الآتية، ومعلوم أن شجرة الزّقوم لا خير فيها البتة حتى يظن التفاضل بينها وبين المشار إليه وهو الفوز العظيم بنعيم الجنة، فأفعل فيها مجاز وهو عبارة عن كلام جار مجرى ما في الخبرين والآية، لأنه من المعلوم أن إتيان الرجال محرم نجس فمن أين تناله الطهارة ليتصور ما يزعم من مفهوم الآية، فتنبه أرشدك الله لعلو مكارم الأخلاق وارتفاع محاسن الآداب. قال تعالى «فَاتَّقُوا اللَّهَ» أيها الناس وآثروا الطاهر النقي على النجس الخبيث «وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي» تسوؤني فيه وتفضحوني بما تريدونه منهم فتهينوني وتذلوني أمامهم وجاء في الآية ٧١ من سورة الحجر الآتية (إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ) أي ما آمركم به وأنهاكم عنه أو إن كنتم تريدون قضاء الشهوة فاقضوها فيما أحل لكم واتركوا الحرام الذي في عاقبته خذلانكم «أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ ٧٨» سديد العقل صحيح الرأي يفعل الجميل ويكف عن القبيح، وهذا الاستفهام للتعجب أي إنكم على كثرتكم وادعائكم العقل السليم ما فيكم واحد يسمع قولي ويزجر قومه عن ذلك «قالُوا» معرضين عن قبول النصح غير مبالين بكرامة نبيهم «لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ» في نكاحهن لأنك تزعم أننا لسنا بأكفاء لهن لإيمانهن بك وكفرنا ولما نحن عليه من الفعل الذي تكرهه، هذا على القول الأول الذي جرينا عليه وهو المقبول وعليه المعول، وعلى القول الثاني فإن صاحبه يفسر الحق في هذه الآية الصريحة بأنهن بناته نفسه بالشهوة، أي مالنا شهوة في وقاع

стр. 1211

النساء، أي نسائنا الذين تزعم أنهن بناتك وما لنا حاجة بهن، وهو لعمري بعيد والأخذ به غير سديد، لأن هذه الآية كانت فصل الخطاب لا تقبل التأويل ويبطل معها كل دليل «وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ ٧٩» وهو إتيان الذكور دون النساء فلما رأى إصرارهم ورأى نفسه ضعيفا تجاههم «قالَ» ﵇ متأثرا متحسرا آسفا «لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً» على مقاومتكم لدفعتكم بنفسي عن أضيافي وأهلكتكم دون أن أمكنكم منهم «أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ٨٠» من قبيلة أو عشيرة يمنعوني منكم إذا أوقعت فيكم مكروها لفعلت وفعلت ومنعتكم من الوصول إلى داري. تمنى هذا ﵇ لا نشغال فكره بأضيافه وقومه، وإلا فهو يأوي إلى ركن أشد من كل ركن، روى البخلوي ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ يرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف ثم أتاني الداعي لأجبته. وقال أبو هريرة ما بعث الله نبيّا بعده إلا في منعة من عشيرته. ومعنى الركن في الحديث هو الله تعالى، فلا ركن يضاهي عظمة ركنه، ولا بأس يعادل شدة بأسه، ولا قوة تقابل كبير قوته، ومن كان اعتماده على الله لم يبال بشيء، ومن اعتمد على الخلق ذل، وقيل: إذا كان غير الله للمرء عدة ... أتته الرزايا من وجوه الفوائد ومعناه في الأصل الناصية من البيت أو الجبل، ومن قال إن أو هنا بمعنى بل أي قال سيدنا لوط بل آوي إلى ركن شديد، ينافيه الحال، واستغراب سيد الرجال قوله وعده منه بادرة، فقال الحديث السالف الذكر، ولو كان يعلم أن ذلك قصد لوط لما ذكر هذا الحديث، وإن مما يدحض هذا القول الآية التالية ومجيء أو بمعنى بل في بعض المواقع لا يفيد أنها هنا بمعناها، ثم أغلق لوط بابه وصار يدافع قومه ويناظرهم ويناشدهم الله من ورائه، وهم لا يلتفتون إليه، ويعالجون فتح الباب ليدخلوا عليه ويتسلطوا على أضيافه، وهو ﵇ أقوى منهم على الانفراد، ولكن الكثرة تغلب الشجعان، فلما رأت الملائكة ما يقاسيه لوط من الكرب بسببهم وهم ينتظرون الساعة المقدرة لإهلاكهم «قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ» أرسلنا لإهلاكهم، فتنح عن الباب واتركنا وإياهم، وإنك

стр. 1212

تلجأ إلى ركن شديد، فإنهم «لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ» لأن الله حافظك منهم، ولن يستطيعوا علينا، فإن الله سلطنا عليهم، فبعد صراحة هذه الآية يطرح قول كل من يقول إن أو بمعنى بل، ويكذبه، إذ لو كانت أو بمعنى بل فلا حاجة للإتيان بها، ولا محل لقول الملائكة إنا رسل ربك، أي ناصروك عليهم، قالوا فترك الباب لما عرفهم أنهم ملائكة، فدخلوا يتسابقون إلى الملائكة، ولما أرادوا مد أيديهم إليهم تحوّلوا إلى صورتهم الحقيقة، واستأذن جبريل ربّه رب العزة في عقوبتهم، إذ جاء أجلها، لأنهم لا يقدرون أن ينفذوا شيئا أرسلوا إلى تنفيذه إلا بعد الاستئذان، لأنه قد يعفو عن العقوبة وهو الذي لا يسأل عما يفعل، فأذن لهم، فضربهم ضربة واحدة بجناحه، فطمس أعينهم، فانطلقوا عميا يركب بعضهم بعضا ويقولون النجاة النجاة، فإن في بيت لوط سحرة! وجاء في رواية أخرى أنهم كسروا الباب ودخلوا فلطمهم جبريل فطمس أعينهم، فقالوا وهم هاربون يا لوط جئتنا بسحرة، وتوعدوه، فأوجس في نفسه خيفة منهم إذ قال سيذهب هؤلاء ويذرونني لا ناصر لي، لأني غريب عنهم، فعندها قال جبريل لا تخف والتفت هو وجماعته إلى لوط وقالوا «فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ» قرىء أسر بالقطع والوصل من الإسراء وهما بمعنى واحد، وقيل إن أسرى سار أول الليل وسرى آخره، ولا يقال في النهار إلا سار كما بيناه أول سورة الإسراء المارة في ج ١، «بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ» آخره أو شدة ظلمته، قال مالك بن كنانة: وقائمة تقوم بقطع ليل ... على رحل أهانته شعوب يؤيد هذا التفسير قوله تعالى (إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ) الآية ٣٤ من من سورة القمر المارة في ج ١، والسحر آخر الليل وأشده ظلمة، وأصل القطع القطعة من الشيء، لذلك قال ابن عباس طائفة من الليل، وقال قتادة بعد صدر منه «وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ» وراءه وضمير منكم يعود على أهله، وقوله لا يلتفت من تسمية النوع وهو من بديع النكات، إذ أن المتأخرين من أهل البديع زعموا أنهم اخترعوا نوعا من البديع لم يكن قبل وسمّوه تسمية النوع، وهو أن يؤتى بشيء من البديع ويذكر اسمه على سبيل التورية كقوله في البديعية في الاستخدام:

