Полный текст (3 362 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.
стр. 2801
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ» سافرتم «فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا» المؤمن من الكافر لا تتهوكوا فتتعجلوا فتقتلوا المؤمن على ظن أنه كافر «وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ» بصيغة تحية الإسلام أو بادركم بالإسلام «لَسْتَ مُؤْمِناً» وتقتلونه بذلك «تَبْتَغُونَ» بقتله «عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا» لتسلبوا ماله وتعدوه غنيمة، كلا لا تفعلوا هذا أبدا «فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ» حلالا لا شبهة فيها يمنحكم، إياها تغنيكم عن، هذه التي ملؤها الإثم «كَذلِكَ» كما كان هذا كافرا وأسلم «كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ» إسلامكم كفارا مثله فسبقته لكم العناية «فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ» بالإسلام قبلهم فافعلوا بمن يريد الدخول بالإسلام كما فعل بكم عن طرق الحث والترغيب فيه والصبر على التمنع عنه ليسلم. ثم أكد عليهم ثانيا بقوله «فَتَبَيَّنُوا» وهذا تأنيب وتنقيد لما وقع منهم.
وتقريع وتبكيت لعملهم «إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً» (٩٤) لا حاجة بأن تخبروا رسولكم به، لأن الله تعالى يخبره بحقيقة حالكم، وهو يجازيكم على فعلكم بحسب نياتكم. وفي هذه الجملة تهديد لهم وتحذير لمن يعمل عملهم أي إياكم أيها المؤمنون والتهافت على القتيل طلبا للغنيمة فإنه يؤدي بكم إلى الهلاك وعليكم بالاحتراز والاحتياط، قالوا كان مرداس بن بهنك من أهل فدك من بني مرّة بن عوف أسلم وحده فسمع قومه بسرية لرسول الله تريدهم فهربوا وتركوه، فلما جاءت السرية تكبر نزل إليهم مكبرا قائلا لا إله إلا الله محمد رسول الله فضربه أسامة بن زيد فقتله واستاق غنمه، فلما جاءوا إلى الرسول قال أقتلتموه إرادة ما معه؟ فنزلت هذه الآية قبل وصولهم. وهذه من معجزاته ﷺ إذ أخبره الله بما فعلوا قبل أن يصلوا إليه، وكان ﷺ وجد وجدا شديدا، فقال أسامة، ما قالها يا رسول الله إلا خوفا من السلاح، قال أشققت قلبه؟ فقال أسامة استغفر لي يا رسول الله، فقال كيف أنت بلا إله إلا الله كررها ثلاثا؟ قال أسامة وددت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ، أي ما وقع منه مكرا مع جملة الذنوب، لأن الإسلام يجب ما قبله، وطلب من حضرة الرسول أن يستغفر له وأمره أن يعتق رقبة. قال تعالى «لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ» عن الجهاد والغزو «مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ» بالرفع
стр. 2802
صفة للقاعدين وبالنصب على الاستثناء وبالجر صفة للمؤمنين «أُولِي الضَّرَرِ» المرضى والعميان والعرجان وجميع ذوي العاهات المخلة بالقوى والجوارح. «وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ» بل بينهما بون شاسع ظاهر، وإنما ذكره الله مع العلم به توبيخا وتبكيتا للقاعدين، وتحريكا لهم وتحريضا على الجهاد والغزو «فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً» عظيمة لا يقدر قدرها إلا الله والمراد بالقاعدين في هذه الآية الذين هم ظهر للاسلام الغائبين بقيامهم على ذراريهم وأموالهم ونسائهم لا المتخلفين نفاقا ولا القاعدين كسلا وجبنا، لأن هؤلاء لا فضل لهم حتى يفضل الله عليهم غيرهم، بل منافقون عاصون آثمون خاسرون، ولهذا قال تعالى بحق أولئك المتخلفين على أهالي الغزاة وأموالهم «وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى» الجنة، ولكنهم درجات متفاوتون، أما القاعدون خوفا وجبنا أو كلّا فبعيدة عنهم هذه الحسنى، إلا أن يتغمدهم الله برحمته، وأما القاعدون نفاقا أو عدوانا فموعدهم النار في الآخرة، والهوان في الدنيا. ثم أكد الله تعالى فضل أولئك بقوله «وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ» بأموالهم وأنفسهم فقط «عَلَى الْقاعِدِينَ» في مواطن المجاهدين لحفظ أموالهم وذراريهم أو القاعدين الذين أنفقوا أموالهم على المجاهدين أو جهزوا الغزاة بما قدروا عليه القاعدين كسلا أو جبنا أو نفاقا كما مر، لهذا جعل الله لهم «أَجْراً عَظِيماً» (٩٥) لا يعلم كنهه إلا الله العظيم. ثم فسر هذا الأجر بقوله «دَرَجاتٍ» جليلات بدليل إضافتها إليه جل شأنه لأنها «مِنْهُ وَمَغْفِرَةً» لذنوبهم «وَرَحْمَةً» تطهرهم «وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً» (٩٦) لأن هؤلاء من قبيل المرابطين، وقد أشرنا إلى ما يتعلق بالرباط والجهاد في الآية ١٩٥ من سورة البقرة، أما المجاهدون بأموالهم فقط فلهم أجر عظيم عند الله أيضا، ولكن دون المجاهدين بأنفسهم ودون المرابطين أيضا لذلك بينا آنفا أن تفضيل المجاهدين بأنفسهم فقط أو بأنفسهم وأموالهم على هؤلاء المرابطين، لأن المجاهدين بأموالهم فقط ليسوا مثلهم بالفضل فضلا عن أنهم يفضلون عليهم. واعلم أنه لا يوجد في القرآن إلا ثلاث آيات مبدوءة بحرف الدال هذه الآية ١٠ من سورة يونس والآية ١٦٠ من سورة الأنعام في ج ٢، وذكرنا
стр. 2803
أيضا ما يتعلق في بحث الجهاد والرباط في الآية ٦٠ من الأنفال والآية ١٧٦ من آل عمران المارتين وبينا أن الجهاد فرض عين إذا دخل العدو دار قوم من المؤمنين أو بلدا من بلادهم، على جميع أهل البلد والبلدان المجاورة لها، وإذا لم يكفوا فيجب على كل المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وإلا فهو على الكفاية روى مسلم عن جابر قال كنا مع رسول الله ﷺ في غزاة فقال رسول الله إن بالمدينة رجالا ما سرتم سيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم حبسهم المرض. وروى البخاري عن أنس قال رجعنا من غزوة مع النبي فقال: إن أقواما خلفنا بالمدينة ما سلكنا شعبا ولا واديا إلا وهم معنا حبسهم العذر. أي معنا بقلوبهم ولولا أعذارهم
لخرجوا لأنهم سمعوا ما أنزل الله بفضل الجهاد وحزنوا لعدم اشتراكهم فيه ولولا أن الله استثناهم لخاطروا بأنفسهم رغبة بما أعد الله لمجاهدين، لأن المرضى والعجزى ساقط عنهم الجهاد، والله تعالى أكرم من أن يحرمهم أجره، وهؤلاء غير المتخلفين لمناظرة عيال الغزاة والذين هم ظهر للمجاهدين المار ذكرهم قال تعالى «إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ» بالقعود بين الكفرة وترك الهجرة من بلادهم وهم أناس تكلموا بكلمة الإسلام وبقوا في مكة ولم يهاجروا لأن من أسلم ولم يهاجر لا يتم إسلامه، وبقي الأمر كذلك إلى فتح مكة، وفيهم نزلت هذه الآية، وهؤلاء تسألهم الملائكة عند موتهم كما ذكر الله بقوله «قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ» أمع المسلمين أم المشركين استفهام توبيخ وتقريع «قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ» أطلق لفظ الأرض على مكة لشرفها «قالُوا» لهم الملائكة أيضا «أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها» وتتركوا أرض المشركين، فسكتوا وعجزوا عن الجواب إذ لا عذر لهم بذلك لأن من لم يستطع أن يخرج علنا يهرب هربا، ومن لم يستطع أن يأخذ أهله يتركهم ويختار الله عليهم «فَأُولئِكَ» الذين هذا شأنهم وماتوا على ما هم عليه يكون «مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً» (٩٧) هي لأن بقاءهم مع الكفر عون لهم وتكثير لسوادهم وخذلان للاسلام، ولأن إسلامهم كان مقتصرا على الكلام فقط بينهم وبين أنفسهم، ولا يعرفون من أركانه شيئا، ولا يقدرون أن ينبسوا بشيء منه بين المشركين، وربما خاضوا معهم بالكفر
стр. 2804
وقدمنا ما يتعلق بالهجرة في الآية ٥٩ من سورة العنكبوت ج ٢ فراجعها ففيها كفاية.
ثم استثنى الله تعالى العاجزين حقيقة بقوله «إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ» الذين «لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً» في الخروج لفقرهم وعجزهم «وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا» (٩٨) إليه بسبب ضعفهم وصغرهم «فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ» وعسى من الله تعالى إطماع وترج، وإذا أطمع الله عبده ورجّاه أوصله وأعطاه وهو أكرم من أن يخيب عباده كيف وهو القائل أنا عند ظن عبدي بي «وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً» (٩٩) لا يضيق عفوه ولا ينقص فضله ولا يقل ستره عن أمثالهم. قال ابن عباس كنت أنا وأمي من المستضعفين روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال لما رفع رسول الله ﷺ رأسه من الركعة الثانية، قال اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين بمكة، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كني يوسف. ثم رغب الله في الهجرة بقوله «وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» فارا بدينه من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام ليتمكن من القيام بما فرضه الله عليه واجتناب ما نهى عنه، كما أمر وأراد «يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً» طريقا يسلكه على رغم أنف من يهاجر عنهم ومتحولا يتحول إليه ومحلا ينزل به في المحل الذي يهاجر إليه غير أرضهم ومتجولا رحبا «كَثِيراً وَسَعَةً» في الرزق والمحل «وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ» قبل بلوغ مهاجره «فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ» بمقتضى فضله ووعده «وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً..» (١٠٠) بهم يستر ما مضى منهم ويدخلهم في سعة رحمته. قال ابن عباس لما نزلت الآية الأولى وشاعت في مكة. قال شيخ من بني ليث اسمه جندح بن حمزة، والله ما أنا ممن استثنى الله ولي من المال ما يبلغني المدينة، والله لا أبيت بمكة وكان مريضا فأخرجوه على سرير، فلما وصل التنعيم أدركه الموت فصفق بيمينه على شماله، وقال اللهم هذه لرسولك أبايعك على ما بايعك رسولك. ثم مات، فقال المشركون ما أدرك ما طلب، وقال المؤمنون لو وافي المدينة لتم أجره، فأنزل الله هذه الآية الدالة على أن المهاجر له إحدى
стр. 2805
الحسنين: إما أن يرغم أنف أعدائه ويذلهم بسبب مفارقته لهم واتصاله بالخير والسعة، وإما أن يدركه الموت فيصل إلى السعادة الحقيقية والنعيم الدائم. وقدمنا في الآية ٥٦ من سورة العنكبوت في ج ٢ ما يتعلق بهذا الحديث فراجعه.
