Полный текст (3 362 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
يصح أن يكون سببا للنزول، لأن أبا طالب توفى نصف شوال السنة العاشرة من البعثة كما أشرنا إليه في الآية ٥٦ من القصص المارة في ج ١ أي قبل نزول هذه الآية بكثير، وكذلك ما روي أن حضرة الرسول دعاه إلى الإيمان فقال لولا أن تعيرني قريش لأفررت بها عينك، ولكن أذب عنك، وقال في ذلك أبياتا منها:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسد في التراب دفينا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وابشر بذاك وقر منه عيونا
ودعوتني وعرفت أنك ناصحي ... ولقد صدقت وكنت ثم أمينا
فنزلت هذه الآية لما ذكرنا وان الرواية قد وقعت منه لأن له مواقف هامة في الذب عن الرسول والوقوف بوجوه صناديد قريش من أجله، وكانت تهاب محمدا لمهابته لديهم ولقد صدق ﵀ في قوله لأن قريشا لم توقع فيه أذى إلا بعد موته ولكن هذا كله قبل نزول هذه الآية حتى انه مرة كلف ابن أخيه ذات يوم أن يصفح عن التصريح بدعوته بإلحاح من عظماء قريش عليه لأنهم عرضوا عليه أمورا كثيرة من أمور الدنيا على أن يكف عن سب آلهتهم ولم يفعل فقال يا عم والله لو وضعوا الشمس بيميني والقمر بشمالي ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله تعالى، وهذه القصة مفصلة في سيرة ابن هشام، على أن هذه الآية واللائي قبلها واردة في ذم المشركين، فلا يناسب المقام ذكر النهي عن أذيته ﷺ ، قال تعالى «وَلَوْ تَرى» بأكمل الرسل «إِذْ وُقِفُوا» هؤلاء المشركون الذين ينهون الناس عن الإيمان بك ويتباعدون عنه أيضا فلو رأيتهم حين يشرفون «عَلَى النَّارِ» لرأيت أمرا فظيعا هالك مرآه وموقفا عجيبا عظم بلاء «فَقالُوا» في ذلك الموقف الرهيب والمشهد العام «يا لَيْتَنا نُرَدُّ» إلى الدنيا فنصدق هذا الرسول وما جاء به من الله «وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا» ورسله بعد ردنا إلى الدنيا أبدا «وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ٢٧» بالله وكتابه ورسوله. ونصب الفعلين بأن مضمرة على جواب التمني أو بإبدال الواو من الفاء وجاز فيهما الرفع عطفّا على نرد وعليه فتكون الأفعال الثلاثة داخلة في التمني فيكونون تمنوا الرد إلى الدنيا وأن لا يكذبوا وأن يكونوا من المؤمنين أو بقطع ولا نكذب ونكون عن فعل
стр. 1402
نرد وعليه يكون المعنى يا ليتنا نرد ونحن لا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين فرد الله تعالى عليهم بقوله ليس الأمر كما ذكروا «بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ» من الكفر والجحود أي إنما قالوا هذا القول لظهور كفرهم الذي نطقت به جوارحهم ولم يغن عنهم سكوتهم ولا إخفاء فظائعهم. لا إنهم قالوه تائبين. ومع هذا لو أجيب تمنيهم لما وفوا بوعدهم «وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ» أولا في الدنيا ولفعلوا فيها ما فعلوه قبلا «وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ٢٨» في قولهم هذا بأنهم إذا رجعوا إلى الدنيا يؤمنون كلا لا يؤمنون البتة لسابق شقائهم بحسب خبث طوييتهم «وَقالُوا» هؤلاء الكفرة «إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا» لا حياة بعدها كما يقول محمد وضمير هي يعود إلى الحياة ويجوز عوده على المتأخر رتبة ولفظا قال المتنبي:
هو الجد حتى تفضل العين أختها ... وحتى يكون اليوم لليوم سيدا
لأن ما بعده خبر له وكذلك يجوز إذا كان ضمير الشان وقد منعه الجمهور لاشتراطه في خبره أن يكون جملة والأحسن عود الضمير إلى ما هو في الذهن أي ما هي الحياة إلا حياتنا الدنيا لا غير «وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ٢٩» مرة ثانية كما كانوا يقولون قبل لا محالة فلا فائدة من إجابة طلبهم على تقدير إمكانها «وَلَوْ تَرى» يا سيد الرسل «إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ» للحكم والقضاء حيث يعرضون عليه يوم الجزاء «قالَ» الله تعالى لهم «أَلَيْسَ هذا» البعث بعد الموت الذي كنتم تجحدونه في الدنيا وتكذبون رسلكم إذ يخبرونكم به وتنكرون كلامي المنزل بذلك «بِالْحَقِّ» الذي لا مرية فيه «قالُوا» إذ لم يروا بدا من الإقرار «بَلى وَرَبِّنا» إنه الحق لا شبهة ولا شك فيه «قالَ» تعالى بعد أن شهدوا على أنفسهم «فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ٣٠» بذلك وتنكرونه إذ لا فائدة لكم الآن أأقررتم أم كذبتم، ثم يقول الحق ﵎ على ملأ الأشهاد
«قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ» غبنوا وخابوا وفاتهم الثواب المؤدي إلى الجنة المنعم به على المصدقين وتلبسوا بالعقاب الموصل إلى النار إذ تمادوا في الدنيا على تكذيبهم ولم يحسوا بأنفسهم «حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً» فجاة على حين غرة
стр. 1403
وغفلة في وقت لا يعلمه إلا الله وسميت القيامة ساعة لأنها تباغت الناس بسرعة بحيث لا يستطيع القائم أن يقعد ولا القاعد أن يقوم «قالُوا» منكروا الساعة «يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا» قصرنا من العمل الصالح «فِيها» في الدنيا وفاتنا كسب هذه الصفقة إذ بعنا ما يستوجب الرضا بالسخط. روى الطبري بسنده عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ في قوله يا حسرتنا إلخ قال: يرى أهل النار منازلهم في الجنة فيقولون يا حسرتنا «وَهُمْ» والحال أنهم «يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ» أي أثقال ذنوبهم وهذا الحمل إما معنوي بحيث يتخيّلون جزاءها الثقيل فهم كالحاملين له، وإما أن تتجسم لهم فيحملونها راجع الآية ١٨ من سورة فاطر في ج ١. جاء في الأخبار والآثار: يتبع الميت ثلاث ماله ويفارقه عند خروج روحه، وأهله ويفارقونه عند ما يوارونه بالتراب، وعمله يبقى معه إلى يوم القيامة، فإن كان خيرا أوصله إلى الجنّة وإن كان شرا أدخله النار. ولهذا يقول الله تعالى لأهل الشر «أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ ٣١» بئس الحمل الذي يحملونه لما فيه من الخزي والعار «وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ» باطل وغرور لأن اللعب ترك ما ينفع بما لا ينفع واللهو الميل عن الجد والهزل، وهذا رد لقولهم (إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا) إلخ يعني أن حياة الكافرين أمثالكم لعب لا تعقبه منفعة أما حياة المؤمنين فهي تفكير وعبادة فتعقب عليهم منفعتها في الآخرة خيرا ولهذا قال تعالى «وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ» من الدنيا الفانية لأنها باقية «لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ» الله ويؤمنون برسله وكتبه «أَفَلا تَعْقِلُونَ ٣٢» هذا أيها الكفرة فتعلمون أن الدنيا شر الذين يجحدون لقاء الله في الآخرة، قال تعالى «قَدْ نَعْلَمُ» يا حبيبي «إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ» فيك ما لا يليق بحضرتك من التكذيب والسخرية «فَإِنَّهُمْ» بعملهم هذا «لا يُكَذِّبُونَكَ» وإنما يكذبون الذي أرسلك إليهم لأن تكذيبك تكذيب للحضرة الكريمة وانك صادق أمين مبجّل عند ربك «وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ٣٣» وهذا غاية في الظلم لأن تكذيب الله أعظم من كل ظلم وهو نهاية في الضلال. وهذه الآية من أعظم آيات القرآن في التبكيت على الكفرة وفيها تسلية لحضرة الرسول بما يعتريه من الحزن على جحودهم آيات الله وإنكارهم
стр. 1404
رسالته إليهم لأن الله تعالى يقول له لا تأس بما يقولون لك لأن هذا الذي يصمونك به هو تكذيب للذي أرسلك وأنزل عليك الكتاب الذي جئنهم به فبعد أن يتعدى تكذيبهم للحضرة الإلهية المقدسة ولم يقتصروا فيه عليك فقد بلغوا الذروة القصوى في الكفر، فاعرض عنهم والله يتولى أمرك فيهم. نزلت هذه الآية في الأخنس بن شريق حين قال لأبي جهل يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب فليس أحد يسمع كلامك غيري، فقال أبو جهل والله إن محمدا لصادق وما كذب محمد قط ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والندوة اللائي أقررنا لهم بها فإذا صدقناهم بالنبوة أيضا فماذا يكون لسائر قريش فأنزل الله هذه الآية.
أخرج الترمذي عن علي بن أبي طالب ﵇ أن أبا جهل قال للنبي ﷺ :
إنا لا نكذبك ولكن نكذب ما جئت به، وقال ناجية بن كعب: قال أبو جهل للنبي ﷺ ما نتهمك ولا نكذبك ولكنا نكذب الذي جئت به من الدين المخالف لدين آبائنا وإذعانك أن هناك حياة أخرى نحاسب فيها على ما كان منا في هذه الدنيا.
وإنما سلى الله رسوله في هذه الآية لأنهم مع اعتقادهم صدقه على ما علمت من قول أبي جهل المار ذكره لا يؤمنون بما جاءهم به حسدا، ويضاهي هذه الآية ما أنزله الله بحق غيرهم في قوله عزّ قوله (وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا) الآية ١٤ من سورة النمل المارة في ج ١، قال تعالى «وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ» من أقوامهم وأتباعهم «فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا» ألا تصبر أنت يا محمد على تكذيب قومك «وَأُوذُوا» أيضا بأكثر مما أوذيت به وانتظروا وعد الله بنصرتهم عليهم وبقوا متحملين أذاهم «حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا» فلك أسوة بهم فثابر على الصبر حتى يأتي الوقت المقدر لذلك «وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ» التي وعد بها عباده المخلصين المنوه بها بقوله عزّ قوله (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ) الآية ١٧٢ و ١٧٣ من الصافات الآتية، وقوله تعالى (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا) الآية ٥١ من سورة المؤمن الآتية أيضا، وقوله تعالى (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) الآية ٢١ من سورة المجادلة في ج ٣ والآية ١٠٣ من سورة يونس المارة فراجعها، ولا خلف لوعد الله
стр. 1405
كيف وهو يأمر عباده بالوفاء ويعيب الناكثين والمخلفين، إلا أن لوعده أجلا لا يتخطاه «وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ ٣٤» أخبارهم التي قصصناها عليك من قبل وظفرهم بعد صبرهم فما عليك إلا الانتظار لهذا الظفر القادم «وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ» عن الإيمان بك واستعظمت ذلك ولم تركن إلى الصبر فافعل ما بدا لك «فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ» سريا ومنفذا من تحتها بدليل الظرفية فانفذ فيه «أَوْ سُلَّماً» تصعد عليه «فِي السَّماءِ» فاصعد إليها، وفي هنا بمعنى إلى لأن حروف الجر تخلف بعضها والسلّم يذكر ويؤنث.
