Полный текст (3 362 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
وقد بدأت قديما وستتابع إن شاء الله، فقد اخترع الترياق سنة ١٠٠ والسوائل سنة ٤١٠ ودود القز سنة ٥٠٠ وطواحين الماء سنة ٦٠٠ والورق سنة ٧٠٠ واستخراج السكر سنة ٨٠٠ وصناعة الطباعة سنة ٩٣٩ وعلامات الأصوات الموسيقية سنة ١٠٠٠ والمرائي من الزجاج سنة ١٢٠٤ ونظارات العيون سنة ١٢٧٠ والبارود والساعات الدقاقة سنة ١٢٨٠ والإبر المغنطيسية سنة ١٣١٢ وآلة ضفط الهواء سنة ١٣٤٠ وساعات الجيب سنة ١٥٠٠ وميزان الهواء سنة ١٦٤٣ وميزان السوائل سنة ١٦٩٢ وغيرها كثير، وفي عصرنا هذا اخترعت السيارات والطائرات والدبابات والراديو والهاتف واللاسلكي والقنابل والصواريخ والنفاثات والذرة والأقمار الاصطناعية وللركبات الهوائية وغيرها، وما نعلم ماذا يلهم الله تعالى خلقه من المخترعات الأخرى حتى يتم مراده في قوله عز قوله (حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ) الآية ٢٣ من سورة يونس المارة. أللهم إنا نسألك اللطف فيما جرت فيه المقادير والستر والعافية، إنك على كل شيء قدير وبالإجابة جدير. قال تعالى «وَ» اذكر يا محمد لقومك «إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ٢٨» تقدم تفسيره في الآية ٢٦ المارة، وما قيل إن مسنون بمعنى مصور أو مصبوب لا قيمة له في هذا المقام، راجع الآية ٢٦ المارة ولا يعد هذا تكرارا لأن الآية الأولى جاءت بمجرى الاخبار، وهذه مخاطب بها حضرة الرسول ليعلمه كيفية بدأ الخلق لأجله، وما نجم عن مخالفة بعض مخلوقاته لأمره والثالثة الآتية حكاية عن قول إبليس يبين فيها بماذا قابل ربه تجاه إنعامه عليه، تدبر.
«فَإِذا سَوَّيْتُهُ» عدلته وأتممت خلقه على ما هو في سبق علمي الأزلي «وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي» وهذا معنى قوله تعالى (إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ) الآية ٦٠ من آل عمران في ج ٣، والنفخ في العرف إجراء الريح من الفم أو غيره في تجويف جسم صالح لإمساكها والامتلاء بها، والمراد هنا والله أعلم تمثيل إفاضة مادية الحياة بالفعل على المادة المقابلة لها، وليس هناك نفخ حقيقية بالمعنى الذي نعرفه، وهذا الروح هو جوهر مجرد ليس داخل البدن ولا خارجه، ولا متصل
стр. 1367
به ولا منفصل عنه، وليس بجسم يحل بالبدن حلول الماء في الإناء، ولا هو عرض يحل بالقلب أو الدماغ حلول السّواد في الأسود والعلم في العالم، وقد تقدم هذا البحث مستوفيا في الآية ٨٥ من سورة الإسراء في ج ١ «فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ٢٩» سجود تحية لا سجود عبادة والخطاب للملائكة أو أن السجود لله تعالى يجعل آدم ﵇ بمنزلة القبلة لهم لما ظهر فيه من أعاجيب آثار قدرة الله تعالى وحكمته، وعليه قول حسان ﵁:
أليس أول من صلى لقبلتكم ... وأعلم الناس بالقرآن والسنن
وفي هذه الآية دليل على جواز تقدم الأمر على وقت الفعل، فيكون حد الأمر بكونه ملابسا للفعل به ليس على إطلاقه «فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ٣٠» تأكيد لعدم تخلف أحد منهم
«إِلَّا إِبْلِيسَ» لأنه في الأصل لم يكن من الملائكة، ولهذا كان الاستثناء منقطعا، ومن قال إنه متصل لم يقل إنه من جنس الملائكة كما هو الشرط في تعريف الاستثناء المتصل، بل لأنه كان حين الأمر الإلهي معهم، وقد أمرهم كلهم بالسجود فسجدوا ولم يسجد هو لسابق سقائه، فاستثني منهم على طريق التغليب، لأن أصله من الجن، راجع الآية ٥٣ من سورة الكهف الآتية، أي أنه خرج عن طاعته لأنه «أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ٣١» من الملائكة الذين كان معهم حين الأمر «قال» تعالى موبخا له ومؤنبا سوء صنيعه على امتناعه «يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ٣٢» أخالفت أمري «قال» عليه اللعنة متقدما في حجته الواهية معتذرا عن السجود بعذره السخيف «لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ٣٣» تقدم تفسيره أي وقد خلقتني قبله من النار والنار أفضل من الطين، وهو قياس مغلوط، لأن الفاضل من فضله الله، وليس لأصل الخلقة أو أصل المخلوق دخل في التفضيل، ولو أراد الله هداه لامتثل وما عليه أن يسجد بأمر الله لآدم أو غيره، لأن القصد الامتثال لا غير. راجع مقاييس إبليس في الآية ١٢ من الأعراف المارة في ج ١، «قال» تعالى لإبليس بعد أن أظهر عناده وعتوه وحسده لآدم أمام الملائكة كما هو ثابت في علم الله
стр. 1368
«فَاخْرُجْ مِنْها» أي الجنة ويستلزم الخروج منها الخروج من السماء أيضا، والخروج من زمرة الملائكة الذين كانوا يغبطونه على ما هو عليه من العبادة لله والعلوم والمعارف التي أنتجت ذلك الغلو وانبثقت عن الجهل المفرط الراسخ في قلبه، إذ ظن أن الفضل باعتبار المادة، وما درى أن يكون باعتبار التحلي بالمعارف الرّبانية، قال:
فشمال والكأس فيها يمين ... ويمين لا كأس فيها شمال
وما عرف أن الأدب هو المقدم الأول في الفضائل كلها ولله در القائل:
كن ابن من شئت واكتسب أدبا ... يغنيك محموده عن النسب
ولما فضح الله سريرته على ملأ من الملائكة الذين كانوا يحترمونه ويفضلونه على أنفسهم وأبان لهم قريطه، وعلموا أن عبادته ونشر علمه بينهم في مخالطته لهم رياء لنشر السمعة والصيت بينهم بقصد التعاظم عليهم أمره بالخروج من بين الطائعين الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون به من قبله. قال ﷻ مبينا جزاءه الدنيوي على مخالفته هذه واحتجاجه الواهي ومقابلة عظمة ربه بما فاه به على رؤوس الأشهاد وبيّن العلّة في ذلك بقوله عزّ قوله «فَإِنَّكَ» بامتناعك هذا «رَجِيمٌ ٣٤» طريد من الرحمة والكرامة بعيد من العطف واللطف «وأنّ عليك اللّعنة» عقوبة لك في الدنيا مني ومن خلقي مستمرة «إِلى يَوْمِ الدِّينِ ٣٥» يوم الجزاء الذي يكون عليك فيه العذاب المهين الدائم، ولم يجعل الله حدّ ابعاده عن فيض رحمته بضرب هذا الأجل كما يفهمه البعض من معنى إلى النائية، بل جعله غاية في البعد لأنه أي يوم القيامة أبعد ما يضرب الناس المثل في كلامهم إليه من الآجال البعيدة لا أنها أي اللعنة تنقطع عنه بعد ذلك اليوم، كلّا بل تكون في الدنيا مستمرة بلا عذاب حسّي من الله والناس أجمعين، وفي الآخرة دائمة عليه أيضا مع العذاب الأكبر الباقي، ولما عرف الخبيث أن سقط في يده ولم يبق له بدّ من تلافي عصيانه لربه ولا أمل في فيض رحمته، أراد بحسب طويته النجسة أن يتمادى في الضلال والإضلال «قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ٣٦» أي كافة مخلوقاتك، لأنه عارف بالبعث بعد الموت، وأنه لا موت بعد
стр. 1369
البعث، يقصد أن لا يموت أبدا، فينجو من العذاب الأخروي، لأنه إذا بقي يوم البعث يكون حاله حال الخلق بعد البعث لا يموتون أبدا، لأن هذه الحياة حياة موقته مهما طال أجلها وتلك حياة دائمة ما بعدها إلا الخلود في الجنة رزقنا الله إياها، أو الخلود في النار أجارنا الله منها. «قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ٣٧» المؤخرين ولكن «إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ٣٨» أي موت جميع الخلق السابق علمه بأنه سيموت على كفره قال تعالى (كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) الآية ٨٨ من القصص المارة في ج ١ وإجابته تعالى له بتأخير أجله لا إكراما له ولا لميزته على غيره، بل زيادة في شقائه، ولو أراد به خيرا لوفقه لطلب العفو عن جرمه وقبول توبته، ولكن حق قوله عليه في الأزل بشقائه، ولا راد لما قدره وقضاه. ولما عرف عدم إجابة طلبه كما أراد وأنه تعالى سيميته على كفره الذي عاش عليه ويبعثه على ما مات عليه وانقطع أمله مما توخّاه، صرح بما أكنه في قلبه من الغلّ والحقد لعباد الله،
مطلب جهل إبليس وأن المزين في الحقيقة هو الله، وأن مبنى الأيمان على العرف وخلق الأفعال:
«قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ» أي آدم وذريته ما داموا «فِي الْأَرْضِ» وقدمنا في آيات متعددة أن المزيّن في الحقيقة هو الله تعالى لأنه هو أقدر إبليس عليه أي أنه يزين حب الدنيا لهم مدة حياتهم وبقائهم على أرضها، وأحبذ لهم معصيتك «وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ» في زخارفها وشهواتها حتى يضلوا طريقك السوي «أَجْمَعِينَ ٣٩» بحيث لا أترك منهم أحدا إلا صددته عن الهدى، وقد حدى بالملعون سائق الانتقام فأقسم على أن يجتهد في إغواء آدم وذريته من بعده لأنه السبب الظاهري في طرده وعنائه وقد جاء القسم في الآية ٨٢ من سورة ص بلفظ (فَبِعِزَّتِكَ) لأن الحلف على ما قاله العراقيون بصفات الذات كالعزّة والعظمة والقدرة يمين، والحلف بصفات الفعل كالرحمة والسخط والعذاب ليس بيمين، وقد حلف الخبيث بكليهما، على أن الأيمان مبنية على العرف فما تعارف الناس الحلف
стр. 1370
به يكون يمينا، وما لا فلا، وهذه الآية حجة على القائلين في خلق الأفعال وأن حملهم إياها على التسبّب عدول عن الظاهر. وليعلم أن في تمكين إبليس من الإغواء ردّ على القائلين بوجوب رعاية الأصلح من المعتزلة، وردّ على زعم من قال إن حكيما أو غيره يحصر قوما في دار ويرسل فيها النار العظيمة والأفاعي القاتلة الكثيرة ولم يرد أدنى أحد منهم فقد خرج عن الفطرة البشرية، فحينئذ الذي تحكم به الفطرة هو أن الله تعالى أراد بالأنظار إضلال بعض الناس، فسبحانه من إله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وقول هذا الزاعم على حد قول قائلهم:
ما حيلة العبد والأقدار جارية ... عليه في كل حال أيها الرائي
ألقاه في اليم مكتوبا وقال له ... إياك إياك أن تبتل بالماء
الذي رد عليه أهل السنة والجماعة بقوله:
إن حفه اللطف لم يمسسه في بلل ... ولم يبال بتكتيف وإلقاء
وإن يكن قدر المولى بغرفته ... فهو الغريق وإن أضحى بصحراء
والسبب الذي حدى بأهل الاعتزال على هذه الأقوال هو عدم اعترافهم بأن للإنسان جزء اختياريا وهو إقدام العاصي على المعصية عن رغبة ورضى، وأن قولهم أن ما يقع منه مقدر عليه، ولكنه فيما يفعله طائعا مختارا لا يعلم أنه مقدر عليه، وأنه إنما يفعله تبعا لتقدير الله، فلو أن إبليس حينما امتنع عن السجود كان امتناعه تبعا لما هو في علم الله وقد علم ذلك وامتنع لما طرده ربه، ولكن امتناعه كان حسدا لآدم، لأنه بالسجود له يصير مفضلا عليه، وأن نفسه الخبيثة تأبى أن يفضل أحد عليه، وكذلك مقترف المعاصي لو أنه إنما يقترفها لعلمه بأن الله قدرها عليه أو أنه إنما فعلها تنفيذا لأمره لا لشيء آخر لما عذبه الله، ولكن إنما يفعل المعصية لمجرد شهوة نفسه الخبيثة، مع علمه أن الله حرّمها عليه، فلذلك يعاقب ويعذب، تدبر. وهذا الملعون غلط غلطة لا تلافي لها، إذ يجب على المحب امتثال أمر المحبوب مهما كان، أعجز الخبيث أن يكون مثل ابن الفارض الصادق في محبته إذ يقول:
لو قال تيها قف على حجر الفضى ... لوقفت ممتثلا ولم أتوقف
стр. 1371
أو عجز أن يكون مثل أحد غواته يزيد حيث قال:
قال خلفته لو مات من ظمأ ... وقلت قف عن ورود الماء لم يرد
هذا ومن وقف على معنى قوله تعالى (وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ، الآية ١١٣ من سورة الأنعام الآتية، وقف يراعه عن البحث ولسانه عن الكلام وقلبه عن التخطر، راجع الآيتين ١٢- ١٨ من سورة يونس المارة والآية ١٠٨ من سورة هود والآية ١٠٠ من سورة يوسف المارات والآية ١٢ من هذه السورة وما ترشدك إليه في هذا البحث تجد ما يكفيك، علما بأن المزين في الحقيقة هو الله تعالى لمن قدر شقاءه في الأزل، وما إبليس وغيره إلا أسباب ظاهرة جعلها الله تعالى، فأعتقد بهذا أيها المؤمن لا تحد عنه. ثم استثنى الملعون من هو عاجز عن إغوائه لسابق سعادته في علم الله فقال «إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ٤٠» بفتح اللام وكسرها وتقدم معناها في الآية ٢٦ من سورة يوسف المارة ولها صلة في الآية ٤ من سورة الصافات وفي غيرهما.