مطلب في قصر الصلاة وكيفيتها وهل مقيدة بالخوف أم لا ومدتها، وقصة سرقة طعيمة بن أبيرق وجواز الكذب أحيانا:
قال تعالى «وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ» من أربع إلى اثنتين «إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا» بأن يغتالوكم وأنتم فيها «إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا» ولم يزالوا «لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً» (١٠١) فتحذروا منهم ثم بين كيفية صلاة الخوف فقال جل قوله «وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ» يا سيد الرسل «فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ» فاقسمهم إلى طائفتين وأمرهم «فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ» تقتدي بك في صلاتها «وَلْيَأْخُذُوا» أي الطائفة الأخرى التي أمرتها أن لا تصلي معك أولا «أَسْلِحَتَهُمْ» ليحرسوكم «فَإِذا سَجَدُوا» أي الطائفة التي اقتدت بك «فَلْيَكُونُوا» أي الطائفة الحارسة تجاه العدو وليراقبوهم لئلا يغدروا بكم «مِنْ وَرائِكُمْ» لأنكم لا ترونهم حال إحرامكم بالصلاة، وليبقوا هكذا في حراستكم حتى إذا أكملت الطائفة المصلية معك ركعة تأخرت وراءها ووقفت بإزاء العدو مكان الطائفة الحارسة وأكملت صلاتها وحدها، ويبقى الرسول أو الإمام بعده واقفا في محله، وبعد إكمالها صلاتها تقدمت الطائفة التي لم تصل فتأتم بالإمام، وهذا معنى قوله تعالى «وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا» بعد «فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ» أيضا لأنها كانت تحرس المصلين الأولين «وَلْيَأْخُذُوا» هؤلاء المصلون «حِذْرَهُمْ» بأن يكونوا يقظين لئلا يباغتهم العدو، وعليهم أن يرتدوا ما لديهم من درع وغيره من كل ما يتحرز به «وَأَسْلِحَتَهُمْ» أيضا ليكونوا متهيئين عند مبادرة العدو لهم، ويبقى الإمام جالسا إلى أن تأتي هذه الطائفة الأخيرة بالركعة الثانية بالنسبة للامام، وهي أولى بحقهم، أو تتم صلاتها، ثم يسلّم الإمام فتكون الطائفة الأولى أدركت أول صلاة الإمام والأخرى مسبوقة بركعة،
стр. 2806
وإنما كان كذلك لأن الإمام كان رسول الله ولا يفرط أحد بأن يحرم من الاقتداء به، أما الآن فيمكنهم أن يصلوا كل طائفة بإمام على حدة، ولكن يا حسرتاه أين الصلاة الآن، فإنهم يستصحبون في حروبهم الفتيات والخمور ويعملون الفواحش ويريدون النصر من الله وهيهات ذلك لمن عصاه وبارزه بالمناهي وأعرض عن الطاعة وركن إلى الملاهي، ولا يخجلون فيقولون لم لا ينصرنا الله وقد وعدنا النصر؟. نعم إن الله تعالى وعد المؤمنين النصر، ولكن هات المؤمنين وخذ نصر الله المبين، والله لا يخلف الميعاد، ولكن نحن الناكثون المنافقون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وإنما أمرهم الله بأخذ حذرهم لأن الكفرة بالمرصاد لهم، وقد «وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ» فتتركونها باشتغالكم بالصلاة أو غيرها «فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ» في هذه الفرصة التي يتربّصونها «مَيْلَةً واحِدَةً» ويحملون عليكم حملة رجل واحد فيقتلونكم على غرة ويأخذون ما لديكم من سلاح ومتاع هذا «وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ» في الصلاة وغيرها على أن تكونوا يقظين «وَخُذُوا حِذْرَكُمْ» في هذه الحالة أيضا لئلا يبغتكم العدو المتربص لكم ولم تتمكنوا من تناول أسلحتكم إذا تركتموها «إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً» (١٠٢) لهم، لأنهم لا يراعون حقه ولا يتقيدون بأمره ونهيه «فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ» أي في كل حال كما مر في الآية ١٩٧ من آل عمران فإن كثرة ذكر الله توقع السكينة في القلب وتزيل الخوف والرعب «فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ» وأمنتم من هجوم عدوكم وعرفتم بما بثثتم من العيون والجواسيس إنه لا يمكنه الوصول إليكم في صلاتكم «فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ» كاملة وصلوها جميعا جماعة «إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ» ولا تزال «عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً» (١٠٣) محدودا بأوقات معلومة لا يصح تقديمها، ولا ينبغي تأخيرها عنها ولا يجوز إهمالها حتى يخرج وقتها لأنها تكون قضاء، قال تعالى «وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ» بأن تتقاعوا عن طلبهم بل تعرضوا لهم واطلبوهم ولا تحجموا عنهم وتحتجوا
стр. 2807
«إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ» مما أصابكم أو يصيبكم من الجراح والقتل والأسر «فَإِنَّهُمْ» أعداؤكم «يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ» أنتم لأنهم بشر مثلكم «وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ» أيها المؤمنون من الثواب والسعادة في الآخرة والشفاء والخير في الدنيا «ما لا يَرْجُونَ، شيئا من ذلك، وقد يكون لهم الشفاء في الدنيا، أما العذاب في الآخرة فهو محتم لهم، وهذه الميزة العظيمة لكم دونهم فضلا عن أن الله وعدكم العز في الدنيا والسعادة في الآخرة وأوعدهم الهوان في الدنيا والعذاب في الآخرة «وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً» (١٠٤) فيما يفعل ويقدّر.
يفيد صدر هذه الآية أن القصر مشروط بوجود الخوف، وأن عدم الشرط يوجب عدم المشروط، إلا أن الآية سكتت عن حال الأمن، وقد ثبت القصر فيها بخبر الواحد وإثبات الرخصة بخبر الواحد في حال الأمن إثبات لحكم سكت عنه القرآن ولا مانع من الأخذ بذلك، وإنما بمتنع الأخذ بالأخبار إذا خالفت صراحة ما دل عليه القرآن ويكون التقييد بالخوف على الغالب فضلا عن أن صلاة الخوف هي غير صلاة الأمن كما علمت مما بين الله لنا أخرج مسلم عن أبي يعلى بن أمية قال قلت لعمر بن الخطاب ليس عليكم جناح الآن فقد أمن الناس، فقال عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله عن ذلك فقال صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته.
أي بما أن الله تعالى تصدق عليكم بالقصر في الخوف فاقبلوا صدقة بالأمن أيضا، لأنه لم ينه عنه فيه، وأخرج النسائي عن عبد الله بن خالد بن أسيد أنه قال لابن عمر كيف تقصرون الصلاة وإنما قال تعالى (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ) الآية؟ فقال ابن عمر يا ابن أخي إن رسول الله أتانا ونحن في ضلالة فعلّمنا، فكان مما علمنا أن أمرنا أن نصلي ركعتين في السفر، وأخرج الترمذي والنسائي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ خرج من المدينة إلى مكة لا يخاف إلا الله رب العالمين، فصلّى ركعتين، ولنا فيه أسوة. هذا وإن الصلاة في السفر مقصورة أفضل لما روي عن عائشة قالت فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين ثم أتمها في الحضر وأقرّت صلاة السفر على الفريضة الأولى. وفي رواية فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر فأقرت صلاة السفر وزيدت في صلاة الحضر أخرجاه في الصحيحين.
стр. 2808
وقيد الشافعي رخصة القصر بالسفر في غير معصية ولم ير أبو حنيفة هذا القيد لعدم النخصيص. وعليه فلا فرق بين أن يكون السفر لطاعة أو غيرها لإطلاق النص فإن مدة السفر المجمع عليها ثلاث مراحل كل مرحلة ست ساعات بمشي الأقدام والإبل، وإذا امتطى ما يوصله هذه المسافة بأن يقطعها بساعة واحدة فله أن يقصر أيضا لأن الرخصة مطلقة والمطلق على إطلاقه. قال ابن عباس كنا مع رسول الله بعسفان وعلى المشركين خالد بن الوليد، فصلينا الظهر، فقال المشركون لقد أصبنا غرة، وفي رواية غفلة، ولو حملنا عليهم وهم في الصلاة، وقال ابن عباس ندم المشركون أن لا أكبوا على الرسول وأصحابه وهم في صلاة الظهر، وقالوا إن لهم صلاة بعدها أحب لهم منها ومن آبائهم وأمهاتهم يعني العصر، فإذا قاموا إليها شدّوا عليهم فاقتلوهم، فنزل جبريل بصلاة الخوف. وحكم هذه الصلاة ثابت لأمة محمد ﷺ وللقائد أن يصلي بالجيش كصلاته ﷺ لقوله تعالى (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) الآية ٣٢ من آل عمران المارة، ولقوله ﷺ صلوا كما رأيتموني أصلي فلا وجه لقول من قال بعدم جوازها بعد الرسول مع أن قوله تعالى وقول رسوله مطلق عام لم يقيد ولم يخصص به ولا بزمنه، وقد ثبت أن عليا كرم الله وجهه صلاها بأصحابه ليلة الهرير، وكذلك أبو موسى الأشعري، وصلاها حذيفة بن اليمان بأصحابه بصهرستان، ولم يعترض عليهم أو يخالفهم أحد من الأصحاب، ولأن غالب ما خوطب به الرسول تخاطب به أمته لأنهم داخلون في الخطاب إلا ما خص به، ولا نص هنا على التخصيص، ولها صور في كتب الفقه فلتراجع.
قال تعالى: «إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً» (١٠٥) عنهم ومدافعا لهم، إذ لا يليق بجنابك ذلك بل عليك بملازمة المحق ومناصرة الحق لكل أحد قريبا كان أو بعيدا، مسلما كان أو كتابيا أو معاهدا ولو كان مشركا، إذ يجب على من تولى الحكم عدم التفرقه بجهة إحقاق الحق تدبر. والداعي لهذا هو أنه كان طعيمة بن أبيرق من بني ظفر بن الحارث سرق درعا من جاره قتادة بن النعمان في جواب فيه دقيق فجعل يتناثر من خرق فيه حتى انتهى إلى داره، فخبأها عند
стр. 2809
زيد السهمي اليهودي فالتمسها صاحبها عند طعيمة، فحلف ما أخذها وما له بها من علم، فاتبعوا أثر الدقيق إلى بيت اليهودي فوجدوها عنده، فقال دفعها إلى طعيمة وشهد له جماعة من اليهود، فجاء بنو ظفر وسألوا الرسول أن يجادل عن طعيمة لأنها لم توجد عنده. فهم الرسول بمعاقبة اليهودي لوجودها عنده، فأنزل الله هذه الآية الدالة على أن الرسول ما كان يحكم إلا بالوحي الذي ينزل عليه من الله، لذلك قالوا ليس للقاضي أن يحكم بما يرى ولا يقول قضيت بما أراني الله ولا بما يعلم. قال تعالى «وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ» مما هممت به من المجادلة عن طعيمة ومعاقبة اليهودي «إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً» (١٠٦) بعباده، واعلم أنه لا تمسك في هذه الآية لمن يجيز وقوع الذنب من الأنبياء، لأن الرسول لم يفعل شيئا قط، وإنما هم لما رأى من السبب الظاهري وهو اتباع الأثر من دار المسروق إلى داره ووجود المال المسروق عنده، ولما قامت بينة اليهودي توقف عن الحكم لعدم الاعتماد عليهم فيما يؤول لبعضهم، ولما انزل الله له الحكم عمل به وأنفذه، أما ما تفيده هذه الآية من معنى المعاتبة لحضرة الرسول فهو بالنسبة لعلو شرفه وارتفاع درجته وكبير مقامه وعظيم منصبه وجليل مرتبته وكمال معرفته بالله مما يقع منه على وجه التأويل أو السهو مما قد بعد ذنبا من مثله، على حد حسنات الأبرار سيئات المقربين، لأنه لا يعد ذنبا من غيره لو فعله. قال تعالى «وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ»
كهذا السارق والمساعدين له لأن من يقدم على ذنب أو يذب عن المذنب مع علمه بما أذنب فهو خائن «إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً»
(١٠٧) وصفه بالإثم، لأنه سرق وأودع المسروق عند غيره وخلف على براءته من فعل السرقة. وهذه الآية عامة لا يخصصها سبب نزولها، لأنها جاءت بلفظ مطلق. ولما سمع طعيمة ما أنزل فيه لحق بمكة مرتدا وعدا على الحجاج بن علاط فنقب بيته فسقط عليه حجر من الحائط وأخرجوه من مكة، فلقي ركبا وقال لهم أنا ابن سبيل منقطع، فحملوه حتى إذا جن الليل سرقهم وهرب، فأدركوه ورموه بالحجارة حتى مات. ثم إن أقاربه صاروا يستترون حياء من النبي والناس، فأنزل الله «يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ
стр. 2810
اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ»
في سرهم وعلانيتهم بخلاف الناس «إِذْ يُبَيِّتُونَ»
فيما بينهم قبل نزول الآية في تخليص طعيمة «ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ»
الذي كانوا يدبّرونه لأجل خلاصه وإلصاق الجريمة باليهودي، ويقولون أن الرسول يسمع منا لأنه صاحبنا وذاك يهودي لا يأمن له «وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً»
(١٠٨) لا يخفى عليه شيء، وقد أطلع رسوله على حقيقة الأمر، وهو الذي لا تأخذه في الحق لومة لائم «ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ»
يا قوم طعيمة «جادَلْتُمْ عَنْهُمْ»
عن طعيمة وذويه والخطاب لعشيرته «فِي الْحَياةِ الدُّنْيا»
وهي فانية بما فيها فقولوا لي «فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ»
إذا أخذوا بذنوبهم من قبل ملائكة الله ونطقت عليهم جوارحهم بما فعلت وأخرست الألسن حينذاك «أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا»
(١٠٩) يحاجج ويناضل ويدافع عنهم أمام الله لأن محاماتكم له تنقطع في الدنيا، ثم رغب الله تعالى المسيئين بالتوبة والندم ليأملوا عفو الله عنهم، فقال جل قوله «وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ»