قال أوس في تأنيثه:
لنا سلم في المجد لا يرتقونها ... وليس لهم في سورة المجد سلم
وقال في تذكيره:
الشعر صعب وطويل سلّمه ... إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه
أي إذا كان لك شيء من ذلك فافعل «فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ» تدل على صدقك وتمنعهم من تكذيبك فافعل ولكنك لست بفاعل ما لم نقدرك على فعله وحيث كان كذلك فما عليك إلا أن تتحمل وتصبر، نزلت هذه الآية العظيمة في المنزل عليه ﷺ حين عظم عليه استهزاء قومه وتكذيبهم إياه وإصرارهم على الإعراض عن الإيمان وتاقت نفسه الكريمة أن يظهر الله تعالى على يده الآيات التي طلبها قومه ليسلّموا له ويؤمنوا بربه فأخبره الله بهذه الآية بما يقطع أمله من ذلك لأن إنزال الآيات مقدر على أوقات وأسباب لا تتعداها وكذلك الإيمان وعدمه موقت بأوقات لا يتخطاها سواء أجيب طلبهم أم لا، ثم أخبره بما هو مراده في الأزل فقال «وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى» من دون إرسالك إليهم ولكنه لم يشأ فلا تتعب نفسك وتتأذى بما تراه منهم لأن المشيئة قضت بذلك وفاقا لما هو مقدر عليهم في الأزل الذي لا يتغير ولا يتبدل، فاعلم هذا وتبه وإياك أن يخطر ببالك ما لم يكن في مراد الله فإنه لا يكون «فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ ٣٥» الذين يشوبهم الجزع ويضيق صدرهم لكل بادرة فأنت على ما أنت عليه من سعة الخلق وشرح الصدر وطول البال ولين الجانب. وإنما غلظ ﵎ لحبيبه هذا الخطاب في
стр. 1406
هذه الآيات ليبعد جنابه العالي عن هذه الحالة ولا يحرص على إيمانهم إذ سبق في قضائه عدم إيمانهم لأنهم في معزل عن الإجابة لدعوته لانهماكهم في مهاوي الكفر واقتصارهم على الأقوال الفارغة وإذ زاد القول فقد نقص العمل، واعلم أن هذه في أناس مخصوصين علم الله موتهم على الكفر ولهذا قال تعالى «إِنَّما يَسْتَجِيبُ» لك ويقبل دعوتك «الَّذِينَ يَسْمَعُونَ» تلاوتك سماع قبول بآذانهم وتعيها قلوبهم «وَالْمَوْتى» الكفار الذين لا يصغون لقولك ولا يتعظون بوعظك «يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ» يوم القيامة فيسألهم عن عدم إذعانهم هذا «ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ٣٦» بعد الحساب فيجازيهم على إعراضهم قد شبههم الله تعالى بالموتى بجامع عدم الإجابة والإسماع في كل منهما ولأن الجاهل ميت قال الشاعر:
لا يعجبن الجهول بزيه ... فذاك ميت ثيابه كفن
وقال: أبا سامعا ليس السماع بنافع ... إذا أنت لم تفعل فما أنت سامع
إذا كنت في الدنيا عن الخير عاجزا ... فما أنت في يوم القيامة صانع
«وَقالُوا» أولئك الكفرة «لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ» تشهد على رسالته مثل الأنبياء قبله لآمنا به فأنزل الله تعالى إنزاله «قُلْ» لهؤلاء الكفرة يا سيد الرسل «إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً» مثل ما أنزل على من قبلك «وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ٣٧» عاقبتها لأنهم إذا لم يؤمنوا بالآيات المقترحة يستأصلون بالعذاب دون مهلة ما كأمم الأنبياء قبلهم الذين أعطوا ما اقترحوه ولم يؤمنوا فأخذهم الله والله تعالى عالم بأن هؤلاء المقترحين لا يؤمنون وان الذين سيؤمنون منهم لم يحن وقت إيمانهم المقدر لهم وان البلاء إذا نزل عم راجع الآية ٢٥ من سورة الأنفال في ج ٣، على أن من يريد الإيمان عن صدق فلديه القرآن أكبر آية وأعظم معجزة وأجل برهان ولكن لا يقصدون من ذلك إلا العناد والتمادي في الضلال «وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ» من كل ما دب على ظهرها «وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ» أي أن كل جنس من الحيوان أمة مثل البشر والجن، فالطير أمة والوحش أمة والحوت أمة والجراد أمة والديدان أمة وهلم جرا من كل ما كان من خلق الله بالولادة أو التوالد سواء كان على وجه
стр. 1407
الأرض أو داخلها أو كان عائما في الماء أو الهواء لأنه إذا اتصل بالأرض دب عليها فالكل داخل في معنى الآية ووجه المماثلة هو أن كل حيوان يعرف خالقه ويوحده ويسبحه ويصلي له بحسبه قالا أو حالا، قال تعالى (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) الآية ٤٤ من الإسراء المارة في ج ١، وكما أن البشر مخلوق لله فهي مخلوقة له وكما أن البشر يألف بعضه بعضا فهي يألف بعضها بعضا أيضا، وكما يفهم بعضه على بعض يفهم بعضها على بعض، وكما أنه يموت ويبعث فهي أيضا كذلك وقد اقتصر الله تعالى على ما في الأرض في هذه الآية وإن كان ما في السماء أمما أيضا مخلوقة له جل شأنه ولكنها غير مشاهدة وقد جاءت الآية بمعرض الاحتجاج والاحتجاج بالمعاين أولى منه فيما لم يعاين وفي ذكر الجناح للطائر إشارة إلى أنه تعالى سيحدث طائرا بلا جناح يتحرك بطبعه مما هو داخل في قوله تعالى بمعرض ذكر الأنعام (وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ) مما كان من الدواب والملك التي تركب ومما سيكون من هذا النوع بعمل البشر الكائن بتعليم الله إياه وإلا فما هو الموجب لتقييد الطير بالجناح ومن المعلوم أن الطائر لا يكون بلا جناح فتنبه رحمك الله إلى معجزات القرآن العظيم التي تظهر أولا بأول وقد ظهرت الأفلاك العظام كما وصفها الله بقوله (وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ) الآية ٢٤ من سورة الرحمن في ج ٣، ثم السيارات ثم الطائرات ولا تزال تظهر هذه المصنوعات البشرية بما يفوق العقل تصورها راجع الآية الثانية من هذه السورة.
مطلب كل شيء في القرآن مما كان ومما سيكون والآية الخارقة لعقيدة المعتزلة:
وهنا يظهر سر قوله تعالى «ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ» مما علمه البشر ومما لم يعلمه بدليل التنكير والتفريط يتعدى بعن وقد ضمن هنا معنى ما أغفلنا ولا تركنا شيئا إلا وقد أشرنا إليه في اللوح المحفوظ وألمعنا إلى بعض ما في علمنا في هذا القرآن من أمر الدين والدنيا والآخرة، روى البخاري عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمّصات والمتفلجات للحسن المغيرات لخلق الله، فقالت له امرأة في ذلك فقال ومالي لا ألعن من لعن رسول الله وهو في كتاب الله فقالت له قرأت ما بين اللوحين (تريد القرآن كله)
стр. 1408
فما وجدت فيه ما تقول قال لئن قرأتيه لقد وجدتيه أما قرأت (ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) الآية ٨ من سورة الحشر في ج ٣، قالت بلى قال فإنه ﵊ قد نهى عنه. وقال الشافعي ﵀ مرة في مكة سلوني عما شئتم أخبركم عنه في كتاب الله فقيل له ما تقول في المحرم يقتل الزنبور فأجاب بأنه يقتله واستدل عليه بنحو ما استدل ابن مسعود من أن الرسول أمر بقتل الهوام المؤذية وقد أمر الله في كتابه بالأخذ بكلامه هذا، وقد أخرج أبو الشيخ في كتاب الفطرة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ إن الله لو أغفل شيئا لأغفل الذرة والخردلة والبعوضة راجع الآية ٢٦ من سورة البقرة في ج ٣ والآية ٢٣ من سورة الشورى الآتية والآية ٤٤ من سورة الأنبياء الآتية تجد ما تريده وما قاله ابن الجوزي في هذا المعنى، وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن مسعود أنه قال: أنزل الله في هذا القرآن كل علم وبين لنا فيه كل شيء ولكن علمنا يقصر عما بين لنا في القرآن، وقال الشافعي: لا تنزل بأحد في الدين نازلة إلا في كتاب الله الهدى فيها، وقال ابن عباس: لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب الله، وقال المرسى: جمع القرآن علوم الأولين والآخرين بحيث لم يحط بها علما إلا المتكلم به والمنزل عليه عدا ما استأثر الله به لنفسه «ثُمَّ إنّهم إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ٣٨» كما يحشر البشر ويحاسبون كما يحاسب البشر بحيث يجعل الله في كل منها قوة النطق والادعاء والدفاع والعفو والإصرار ثم تكون ترابا وحينذاك يتمنى الكافر لو كان مثلها لشدة ما يرى من العذاب راجع الآية الأخيرة من سورة النبأ الآتية، روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: لتردن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء «وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا» الواضحة إنما كذبوا بها لأنهم «صُمٌّ» عن سماعها «وَبُكْمٌ» عن النطق بها لكونهم غارقين «فِي الظُّلُماتِ» المتكاثفة راجع الآية ٤٠ من سورة النور في ج ٣، أي أنهم يكونون في الآخرة كما هم في الدنيا وهي ظلمة الكفر وظلمة الجهل وظلمة الحيرة لذلك تراهم غافلين عن التأمل في آيات الله لاهين عن التفكير فيها ساهين عن النظر إليها وهم في معزل عن معانيها
стр. 1409
لسابق شقائهم والحقيقة التي لا غبار عليها هي ما ذكره الله بقوله «مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ» فلا يهتدي أبدا «وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ٢٩» فيهديه للإسلام وهذا عدل منه تعالى فهو الفاعل المختار المتصرف في ملكه يفعل ما يشاء كيف يشاء كما أن أحدكم إذا هدم داره هل يسأل عنها وهل يعد مقترفا جرما كلا والله لا يسأل عما يفعل بل خلقه يسألون إذا تجاوزوا على أحد، وهذه الآية دليل قاطع على عدم خلق الأفعال وإرادة المعاصي من العاصي ونفي الأصلح وأن الكفر والإيمان بإرادته تعالى والإرادة لا تتخلف عن المراد كما هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافا لأهل العقائد الفاسدة من المعتزلة وأضرابهم الذين لما رأوا هذه الآية خارقة لعقيدتهم وعجزوا عن مقاومتها لوّوا أعناقهم فراموا رفضها وأوّلوا يضلله بيخذله ولم يلطف به، وقالوا إن معنى يجعله يلطف به كأن الله تعالى عاجز أن يقول ما قالوا لو كان المراد كما قالوا وله القول الفصل أو أنه تعالى ضاق كلامه عن التعبير بما أولوه حاشا ثم حاشا، وقدمنا في الآية ١٢ من سورة الحجر المارة ما يتعلق في هذا البحث فراجعها. قال تعالى يا
سيد الخلق «قُلْ» لهؤلاء المعاندين «أَرَأَيْتَكُمْ» أخبروني، تقول العرب أرأيتك أي أخبرني عن حالك والمراد بهذا الاستخبار تبكيتهم والقامهم الحجر بما لا سبيل إلى إنكاره «إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ» في الدنيا كما أتى على من قبلكم من الموت الفجائي بخسف أو رجم أو غرق أو صيحة أو غيرها فصعقتم حالا دون مهلة أتدعون أحد يكشف ما حل بكم أو أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ» على حين غرة «أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ» لكشف ذلك عنكم وهل تغيثكم أصنامكم إذا استغثتم بها على كشفه أجيبوني «إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ٤٠» أنها تنجيكم من ذلك فإن قالوا لك شيئا أو لم يقولوا فقل يا سيد الرسل
«بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ» لا غير لأنكم تعرفون أنها لا تنفعكم في مهماتكم ولا في غيرها ولكنكم إذا دعوتم الله عن صدق نية وحسن عقيدة وحقيقة يقين «فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ ٤١» لشدة الهول النازل بكم فنتضرعون إلى الله بادىء الرأي وتدعون أصنامكم لعلمكم بعجزها عن دفع الضر عن نفسها فضلا عن غيرها، فإذا كان كذلك وهو كذلك أيليق بكم وأنتم تدعون العقل أن تتركوا
стр. 1410
الإله الواحد الذي يلجأ إليه في المهمات وتعبدوا غيره حال الرخاء وهو جماد أو حيوان مخلوق لله لا يتمكن من عمل شيء أما بكم من عقل يمنعكم من هذا أما تعتبرون بمن مضى قبلكم «وَ» أنت يا أكمل الرسل لا تجزع لما ترى منهم «لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ» رسلا كثيرة فخالفوهم وكذبوهم وآذوهم أقوامهم مثل ما فعلت بك عشيرتك وأمتك وقد أمهلناهم ختى انقضى الأجل المضروب لهم فأصروا على كفرهم ولم يؤمنوا «فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ» الفاقة والشدة والسوء «وَالضَّرَّاءِ» نقص الأموال والأنفس والثمرات والأولاد «لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ٤٢» لنا ويخضعون لأوامر رسلنا ويتذللون فيتوبون فنعفو عنهم ولكنهم لم يفعلوا «فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا» لنا لعلنا تكشفه عنهم كما كشفناه عن قوم يونس راجع الآية ٩٨ من سورة يونس المارة «وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ» فلم يتضرعوا لنا عنادا هذا على أن لولا هنا نافية كما هي في الآية المذكورة من سورة يونس المارة إلا أن الجمهور على أنها أداة تحضيض بمعنى هلا كما في أكثر المواضع، وحملوا المغني على التوبيخ والتنديم وهو يفيد عدم الشرك وعدم الوقوع بدليل أداة الاستدراك تدبر «وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ٤٣ فأعجبتهم صنايع كفرهم ومعاصيهم وقدمنا ما يتعلق بهذا في الآية ٣٨ من سورة الحجر فراجعها «فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ» ولم يتعظوا بما أصابهم لكثافة الرّين الذي على قلوبهم وطبقات الصّدأ «فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ» من السعة والرخاء والصحة والسلامة والحياة والرياسة بدل الفقر والشدة ونقص الأموال والثمرات والذل والمهانة لنستدرجهم «حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا» من الخيرات والقوة والسلطان وظنوا أن ما كان بهم لم يكن للانتقام بل للسعادة والرضاء «أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً» فجأة وهم على أحسن حال يتمنونه لتشتد حسرتهم ويتضاعف ندمهم على ما تركوا من اللذات والشهوات لأنهم لو أخذوا حال الضيق لهان عليهم الأمر لأن كثيرا من المبتلين يتمنون الموت ليتخلصوا من بؤسهم وقد قال قائلهم:
ألا موت يباع فأشتريه ... فهذا الحال مما لا خير فيه
ولا تجد أحدا من المنعمين يريده بل أكره ما عليهم ذكره «فَإِذا هُمْ
стр. 1411
مُبْلِسُونَ
٤٤» آيسون كثيروا الأسف والحسرة حزنا على ما فاتهم فيها لأن المبلس المطرق رأسه أسى على ما حل به من الندم وعدم تلافي ما فرط به، روى عامر بن عقبة أن النبي ﷺ قال إذا رأيت الله يعطي العبد ما يحب وهو مقيم على معصيته فإنما ذلك استدراج ثم تلا هذه الآية أسنده الطبري وذكره البغوي بغير سند «فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا» أنفسهم وأهلكوا عن آخرهم يقال دبر فلان القوم إذا كان آخرهم، أي فكأنهم لم يلبثوا فيها وقد انقلب فرحهم ترحا وعزهم ذلة كما قال القائل:
ألا إنما الدنيا كظل سحابة ... أظلنك يوما ثم عنك اضمحلت
فلا تك فرحانا إذا هي أقبلت ... ولا تك جزعانا إذا هي ولت
وقيل: إذا جاءت الدنيا عليك فجد بها ... على الناس طرا قبل أن تتفلت
فلا الجود يفنيها إذا هي أقبلت ... ولا البخل يبقيها إذا هي ولت
ولكن هؤلاء كلهم جزع لأن ما هم قادمون عليه أشر مما فاتهم «وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ٤٥» على تأييد رسله وإهلاك أعدائهم، وهذا تعليم من الله لأنبيائه والمؤمنين أن يحمدوه عند كفايته شر معانديهم ومناوئيهم وعند قضاء حوائجهم، وهذا الحمد واجب لأنه بمقابلة نعمته وهكذا يجب على كل من أولاء الله نعمة من مال أو ولد أو صحة أو غيرها، أما في غير مقابلة نعمه فهو مسنون في كل حال لأن نعم الله على العباد لا تحصى وقيل في المعنى:
نعم الإله على العباد كثيرة ... وأجلهنّ نجابة الأولاد
قال بعض المفسرين إن الله تعالى حمد نفسه بنفسه على ما فعل بهم أي لم يقصد به التعليم والأول أولى، قال تعالى «قُلْ» يا أكرم الرس لهؤلاء الكفرة «أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ» فصرتم عميا صما بكما عميا «مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ» أي بما أخذه منكم من تلك القوى فسيقولون لك حتما لا أحد يقدر على الإتيان لهم بشيء من ذلك إلا الله وانهم بفقدها يكونون كالجماد لأن الإنسان بغير هذه الحواس يختل نظامه ويفسد أمره وتتعطل مصالحه الدينية والدنيوية ولا يقدر على إيجادها إلا الذي
стр. 1412
خلقها، فيا سيد الرسل «انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ» ونكررها لهم ليستدلوا بها معالم التوحيد وآثار النبوة وعلائم الآخرة «ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ٤٦» يصدّون ويعرضون ويميلون عنها، قال أبو سفيان ﵇ في هذا المعنى:
عجبت لحكم الله فينا وقد بدا ... له صدفنا عن كل حق منزّل
أي أنه يتعجب كيف ﵏ وأخر عذابهم إلى أن وفقوا إلى التوبة والإيمان مع شدة إعراضهم عنه فيكون صدف هنا بمعنى أعرض وبمعنى مال وأصل الصدف الجانب والناحية ومنه الصدفة وتطلق على البناء المرتفع وجاء في الخبر أنه ﷺ مرّ بصدف مائل (أي بناء عال مائل) فأسرع ثم بكّتهم ثالثا بقوله عز قوله «قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً» عيانا أو خفية ليلا أو نهارا «هَلْ يُهْلَكُ» فيه أحد هلاك خسارة وحرمان «إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ ٤٧» أنفسهم وغيرهم بسبب كفرهم وطغيانهم وبغيهم كلا لا يهلك غيرهم.