стр. 1213

واستخدموا العين مني فهي جارية ... وكم سمعت بها في يوم بينهم ويتبجحوا في ذلك ولم يعلموا وجوده في كتاب الله الذي لم يغفل شيئا في مثل هذه الآية، وإن علومهم وعلوم من تقدمهم مستقاة من هذا القرآن العظيم الذي يقول الله تعالى فيه (ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ) الآية ٣٨ من الأنعام الآتية فلم يترك شيئا من أفعال وأعمال الأولين والآخرين، قال الأبوصيري ﵀: لم تقترن بزمان وهي تخبرنا ... عن المعاد وعن عاد وعن ارم فلا تعد ولا تحصى عجائبها ... ولا تسام على الإكثار بالسأم ثم استثنى من أهله ﵇ فقال «إِلَّا امْرَأَتَكَ» بالنصب على الاستثناء المتصل من أهلك، وبالرفع على البدلية من أحد، أي اتركها لا تأخذها معك «إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ» من العذاب فهي هالكة معهم لرضائها بفعلهم، فلم تمنعهم ولم تزجرهم وكانت تخبرهم بمن يأتي عنده، حتى إنها أخبرتهم بحضور الملائكة ظنا منها أنهم بشر، ولم يروهم حين مجيئهم، وذلك لأنهم لا يمشون مشي البشر، إذ يصلون إلى المحل الذي يريدونه بلحظة، فلا يحس إلا وهم أمام من يقصدونه، قال لوط متى ينزل فيهم العذاب قالوا له «إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ» قال لهم أريد أسرع من ذلك قالوا له إن الوقت المقدر لإهلاكهم هو الصبح «أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ٨١» ولم يكن بيننا وبينه إلا هذا الليل المضل، وقرئ الصبح بضم الباء، وعي لغة جائزة لأنها ليست بحركة إعراب، أما حركة الإعراب كحركة الميم في أنلزمكموها وأضرابها فلا يجوز فيها الإسكان بداعي الخفة إلا ضرورة كقوله: فاليوم أشرب غير مستحقب ... إنما من الله ولا واغل بإسكان الباء من أشرب للخفة ضرورة، وقول الآخر: وناع يخبرنا بمهلك سيد ... تقطع من وجد عليه الأنامل بإسكان باء يخبرنا، أما الإسكان لتوالي الحركات فقد أجازه بعضهم بلا ضرورة مثل (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها) الآية ٥٨ من سورة النساء ج ٣، وأمثال كثير، وكان سيبويه يخفف الحركة ويختلها، قالوا وهو الحق، ولما دخل الليل تهيأ لوط وهيأ أهله، ثم أخذهم وترك زوجته، وأوصاهم بعدم

стр. 1214

الالتفات وراءهم، امتثالا للأمر قال تعالى «فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا» حان وقته بعذابهم «جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها» إذ أدخل جبريل ﵇ جناحه تحت قراهم الخمس، ورفعها حتى بلغ بها عنان السماء، وهم نائمون لم ينتبه أحد منهم ولم يكفأ لهم إناء وقلبها بهم، فسمعت امرأته وهي لا حقة بلوط وأهله راكضة خلفهم (هوة العذاب) الهوة صوت انهدام الجدار هنا صوت انقلاب القرى، فالتفتت ورافعا فهلكت، وهذه الحكمة من منعهم من الالتفات إلى الوراء، إذ قدر الله إهلاك من يلتفت منهم وراءه، قال تعالى «وَأَمْطَرْنا عَلَيْها» أي القرى المقوبة «حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ» حتى لا يبقى منهم أحد ممن كان سارجا عن القرى وآتيا إليها، فمن شذ عنها فلم يهلك بالخسف هلك بالحجارة مثل امرأة لوط المار ذكرها، ومعنى سجيل الطين لقوله تعالى في الآية ٣٣ من الذاريات (حِجارَةً مِنْ طِينٍ) والقرآن يفسر بعضه وفي الفارسية أصلها سنك، راجع الآية ٨٢ من الشعراء المارة في ج ١، وهذه كالسندس والإستبرق وغيرها. فإنها كلمات عربية استعملها الغير، لأن العرب نطقت بها قبل القرآن «مَنْضُودٍ ٨٢» متتابع نعت لسجيل مأخوذ من النضد وهو وضع الشيء بعضه على بعض فعلا، أو كون بعضه فوق بعض خلقة، مثله في قوله تعالى (وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ) الآية ٢٩ في الواقعة المارة في ج ١ «مُسَوَّمَةً» نعت ثان أي معلمة بعلامة العذاب لا تشبه حجارة الدنيا، قالوا كان مكتوبا على كل واحدة منها اسم من تهلكه، ولا عجب لأنها «عِنْدَ رَبِّكَ» القادر على كل شيء وهي من جملة ما في خزائنه التي لا يطلع على ما فيها ولا يملكها غيره، أو أنها ساقطة من لدنه من مكان لا يعلمه غيره، وضمير الخطاب هذا يعود إلى سيد المخاطبين على طريق الالتفات وتقدمت القصة مفصلة في الآية ٨٤ من الأعراف المارة في ج ١، ولهذا قال تعالى «وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ٨٣» أي من قومك يا محمد المتغالين في الظلم، بل هي قريبة منهم إذا أصروا على ظلمهم ولا شك أنا نوقع بهم ما أوقعناه بغيرهم من العذاب، وفي الآية تهديد لكل ظالم لأن الذي أهلك الله به شذاذ قوم لوط من الحجارة لا يبعد أن يرمي العرب أهل الظلم كافة، قال تعالى «وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً» تقدم نسبه بالأعراف