مطلب عهد الله لأوليائه ودرجات الجنة ودركات النار وإرضاء الله أصحاب الحقوق بالعفو والعطاء الواسع وعزل خالد:
«قال» تعالى قاطعا أمله منهم «هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ٤١» حق علىّ مراعاته «إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ» فلا تصل إليهم قوتك ولا تنالهم وسوستك ولا يقدر عليهم إغواءك ولا يميلون إلى تزينك، لأن الخبيث عارف عدم تأثيره في المخلصين الذي أخلصوا لله واستخلصهم لنفسه، ولكنه توهم أن له سبيلا على غيرهم من عباده العارفين وأوليائه الكاملين، فبين له جل شأنه أن ليس له سبيل على عباده أيضا الذين هم من هذا الصنف غير الأنبياء وفي هذا العهد الجليل من الرب الجليل بشارة عظيمة لعباد الله الذين يعبدونه عبادة حقيقة خالصة لوجهه، أما من يعبده سمعة ورباء وجهلا أو لطلب حاجة أو دفع مضرة فقد استثناهم الله تعالى من هذا العهد بقوله عز قوله «إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ ٤٢» المنهمكين في الغواية اختيارا منهم المنقادين لإضلالك بطوعهم
стр. 1372
ورضاهم، فلك عليهم سلطان لأنهم أتباعك الآن وأحباؤك، ولكنك ستتبرأ منهم في الآخرة وتوبخهم على اتباعك راجع الآية ٢٢ من سورة إبراهيم الآتية. قال تعالى «وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ٤٣» التابعين والمتبوعين من الناس وإبليس وجنوده ثم وصف جهنّم بأنها «لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ» واحد تحت الآخر لأنها دركات كما أن أبواب الجنة الواحد فوق الآخر لأنها درجات «لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ٤٤» أي لكل دركة قوم أسفلها للمنافقين لقوله تعالى إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، الآية ١٤٥ من النساء في ج ٣ والتي فوقها للمشركين مع الله إلها آخر والتي فوقها للمجوس عابدي النار، والتي فوقها للصابئين لأنهم منهم، والتي فوقها لكفرة اليهود، والتي فوقها لكفرة النصارى والسابعة لعصاة الأمة المحمدية وهي الطبقة الأولى أجارنا الله منها، وبين كل طبقة ما لا يعلمه إلا الله، وكذلك ما بين درجات الجنة. ثم بين الله تعالى للمتقين عنده المؤمنين به، فقال (إِنَّ الْمُتَّقِينَ) الشرك والنفاق وعبادة الأوثان المتباعدين عن الكفر والمعاصي يكونون في الآخرة الباقية دائمة النعيم «فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ٤٥» ماء عذبة غير أنهار الجنة، لأن الله يتفضّل عليهم بأشياء خاصة، لأن مقابلة الجمع بالجمع تقتضي مقابلة الفرد بالفرد وأن ذلك يكون لهم بحسب مراتبهم، ويقال لهم يوم الجزاء «ادْخُلُوها» أي الجنان المذكورة «بِسَلامٍ» من الآفات والمنغصات مسلمين بعضكم على بعض، والملائكة تسلم عليكم أيضا «آمِنِينَ ٤٦» من الخروج منها ومن كل منغص أو مكدر للصفاء، لأنها دائمة لا موت فيها ولا فناء لها. ثم وصف الله طهارتهم بقوله «وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ» كان بينهم في الدنيا وما هو بمعناه من حقد وحسد من أثر عداوة أو شحناء أو تطاول، فتنقي قلوبهم من كل ما يؤدي إلى البغضاء قبل دخول الجنة، لأن الله تعالى يحاسبهم عليها ويسترضي بعضهم مع بعض بعطائه الواسع وفضله العميم حتى تطيب أنفسهم، بعضهم على بعض فيكونون بالجنّة «إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ٤٨» بوجوههم ينظر بعضهم إلى بعض، لان النظر إلى القفا أو إلى الجانب ممن يخاطب جفاء واستهتارا به، وهم هنا منزهون عنها مطهرة قلوبهم من التحاسد على
стр. 1373
علو الدرجات بحيث يوقع الله تعالى الرضاء في قلب كل منهم على ما هو فيه من المنزلة، بحيث يرى نفسه راضية مطمئنة فيها فرحة مسرورة. وما قيل إن هذه الآية نزلت في أبي بكر وعمر وعلي بسبب ما كان بينهم في الجاهلية من الضغائن فغير سديد، لأن الإسلام طهرهم فلم يبق في قلوبهم شيئا، على أن عليا كرم الله وجهه أسلم صغيرا ولم تستول عليه خصلة من خصال الجاهلية، مما يدل على عدم الوثوق بنزولها فيهم، وهم ﵃ أولى بمن ينزل فيهم القرآن ويشملهم مضمون آياته كهذه وغيرها من كل ما فيها خير، إلا أن الآية عامة في كل مؤمن ومؤمنة، وفيها ردّ على من بهت سيدنا عمر ﵁ بأنه عزل السيد خالد ابن الوليد ﵁ بسائق العداوة التي كانت بينهما حال الصغر، وهي أن خالدا رمى عمر على الأرض أو أنه خاف منه على الملك أن يتولاه هو فعزله عن أمارة الجيش في فتح الشام، وحاشا عمر من ذلك، على أن حادثة رميه كانت في الجاهلية فمحاها الإسلام إن كان لها من صحة، وحادثة عزله عن الإمارة ما هو إلا ليعلم الناس أن النصر من الله تعالى يجريه على يد من شاء من عباده لا على يد خالد فقط، لأن الناس صاروا يتقولون فتح خالد وفعل خالد ولولا
خالد لما كان كذا، فأراد أن يريهم خلاف ما وقر في صدورهم، فضلا عن أن عزله كان طبقا لمراد الله لأن فتح الشام كان مقدرا على عبيدة بن الجراح وكان ذلك فيكون عمله هذا كرامة له من الله تعالى إذ توسم ذلك فيه، وقال تعالى (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ) الآية ٧٥ الآتية ولو كان في عزله شيء مما ذكره هؤلاء المعزولون عن رحمة الله لما بقي في الجيش ورضي أن يكون من جملة جنوده حتى ثم الفتح على يده، فتح الله له أبواب الجنة. قال تعالى في وصفهم أيضا «لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ» ولا تعب ولا إعياء كما في جنات الدنيا التي لا تخلو من ذلك، وأن لكل مؤمن جنّة لا يعادلها جنان الدنيا، لأن أقل حظ أقل رجل من أهل الجنة أكثر من ملك أكبر ملك من ملوك الدنيا «وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ ٤٨» أبدا وهذا النص قاطع بالخلود في الجنة، ثم صدع جل شأنه بالبشارة العظيمة بقوله «نَبِّئْ عِبادِي» يا سيد الرسل «أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ»
стр. 1374
لمن عصاني فندم وأناب إلي، فإن مغفرتي الكبيرة تسع ذنوبه مهما كانت وأنا «الرَّحِيمُ ٤٩» بمن أطاعني وتوكل علي، فإن رحمتي تغمره وإن عظمتي تستصغر خطاياه مهما كانت «وَأَنَّ عَذابِي» لمن كفر بي وجحد نعمتي ولم يرجع إليّ «هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ ٥٠» الذي لا تطيقه قوى المعذبين. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مئة رحمة فأمسك عنده تسعا وتسعين رحمة وأدخل في خلقه كلهم رحمة واحدة. فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم بيأس من الجنة، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن النار، ولم يقل جل شأنه أنا المعذب كما قال أنا الغفور ترجيحا لجانب الوعد على الوعيد، وذلك من عظيم فضله.
ويقوي هذا الترجيح الإتيان بالوصفين الكريمين بصيغة المبالغة، وما أخرجه ابن جرير وابن مردويه من طريق عطاء ابن أبي رباح عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ قال: اطلع علينا رسول الله ﷺ من الباب الذي منه بنو شيبة فقال: ألا أراكم تضحكون، ثم أدبر حتى إذا كان عند الحجر، رجع إلينا القهقرى فقال: إني لما خرجت جاء جبريل ﵇ فقال يا محمد إن الله تعالى يقول لم تقنط عبادي اني أنا الغفور الرحيم. وتقديم الوعد يؤيد ذلك، وفيه إشارة إلى الحديث القدسي الذي فيه (سبقت رحمتي غضبي) وقدمنا في الآية ٢٠ من سورة يوسف ما يتعلق بهذا وفيها ما يرشدك لمراجعة المواقع التي فيها هذا البحث فراجعها.