بشيء من المعاصي ويوقعها فيها «ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ»
مما وقع منه «يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً»
(١١٠) لأن التوبة مقبولة لديه عن الذنوب كلها ما دامت الروح بالبدن فيما عدا حالتي اليأس والبأس
قال تعالى «وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ»
ويكون وبال إثمه عليها خاصة «وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً»
بمن يكسب الإثم مهما أخفاه عن الناس أو ألحقه بغيره «حَكِيماً»
(١١١) بما يخبر به نبيه ليرتدع الناس وينزجروا عن الكذب والبهت وليعلموا أنه تعالى قادر على إخبار نبيّه بكل ما يقع في الكون «وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً»
مثل طعيمه المذكور «ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً»
كاليهودي الذي أئتمن المال المسروق من حيث لا يعلم أنه مسروق «فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً»
(١١٢) لا خفاء عليه، إذ لا يجوز تهمة الكتابي أو الكافر بشيء لم يقترفه، ولا تجوز الشفاعة لمثل هذا ألا فليتنبه الناس عما من شأنه الإضرار بالغير وتهمتهم بما لم يقع منهم، فإنه موجب لعذاب الله «وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ»
يا سيد الرسل «وَرَحْمَتُهُ»
لك وتقديره بعصمتك من الذنب لما أطلعك على شيء من هذه القضية و «لَهَمَّتْ
стр. 2811
طائِفَةٌ مِنْهُمْ»
من عشيرة طعيمة «أَنْ يُضِلُّوكَ»
عن القضاء بالحق الذي أمرك الله به بما تقدموا لك من القول ببراءة رفيقهم وإلصاق الجرم باليهودي ولكن الله حافظك من الضلال في الدنيا وكل ما يؤدي إليه. أما الذين يريدون إضلالك فأخيّبهم لأنهم لا يقدرون على شيء لا أريده «وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ»
لأن وبال اضلالهم عليهم «وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ»
لأنك إذا عملت شيئا عملته عن حسن نية حسبما يظهر لك «وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ»
لتحكم بين الناس بمقتضاها حسب ظاهر الحال، وقال بعض المفسرين إن الحكمة هنا بمعنى ما يتكلم به الرسول وتسمّى بالسنة، وهكذا أوّلوا أكثر ما جاء في القرآن من لفظ الحكمة بالسنة، إلا أن قوله تعالى بعد هذه الكلمة «وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ»
من خفايا الأمور وضمائر القلوب ينافي المعنى الذي ذكروه لأن السنة هي من جملة ما علمه الله غير القرآن، وهو لا ينطق عن هوى، وهي من حيث اللفظ مرادفة لكلمة فلسفة اليونانية، تأمل «وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً»
(١١٣) في تعليمه وإخباره إياك وإنعامه عليك. قال تعالى «لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ» أي مما يسر به قوم طعيمة، والنجوى الإسرار في تدبير الأمر، ويكون غالبا في الشر «إِلَّا» نجوى «مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ» والاستثناء منقطع وإلا بمعنى لكن، لأن المستثنى من غير جنس المستثنى منه «وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ» التصدق والأمر بالمعروف والإصلاح بين الناس «ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ» لا لغرض ولا رياء أو سمعة «فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً» (١١٤) جزاء عمله يتعجب من كثرته وحسنه. روى البخاري عن سهل بن سعد أن أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة، فأخبر رسول الله ﷺ فقال اذهبوا بنا نصلح بينهم. وروى البخاري ومسلم عن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول ليس الكذاب الذي يصلح بين اثنين أو قال بين الناس، فيقول خيرا وينهي خيرا. وفي رواية قالت ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث يعني الحرب والإصلاح وحديث الرجل لزوجته وحديث المرأة لزوجها،. أي أن الكذب يجوز في هذه الأمور لأنه لمصلحة ماسة كما
стр. 2812
ذكرنا في الآية ٢٥ من سورة الأحزاب والآية ١٧٢ من آل عمران المارتين قال تعالى «وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى» فيخالفه ويعاديه ويروغ عنه لئلا يجري عليه الحد، وذلك إن طعيمة إنما هرب خوفا من قطع يده فأماته الله شرّ ميتة كما مر آنفا «وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ» بإظهار الارتداد والشقاق وترك طريق المؤمنين ولم يسلم نفسه ويخضع للحد الشرعي ويطهر نفسه مما اقترفه «نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى» من طريق الضلال في هذه الدنيا «وَنُصْلِهِ» في الآخرة «جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً» (١١٥) بسبب ارتداده عن الإسلام وعدم انقياده لأحكامه.
مطلب غفران مادون الشرك وتوبة الشيخ على يد رسول الله:
يستدل من هذه الآية على أن إجماع المؤمنين حجة لا يجوز مخالفتها، لأن من لا يتبع سبيل المؤمنين فقد فارق الجماعة وصار هدفا لما هدد الله به في هذه الآية «إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ» ونظيرتها في الآية ٤٨ المارة وكررت بمناسبة قصة طعيمة المذكور لسابق علم الله بأنه يموت كافرا، والمغفرة في هذه الآية ونظيرتها عامة لا يخرجها عن عمومها قيد المشيئة ولا يصرفه إلى التائب فقط، إذ يجوز أن يغفر لغير التائب أيضا لأنه لا يسأل عما يفعل كما بيناه هناك، فهي على حد قوله تعالى (يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ) الآية ١٩ من سورة الشورى ج ٢ وقوله تعالى (يَخْلُقُ ما يَشاءُ) الآية ١٧ من المائدة (يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ) الآية ٤٠ من المائدة (يَفْعَلُ ما يَشاءُ) الآية ١٩ من المائدة الآتية، وهي مكررة ست مرات في القرآن، والآية ٤٠ من آل عمران وهي مكررة أيضا بزيادة لفظ الجلالة والكل مزروق برزقه ومخلوق بخلقه ومفعول بفعله. قال علي كرم الله وجهه ما في القرآن آية أحب إلي من هذه «وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً» (١١٦) إذا مات على شركه والضلال البعيد يقابله عذاب غليظ. قال ابن عباس: جاء شيخ من الأعراب فقال يا نبي الله إني منهمك بالذنوب غير أني لم أشرك بالله منذ عرفته، وآمنت به ولم أتخذ من دونه وليا، ولم أواقع المعاصي جرأة على الله، وما توهمت طرفة عين
стр. 2813
أني أعجز الله هربا، وإني لقادم تائب مستغفر فما حالي عند الله؟ فأنزل الله هذه الآية. ولا ينافي هذا ما نحن بصدده إذ لا مانع من تعدد الأسباب، لأن الآية الواحدة قد تنزل لأسباب كثيرة، وقد يذكرها حضرة الرسول لمناسبة حادثة تنطبق عليها، وهذا لا يعني أنها نزلت ثانيا كما قاله بعض المفسرين، راجع تفسير الفاتحة تعلم أنه لا يوجد في القرآن سورة أو آية نزلت مرتين، وكان ﷺ كما جرت على ذلك أصحابه وأتباعه حتى الآن- عند وقوع قضايا كهذه يتلو الآية المناسبة بالمقام المطابقة له، فيظنها من يسمعها منه أو يحضر الحادثة أنها نزلت في تلك وليس كذلك، ولهذا ترى المفسرين يعددون أسبابا كثيرة للنزول ولا يقطعون بواحد منها، والأجدر أن يكون سبب النزول للحادثة والواقعة فقط، ثم تكون جوابا لغيرها مما يماثلها، وقد توخيت في هذا الباب أقصى ما بالوسع، كما بذلت غاية الجهد في باب الناسخ والمنسوخ، والله الموفق ومنه الهداية وعليه الاعتماد وإليه المرجع ولا حول ولا قوة إلا بالله. وهذا الشيخ المار ذكره كان لسان حاله يقول نظر الله إليه:
وما كانت ذنوبي عن عناد ... ولكن بالشقا حكم القضاء
قال تعالى: «إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ» أي الإله العظيم أي ما يعبدون غيره، لأن كل من عبد شيئا فقد دعاه لحاجته. والمراد بهم أهل مكة الذين رجع إلى دينهم طعيمة المذكور «إِلَّا إِناثاً» كاللات والعزى ومناة «وَإِنْ يَدْعُونَ» أي وما يدعون «إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً» (١١٧) خارجا عن الطاعة قد أغواهم على عبادة الأوثان. والمارد والمريد هو المتمرد العاتي الخارج عن الطاعة ويعبدون ويدعون بمعنى واحد، راجع الآية ٥٠ من سورة مريم في ج ١ «لَعَنَهُ اللَّهُ» أي ذلك الملعون «وَقالَ» عدا تحريض الناس على الضلال «لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ» يا إله الكل «نَصِيباً مَفْرُوضاً» (١١٨) معلوما وأقسم الخبيث أيضا فقال «وَلَأُضِلَّنَّهُمْ» عن طريق الهدى الذي أمرتهم باتباعه وأرسلت لهم الرسل لإرشادهم إليه «وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ» الأماني الباطلة بطول العمر وكثرة المال والأولاد والآمال الفارغة والتسويف بالتوبة «وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ» يقطعن
стр. 2814
«آذانَ الْأَنْعامِ» ففعلوها ولا زال الناس يقطعون الآذان ويبترون الأذناب ويسوفون ويؤملون ويتمنون ما لا يكون اتباعا لإغواء الملعون الذي برّ بقسمه راجع الآية ٢٠ من سورة سبأ ج ٢، ولم تكرر هذه اللفظة في القرآن كله «وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ» من حيث الصورة الظاهرة كالخصاء والوشم، أو الصفة كنتف الشعر ويسمى التنميص، والوشم وهو تحديد الأسنان وتدقيقها، ووصل الشعر وصبغه وكيه، والتخنث كحلق الشارب واللحية تشبها بالنساء، ودهن الوجه بما يغير لون بشرته بالكلية، وكل هذه العادات القبيحة سارية بازدياد لكل ما فيه تبديل الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وقال (لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) الآية ٣ من سورة الروم ج ٢، وهي مكررة في الأنعام وغيرها أي أن هؤلاء المتبعين لوساوس الشيطان مهما عملوا من التغير للخلقة الأصلية لا يقدرون على تغييرها حقيقة، وإنما عملهم ذلك عبارة عن تبدلات ظاهرية موقتة بالصورة والصفة والهيئة فقط، لا تزيد على شهر ثم ترجع على حالتها الأولى، ثم يحددون ذلك دواليك، وذلك لأنهم اتخذوا الشيطان قدوة لهم فيما يزين لهم ويموه عليهم «وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا» فيصغي لوساوسه ويطيعه «مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً» (١١٩) في الدنيا والآخرة «يَعِدُهُمْ» الخبيث كذبا «وَيُمَنِّيهِمْ» بدسائسه ما لا ينالونه، وهذا كل أمانيه باطلة لأنها عبارة عن وعود خلابة لعقولهم «وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً» (١٢٠) في الدنيا، لأنه لا يقدر على إنجاز ما وعدهم فيها
«أُولئِكَ» المتخذون الشيطان وليا لهم، يكون «مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً» (١٢١) مفرا ولا معدلا. ولما ذكر الله تعالى وعيد الكافرين ناسب أن يعقبه بوعد المؤمنين فقال «وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا» (١٢٢) لا أحد البنة وهو الآمر بالصدق الذي أرسل رسوله بالصدق. وأنزل كتابه بالصدق وأمر عباده بالصدق فياويل الكاذبين. واعلم أن هؤلاء الذين وعدهم الله بالجنة وأولئك الذين أوعدهم بالنار «لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ» أي ما تقدرونه بالكذب أيها المشركون
стр. 2815
الظانون أن الأصنام تشفع لكم وأن الملائكة تقيكم من عذاب الله تعالى، «وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ» الزاعمين أنهم لا يعذبون إلا أياما معدودات، وأنهم أبناء الله وأحباؤه، وأن الجنة لا يدخلها غيرهم كذبا، لأن أعمالهم سيئة لا تؤهلهم لدخولها، قبيحة تبعدهم عنها، وإن رسلنا موسى وعيسى سيتبرءون من أعمالهم لمخالفتهم تعاليمها ووصاياهم وما ركبوه من أعمال سيئة. وقال تعالى «مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ» بحسبه «وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً» (١٢٣) وهذه الآية عامة وإن كانت واردة بمعرض من ذكر فيدخل في عمومها كل من يقترف السوء ويموت مصرا عليه، وكذلك قوله تعالى «وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ» عام أيضا يشمل كل عامل خيرا إذا مات عليه فاختاروا أيها الناس أي الأمرين تريدون ولما سمع أهل الكتاب ظاهر الآية الأولى قالوا نحن وأنتم سواء، لأن غير المؤمن لا ينفعه عمله الصالح في الآخرة بل يكافيه عليه بالدنيا، فأنزل الله هذه الآية بإثبات لفظ المؤمن «فَأُولئِكَ» فاعلو الصلاح وهم مؤمنون «يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ» بما أسلفوه من العمل الصالح وبفضل الله «وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً» (١٢٤) فلا ينقص ثوابهم بقدر النقرة التي بظهر النواة ولا أقل منها، وهذه الكلمة تجيء مجيء ضرب المثل بعدم النقص بتاتا قال تعالى «وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ» وهذا أحد الأمرين المبني.