стр. 1215

«قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ» في سعة من الرزق موسرين غير محتاجين لأكل أموال الناس باطلا بالخلسة «وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ ٨٤» بكم وباله لا يترك منكم أحدا، ويبدل الله خصبكم قحطا، وسعتكم ضيقا، ورخصكم غلاء، فيسلب نعمكم كلها ويحل بكم نقمه إن لم تتوبوا من عملكم هذا، وذكرنا في الآية ٨٥ من الأعراف أن مدين أحد أولاد إبراهيم ﵇، وأنه بنى المدينة هذه فسمّاها باسمه، والمراد أهلها، ثم أكد عليهم بما يزيد في زجرهم بقوله «وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ» العدل، بتقويم لسان الميزان ومكانه وتسوية المكيال من كل أطرافه، وفائدة التصريح بالأمر بالإيفاء مع أن النهي الوارد في الآية السابقة يستلزمه، لأن النهي عن الشيء عين الأمر بضده أو مستلزم له تضمنا أو التزاما، لأن الخلاف بمقتضى اللفظ، لا أن التحريم والوجوب ينفك عن مقابلة الضدّ. النعي بما كانوا عليه من القبح وهو النقص مبالغته بالكسف، ثم الأمر بالضد مبالغته في الترغيب وإشعارا بأنه مطلوب أصالة وتبعا مع الإشعار بتبعية الكفر عكسا، وتقييده بالقسط يفيد أن الفضل الزائد يكون محرمّا أيضا كالنقص، لأن النقص سرفة من المشتري والزيادة سرفة من البائع، وهذا ما هو واقع ببعض بلادنا، ولا مانع ولا وازع، لأن من الكيالين والملتزمين للباحات التي يباع بها الحبوب وغيرها يفعلون ذلك على علم ومرأى من الحكومة، فنسأل الله أن يبصّر المؤمنين بعيوبهم ويرشدهم للسداد والصواب في كل أمورهم «وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ» أي لا تنقصوا أموالهم، وفيه معنى التكرار لما سبق أيضا تحذيرا من عاقبة الأمر ومبالغة بالتأكيد، لأن التكرار مرتين يفيد شدّة الاهتمام والعناية بالمنهي عنه أو المأمور به، فكيف إذا كان ثلاثا «وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ٨٥» وهذا تذييل وتتميم لما تقدم من الأمر والنهي. واعلم أن العثي يعم تنقيص الحقوق كلها، لأن معناه مطلق الفساد، وإنما أكّده بلفظ من معناه إعلاما بأن فعلهم هذا قبيح بذاته، مشين لهم، فيه مفسدة لمصالح دينهم وأمر آخرتهم، ولهذا يقول «بَقِيَّتُ اللَّهِ» التي أبقاها لكم من الحلال في

стр. 1216

الدنيا وانتظار الثواب على ترككم الحرام بالآخرة «خَيْرٌ لَكُمْ» مما تسرقونه بالتطفيف إذا بعتم والزيادة إذا اشتريتم «إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ٨٦» بالله المنتقم منكم بالدنيا وإن أمهلكم فإنه سينتقم منكم بالآخرة، وإني أتقدم لكم بالنصيحة ابتغاء بقاء نعمكم وخوفا من سلبها إذا أصررتم على ما أنتم عليه (وكلمة بقية) لم تكرر في القرآن «وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ٨٧» لأموالكم وأنفسكم ولا أقدر أن أنمّيها لكم مع ما أنتم عليه من نقص الكيل والوزن، لأن الله نهانا عن ذلك، ولست بحفيظ أيضا على أعمالكم كي أجازيكم عليها، لأن ذلك كله بيد الله وحده وإنما أنا ناصح ومنذر لكم بأن تحفظوا نعمكم بأداء شكرها وإعطاء حقها «قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ» بما ليس في وسعك وعهدتك من أفاعيل غيرك. هذا وإن قصدهم بهذا الاستفهام الإنكاري التهكم والتعريض بركاكة رأيه وحاشاه من ذلك، كيف وهو خطيب الأنبياء، وإنما خصوا الصلاة دون بقية أحكام الإيمان لأنه ﵇ كان أكثر صلاة ممن تقدم من الأنبياء، وكان قومه ينتقدونه بذلك ويقولون له ما تفيدك هذه الصلاة؟ فيقول هم إنها تنهى عن القبائح كلها وتأمر بمحاسن الأخلاق، ومن هنا قوله ﷺ : من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا. لأن الله تعالى يقول (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) الآية ٢٥ من العنكبوت الآتية، أي أن صلاتك هذه تأمرك «أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا» من الأوثان «أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا» من النقص والزيادة «إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ٨٨» في زعمك وزعم أصحابك فلماذا ابتدعت هذا علينا فلو كنت كذلك لما كان يجوز لك أن تشق عصا قومك، ولا يجدر بك أن تخالفهم وتسفه عاداتهم. هذا إذا كان وصفهم له بتلك الصفتين على الحقيقة، وإذا كانوا يريدون الاستهزاء فيكون المراد ضدهما أي السفيه الضال الغاوي، لأن العرب تصف الشيء بضده فتقول للديغ سليم، وللأعمى بصير، وللفلاة المهلكة مفازة، وهكذا «قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي» تقدم مثلها «وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً» حلالا بفضله ورحمته من غير نجس وتطفيف، وكان ﵇ كثير النعم كثير الخير، وفي هذه الجملة

стр. 1217

معنى الاستفهام، أي إذا كنت كذلك فهل يمكن أن أخالف أمره وأوافق هواكم وأكتم عليكم ما أمرني به ربي أن أبلغه إليكم كلا لا أقصد ذلك «وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ» فاسبقكم لفعله وأستبد به دونكم مع اعترافكم بكمال عقلي وحسن سجيّتي وإني أختار لكم ما أختاره لنفسي وأنهاكم عما أنزه نفسي عن اقترافه ولا أفعل شيئا قط وأنا أنهى عنه إذ لا يليق بالرجل ذلك، وعليه قوله: لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم «إِنْ أُرِيدُ» لا أريد قط فيما آمركم به وأنهاكم عنه شيئا «إِلَّا الْإِصْلاحَ» لكم بنصحي وموعظني فيما بيني وبينكم وبين ربي وربكم «مَا اسْتَطَعْتُ» من جهدي وما دمت متمكنّا من الإصلاح فإني لا آلو فيه جهدا، وسأبدل قصارى وسعي برشدكم وهدايتكم من غير إبصار ولا إكراه. هذا واعلم أن شأن هذه الأجوبة الثلاثة المبينة على مراعاة حقوق ثلاثة مطلوبة لكل من يأمر وينهى، فالأول حق الله تعالى، والثاني حق النفس، والثالث حق الناس، تدبر قوله البالغ ذروة المعنى والبلاغة وقمة الفقه والفصاحة «وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ» لا أفعل شيئا أو أتركه إلا بمعونة الله وتأييده، لأنه هو الموفق لطرق الخير والطاعة واجتناب سبل الشر والعصيان، والتوفيق تسهيل الله تعالى على عبده ما يعسر عليه وتيسير ما يصعب «عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ» في أموري كلها «وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ٨٩» أرجع خاضعا خاشعا إليه فيما ينزل بي من الخير فأحمده عليه، ومن الشر فألجا إليه في دفعه، وقد طلب ﵇ التوفيق من ربه لإصابة الحق فيما يأتي ويذر والاستعانة به على مجامع أمره، مظهرا بهذا عدم مبالاته بكفار قومه مهما قالوا أو فعلوا، ثم كر على قومه فقال «وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ» لا يوقعنكم في الجزم ويكسبنكم إياه «شِقاقِي» خلافي معكم وتحملكم عداوتي لأجل خيركم «أَنْ يُصِيبَكُمْ» بسببه عذاب عاجل في هذه الدنيا جزاء كفركم وفعلكم السيء فيحل بكم «مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ» من الإهلاك غرقا «أَوْ قَوْمَ هُودٍ» من التدمير بالريح العاصف «أَوْ قَوْمَ صالِحٍ» من الموت بالصيحة «وَما قَوْمُ لُوطٍ»