مطلب بشارة إبراهيم وقصة قوم لوط:
قال تعالى «وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ ٥١» الضيف الميل مأخوذ من مال إليك لينزل بك، يستوي فيه الواحد والجمع والمؤنث والمذكر ويجمع على ضيوف وأضياف، وهؤلاء هم الملائكة المار ذكرهم في الآية ٦٩ من سورة هود المارة، وقد ألمعنا إلى إقراء الضيف وآداب الضيافة فيها أيضا فراجعها «إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً» عليك يا إبراهيم «قالَ» بعد أن رد ﵈ وقدم لهم الطعام كما مر في سورة هود المارة أيضا ورآهم لا يأكلون «إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ ٥٢» خائفون لأن أكل الضيف طعام المضيف دليل على الأمان، والامتناع
стр. 1375
منه علامة على أنهم أعداء وهي عادة مطّردة حتى الآن عند عرب البادية، ولديهم عادة أخرى وهي أنهم إذا جاءوا بحاجة لا يأكلون قبل قضائها أو أن يتعهد لهم يخلافها، وثالثة وهي أن المضيف عند ما يقدم الطعام يأكل منه قبل الضيوف لقيمات ثم يقوم ويأمرهم بالأكل حتى لا يظن أن في الأكل شيئا ضارا ولمعرفة نضجه ولذته «قالُوا لا تَوْجَلْ» من شيء ولا تخف بل افرح وطب نفسا «إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ٥٣ كثير العلم يأتيك من زوجتك العقيم سارة على ما هي عليه من الكبر واسمه إسحاق «قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ» والهرم «فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ٥٤» بعد هذه الشيخوخة، على طريق الاستفهام التعجي، أي أن بشارتكم لي على ما أنا عليه وزوجتي من الحال أعجوبة «قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ» الصدق الواضح لأنه من أمر الله ولا عجب فيه «فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ ٥٥» لأن ذلك من قضاء الله وهو يقين فلا تيأس «قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ ٥٦» عن طريق الهدى، وإلا لا أحد يقنط منها البتة لأن الكل محتاجون إليها. هذا وانه ﵇ لم يستبعد ذلك بالنسبة لعظيم قدرة الله، وإنما استبعده بالنسبة لواقع، لأن مثله ومثلها لا يتصور أن يولد لهما، وأن العقم وحده كاف للاستبعاد فكيف إذا ضم إليه الكبر؟ ثم لما عرفهم أنهم ملائكة «قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ ٥٧» غير بشارتي هذه «قالُوا» إن الخطب الذي جئنا به هو «إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ٥٨» لنهلكهم بجرمهم القبيح ولذلك عبر بالخطب لعظمته ثم استثنى فقال «إِلَّا آلَ لُوطٍ» أهله وشيعته وأتباعه المؤمنين «إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ ٥٩» من الإهلاك ثم استثنى من أهله الناجين ما يتصور دخوله فيهم فقال «إِلَّا امْرَأَتَهُ» فهي هالكة معهم لأنا «قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ ٦٠» الباقين في العذاب معهم في علمنا الأزلي، هذا وقد أسندوا الفعل لأنفسهم مع أنه لله تعالى لاختصاصهم به وقربهم منه كما تقول خاصة الملك أمرنا وقضينا وفعلنا مع أنه بأمر الملك،
قال تعالى «فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ ٦١ قال» لهم لوط حينما دخلوا عليه «إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ٦٢» لا أعرفكم إذ جاءوا بزي شباب حسان وكان مثلهم
стр. 1376
يتحاشى عن المجيء إلى قريته لما شاع عنهم أنهم يفعلون المنكر فيمن يأتي إليهم وكان دخولهم بيت لوط دون استئذان فلهذا أنكر مجيئهم وخاف عليهم من شناعة قومه «قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ ٦٣» يشكون به من العذاب الذي كنت تهددهم به فيكذبوك لنرقعه فيهم، أما نحن فلا تخف علينا منهم فإنا جئناهم لهذه الغاية «وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ» اليقين الذي لا مرية فيه «وَإِنَّا لَصادِقُونَ ٦٤» فيما أخبرناك به من أن إرسالنا لإنزال العذاب عليهم، أما أنت «فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ» سر خلفهم على أثرهم لئلا يفلت منهم أحد «وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ» يا آل لوط «أَحَدٌ» فيصيبه بعض ما ينزل عليهم من العذاب، قالوا إنما نهاهم لئلا ترق قلوبهم على المعذبين حين ينزل بهم العذاب فيرتاعون لمشاهدته ويدهشون لشدة هوله «وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ ٦٥» وقد أمرهم جبريل بالذهاب إلى قربة لم تعمل عمل قومه «وَقَضَيْنا إِلَيْهِ» أوحينا إلى لوط «ذلِكَ الْأَمْرَ» الذي هو «أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ ٦٦» أبهم جل شأنه هذا الأمر ثم فسره تفخيما له وتعظيما لشأنه ثم طفق ﷻ يقص حال قوم لوط مع ضيوفه وما وقع منهم فقال عز قوله «وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ ٦٧» يبشر بعضهم بعضا بضيوف لوط الحسان وأتوا مهرولين إلى بيته طمعا بالنيل منهم فاستقبلهم ﵇ «قالَ» لهم يا قوم اتقوا الله «إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ ٦٨» بالتعدي عليهم «وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ ٦٩» فيهم ويظهر الأمر لأهالي القرى الأخرى فيصيبكم الخزي والعار لأن الضيف في حمى المضيف «قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ» بأن لا تضيف أحدا منهم ولا تقبل غريبا في بيتك ولا تكلمنا فيما نريد أن نفعل بالناس، وقد علموا ذلك إذ شاع أمرنا بأن نفعل فيمن يقدم على قرانا مهما كان له من مكانة بقصد قطع أملهم من الدخول فيها
«قالَ» يا قوم إذا كنتم لا تسمعون قولي ولا تجيبون دعوتي وأصررتم على اخزائي في ضيفي فاتركوهم و «هؤُلاءِ بَناتِي» اللاتي كنتم تريدون الزواج بهن ولم أفعل، فإني أزوجهن لكم الآن «إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ٧١» ما تريدونه بأضيافي وقد تقدمت القصة مفصلة في الآية ٧٨ من سورة هود المارة، وقال عليه
стр. 1377
السلام (إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ) على طريق الشك في قبولهم، فكأنه قال إن فعلتم ما أقوله لكم وأظنكم فاعلين، فلم يقبلوا منه وتزاحموا على الباب، فلما رأت الملائكة أن قومه ضايقوه قالوا له إنا رسل ربك، وأنزل فيهم العذاب كما مر في القصة هناك وفي الآية ٨٤ من سورة الأعراف المارة في ج ١.
مطلب في كلمة عمرك والفراسة والفأل وتعبير الرؤيا:
قال تعالى «لَعَمْرُكَ» وحياتك يا حبيبي «إِنَّهُمْ» كفار قومك «لَفِي سَكْرَتِهِمْ» وغفلتهم هذه وغوايتهم وبغيهم «يَعْمَهُونَ ٧٢» يترددون بالحيرة ويتحيرون في النيه ويخورون في الضلال، لا يسمعون قولك ولا يقبلون نصحك، وكيف يقبلونه وقد اعتراهم ما أزال عقولهم، لأن العمه عمى القلب، لهذا لم يميزوا بين الخطأ والصواب. وقد جاءت هذه الآية معترضة بين قصة لوط ﵇، وقيل إن الضمائر فيها لأهل المدينة من قوم لوط فلا تكون اعتراضية، والخطاب في لعمرك من الملائكة إلى لوط، ولكن أكثر المفسرين على الأول بطريق الالتفات والسياق، والسياق يؤيد الثاني والله أعلم. وما قيل إن عمرك بمعنى دينك مستدلا بقول القائل:
أيها المنكح الثريا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان
فالثريا شامية ما استهلت ... وسهيل إذا استهل يمان
لا يستقيم هنا وجاز إضافة عمرو إليه تعالى لقوله:
إذا رضيت عليّ بنو تشير ... لعمرو الله أعجبني رضاها
وقول الأعشى:
ولعمرو من جعل الشهور علامة ... منها يبين نقصها وكمالها
فمن زعم عدم جوازه لأن الله ازلي أبدي توهم أنه لا يضاف إلا فيما له انقطاع وليس كذلك.
وكلمة عمرو هذه إذا أضيفت إلى الضمير تكتب بلا واو كعمرو في حالة النصب للفرق بينها وبين عمر، قال تعالى «فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ ٧٣» عند بزوغ الشمس «فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ» على أهل قرى لوط، والضميران الأولان عائدان على القرى نفسها لأنها هي التي جعل أسفلها
стр. 1378
أعلاها وهم الذين ألقى عليهم «حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ ٧٤» طين متحجر مرّ تفسيره في القصة المذكورة في سورة هود «إِنَّ فِي ذلِكَ» الإهلاك الفظيع «لَآياتٍ» عظيمة وعبرة جليلة وعظة كبيرة «لِلْمُتَوَسِّمِينَ ٧٥» أي المتفرسين الذين يعرفون بواطن الأشياء بسمة ظواهرها. والفراسة على نوعين: نوع بوقعه الله ﵎ في قلوب أوليائه فيعلمون به من أحوال الناس ما خفي على غيرهم بإلهام من الله تعالى، وهو من باب الكرامة التي خص بها بعض أوليائه، وهي شبيهة بالمعجزة عدا دعوى التحدي الذي هو من خصائص الأنبياء ولا يجوز لأحد القول به.
أخرج البغوي في حديث غريب عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله. والفراسة بكسر الفاء، تقول توسمت في فلان كذا، أي عرفت وسم ذلك فيه. والثاني من إصابة الحدس والظن والتثبت وقوة التفكير والتأمل وما يحصل بدلائل التجارب والنظر في الخلق والخلق والأخلاق مما يعرف به أحوال الناس، فهو من باب الحذق والفطانة فيكون هذا النوع لكل من يتصف بما ذكر، ولذلك قالوا التوسم هو النظر من اقدم إلى الفرق واستقصاء وجوه التعريف، قال الشاعر:
أو كلما وردت عكاظ قبيلة ... بعثوا إليّ عريفهم يتوسم
ويقال إني توسمت بفلان خيرا وعليه قول ابن رواحة في حضرة الرسول ﷺ :
إني توسمت فيك الخير أعرفه ... والله يعلم أني ثابت البصر
ومن هذا القبيل الفال الذي يشتغل به بعض الناس من رجال ونساء لأنه من قبيل التوسم في أحوال الناس والأخذ مما يسألونهم عنه، ومن هذا القبيل تعبير الرؤيا، فإنها تحتاج للفطنة والحذق ومعرفة القياس، راجع ما بيناه في الآية ٥ من يوسف المارة، ومن هذا السحر الذي ألمعنا إليه في الآية ٥٢ من الشعراء المارة في ج ١، ومنه أيضا الإصابة بالعين التي ألمعنا إليها آخر سورة المزمل في ج ١ وفي الآية ٦٦ من سورة يوسف المارة أيضا. قال تعالى «وَإِنَّها» القرى المهلكة وهي سدوم وعاموراء ودومة وساعوراء وصفرة وهي التي رحل إليها، لأن أهلها لا يعملون عمل القرى الأربع المذكورة التي وقع فيها الهلاك وتسمى في التوراة
стр. 1379
(صوغره، وبالع، وعمودة، وأدمة وجويم) كما هو في الاصحاح ١٤ من التكوين وجاء في الاصحاح ١٣ أنه ترك هذه المدينة خوفا من نزول العذاب فيها وصعد هو وبناته إلى الجبل وسكنوا في مغارة فيه، وفيه أن هذه المدينة لم تقلب، ويطلق على هذه القرى المؤتفكات أي المنقلبات «لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ ٧٦» أي واقعة على طريق واضح لم يندرس بعد أثرها يراها الذاهب إلى الشام والآتي منها إلى الحجاز «إِنَّ فِي ذلِكَ» الأثر الباقي لهؤلاء الطغاة «لَآيَةً» عظيمة «لِلْمُؤْمِنِينَ ٧٧» المصدقين بما ذكرنا لأنهم المنتفعون بالآيات المتعظون بالعبر «وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ» الغيضة وهي الأشجار الملتفة كالغابة وتسمى حرشا، وفي لغة أهالي دير الزور (زور) ولهذا تسمى البلدة دير الزور لأنها كانت محاطة بالغابات، وهؤلاء قوم شعيب ﵇ «لَظالِمِينَ ٧٨» جاحدين نعم الله لا يشكرونه على ما خصهم به من الأشجار المحيطة ببلدتهم فضلا عن النعم الأخرى من أموال وأولاد «فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ» لتكذيبهم إياه، راجع قصتهم في الآية ٨٤ من سورة هود المارة. «وَإِنَّهُما» أي أهل الأيكة وأهل مدين لأنه ﵇ أرسل إليها ولم يرسل نبي إلى قومين قبله مرة بعد أخرى، وإن هاتين المدينتين باق أثرهما مثل قرى قوم لوط «لَبِإِمامٍ مُبِينٍ ٧٩» ظاهر على طريق مستقيم، وسمي الطريق إماما لأن المارة تسلكه فكأنها تتبعه كالإمام الذي يتبعه الناس «وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ ٨٠» صالحا فمن قبله لأن الحجر كانت تسكنه ثمود قوم صالح
«وَآتَيْناهُمْ آياتِنا» التي من جملتها الناقة «فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ ٨١ لا يلتفتون إليها «وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ ٨٢» من خوف خرابها لقوتها، فكذبوه أيضا وعقروا الناقة «فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ ٨٣» مع الصباح حال غفلتهم «فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ٨٤» من الأموال والأملاك من الله شيئا لإصرارهم على الكفر، وإن قراهم موجودة الآن آثارها ظاهرة للعيان بين المدينة والشام.
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال لما مرّ رسول الله ﷺ بالحجر قال لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا
стр. 1380
باكين ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى جاوز الوادي. وتقدمت القصة أيضا في الآية ٦٢ فما بعدها من سورة هود المارة، قال تعالى «وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما» من المخلوقات الأخرى من نام وجامد «إِلَّا بِالْحَقِّ» لا عبثا ولا باطلا ولا لهوا بل للاعتبار والتفكر ليصدق المؤمن ويجحد الكافر، فيثاب الأول ويعذب الثاني يوم الجزاء المعين لإبادتها «وَإِنَّ السَّاعَةَ» التي يكون فيها خرابها «لَآتِيَةٌ» حقا لا محالة، فيا أكرم الرسل تحمل أذى قومك في هذه الدنيا الفانية، ولا تستعجل عذابهم فهو آتيهم حتما، وإن كل ما يلبثون فيها فهو قليل «فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ٨٥» أي أعرض عنهم مع الحلم عليهم والصبر على أذاهم والإغضاء مع العفو عن مساوئهم معك، وما ذكره بعض المفسرين بأن هذه الآية منسوخة بآية السيف لا وجه له، لأنها عبارة عن أن الله تعالى أمر نبيه ﷺ بأن يعامل قومه بالعفو والصفح الخاليين من الجزع والخوف وأن يظهر لهم مكارم أخلاقه الحسنة، وهذه المعاملات اللينة تكون مقدمة للمعاملات القسرية عادة عند اصرار المفترح لهم على كفرهم فأي نسخ فيها رعاك الله، راجع معنى الجميل في في الآية ٨٥ من سورة يوسف المارة «إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ٨٦» بك وبهم فلا يخفى عليه ما يجري بينك وبينهم، لأنه خلق الخلق وعلم ما هم عليه وما هم فاعلون إلى يوم القيامة، قال تعالى (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ) الآية ١٤ من سورة الملك الآتية، وهذه الآية المدنية من هذه السورة، قال تعالى «وَلَقَدْ آتَيْناكَ» يا سيد الرسل «سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي» قبل هي الحواميم السبع، وقيل الصحف السبعة التي أنزلت على الأنبياء قبله، وقيل الأمر والنهي والبشارة والنذارة والأمثال والأخبار وتعداد النعم، والذي عليه أكثر المفسرين هو آيات سورة الفاتحة السبع كما أشرنا إليه في تفسيرها في ج ١ «وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ٨٧» المشتمل عليها بدليل ما رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد بن المعلى قال: قال رسول الله ﷺ الحمد لله رب العالمين هي السبع الثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيه، وبه قال عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وأبو هريرة والحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة وعطاء، وناهيك بهم قدوة. هذا وإن السبب في تسميتها سبعا لأنها سبع
стр. 1381
آيات، وتسميتها بالمثاني لأنها تثنى أي تكرر في كل ركعة من الصلاة، وسميت قرآنا لإطلاق القرآن على بعض السورة فضلا عن السورة الكاملة، قال تعالى (بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ) الآية من أول سورة يوسف المارة أي هذه السورة، وقال تعالى أول هذه السورة (تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ) ولم ينزل القرآن كلّه فقد عبّر بالآية الأولى بالسورة عن القرآن، وفي الثانية بالآيات عنه بما يدل على جواز تسمية السورة والآية قرآنا، وما قاله البعض بأن المراد من السبع الفاتحة ومن المثاني القرآن أو أن المراد بالسبع السور السبع الطوال البقرة فما بعدها حتى براءة باعتبارها مع الأنفال سورة واحدة لعدم ذكر التسمية بينهما، أو أن المراد بها القرآن كله أقوال ضعيفة لا يعتمد عليها، والسبب في تسميتها بالمثاني لما ذكرنا ولأنها تكرر في الأدعية أيضا، وما قيل لأنها نزلت مرتين قيل لا قيمة له، وقد مرّ تنيده في تفسيرها في ج ١، والعطف من عطف الكل على الجزء إذا أريد بالقرآن مجموع ما بين الدفتين، وأريد بالسبع المثاني الفاتحة فقط أو من عطف العام على الخاص إذا أريد به المعنى المشترك بين الكل والبعض، وفيه دلالة على امتياز الخاص حتى كأنه غيره كما في عكسه، وإن أريد بها الإشباع فهو من عطف أحد الموضعين على الآخر، قال ابن الجوزي: وسبب نزول هذه الآية أن سبع قوافل وافت من بصرى وأذرعات ليهود قريظة والنضير في يوم واحد فيها أنواع البرّ والطيب والجواهر، فقال المسلمون لو كانت هذه الأموال لنا لتقوينا بها وأنفقناها في سبيل الله، فنزلت. أي الله أعطاكم سبع آيات خير من هذه القوافل السبع.