عليهما الإسلام وهما الاعتقاد المذكور في صدر الآية والعمل المشار إليه بقوله في عجزها «وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً» وذلك لأن شريعته داخلة في شريعة محمد ﷺ «وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا» (١٢٥) صفيا، كما اتخذ محمدا حبيبا. روى مسلم عن أنس قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا خير البرية، فقال ﷺ ذلك ابراهيم خليل الله. وهذا تواضعا منه ﷺ وهضما لنفسه، وإلا فهو لا شك خير البرية على الإطلاق «وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً» (١٢٦) فكل شيء تحت قبضته. وإنما قال محيطا لأنه جل شأنه لما دعا عباده في الآيات المتقدمة إلى طاعته بين لهم في هذه سعة ملكه ترغيبا لخلقه.
стр. 2816
مطلب ارث النساء والقسم من الزوجات وجواز الفداء والعداء والظلم والعدل:
قال تعالى «وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ» هذا عود على بدء لأنه ﵇ سئل عن أحكام كثيرة تتعلق بالنساء منها ما بين أول السورة ومنها ما بين هنا وفي سورة الممتحنة والبقرة المارتين، ومنها ما سيبين آخر هذه السورة وفي سورة المجادلة والطلاق والنور الآتيات، التي ما بعدها بيان. فيا سيد الرسل «قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ» أي يبين لكم حكمه فيهن. والإفتاء إظهار المشكل على السائل «وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ» الذي أنزله إليكم فيفتيكم به. أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جبير قال كانوا لا يورثون إلا الرجل البالغ لأن الصغار والنساء لا يغزون ولا يفتحون، ولما نزلت آية المواريث عدد ٧ المتقدمة شق عليهم حكمها ورجوا أن ينزل عليهم حكما آخر من السماء بما يريدون، فأنزل الله هذه الآية جوابا لهم. وإن ما تلي عليهم كله ثابت في كتاب الله ويفتيهم بأن يعملوا بمقتضاه، وآثر ذكر المضارع على الماضي فلم يقل ما تلاه للايذان بدوام التلاوة واستمرارها والعمل بها إلى الأبد أي ويفتيكم أيها الناس عدا ما أفتاكم به أولا «فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ» في كتاب الله من الإرث «وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ» دون صداق «وَ» يفتيكم أيضا في «الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ» الصغار الذين لا تورثونهم أن تورثوهم كما مر «وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ» بأن تعطوا كلا حقه من صداق وارث حسبما بيناه لكم سابقا لأن هذه الأحكام المتلوة عليكم قد أفتيناكم بها على ما هو ثابت في علمنا الأزلي ومدون في اللوح المحفوظ الذي لا يبدل ولا يغير على كر الأيام والعصور. وفي هذا الخطاب حث قوي للأولياء والأوصياء وولاة الأمور على أن يستوفى للنساء القاصرين حقوقهم كاملة كما أمر الله، وأن ينصفوهم فيما فرض لهم الله بالعدل «وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ» في حقوقهم حسبما أمرتم به «فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً» (١٢٧) قبل أن تفعلوه وهو مجازيكم عليه خيرا.
والآية مطلقة في كل أعمال الخير ويندرج فيها ما يتعلق بهؤلاء اندراجا أوليا.
قال تعالى «وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً» عنها
стр. 2817
وصار لا يكلمها ولا يؤانسها ولا ينظر إليها لكبر سنها أو لبشاعة خلقها أو دمامة خلقها أو بذاءة لسانها وكراهة لونها أو لقصور منها كذكر زوجها الأول أو لما طبعت عليه من السوء أو لطلاقة لسانها أو لكراهتها أقاربه أو لقصور منه بأن طمح لغيرها أو كلفها بأن تأتي له من مال أهلها أو ميراثها أو غير ذلك «فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً» هما أو أولياؤهما أو الحاكم عفوا دون شيء ما ويتراجعا لحالتهما الأولى قبل النزاع، وإن لم يمكن فيتخالصا دون شيء، أو بأن ترد له شيئا من المهر إن كان القصور منها ولم تسمح نفسه بتركه لها ويطلقها أو تجعله في حل من القسم وتبقى عنده، وهو أولى من الفراق لأنه لا مذمة فيه ولا ندم، والفراق بيدهما متى ما أراده فعلاه إذا لم تنم المودة بينهما ولهذا قال تعالى «وَالصُّلْحُ خَيْرٌ» لأنه يكون عن طيب نفس كان سعد بن الربيع ويقال له واقع بن خديج تزوج عمرة بنت محمد بن مسلمة وتسمى خولة فلما كبرت تزوج عليها شابة آثرها عليها فشكت أمرها إلى الرسول فنزلت هذه الآية وكذلك كان رجل له امرأة كبيرة ولها أولاد قالت لزوجها لا تطلقني واقسم لي كل شهر إن شئت وأنفق على أولادي فقال هذا أحب إلي إن كان جائزا، فأتيا رسول الله وذكرا له ذلك، فتلا عليهما هذه الآية. وأمثالهما كثير ولا سيما في بداية الإسلام. روى البخاري ومسلم عن عائشة أن هذه الآية نزلت في ذلك.
وإنما يجوز للزوج في هذه الصورة أخذ شيء من الزوجة عند خوف النشوز منه، أما إذا تحقق صدوره منه فقط، دون أي قصور منها، فلا يجوز له أخذ شيء منها أبدا، راجع الآيتين ٣٤/ ٣٥ المارتين. وعلى هذا العمل الآن وحتى قيام الساعة لا تبديل لحكم الله البتة. قال تعالى «وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ» لازمته بحيث لا تنفك عنه ولا يغيب عنها فالمرأة لا تكاد تسمح نفسها بإعطاء شيء من المهر وترك حقها من القسم، والرجل لا تسمح نفسه أن يطلقها بلا شيء ولا يرغب بإعطائها حقها كاملا من القسم، والنفس مطبوعة على ما تحب، وكل يود ما تميل له نفسه.
لذلك حث الله تعالى على مخالفة النفس ومتابعة الشرع، فقال جل قوله «وَإِنْ تُحْسِنُوا» أيها الأزواج فيما بينكم وتتلاءموا بالحسنى «وَتَتَّقُوا» ربكم أيها
стр. 2818
الأزواج فترجعوا عن النشوز والإعراض فإنهن أمانة الله عندكم، وقد أمركم بحفظ الأمانة، ووصاكم رسوله بالنساء بعد وصية الله فيهن، راجع الآيتين ٣٢/ ٣٣ المارتين ولهذا فإياكم أن تجوروا عليهن بعد أن ضيعن شبابهن عندكم، وإلا فاتركوهن ولا تأخذوا منهن شيئا، وراقبوا الله وتفكروا في قوله، (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ) الآية ٢٠ المارة «فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً» (١٢٨) لا يخفى عليه ما في نياتكم، كما هو عالم بأقوالكم وأفعالكم.
واعلموا أنه مجازيكم على ذلك، فاتقوا الله وأنصفوا. ولما أشار تعالى في الآية الثالثة المارة إلى الاكتفاء بالواحدة عند عدم تيقن العدل قال هنا جل قوله «وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ» في الحب والنظر وميل القلب «وَلَوْ حَرَصْتُمْ» كل الحرص، لأن ذلك ليس بوسعكم، وإذا كان الأمر كذلك «فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ» الى التي تحبونها وتجوروا كل الجور على الأخرى في القسم والنفقة والسكنى والنظر فهذا مما هو منهي عنه، لأنكم بعملكم هذا تتركونها «فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ» لا هي ذات زوج يعاملها معاملة الأزواج ولا هي أيم تبتغي الزواج فتتزوج «وَإِنْ تُصْلِحُوا» أنفسكم فتعطوها نصيبها من القسم والنفقة والسكنى كضرتها «وَتَتَّقُوا» الله فيها فتمنعوا أنفسكم من الجور وتنفقوا فيما بينكم «فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً» لما يقع منكم من الميل القلبي «رَحِيماً» (١٢٩) بكم لا يجازيكم على ما لا قدرة لكم عليه مما هو خارج عن وسعكم، تؤذن هذه الآية بلزوم الاقتصار على الواحدة إذا لم يأمن من نفسه العدل، وإذا ابتلي بالجمع ولم يتمكن بأي صورة كانت من بقائها معه، فليتبع قوله تعالى «وَإِنْ يَتَفَرَّقا» على إحسان اتباعا لقوله تعالى فهو خير، لأن الله تعالى قد «يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ» وجوده وفضله فيعوض الزوجة زوجا خيرا لها من زوجها ويعوض الزوج زوجة خيرا له من مطلقته أو يقضي بينه وبين زوجته ما هو خير من بقاء ضرتها معها «وَكانَ اللَّهُ واسِعاً» خيره عميا برّه عليهما «حَكِيماً» (١٣٠) فيما يقيضه بين عباده هذا. وقد وعد الله تعالى الغنى على الفراق في هذه الآية، كما وعد الغني على الزواج في الآية ٣٢ من سورة النور الآتية. وهذا من لطفه
стр. 2819
تعالى وجبره لخواطر عباده وله الحمد. أخرج أبو داود والترمذي والنسائي عن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ يقسم فيعدل فيقول اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك يعني القلب لأنه تحت قبضة الله تعالى لا طاقة للعبد في تقلبه. وأخرج الترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال من كانت له امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه ساقط. وعن أبي داود من كانت له امرأتان فمال إلى أحدهما جاء يوم القيامة وشقه مائل وليعلم أن القسم شرط في البينونة والنفقة والكسوة والسكنى، لا في الجماع ولا في محبة القلب والميل الودي وله إذا تزوج جديدة بكرا على قديمة أن يخصها بسبعة أيام، وإن ثيبا بثلاثة مع لياليها، وله إذا سافر سفرا طويلا أو قصيرا أن يأخذ إحداهن معه بالقرعة ولا يقضي للأخرى هذه المدة، وفي غيرها يجب عليه القضاء، وإذا انتقل نقلة دائمة وجب عليه استصحاب نسائه كافة. قالت عائشة ﵂ وعن أبيها كان ﷺ إذا أراد السفر أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه- أخرجه البخاري بزيادة- وليعلم أن الله تعالى استثنى رسوله من القسم بين النساء كما مر في الآية ٥١ من سورة الأحزاب مع بيان السبب في ذلك فراجعها
«وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ» لما ذكر الله تعالى إغناء كل من الزوجين عند الفراق أشار إلى ما يوجب الرغبة إليه، لأن من ملك هذه الهياكل العظيمة هو جدير بالجود على من يسأله من فضله مما فيهما. قال تعالى «وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ» أيها الناس من لدن آدم ﵇ إلى زمنكم «وَإِيَّاكُمْ» نوصّي يا أهل القرآن «أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ» بالنساء وغيرهن، لأن الأمر بالتقوى شريعة قديمة باقية إلى الأبد، وكررت الوصية فيها لمنى غير الأول أي اقبلوا وصية «وَإِنْ تَكْفُرُوا» بما جاءكم عن ربكم فهو غني عنكم ولا يعبا بكم ولا ينظر إليكم، وإن تؤمنوا وتعلموا بأنه هو الغني فاطلبوا منه ما تشاءون فهو يعطيكم وإن تجحدوا هذه الوصية «فَإِنَّ لِلَّهِ» الذي هو غني عن خلقه «ما فِي السَّماواتِ» من ملائكة وكواكب «وَما فِي الْأَرْضِ» من مخلوقات يتقون الله ويطيعونه أكثر منكم «وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا» عن جميع خلقه علويه وسفليه، غير محتاج لطاعتهم
стр. 2820
لأنهم تحت قهره «حَمِيداً» (١٣١) لنفسه وإن لم يحمده أحد «وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا» (١٣٢) على خلقه شهيدا على أعمالهم، وكررت أيضا لاختصاصها بمعنى آخر أي فتوكلوا عليه لا على غيره.