стр. 1218

الذين أهلكوا بالخسف والرجم بالحجارة «مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ ٩٠» لقرب عهد إهلاكهم منكم وهم جيرانكم بالسكن، وقد حل بهم ما لم يحل بغيرهم، كما أن جرمهم لم يقترفه غيرهم، فاتعظوابهم «وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ» تقدم مثله «إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ» بعباده إذا تابوا وأنابوا «وَدُودٌ ٩٠» بهم كثير الرأفة والمحبة لإيمانهم به ليكونوا قريبين منه «قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ» لأن الله أصمهم وأعمى أبصارهم عن سماع الحق ورؤيته، وإلا فهل يوجد أنصح كلاما مما خاطبهم به وأبلغ معنى في النفس، وهو أحسن الخلق مراجعة إلى قومه، ولكن قولهم هذا والعياذ بالله من الطبع على القلب والختم على الفؤاد، ومن يضلل الله فما له من هاد، وانظر لسخافة قولهم «وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً» يتعذر عليك منعنا مما نحن عليه لكبر سنك وضعف بصرك، وإذا أردنا أن نوقع فيك مكروها فلا تقدر على صدنا منه ولكنّا نحترمك لأجل عشيرتك ولم يقولوا لله الذي أرسلك، قاتلهم الله، لأنهم ينظرون إلى ظاهر الدنيا، وهو ﵇ كان قويا في عشيرته ولهذا قالوا «وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ» بالحجارة حتى تموت «وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ ٩٢» بعد أن أهنتنا وأهنت ديننا فلا نحترمك ولا نكرمك، وقتلك علينا هين، وما قيل إن المراد بعزيز كونه أعمى لا يصح في المعنى، ونحن ذكرنا في قصته في الآية ٨٥ من سورة الأعراف المارة في ج ١ أن القول بعماه لا صحة له، لأن الله لم يبعث نبيا أعمى ولا من به زمانة، ولهذا البحث صلة في الآية ٨٤ من سورة يوسف الآتية «قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي» جماعتي وعشيرتي «أَعَزُّ عَلَيْكُمْ» أهيب وأمنع «مِنَ اللَّهِ» فتكرموني لعزّتهم ولا تكرموني لأجل الله الذي خلقكم ورزقكم «وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا» كالشيء الملقى إلى الوراء مثل قدح الراكب، لا تلتفتوا إليه إلا عند الحاجة «إِنَّ رَبِّي» الذي نبذتموه خلفكم ونسيتموه «بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ٩٣» لا يخفى عليه شيء من أعمالكم الظاهرة والباطنة، وفي هذه الجملة تهديد عظيم، لأنهم راعوا جانب الرهط ولم يراعوا جناب الله، ولم يعلموا أنه سيعاقبهم على ذلك، ثم أكّد التهديد بوعيد أشدّ منه فقال «وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ»

стр. 1219

وقدرتكم مما تنوونه لي من الشر من كل ما تتمكنون عليه «إِنِّي عامِلٌ» ما أتمكن عليه بقدر ما يؤيدني به الله من النصر ويمكنني من القدرة، فابذلوا أنتم غاية جهدكم في شقاقي وأقصى طاقتكم في عدواني وإني لا أزال أثابر على عمل الخير لكم وترغيبكم لطاعته لعلكم تتنبهون فترجعون إليه، وإن أصررتم فمصيركم إليه يوم القيامة وهناك «سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ» أنا أم أنتم «وَارْتَقِبُوا» نزول العذاب بكم فقد قرب أوانه «إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ ٩٤» لنزوله منتظر عاقبة أمركم وما يحل بكم من الذلة والإهانة مترقب نتيجة وعيدي لكم ونصرتي عليكم، قال تعالى «وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا» المحتوم المقدر لنزول العذاب فيهم وانتهى أمد إمهالهم للإيمان «نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا» وفضل، لأن عادتنا إنجاء المؤمنين ونصرتهم «وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ» من أحد ملائكة الله العظام جبريل أو غيره كإسرافيل وميكائيل لأن هؤلاء هم الموكلون بتنفيذ مهام الأمور وعظائمها بأمر الله تعالى «فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ ٩٥» على ركبهم من هول سماعها، فماتوا جميعا حالة كونهم لا طين في الأرض ملازمين لها في أمكنتهم التي كانوا عليها حين الصيحة، لأنها أماتتهم حالّا بحيث لم يتحرك أحد من مكانه لهول الصيحة «كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها» في قرية مدين ولم يسكنوها ولم يعمروها وصاروا نسيا منسيا. فتنبهوا أيها الكفرة وسارعوا بالتوبة إلى ربكم قبل أن يحل بكم ما حلّ بهم «أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ» قوم شعيب وسحقا لهم «كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ ٩٦» قوم صالح لأنهم أهلكوا بالصيحة أيضا مثلهم ولم تعذب أمتان بعذاب واحد غيرهما إلا أن قوم صالح أخذتهم الصيحة من تحتهم وقوم شعيب من فوقهم، وما قيل إن الصيحة نوع من العذاب، لأن العرب تقول صاح بهم الزمان إذا هلكوا، مستدلين بقول امرئ القيس: فدع نهبا صيح في حجرته ... ولكن حديث ما حديث الرواحل ليس بسديد لما فيه من صرف الكلام عن ظاهره دون مبرر ولمنافاته لما جاء في سورة الأعراف بلفظ الرجفة الحاصلة لهم من خوف الصيحة راجع الآية ٩١ منها

стр. 1220

ج ١، وبعدت قرئت بضم العين كما في الآية، وقرئت بالكسر، وعليه قوله: يقولون لا تبعد وهم يدفنوني ... وأين مكان البعد إلا مكانيا من بعد يبعد بكسر العين في الماضي وفتحها في المضارع ومعناها على كلا القراءتين الهلاك، والقصة مفصلة في الآية ٩٣ من الأعراف المارة في ج، قال تعالى «وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ ٩٧» سميت الحجج والبراهين سلطانا لأن صاحبها يقهر من لا شىء له منها، كالسلطان بالنسبة لرعيته «إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ» لإرشادهم وهدايتهم باتباعه، ولكنهم لم يلتفتوا إليه «فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ» الطاغية وكيف يتبعونه وينقادون لأمره «وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ٩٨» لأنه ضال وكافر وأمره ضلال وكفر غير محمود العاقبة لأنه لا يدعو إلى هدى وسترونه «يَقْدُمُ قَوْمَهُ» إلى النار «يَوْمَ الْقِيامَةِ» وهم وراءه «فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ» أدخلهم فيها لأنه كما كان أمامهم في الضلال في الدنيا حتى أغرقهم في البحر يكون أمامهم في الآخرة حتى يدخلهم جهنم «وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ٩٩» النار لأن القصد من الورد تسكين ألم العطش والنار ضده فاستعمل في ورود النار على سبيل الفظاعة، لأنه شبه فرعون بالفارط الذي يتقدم الواردين إلى الماء وأتباعه بالواردين والماء بالنار والعياذ بالله، «وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدنيا لَعْنَةً» طردا وبعدا من الرحمة «وَيَوْمَ الْقِيامَةِ» لعنة أخرى أفظع من لعنة الدنيا وسيقال لهم «بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ ١٠٠» العون المعان بترادف اللغتين لأن كل شيء جعلته عونا لآخر وأسندت به شيئا فقد ردفته، ولهذا اخترنا تأويل الرفد بالعون على تفسيره بالبطاء الذي هو من معناه أيضا لملاءمة المقام، إذ لكل مقام مقال «ذلِكَ» الذي قصصناه عليك يا سيد الرسل من أخبار نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى ﵈ مع أقوامهم، وكيفية إهلاكهم لما أصروا على كفرهم ولم يطيعوهم كله «مِنْ أَنْباءِ الْقُرى» السابقة «نَقُصُّهُ عَلَيْكَ» لتخبر به قومك فينتبهوا من غفلتهم ويتعظوا بما حل بهم علهم يرجعوا عن غبهم، ولتسلي نفسك وتتأسى بما تأسى به إخوانك الأنبياء قبلك، لئلا يضيق صدرك مما يجابهونك به، ولتعلمهم أنهم إذا لم يؤمنوا ويرجعوا إلى الله فيصيبهم ما أصابهم من