ويدل على صحة هذا القول قوله تعالى «لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ» ولا تطمح بصرك أيها الإنسان الكامل «إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ» أي هذا الذي هو من حطام الدنيا الزائل أصنافا «أَزْواجاً مِنْهُمْ» من أولئك الذين جاء منهم تلك القوافل، وقد فرحوا بها حتى تماها بعض قومك فتتمنى شيئا منه أو مما أوتوا من غيرها من الأموال والأولاد والأملاك لأنك أوتيت النعمة الكبرى التي هي فوق كل نعمة، فاستغن بما أوتيت عما أوتوه فكل شيء دونه، وهذا وإن كان خطابا لحضرة الرسول فإن المراد به قومه الذين تمنوا ذلك، لأنه ﵇ أبعد عن أن يمد بصره إلى الدنيا
стр. 1382
وما فيها لذاتها استحسانا لها وقد يلتفت إليها بالنسبة لكفرهم بالله مع كثرة انعامه عليهم، وقد تأول سفيان بن عيينة قوله ﷺ من لم يتغنّ بالقرآن فليس منا، أو ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن، فقال أي لم يستغن به عن غيره من كل ما في الدنيا، هذا من ضعف سبب النزول المذكور أعلا واحتج بأن السورة كلها مكية، وهذه الحادثة وقعت بالمدينة والحال أن هذه الآية مستثناة منها، وقد نزلت بالمدينة كما أشرنا إليه أول السورة، ويضاهي أول هذه الآية الآية ١٣٢ من سورة طه المارة في ج ١ «وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ» على كفار قومك لتأخرهم عن قبول هداك أو لعدم شكرهم نعم الله، فقد وقع من اتباع الرسل قبلك ما هو مثله وأكثر.
روى البغوي بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ لا تغبطنّ فاجرا نعمته فإنك لا تدري ما هو لاقيه بعد موته إن له قاتلا لا يموت، قيل عند الله وما هو قال النار. وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه.
ولمسلم أنظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن لا تزوروا نعمة الله عليكم، وجل هذا في المال الذي لا يجمع إلا بخمس خصال:
التعب في كسبه، والشغل عن الآخرة في إصلاحه، والخوف من سلبه، واحتمال اسم البخل دون مفارقته، ومقاطعة الإخوان بسببه وهو مفارقه لا محالة، قال تعالى «وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ٨٨» ألن جانبك لهم وأرفق بهم، ولا تعنّفهم على كل شيء، ومن جملته تمنّيهم ذلك وإطماح بصرهم إليه، لأنه من طبع محبي الدنيا «وَقُلْ» لهم يا رسولي «إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ» لكم من عذاب الله «الْمُبِينُ ٨٩» لكم وقوعه إذا لم تؤمنوا بالله إيمانا خالصا، والموضح لكم كل ما تحتاجونه من أمر دينكم ودنياكم «كَما أَنْزَلْنا» أي أنذركم من نزول عذاب عظيم كالعذاب الذي أنزلناه «عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ ٩٠» الذين آمنوا ببعض ما أنزل عليهم وكفروا ببعضه، قال تعالى (فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) الآية ٨٥ من البقرة ومثلها الآية ١٤٩ من النساء في ج ٣، أي أنهم يؤمنون بقسم من القرآن مما يوافق ما عندهم ويكفرون بما يخالفه.
стр. 1383
مطلب معنى المقتسمين ومواقف القيامة وأعلال العبارة:
وهذا القول أولى من القول إن هذه نزلت بحق الذين اقتسموا القرآن من الكفرة بقولهم سورة كذا لك وسورة كذا لي وهلم جرا على طريق الاستهزاء والسخرية، وأوفق من القول بأن هذا الاقتسام عبارة عن قول الكفرة سحر وكهانة وشعر وأساطير الأولين، وأنسب من القول بأنها في حق الكفار الذين اقتسموا عقاب مكة أي طرقها ووقفوا عليها ليخبروا المارة بأن محمدا كاهن ساحر أو شاعر متعلم وغير ذلك، ومما يؤيد الاول
قوله تعالى «الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ٩١» جمع عضضة تقول عضت الشيء إذا فرقته، وقيل جمع عضة وهي الكذب والبهتان والسحر أي جعلوه فرقا واجزاء، روى البخاري عن ابن عباس في هذه الآية قال هم اليهود والنصارى جزّءوه أجزاء آمنوا ببعض وكفروا ببعض، قال تعالى «فَوَ رَبِّكَ» يا حبيبي «لَنَسْئَلَنَّهُمْ» أي هؤلاء المتجاسرين على الكفر بالقرآن الذين يصدقون ببعضه ويكفرون ببعضه «أَجْمَعِينَ ٩٢ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ٩٣» في هذه الدنيا من هذا وغيره من جميع ما يقولونه فيك وفيّ وفي القرآن، كما أنا نسألهم عما كانوا يقولون في الكتب الأخرى، قال ابن عباس لا يقول الله لهم هل عملتم هذا لانه أعلم به منهم بل يقول لهم لم عملتم، وقد قدمنا أن القيامة أحوالا ومواقف مختلفة متباينة منها ما يسأل فيها ويجاوب، ومنها ما يحاجج، ومنها ما لا سؤال ولا جواب، ومنها سؤال بلا جواب، ومنها سكوت مطلق، ومنها ما يصار فيها إلى الاستنطاق من اللسان، ومنها من الأعضاء، ومنها ومنها، أجارنا الله منها، راجع الآية ٥٤ من سورة يونس المارة والآية ٨٢ من سورة النحل في ج ١، قال تعالى «فَاصْدَعْ» الصدع الشق والفصل قال ابن السكّيت لجرير:
هذا الخليفة فارضوا ما قضى لكم ... بالحق يصدع ما في قوله حيف
وعليه يكون المعنى فرق يا أكرم الرسل بين الحق والباطل ويأتي بمعنى انفطر وانفلق وظهر أي اجهر واظهر وامض «بِما تُؤْمَرُ» به من تبليغ دعوة ربك إلى خلقه وأعلن رسالتك إليهم «وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ٩٤» لا تلتفت إليهم ولا تبال بلومهم، يحكى أن بعض العرب سمع قارئا يقرأ هذه الآية فسجد،
стр. 1384
فقيل له في ذلك فقال سجدت لبلاغتها. وكان ﷺ يعبد ربه وأصحابه المؤمنين خفية تحاشيا من أذى المشركين، فلما نزلت هذه الآية خرج هو وأصحابه وأعلنوا عبادة الله، ذكره عبد الله بن عبيدة وعبد الله بن مسعود، وكان هذا بعد إسلام عمر ﵁ الكائن في السنة السادسة من البعثة بأربع سنين تقريبا، وما قيل إن هذه الآية منسوخة بآية السيف فليس بشيء، والمعول عليه أنها محكمة لأنها لا تتضمن الإقرار على ما هم عليه أو السكوت بل طلب الإعراض فقط إلى أن يأتي اليوم الذي قدر في أزل الله لقتالهم، وإذا تتبعنا أقوال هكذا بالنسخ نجد أن آية السيف وغيرها نسخت مائتي آية من القرآن العظيم، كما ذكره السيد محمد بن أحمد الجزّي بمقدمة تفسيره، ولكنها أقوال مجرّدة لا يعبأ بها تناقلها أناس عن آخرين دون مستند يطمئن إليه الضمير إذ لم يتكلم أحد في بحث النسخ زمن الرسول ولم يتطرق أحد لتفسير القرآن زمن الخلفاء الأربعة ولذلك وقع ما وقع من مثل هذه الأقوال التي مصدرها قبل وقال، قال تعالى «إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ٩٥» فلا تخف أحدا منهم، ومن كان الله كافيه لا يخشى أحدا، نزلت هذه الآية في خمسة من كفار قريش، وهم المبالغون في إيذاء حضرة الرسول فأهلكهم الله جميعا وكفاه شرهم، وهم الوليد بن المغيرة المخزومي مرّ بنبال فعلقت شظية من النبل بإزاره فمنعه الكبرياء أن يطأطئ رأسه فينزعها، فصارت تضرب ساقه فخدسته فمرض فمات، والعاص بن وائل دخلت في أخمصه شوكة فقال لدغت وانفخت رجله فمات، والأسود ابن عبد المطلب عمي بدعوة الرسول عليه، والأسود بن عبد يغوث أصابه خبال فصار يضرب رأسه بالشجر ووجهه بالشّوك حتى مات، والحارث بن قيس صار يتمخط قيحا ولم يزل حتى مات، وهؤلاء الخمسة الذين تفانوا في الاستهزاء والسخرية، وقد أهلكهم الله في الدنيا هم «الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ٩٦» عاقبة أمرهم الوخيمة، وفيها تهديد عظيم لشؤم حالهم في الآخرة على كفرهم واستهزائهم بأفظع ممّا جوزوا عليه في الدنيا. قال تعالى «وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ ٩٧» من الفحش فيك وفي ربك
стр. 1385
وكتابك مما تأباه الجبلة البشرية، فلا تلق لهم بالا وأعرض عنهم واشتغل بما يفرج انقباضك ويشرح صدرك من عبادة ربك المطلوب فعلها دائما من عباده، قال تعالى (فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ) آخر سورة الإنشراح في ج ١، «فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ» أيها الرسول واستمر على تمجيده وذكره وتنزيهه وأفزع إليه فيما ينوبك بأسباب التقرب إليه «وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ٩٨» المتواضعين المخبتين له أي كن من المصلين المداومين على الصلاة وعبر بالجزء الذي هو السجود عن الكل الذي هو الصلاة وهو من محسنات البديع، كما عبر بالكل عن الجزء في قوله تعالى (يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ) أي رءوسها كما سيأتي في الآية ١٨ من سورة البقرة في ج ٣، وذلك لأن الصلاة تنور الباطن فيشرق القلب وينكشف له المغيبات وينفسح الصدر فيزول ما فيه من هم وغم وكدر، وهذا تعليم من الله تعالى لعباده بأن كل من أصابه حزن أو جزع من أمر ما أن يسرع للتسبيح والصلاة، وهكذا كانت عادته ﷺ وهذا الأمر بهما من الله له مع أنه لا يفتر عنهما لاستدامة استمراره عليهما وليعلم بهما أمته. هذا وقد صح عنه ﷺ أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وكان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة «وَاعْبُدْ رَبَّكَ» وأدم عبادته لا تتركها بحال من الأحوال «حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ٩٩» الذي لا شك فيه وهو الموت، وهذه على حدّ قوله تعالى (وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا) الآية ٣٢ من سورة مريم المارة في ج ١، ولا يوجد سورة مختومة بما ختمت به هذه السورة ولا مثلها في
عدد الآي وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره ﷺ ما لا يخفى من اللطف به ﵇ والإشعار بعلة الحكم أي وهي الأمور المذكورة ضيق الصدر والتسبيح والتحميد والسجود والعبادة والموت. هذا والله أعلم، وأستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا، والحمد لله رب العالمين.