وفي هاتين الآيتين من التهديد والوعيد ما لا يخفى، وقد أكدهما بقوله «إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ» كلكم إذا لم ترجعوا عن غيكم «وَيَأْتِ بِآخَرِينَ» أطوع منكم إليه بان ينشأهم كما أنشأكم من لا شيء «وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ» إذهابكم وخلق غيركم «قَدِيراً» (١٣٣) لا يعجزه شيء من ذلك، وفي هذه الآية تهديد عظيم، ألا فلينتبه وليحذر من لم يتق الله ويخش بطشه وانتقامه، فإنه بالغ القدرة يفعل ما يشاء. قال تعالى «مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا» جزاء عمله فيها منكم أيها الناس ويصرف نظره عن نعيم الآخرة الباقي إلى نعمها الفانية، «فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ» فاطلبوها معا لا تتقصروا على ثواب الدنيا فقط وهو قادر على إعطائكم ثوابهما معا» إذا طلبتموهما «وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً» لأقوالكم «بَصِيراً» (١٣٤) بنياتكم لا يخفى عليه شيء من أموركم. كان المنافقون إذا ذهبوا للجهاد يقصدون الغنيمة فقط لأنهم لا يصدقون بالآخرة كالمشركين الذين لا يعترفون بالبعث، فأنزل الله فيهم هذه الآية. قال تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ» مجتهدين في إقامة العدل بين الناس على اختلاف طبقاتهم «شُهَداءَ لِلَّهِ» مخلصين لوجهه ابتغاء مرضاته «وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ» تلك الشهادة فكما يجب عليكم أداؤها بالحق للغير يجب أداؤها على أنفسكم بأن تقروا بالحق فيما لكم وعليكم «أَوِ» كانت الشهادة على «الْوالِدَيْنِ» لكم «وَالْأَقْرَبِينَ» منكم. واحذروا أن تحابوهم بسبب القرابة، فالله أحق أن تهابوه بأدائها، وإياكم أن تفرقوا بين المشهود عليه «إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً» قويا أو ضعيفا فما عليكم إلا أن تشهدوا بالواقع بقطع النظر عن حالهما وشأنهما، خطيرا كان أو حقيرا، عدوا أو صديقا «فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما» منكم واحذروا أن تكتموا شيئا وتقولوا زورا اتباعا لهواكم أو رضاء للشهود له أو عدم مبالاة بالمشهود عليه، راجع الآية ١٠٧ المارة، ولهذا يقول الله تعالى لكم «فَلا
стр. 2821
تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا»
عن الحق في أداء الشهادة «وَإِنْ تَلْوُوا» بألسنتكم فتحرفوها إلى غير الحق فلا تؤدوها على وجهها اتباعا لهوى أنفسكم «أَوْ تُعْرِضُوا» عن إقامة الشهادة فتكتموها خوفا من أعدائكم أو مراعاة لأصدقائكم أو تهتموا للغني ولا تبالوا بالفقير «فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً» (١٣٥) فيعاقبكم على ذلك. قالوا كان اختصم إلى حضرة الرسول فقير وغني، فأصغى إلى الفقير لأنه عادة لا يظلم الغني، فأنزل الله هذه الآية بعلمه فيها أن لا فرق بين الغني والفقير والكبير والصغير بإقامة العدل، وإن الظلم قد يصدر من الفقير والضعيف كما يكون من الغني والقوي، وقد يكون الفقير هو المعتدي ويتذرع بفقره لدى الناس ويتظلم لدى الحكام ليستعين بهم على ظلمه. قال المتنبي:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد ... ذا عقة فلعلة لا يظلم
وما قاله الآخر:
ظلم القوي للضعيف جاري ... في الأرض والهواء والبحار
فهو على طريق التغليب على أن فقر الأخلاق أشد من فقر المال وأتعس. قال:
وما فقر الدراهم حال ذل ... ولكن فقر أخلاق الرجال
فلا تحزن على يسر تقضى ... وقم واندب على كرم الخلال
فإن العسر يتلوه يسار ... وليس لخسة الأخلاق تال
قال تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» هذا خطاب عام لكافة المؤمنين من المشركين وأهل الكتاب والذين آمنوا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم «آمَنُوا» إيمانا عاما شاملا وأديموا إيمانكم «بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ» لأن من لم يؤمن بالرسول لا يقبل إيمانه بالله، وبالعكس أيضا، واستمروا على الإيمان، وأخلصوا فيه قلبا ولسانا «وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ» آمنوا به أيضا «وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ» كتابكم آمنوا به وآل فيه للجنس أي كل كتاب من الكتب المنزلة قبلا من الله تعالى على الرسل السالفة من لدن آدم إلى محمد عليهم الصلاة والسلام، لأن من لا يؤمن بأحدها لا يقبل إيمانه بالآخر، ومن كفر بأحدها فقد كفر بها كلها، فاثبتوا على هذا الإيمان الكامل الشامل «وَمَنْ يَكْفُرْ
стр. 2822
بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ»
أو بأحد منهم ومنها «وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» من يكفر به ويجحده «فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً» (١٣٦) واستحق عذابا شديدا كما أسلم عبد الله بن سلام كما مر في الآية ٤٧ جاء أسد وأسيد ابنا كعب وثعلبة بن قيس وسلام ابن أخت عبد الله بن سلام ومسلمة بن أخيه ويامين بن يامين وقالوا يا رسول الله إنا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزير ونكفر بما عدا ذلك من الكتب والرسل، فقال ﷺ بل آمنوا بالله ورسوله محمد والقرآن وبكل كتاب قبله وكل رسول أرسل، فأنزل الله هذه الآية. قال تعالى «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا» بموسى «ثُمَّ كَفَرُوا» بعده «ثُمَّ آمَنُوا» بعزير وداود «ثُمَّ كَفَرُوا» بيحيى وعيسى «ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً» بمحمد صلوات الله عليهم وسلامه وماتوا على كفرهم «لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا» (١٣٧) ينجون به من العذاب، راجع نظيرة هذه الآية الآتية ٩٠ من آل عمران المارة وقد نزلت هذه الآية تبكيتا لليهود الموجودين زمن الرسول باعتبار عد ما صدر من أسلافهم كأنه صادر عنهم، وفي المنافقين الذين يؤمنون ويرتدّون عن الإيمان المرة بعد الأخرى.
مطلب في التهكم والكتاب والنهي عن مجالسة الغواة وأفعال المنافقين وأقوال اليهود الباطلة:
قال تعالى «بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ» يا سيد الرسل «بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً» (١٣٨) وهذا على طريق التهكم بهم مأخوذ من البشارة وهي كلمة تتغير عند سماعها بشرة الوجه سارة كانت أو ضارة، إلا أن استعمالها الشائع بالخير فقط، ولا يوجد في القرآن آية مبدوءة بمثل هذه الكلمة غير هذه. ثم وصفهم الله بقوله «الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ» ويركنون إليهم، فسلهم يا سيد الرسل «أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ» بذلك الاتخاذ كلا لا عزة لهم به بل ذلة لهم ومهانة، وإذا كانوا يريدون العزة الحقيقية «فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً» (١٣٩) وهو يعطيها أولياءه ويخص أصفياءه بها فيتخذون الله وليا وهو يعزهم «وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ» في هذا القرآن في الآية ٦٨ فما بعدها من سورة الأنعام ج ٢،
стр. 2823
ولهذا صحت الإشارة إليها لانها متقدمة في النزول على هذه كما ألمعنا إليه هناك، وإلا لما صحت الإشارة إليها، تدبر. وهذا من جملة الأسباب الداعية لترتيب هذا التفسير على حسب النزول، وقد يطلق على كل سورة من القرآن لفظ كتاب كما تقدم أول سورة هود في ج ٢، وكرر لفظ الكتاب كثيرا في القرآن العظيم وخاصة أوائل السور المبدوءة بالحروف المقطعة وهو لفظ محبوب لكل كتاب، وفيه قال:
نعم الأنيس إذا خلوت كتاب ... تلهو به إن فاتك الأحباب
لا مفشيا سرا إذا استودعته ... وتنال فيه حكمة وصواب
فالسعيد الذي يتخذه رفيقا ليله ونهاره حضره وسفره ويغتني عن أصحاب السوء ومجالس اللهو المؤديين لسوء العاقبة وقبح السمعة، إذ قل أن تجد صديقا صادقا ومجلسا سارا. ثم بين هذا المنزل المشار إليه في قوله عزّ قوله «أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ» إذا قعدتم معهم حينما يخوضون بآيات الله، لأنكم تعدون راضين بهم وبما يخوضون فيه، وإلا لما جلستم معهم إذ الراضي بالشيء كفاعله فتصيروا منافقين اخوان الكافرين ويكون لكم ما لهم عند الله «إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً» (١٤٠) لاجتماعهم على الكفر أنزل الله هذه الآية في النهي عن مجالسة المنافقين في المدينة، كما أنزل آيات الأنعام المذكورة في النهي عن مجالسة الكافرين في مكة، والغاية واحدة، ولذلك جاءت مؤكدة لها ومعطوفة عليها في المعنى. وتدل هذه الآية على أن من رضي بالكفر فهو كافر، ومن رضي بمنكر كان كمن فعله فينبغي للعاقل أن يبتعد عن أهل الأهواء والغواة، لأن مخالطتهم لا تخلو عن الإثم. وقد بينا ما يتعلق في هذا البحث هناك فراجعه.
ثم وصف الله المنافقين بوصف آخر فقال «الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ» الحوادث والدوائر لشدة حقدهم عليكم وحسدهم لكم «فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ» نصر وظفر وغنيمة «مِنَ اللَّهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ» في الغزو فأعطونا نصيبنا، إذ لا هم لهم إلا الدنيا، فهم مهمو كون بها أبدا «وَإِنْ كانَ
стр. 2824
لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ»
من الظفر «قالُوا» لأوليائهم الكافرين «أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ» أي نستول عليكم ونغلبكم ونتمكن من قتلكم وأمركم ولم نفعل «وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» فلم نتركهم يصلون إليكم ولو أردنا لأعناهم عليكم فغلبوكم ولهذا أعطونا مما أصبتم منهم لقاء عملنا هذا «فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ» أيها المؤمنون الصابرون على مخالطتهم المتحملون أذاهم من أجلنا ويا أيها المنافقون المذبذبون المظهرون غير ما تبطنون لا بد أن الله يحكم بينكم وبين المؤمنين، كما يحكم بينكم وبين الكافرين «يَوْمَ الْقِيامَةِ» . واعلم أن الله تعالى لم يجهلهم ويؤخر عذابهم إكراما لهم بل لزيادة عذابهم، وإلا فهو قادر على تعجيل عذابهم في الدنيا «وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا» (١٤١) في الدنيا لأن حجنهم غالبة وكذلك في الآخرة، لأن الله هو الحكم بينهم. أما تسليطهم الآن على بعض المؤمنين من حيث الغلبة الفعلية فهو لعدم تمسك المؤمنين بكتابهم وتعاليم نبيهم، فلم يكونوا مؤمنين حقا كما أراد الله منهم، ولو كانوا لما سلطهم عليهم، ومن أصدق من الله قيلا. فإصابة المؤمنين وخذلانهم من أنفسهم ومن انصرافهم عن دينهم، وإلا لكانت الغلبة الفعلية لهم بنصّ الله، ومن أصدق من الله حديثا، راجع الآيات ١٧١ فما بعدها من سورة الصافات ج ٢ وما ترشدك إليه. قال تعالى «إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ»
بإظهار الإيمان وإبطان الكفر مخاتلة ومغاششة وإغرارا «وَهُوَ خادِعُهُمْ»
فاعل بهم ما يفعل المخادع بالمخادع فيمتعهم بالدنيا وليكثر عليهم من نعيمها الزائل ومن مالها الذي عاقبته العذاب أو من الأولاد الذين عاقبتهم الوبال إذا ماتوا على كفرهم ونفاقهم، وبعد لهم الدرك الأسفل من النار يوم القيامة «وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى»
دون رغبة لأنهم لا يرجون بفعلها ثوابا ولا على تركها يخشون عقابا «يُراؤُنَ النَّاسَ»
بفعلها «وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا»
(١٤٢) عند رؤيتهم المؤمنين فقط «مُذَبْذَبِينَ» متحيرين مترددين. ولم تكرر هذه الكلمة بالقرآن أبدا «بَيْنَ ذلِكَ» الإيمان والكفر «لا إِلى هؤُلاءِ» المؤمنين ينتمون انتماء صحيحا «وَلا إِلى هؤُلاءِ» الكفار يندرجون اندراجا كليا، وهذا شأن الضّال
стр. 2825
«وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا» (١٤٣) إلى الهدى روى البخاري ومسلم عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال مثل المنافق كمثل الشاة العائرة (المتحيرة المترددة) بين الغنمين تعير (تذهب) يمينا وشمالا لا تدري لأيها تتبع إلى هذه مرة وإلى هذه مرة. قال تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ» باتخاذكم هذا «أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً» (١٤٤) في تعذيبكم، فتكون عليكم الحجة، فستوجبوا النار، لأن مخالطة المنافقين أشد ضررا من مخالطة الكافرين، راجع الآية ١١٣ من آل عمران المارة ولهذا قال تعالى «إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ» أي في قعرها الأسفل الأعمق «وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً» (١٤٥) من ذلك العذاب الأليم «إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا» عملهم «وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ» وحده «وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ» نقوه من السمعة والرّياء طلبا لوجه الله خاصة وابتغاء لمرضاته «فَأُولئِكَ» يكونون في الدنيا والآخرة «مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً» (١٤٦) لا أعظم منه في جنة عظيمة «ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً» (١٤٧) يشكر الشاكر وإيمان المخلص. وهذا استفهام تقريري أي أي شيء يفعل الله بتعذيبكم؟. أيتشفى به من غيظ أم يدرك به ثارا، أم يستجلب به نفعا أم يتوقع به خيرا كما هو شأن الخلق؟ كلا ثم كلا، لأنه الغني المطلق المتعال عن أمثال ذلك. وإنما هو أمر يقتضيه مرض كفركم ونفاقكم، فإذا احتميتم عن النفاق ونقيتم نفوسكم بشرية الإيمان والشكر وطهرتم أجسامكم بصبغة الإسلام والصبر، سلمتم ونجيتم، وإلا فلا محيص لكم عن الهلاك. قال تعالى «لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ» القبيح ولا الإسرار به «إِلَّا مَنْ ظُلِمَ» فله أن يجهر بمثل السوء الذي وقع عليه لقوله تعالى (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ) الآية ٤٧ من سورة الشورى المارة في ج ٢ «وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً» لشكوى المظلوم «عَلِيماً» (١٤٨) بظلم