стр. 1221

العذاب، وما عليك إلا أن تحذرهم سوء العاقبة وتذكر لهم أحوال أسلافهم وآثارهم «مِنْها» أي القرى المهلك أهلها أثرها «قائِمٌ» لم يزل إذ أن قسما من بنائها باق وجدران أكثرها قائمة واقفة على حالها «وَحَصِيدٌ ١٠١» ومنها خراب مندثر محي أثرها بالكلية لطول الزمن على تركها بلا سكن، كالأرض المحصود زرعها التي كأنها لم تزرع قبل، وأطلقت العرب لفظ الحصيد على الفناء كما قيل: والناس في قسم المنية بينهم ... كالزرع منه قائم وحصيد قال تعالى «وَما ظَلَمْناهُمْ» بما أوقعنا فيهم من العذاب المهلك «وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ» بإصرارهم على الكفر ورفض نصح الرسل حتى ماتوا مشركين بالله كفّارا منكري الآخرة «فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ» أوثانهم «الَّتِي يَدْعُونَ» يعبدونها ويستغيثون بها عند المحن ويرجون نصرتها «مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ» ولم ترد بأسه عنهم في الدنيا «لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ» بإهلاكهم «وَما زادُوهُمْ» في الآخرة عند استشفاعهم بهم «غَيْرَ تَتْبِيبٍ ١٠٢» تدمير وتخسير وتب بمعنى خسر وتبّه غيره أوقعه في الخسران، أي أن عبادتهم للأصنام فضلا عن أنهم لم تفدهم شيئا فقد أهلكتهم فوق إهلاكهم حتى دمّروا تدميرا، قال بشر ابن أبي حاتم: هم جدعوا الألوف فأذهبوه ... وهم تركوا بني سعد تبابا «وَكَذلِكَ» مثل ذلك الأحد العظيم: «أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ» حالة كون أهلها كافرين عتاة «إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ١٠٣» كما علمت من كيبة أخذ الأمم لكذبة لرسلها، روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته: ثم قرأ هذه لآية. وحكم هذه الآية عام في كل ظالم إلى يوم القيامة، ألا فليحذر الظالمون هذه العاقبة السيئة ويتداركوا أنفسهم بالتوبة وإرجاع المظالم إلى أهلها، كي لا يعرضوا أنفسهم لغضب الله فيدخلوا في هذا الوعيد الشديد المؤلم «إِنَّ فِي ذلِكَ» الأخذ والإهلاك «لَآيَةً» عظيمة وعبرة كبيرة «لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ» لأنه إذا علم ما وقع في الدنيا على المجرمين اتعظ وعمل لما يقي نفسه من مثله،

стр. 1222

ومن العذاب الأخروي المعد لهم الذي لا يقاس بعذاب الدنيا، لأنه بالنسبة لعذاب الآخرة قليل من كثير «ذلِكَ» اليوم الذي يكون فيه عذاب الآخرة «يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ» لأجل الحساب أولهم وآخرهم برهم وفاجرهم «وَذلِكَ» اليوم العظيم «يَوْمٌ مَشْهُودٌ ١٠٤ فيه أنواع العذاب مما لا تطيقه الصنم الرّواسي ومن أنواع النعيم ما تبتهج به النفوس وكل منهما مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، والمعنى كثر شاهدو ذلك اليوم فحذف الجار وصار المجرور مفصولا على التوسع في الجار والمجرور ووصل الفعل إلى الضمير إجراء له مجرى المفعول به لأن الضمير لا يجوز نصبة على الظرفية والجار لا يعمل بعد حذفه فيكون من باب الحذف ولإبصال وهو كثير في كلام العرب ويكون في الاسم كمشترك وفي الفعل كقوله: ويوم شهدناه سليما وعامرا ... قليل سوى طعن الدراك نوافله وفي رواية النهال بدل الدراك أي مشترك فيه وشهدنا فيه، والمعنى أن الخلائق كلهم يشاهدون ذلك الموقف المهول ليس أهل الأرضين فقط بل أهل السموات جميعهم أيضا «وَما نُؤَخِّرُهُ» أي ذلك اليوم الذي يجمع فيه الخلق كلهم «إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ ١٠٥ سنبينه وشهوره وأيامه ولحظاته كما هو في علمنا لا يطلع عليه أحد «يَوْمَ يَأْتِ» أجل ذلك اليوم بانتهاء الأمد المضروب له عند الله الذي لا يتخطاه. مطلب في ضمير يأت والجمع بين الآيات المتعارضة ومعنى الاستثناء في أهل الجنة والنار: وقد أعدنا ضمير يأت إلى الأجل خلافا لبعض المفسرين، وقد منع بعضهم عوده إلى اليوم محتجا بأن تعرف اليوم بالإتيان يأبى تعرف الإتيان به، لأن إتيان اليوم لا ينفك عن يوم الإتيان، وأعاده للجزاء الذي يقع فيه وبعضهم أعاده لله تعالى. وليعلم أن منع عوده لليوم ممنوع لأن كل زمان له شأن يعتبر تجدده كالعيد وعاشوراء والنيروز والساعة مثال يجري مجرى الزمان وإن كان في نفسه زمانا فباعتبار تغير الجهتين صحت الإضافة والإسناد كما يصح أن يقال يوم تقوم الساعة ويوم يأتي العيد والعيد في يوم كذا فالأولى زمان وضميره أعني فاعل الفعل