стр. 1386
تفسير سورة الأنعام عدد ٥- ٥٥- ٦
نزلت بمكة بعد الحجر عدا الآيات ٢/ ٣٢ و ٩٢/ ٩٣ و ١١٤/ ١٤١ و ١٥١/ ١٥٢ و ١٥٣ فإنها نزلت بالمدينة وهي مئة وخمس وستون آية، وثلاثة آلاف وخمسون كلمة، واثنا عشر ألفا وأربعمائة واثنان وعشرون حرفا، وتقدمت السور المبدوءة بما بدئت فيه في سورة الفاتحة في ج ١، ولا يوجد مثلها في عدد الآي.
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)
قال تعالى: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ» ابتدأ جل شأنه الخلق بالحمد في هذه الآية، وختمه بالحمد، في قوله جل قوله (وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) آخر سورة الزمر الآتية، وبدأ الربع الأول بحسب ترتيب القرآن الموافق لما هو في علم الله بالحمد في سورة الفاتحة، التي ذكرنا فيها معاني الحمد وما يتعلق فيه في ج ١، وفي المقدمة في بحث الحمد أيضا ما به كفاية عن الإعادة في موضع آخر، وبدأ ربعه الثاني في هذه السورة، وربعه الثالث بالحمد في سورة الكهف، وربعه الرابع بالحمد في سورة فاطر، كل ذلك لتعظيم الحمد لديه تعالى ولحث عباده على المداومة عليه لما فيه من الفضل الجزيل والثواب الكثير وحق التأدية لنعم الله تعالى، وبين لهم كيفيته ليحمدوه بها، وجملة الحمد هنا وفي كل موضع خبرية لفظا إنشائية معنى، إلى أن من يقول الحمد لله كأنما قال أحمده على الدوام والاستمرار، وخص السموات والأرض لأنهما من أعظم مخلوقاته فيما يراه الناس، وإلا فالعرش والكرسي أعظم بكثير، وقد جاء في الخبر أن أرضكم هذه بالنسبة لعرش الرحمن كحلقة ملقاة بفلاة، وال فيها للجنس فتشمل جميع أفرادها، وإذا كانت للعهد فالمعهود كلاهما أيضا، وإذا أريد الاستغراق فكذلك فهي صالحة للجميع. قال تعالى «وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ» فيها إذ خلقها بعد خلقها، وجعل فيهما منافع جمة للعباد والحيوان والجماد، ومنهما جعل الليل والنهار، وفي هذه الآية رد على الثنوية القائلين بقدم النور والظلمة، وقد أفرد النور لإرادة الجنس فيصدق على الواحد والمتعدد، وجميع الظلمات باعتبار الإفراد يشمل ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة الموقع وظلمة البطن لمخالفة كل منها الأخرى، والنور لا يختلف.
стр. 1387
مطلب نشأة الكون ومبدأ الخلق وأن لكل إنسان أجلين وما يتعلق بذلك:
ومن هذا الترتيب يفهم أن خلق السموات قبل الأرض والظلمة قبل النور، إلا أن العطف بالواو لا يقتضي الترتيب كما هو ظاهر. قال تعالى (خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ) وقال تعالى (يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ) الآية الأولى من سورة تبارك الملك الآتية، والثانية الآية ٥٥ من المائدة في ج ٣، وقدمنا ما يتعلق بنشأة الكون في الآية ٢٧ من سورة الحجر المارة وما يتعلق بمبدأه ولبحثها صلة في الآية ٣٠ من سورة الأنبياء الآتية «ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ١» يساوون به غيره من الأوثان بعد أن علموا أنه الخالق، لذلك كله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وبعد أن جعل هذه المخلوقات لمنافعهم ذكرهم بأصول خلقهم علهم ينتهون فقال «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ» ابتدأ خلق أبيكم آدم منه، أخرج أبو داود والترمذي عن أبي موسى الأشعري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول إن الله تعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض (أي ألوانها) منهم الأحمر ومنهم الأبيض والأسود وبين ذلك، والسهل والحزن والخبيث والطيب وبين ذلك. وقد نزلت هذه الآية ردا على المشركين الذين ينكرون البعث بعد الموت يفهمهم فيها أن الذي يخلق من الطين بشرا ألا يقدر على إعادته بعد فنائه وإحيائه بعد إماتته، بلى، وهو أهون عليه، لأن الخلق الأول على غير مثال سابق والإعادة عبارة عن خلقه على حالته الأولى، فالذين يعملون الآن السيارات والطيارات والدبابات والقذائف والألغام وغيرها لا فضل لهم بها لأن الفضل كله إلى الذي ابتكر صنعها إبداعا بتعليم الله إياه، ولهذا يقول الله تعالى (أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ) الآية ١٥ من سورة ق في ج ١، وإنما قال ذلك لأن الخلق الثاني عبارة عن إعادة ما خلقه أولا وليس بشيء عنده، واعلم أن ما يخلقه الإنسان هو من خلق الله، قال تعالى (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ) الآية ٩٧ من الصافات الآتية، وإن عملهم هذا تقليد للمخترع الأول الذي ابتكر صنعها ليس إلا، لأن الشيء بعد إيجاده يسهل تقليده والعسر كل العسر في إبداعه وتصويره وإنشائه، ولا سواء بين الخالق والمخلوق، لأن المخلوق يحتاج للتعب والتفكر والتدبر وما يعتمد
стр. 1388
عليه من آلات ومعادن واحتياجه إلى المعونة، والله تعالى يقول للشيء كن فيكون حالا إذا أراده بين الكاف والنون، أنظر بساط سليمان ﵇ المشار إليه في الآية ١٢ من سورة سبأ الآتية، وسفينة نوح ﵇ الملمع إليها في الآية ٤١ من سورة هود المارة وقس بينهما وبين طائراتنا ومراكبنا وخذ العبرة، فإن البساط يطير والسفينة تجري بمجرد قولهما بسم الله وينزل البساط وترسو السفينة بمجرد قولهما باسم الله أيضا دون حاجة إلى رجال وآلات وزيت وكاز وغيرها، ومصنوعات البشر تحتاج لذلك كله فضلا عن أنها معرضة للخراب وهلاك ركابها، وصنع الله لا يخرب وأهلها في مأمن من ذلك «ثُمَّ قَضى أَجَلًا» لكل شيء خلقه من وقت بروزه وتكوينه، أي وقت ولادته ووجوده ومن الولادة والوجود إلى وقت الموت والفناء «وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ» قضاء أيضا لهذه المخلوقات غير الأجلين المذكورين وهو من الموت والفناء إلى البعث والنشور، ومنهما إلى دخول الجنة والنار، فيكون لكل أجلان في الدنيا والآخرة لا يعلم مقدارهما ووقتهما إلا هو، لأنه من جملة الخمسة التي اختص بها نفسه المقدسة المذكورة آخر سورة لقمان الآتية، قال ابن عباس رضي عنهما في تفسير هذه الآية: لكل أحد أجلان (يريد في الدنيا والآخرة كما جرينا عليه) فإن كان برا تقيا وصولا للرحم زيد له من أجل البعث إلى أجل العمر أي في الدنيا، وإن كان فاجرا قاطعا للرحم نقص له من أجل العمر وزيد في أجل البعث، مستدلا بقوله تعالى (وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ) الآية ٧ من سورة فاطر المارة في ج ١، ولهذا البحث صلة في الآية ٣٩ من سورة الرعد في ج ٣، وفي الآية ٤ من سورة نوح، والآية ٩ من سورة إبراهيم الآتيتين، وبهذا قال قتادة والحسن والضحاك، وقال مجاهد وسعيد بن جبير: الأول أجل الدنيا والثاني أجل الآخرة، أي بقطع النظر عن أجل البرزخ لدخوله في أجل الآخرة، والظاهر هو ما جرينا
عليه في تفسير الآية، ومعنى قضى قدر وحكم وكتب في الأزل، ويراد بالكتابة ما تعلمه الملائكة، كما جاء في حديث الصحيحين: إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح
стр. 1389
ويؤمر بأربع كلمات يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد «ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ٢» في آلهتنا وتشكون في وحدانيتنا، مأخوذ من المرية أو تجادلون إذا كان المراء، وقد أتى بحرف التراخي في الآيتين للاستبعاد في هذا الشك بعد أن ثبت أن الفاعل لخلق السموات وما بعدها الوارد ذكره في الآية والقادر على الإحياء والإماتة والبعث هو الله وحده، ومع هذا يشكون ويجادلون «وَهُوَ اللَّهُ» الإله الواحد المعبود بحق «فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ» وهذه على حد قوله تعالى (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ) الآية ٤٨ من سورة الزخرف الآتية «يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ» في أعمالكم وأقوالكم «وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ ٣» من خير أو شر في الخفاء والجهر، وما يستحقه كل منكم من ثواب وعقاب «وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ» ومالك أمرهم ومربيهم على يد رسولهم «إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ ٤» لا يلتفتون إليها ولا يحترمونها ولا ينظرون إلى من أنزلت عليه ولا لمن أنزلها لهم، ووصف الله تعالى كفار مكة بكثرة التهاون في ذلك حتى كأنهم لم يرسل إليهم رسولا ولم يظهر لهم آية «فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ» المنزل إليهم وهو القرآن الذي شرفنا به نبيهم آية عظيمة على صدقه «لَمَّا جاءَهُمْ» به وتلاه عليهم «فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ٥» عند نزول العذاب عليهم في الدنيا بالقتل والأسر والجلاء، ويوم القيامة بالإحراق بالنار، وحينذاك يعرفون عاقبة استهزائهم وأخبار سخريتهم وإعلام تكذيبهم، وفيها من الوعيد ما لا يخفى. قال تعالى «أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ» من زمن نوح إلى زمنهم، لأن القرن هنا عبارة عن كل أمة هلكت ولم يبق منها أحد وهو المراد والله أعلم، وإن كان القرن يطلق على مطلق الوقت، والزمن ما بين عشر سنين ومئة سنة على أقوال فيه، راجع الآية ٣٨ من سورة الفرقان في ج ١ وهؤلاء المهلكون قد «مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ» جعلناها قرارا لهم ومكنّا لهم فيها وملكناهم وزودناهم بالأموال والأولاد «وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً» لتكثير خيراتهم ودوامها بتتابع الغيث على أراضيهم «وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ» زيادة في التنعيم وسقي جناتهم ولابتهاج النظر إليها،
стр. 1390
ولما أرسلنا الرسل ودعوهم للإيمان بنا وبرسلنا والوفاء بالعهد الذي أخذ عليهم في عالم الذر وترك الأوثان والتمسك بطرق الخير وترك سبل الشر والإيمان بالبعث بعد الموت (راجع الآية ١٧٢ من سورة الأعراف في ج ١) لم يلتفتوا إليهم وأنكروا عليهم دعوتهم وكذبوهم «فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ» لأنهم لم يراعوا حقّ نعمتنا المتوالية عليهم ولم يصدقوا رسلهم «وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ ٦» بمقتضى سنتنا المطردة وهي أنا كلما أنشأنا قرنا ودعوناه للإيمان بنا فلم يؤمن أهلكناه وأنشأنا غيره، وأنتم يا أهل مكة سيكون مصيركم الهلاك إن لم تؤمنوا بنبيكم لأنا لا نخرم سنتنا، قال النضر بن الحارث وعبد الله بن أمية ونوفل بن خويلد:
لا نؤمن بك يا محمد حتى تأتينا بكتاب من عند الله مع أربعة من الملائكة يشهدون على أنه من عند الله وأنك رسول الله، فأنزل الله «وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ» وظهر لهم كما أرادوا، لأن اللمس أبلغ من المشاهدة «لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا» والمقترحون خاصة «إِنْ هذا» ما هو بقرآن ولا هو مكتوب على ورق وليس بشيء وإن كنا نراه ما هو «إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ٧» تخيّل علينا به ووقّه كما قالو في انشقاق القمر تعنتا وعنادا لأنهم لا ينتفعون بالآيات بسبب إصرارهم على الكفر «وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ»
يشهد له بأنه مرسل من الله لآمنا به وصدقناه. قال تعالى «وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً» على رسولهم محمد كما طلبوا «لَقُضِيَ الْأَمْرُ» بإهلاكم لأنا لا نرسل الملائكة إلا لتنفيذ أوامرنا وإنجاز وعيدنا وقد جرت عادتنا أن كل أمة اقترحت على نبيها شيئا وآتاهم ما اقترحوه ولم يؤمنوا استأصلناهم بالعذاب ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ ٨» إذ لا تقبل التوبة عند نزوله، وإنما لم نفعل ذلك لما هو ثابت في علمنا أزلا أن منهم من يؤمن «وَلَوْ جَعَلْناهُ» ذلك الرسول «مَلَكاً» وهذا رد لقولهم لو شاء ربك لأنزل ملائكة لهداية البشر، لأن البشر لا يهدي مثله بزعمهم الباطل «لَجَعَلْناهُ رَجُلًا» على صفة المرسل إليهم، لأن البشر لا يستطيع النظر إلى صورة الملك الحقيقية، ولذلك حينما نرسل الملائكة إلى البشر نرسلهم بصورة البشر كما فعلنا ذلك مع داود ولوط وابراهيم وكما جاء جبريل إلى محمد بصورة