مطلب من هلك بسائق غيره لا يعذب وتبرؤ حضرة الرسول من قول قومه وقوله تعالى (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ) إلخ:
أما إذا كان الهلاك عاما وهلك فيه غير الظالم فإن هلاكه هذا بسائق غيره فلا يعد خسارة عليه وحرمانا بل إن الله تعالى يكافئه في الآخرة خيرا على عمله وخيرا على هلاكه كما أنه يجازي المضل على ضلاله وإضلاله غيره راجع الآية ٢٥ من سورة الأنفال في ج ٣ والآية ٨٨ من سورة النحل الآتية، «وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ» المؤمنين بالثواب «وَمُنْذِرِينَ» الكافرين بالعقاب «فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ» عمله بعد إيمانه «فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ» حين يخاف الناس «وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ٤٨» إذا حزنوا بل الأمن لهم والبشرى في الدنيا والآخرة «وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا» في الدنيا وأصروا على تكذيبهم حتى هلكوا فهؤلاء «يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ» بالآخرة حتما سواء سلموا من عذاب الدنيا أو عذبوا فيها جزاء «بِما كانُوا يَفْسُقُونَ» ٤٩ يخرجون عن الطاعة «قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ» أجري عليكم منها ما تريدون «وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ» لأخبركم بما تقترحون أيكون أم لا «وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي
стр. 1413
مَلَكٌ»
أقوى على ما لا يقواه البشر لأفتك بكم أي لا أدعي الإلهية ولا الملكية ولا الغنى ولهذا فلا يفهم من معنى هذه الآية أن الملك أفضل من الرسول راجع الآية ٣٠ من سورة هود المارة وإنما أنا بشر مفتقر إلى الله في كل أموري «إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ» فأعمل به وأخبركم وأدعوكم للعمل به لا غير «قُلْ» لهم يا سيد الرسل «هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ» الضال والمهتدي «أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ ٥٠» في عدم التسوية بينهما تدل هذه الآية الكريمة على أن حضرة الرسول ما كان مجتهدا في شيء من الأحكام بل كان يتبع وحي الله فقط فيعمل به وهو الصحيح لأنه لا ينطق عن هوى، وسبب نزول هذه الآية الرد على الكفرة الذين يقترحون على الرسول إنزال الآيات السماوية ليصدقوه فأمره الله تعالى أن يقول لهم ما ذكره في هذه الآية حسما للباب،
قال تعالى «وَأَنْذِرْ بِهِ» بما أوحي إليك من لدنا «الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ» المقرين بالبعث وخص المؤمنين مع أن إنذاره ﵇ عام لجميع الخلق لأن الحجة على هؤلاء أولى من غيرهم، والمراد بالحشر المحل الذي يريده الله تعالى لجمع الخلق وهو الموقف لا إليه ذاته جلت عن المكان فلا حجة في هذه الآية إلى المجسمة القائلين إن إلى (في إِلى رَبِّهِمْ) تفيد الغاية إلى المكان فيكون تعالى شأنه مختصا بمكان تنزه عن ذلك.
هذا ويدخل في حكم هذه الآية المجوزون للحشر سواء كانوا جازمين بأصله كأهل الكتاب، وبعض المشركين المترددين في شفاعة آبائهم الأنبياء كالأولين المعترفين بالبعث بعد الموت أو في شفاعة الأصنام كالآخرين المجوزين للحشر الجازمين فيه من أهل الكتاب وبعض المشركين أي المترددين بهما معا كبعض الكفرة الذين يعلم من حالهم أنهم إذا سمعوا بحديثه يخافون أن يكون حقا، وأما المنكرون للحشر رأسا والقائلون به القاطعون بشفاعة آبائهم أو بشفاعة الأصنام فهم خارجون عمن أمر بإنذارهم هكذا، قال شيخ الإسلام أما ما قيل إن المراد بهم المؤمنون المفرطون أو الكافرون معا بداعي أن الكل يخاف الحشر لأن الرسول مبعوث للكل فهو وجيه إلا أن سياق الكلام لا يساعده وسباقه ينافيه ومما يرد القول الأخير قوله تعالى «لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ» أي الله «وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ» يشفع لهم
стр. 1414
أو يواليهم لأن الشفاعة لا تكون إلا لمن يأذن الله له بها قال تعالى (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) الآية ٢٥٥ من البقرة في ج ٣، والكافرون ليس لهم ولي ولا شفيع لقوله تعالى (وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ) الآية ١٨ من سورة غافر الآتية وعلى هذا فلا يدخلون في مضمون هذه الآية، أما المؤمنون المذنبون فتشفع لهم أنبياؤهم والملائكة والأولياء أيضا فيدخلون في مضمونها دخولا أوليا والله أعلم.
هذا وإنما أمر الله تعالى رسوله أن يتقدم لمثل هؤلاء بالإنذار رحمة بهم «لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ٥١» الكفر ودواعيه فيدخلون في زمرتهم، ولما أمر الله غير المتقين ليتقوا أمر بتقريب المتقين إليه وأن لا يقصيهم عن مجلسه فقال عز قوله «وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ» إرضاء للكفرة الذين يأنفون مجالستهم فإياك إياك أن تفعل ذلك، وتشعر هذه الآية بالثناء على هؤلاء المذكورين فيها لمواصلتهم ذكر الله ومواظبتهم على عبادته صباح مساء ولذلك وصفهم بالإخلاص المستفاد من قوله جل قوله «يُرِيدُونَ وَجْهَهُ» ذاته المقدسة بدعائهم لا غير وهؤلاء يا حبيبي «ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ» لأن حسابهم على الله وحده «وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ» لأن حسابك أيضا على الله وذلك أن المشركين طعنوا في دين هؤلاء وإخلاصهم على حد قوله تعالى حكاية عن قوم نوح ﵇ (ما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا) الآية ٢٧ من سورة هود المارة فأخبره الله تعالى بأنك لا تكلف أمرهم كما هم لم يتكلفوا أمرك لأن وظيفة الرسل النظر إلى ظواهر الأمور وتفويض البواطن إلى الله أي ليس لك يا محمد أن تطردهم بداعي أن إيمانهم غير خالص لأنك لا تعلم ما في قلوبهم، ولهذا حذّره بقوله «فَتَطْرُدَهُمْ» وتبعدهم عنك وهذا جواب ما عليك أي إن طردتهم وأجبت رغبة الكفرة «فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ٥٢» نفسك بإبعادهم عن مجلسك بل عليك أن تقربهم وتدنيهم منك لمجرد تقواهم وطاعتهم لا أن تبعدهم فتظلمهم اتباعا لقول أعدائهم، قال تعالى «وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ» أي اتباع الرسل قبلك ففتنة الغني بالفقير والشريف بالوضيع والصحيح بالمريض هي الأنفة منهم وبالعكس هي الحسد لأن الفقير يرى سعة الغني وخصب عيشه والمريض يرى تمتع
стр. 1415
الصحيح بالعافية والراحة، والوضيع يرى مرح الشريف وكبير جاهه وان الأشراف والأغنياء والمعافين يرون تقدم أولئك عليهم عند الأنبياء بسبب إسلامهم وإيمانهم وهم يأنفون مجالستهم فيمتنعون من الإيمان فيبقون مفتتنين ببعضهم وانهم «لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» بالإيمان والقرب من الرسل «مِنْ بَيْنِنا» ونحن أفضل منهم وأقدم وأحسن لأنهم لا مكانة لهم ولا مال ولا حسب وهذا اعتراض على الله ولذلك رد عليهم بقوله عزّ قوله «أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ٥٣» نعمه من خلقه بلى هو أعلم بذلك، واعلم أن سبب المنة عليهم شكرهم وسبب حرمان الآخرين كفرهم وما منعهم أن يكونوا مثلهم إلا عدم إيمانهم بالله وعدم شكرهم أفضاله عليهم إذ صرفوا جوارحهم إلى ما لم تخلق لها، ثم إن الله أمر رسوله بإكرام المؤمنين مهما كانوا فقراء أو ضعفاء أو مرضاء بقوله جل قوله «وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا» أمثال أولئك المذكورين في الآية السابقة المتطهرين بالإيمان بنا لأنهم مؤمنون حقا «فَقُلْ» لهم يا سيد الرسل على رغم أنف أولئك المتطاولين بنعمتنا عليهم «سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ» لكم أي بشرهم بقبولهم عند الله وعدهم برحمته وعدا مؤكدا لأن كتب بمعنى وجب وهو لا وجوب عليه وإنما قال كتب لزيادة التأكيد برحمتهم تفضلا منه وقل لهم يقول الله ﵎ «أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ» أيها المؤمنون «سُوءاً» ذنبا «بِجَهالَةٍ» به عن غير قصد ولا يعلم ما ينشأ عنه من المضرة وما ينتج عن فعله «ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ» نفسه وتباعد عن اقتراف مثله «فَأَنَّهُ غَفُورٌ» ستار له لا يفضحه به في الدنيا ولا يعاقبه في الآخرة «رَحِيمٌ ٥٤» بعباده التائبين لأن الذنب مهما كان إذا لم يكن تعمدا أو مضرا بالغير فهو للرحمة قريب وللعفو عنه أقرب، وسبب نزول هذه الآيات من وأنذر ألى هنا ما روي عن سعد ابن أبي وقاص قال: كنا مع رسول الله ﷺ ستة نفر فقال المشركون للنبي ﷺ اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا قال وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان نسيت اسمهما فوقع في نفس رسول الله ما شاء الله أن يقع فحدث نفسه فأنزل الله عليه ولا تطرد إلخ الآيات أخرجه مسلم. وجاء عن عكرمة وابن مسعود
стр. 1416
والكلبي ما بمعناه، وهذا أولى من قول من قال إن هذه الآيات نزلت في سلمان وجماعة من فقراء المسلمين لأن سلمان ﵁ أسلم بالمدينة وهذه السورة مكية وليست هذه الآيات من
المستثنيات منها وأولى من قول من قال إنها نزلت في المؤلفة قلوبهم المنوه بهم في قلوله تعالى (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ) الآية ٤٩ من سورة الكهف الآتية وهي مدنية وكان إسلام هؤلاء بعد فتح مكة وهذه الآيات التي نحن بصددها نزلت قبل الهجرة في مكة وبينهما بعد عظيم وفرق كثير قال عكرمة فكان ﷺ إذا رأى الذين نهى عن طردهم بدأهم بالسلام امتثالا لأمر الله له بذلك وقيل إن الآية الأخيرة أي وإذا جاءك إلخ نزلت في عمر ﵁ لأنه قيل إنه قال لحضرة الرسول حينما طلب منه المشركون طرد أولئك الأبرار لو أجبتهم لما قالوا لعل الله يأتي بهم (وهذا الذي وقع في نفس رسول الله المذكور بالحديث المروي عن سعد بن أبي وقاص) ولم يعلم المضرة الناتجة عن كلامه هذا وعدم رضاء الله بها ثم إنه صار يبكي وقال معتذرا ما أردت إلا خيرا ولكن المقرر أن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب فالقول بإطلاق هذه الآية على كل مؤمن أولى وأنسب بالمقام ويدخل فيها السيد عمر وغيره دخولا أوليا «وَكَذلِكَ» مثل ما قصصنا لك هذا وبيناه «نُفَصِّلُ الْآياتِ» بذكر أوصاف المطيعين والعاصين «وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ٥٥» الذين صاروا إلى النار يوم القيامة ليظهر لك الحق الذي أنت عليه وأصحابك والبطل الذي عليه أعداؤك، وقرئ الفعل بالياء لأن السبيل تذكر وتؤنث قال تعالى (وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا) الآية ١٤٥ من الأعراف المارة في ج ١ وقال تعالى (يَبْغُونَها عِوَجاً) الآية ٤٤ منها فالتذكير على لغة تميم والتأنيث على لغة الحجاز وهو بالرفع كأنه قال ليظهر الحق وليستبين سبيل إلخ وحذف المعطوف عليه من المحسنات البديعة وقرىء بنصب سبيل على المفعولية على أن يعود الفاعل لحضرة الرسول ويكون المعنى سايرهم حتى تستوضح طريقهم وإذ ذاك تعاملهم على ما يليق بهم في الدنيا ومرجعهم إلينا في الآخرة فنعاملهم على ما عاشوا عليه «قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ» من الأوثان كافة، لأن أدلة العقل