стр. 1223

زماني وعود الضمير للجزاء لا وجه له لعدم ذكره سابقا وعود الضمير على ما لم يكن موجودا إذا لم يكن معلوما أو لم يسبق له ذكر لا يجوز، وعوده لله تعالى غير سديد لأنه جل شأنه هو المتكلم والضمير لا يعود لنفس المتكلم في مثله وكذلك الحال على قراءة يؤخره بالياء لا يتجه عود الضمير إليه تعالى بل ضمير يؤخره يعود إليه تعالى، وحذف ياء يأت وصلا ووقفا جائز للتخفيف كما في لا أدر ولا أبال وأثبتها النحويان ونافع بالوصل وابن كثير بالوصل والوقف وباقي السبعة بالحذف في الحالتين لأن الإجذاء بالكسرة عن الياء كثير لا سيما في لغة بل «لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ» مطلقا أو بما يتعلق بالشفاعة بدليل قوله عز قوله «إِلَّا بِإِذْنِهِ» أدبا واحتراما من جهة ولشدة الخوف وطول زمنه من جهة أخرى، وهذه الآية وإن كانت ظاهرا تتعارض مع قوله تعالى (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها) الآية ١١١ من سورة النحل، وقوله تعالى (ما كُنَّا مُشْرِكِينَ) الآية ٢٤ من سورة الأنعام الآتيتين وغيرهما من الآيات الدالة على وجود التكلم والخصام يوم الموقف، إلا أنه لا معارضة في الحقيقة لأن يوم القيامة يوم طويل تختلف فيه أحوال أهله فتارة يسكتون ومرة يجادلون وطورا يتعاتبون وأخرى يجحدون ويحجمون عن الكلام لما تأخذهم الدهشة من هيبة الموقف فكأنهم ألجموا بألجمة محكمة لا يستطيعون معها التكلم وبعضا يؤذن لهم بالكلام وإبداء للعذر وقد ينسح لهم بالكلام فينكرون ما عزي إليهم كما أوضحناه في الآيتين ٣٥ ٢٦ من سورة الأعراف وما قبلها والآية ١٠٩ من سورة طه والآية ٢٧ من سورة فاطر المارات في ج ١، وللبحث صلة في الآية ١٩ فما بعدها من سورة فصلت والآية ٢١ من سورة إبراهيم الآتيتين، لهذا جاز التوفيق بين الآيات المتعارضات لصرف كل منها لما يناسبها وهذا هو وجه الجمع بينها فلا تعارض من حيث المعنى ولا تنافي من جهة الحكم ولا تباين من حيث اللفظ هذا على أن منع التكلم مطلقا، أما إذا كان منع التكلم مما يتعلق بالشفاعة فلا معارضة لا من حيث الظاهر ولا من جهة الحقيقة، لأن الشفاعة لا تكون لأحد إلا بإذن الله ومن تكلم بإذنه كان مأمورا بالتكلم ولا يقال لمئله أنه تكلم من تلقاء نفسه «فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ» بسوء عمله «وَسَعِيدٌ ١٠٦» بحسنه أي ينقسمون إلى قسمين

стр. 1224

لا ثالث لهما وقدمنا في الآية ٤١ فما بعدها من سورة الأعراف فيما يتعلق بها فراجعه ثم بين ما لكل منها فقال «فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا» بحكم الله الأزلي لما هم عليه من الكفر «فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ» مد النفس وإخراجه من الصدر وترديده فيه حتى تنتفخ منه الضلوع «وَشَهِيقٌ ١٠٧» رد النفس وإرجاعه إلى الصدر وهما معروفان عند العرب قال الشماخ في حمار وحشي: بعيد مدى التطريب أول صوته ... زفير ويتلوه شهيق محشرج «خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ» في الآخرة لأنهما في الدنيا زائلتان قال تعالى (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ) الآية ٤٩ من سورة إبراهيم الآتية، وكل ما علاك فأظلت فهو سماء وكل ما استقرت عليه قدماك فهو أرض، وهذا كلام يؤذن بالتأبيد وبعلم بدوام الشر. جريا على عادة العرب، فإنهم يقولون لا آتيك ما دامت السموات والأرض، وما دام الملوان، وتعاقب النيران، وتخالف الجديدان، يكنون بذلك التأبيد، وهذا الخلود المحتم في النار للكافرين ينفي صرف الدوام للسموات والأرض الموجودة الآن «إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ» لبعض عصاة المؤمنين الذين يدخلهم النار جزاء اقترافهم عظائم الذنوب ثم يخرجهم منها إن شاء فيكون الاستثناء منقطعا، لأنه من غير جنس المستثنى منه، لأن الذين أخرجوا من النار بعد تعذيبهم فيها موقتا سعداء في الحقيقة، وقد استثناهم الله تعالى من الأشقياء، يدل على هذا ما أخرجه البخاري ومسلم عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ إن الله يخرج قوما من النار بالشفاعة فيدخلهم الجنة. وفي رواية يخرج ناسا من النار فيدخلهم الجنة. وروى البخاري عن عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال يخرج قوم من النار بالشفاعة فيدخلون الجنة يسمون الجهنميين «إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ ١٠٨» لا معارض له ولا راد لإرادته «وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ» لهم فيها بهجة وسرور، وقرىء سقوا بالبناء للفاعل، وسعدوا للمفعول، وقرىء بالمفعول والفاعل «خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ» وهم قوم من العارفين المخلصين وينقلهم ربهم إلى مأوى أكبر وأجل منها وهو المقام الذي يرون به ربهم

стр. 1225

عز وجل، فيحل رضوانه عليهم ويتجلى لهم فيه، وعليه يكون الاستثناء متصلا، لأنهم من السعداء ولو تفاوتت درجاتهم، ويكون الاستثناء منقطعا إذ أرجع إلى مدة لبث المستثنين من النار قبل دخولهم الجنة، فلا يكون خلودهم فيها كامل، بالنسبة لأمثالهم، لأنهم لم يدخلوها ابتداء «عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ١٠٩» غير مقطوع بل هو مستمر أبدا دائم سرمدا هذا ما شاءه الله لأهل الجنة أللهم اجعلنا من أهلها ولم يخبرنا بما شاءه لاهل النار، روى ابن مسعود عن أبي هريرة وعمرو بن العاص قال: ليأتين على جهنم زمان ليس فيها أحد، فإذا صح هذا يحمل على إخلاء أماكن المؤمنين الذين استحقوا النار من النار بعد إخراجهم منها، أو على إخراج الكفار من النار إلى الزمهرير، إذ ثبت بالدليل الصحيح القاطع وإجماع أهل السنة والجماعة خلود المؤمنين بالجنة والكافرين بالنار وإخراج جميع الموحّدين من النار وإدخالهم الجنة. وقال بعضهم إن العصاة لا يخرجون، ويرد قولهم ما نقلناه في الأحاديث الصحيحة، ولا حجة لهم إلا الطعن بصحتها ولن يتيسر لهم فعلا. هذا، وقد أخرج ابن المنذر عن الحسن قال: قال عمر ﵁ لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج لكان لهم يوم يخرجون فيه وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن إبراهيم قال: ما في القرآن آية أرجى لأهل النار من هذه الآية يريد الاستثناء الوارد فيها. وليعلم أن السعادة هي معاونة الأمور الإلهية للإنسان ومساعدته على فعل الخير والصلاح وتيسيره لها، وهذه السعادة الدنيوية تؤول إلى السعادة الأخروية التي نهايتها الجنة، والشقاوة علي خذلان العبد وانهماكه فيما حرم الله عليه وتماديه في موارد البغي والطغيان، وهذه الشقاوة الدنيوية توصله إلى الشقاوة الأخروية التي غايتها النار وفاقا لما هو في علم الله الأزلي. روى البخاري ومسلم عن علي كرم الله وجهه قال: كنا في جنارة في بقيع الفرقد (مقبرة أهل المدينة) فاتانا رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة فنكس وجعل ينكث (يضرب الأرض) بمخصرته (وهي عصاة كالسوط رأسها يشبه القوس للزناد) ثم قال ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار، فقالوا يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا؟ فقال اعملوا فكل ميسّر لما خلق له، أما من كان من