الظالم فيا أيها الناس «إِنْ تُبْدُوا خَيْراً» مكان الجهر بالسوء «أَوْ تُخْفُوهُ» فلم تجهروا به «أَوْ تَعْفُوا
стр. 2826
عَنْ سُوءٍ»
المسيء لكم «فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا» لإساءة عباده ولم يزل كذلك «قَدِيراً» (١٤٩) على الانتقام ممن لا يتحلى بالصفات الممدوحة منكم حالا، ولكنه يمهلكم فلا يعجل عقوبتكم لعلكم ترجعون وتتوبون، بخلاف خلقه فإنهم سريعو الانتقام إذا قدروا عليه، ولهذا قال ﷺ تخلّقوا بأخلاق الله فاعفوا ممن أساء إليكم وتشبهوا بأخلاق بارئكم، واعلموا أن الله تعالت قدرته مطلع على أعمالكم ونياتكم، ولم يهمل شيئا ولم يعزب عن علمه شيء فراقبوه واخشوا سطوته. واعلموا أن عدم المحبة هنا كناية عن عدم سخطه، ولذلك صح الاستثناء المتصل أي فإنه غير مسخوط عنده تعالى، لا إنه يحب جهر المظلوم بالسوء على ظالمه، لأنه تعالى دائما يحب العفو ويرغب فيه، إلا أنه أجاز شكوى المظلوم وإظهار أمر الظالم ليتباعد الناس عنه ويعرفوه. قال مقاتل قال رجل من أبي بكر بحضرة الرسول فسكت عنه مرارا ثم رد عليه، فقام ﷺ فقال أبو بكر يا رسول الله شتمني فلم تقل له شيئا حتى إذا رددت عليه قمت! قال كان ملك يجيب عنك فلما رددت عليه ذهب وجاء الشيطان، فنزلت هذه الآية. وقيل نزلت فيمن لا يحسن ضيافة الضيف فيخرج فيقول أساء ضيافتي. قال العلماء لا يجوز إظهار أحوال الناس المستورة لأن ذلك بسبب الوقوع للناس بالغيبة وللشخص بالريبة لكن المظلوم يجوز له إظهار مظلمته فيقول سرق أو غصب أو نحو ذلك، وإن شتم جاز له الرد بلا زيادة لقوله تعالى (فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ) الآية ١٩٥ من البقرة المارة وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال قال ﷺ المستعبّان ما قالا فعلى الأول. وفي رواية فعلى البادي منهما حتى يتعدى المظلوم. وقد أسهبنا البحث في هذا الشأن في الآية ٤٣ من سورة الشورى في ج ٢ والآيتين ١٩١/ ١٩٣ من سورة البقرة المارة فراجعها. قال تعالى «إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ» فيقولون إن الإيمان بالله غير الإيمان بالرسل، والحال أنه لا يصح الإيمان بأحدهما دون الآخر «وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ» الكتب والرسل كاليهود والنصارى «وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ» الكتب والرسل، مع أن الكافر بواحد منهما كافر بالجميع، ولا ينفع التصديق بواحد دون الآخر كما نوهنا به في
стр. 2827
الآية ١٣٧ المارة «وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا» (١٥٠) مذهبا يدينون به بين الكفر والإيمان والحال لا واسطة بينهما تتخذ طريقا بدأت به البتة كما أنه لا درجة ولا مرتبة بين الجنة والنار كما نوهنا به في الآية ٤٥ فما بعدها من سورة الأعراف في ج ١
«أُولئِكَ» الذين هذه صفتهم «هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا» المستحقون العذاب الأليم، ولذلك فإنا هيأنا «وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً» (١٥١) نزلت هذه في اليهود لأنهم كفروا بعيسى ومحمد والإنجيل والقرآن وآمنوا بموسى والتوراة، وفي النصارى لأنهم آمنوا بعيسى والإنجيل وكفروا بمحمد والقرآن. قال تعالى «وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ» في الإيمان والتصديق، وكذلك بكتبه فآمنوا بها كلها «أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ» كاملة يوم القيامة «وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً» لما سبق منهم من الخطايا «رَحِيماً» (١٥٢) بهم يعفو عنهم. ثم طفق جل شأنه يعدد من مساوئ اليهود وجرأتهم على الله فقال جل قوله «يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ» وذلك أن كعب بن الأشرف وفنخاص بن عازوراء قالا يا محمد إن كنت نبيا فأتنا بكتاب جملة واحدة كما جاءنا موسى بالتوراة. وهذا سؤال تعنت، لأن الله لا ينزل الآيات على اقتراح المقترحين، ثم شرع يبين ما وقع منهم قبل من القبائح فقال يا سيد الرسل لا ترد عليهم «فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً» عيانا بعد أن أنزلنا عليهم الكتاب جملة واحدة وأسمعناهم كلامنا كما مر في الآية ٥٤ من البقرة وتجاه جرأتهم هذه أمتناهم «فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ» أنفسهم وتحكمهم على نبيهم ثم أحييناهم إكراما لنبيهم ولم يتعظوا ولم ينتهوا ومالوا عن دينه الحق «ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ» إلها وعبدوه من دوننا «مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ» على صدق رسولهم «فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ» ولم نعاقبهم عليه تفضلا منا بعد توبتهم، وكانوا استحقوا بذلك عذاب الاستئصال «وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً» (١٥٣) على من خالفه وأجبنا دعوته راجع الآية ١٥٣ من الأعراف في ج ١. قال تعالى «وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ» لئلا ينقضوه
стр. 2828
«وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً» مطأطئين رؤوسكم عند دخول باب إيليا، فدخلوه زحفا على أستاههم «وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ» أي لا تتعدوا وتتجاوزوا حدود الله فيه، فحفروا حياضا أدخلوا فيها السمك وسدوها عليها وتركوها فيها ليوم الأحد، فأخذوها راجع الآية ١٦٣ من الأعراف في ج ١ أيضا لتقف على حيلتهم هذه على الله وتعديهم حدوده «وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً» (١٥٤) مؤكدا في ذلك فنقضوه، ونكثوا عهد الله في ذلك كما فعلوا من قبل، وبعد، ولذلك عوقبوا بما قصه الله تعالى بقوله «فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ» الذي أوقعنا عليهم العذاب لسببه «وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ» محجوبة عما تدعونا إليه فرد الله عليهم بأنها ليست غلفا «بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ» أي الطبع الذي هددوا به هو السبب لعدم فهمهم مراد الله وانقيادهم لأمر رسوله «فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا» (١٥٥) ببعض التوراة وبعض أوامر نبيهم، ولو أنهم آمنوا بكل ذلك لآمنوا بعيسى والإنجيل ولآمنوا بمحمد والقرآن، لأن هذا مما هم مأمورون به في كتابهم وتعاليم نبيهم، ولكنهم لم يعملوا بهما فأعمى الله قلوبهم عن سلوك الصواب. ترشدنا هذه الآيات للوفاء بالعهد والأخذ بما جاء من عند الله وما أمر به الرسل وعلى حرمة التضليل واتخاذ الحيل لتحليل ما حرم الله وعلى الأخذ بالقرآن وأقوال الرسل وزجر النفس عن اتباع الهوى والإقلاع عن المعاصي والتوبة إلى الله وعدم الرجوع إلى ما نهى عنه. وهذا هو الحكم الشرعي في ذلك «وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً» (١٥٦) وهذا من جملة ما طبع على قلوبهم أيضا لأنهم أنكروا قدرة الله بخلقه من غير أب ورموا أمه الطاهرة بما لا يليق رماهم الله في طينة الخيال، وجحدوا المعجزات التي ظهرت عند ولادته وبعدها مما يدل على براءتها. وخلقه كخلق آدم «وَقَوْلِهِمْ» قاتلهم الله «إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ» بهت عظيم وكذب محض وزور مفترى.
стр. 2829
مطلب عدم تيقن اليهود بان عيسى هو المصلوب، وآية الربا الرابعة، وعدد الأنبياء والرسل وفرق النصارى ونص الأقانيم الثلاث:
واعلم أن كلمة رسول الله هي من كلام الله تعالى لا من كلامهم لأنهم لا يعتقدون رسالة وقد صدقهم النصارى على فعل القتل فأكذبهم الله بقوله «وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ» بالمنافق يهودا الأسخريوطي الذي دلهم عليه لقاء ثلاثين درهما، وكان ﵇ أخبر أصحابه بذلك بحضوره كما مر في الآية ١٥٤ من آل عمران المارة وما كان الله ليسلط هؤلاء الأنذال على صفيه عيسى «وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ» وهم اليهود الذين قبضوا على شبيهه وصلبوه «لَفِي شَكٍّ مِنْهُ» بأنه عيسى لأنه كان عند القبض عليه يصيح ويقول أنا لست المعلم يعني عيسى لأنهم كانوا يسمونه معلما، وعند الصلب كان يتضجر ويتويل ويقول أنا الذي دللتكم عليه، وكانوا يعهدون في عيسى الحزم والعزم وعدم التذلل، ولأنه حينما وضعوه على المصلبة صار يصيح (إلي إلي لم شبقنى) أي إلهي إلهي لم شنقتني؟
كما هو ثابت بالأناجيل الأربعة التي بيد النصارى الآن راجع الاصحاح ٤٧ من إنجيل متى و ١٥ من إنجيل مرقس، وجاء في بعضها بلفظ الى الى، وبعضها بلفظ إلهي إلهي، بما أوقع الشك في قلوبهم إنه ليس بعيسى لأنهم تحققوا فيه العزم والعزة والصّبر والشهامة، ولا يزال بصيح وهم يلكمونه ويبصقون عليه حتى قضى نحبه جزاء خيانته لعنه الله، وإنما شكوا فيه لأنهم يقولون لو كان عيسى لما تصور منه وقوع هذا الضجر كيف وهو من أولي العزم الذين يسلمون لأمر الله تسليما مطلقا ومما يؤيد عدم صدور ذلك منه قول النصارى بأنه أسلم نفسه ليكفر خطايا أمته ومن يسلم نفسه لذلك القصد باختياره لا يقع منه مثل هذا الكلام «ما لَهُمْ بِهِ» هؤلاء المختلفون بعيسى «مِنْ عِلْمٍ» حقيقي إن هو «إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ» لأن الصورة صورته عنا لا خلاف فيها والكلام غير كلامه، لأنه كثيرا ما جادلوه وهددوه فلم يروا منه إلا صلابة في المدافعة، ولم يأنسوا منه هذا الانخذال والانكسار والتذلل، ولهذا فانهم حينما قتلوه ما كانوا معتقدين أنه هو، ولهذا قال تعالى «وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً» (١٥٧) لما رابهم من تخضعه بالكلام وتمسكنه لهم
стр. 2830
فصلبوه حالة كونهم غير موقنين بأنه عيسى للأسباب المارة، ولأن الحواريين فقدوا صاحبهم ولم يجدوه معهم، ولذلك ترى بعض الأناجيل تسكت عن ذكر يهوذا، وبعضها تقول انه عرف خطيئته فصلب نفسه، والصحيح ما جاء في إنجيل برنابا لأنه موافق لما في القرآن مع القطع بأنه لم يصلب بل رفع إلى السماء وصلب يهوذا الذي ألقي عليه شبهه. ولما صلب المنافق يهوذا التي أشارت الأناجيل الأربعة وإنجيل برنابا إلى نفاقه وخيانته ودلالة اليهود عليه، قال تعالى ما فعلوا شيئا بعيسى «بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ» فلم تقبضه اليهود ولم تصلبه «وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً» غالبا قويا قادرا على تخليص عيسى ورفعه إليه رفعا حقيقيا لا رفع مكانة كما يقول الأحمديون، بل رفع مكان، وهذا الرفع قد يكون بكلمة كن، وبواسطة ملك أو بوضع معراج، تدبر وصدق وآمن، والله قادر على ذلك وعلى إسلام عدوه لأعدائه كي يصلبوه فداء له «حَكِيماً» (١٥٨) بما صنع في ذلك وقد أوضحنا هذا البحث في الآية ٤٣ من سورة آل عمران المارة. قال تعالى «وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ» الموجودين عند نزوله من السماء المنوه به في الآية ٦٠ من سورة الزخرف في ج ٢ فراجعها «إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ» إذ تكون إذ ذاك الأديان كلها دينا واحدا، أي من أهل الكتاب فقط، لأن أهل الأرض لا يتفقون على دين واحد لقوله تعالى (وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ) الآية ١١٨ من سورة هود في ج ٢ «وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ» السيد عيسى ﵇ «عَلَيْهِمْ» أي أهل الكتابين «شَهِيداً» (١٥٩) بما وقع منهم عليه وبما نسبوه إليه من كونه إلها أو ابن الإله أو ثالث ثلاثة أو هو جوهر واحد إلخ كما سيأتي. قال تعالى «فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ» وهي المذكورة في الآية ١٤٥ من سورة الأنعام في ج ٢ «وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً» (١٦٠) من الناس إذ منعوهم عن الإيمان بمحمد ﷺ وبكتابه العظيم
«وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ» من قبل نبيهم وهذه الآية الرابعة بشأن الربا لا حكم فيها، إلا أنها تفيد الإخبار بقبح أعمال اليهود التي من جملتها تعاطي الربا، وقد أوضحنا ما يتعلق فيه في الآية ١٧٥ من آل عمران فراجعها.