стр. 1391
دحية الكلبي مرارا وبصورة اعرابي غير معروف وسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة في الحديث المشهور «وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ٩» بأن نجعل الملك بصورة البشر فنوهم عليهم ونشبّه لهم فنشكل الملك بالبشر حتى يختلط عليهم الأمر فلا يعرفوه أبشر هو أم ملك، فيظنونه بشرا ويقولوا مقالتهم هذه بأنهم لا يرضون برسالة البشر، وتعود المسألة بحالها دورا وتسلسلا، وإذ ذاك أيضا يقولون ما هو إلا بشر مثلكم فكيف تطيعونه، هذا وإن محمدا ﷺ في الحقيقة بشر ولكنه ليس مثلهم، لأن الله تعالى فضله بوحيه وشرفه برسالته، وأعطاه ميزة على جميع خلقه وخصّه بأشياء لم يطلع عليها غيره، لهذا فإنه صار بحقيقة سامية وصفة كريمة لا يقدره إلا الذي أرسله، ولله در القائل:
محمد بشر وليس كالبشر ... محمد جوهر والناس كالحجر
وقال الأبو صيري:
وكيف يدرك في الدنيا حقيقته ... قوم نيام تسلوا عنه بالحلم
فمبلغ العلم فيه أنه بشر ... وأنه خير خلق الله كلهم
دع ما ادعته النصارى في نبيهم ... واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم
ثم شرع يسليه ربه بذكر ما وقع لإخوانه الرسل قبله مع أممهم فقال جل قوله «وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ» كما استهزأ بك قومك «فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ» العذاب الذي لا مرد له، وحاق بمعنى حل ونزل وتفيد معنى الإحاطة ولا تكاد تستعمل إلا بالبشر وقيل في المعنى:
فأوطأ جرد الخيل عقر ديارهم ... وحاق بهم من بأس ضربة حائق
وهذه الإحاقة جزاء «ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ١٠» فاهلكوا جميعا بسبب إيذائهم أنبيتهم، وفيه تحذير لكفار مكة بأنهم إذا لم يقلعوا عما هم عليه من الإيذاء لحضرة الرسول فإن الله يسلط عليهم عذابا يهلكهم به كما فعل بغيرهم
«قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا» ببصركم وتأملوا ببصيرتكم على تأويل النظر بالاعتبار، وقد يؤول السير أيضا بالاعتبار وبالشيء على الأقدام، أي اعتبروا وانظروا «كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ١١» أمثالكم إذ أورثهم كفرهم
стр. 1392
وتكذيبهم الدمار حتى صارت أطلال بلادهم عظة لمن يمر بها وقصتهم عبرة لمن يتفكر بها، فيا أكرم الرسل سل كفرة قومك و «قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» فإن أجابوك بأنها وما فيها ملك لله فعليهم أن يؤمنوا به لأن المملوك تابع لسيده، وإن لم يجيبوك فأخبرهم أنت و «قُلْ لِلَّهِ» وحده فإنهم لا يستطيعون أن يجادلوك في ذلك، لأنهم يعرفون أن أصنامهم مملوكة لا مالكة ويعلمون أنهم وأصنامهم وما تملكه أيديهم لله يتصرف فيه حسبما يشاء ولا يقدرون أن يقولوا خلاف هذا، لأنهم يتحاشون عن الكذب وينتقد بعضهم بعضا به، ومنهم من يقتلون الكاذب كقوم يونس قبل إيمانهم، قاتلهم الله ولا يتحاشون عن الكفر. ولما بين تعالى كمال قدرته بمخلوقاته أردفه بكمال إحسانه إليهم فقال «كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ» لعباده وهو منجز وعده بها لهم لا محالة وعليهم أن يكونوا أهلا لها ليحلّها عليهم.
مطلب في الرحمة ومعنى كتبها على نفسه المقدسة وأن الضار والنافع هو الله تعالى:
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ لما خلق الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي. وفي البخاري:
إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق الخلق إن رحمتي سبقت غضبي فهو مكتوب عنده فوق العرش. وروى مسلم عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله ﷺ إن الله خلق يوم خلق السموات والأرض مئة رحمة كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض فجعل منها فى الأرض رحمة واحدة (أي وأخر التسعة والتسعين كما مر في الآية ٥٠ من سورة الحجر المارة) فبها تعطف الوالدة على ولدها والوحش والطير بعضها على بعض، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة. وروى البخاري ومسلم عن عمر قال: قدم على رسول الله ﷺ سبي فإذا امرأة من السبي تبتغي (تطلب وتتحرى) إذ وجدت صببا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال رسول الله ﷺ أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ قلنا لا والله وهي تقدر أن لا تطرحه، فقال ﷺ لله أرحم بعباده من هذه المرأة بولدها. راجع الآية ٥٠ المذكورة آنفا تجد ما يتعلق بهذا البحث «لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ» بأنه آت بلا شك «الَّذِينَ» نصب بفعل الذم المقدر
стр. 1393
ينبىء عنه «خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ» باختيارهم ورضى منهم «فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ١٢» لشقائهم الأزلي بسوء نياتهم وخبث صنايعهم «وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ» وما تحرك فيهما من إنسان وحيوان من كل نام وجامد في البر والبحر والهواء ملك لله وحده. وقد اكتفى بذكر أحدهما عن الآخر على حد قوله (سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ) الآية ٨٢ من سورة النحل الآتية للعلم به «وَهُوَ السَّمِيعُ» لأقوال وأفعال وإحساس كل متحرك وجامد ونام قالا أو حالا على اختلاف لغاتهم وأصواتهم «الْعَلِيمُ ١٣» بما يحتاجه كل منهم وما يفعله سرا وعلانية وما يفعل به من خير أو شر والفاعل أيضا، فيا أكرم الرسل «قُلْ» لهؤلاء الكفرة الذين يعبدون الأوثان ويدعونك لعبادتها «أَغَيْرَ اللَّهِ» أيها الجهلة يسوغ لي «أَتَّخِذُ وَلِيًّا» وهو ولي كل شيء القادر على كل شيء كلا لا يصح ولا يستقيم لي أن أتخذ غيره أبدا، وكيف يسوغ لي التصدي لذلك مع الإله العظيم «فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» قرىء بالجر صفة للفظ الجليل، وبالنصب على المدح أو الاختصاص، وبالرفع على الابتداء وهو أولى بالنسبة لقوله تعالى «وَهُوَ يُطْعِمُ» جميع خلقه بما يدرّه عليهم من الرزق لكل بما يناسبه وبقدر حاجته «وَلا يُطْعَمُ» من قبل أحد لاستغنائه عن مخلوقاته واحتياج الكل إليه فهو الغني وهم الفقراء ومن هذه صفته وجب أن يتخذ إلها ووليا لا غير «قُلْ» هذا لهم يا حبيبي وقل لهم أيضا «إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ» من هذه الأمة الموجودة على البسيطة وأنقاد لطاعة ربي الذي قال لي أسلم «وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ١٤» بي أحدا غيري ولا شيئا من خلقي، هذا ومن عطف هذه الجملة على الأمر تكلف بتحوير لفظ الفعل إذ يكون المعنى وأمرت أن لا أكون من المشركين، لهذا فإن انقطاعها على الاستئناف وحملها على غيره ﷺ من أمته كما هو الشأن في الآيات الممائلة المارة آخر سورة القصص والآية أواخر سورة الزمر أولى كما جرينا عليه أي أمرت بالإسلام وقد نهيت ونهيتم أيها الناس عن الشرك وهي رد على غواة قومه الذين كلفوه أن يكون على دينهم «قُلْ» لهم أيضا «إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي» بعبادة غيره خلافا لما أمرني به وكلفني بتبليغه إليكم «عَذابَ
стр. 1394
يَوْمٍ عَظِيمٍ
١٥» لا مخلص منه لأحد «مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ» أي ذلك العذاب ويتخلص من وباله «يَوْمَئِذٍ» عند حلوله في موقف القيامة المهيب «فَقَدْ رَحِمَهُ» الله بالنجاة منه وفاز بخير الدنيا والآخرة لأنهما حالتان واقعتان لا ثالث لهما، إما الرحمة والجنة أو العذاب والنار «وَذلِكَ» صرف العذاب الناتج عنه دخول الجنة «الْفَوْزُ الْمُبِينُ ١٦» الذي لا غبار عليه «وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ» أيها الإنسان «بِضُرٍّ» من كلّ ما تكرهه نفسك «فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ» وحده ﷻ «وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ» من كل ما تحبه نفسك فكذلك لا راد له إلا هو «فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ١٧» ومن جملة الأشياء المقدورة دفع الضر وجلب الخير لمن يشاء، وهذا الخطاب وإن كان خاصا بحضرة الرسول إلا أنه عام له ولأمته. فيعلم من هذه الآية أن الضار
الحقيقي والنافع هو الله تعالى وحده لا دخل لأحد من خلقه به البتة، وإن ما نراه من وجود النفع والضر بواسطة بعض خلقه هو بتقديره أيضا، لأنه عبارة عن واسطة وأسباب ظاهرية اقتضت حكمته وجودها على أيديهم وفقا لسابق علمه الأزلي بحدوثها كذلك فسخرهم للقيام بها. أخرج الترمذي عن ابن عباس ﵄ قال: كنت خلف النبي ﷺ يوما فقال يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه لك، وإن اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف، أي بما هو كائن بحيث لا يبدل ولا يغير ولو أطبقت عليه أهل السماء والأرض لأنه من كلام الله، وقد قال جل شأنه (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) الآية ٨٤ من سورة الإسراء في ج ١، وقد زاد رزين بالحديث السابق.
(تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، وفيه أيضا: إن استطعت أن تعمل لله بالرضاء باليقين فافعل، فإن لم تستطع فاصبر فإن الصبر على ما تكره خير كثير) واعلم أن النصر مع الصبر والفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسرا، ولن
стр. 1395
يغلب عسر يسرين. ومثله في سند أحمد بن حنبل، فينبغي لكل مؤمن أن يجعل هذا الحديث الصحيح أمام عينيه، ومرآة قلبه، وشعار حديثه، فيعمل به ويأمر به غيره، ففيه العزّة بالله والراحة لنفسه، ورفع العتب عن الغير، وفي هذه الآية الجليلة ردّ على من يرجو كشف الضر من غيره تعالى، وعلى من يؤمل قضاء مصلحته من غيره، وليس فيها ما يمنع الأسباب الظاهرة والتوسل بها، بل ذلك مطلوب، وإنما عليه بعد ذلك أن يجزم بأن ما يكون له هو المقدر عليه أو له لا غير، وأن الله تعالى مجريه لا محالة سعى أو لم يسع. قال تعالى «وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ» المتسلط عليهم فلا يقدر أحد أن يخرج من تحت قهره، وهذا هو معنى القاهر لأنه عال على المقهور، فهو جل شأنه يدبر أمر خلقه فيما يريده لا يحول دونه حائل، ينعّم ويعذب، ويفرح ويحزن، ويغني ويفقر، ويصح ويمرض، ويعز ويذل، ويحيى ويميت، لا يستطيع أحد رد شيء مما قدره «وَهُوَ الْحَكِيمُ» بما يفعل بعباده «الْخَبِيرُ ١٨» بما يقع في ملكه، وهذه الآية من آيات الصفات التي ألمعنا إليها في الآية ٥ من سورة طه في ج ١، وبما في الآية ٣ من سورة يونس المارة المحال التي تبحث عن آيات الصفات كهذه فراجعها، وهي لا تقضي إثبات الفوقية بمعنى الجهة لله، تعالى الله عنها، وإنما هي بمعنى العلو والغلبة كما ذكرنا، على أن مذهب السلف الصالح جعلنا الله من أتباعهم إثبات الفوقية المطلقة لله تعالى تحاشيا عن ضدّها لما فيها مما لا يليق بجانبه العالي كما أثبته الإمام الطحاوي وغيره بأدلة كثيرة، روى الإمام وأحمد في حديث الأوعال عن العباس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: والعرش فوق ذلك، والله فوق ذلك كله.
وروى أبو داود عن جبير بن محمد بن مطعم عن أبيه عن جده قوله ﷺ للرجل الذي استشفع بالله تعالى: ويحك أتدري ما الله تعالى؟ إن الله تعالى فوق عرشه، وعرشه فوق سمائه، وقال بأصابعه مثل (القبة) وانه ليئط أطيط الرحل الجديد بالراكب.