стр. 1226

أهل السعادة فسيصير لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فسيصير لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ (فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى) الآية ٥ فما بعدها من سورة والليل المارة في ج ١، وقد ذكرنا ما يتعلق في هذا في سورة والعصر المارة في ج ١ فراجعه. هذا وهناك أقوال أخر في الاستثناء الآنف الذكر في حق الفريقين أعرضنا عن ذكرها لمضاربة بعضها لبعض فضلا عن كثرتها، وفائدة دفع توهم كون الخلود أمرا واجبا عليه تعالى لا يمكن له نقضه، وهو جل شأنه ما عليه واجب وغاية ما فيه إرشاد العباد إلى تفويض الأمور إليه تعالى وإعلامهم بأنها منوطة بمشيئته يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا حق لأحد عليه ولا يجب شيء عليه (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ) الجملة من الآية المارة، فإذا شاء تعذيب أهل الجنة فعل وإذا شاء تنعيم أهل النار فعل، لا منازع له، له الخلق والأمر، ولا يبعد أن يكون هذا الاستثناء على نمط الاستثناء الذي ندب إليه الشرع في كل كلام على نحو قوله تعالى (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) الآية ٢٨ من سورة الفتح في ج ٣ استثناء في واجب وهو في حكم الشرط كأنه قيل إن شاء ربك فليس يحتاج أن يوصف بمتصل أو منقطع، وذكرنا في الآية ١٩ من الفرقان والآية ٧٢ من مريم المارتين في ج ١، دحض قول من يقول إن مرتكب الكبيرة يخلد في النار فراجعه، وقد أخرج الترمذي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لما نزلت (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) قلت يا رسول الله فعلام نعمل على شيء قد فرغ منه أو على شيء لم يفرغ منه؟ قال بل على شيء قد فرغ منه وجرت به الأقلام يا عمر ولكن كل ميسر لما خلق له. وأخرج الترمذي والنسائي عن ابن عمر ﵄ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده كتابان فقال أتدرون ما هذان الكتابان قلنا لا يا رسول الله أما تخبرنا؟ فقال الذي بيده اليمنى هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وآبائهم وقبائلهم ثم أجملهم على آخرهم فلا يزداد فيهم ولا ينقص منهم أبدا، ثم قال الذي بشماله هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل النار وآبائهم وقبائلهم ثم أجملهم على آخرهم فلا يزداد فيهم ولا ينقص منهم أبدا، ثم قال للذي بشماله هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل النار وآبائهم وقبائلهم ثم أجملهم على آخرهم فلا يزداد فيهم

стр. 1227

ولا ينقص منهم أبدا، فقال أصحابه ففيم العمل يا رسول الله إن كان أمر قد فرغ منه فقال سددوا وقاربوا فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل ثم قال ﷺ بيده هكذا فنبذهما وقال فرغ ربكم من العباد فريق في الجنة وفريق في السعير، وجاء في حديث آخر الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من سعد في بطن أمه وحمل معناه على ظهور الأمر للملك الموكل بالنطفة وإلا فالأمر قبل ذلك. واعلم أن في هذه الآية من أنواع البديع صفة الجمع مع التفريق والتقسيم، أما الجمع ففي قوله تعالى (يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) فإن النفس كما تقدر عامة لكونها نكرة في سياق النفي وكل نكرة جاءت في سياق النفي تعم. وأما التفريق ففي قوله تعالى (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) وأما التقسيم ففي قوله تعالى (فَأَمَّا الَّذِينَ) إلخ الآية (وَأَمَّا الَّذِينَ) إلخ، وعليه جاء قول الشريف القيرواني: لمختلفي الحاجات جمع ببابه ... فهذا له فنّ وهذا له فنّ فللخامل العليا وللمعدم الغنى ... وللمذنب العتبى وللخائف الأمن وأمثاله كثير، هذا وقد جاءت الأفعال في الآية بالماضي مع أنها في الواقع مستقبلة إشارة إلى تحقيق وقوعها كما ذكرنا في مثلها غير مرة، قال تعالى «فَلا تَكُ» يا سيد الرسل «فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ» الكفرة من الأصنام «ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ» من الأوثان قبلهم وهو مستندهم في عبادتها لا غير لأن غاية ما يحتجون به هو أنهم رأوا آباءهم تعبدها فعبدوها فلا تنعب نفسك فيهم أو تشك في أمرهم «وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ» من العذاب تاما كاملا كما أوفيناه لأسلافهم «غَيْرَ مَنْقُوصٍ ١١٠» إذا أصروا على ما هم عليه على أنا سنوفيهم رزقهم الدنيوي كاملا أيضا ليستوفوا تمام أجلهم فيها وفي هذه الآية إشارة إلى مزيد فضل الله على عصاته إذ لم يقطع شيئا من رزقهم مع ما هم عليه من الكفر على أن معنى النصيب يدل على أن المقصود به رزق الدنيا لأنه مما يطلب ويراد والعذاب بمعزل عن ذلك ويؤكد هذا قوله تعالى (وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا) الآية ٧٦ من القصص المارة في ج ١، وقال بعض المفسرين: المراد بنصيبهم عذابهم في الدنيا