ت (٤٠)
стр. 2831
«وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ» ظلما بغير حق، وبهذه الأسباب الأربعة شددنا عقوبتهم لكفرهم بتعاليم رسولهم وكتابهم «وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً» (١٦١) وإنما قال تعالى منهم لعلمه أن منهم من يؤمن بعد. قال تعالى «لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ» المتوغلون في حقائقة، كعبد الله بن سلام وأصحابه «وَالْمُؤْمِنُونَ» بالله ورسله «يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ» يا سيد الرسل «وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ» يصدقون به ويؤمنون إيمانا كاملا به «وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ» قرىء بالنصب على الاختصاص أو المدح وبالرفع عطف على المؤمنين «وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ» بالرفع عطفا على المؤمنين أيضا «وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ» المتصفون بهذه الصفات «سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً» في الآخرة لا تقدر قدره عقولهم، لأنه فوق ما يتصورون مكافأة لإيمانهم هذا بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. قال تعالى «إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ» الاثني عشر أولاد يعقوب ﵇، ونظير هذه الآية الآية ١١٢ من سورة الشورى في ج ٢، ولم يذكر الله تعالى موسى ﵇، لأنه أعطي التوراة جملة واحدة والذين ذكرهم من الأنبياء لم تنزل عليهم كتبهم دفعة واحدة كمحمد ﷺ وعليهم أجمعين، ولذلك ذكرهم في معرض سؤالهم السابق «وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً» (١٦٣) «وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ» نزول هذه السورة «وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ» بعد وهم كثيرون. سأل أبو ذر رسول الله ﷺ عن الأنبياء، فقال مئة الف وأربعة وعشرون الفا، قال كم الرسل منهم؟ قال ثلاثمائة وثلاثة عشر أولهم آدم وآخرهم محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، منهم العرب الأقدمون أربعة هود وصالح وشعيب وإسماعيل، إذ تعلم العربية من جرهم، وقد أرسل إليهم وخاتمهم محمد ﷺ ، وقد بينا ما يتعلق بهذا في الآية ٨٤ من سورة الأنعام ج ٢ «وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً» (١٦٤) وجعلناهم كلهم أنبياء لأنفسهم وجعلنا منهم «رُسُلًا
стр. 2832
مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ»
فلا يقولون ما جاءنا من رسول يا ربنا يرشدنا. ولولا أرسلت إلينا رسولا يأمرنا وينهانا لأطعناه، وقد تكرر قولهم هذا في القرآن عند كل مناسبة، فكان إرسالهم قطعا لمعذرتهم هذه «وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً» (١٦٥) بإرسال الرسل وإنزال الكتب لقطع حجج الخلق. ولما قال مسكين بن عدي بن زيد ما نعلم أن الله أنزل على بشر من شيء بعد موسى فكيف تدعي يا محمد إنزال القرآن عليك من قبل الله أنزل الله هذه الآية وأعقبها بقوله «لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ» يا سيد الرسل من القرآن، لأنه «أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ» لك على ذلك «وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً» (١٦٦) عن خلقه أجمعين. ونظير هذه الآية الآية ٩٢ من سورة الأنعام المارة في ج ٢ من حيث المعنى ونظير الآية قبلها الآية ٦٥ من سورة المؤمن ونظير الآية قبلها الآية ٢، من سورة الأنعام من حيث تعداد الرسل في ج ٢ أيضا قال تعالى «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» بإلقاء الشبهات للناس حتى منعوهم عن الإيمان «قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً» (١٦٧) عن طريق الهدى إلى غياهب الجهل وزادوا على ضلالهم إضلال غيرهم، ونظير هذه الآية الآية ٨٧. من سورة النحل في ج ٢ «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا» غيرهم بسوقهم إلى الكفر «لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ» ولا يهيء لهم بابا إلى المغفرة، لأنّهم عضدوا الكفر بالظلم، ولهذا قال تعالى «وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً» (١٦٨) إلى النجاة «إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ» المؤدي بهم إلى عذابها «خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً» (١٦٩) سهلا لا صارف لهم عنه، وهذا تحقير لأمرهم، وبيان بأنه تعالى لا يعبأ بهم ولا يبالي، ثم خاطب تعالى العقلاء كافة بصورة عامة تشمل المؤمنين وأهل الكتابين والمنافقين والكافرين أجمع بقوله جل قوله «يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ» محمد ﷺ لأنه المعهود الموجه إليه هذا الخطاب والمقصود به هو دون غيره مجيبا متلبسا «بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا» به وانقادوا لأمره وصدقوه بما جاءكم يكون «خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا» به وتجحدوه وتنكروا ما جاءكم به من
стр. 2833
البينات «فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» ملكا
وعبيدا وفيهما من غيركم من يؤمن به ويصدق ما جاء به وهو غني عنكم «وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً» بمن يهديه ويؤمن به ويصدق رسوله «حَكِيماً» (١٧٠) بمن يضله ويعميه عن رؤية الحق وسلوك سبيله
ولما قالت طائفتا اليعقوبية والملكاتية من النصارى أن عيسى هو الله وقالت النسطورية هو ابن الله، وقالت المرقوسية ثالث ثلاثة، وقالت فرقة أخرى هو جوهر واحد عبارة عن ثلاثة أقانيم الآب والابن وروح القدس. واعلم أن الأقنوم كلمة رومية معناها هو أن الإله في زعمهم مركب من ثلاثة أصول، ويريدون باقنوم الأب الذات، وأقنوم الابن عيسى، وأقنوم روح القدس الحياة الحالة فيه وإن له ﵇ طبعتين ناسوتية من قبيل أمه نسبة للناس ولا هويته من قبل أبيه نسبة للإله، تعالى الله عن ذلك، والذي دسّ هذا في دين النصارى رجل يهودي اسمه بولص تنصّر وألف الإنجيل ونسبه كله إلى سيدنا عيسى بقصد إضلال النصارى عن دينهم الحق قبل البعثة المحمدية. ولهذا البحث صلة ضافية في الآية ٧٢ من سورة المائدة والآية ٣١ من سورة التوبة الآتيتين فراجعهما تجد فيهما ما ينشرح صدرك إن شاء الله، فأنزل الله ردا لهذه الأقوال الواهية قوله «يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ» وتتجاوزوا حده فتدخلوا فيه ما ليس منه، وبالعكس فتحطوه عن منزلته وتنقصوا قدره بنسبة ما ليس منه إليه افتراء على الله وبهتا على رسوله، واحذروا أن تتبعوا أهواء أنفسكم فيه «وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ» الذي أنزله إليكم وهو «إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ» ليس بإله ولا بابن للاله ولا ثالث ثلاثة ولا أقنوما «وَكَلِمَتُهُ» التي هي لفظ كن بشرا من مريم بغير أب ولا واسطة، وهذه الكلمة هي التي «أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ» بواسطة أمينه جبريل ﵇ «وَرُوحٌ مِنْهُ» كسائر الأرواح المخلوقة بخلقه، وإنما أضافه لنفسه الكريم تكريما له وتشريفا لشأنه كما يقال بيت الله وناقة الله، لأن الله خلق جميع الأرواح وجعلها في صلب آدم وأمسك روح عيسى عنده ثم أرسلها عند إرادته خلقه وابرازه هاديا لعباده مع جبريل فنفخها في جيب درع مريم العذراء الطاهرة الزكية، فحملت به وولدته
стр. 2834
كما تلد النساء بشرا سويا كريما شريفا زكيا، كما مر في الآية ١٦ فما بعدها من سورة مريم في ج ١ والآية ٤٦ فما بعدها من آل عمران المارة، وروحه روح طاهرة مقدسة عالية، روى البخاري ومسلم عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله ﷺ من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبده ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه والجنة والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان له من العمل. ثم دعا خلقه لما به فلاحهم ونجاحهم فأمرهم بقوله «فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ» كلهم ولا تفرقوا بين أحد منهم «وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ» كما يقوله بعض النصارى «انْتَهُوا» أيها النصارى كلكم نهيا قطعيا بتا عن هذه المقالة يكون «خَيْراً لَكُمْ» لأنها كلمة كفر وشرك منزه عنها جلال الله «إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ» فرد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكافئه أحد، ليس بأقانيم ثلاثة ولا حلّت ذاته في أحد من خلقه، تعالت ذاته وتقدست وتنزهت عن ذلك «سُبْحانَهُ» وهو المبرأ من «أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ» أو يكون والدا لأحد «لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ» يتصرف فيهما ومن فيهما كيف يشاء، ومن كان كذلك لا يعقل أن تكون له زوجة أو يكون له ولد أو معاون أو شريك، فهو المنفرد في ملكه وخلقه الوكيل عليهم وحده «وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا» (١٧١) في تدبير خلقه وملكه ويحتاج إليه كل خلقه ناميه وجامده، وهو غني عنهم. واعلموا أيها الناس أنهَ نْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ»
بل يتشرف بعبوديته كسائر إخوانه الأنبياء. نزلت هذه الآية حينما قالت النصارى يا محمد إنك تعيب صاحبنا فنقول عبد الله وهو يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص ويمشي على الماء وله خوارق يعجز عنها البشر! يريدون أن من كان من خلق الله وقد شرفه بتلك المعجزات وخصه بتلك الكرامات عار عليه اسم العبودية. كلا أيها النصارى ليست بعار، وإنما هي شرف له، وهو نفسه لا يأنف منها ولا يتعظم على ربه لا هو ولا غيره، َ لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ»
مثل جبريل واسرافيل وميكائيل وعزرائيل وحملة العرش والكروبيين وغيرهم، فكلهم يتشرفون بصفة العبودية له جل
جلاله. هذا ولا دليل في هذه الآية لمن يقول
стр. 2835
بتفضيل الملائكة على البشر أجمع، لأن الله تعالى ترقى بكلامه العظيم البالغ من جنس البشر إلى جنس الملائكة، ولم يقل هذا رفعا لمقام الملائكة على البشر، بل هو ردّ على من يقول إن الملائكة بنات الله، أو أنهم آلهة، كما ردّ على النصارى قولهم أن المسيح بن الله، وهو رد أيضا على النصارى لأنهم يقولون بتفضيل الملائكة والمراد في هذه الآية هو أنه كما أن المسيح عبد الله فالملائكة عبيده أيضا، ويتشرفون بنسبة عبوديتهم لعزتهَ مَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ»
يا ويله من يوم الحساب يوم يبعثهمَ سَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً»
(١٧٢) ويجازيهم في ذلك اليوم الذي لا يملكون لأنفسهم فيه نفعا، ويعذبهم بالحسرة والغم عند ما يرون ما يناله عباده المطيعون الخاضعون. وفي هذه الآية من التهديد والوعيد ما لا يخفى، ألا فليحذر المخالفون. قال تعالى «فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ» زيادة لا يقدر قدرها غيره «وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا» عن عبادته «فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً» لا تطيقه أجسادهم ولا تتصوره عقولهم ولا يخطر كنهه على بالهم ولا يقيهم منه شيء بدا «وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً» (١٧٣) يتولاهم أو يدفع عنهم شيئا من عقابهم. قال تعالى «يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ» هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ليبرهن على وحدانيتنا وإبطال الشرك والتثليث ونفي الولد والصاحبة بآيات مبينات تشرح قلب المؤمن بالتصديق وتبهر المنكر بالإعجاز بما أعطيناه من المعجزات الباهرات، ولهذا سماه الله برهانا لأن البرهان دليل على إقامة الحق وإبطال الباطل وهو كذلك، لأن الله جعله حجة قاطعة لإعذار جميع الخلق «وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ» أيها الناس مع ذلك البرهان الجليل «نُوراً مُبِيناً» (١٧٤) قرآنا ظاهرا تبينت فيه الأحكام كما تتبين الأشياء بالنور، وقد سماه نورا لأن المتحير يستضيء به فيزيل حيرته، ولأنه سبب لوقوع نور الإيمان بالقلب الذي هو أعظم الأنوار وأكرم مضغة في الجسد وهو منبع الهداية ومعدن الرشد. قال تعالى «فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ» عن كل خلقه فعبدوه وحده «فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ
стр. 2836
مِنْهُ وَفَضْلٍ»
لم تره عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على قلب بشر شيء عظيم من رب عظيم «وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً» (١٧٥) يسددهم إلى سلوك منهج النعم عليهم ويرشدهم لدينه الذي ارتضاه لهم. قال تعالى «يَسْتَفْتُونَكَ» يا سيد الرسل في نوع آخر في الميراث، وهنا حذف المستفتى عنه اغتناء بالجواب المنبئ عنه المبين بقوله عز قوله يا سيد الرسل «قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ» تقدم معناها في الآية ١١ المارة وقد بينها الله بقوله «إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ» ولا والد ولا حفيد ولا جد «وَلَهُ أُخْتٌ» من أبيه أو شقيقته «فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ» فرضا والنصف الآخر يكون لها ردا عند أبي حنيفة لعدم وجود عصبة لها، وهو كذلك عند عامة أهل العراق، وعند الشافعي يكون لبيت المال، وإذا كان معها بنت كان النصف الآخر للبنت فرضا والنصف العائد لها تأخذه بطريق التعصيب، لأن الأخوات يكنّ مع البنات عصبة، ويسمى هذا التعصب عصبة بغيره، أما الإخوة فهم عصبة بأنفسهم «وَهُوَ» أي الهالك لو هلكت أخته قبله «يَرِثُها» فيأخذ كل مالها «إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ» والأخ الشقيق أو الأب سواء، أما الأخ لأم فقد تقدم حكمه في الآية ١٢ المارة وهو بأنه يأخذ السدس إذا كان واحدا، والثلث إذا كانوا أكثر ذكورهم وأناثهم سواء فيه. أما الأخ الشقيق أو لأب فإنه يأخذ كل المال في مثل هذه المسألة، أما الأخ أو الإخوة لأم فما يفضل عن سهامهم يعود لبيت المال إذا لم يكن للميت عصبة أو أرحام غيرهم، وإن كان للهالكة ولد فإنه يأخذ جميع المال وحده في مسألة كهذه، وكذلك إذا كان لها أب فقط فيأخذ المال كله. «فَإِنْ كانَتَا» الأخوات «اثْنَتَيْنِ» فأكثر وكانتا لأب أو لأبوين «فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ» أخوهما والباقي لعصبته إذا كان هناك عصبة من عم أو ابنه أو ابن أخ، وإلّا فيأخذان الباقي بطريق الردّ «وَإِنْ كانُوا» أي الوارثون «إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ» من الميراث حظ «مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» كما تقدم في الآية ١٠ المارة «يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ» أيها الناس هذه الأحكام لتعملوا بها خشية «أَنْ تَضِلُّوا» طريق الصواب ومخافة أن تزيغوا
عن هذه الأحكام فتكونوا
стр. 2837
ضلالا لا تعرفون حقكم من حق غيركم فتأكلوه حراما أو تضيعوه حلالا. فتعلموا هذا وأتقنوه واعملوا به «وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» (١٧٦) واتقوا الله ويعلمكم واسترشدوه واجعلوا سركم كعلانيتكم، فإن علمه محيط بكم لا يخفى عليه شيء من أمركم روى البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله قال مرضت فأتاني رسول الله ﷺ وأبو بكر يعودانني ماشيين فأغمي عليّ فتوضأ النبي ﷺ ثم صبّ علي من وضوئه.