وأخرج الأموي في مغازيه من حديث صحيح أن النبي ﷺ قال لسعد يوم حكم في بني قريظة: لقد حكمت فيهم بحكم الملك من فوق سبع سموات. وروى ابن ماجه يرفعه قال: بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رءوسهم فإذا
стр. 1396
الجبار ﷻ قد أشرف عليهم من فوقهم، وقال يا أهل الجنة سلام عليكم، ثم قرأ ﷺ قوله تعالى (سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ) الآية ٥٩ من سورة يس المارة في ج ١، فينظر إليهم وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه. وروى عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى حكاية عن إبليس لعنه الله (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ) الآية ١٧ من سورة الأعراف في ج ١، أنه قال لم يستطع أن يقول من فوقهم لأنه قد علم أن الله تعالى فوقهم. وجاء فيما أخرجه مسلم من قوله ﷺ وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وقوله تعالى (تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) الآية ٤٣ من فصلت الآتية ولا يكون التنزيل إلا من الفوق، والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة، كقوله تعالى (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ الآية ١٠ من سورة فاطر المارة في ج ١، وقوله تعالى (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ) الآية ١٥٨ من سورة النساء في ج ٣، وقوله جل شأنه (تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ) الآية ٥ من سورة المعارج الآتية والصعود والرفع والعروج لا تكون إلا لجهة الفوق، وقد سأل أبو مطيع البلخي أبا حنيفة ﵄ عمن قال لا أعرف ربي سبحانه في السماء أو في الأرض، فقال قد كفر لأن الله تعالى يقول (الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى) وعرشه فوق سمواته، فقال قلت فإن قال إنه على العرش، ولكن لا أدري العرش في السماء أم في الأرض، فقال هو كافر، لأنه أنكر آية في السماء، ومن أنكر آية في السماء فقد كفر، فقد ثبت لك من أقوال الله ورسوله والأئمة من المسلمين بأنه لا مانع من إطلاق الفوقية على الله تعالى، وأنه لا يجوز عليه سواها، تدبر. قال تعالى «قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً» نزلت هذه الآية في المشركين القائلين لحضرة الرسول أرنا من يشهد لك أنك رسول الله لأن أهل الكتاب يزعمون أن ليس لك ذكر في كتبهم، أي عليك يا سيد الرسل أن تقول لهم الله يشهد بذلك ولا أعظم من شهادته فإن صدقوك فيها وإلا «قُلِ اللَّهُ» ربي وربكم ورب كل شيء هو «شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ» على دعوى رسالته إليكم «وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ» من لدنه يا قوم «لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ» من سوء ما يحل بكم إذا لم تركنوا لأمره
стр. 1397
ونهيه وأخوفكم عاقبة عدم إيمانكم به فهي عاقبة وخيمة «وَ» وأنذر أيضا «مَنْ بَلَغَ» أمره إليه ممن يأتي بعدكم إلى يوم القيامة. روى البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: بلّغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج. أي مهما قلتم عن بني إسرائيل فقولوا فلا ضيق عليكم بالمنع ولا إثم في ذلك، لأنهم كانوا في حال أكثر مما قلتم وأوسع. وفي هذا الحديث رخصة عن جواز التحدث عنهم على معنى البلاغ، وإذا لم يتحقق فقل لتعذر تحققه عنهم لطول المدة وعدم الضبط، وليس في هذا الحديث ما يفهم منه إباحة الكذب في الإخبار عنهم وإنما جواز نقل الأخبار الواردة عنهم في كتبهم، وفي بعض القصص التي لم ينص على كذبها ولم تخالف صراحة ما جاء في كتاب الله وحديث رسوله، فقد أخرج الترمذي عن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول نضّر الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى له من سامع. وعن زيد ابن ثابت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول نضّر الله امرأ سمع منا حديثا فحفظه حتى بلّغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه. «أَإِنَّكُمْ» أيها الناس الكافرون «لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى» وتقرّه عقولكم أيها الحمقاء فيا أكرم الرسل إذا أصر هؤلاء على مقالتهم هذه ولم يتعظوا بما تقدمت إليهم من النصح ولم يصغوا لكلام ربك «قُلْ لا أَشْهَدُ» أنا البتة بذلك وأكد لهم قولك هذا و «قُلْ إِنَّما هُوَ» الإله
المعبود في السموات والأرض «إِلهٌ واحِدٌ» لا إله غيره واقطع أطماعهم بقولك «وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ» ١٩» به من الأوثان. هذا وقد استنبط العلماء من هذه الآية استحباب قول الرجل أو المرأة أو غيرهما كل يوم: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله برئت من كل دين يخالف دين الإسلام. وتدل هذه الآية على جواز اطلاق الشيء على الله لأنه اسم للموجود، ولا يطلق على العدم، قال في بدء الأمالي:
فسمّى الله شيا لا كالاشيا ... وذاتا عن جهات الست خالي
وما المعدوم مرثيا وشيئا ... لفقه لاج في ضوء الهلال
стр. 1398
وقال المتكلمون (والشيء عندنا هو الموجود) وهذه الآية المدنية الأولى من هذه السورة، قال تعالى «الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ» على يد رسلهم ولسانه من اليهود والنصارى الذين منهم من ينكر صفة محمد ﷺ ورسالته في كتبهم هم أنفسهم «يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ» وقد كذبوا بما قالوه من إنكارهم نعته فيها، خصّ تعالى ذكر الأنبياء لأن الناس أشد معرفة بهم من غيرهم ومع هذا بأنهم يعرفون محمدا بما وضح من وصفه في كتبهم أكثر معرفة من أبنائهم الذين يشاهدونهم صباح مساء، هذا قول الله ولا أصدق من الله قولا، وقد حدث به رسول الله ولا أصدق منه حديثا، قال عبد الله بن سلام إلى عمر بن الخطاب حين أسلم:
يا عمر لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني ولأنا أشد معرفة بمحمد مني بابني، فقال عمر وكيف ذلك، قال أشهد أنه رسول الله حقّا بإخبار الله تعالى في كتابه وعلى لسان رسله، ولا أصدق من هذا الإخبار، أما ابني ففي مظاهر الحال ابني ولكن لا أدري ما تصنع النساء إن النساء المتزوجات قد يحملن من غير أزواجهن فلا يدري الرجل إلا ان المولود ولد من زوجته التي هي في حجره وفراشه، فينسب إليه وقد يلحقه الشك في ذلك، أما محمد ﷺ فلا مرية ولا شبهة أنه رسول الله حقا لما رأينا من أوصافه وعلاماته في التوراة ومعجزاته في القرآن. ولهذا فإن الجاحدين نبوته هم «الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ» وباعوها بالكذب والإنكار «فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ٢٠» به ولا يوفقون للإيمان بالله الذي أرسله جزاء جحودهم له عتوا وعنادا. انتهت الآية المدنية وهي كما ذكرنا في غيرها من كونها كالمعترضة بين ما قبلها وما بعدها، قال تعالى منددا من نسب إليه ما لا يليق بذاته المقدسة وأنكر ما جاء به على لسان رسله
«وَمَنْ أَظْلَمُ» لا أحد أشد ظلما وأكثر بغيا وأعظم بهتا «مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً» وزعم أن له شريكا أو أنه لم يرسل محمدا أو لم ينزل كتابا عليه «أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ» المنزلة عليه ومعجزاته التي أظهرها الله على يديه وكذلك سائر الأنبياء، فلا أقبح ولا أشنع ولا أفظع ممن هذه سجيته، ولا أخسر منه صفقة ولا أشد عنادا ولا اخطأ فعلا ولا أكبر كفرا ولا أكثر بغيا، لأنهم كذبوا على الله باتخاذ الشريك وكذبوه بإرسال الرسل، وكذبوا الرسل بأنهم
стр. 1399
رسل الله وأنه لم ينزل عليهم كتابا، هؤلاء المشئومون أكثر الناس ظلما والله تعالى يقول «إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ٢١» بالنجاة من العذاب ولا يفوزون بخير ولا ينجحون بأمل، واذكر يا أكرم الرسل لقومك وغيرهم «يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً» العابدون والمعبودون والمقترحون والمكذبون والجاحدون والمنكرون «ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا» في الموقف يوم القيامة «أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ٢٢» في الدنيا أنها تشفع لكم وعبدتموها من دون الله الملائكة وغيرهم من الإنسان والكواكب والحيوان والجماد فيسكتون بدليل حرف التراخي المبين بقوله «ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ» معذرتهم التي يعتذرون بها لأن الفتنة هي التجربة، ولما كان سؤالهم هذا تجربة لإظهار ما في قلوبهم من الكفر، وسمى جوابهم فتنة لأنهم كانوا مفتونين في محبة أوثانهم التي يعبدونها من دون الله في الدنيا كما يفتتن العاشق بمعشوقته، فإذا أصابته محنة من أجلها تبرأ منها بعد قضاء وطره، ومثلهم في الدنيا كمثل بعض الأكراد والحوارنه الذين يغرون الفتيات والنساء ويخطفونهنّ ويفترسونهنّ حالا بسائق الشهوة الخبيثة، حتى إذا أدركتهم الحكومة وحبسوا وعذّبوا أنكروا إغواءهنّ ليتخلصوا من الجزاء الشاق، وما هو بنافعهم، وهؤلاء الكفرة كذلك يوم القيامة حين يشاهدون العذاب والمحنة التي تحل بهم من أجل معبوديهم، يتبرأون منهم ما يكون جوابهم بعد السكوت الطويل المستفاد من أداة التراخي «إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ ٢٣» وحين يصرون على إنكارهم هذا ويجحدون إشراكهم تشهد عليهم جوارحهم، ولا يقال هنا كيف يجوز تعذيب الشاهد لأن شهادة الأعضاء بمثابة الاعتراف عما اقترفت في الدنيا، والاعتراف لا يكون مسقطا للعقوبة، فإن القاتل إذا اعترف لا يعفى من القصاص، وكذلك الشارب والزاني لا يعفوان من الحد إذا اعترفا، تدبر.
فيا أكرم الرسل «انْظُرْ» إلى هؤلاء «كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ» بإنكارهم الشرك الذي كانوا يتفاخرون به في الدنيا ويحاربون الرسل بهم «وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ٢٤» في الدنيا من وجود معبود غير الله إذ لم يروا شيئا أو أحدا يناصرهم أو يعترف لهم بالعبادة راجع الآية ٢٩ من سورة يونس
стр. 1400
فيما يتعلق في هذا البحث «وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ» حين تتلو القرآن كأبي سفيان وأبي جهل وعتبة وشيبة ابني ربيعة وأمية ابن خلف والحارث بن عامر، ويقولون لمن معهم النضر بن الحارث ما يقول محمد؟ فيقول لهم ماأدري أراه يحرك لسانه بأساطير الأولين كما كنت أحدثكم عنه، فقال أبو سفيان إني لأرى بعض ما يقوله حقّا، فقال أبو جهل كلا لا تقرّ له بشيء الموت أهون علينا من إقرارك بشيء مما يقوله محمد، فأنزل الله «وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً» أغطية كثيفة «أَنْ يَفْقَهُوهُ» لئلا يعوه ويفهموه فيعلموه «وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً» ثقلا شديدا وذلك أن الله تعالى بشرح قلوب بعض عباده لتقبل الهدى والإيمان والرشد ويضيق بعضها حتى لا تعي شيئا من ذلك ولا تسمعه فيبقى على ضلاله «وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها» لذلك السبب «حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ» فيما أنزل عليك من لدنا يا سيد الرسل «يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا» الذي تتلوه علينا ليس بقرآن وليس من عند الله وما هو «إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ٢٥» أكاذيبهم وخرافاتهم جمع أسطورة أي أكذوبة وخرافة وَهُمْ يَنْهَوْنَ» يمنعون الناس «عَنْهُ» أي القرآن فلا يتركونهم يسمعونه ويحذرونهم من الإيمان به والتصديق بما أنزل عليه «وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ» يتباعدون بأنفسهم عن سماعه وعن المنزل عليه لئلا يراهم قومهم فيقلدونهم «وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ» بهذا النبي والنأي «وَما يَشْعُرُونَ ٢٦» بأن الوبال يخصهم وحدهم ويضاعف عليهم لصدهم أنفسهم وغيرهم من سماع الحق واتباع الهدى وسلوك طريق الرشد.