стр. 1417
وأدلة السمع تأبى ذلك، وهذه الآية رد على المشركين الذين يكلفون حضرة الرسول اتباع دينهم دين آبائهم، وقطع لأطماعهم الفارغة لأنها عبارة عن هوى أنفسهم وضلال صرف محض ولذلك نهى عنه رسوله ﷺ بقوله «قُلْ لا أَتَّبِعُ» في هذا ولا في طرد المؤمنين «أَهْواءَكُمْ» النفسية البحتة «قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً» إن أنا فعلت أو ملت لشيء من ذلك «وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ٥٦» بهداية ربي وفيها إشارة الى أنهم هم الضالون عن الهدى «قُلْ إِنِّي» فيما أنا عليه «عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي» وبصيرة ظاهرة ناصعة لأني في طاعته وعبادته «وَكَذَّبْتُمْ بِهِ» على غير بيّنة تبعا لهدى أنفسكم فأشركتم به غيره ما لا يستحق العبادة وإذا دمتم على هذه ولم تقلعوا عنه فأنذركم عذاب الله فقالوا له ائتنا بما تعدنا به من العذاب إن كنت صادقا لنصدقك فأوحى الله إليه أن يقول لهم «ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ» من العذاب ولا أقدر على إنزاله «إِنِ الْحُكْمُ» في إنزاله حالا أو تأخيره لأجل معلوم عنده لا يكون «إِلَّا لِلَّهِ» وحده وهو «يَقُصُّ الْحَقَّ» يبرمه وقرىء يقض والمعنى واحد لأن القضاء قول مبرم وهذه من القراءات الجائزة إذ لا تبديل فيها بالمعنى واللفظ عبارة عن تصحيف في النقط لأن الصاد أخو الضاد وقد ذكرنا غير مرة أن القراءة الغير جائزة وهي التي فيها تبديل كلمة أو حرف مباين أو زيادة أو نقص شيء من ذلك «وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ ٥٧» بين الحق والباطل إذ لا يقع في حكمه جور ولا حيف، يا أكرم الرسل إذا ألح عليك قومك بطلب إنزال العذاب «قُلْ» لهم «لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ» لأوقعته عليكم حالا وما أمهلتكم به وقد رأيت منكم ما رأيت يدل على هذا قوله «لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ» لأني بشر وقد نفد صبري عليكم لولا أن الله يأمرني بالصبر ولأوقعته عليكم غضبا لله الذي قابلتم نعمه بالجحود لا تشفيا لنفسي ولكنه بيده وهو صبور لا يستفزه الغضب وهو حليم لا يعجل بالعقوبة «وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ ٥٨» أمثالكم هل تعجيل العذاب أصلح لهم أو تأخيره وهو أعلم بالوقت والمحل الذي ينزله عليكم بهما ونوع العذاب الذي تستحقونه
وما أنتم عليه من الحال «وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ» بفتح الميم جمع مفتح اي المخزن وعليه يكون المعنى
стр. 1418
خزائن الغيب أما إذا كان جمع مفتح بكسر الميم فإنه تعالى جعل للغيب مفاتيح على طريق الاستعارة لأن المفاتيح يتوصل بها إلى ما في الخزائن المغلوقة بالأقفال فالذي يعلم تلك المفاتيح وكيفية استعمالها يمكنه أن يتوصل إلى الخزائن بها المدخرة فيها ولما كان ﷻ عالما بجميع المعلومات عبر عن هذا المعنى بذلك وعليه يكون المعنى المراد أن العلم بالغيب عنده وحده لا يشاركه فيه أحد، أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ﵄ قال: مفاتيح الغيب خمسة وتلا قوله تعالى عنده علم الساعة إلخ الآية الأخيرة من سورة لقمان الآتية، وروي نحوه عن ابن مسعود، وأخرج أحمد والبخاري وغيرهما عن ابن عمر مثله، والآية عامة تشمل بإطلاقها جميع ما غاب عن العباد من آجال وأحوال وعذاب وثواب وغير ذلك «لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ» وحده إذ انفرد ﷻ بعلمه «وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ» من نبات وحيوان وجواهر ومعادن ومفاوز وقفار وقرى وأمصار وجزر وأنهار مما علمه البشر وما لا يعلمه «وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ» من جميع الأشجار والنبات «إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ» تسقط من كافة أصناف الحبوب مما يخصّ الإنسان والحيوان والطير والحوت «فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ» إلا يعلمها أيضا وسكت عما في ضياء الأرض لأن الذي يعلم ما في ظلماتها فهو لما في ضيائها أعلم وهو ﷻ لا فرق عنده بين الظلمة والنور ويعلم تلك الورق قبل نباتها وبعده ومن هي رزقه وما يصير منها وما هو مقداره «وَلا رَطْبٍ» من ماء وحي «وَلا يابِسٍ» من أرض وميت أي أنه يعلم كل الأشياء لأنها إما أن تكون رطبة أو يابسة وهي إن كانت داخلة في قوله تعالى وعنده مفاتح الغيب إلا أن ذلك على طريق الإجمال وهذا على طريق التفصيل والتفصيل بعد الإجمال أوقع في النفس ولذلك عد من أبواب البديع في الكلام «إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ٥٩» ظاهر وكل شيء فيه ثابت مدون مما كان ومما سيكون قبل خلق السموات والأرض وإلى آخر الكون وما بعده في الآخرة «وَ» اعلموا أيها الناس أن ذلك الإله العظيم الموصوف بما ذكر من صفات الكمال والقدرة «هُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ» يميتكم فيه لأن النوم وفاة لما بينها وبين الموت من المشاكلة في زوال الإحساس
стр. 1419
وغفلة الحواس الظاهرة والباطنة وفقد الشعور والتمييز «وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ» كسبتم وفعلتم بجوارحكم «بِالنَّهارِ» مما يستحق الثواب ويستوجب العقاب «ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ» يوقظكم بالنهار بعد استيفاء أجل نومكم المعبر عنه بالتوفي ولا يفهم من هذا أن الله تعالى لا يعلم ما جرحنا بالليل ولا أنه لا يتوفانا في النهار لأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه كما أن انتفاء الدليل لا يستلزم انتفاء المدلول وأن عدم وجود الخلق من الأزل لا يستوجب عدم وجود الخالق لتولي أمرهم في الآخرة كما كان يتولى أمرهم في الدنيا وقيل الردّ إلى من ربّاك خير من البقاء مع من آذاك «لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى» لاستيفاء أعماركم والفعل متعلق بيبعثكم «ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ» في الآخرة «ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ٦٠» في هذه الدنيا لا يخفى عليه شيء من أمركم حتى انه يعلم ما ترونه في نومكم وما توقعون فيه من حركات وسكنات راجع الآية ١٢ من سورة الزمر الآتية،
قال تعالى «وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ» المتسلط عليهم بالغلبة المتعالي عليهم بالقدرة راجع معنى الفوقية في الآية ١٨ المارة «وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً» من ملائكة يسجلون أعمالكم راجع الآية ١٨ من سورة ق في ج ١ «حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ» بانقضاء أجله المبرم «تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ» الرسل الموكلون بالوفاة «لا يُفَرِّطُونَ ٦١» في أمرنا ولا يتوانون فيه البتة.
مطلب الجمع بين آيات الوفاة وسرعة الحساب وقول الفلاسفة فيه ومعنى يذيق بعضكم بأس بعض:
واعلم أن المتوفي في الحقيقة هو الله تعالى فإذا حضر أجل العبد أمر الله الملك بقبض روحه والملك الموكل بقبض الأرواح له أعوان وكل أمرهم إليه فيأمرهم بنزع روحه حتى إذا وصلت للحلقوم قبضها هو بنفسه، وهذا التأويل يجمع بين قوله تعالى (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ) الآية ٤٢ من الزمر المنوه بها أعلاه وقوله تعالى (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ) الآية ١٢ من سورة السجدة الآتية وبين هذه الآية تيقظ «ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ» بعد استيفاء آجالهم في البرزخ وإنما قال تعالى الحق لأنهم أي الكفرة كانوا يزعمون أن مولاهم الصنم الذي اتخذوه فنبههم الله بأن زعمهم
стр. 1420
ذلك باطل من أصله وقد أظهر لهم بطلانه وبين لهم أنه هو سيدهم ومالكهم لا غير فتنبه أيها العاقل «أَلا لَهُ الْحُكْمُ» وحده يومئذ في حسابهم على ما كان منهم «وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ ٦٢» لا يحتاج إلى رؤية وفكر ولا يشغله حساب بعض عن آخرين يحاسب، الخلائق كلها بنفسه محاسبة رجل واحد في أسرع وقت وأقصر زمان والمقصود منه على زعم الفلاسفة استعلام ما بقي من الدخل والخرج ولما كان لكل ذرة من الأعمال أثر حسن أو قبيح بحسب حسن العمل وقبحه إذ لا شك أن تلك الأعمال كانت مختلفة فلا جرم كان بعضها معارضا للبعض وبعد حصول المعارضة يبقى في النفس قدر مخصوص من الخلق الحميد وقدر آخر من الذميم فإذا مات الجسد ظهر مقدار ذلك وهو إنما يحصل في الآن الذي لا ينقسم وهو الآن الذي فيه فينقطع فيه تعلق النفس من البدن فعبّر عن هذه الحالة بسرعة الحساب وزعمهم هذا هو أن كثرة الأفعال وتكررها يوجب حدوث الملكات الراسخة وأنه يجب أن يكون لكل واحد من تلك الأعمال أثر في حصول تلك الملكة بل كان يجب أن يكون لكل جزء من أجزاء العمل الواحد من تلك الأعمال أثر بوجه ما في حصول تلك الملكة وحينئذ يقال إن الأفعال الصادرة من اليد هي المؤثرة في حصول الملكة المخصوصة وكذلك الأفعال الصادرة من الرجل فتكون الأيدي والأرجل شاهدة على الإنسان بمعنى أن تلك الآثار النفسانية إنما حصلت في جواهر النفوس بواسطة هذه الأفعال الصادرة من هذه الجوارح فكأن ذلك الصدور جاريا مجرى الشهادة بحصول تلك الآثار في جواهر النفس وعلى هذا فيقصد من الحساب ما ذكر آنفا وزعم من نقل هذا عنهم أنه من تطبيق الحكمة النبوية على الحكم الفلسفية، قال الآلوسي ﵀ متمثلا في هذا البيت:
راحت مشرقة ورحت مغربا ... شتان بين مشرق ومغرب
أي أن هذا الذي تقوله الفلاسفة لا ينطبق على ما نحن فيه ولا يقرب منه إلا كقرب المشرق من المغرب وأنا أتمثل بقول الآخر:
أيها المنكح الثريا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان
فالثريا شامية إذا ما استهلت ... وسهيل إذا ما استهل يمان
стр. 1421
ولا يرد هنا قولهم إن الله تعالى لا يتولى حسابهم بنفسه لقوله جل قوله (لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ ... وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) الآية ٧٧ من آل عمران في ج ٣، لأن الكلام غير المحاسبة أي لا يكلمهم كما يكلم المؤمنين ولا ينظر إليهم نظرهم لأن الكلام والنظر يختلفان باختلاف المكلم والمكلم وبحالة الرضا والغضب، تدبر.