فأفقت فإذا النبي ﷺ ، فقلت يا رسول الله كيف أصنع في مالي كيف أقضي في مالي؟ فلم يرد علي شيئا حتى نزلت هذه الآية. وفي رواية قلت يا رسول الله إنما يرثني كلالة، فنزلت. وفي رواية الترمذي كان لي تسع أخوات فنزلت.
ولأبي ذرّ قال اشتكيت وعندي سبع أخوات فدخل النبي ﷺ فنفخ في وجهي فأفقت، فقلت يا رسول الله ألا أوصي لأخواتي بالثلثين؟ قال أحسن، قلت بالشطر؟
قال أحسن: ثم خرج وتركني، فقال يا جابر لا أراك ميتا من وجعك هذا، وإن الله قد أنزل فبين الذي لأخواتك، فجعل لهن الثلثين. وقد مر أن الوصية بالثلث كثير راجع الآية ١٨ المارة والآية ١٨٢ من سورة البقرة المارة. قال فكان جابر يقول في أنزلت هذه الآية وهنا معجزة لحضرة الرسول، لأن جابر المذكور لم يمت في مرضه ذلك كما أخبره ﷺ وهو في حالة غلب على ظنّه الوفاة فيها، ولذلك سأل حضرة الرسول عما يوصي به لأخواته. هذا والله أعلم، واستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وأصحابه وأتباعه أجمعين، صلاة وسلاما دائمين إلى يوم الدين.
стр. 2838
[الجزء السادس]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تفسير سورة الزلزلة عدد ٧- ٩٣- ٩٨
نزلت بالمدينة بعد النّساء، وهي ثماني آيات، وخمس وثلاثون كلمة، ومئة وتسعة وأربعون حرفا، لا ناسخ ولا منسوخ فيها، ومثلها في عدد الآي سورة الانشراح والتين والتكاثر، ولا يوجد سورة مختومة بما ختمت به، ويوجد سورة المنافقين والفتح في القسم المدني مبدوءة بما بدئت به وأيضا في المكي الانشقاق والانفطار والتكوير.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال تعالى «إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها» (١) أي تحركت ومادت في مكانها واضطربت اضطرابا شديدا، وذلك عند قيام السّاعة إذ ينخلع كلّ ما عليها من جبل وشجر وبناء ويسوى فيما نخفض منها من وديان ومغاور وبحور وأنهار وعيون وحفر وغيرها «وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها» (٢) مما دفن فيها من الموتى للبعث والحساب، ومن قال إن هذه الزلزلة في الدّنيا أول معنى أثقالها بكنوزها الدّفينة فيها، ولكنه ليس بشيء لأن الآيات بعدها ينفين هذا المعنى ويثبتن ما جرينا عليه، أما استدلال هذا القائل بما رواه أبو هريرة من أن النّبي ﷺ قال تقيء الأرض أفلاذ كبدها (جمع فلذة القطعة المستطيلة وقد شبه ما يخرج منها باقطاع كبدها لاستتار الكبد بالجوف واستعار القيء للاخراج بجامع الظّهور في كل) أمثال الاسطوانة من الذهب والفضة فيجيء القاتل فيقول في هذا قتلت ويجيء القاطع فيقول في هذا قطعت رحمي، ويجيء السّارق فيقول في هذا قطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئا. أخرجه مسلم، لا يؤيد قوله هذا، لأن ما ذكر فيه يكون آخر الزمان قبل النّفخة الأولى بكثير أي بعد نزول عيسى ﵇، إذ جاء في الخبر أنه إذ ذاك يفيض المال فلا
стр. 2839
يقبله أحد لغناه عنه. ومما يؤيد ما ذكرناه بان المراد الزلزلة الأخيرة عند الصّيحة الثانية للبعث قوله تعالى «وَقالَ الْإِنْسانُ» مبتهرا مما رأى «ما لَها» (٣) ما بال هذه الأرض أي شيء حدا بها حتى تحركت هذه الحركة العظيمة وقذفت ما في بطنها من هذه الأجساد، والقائل المستفهم هو الكافر على حد قوله تعالى (مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا) الآية ٥٢ من سورة يس في ج ١، لأنه لا يؤمن بالبعث، ويقول المؤمن عند ذلك (هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) تتمة الآية ٥٢ منها أيضا جوابا لذلك المنكر القائل من بعثنا، وعلى قول القائل انها في الدّنيا يكون القول والاستفهام من المؤمن والكافر، وتكون الزلزلة من أشراط السّاعة، لا أنهم لا يعلمون ما هي فيتساءلون عنها والأوّل أولى، ويؤكده قوله تعالى «يَوْمَئِذٍ» يوم تقع هذه الزلزلة لأن التنوين هنا للعوض والمعوض يكون عن جملة كما هنا، ويكون عن كلمة وعن حرف في مواضع أخرى «تُحَدِّثُ» الخلائق «أَخْبارَها» (٤) بما عملت في الدّنيا على ظهرها من خير أو شر فضلا عن أن أحدا لا يقدر أن ينكر شيئا فعله لعظيم ما يلحقه من الخوف والفزع فيتذكر كلّ شيء فعله بزمانه ومكانه، إذ يخلق الله تعالى عند إنكار العبد ما فعله قوة في أعضائه فتشهد كلّ منها بما وقع منها على أصحابها، كما يخلق هذه القوة في الأوثان أيضا تشهد على عابديها قال أبو هريرة قرأ ﷺ هذه الآية فقال أتدرون ما أخبارها؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال إن أخبارها أن تشهد على كلّ عبد وأمة بما عمل على ظهرها، تقول عمل فلان يوم كذا وكذا كذا وكذا، فهذه أخبارها أخرجه الترمذي، وقد خلق الله فيها النّطق مع أنها جماد راجع الآية ٣٠ من آل عمران المارة، إذ تمثل فيها الأعمال الدّنيوية كما وقعت، والأقوال أيضا، وذلك «بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها» (٥) بذلك فاستجابت لأمره وتكلمت، وذلك أن الله تعالى يخلق فيها الحياة والعقل والنّطق لتخبر بما أمرت به، لأن ضمير تحدث يعود إليها، وعلى هذا أهل السّنة والجماعة «يَوْمَئِذٍ» يوم تحدث الأرض النّاس أخبارها بما فعلوا عليها «يَصْدُرُ النَّاسُ» بعد قيامهم من قبورهم وذهابهم للعرض على ربهم لإجراء حسابهم على أعمالهم يذهبون «أَشْتاتاً» متفرقين منهم من يؤخذ به ذات اليمين
стр. 2840
إلى الجنّة، ومنهم من يذهب به ذات الشّمال إلى النّار وذلك عند قوله تعالى، (وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ) الآية ٦٠ من سورة يس في ج ١ أيضا أي افترقوا عن المؤمنين، وإنما يأمر النّاس ربّهم بالصدور عن موقفهم «لِيُرَوْا» جزاء «أَعْمالَهُمْ» (٦) التي فعلوها بالدنيا، ولهذا يقول ﷻ «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ» في الدّنيا والذرة ما يلصق باليد من التراب النّاعم، والهباء الذي يرى بين مشرق الشّمس من الكوة إلى أرض الدّار، وتفسيرها بهذا أولى من تفسيرها بالنملة الصّغيرة، لأنها ذرات كثيرة. واعلموا أيها النّاس أن من يفعل قدر هذه الذرة الآن «خَيْراً يَرَهُ» (٧) خيرا كثيرا مضاعفا في الآخرة ويعطيه الله أجرا كبيرا عليه لم يكن يحلم به ولم تخطر بباله عظمته «وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ» في دنياه
ولو أنه لم يلق إليها بالا، لأن الذنب الصّغير إذا استصغره فاعله يكون عظيما وباله «شَرًّا يَرَهُ» (٨) شرا مستطيرا في الآخرة، وبمثله جزاؤه إذا لم يستحقره، فعلى العاقل أن يستحقر ما يفعله من الخير ليعظم الله له أجره عليه، وأن يستعظم ما يفعله من الشّر ليهون الله عليه وزره في الآخرة.
واعلم أن آخر هذه السّورة يؤيد ويؤكد ما جرينا عليه من أن المراد بالزلزلة هي زلزلة الآخرة، أجارنا الله من أهوالها، وآمننا من عذابها بحرمة سيد أنبيائه وجاهه على نفسه. قال ابن مسعود أحكم آية في القرآن هذه الآية، وسماها رسول الله ﷺ الجامعة. قال الرّبيع بن هيثم مرّ رجل بالحسن وهو يقرأ هذه السورة، فلما بلغ آخرها قال حسبي الله قد انتهت الموعظة. هذا والله أعلم، وأستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وأصحابه وأتباعه أجمعين، صلاة وسلاما دائمين إلى يوم الدّين.
تفسير سورة الحديد عدد ٨- ٩٤- ٥٧
نزلت بالمدينة بعد الزلزلة، وهي تسع وعشرون آية، وخمسمائة وأربع وأربعون كلمة، وألفان وأربعمائة وستة وسبعون حرفا، لا ناسخ ولا منسوخ فيها، ومثلها في عدد الآي التكوير والفتح وتقدم بيان السّور المبدوءة بما بدئت فيه في سورة الأعلى، والتي ختمت به في سورة الواقعة ج ١.
следующие страницы →