стр. 1228

والآخرة، قال تعالى «وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ» إذ صدق به بعض قومه وكذبه آخرون كما فعل قومك معك فلا تضجر من تكذيبهم فلك أسوة بمن قبلك «وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ» بتأخير العذاب عن منكري حقك لأجل معلوم عندنا محدود لا يبدل ولا يغير «لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ» حال تكذيبهم وكذلك الأمم السابقة فقد أمهلوا لانقضاء آجالهم المعينة عندنا «وَإِنَّهُمْ» لا يزالون «لَفِي شَكٍّ مِنْهُ» بأنه أي القرآن بدليل سبق كتاب موسى ﵇ بأنه من عند الله منزل عليك أو أنهم في شك «مُرِيبٍ ١١١» من نزول العذاب بهم وقد أوقعهم هذا الشك في الرية بنزوله وتوهموا عدم صحته «وَإِنَّ كُلًّا» من الفريقين المختلفين المصدق منهم والمكذب (والتنوين في كلا يسمى تنوين العوض لأنه عوض عن المضاف) «لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ» أي والله ليوفينهم جزاء أعمالهم فاللام فيه للقسم فيثبب المصدق الجنة والمكذب النار، ولما هنا بمعنى إلا مثلها في قوله تعالى في الآية ٤ من سورة الطارق المارة في ج ١ وهي (كل نفس لما عليها حافظ) وقرىء لما بالتنوين بمعنى جميع مثلها في قوله تعالى (أكلا لمّا) الآية ١٩ من سورة الفجر المارة في ج ١ أيضا، وقد تكون ظرفا بمعنى حين وعليه يكون المعنى وإن كلا حين يبعثوا ليوفينهم جزاء أعمالهم دون حاجة إلى الإثبات «إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ١١٢» لا يخفى عليه شيء من عملهم، وفي هذه الآية وعد وبشارة للمصدقين ووعيد وتهديد للمكذبين. مطلب في الاستقامة والتقوى والورع وما يتفرع عنهما: قال تعالى يا سيد الرسل «فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ» من الاستقامة التي أمرناك بها لا تعدل عنها قيد شعرة فهي طريق توفيقك لما وعدناك به من النصر والظفر وهذا أمر تأكيدي بطلب المثابرة والدوام على الحالة الأولى كقولك للقائم قم حتى آتيك، أي دم على ما أنت عليه «وَمَنْ تابَ مَعَكَ» وآمن بك وبما أنزل عليك، فعليهم أيضا أن يلازموا الاستقامة ويداوموا عليها. قال عمر بن الخطاب ﵁: الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي ولا تروغ روغان الثعلب.

стр. 1229

وروى مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك، قال: قل آمنت بالله ثم استقم. فالاستقامة كلمة جامعة لكل ما يتعلق بالعلم والعمل وسائر الأخلاق، كالتقوى فإنها كلمة جامعة لكل خير، وكالورع فإنها كلمة جامعة لكل بر، فالاستقامة تشمل العقائد والأعمال المشتركة بينه ﷺ وبين سائر المؤمنين، بل وبين الخلق أجمع، وتشمل الأمور الخاصة به ﵇ من تبليغ الأحكام والقيام بوظائف النبوة وتحمل أعباء الرسالة وغير ذلك، وقالوا إن التوسط بين الإفراط والتفريط بحيث لا يكون ميل لأحد الجانبين قيد عرض شعرة مما لا يحصل إلا بالافتقار إلى الله تعالى، ونفي الحول والقوة بالكلية، ومثلوا الأمر المتوسط بين ذينك الطرفين بالشيء الموجود غير المدرك الذي يكون بين ضوء الشمس والظل، فإنه ليس بشمس ولا ظل، بل هو أمر فاصل بينهما، ولعمري إن ذلك لدقيق، راجع الآية ٢٥ من سورة الفرقان في ج ١ ولذلك قالوا لا يطيق الاستقامة إلا من أيد بالمشاهدات القوية والأنوار السنية، ثم عصم بالتثبت بالحق. قال تعالى (وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا) الآية ٧٥ من الإسراء في ج ١، وجعل بعض العارفين الصراط الذي هو أرق من الشعرة واحد من السيف إشارة إلى هذا النهج المتوسط، ومما يدل على شدة هذا الأمر ما أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية قال ﷺ شمروا شمروا، وما رئي بعدها ضاحكا. وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: ما نزلت على رسول الله ﷺ آية أشد من هذه الآية ولا أشق. واستدل بعض المفسرين على عسر الاستقامة بما شاع من قوله ﷺ شيبتني هود. كما أخرج ابن عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال شيبتني هود وأخواتها وما فعل بالأمم قبل. وذلك لأن مبنى هذه السورة على إرشاده تعالى شأنه نبيه ﷺ إلى كيفية الدعوة من مبدئها إلى آخرها، وإلى ما يعزى لمن تصدى لهذه المرتبة العظيمة من الشدائد، واحتماله لما يترتب عليه من الفوائد، وهي أي هذه السورة الجليلة جامعة لإرشاده ﷺ من مفتتح أمره إلى مختتمه، وهذه الآية كالفذلكة لها فحينما نزلت هذه السورة هاله ما فيها من الشدائد، وخاف من عدم

стр. 1230

القيام بأعبائها، حتى إذا لقي الله تعالى في يوم الجزاء ربما مسّه نصيب من السؤال عنها، فذكر القيامة في تلك السور أي هود وإخوتها كآل حميم وغيرها، يخوفه هولها لاحتمال تفريطه فيما أرشده الله تعالى له فيها، وقد كررت الجملة الأولى من هذه الآية في الآية ١٤ من سورة الشورى الآتية، وهذا لا ينافي عصمته ﵇ وقربه من ربه، لكونه الأعلم بالله والأخوف منه، فالخوف منها يذكره بما تضمنته هذه السورة، فكأنها هي المشيبة له من بينها، ولذا بدأ بها في جميع الروايات، ولما كانت تلك الآية فذلكة لها كانت هي المشيبة في الحقيقة والله أعلم. وسنأتي على تتمة هذا البحث في الآية الآتية إن شاء الله ثم خاطب جل خطابه الخلق أجمع بقوله «وَلا تَطْغَوْا» أيها الناس فتخرجوا عن حدود الله، ولا تعلوا في الدين أيها المؤمنون فتتجاوزوا عما أمرتم به ونهيتم عنه فتغلبوا ولا تخالفوا أيها الناس أوامر الله فتعصوه في شيء ما، ولا تنحرفوا بإفراط ولا تفريط، فكلاهما ذميم، وسماء الله طغيانا تغليظا أو تغليبا لحال سائر المؤمنين على حاله ﷺ «إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ١١٣» قال ابن عباس ما نزلت آية على رسول الله أشد عليه من هذه الآية، ولذلك قال شيبتني هود وأخواتها الحافة والواقعة والنبأ والغاشية والمرسلات وكورت وآل حم، لكثرة ما فيها من ذكر القيامة والبعث والحساب والجنة والنار. واعلم أن هذه الآية الكريمة تؤذن بوجوب اتباع المنصوص عليه من الأحكام الشرعية دون انحراف، وان أعمال العقل الصرفة بما يخالف المشروع طغيان وضلال، أما العمل بمقتضى الاجتهاد التابع لعلل النصوص الشرعية فهو من باب الاستقامة بمقتضى النصوص الآمرة بالاجتهاد. مطلب الزجر عن مخالطة الظالم وأن الدين بين لامين والآية المدنية والصلوات الخمس: قال تعالى «وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا» أنفسهم بمخالطتهم، أي لا تميلوا أيها المؤمنون إلى الظالمين، ولا تحبوهم، ولا ترضوا بأعمالهم المؤدية إلى غضب الله ولا تطيعوهم فيما يخالف دينكم، فإنكم إن فعلتم شيئا من هذا «فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ» وتذيب أعضاءكم بحرها، لأن الركون إليهم رضا بأعمالهم التي قد تؤدي إلى الكفر،
следующие страницы →