قال تعالى «قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ» ظلمة الليل وظلمة السحاب وظلمه الرياح «وَالْبَحْرِ» ظلماته المارة في الآية ٣٨ وهي ثلاثة والرابعة ظلمته لأن البحر كلما عمق اشتد سواده فتراه في الساحل أبيض فإذا سرت فيه ازداد عمقه فصار أخضر فأزرق فأسود، أي إذا ضللتم الطرق فيها وتحيرتم أأصنامكم تخلصكم من الخوف الذي يلحقكم من التيه والغرق وترشدكم إلى طريق النجاة والأمن أم الله الذي «تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً» جهرا وعلانية «وَخُفْيَةً» سرا في أنفسكم وتقولون حينما يشتد بكم الفزع «لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ» الشدة المؤدية للهلاك يا إلهنا الحق ومولانا الصدق «لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ٦٣» لك إحسانك علينا وإنعامك ونؤمن بك وبكتابك ورسلك «قُلِ» يا سيد الرسل لهؤلاء الجاحدين إن أجابوك وإن لم «اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها» من تلك الظلمات المؤدية لهلاككم «وَ» وينجيكم أيضا هو وحده «مِنْ كُلِّ كَرْبٍ» لا أحد غيره «ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ ٦٤» به غيره بعد إنجائكم وتكفرون نعمه التي أسداها لكم وتنسون لطفه بكم، فيا أكرم الرسل «قُلْ» لهؤلاء الكفرة افعلوا ما شئتم وتحصنوا بما تصورتم فلا وزر لكم منه لأنه «هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ» فيمطركم به كما أمطر على قوم لوط وأصحاب الفيل راجع قصتهما في الآية ٨٢ من سورة هود المارة والآية من آخر سورة الفيل في ج ١ «أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ» كما خسف بقارون ورفيقه المار ذكره في الآية ٨٢ من سورة القصص في ج ١، وهذا مثل للإهلاك في البحر، أما الإهلاك في البر فهو المبين بقوله عز قوله «أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً» يخلطكم خلط اضطراب فيجعلكم فرقا مختلفين يتعصب بعضكم لبعض ضد الآخرين منكم فتقتتلون وتتباغضون، قال السلمي:
стр. 1422
وكتيبة لبّستها بكتيبة ... حتى إذا التبست نفضت لها يدي
«وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ» أي يقتل بعضكم بعضا، والبأس يطلق على الموت والسيف والشدة والمكروه كما أذاق ذلك بني إسرائيل إذ لم يقبل توبتهم إلا بقتل أنفسهم ففعلوا لأجل قبول توبتهم تخلصا من العذاب الأخروي الدائم لأنهم ﵏ عرفوا أن هذه الدنيا فانية وعذابها مهما كان عظيما فهو فان أيضا فاختاروا الدار الباقية طلبا لرضاء ربهم ففادوا بأنفسهم. راجع قصتهم في الآية ٥٤ من سورة البقرة في ج ٣، جاء في الخبر عن سيد البشر أنه قال: سألت الله أن لا يبعث على أمتي عذابا من فوقهم أو من تحت أرجلهم فأعطاني ذلك وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني وأخبرني جبريل أن فناء أمتي بالسيف. وروى البخاري عن جابر قال: لما نزلت (قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ) الآية المارة قال أعوذ بوجهك (أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) قال أعوذ بوجهك (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً) قال هذا أهون أو هذا أيسر. وروى مسلم عن سعد بن أبي وقاص أنه أقبل مع النبي ﷺ ذات يوم من العالية حتى إذا مر بمسجد بني أمية دخل فركع ركعتين وصلينا معه ودعا ربه طويلا ثم انصرف إلينا فقال سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها وسألت ربي أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها وسألت ربي أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها. وأخرج عن خباب بن الأرت قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة فأطالها فقالوا يا رسول الله صليت صلاة لم تكن تصليها قال أجل إنها صلاة رغبة ورهبة إني سألت الله تعالى ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة سألته أن لا يهلك أمتي بسنة فأعطانيها وسألته أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فأعطانيها وسألته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها. والأخبار في هذا كثيرة ولم نأت بها استدلالا على سبب النزول لأن منها ما لا يصح لعدم وقوعه إلا بعد نزول الآية بسنين وإنما أتينا بها استدلالا لإيقاع البأس بين هذه الأمة من بعضها وهو واقع لا محالة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولهذا فإن من قال إنها نزلت في أمة خاصة لا يصح إلا إذا قيل باعتبار آخرها ولهذا قال أبو العاليه في هذه الآية: هن أربع وكلهنّ عذاب وقعت اثنتان
стр. 1423
بعد موت النبي ﷺ بخمس وعشرين سنة يريد حادثة عثمان ﵁ وما وقع بين علي كرم الله وجهه ومعاوية إذ ألبسوا شيعا وأذاق بعضهم بأس بعض وبقيت
اثنتان لا بد واقعتان وهما الخسف والرجم وبهذا قال أبي بن كعب ومجاهد وغيرهما فيا أكرم الرسل «انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ» ونكررها بالوعد والوعيد والرجاء والخوف والرضاء والغضب «لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ٦٥» معانيها ويتدبرون مغازيها فينزجروا عما هم فيه «وَكَذَّبَ بِهِ» بهذا القرآن «قَوْمُكَ» يا محمد «وَهُوَ الْحَقُّ» الذي لا مرية فيه ولا أصدق منه «قُلْ» لهم إذ جرأوا على ذلك قوا أنفسكم من عذاب الله لأني «لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ٦٦» حتى أقيكم منه ولا بمنتقم حتى أجازيكم عليه ولا بحفيظ حتى أحفظكم من عذابه إنما أنا منذر مبلغ مرشد فقط ولكن عليكم أن تعلموا أن «لِكُلِّ نَبَإٍ» من أخبار القرآن «مُسْتَقَرٌّ» ينتهي إليه إما في الدنيا وإما في الآخرة وإما فيهما معا في الوقت والمكان الذي قدر وقوعه فيه لا يتقدم ولا يتأخر ولا يتخلف، ولا تزالون أيها الكفرة تتلبسون في حالتي التكذيب والجحود حتى يأتيكم أمر الله «وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ٦٧» إذ ذاك مغبة عملكم وقساوة جزائه، وهذه الآية محكمة بدليل وقوع التهديد والوعيد في آخرها، وما قيل إنها منسوخة بآية السيف قيل لا يصح لأن صاحب هذا القيل فسر وكيل بعبارة (لم أومر بحربكم) وهذا المعنى أبعد من عنقاء مغرب لأن وكيلا بمعنى حفيظ ورقيب ومدافع وزعيم وحميل ومحام ليس إلا ومتى كان كذلك فإنه إنما يطالبهم بالظاهر من الإقرار والعمل لا بما تحتويه ضمائرهم بدلالة قوله (لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ) تدبر هذا.
مطلب النهي عن مجالسة الغواة وذم اللغو وتهديد فاعليه ومدح من يعرض عنه:
واعلم أن الله تعالى يقول «وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا» المنزلة عليك يا سيد الرسل وهذا خطاب له ولأمته لأن الآية صالحة للعموم أكثر منها للخصوص، وهذا الخوض هو ما يقع منهم من السخرية والاستهزاء والطعن والذم والتكذيب والإنكار بوجود الإله والنبوة والمعاد ومعناه لغة الشروع في الماء والعبور فيه ويستعار للأخذ بالحديث والشروع فيه بطريق التنقيد والتفنيد، يقال
стр. 1424
تخاوضوا وتفاوضوا في الحديث وأكثر استعماله في ذلك قال تعالى (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ) الآية ٤٥ من سورة المدثر المارة في ج ١، وقال تعالى (إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ) الآية ٦٥ من سورة التوبة في ج ٣، وقال تعالى (وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا) الآية ٧ منها وأكثر استعمالها في الذم، أي إذا رأيت أيها الإنسان الخوض من أناس ما في آيات ربك «فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ» واحذر مجالستهم وتباعد عنهم وإياك مقاربتهم «حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ» مما يحل سماعه ويندب الاشتراك فيه فجالسهم «وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ» على الفرض والتقدير الاعراض عنهم ومجالستهم بسائق الغفلة التي هي من شأن البشر أو انشغال فكرك بالله. هذا على أن الخطاب لسيد المخاطبين إذ لم يقع منه قط شيء من ذلك وأنّى للشيطان أن يشغل فكره وليس له عليه سبيل ولهذا عبر بان الشرطية المؤكدة بما لأنهما تفيد الشك وإذا كان الخطاب لغيره فلا مانع من وقوعه، والنسيان مرفوع إثمه عن الناس إذا ترك حين تذكر بأن فارقهم حالا أو أنه جالسهم قبل الخوض فقام زمنه حالا وإلا فهو مؤاخذ به بلا شك ويخشى على إيمانه إذا داوم الجلوس معهم بعد الخوض وحكم كل مجلس يتعدى فيه على حدود الله كذلك «فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ٦٨» أنفسهم بالتجاوز على آيات الله وهذا نهي قاطع ألا فلينته الغافلون عنه، نزلت هذه الآية في جماعة من المؤمنين كانوا يجالسون المشركين بأنديتهم فيقعون بالاستهزاء بالقرآن والسخرية بمحمد ﷺ والجحود لله فنهى الله رسوله والمؤمنين كافة عن مجالستهم في تلك الحالة وإنما كان الخطاب لحضرة الرسول الذي لم يجالسهم في تلك الحالات وأراد المؤمنين الذين وقع منهم ذلك ليكون المنع أبلغ والنّهي أشد، هذا وقد مدح الله الذين يعرضون عن اللغو فقال جل قوله (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) الآية ٣ من المؤمنين الآتية، وقال عز قوله (وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ) الآية ٥٥ من القصص، وقال تعالى قوله (وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً) الآية ٧٢ من الفرقان المارتين في ج ١، هذا مطلق اللغو فكيف بما يقع في أمور الدين وفي الله وكتبه ورسله إذ يجب المنع منه باليد فإن لم يستطع فباللسان وعليه حالا ترك ذلك المجلس، فعلى العاقل
стр. 1425
أن يتجنب اللغو ومجالسة أهله لئلا يعرض نفسه لما يكره في الدنيا والآخرة، واعلم أن النسيان الذي لا يكون مبعثه انشغال السر بالوساوس والخطرات الشيطانية مما لم يكن في الأفعال البلاغية والعبادات جائز بالنسبة لحضرة الرسول الأعظم أما النسيان الذي في الأقوال البلاغية والعبارات فهو مستحيل عليه وكذلك السهو والخطأ في شيء من ذلك فهو ممتنع في حقه قطعا، أما السهو والخطأ والنسيان في الأقوال الدنيوية وفيما ليس سبيله البلاغ في الكلام الذي لا يتعلق بالأحكام ولا أخبار القيامة ولا ما يتعلق فيها وكل ما لا يضاف إلى وحي فهو جائز في حقه ﷺ إذ لا مفسدة فيه ولا يجوز عليهم أي الأنبياء أجمع خلف في خبر لا عمدا ولا سهوا ولا خطأ لا في صحة ولا في مرض ولا في رضى ولا في غضب وهنا يؤول قوله تعالى (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى) الآية من سورة والليل المارة في ج ١ الذي استدل به بعض الشيعة على عدم جواز نسبة النسيان له مطلقا في كل ما يؤديه عن الله تعالى من القرآن والوحي لما فيه من المفسدة أما فيما عدا ذلك مما لم يؤد إلى إخلال بالدين فهو جائز وهذا هو القول الجامع بين قول أهل السنة والجماعة وبين إخوانهم الشيعة إذا فلا منافاة ولا اختلاف وهكذا الأنبياء كافة عليهم الصلاة والسلام. هذا وإن سيرة حضرة الرسول وحالته وكلامه وأفعاله مجموعة يفتى بها على ممر الزمان ويتناولها المؤمن
والمنافق والمخالف والموافق والمرتاب والمصدق فلم يأت في شيء منها استدراك غلط في قول ولا اعتراف بوهم في كلمة واحدة ولو كان لنقل عنه كما نقل سهوه في الصلاة في قصة ذي اليدين وغيرها ونومه عنها وانشغاله في حادثة الخندق وكما نقل عنه استدراك رأيه في تلقيح النخل وقوله بعد ذلك أنتم أعلم بأمور دنياكم وفي نزوله بأدنى مياه بدر إلى غير ذلك من الاعتقادات في أمور الدنيا فلم يمتنع نسبتها إليه وإلى غيره من إخوانه الأنبياء ﵈، ولهذا البحث صلة في الآية ٥٣ من سورة الحج في ج ٣، وفي الآية ١٢١ من سورة طه المارة في ج ١ فراجعها، قال تعالى «وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ» قبائح أحوال الخائضين وأعمالهم «مِنْ حِسابِهِمْ» آثامهم التي يحاسبون عليها وجزاؤهم التي يعذبون بسببها «مِنْ شَيْءٍ» أبدا وجيء بمن لتأكيد الاستغراق إذا كانوا متقين ذلك «وَلكِنْ ذِكْرى»