مطلب لا يصح نزول الآية في أبي طالب وفي حمل الأوزار والآية العظيمة التي نزلت في حق الرسول ﷺ :
نزلت هذه الآية في الكفرة المذكورين أعلاه وهي عامة في كل من يتباعد عن الحق وينهى من يتقرب منه، أما ما روي أن رءوس الكفر قالوا لأبي طالب بعد أن تذاكروا معه بشأن محمد وتعديه على آلهتهم خذ شابا من أصبحنا وجها وادفع إلينا محمدا نقتله، وانه قال لهم ما أنصفتموني أدفع إليكم ابني لتقتلوه وأربي لكم ابنكم، وانه كان من جملتهم وكان ينهاهم عن أذاه ويتباعد عن الإيمان به، فلا
стр. 1401
يصح أن يكون سببا للنزول، لأن أبا طالب توفى نصف شوال السنة العاشرة من البعثة كما أشرنا إليه في الآية ٥٦ من القصص المارة في ج ١ أي قبل نزول هذه الآية بكثير، وكذلك ما روي أن حضرة الرسول دعاه إلى الإيمان فقال لولا أن تعيرني قريش لأفررت بها عينك، ولكن أذب عنك، وقال في ذلك أبياتا منها:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسد في التراب دفينا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وابشر بذاك وقر منه عيونا
ودعوتني وعرفت أنك ناصحي ... ولقد صدقت وكنت ثم أمينا
فنزلت هذه الآية لما ذكرنا وان الرواية قد وقعت منه لأن له مواقف هامة في الذب عن الرسول والوقوف بوجوه صناديد قريش من أجله، وكانت تهاب محمدا لمهابته لديهم ولقد صدق ﵀ في قوله لأن قريشا لم توقع فيه أذى إلا بعد موته ولكن هذا كله قبل نزول هذه الآية حتى انه مرة كلف ابن أخيه ذات يوم أن يصفح عن التصريح بدعوته بإلحاح من عظماء قريش عليه لأنهم عرضوا عليه أمورا كثيرة من أمور الدنيا على أن يكف عن سب آلهتهم ولم يفعل فقال يا عم والله لو وضعوا الشمس بيميني والقمر بشمالي ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله تعالى، وهذه القصة مفصلة في سيرة ابن هشام، على أن هذه الآية واللائي قبلها واردة في ذم المشركين، فلا يناسب المقام ذكر النهي عن أذيته ﷺ ، قال تعالى «وَلَوْ تَرى» بأكمل الرسل «إِذْ وُقِفُوا» هؤلاء المشركون الذين ينهون الناس عن الإيمان بك ويتباعدون عنه أيضا فلو رأيتهم حين يشرفون «عَلَى النَّارِ» لرأيت أمرا فظيعا هالك مرآه وموقفا عجيبا عظم بلاء «فَقالُوا» في ذلك الموقف الرهيب والمشهد العام «يا لَيْتَنا نُرَدُّ» إلى الدنيا فنصدق هذا الرسول وما جاء به من الله «وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا» ورسله بعد ردنا إلى الدنيا أبدا «وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ٢٧» بالله وكتابه ورسوله. ونصب الفعلين بأن مضمرة على جواب التمني أو بإبدال الواو من الفاء وجاز فيهما الرفع عطفّا على نرد وعليه فتكون الأفعال الثلاثة داخلة في التمني فيكونون تمنوا الرد إلى الدنيا وأن لا يكذبوا وأن يكونوا من المؤمنين أو بقطع ولا نكذب ونكون عن فعل
стр. 1402
نرد وعليه يكون المعنى يا ليتنا نرد ونحن لا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين فرد الله تعالى عليهم بقوله ليس الأمر كما ذكروا «بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ» من الكفر والجحود أي إنما قالوا هذا القول لظهور كفرهم الذي نطقت به جوارحهم ولم يغن عنهم سكوتهم ولا إخفاء فظائعهم. لا إنهم قالوه تائبين. ومع هذا لو أجيب تمنيهم لما وفوا بوعدهم «وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ» أولا في الدنيا ولفعلوا فيها ما فعلوه قبلا «وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ٢٨» في قولهم هذا بأنهم إذا رجعوا إلى الدنيا يؤمنون كلا لا يؤمنون البتة لسابق شقائهم بحسب خبث طوييتهم «وَقالُوا» هؤلاء الكفرة «إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا» لا حياة بعدها كما يقول محمد وضمير هي يعود إلى الحياة ويجوز عوده على المتأخر رتبة ولفظا قال المتنبي:
هو الجد حتى تفضل العين أختها ... وحتى يكون اليوم لليوم سيدا
لأن ما بعده خبر له وكذلك يجوز إذا كان ضمير الشان وقد منعه الجمهور لاشتراطه في خبره أن يكون جملة والأحسن عود الضمير إلى ما هو في الذهن أي ما هي الحياة إلا حياتنا الدنيا لا غير «وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ٢٩» مرة ثانية كما كانوا يقولون قبل لا محالة فلا فائدة من إجابة طلبهم على تقدير إمكانها «وَلَوْ تَرى» يا سيد الرسل «إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ» للحكم والقضاء حيث يعرضون عليه يوم الجزاء «قالَ» الله تعالى لهم «أَلَيْسَ هذا» البعث بعد الموت الذي كنتم تجحدونه في الدنيا وتكذبون رسلكم إذ يخبرونكم به وتنكرون كلامي المنزل بذلك «بِالْحَقِّ» الذي لا مرية فيه «قالُوا» إذ لم يروا بدا من الإقرار «بَلى وَرَبِّنا» إنه الحق لا شبهة ولا شك فيه «قالَ» تعالى بعد أن شهدوا على أنفسهم «فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ٣٠» بذلك وتنكرونه إذ لا فائدة لكم الآن أأقررتم أم كذبتم، ثم يقول الحق ﵎ على ملأ الأشهاد
«قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ» غبنوا وخابوا وفاتهم الثواب المؤدي إلى الجنة المنعم به على المصدقين وتلبسوا بالعقاب الموصل إلى النار إذ تمادوا في الدنيا على تكذيبهم ولم يحسوا بأنفسهم «حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً» فجاة على حين غرة
стр. 1403
وغفلة في وقت لا يعلمه إلا الله وسميت القيامة ساعة لأنها تباغت الناس بسرعة بحيث لا يستطيع القائم أن يقعد ولا القاعد أن يقوم «قالُوا» منكروا الساعة «يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا» قصرنا من العمل الصالح «فِيها» في الدنيا وفاتنا كسب هذه الصفقة إذ بعنا ما يستوجب الرضا بالسخط. روى الطبري بسنده عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ في قوله يا حسرتنا إلخ قال: يرى أهل النار منازلهم في الجنة فيقولون يا حسرتنا «وَهُمْ» والحال أنهم «يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ» أي أثقال ذنوبهم وهذا الحمل إما معنوي بحيث يتخيّلون جزاءها الثقيل فهم كالحاملين له، وإما أن تتجسم لهم فيحملونها راجع الآية ١٨ من سورة فاطر في ج ١. جاء في الأخبار والآثار: يتبع الميت ثلاث ماله ويفارقه عند خروج روحه، وأهله ويفارقونه عند ما يوارونه بالتراب، وعمله يبقى معه إلى يوم القيامة، فإن كان خيرا أوصله إلى الجنّة وإن كان شرا أدخله النار. ولهذا يقول الله تعالى لأهل الشر «أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ ٣١» بئس الحمل الذي يحملونه لما فيه من الخزي والعار «وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ» باطل وغرور لأن اللعب ترك ما ينفع بما لا ينفع واللهو الميل عن الجد والهزل، وهذا رد لقولهم (إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا) إلخ يعني أن حياة الكافرين أمثالكم لعب لا تعقبه منفعة أما حياة المؤمنين فهي تفكير وعبادة فتعقب عليهم منفعتها في الآخرة خيرا ولهذا قال تعالى «وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ» من الدنيا الفانية لأنها باقية «لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ» الله ويؤمنون برسله وكتبه «أَفَلا تَعْقِلُونَ ٣٢» هذا أيها الكفرة فتعلمون أن الدنيا شر الذين يجحدون لقاء الله في الآخرة، قال تعالى «قَدْ نَعْلَمُ» يا حبيبي «إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ» فيك ما لا يليق بحضرتك من التكذيب والسخرية «فَإِنَّهُمْ» بعملهم هذا «لا يُكَذِّبُونَكَ» وإنما يكذبون الذي أرسلك إليهم لأن تكذيبك تكذيب للحضرة الكريمة وانك صادق أمين مبجّل عند ربك «وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ٣٣» وهذا غاية في الظلم لأن تكذيب الله أعظم من كل ظلم وهو نهاية في الضلال. وهذه الآية من أعظم آيات القرآن في التبكيت على الكفرة وفيها تسلية لحضرة الرسول بما يعتريه من الحزن على جحودهم آيات الله وإنكارهم
стр. 1404
رسالته إليهم لأن الله تعالى يقول له لا تأس بما يقولون لك لأن هذا الذي يصمونك به هو تكذيب للذي أرسلك وأنزل عليك الكتاب الذي جئنهم به فبعد أن يتعدى تكذيبهم للحضرة الإلهية المقدسة ولم يقتصروا فيه عليك فقد بلغوا الذروة القصوى في الكفر، فاعرض عنهم والله يتولى أمرك فيهم. نزلت هذه الآية في الأخنس بن شريق حين قال لأبي جهل يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب فليس أحد يسمع كلامك غيري، فقال أبو جهل والله إن محمدا لصادق وما كذب محمد قط ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والندوة اللائي أقررنا لهم بها فإذا صدقناهم بالنبوة أيضا فماذا يكون لسائر قريش فأنزل الله هذه الآية.
أخرج الترمذي عن علي بن أبي طالب ﵇ أن أبا جهل قال للنبي ﷺ :
إنا لا نكذبك ولكن نكذب ما جئت به، وقال ناجية بن كعب: قال أبو جهل للنبي ﷺ ما نتهمك ولا نكذبك ولكنا نكذب الذي جئت به من الدين المخالف لدين آبائنا وإذعانك أن هناك حياة أخرى نحاسب فيها على ما كان منا في هذه الدنيا.
وإنما سلى الله رسوله في هذه الآية لأنهم مع اعتقادهم صدقه على ما علمت من قول أبي جهل المار ذكره لا يؤمنون بما جاءهم به حسدا، ويضاهي هذه الآية ما أنزله الله بحق غيرهم في قوله عزّ قوله (وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا) الآية ١٤ من سورة النمل المارة في ج ١، قال تعالى «وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ» من أقوامهم وأتباعهم «فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا» ألا تصبر أنت يا محمد على تكذيب قومك «وَأُوذُوا» أيضا بأكثر مما أوذيت به وانتظروا وعد الله بنصرتهم عليهم وبقوا متحملين أذاهم «حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا» فلك أسوة بهم فثابر على الصبر حتى يأتي الوقت المقدر لذلك «وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ» التي وعد بها عباده المخلصين المنوه بها بقوله عزّ قوله (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ) الآية ١٧٢ و ١٧٣ من الصافات الآتية، وقوله تعالى (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا) الآية ٥١ من سورة المؤمن الآتية أيضا، وقوله تعالى (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) الآية ٢١ من سورة المجادلة في ج ٣ والآية ١٠٣ من سورة يونس المارة فراجعها، ولا خلف لوعد الله
стр. 1405
كيف وهو يأمر عباده بالوفاء ويعيب الناكثين والمخلفين، إلا أن لوعده أجلا لا يتخطاه «وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ ٣٤» أخبارهم التي قصصناها عليك من قبل وظفرهم بعد صبرهم فما عليك إلا الانتظار لهذا الظفر القادم «وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ» عن الإيمان بك واستعظمت ذلك ولم تركن إلى الصبر فافعل ما بدا لك «فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ» سريا ومنفذا من تحتها بدليل الظرفية فانفذ فيه «أَوْ سُلَّماً» تصعد عليه «فِي السَّماءِ» فاصعد إليها، وفي هنا بمعنى إلى لأن حروف الجر تخلف بعضها والسلّم يذكر ويؤنث.
قال أوس في تأنيثه:
لنا سلم في المجد لا يرتقونها ... وليس لهم في سورة المجد سلم
وقال في تذكيره:
الشعر صعب وطويل سلّمه ... إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه
أي إذا كان لك شيء من ذلك فافعل «فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ» تدل على صدقك وتمنعهم من تكذيبك فافعل ولكنك لست بفاعل ما لم نقدرك على فعله وحيث كان كذلك فما عليك إلا أن تتحمل وتصبر، نزلت هذه الآية العظيمة في المنزل عليه ﷺ حين عظم عليه استهزاء قومه وتكذيبهم إياه وإصرارهم على الإعراض عن الإيمان وتاقت نفسه الكريمة أن يظهر الله تعالى على يده الآيات التي طلبها قومه ليسلّموا له ويؤمنوا بربه فأخبره الله بهذه الآية بما يقطع أمله من ذلك لأن إنزال الآيات مقدر على أوقات وأسباب لا تتعداها وكذلك الإيمان وعدمه موقت بأوقات لا يتخطاها سواء أجيب طلبهم أم لا، ثم أخبره بما هو مراده في الأزل فقال «وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى» من دون إرسالك إليهم ولكنه لم يشأ فلا تتعب نفسك وتتأذى بما تراه منهم لأن المشيئة قضت بذلك وفاقا لما هو مقدر عليهم في الأزل الذي لا يتغير ولا يتبدل، فاعلم هذا وتبه وإياك أن يخطر ببالك ما لم يكن في مراد الله فإنه لا يكون «فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ ٣٥» الذين يشوبهم الجزع ويضيق صدرهم لكل بادرة فأنت على ما أنت عليه من سعة الخلق وشرح الصدر وطول البال ولين الجانب. وإنما غلظ ﵎ لحبيبه هذا الخطاب في
следующие страницы →