стр. 1426
أي عليهم أن يتذكروا ويتعظوا وينبهوا غيرهم ويمنعوهم بما أمكن من العظة ويظهروا لهم الكراهة ليتيقظوا «لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ» ٦٩ ذلك الخوض ويتركونه وينفضوا عنه حياء أو كراهية لمساءتهم، نزلت هذه الآية لما قال المسلمون لئن كنا نقوم كلما استهزأ المشركون بالقرآن لم نستطيع أن نجلس بالمسجد الحرام ولا نطوف بالبيت وإنا نخاف الإثم إذا لم ننهاهم فبين الله تعالى أن لا بأس لمن يتقي أعمال الخائضين والاكتفاء بتذكيرهم على ما يدل على المنع، هذا إذا كانوا في المسجد ولم يقدروا على منعهم أما في غير المسجد فعليهم ترك المكان الذي هم فيه إذا لم يقدروا على منعهم من الخوض، وهذه الآية محكمة لأنها خير من الأخبار والأخبار لا يدخلها النسخ راجع الآية ٤١ من سورة يونس المارة، وغاية معناها أن كل إنسان مختص بحساب نفسه، وما قيل إنها منسوخة بآية النساء ١٤ في ج ٣ لا وجه له لأن تلك مؤيدة هذه ومؤكدة لها باللفظ والمعنى وهي مدنية وهذه مكية تدبر، راجع تمحيص القول في هذا عند تفسيرها، ومن هنا يعلم كراهة جلوس المرء في المجالس التي يقع اللهو واللعب واللغو والرفث وغيره إذا لم يستطع النهي عنه، روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان. أقول ولا ضرورة تقضي بأن يتصف الرجل بضعف الإيمان لأنه لا يقدر إلا على عدم رضاء قلبه في ذلك بل عليه أن يترك هذا المجلس على الأقل فإن بقائه مع عدم قدرته على النهي فعلا أو قولا رضاء به وبما يقع فيه والرضاء بالذنب ذنب كما أن الرضاء بالكفر كفر، لهذا فإن الأحسن للعاقل التقي أن يتجنب هكذا مجالس سوء ويحتفظ بقوة دينه إذ يجب النهي على القادر باللسان وإن لم يسمع منه لأن العمل ثمرة الإيمان وأعلى الإيمان النهي باليد حتى إذا قتل كان شهيدا، قال تعالى حاكيا حال لقمان (يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ) الآية ١٨ من سورته الآية إذ أمره بالصبر على ما يصيبه من جراء ذلك وإن النهي بالكلام قد ينال منه في هذا الزمن ما يفضي إلى التحمل
стр. 1427
والصبر أو الإهانة والضرب فلذلك الأحسن بمقام الرجل الاعراض بالكلية ليدخل في قوله تعالى (وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً) الآية ٧٣ من سورة الفرقان في ج ١ وقدمنا ما يتعلق في هذا البحث في الآية ٥٣ من سورة يوسف والآية ١١٣ من سورة هود المارتين والآية ٣٦ من سورة الإسراء في ج ١ وله صلة في الآية ٣ من سورة المؤمنين الآتية وفي الآية ٢٥٤ من سورة البقرة في ج ٣ على أنه يكفي في هذا الباب الآيتان المفسرتان لمن كان له قلب حي وفي هذه الآية الثالثة الذي يقول الله ﷻ فيها «وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً» أعرض عنهم لا تخالطهم أبدا لأنهم جهلوا معبودهم الحق ولم يعرفوا قدرته «وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا» بزخرفها وخدعتهم بشهواتها وأطمعتهم في الباطل إذ غلب حبها على قلوبهم فأفقدتهم الوعي ومالوا عن السداد وانهكوا في الفساد والإفساد «وَذَكِّرْ بِهِ» يا سيد الرسل خاصتك وقومك واتلوه عليهم فإن فيه حياتهم وصلاحهم لاحتوائه على علوم الأولين والآخرين وأدم قراءته عليهم مخافة «أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ» ترتهن
وتستسلم قال زهير:
وفارقتك برهن لا فكاك له ... يوم الوداع وقلبي مبسل علقا
أي لئلا تحبس نفس «بِما كَسَبَتْ» من السوء فتهلك به وتحرم من الثواب في يوم «لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ» لأن كلا مشغول بنفسه فلا قريب ولا صديق ينفع ولا شفيع إلا بإذن الله لمن يأذن به ويرتضيه راجع الآية ٢٨ من سورة الأنبياء الآتية، واعلم أن النفس الخبيثة لا مخلص لها من العذاب «وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ» تفتدي بكل فداء لننجو به من العذاب «لا يُؤْخَذْ مِنْها» ذلك إذ لا يقبل الفداء لو فرض أن هناك فداء ولكن لا فداء ولا يملك أحد شيئا لأن الملك كله لله، وسمي الفداء عدلا لأن الفادي يعدل المفدى بمثله «أُولئِكَ» المتخذون دينهم لهوا ولعبا المغرورون في الحياة الدنيا هم «الَّذِينَ أُبْسِلُوا» أسلموا أنفسهم للهلاك وحبسوها بالعذاب «بِما كَسَبُوا» من القبائح في دنياهم ولم يتورعوا حتى عن مجالسة الأشقياء «لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ ٧٠» بسبب كفرهم الذي ماتوا عليه ولا وجه
стр. 1428
لقول من قال إن هذة الآية منسوخة بآية السيف لأنها خارجة مخرج التهديد فهي على حد قوله تعالى (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً) الآية ١٣ من سورة المدثر في ج ١، وان ما من شأنها ذلك لا يدخلها النسخ لأنها من قبيل الإخبار والإخبار لا يدخلها النسخ ولهذا فهي محكمة، قال تعالى يا سيد الرسل
«قُلْ» لهؤلاء المشركين الذين يدعونك لعبادة آلهتهم «أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا» ونترك النافع الضار «وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا» فنرجع إلى الشرك السافل لأن العقب مؤخر الرجل يقال رجع على عقبه إذا انثنى راجعا، أي أنرجع إلى الضلال «بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ» للإسلام أيكون هذا منا ونحن عقلاء فنصير «كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ» خبطته «الشَّياطِينُ» المبثوثة «فِي الْأَرْضِ» وذهبت به في هوئها، والهوى النزول من الأعلى إلى الأسفل على غير انتظام فصار «حَيْرانَ» تائها لا يدري ما يعمل وهذا الممثل به «لَهُ أَصْحابٌ» رفقاء «يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى» لينقذوه مما هو فيه فيقولون له ائتنا» لتنجو وهو لا يأتيهم لاستيلاء الحيرة عليه، هذا مثل ضربه الله تعالى لمن يدعو لعبادة الأصنام ولمن يدعو لعبادة الملك العلام يقول فيه مثل هذين كمثل رجل في رفقة ضل عن الطريق المستقيم فطفق أصحابه ينادونه هلم إلينا لا تضل فتهلك، وشرع الشيطان يدعوه إليه ليوغله في الحيرة فاحتار إلى أين يذهب فإن أجاب الشيطان هلك وإن أجاب أصحابه نجى وفيها دلالة على وجود الغيلان المتعارفة على ألسنة العامة قديما وحديثا المعنية بقوله ﷺ إذا تغولت الغيلان فبادروا بالأذان راجع الآية ٢٩ من سورة الأحقاف الآتية وما ترشدك إليها لتثق بوجود الجن وأنهم كالإنس، قيل إن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق ﵁ وابنه عبد الرحمن إذ كان يدعو أباه إلى عبادة الأوثان بعد أن صار كامل الإيمان وأن أباه يدعوه للإسلام ليكون في المسلمين إمام وإن توجه الخطاب إلى سيد المخاطبين كان تعظيما لشأن ابي بكر فعلى فرض صحته لا يمنع أن تكون الآية عامة مطلقة لعموم لفظها لأن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب إلا أن هذا القيل لا يوثق به إذ لم ينزل في عبد الرحمن قرآن كما سنراه في الآية ١٧ من سورة الأحقاف الآتية ومما يؤيد عمومها
стр. 1429
ضرب المثل فيها إذ لا يتصور الرّد في الشرك منه ﵁ كما لا يتصور لحضرة المخاطب في هذه الآية ان يدعو أحدا أو شيئا من دون الله وعليه يكون المعنى أيليق بنا معشر المؤمنين ذلك على طريق الاستفهام الإنكاري أي كلا لا يليق أبدا فيا أكرم الرسل «قُلْ» لهؤلاء التائهين الحائرين «إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى» الموصل إلى المطلوب الذي ما وراءه ضلال البته فاتبعوه أيها الناس تهتدوا فما بعده إلا الضلال فهلموا إليه لأنا الزمنا «وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ» وننقاد «لِرَبِّ الْعالَمِينَ ٧١» لا لغيره ونخلص له العبادة وحده ونرفض ما سواه، قال تعالى «وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ» المفروضة عليكم أيها المؤمنون «وَاتَّقُوهُ» أن يراكم ذلك الرب العظيم حيث نهاكم فهو الذي بدأ خلقكم «وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ٧٢» يوم القيامة فيجازيكم بأعمالكم إن خيرا فخير وإن شرا فشر، وهذا الإله الجليل الذي أنشأكم من لا شيء «هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ» خلقا متلبسا «بِالْحَقِّ» لا باطلا ولا عبثا «وَيَوْمَ يَقُولُ» أي اذكر يا محمد لقومك عظمته وقدرته وأخبرهم بأنه إذا أراد إيجاد شيء أو إعدامه يقول له «كُنْ فَيَكُونُ» حالا بين الكاف والنون «قَوْلُهُ الْحَقُّ» الذي لا مرية فيه ولا تخلّف له «وَلَهُ الْمُلْكُ» بما فيه فلا ترى في ذلك اليوم الذي تجتمع فيه الخلائق من يدعيه وكل من كان له ملك في الدنيا من الجبابرة والملوك يتنصّل عنه إذ يكون الكل لله «يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ» القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل ويسمى بوفا وتسميه العامة (طواطه)
مطلب في الصور وأن آزر هو أبو ابراهيم لا غير وما وقع له مع أبيه وقومه وملكهم:
روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: جاء اعرابي إلى النبي ﷺ فقال ما الصور؟ قال قرن ينفخ فيه أخرجه أبو داود والترمذي وهو بلغة أهل اليمن ومن هنا اتخذه الملوك وجعلوا النداء به علامة على الجمع والطلب وغيره، أخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ كيف أنتم وقد النقم صاحب القرن القرن وحنا جبهته وأصغى سمعه ينتظر أن يؤمر فينفخ فكأن ذلك ثقل على أصحاب رسول الله فقال كيف نفعل يا رسول الله وكيف نقول قال قولوا حسبنا
стр. 1430
الله ونعم الوكيل على الله توكلنا، وهذا أحسن من تفسيره بأنه جمع صورة والنفخ فيه إحياؤها لعدم ما يؤيده ولأن جمع الصورة صور بفتح الواو ولم يقرأ بهذه القراءة إلا قتادة راجع الآية ٦٨ من سورة الزمر الآتية تجد ما يتعلق بهذا مفصلا، واعلموا أيها الناس أن هذا الإله الكبير الفعال لذلك كله وكل شيء هو «عالِمُ الْغَيْبِ» الأسرار الخفية «وَالشَّهادَةِ» الأمور العلنية لا يخفى عليه شيء من أعمال وأقوال خلقه «وَهُوَ الْحَكِيمُ» في تدبير خلقه «الْخَبِيرُ ١٣» بما يصلحهم وما يفعلونه ويكتمونه لا يخفى عليه شيء أبدا «وَ» اذكر لقومك يا سيد الرسل «إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ» قيل هذا لقبه واسمه تارخ مثل يعقوب وإسرائيل، وإنما سماه الله بلقبه دون اسمه لأنه مشهور به أكثر من الاسم وهذا أي كون آزر أباه لا عمه أصح ما قيل في هذا من أقوال كثيرة بدليل ما أخرج البخاري في افراده من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: يلقى إبراهيم ﵇ أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر فترة وغبرة، فلم يبق للقول بأنه عمه قيمة ما بعد صراحة القرآن والحديث وقد ثبت أن اسمه الشائع هو آزر كما جاء نصا لا تارخ كما يقال، ثم بين ما قاله لأبيه يقوله يا أبت «أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً» من دون الله الواحد «إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ» السائرين على سيرتك «فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ٧٤» ظاهر لا يخفى على أحد ممن له مسكة من عقل أو ذرة من إدراك فقال له إذا نحن في ضلال قال لأنكم تعبدون حجرا وأخشابا لا تضر ولا تنفع، وإنما ذكر الله تعالى حبيبه في هذه القصة توبيخا لقومه الذين يعبدون الأوثان وتعريضا للاحتجاج عليهم بها لأنهم كانوا يعظمون إبراهيم ﵇ المعظم لدى كل أمة «وَكَذلِكَ» مثل ما أريناه قبح الشرك وعرفناه فيه «نُرِي إِبْراهِيمَ» جاء بالظاهر بدل المضمر إذ صرح باسمه تعظيما له ولهذا لم يقل «مَلَكُوتَ» مبالغة ملك كالرحموت مبالغة الرحمة والجبروت والرهبوت والرغبوت مبالغة الجبر والرهبة والرغبة زيد في بعضها الواو والتاء وفي بعضها الواو فقط وفي بعضها التاء للمبالغة كما زيد في طالوت وجالوت وهاروت وماروت وأصلها الطول والجول وهار ومار أي تطلعه على ما في «السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» من عجائب ولطائف وبدائع وذلك لما أراه الله تعالى أن أباه وقومه
стр. 1431
على غير الحق انتقدهم وخالفهم فجزاه الله تعالى بأن فرج له السموات السبع فنظر إلى ما فيهن حتى انتهى إلى العرش والكرسي وفرج له الأرضين فنظر فيهن حتى أسفلهن ورأى ما فيهن من عجائب وبدائع أيضا ليطمئن بعلم ما فيهن «وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ٧٥» بخالقهن إيقانا كاملا زيادة على إيقانه على حد قوله تعالى:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا) الآية ١٣٥ من النساء في ج ٣، واعلم أن الإيقان عبارة عن علم يحصل بالتأمل بعد زوال الشبهة لأن الإنسان أول أمره لا ينفك عن شبهة وشك فإذا كثرت الدلائل عليه وتوافقت البراهين وتطابقت الحجج صار سببا لحصول اليقين والطمأنينة في القلب فيعلمه حسا كما علمه خبرا ويلمه فعلا كما تكلم به قولا ويراه عيانا كما سمعه بيانا، قال البغوي وروي عن سلمان ورفعه إلى علي ﵇ قال: لما رأى إبراهيم ملكوت السموات والأرض أبصر رجلا على فاحشة فدعا عليه فهلك ثم أبصر رجلا آخر فدعا عليه فهلك ثم أبصر آخر فأراد أن يدعو عليه فقال ﵎ يا إبراهيم أنت رجل مجاب الدعوة فلا تدعو على عبادي فإنما أنا من عبدي على ثلاث خلال إما أن يتوب فأتوب عليه وإما أن أخرج منه نسمة تعبدني وإما أن يبعث إليّ فإن شئت عفوت عنه وإن شئت عاقبته وفي رواية وإن تولى فإن جهنم من ورائه وظاهر القرآن أن هذه الرؤية بصرية لا قلبية إذ لا يوجد ما يصرفها عن الظاهر الحقيقي ولا يجنح إلى المجاز إلا إذا تعذرت الحقيقة تأمل قوله تعالى «فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ» أظلم وغطّى كل شيء بسواده لأن الجنّ في الأصل الستر عن الحاسة ولمّا أمعن ﵇ النظر في السماء «رَأى كَوْكَباً» هو الزهراء لأنها من القدر الأول من حيث قوة نورها كالسماك الأعزل والدبرين راجع الآية ٣٦ من سورة الحجر المارة تعلم هذا «قالَ هذا رَبِّي» يخاطب أهله وقومه ويستفهم منهم على طريق الإنكار والاستهزاء لأنهم كانوا يعبدون الكواكب وقد صنعوا لكل كوكب صنما بما يناسبه ووضعوها في بيت العبادة ليسجدوا لها ويطلبوا حاجتهم منها وكأنهم قالوا له إنه أحد الأرباب «فَلَمَّا أَفَلَ» غاب وتوارى «قالَ» لهم «لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ٧٦» لأن حق الرب أن يكون باقيا أبدا حاضرا لإغاثة مربوبيه ثابتا لا يتغير لأن من يتبدل أو يتغير من حال
стр. 1432
إلى حال أو يغيب كهذا لا يستحق العبادة فكيف تتخذونه ربا وهو يطرأ عليه ما يطرأ على المخلوق فلو كان ربا لصان نفسه من ذلك قالوا لنا رب أكبر منه «فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً» طالعا خاطبهم أيضا «قالَ هذا رَبِّي» الذي تزعمون أنه أكبر من ذلك قالوا له نعم «فَلَمَّا أَفَلَ قالَ» لهم هذا وذاك سواء وكل منهما لا يصلح للربوبية وإني «لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي» إلى الطريق القويم المؤدي إلى معرفة حقيقته وهذا على حد قوله تعالى (وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي) الآية ٤٣ من سورة يس المارة في ج ١ أي لئن لم يهدكم ربكم وهو أبلغ في قبول الدعوة وهذا القول منه على سبيل إرخاء العنان مجاراة لأبيه وقومه المولعين بعبادة الكواكب لأن المستدل على فساد قول يحكيه أولا ثم يكر عليه بالابطال ثم نبه قومه بما خص به نفسه وعناهم بقوله جوابا لقسمه «لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ٧٧» إذا اتخذت ربا سواه لأن هذين الكوكبين لا تصلح للألوهية لأنهما مسيرتين مسخرتين فإذا اتخذتهما إلها فأنا ضال إذا يريد بهذا أباه وقومه، قالوا له إن لنا ربا أكبر وأكبر من هذين «فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ» من الزهراء والقمر حقيقة «فَلَمَّا أَفَلَتْ» كالأولين وتوارت عن الأنظار ومحي نورها ولم يبق له أثر بعد غيابها «قالَ يا قَوْمِ» هذا أيضا ليس بإله لأنه اعتراه ما اعترى الأولين لذلك أقول لكم «إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ٧٨» في الإله الواحد الذي لا يتغير ولا يطرأ عليه ما يطرأ على خلقه مما هو قابل للتحول والانتقال فيتأثر بعوامل طبيعية وغير طبيعية وقد نبههم على خطأهم هذا فيما يعتقدون ألوهيته تدريجا وأفهمهم بأنها غير صالحة للعبادة وأرشدهم إلى النظر والاستدلال واحتج عليهم بالأقوال دون البزوغ مع أن كلا منهما انتقال وتبدل من حال لآخر لأنه أبلغ وأظهر لكونه انتقال مع خفاء واحتجاب، والبزوغ انتقال مع وضوح وظهور، وقد أراد ﵇ إبطال قولهم بربوبية الكواكب إلا أنه كان قد عرف من تقليدهم لأسلافهم وبعد طباعهم عن قبول الدلائل أنه لوصرح لهم بالدعوة إلى الله رأسا لم يقبلوا ولم يلتفتوا إليه فمال إلى طريق استدراجهم لاستماع هذه الحجج لأنه ذكر كلاما يوهم كونه مساعدا لهم على مذهبهم مع أن قلبه كان مطمئنا بالإيمان
стр. 1433
بالله وحده وموقن بأن هذه الكواكب مخلوقة لله
لا تعبد ولا يليق بها أن تعبد وقصده من ذلك أن يتمكن من ذكر الدليل على إبطال عبادتها ولما لم يقبلوا أعرض عنهم وقال معلنا براءته مما هم عليه من الشرك وعبادة الأوثان والكواكب مبينا الأسباب الداعية إلى عدم أهليتها للعبادة ومصرحا بعقيدته بقوله «إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ» شقهما بعضهما عن بعض وابتدعهما الذي دل عقلاء خلقه بتغيير الكواكب في السماء والأنهار في الأرض على أنه منشئهما وقادر على طمس الكواكب في السماء وتغوير الأنهار في الأرض «حَنِيفاً» مائلا عن كل ما تعبدونه وعن كل دين لا يكون مرماه عبادة الله الواحد الأحد «وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ٧٩» به غيره البتة، وما قيل إن مخاطبة إبراهيم بلفظ الضلال وغيره كانت بقصد إيذاء أبيه لا صحة له لأن مثله لا يجوز أن يقع منه مثل ذلك كيف وقد وصفه الله بالحلم والحليم لا يستفزه الغضب ولا يليق أن يصدر منه بل لا يجوز أن ينسب صدور الجفاء منه على أبيه بل لا يتصور إيقاعه على الغير منه، لهذا فإن هذا القيل مردود على أن ما صدر من إبراهيم ﵇ على أبيه لا يعد من الإيذاء ولو فرض أنه نوع منه فلا يكون محرما لأنه لله وفي طريق الله ويقصد إرشاده إلى الله وما قصد به إلا نفعه وخيره ورشده لا إضلاله واحترامه لا إهانته، ولا يرد عليه أن موسى ﵇ كلم فرعون باللين والرقة كما مر في الآية ٤٤ فما بعدها من سورة طه المارة في ج ١ مراعاة لحق التربية وإبراهيم خاطب أباه بالخشونة والغلظة ولم يراع حق الأبوة لما ذكرنا ولم يذكر صاحب هذا القيل مخاطبته لأبيه في الآية ٤٢ من سورة مريم فما بعدها المارة في ج ١ التي هي على غاية من اللين والأدب.
مطلب القساوة المنطقية مطلوبة، وقصة إبراهيم، وجواز حذف حرف الاستفهام:
هذا على أن الإنسان قد يقسو أحيانا على شخص لمنفعته وأي منفعة أكبر من الهداية إلى الله، هذا والأمور بمقاصدها والأعمال بالنيات قال أبو تمام:
فقسا ليزدجروا ومن يك حازما ... فليقس أحيانا على من رحم
стр. 1434
وقال المعري في هذا المعنى:
اضرب وليدك وادلله على رشد ... ولا تقل هو طفل غير محتلم
فربّ شق برأس جرّ منفعة ... وقس على شق رأس السهم والقلم
وقال ابن خفاجه الأندلسي:
نبه وليدك من صباه بزجره ... فلربما أغضى هناك ذكاؤه
وانهره حتى تستهل دموعه ... في وجنتيه وتلتظي أحشاؤه
فالسيف لا يذكو لكفك ناره ... حتى يسيل بصفحتيه دماؤه
هذا وكون الرفق أكثر تأثيرا على الإطلاق غير مسلم لأن المقامات متفاوته يدلك على هذا إرشاده تعالى لنبيه ﷺ في دعاء قومه فمرة يقول له (وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) وتارة (وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) وقال لقمان ﵇ ضرب الوالد ولده كالسماد للزرع، وقد أجاز الشارع ضرب الولد للتعليم ولكفه عن المساويء، حتى ان اليتيم الذي أرضى الله به يجوز ضربه لهذه الغابة، لأن المنهي عنه الضرب عبثا أو عدوانا، قال تعالى «وَحاجَّهُ قَوْمُهُ» خاصموء في توحيد الله لما أظهر عيوب آلهتهم وصرح لهم بعقيدته وصدع بما أمره الله به «قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ» الحق الذي يجب أن يعبد «وَقَدْ هَدانِ» إلى سبيله المستقيم وتخوفوني بآلهتكم العاجزة المحتاجة لكم «وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ» بإلهي القادر القوي المستغني عن كل شيء، وإن أوثانكم مهما بلغ أمرها لا وزن لها ولا قيمة عندي، لأنها أحجار وأخشاب من صنع أيديكم لا تقدر أن تدفع ضرا عن نفسها ولا تضر من يعتدي عليها ولا تنفع من يلتجىء إليها، وإني معتمد على ربّي لا أخاف من كل شيء تنصورونه أو تظنون أنه يوقع في مكروها أبدا «إِلَّا أَنْ يَشاءَ الله رَبِّي شَيْئاً» من إضراري وإذلالي فهو وحده القادر على ذلك، وهو الذي يخاف ويخشى منه، وهذا الاستثناء منقطع لا علاقة له بما قبله، وإلا فيه بمعنى لكن «وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً» أي وسع علمه كل شيء لأن علما تمييز محول عن الفاعل، كقولك تفقأ زيد شحما أي تفقأ شحم زيد، فلا يخرج شيء عن علم الله، ولا يصاب أحد بشيء إلا بعلمه، فهو المحيط بكل شيء «أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ ٨٠»
стр. 1435
يا قوم فتميزون بين القادر والعاجز وتعلمون أن الضار والنافع هو خالق السموات والأرض وما فيهما
«وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ» مع علمي أن الأمن والخوف من الله لا من أوثانكم «وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ» من لا يصلح للإلهية وإن الإشراك أعظم ذنب ارتكب على وجه الأرض، وإذا تدبرتم وتفكرتم علمتم أن هذا مما «لَمْ يُنَزِّلْ» الله تعالى «بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً» حجة ولا برهانا لأن الإشراك محض اختلاق وبهت خالص وكذب مفترى، وانكم تجرون الأمور معكوسة فتجعلون الأمن موضع الخوف والخوف موضع الأمن «فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ» أنا أم أنتم نبئوني «إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ٨١» علما حقيقيا يعرف به الحق من الباطل، ولم يقل فأيّنا احترازا من تزكية النفس ومن المكابرة في الرّد عليه عتوا وعنادا، وهذه الآية على حد قوله تعالى (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) الآية ٢٤ من سورة سبأ الآتية، على أني أقول لكم إن الأحق بالأمن من العذاب «الَّذِينَ آمَنُوا» إيمانا خالصا «وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ» بشرك، روى البخاري ومسلم عن ابن مسعود قال لما نزلت هذه الآية شق على المسلمين وقالوا أيّنا لا يظلم نفسه، فقال ﷺ ليس ذلك إنما هو الشرك، ألم تسمعوا قول لقمان لابنه (يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) الآية ١٣ من سورة لقمان الآتية، تدل هذه الآية على أن من مات لا يشرك بالله شيئا كانت عاقبته الأمن من النار أي من الخلود فيها، لأن العصاة لا بد وأن يطهروا من درن عصيانهم فيها، لأن من أسلم ولم يعمل خيرا ما ثم مات فجدير أن يدخل الجنة، لأن الإيمان يجب ما قبله «أُولئِكَ» المؤمنون الموصوفون «لَهُمُ الْأَمْنُ» من مخاوف الدنيا والآخرة «وَهُمْ مُهْتَدُونَ ٨٢» بهداية الله إلى سبيل الرشد والسداد وهذا فضل من الله تعالى وقضاء بين إبراهيم وقومه، إذ بين فيه الذين يستحقون الأمن من الذين يستوجبون الخوف «وَتِلْكَ حُجَّتُنا» الإشارة إلى ما حاج به إبراهيم قومه بما صار له من الغلبة عليهم بحكم الله القائل «آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ» بإلهام ووحي منا وهي حجة واضحة دامغة أفحمتهم وأخرستهم لأنهم تكلموا معه عن جهل، وهو
стр. 1436
خاطبهم عن علم «نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ» من عبادنا بالعلم والنبوة والحكم والحكمة «إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ» برفعة من يشاء «عَلِيمٌ ٨٣» بمن يؤهله لهذه الرفعة، فهو جل شأنه لا يفضل أحدا على غيره ولا يعزّ ولا يذل ولا يغني ولا يفقر ولا يصح ولا يمرض ولا يعطي ولا يمنع ولا يخفض ولا يرفع إلا لحكمة، وخلاصة القصة على ما ذكره الأخباريون أن نمرود بن كنعان أول من وضع تاج الملك على رأسه إذ لم يعرف قبله، وأول من دعا الناس إلى عبادته، ولم يعرف الناس قبله غير عبادة الله والأوثان، وكان له كهان ومنجمون أخبروه بأنه يولد ولد في بلده يكون هلاكه على يده وزوال ملكه، وكان هو رأى كوكبا طلع وقاد الشمس والقمر، فانتبه فزعا مرعوبا مما رأى، وقصها على السحرة والكهنة والمنجمين، فأولوها بما ذكروا له فأمر بعزل الرجال عن النساء وذبح كل من يولد ونصب حراسا على النساء والحبالى، وكانت أم إبراهيم صغيرة لا يظن فيها الحبل، ولما أتمت مدتها خافت على مولودها من الذبح فأخفت نفسها عن الحرس حتى إذا وضعته جعلته في نهر يابس خارج البلدة وخبأته بين الحلفاء وأخبرت زوجها بذلك، فذهب وحفر له سريا ووضعه فيه وسدّ بابه في حجرة خوفا عليه من السباع، وصارت أمه تتعاهده وتتردد عليه خلسة فترضعه وتنظفه وتتركه بمكانه وتعود لبيتها، وكانت تراه يمص إصبعيه فيخرج منها حليبا وعسلا وماء، وتراه يشب في اليوم ما لا يشبه غيره في الشهر، وهكذا جميع الأنبياء يكون نموهم واحدا وكلامهم مع أقوامهم واحدا وطريقهم مع ربهم واحدا، لأن إلههم واحد يرسلهم على نهج واحد ويلهمهم الحجج المتوانقة، كما أن رد أقوامهم عليهم متشابه، قالوا ولما كبر أخرجته أمه من الرب وجاءت به إلى المدينة وكان من يراه لا يظنه من المواليد الذين ولدوا بعد الأمر بذبح الأولاد لكبر جثته وحسن مخاطبته وفصاحة لسانه، وهذا من أسباب حفظ الله له ومن يحفظه لا خوف عليه من أحد البتة، وقد أمنت أمه وأبوه عليه لأن أحدا لا
يشك أنه ولد بعد الأمر بذبح الأولاد، وقالوا فقال لأمه ذات يوم يا أماه من ربي؟ قالت أنا، قال وأنت من ربك؟ قالت أبوك، قال ومن رب أبي؟ قالت له أسكت وأخبرت زوجها، وقالت لا شك
стр. 1437
إن هذا المولود هو الذي أخبر عنه الكهنة بأنه يغير الدين ويسلب الملك من الملك، وهو المقصود في الرؤيا التي رآها الملك وعبرها له المنجمون والسحرة، فجاء إليه أبوه وقال له يا بني إن ربي الذي سألت عنه أمك هو النمروذ، قال ومن رب النمروذ؟
فاطمه وقال له أسكت، وصارا دائما يحذرانه من أن يتكلم بذلك لئلا يصاب بسوء من قبل الملك، وحذرا من أن يفسد دينهم وبسبب هلاك الملك وضياع الملك كما أخبر الكهنة، ثم صنع له أبوه أصناما من حجر وأعطاه إياها ليبيعها في السوق، فأخذها وصار ينادي من يشتري ما لا يضره ولا ينفعه، وصار يسخر ويستهزىء بها، فلما رآه أبواه كذلك أخذا منه الأصنام وحذراه من الطعن بها لئلا تمسه بسوء أي جنون، ووضعاه في بيت فيه صنم عظيم ليستأنس به ويتمرن على عبادته، ورغباه بذلك، ولما رأى إصرارهم عليه بملازمة الصنم ترك أمه وأباه وصار يتفكر في مخلوقات الله ويتدبر في تكوين السموات والأرض والطير والحوت والحيوان والجماد ويهزأ بما عليه أبواه وقومه من توغلهم في عبادة الأصنام والكواكب، ولم يزل يتحمل أبويه ويرفض عبادة الصنم الذي أمراه به ويعتبر بما في الكون من آيات وعظات حتى شرفه الله بالنبوة، فأراد أن يبين لهم أن هذه الكواكب والأصنام المنكبين على عبادتها ليست بشيء ولا تصلح للعبادة، لأن الكواكب من صنع الله الواحد والأصنام من صنع أيديهم وأنها لا تستحق العبادة، وكذلك الشمس والقمر والكوكب ليست بآلهة، فاجتمع بقومه ذات ليلة وخاطبهم بما قصه الله علينا من الآيات المارة، وكانت كلها في ليلة واحدة لأن القمر كان متأخرا عن أول الليل فاحتج عليهم بالزهراء إذ كانت مشرفة على المغيب، وبعد غيابها احتجّ عليهم بالقمر، ولما طلعت الشمس غطت نوره فاحتج عليهم بذلك على طريق التقريع والتوبيخ، فأراهم النقص الداخل على الزهراء بغيابها وعلى القمر بتغطية نوره بالشمس حتى صار كأن لم يكن، ولما قالوا له هذا الإله الأكبر يعنون الشمس قال مصيرها كذلك، وعلموا أنهم إذا أنكروا عليها الأفول وقت القول فإنها تغيب حتما بالمساء، فكتوا وبهتوا من قوة حجته، وقد أثبت خطأهم في اعتقادهم إلهيتها، وبين لهم عدم صلاحيتها للعبادة، وأن الذي يجب أن يعبد هو الذي لا يفنى ولا يغيب، وأن الكواكب والأوثان
стр. 1438
عليها علائم النقص بادية والإله لا يكون إلا كاملا من كل وجه، وأنه ﵇ لم يقل لهم (أهذا ربي) بحرف الاستفهام لأن العرب تكتفي بنغمة الصوت عن حرف الاستفهام، وأن الأنبياء كلهم يحسنون اللغة العربية، ولم ينزل وحي إلا بها، كما أشرنا إليه في المقدمة، وأنهم يسقطون حرف الاستفهام لهذه النكتة، ومثله في القرآن كثير منه (فَهُمُ الْخالِدُونَ) الآية ٣٤ من سورة الأنبياء الآتية، ومنه (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ) الآية ١٠ من سورة البلد المارة في ج ١، ومنه (إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) الآية ٨٧ من سورة هود المارة، ومنها (تِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ) الآية ٣٢ من سورة الشعراء المارة في ج ١، وغيرها كثير، وفي أقوال العرب كثير أيضا فمنه قوله:
ثم قالوا تحبّها قلت بهرا ومنه: فقلت وأنكرت الوجوه هم هم وستأتي تتمة هذه القصة في الآية ٨٣ فما بعدها من سورة الصافات الآتية إن شاء الله، وإنما فعلنا ذلك أي لم نأت ببعض القصص كاملة حذرا من التكرار لأنا إذا اكملنا كل قصة عند ذكرها يحصل تطويل وملال، وإذا أتينا بها تدريجا كنا قد أوفينا بوعدنا من عدم التكرار إلا لحاجة ماسة وأبقينا القارئ يتشوق لإكمالها وسيأتي في الآية ٢٨٨ من البقرة في ج ٣ ما يتعلق ببقية قصص إبراهيم مع قومه، ومع ربه، ومع النمروذ قبل إلقائه في النار، وبعد تكسير الأصنام، فراجعها.
قال تعالى بعد أن أظهره ونجاه وأهلك عدوه وأمره بالهجرة إلى الأرض المقدسة «وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ» وهبنا لإسحق «يَعْقُوبَ» حفيدا لإبراهيم بحياته، وفي هذه الآية بشارة من الله بطول عمر إبراهيم بحيث يبقى حيا حتى يكبر ويزوج ابنه إسحق ويولد له ولدا ليراه «كُلًّا هَدَيْنا» إلى طريقنا المستقيم إذ جعل فيهم النبوة والكتاب «وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ» إبراهيم وولده وحفيده لأنه هو أبو البشر الثاني على القول بأن دعوته شملت كل من على وجه الأرض والغرق عمها كلها وهو القول المعتمد المناسب لظاهر القرآن والأولى من غيره راجع الآية ٢٥ فما بعدها من سورة هود المارة وما ترشدك إليه «وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ» ذرية نوح
стр. 1439
إذ عد يونس ولوطا وهما ليسا من ذرية إبراهيم، أمّا «داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ» فكلهم من ذريته «وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ٨٤» كما جزينا إبراهيم وآله «وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى» من ذريته أيضا. ومن هنا استدل بجواز النسب للأم، ولما أنكر الحجاج كون أولاد فاطمة ﵂ أولاد محمد ﷺ أفحم في هذه الآية، إذ ذكر عيسى في عداد الأنبياء المنسوبين إلى إبراهيم، لأن أمه منهم وألقمه الحجر وأنه سيلقمه في سقر إن لم تشمله الرحمة «وَإِلْياسَ» ابن سنا بن فتحاص بن العيزار بن هارون، وقد أخطأ من قال إنه إدريس جد نوح بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس ﵇ «كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ ٨٥» لرسالتي وهداية الخلق «وَإِسْماعِيلَ» أخّره مع أنه أخو إسحق إذ ذكر إسحاق وأولاده وأحفاده على نسق واحد، ثم إسماعيل لأنه لم يأت منه ولد نبي غير محمد ﷺ فيكون أولى بالترتيب، وهؤلاء كلهم من ذرية إبراهيم «وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً» من ذرية نوح وإبراهيم من ذريته أيضا، وإنما سمي إبراهيم أبا الأنبياء لأن الأنبياء الذين جاءوا بعده كلهم من ذريته أما لوط فكان معاصرا له وهو من ذرية نوح «وَكلًّا» من هؤلاء الصالحين «فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ ٨٦» جمع عالم وهو اسم لكل موجود سوى الله.
واعلم أن الله تعالى ذكر في هذه الآية ثمانية عشر نبيا لا بحسب الزمان والفضل، لأن العطف جاء بالواو وهو لا يفيد ترتيبا ولا تعقيبا، بل ذكر أولا أصول الأنبياء وهم نوح وإبراهيم وإسحق ويعقوب، ثم أهل الملك والسلطان وهما داود وسليمان، ثم أهل الصبر أيوب وممن جمع بين الصبر والملك وهم يوسف وموسى وهرون، ثم أهل الزهد وهم زكريا وعيسى ويحيى وإلياس، ثم من لم يبق له أتباع ولا شريعة وهم إسماعيل واليسع ويونس ولوط، قال تعالى «وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ» من هنا للتبعيض إذ لم يكن كل آبائهم وأبنائهم أنبياء وصالحين، ولم يولد لكل منهم «وَإِخْوانِهِمْ» الذين على نهجهم القديم «وَاجْتَبَيْناهُمْ» للنبوة والرسالة «وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ٨٧» هو الدين الحق الموصل لخير الدنيا والآخرة، وهذه الآية تدل على أن سعي الغير ينفع كما نوهنا به في الآية ٣٩ من
стр. 1440
سورة والنجم في ج ١ ومثلها الآية ٢٠ من سورة الطور الآتية «ذلِكَ» الذي دان به هؤلاء الكرام هو «هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ» الذين قدر لهم السعادة الأبدية في الأزل «وَلَوْ أَشْرَكُوا» على فرض المحال والتقدير الباطل «لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ٨٨» من الطاعات وبطل ثوابها، قال تعالى (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) الآية ٦٥ من الزمر الآتية، مع أن الإشراك مستحيل بحقه مقضى باستحالته أزلا، يعني أن الأنبياء على ما هم عليه من الفضل والقرب لو فرض أنهم حادوا عن طريق الصواب لأبطل عملهم وخسروا الدنيا والآخرة واستحقوا العذاب، فكيف بغيرهم ممن هم بعيدون عن الله بعيدون عن الخير «أُولئِكَ» المحسنون المهديون هم «الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها» بالكتاب والحكم والنبوة أو بأحدها «هؤُلاءِ» المتلو عليهم وحينا هذا من قومك يا أكرم الرسل «فَقَدْ وَكَّلْنا بِها» الثلاثة المذكورة «قَوْماً» عظاما شرفاء وهم الأنبياء وأتباعهم الصادقون الذين قدرنا لهم في أزلنا أنهم «لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ ٨٩» أبدا يدل على هذا قوله تعالى «أُولئِكَ» الموكلون هم «الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ» ومن يهد الله فلا مضل له البتة «فَبِهُداهُمُ» يا سيد الرسل «اقْتَدِهْ» أثبت الهاء هنا استحسانا لإيثار الوقف، وقرأ حمزة وعلي بلا هاء، أمر الله جل أمره في هذه الآية رسوله محمد ﷺ أن يقتفي آثار الأنبياء بأصول الدين الثلاثة التوحيد والإيمان بالنبوة والبعث بعد الموت، فهؤلاء فيها الهدى والخير لكلل الأنبياء وأتباعهم، وليس القصد اتباع شرايعهم لأنها مختلفة في الفروع وشريعته ﷺ نسختها، وما قيل إن المراد بالموكلين هم الملائكة لا يصح، لأن لفظ قوم لا يطلق عليهم بل هو خاص ببني آدم، وفي هذه الآية دليل على أن الله تعالى ينصر نبيه محمدا ويقوّي دينه ويجعله غالبا على الأديان كلها، وقد جعله والله فتكون هذه الآية من الإخبار بالغيب، أما تأخر نفوذ هذا الدين في هذا العصر فبسبب تأخر أهله عن القيام به وأنهم إذا عادوا إليه وتمسكوا به كما كان فإن الله تعالى لا بد وأن يعيد لهم الشوكة والغلبة على سائر أهل الأديان، كيف وقد قالَ كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)
الآية ٤٧ من سورة الروم الآتية،
следующие страницы →