Полный текст (3 362 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.
стр. 2836
مِنْهُ وَفَضْلٍ»
لم تره عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على قلب بشر شيء عظيم من رب عظيم «وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً» (١٧٥) يسددهم إلى سلوك منهج النعم عليهم ويرشدهم لدينه الذي ارتضاه لهم. قال تعالى «يَسْتَفْتُونَكَ» يا سيد الرسل في نوع آخر في الميراث، وهنا حذف المستفتى عنه اغتناء بالجواب المنبئ عنه المبين بقوله عز قوله يا سيد الرسل «قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ» تقدم معناها في الآية ١١ المارة وقد بينها الله بقوله «إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ» ولا والد ولا حفيد ولا جد «وَلَهُ أُخْتٌ» من أبيه أو شقيقته «فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ» فرضا والنصف الآخر يكون لها ردا عند أبي حنيفة لعدم وجود عصبة لها، وهو كذلك عند عامة أهل العراق، وعند الشافعي يكون لبيت المال، وإذا كان معها بنت كان النصف الآخر للبنت فرضا والنصف العائد لها تأخذه بطريق التعصيب، لأن الأخوات يكنّ مع البنات عصبة، ويسمى هذا التعصب عصبة بغيره، أما الإخوة فهم عصبة بأنفسهم «وَهُوَ» أي الهالك لو هلكت أخته قبله «يَرِثُها» فيأخذ كل مالها «إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ» والأخ الشقيق أو الأب سواء، أما الأخ لأم فقد تقدم حكمه في الآية ١٢ المارة وهو بأنه يأخذ السدس إذا كان واحدا، والثلث إذا كانوا أكثر ذكورهم وأناثهم سواء فيه. أما الأخ الشقيق أو لأب فإنه يأخذ كل المال في مثل هذه المسألة، أما الأخ أو الإخوة لأم فما يفضل عن سهامهم يعود لبيت المال إذا لم يكن للميت عصبة أو أرحام غيرهم، وإن كان للهالكة ولد فإنه يأخذ جميع المال وحده في مسألة كهذه، وكذلك إذا كان لها أب فقط فيأخذ المال كله. «فَإِنْ كانَتَا» الأخوات «اثْنَتَيْنِ» فأكثر وكانتا لأب أو لأبوين «فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ» أخوهما والباقي لعصبته إذا كان هناك عصبة من عم أو ابنه أو ابن أخ، وإلّا فيأخذان الباقي بطريق الردّ «وَإِنْ كانُوا» أي الوارثون «إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ» من الميراث حظ «مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» كما تقدم في الآية ١٠ المارة «يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ» أيها الناس هذه الأحكام لتعملوا بها خشية «أَنْ تَضِلُّوا» طريق الصواب ومخافة أن تزيغوا
عن هذه الأحكام فتكونوا
стр. 2837
ضلالا لا تعرفون حقكم من حق غيركم فتأكلوه حراما أو تضيعوه حلالا. فتعلموا هذا وأتقنوه واعملوا به «وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» (١٧٦) واتقوا الله ويعلمكم واسترشدوه واجعلوا سركم كعلانيتكم، فإن علمه محيط بكم لا يخفى عليه شيء من أمركم روى البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله قال مرضت فأتاني رسول الله ﷺ وأبو بكر يعودانني ماشيين فأغمي عليّ فتوضأ النبي ﷺ ثم صبّ علي من وضوئه.
فأفقت فإذا النبي ﷺ ، فقلت يا رسول الله كيف أصنع في مالي كيف أقضي في مالي؟ فلم يرد علي شيئا حتى نزلت هذه الآية. وفي رواية قلت يا رسول الله إنما يرثني كلالة، فنزلت. وفي رواية الترمذي كان لي تسع أخوات فنزلت.
ولأبي ذرّ قال اشتكيت وعندي سبع أخوات فدخل النبي ﷺ فنفخ في وجهي فأفقت، فقلت يا رسول الله ألا أوصي لأخواتي بالثلثين؟ قال أحسن، قلت بالشطر؟
قال أحسن: ثم خرج وتركني، فقال يا جابر لا أراك ميتا من وجعك هذا، وإن الله قد أنزل فبين الذي لأخواتك، فجعل لهن الثلثين. وقد مر أن الوصية بالثلث كثير راجع الآية ١٨ المارة والآية ١٨٢ من سورة البقرة المارة. قال فكان جابر يقول في أنزلت هذه الآية وهنا معجزة لحضرة الرسول، لأن جابر المذكور لم يمت في مرضه ذلك كما أخبره ﷺ وهو في حالة غلب على ظنّه الوفاة فيها، ولذلك سأل حضرة الرسول عما يوصي به لأخواته. هذا والله أعلم، واستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وأصحابه وأتباعه أجمعين، صلاة وسلاما دائمين إلى يوم الدين.
стр. 2838
[الجزء السادس]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تفسير سورة الزلزلة عدد ٧- ٩٣- ٩٨
نزلت بالمدينة بعد النّساء، وهي ثماني آيات، وخمس وثلاثون كلمة، ومئة وتسعة وأربعون حرفا، لا ناسخ ولا منسوخ فيها، ومثلها في عدد الآي سورة الانشراح والتين والتكاثر، ولا يوجد سورة مختومة بما ختمت به، ويوجد سورة المنافقين والفتح في القسم المدني مبدوءة بما بدئت به وأيضا في المكي الانشقاق والانفطار والتكوير.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال تعالى «إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها» (١) أي تحركت ومادت في مكانها واضطربت اضطرابا شديدا، وذلك عند قيام السّاعة إذ ينخلع كلّ ما عليها من جبل وشجر وبناء ويسوى فيما نخفض منها من وديان ومغاور وبحور وأنهار وعيون وحفر وغيرها «وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها» (٢) مما دفن فيها من الموتى للبعث والحساب، ومن قال إن هذه الزلزلة في الدّنيا أول معنى أثقالها بكنوزها الدّفينة فيها، ولكنه ليس بشيء لأن الآيات بعدها ينفين هذا المعنى ويثبتن ما جرينا عليه، أما استدلال هذا القائل بما رواه أبو هريرة من أن النّبي ﷺ قال تقيء الأرض أفلاذ كبدها (جمع فلذة القطعة المستطيلة وقد شبه ما يخرج منها باقطاع كبدها لاستتار الكبد بالجوف واستعار القيء للاخراج بجامع الظّهور في كل) أمثال الاسطوانة من الذهب والفضة فيجيء القاتل فيقول في هذا قتلت ويجيء القاطع فيقول في هذا قطعت رحمي، ويجيء السّارق فيقول في هذا قطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئا. أخرجه مسلم، لا يؤيد قوله هذا، لأن ما ذكر فيه يكون آخر الزمان قبل النّفخة الأولى بكثير أي بعد نزول عيسى ﵇، إذ جاء في الخبر أنه إذ ذاك يفيض المال فلا
стр. 2839
يقبله أحد لغناه عنه. ومما يؤيد ما ذكرناه بان المراد الزلزلة الأخيرة عند الصّيحة الثانية للبعث قوله تعالى «وَقالَ الْإِنْسانُ» مبتهرا مما رأى «ما لَها» (٣) ما بال هذه الأرض أي شيء حدا بها حتى تحركت هذه الحركة العظيمة وقذفت ما في بطنها من هذه الأجساد، والقائل المستفهم هو الكافر على حد قوله تعالى (مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا) الآية ٥٢ من سورة يس في ج ١، لأنه لا يؤمن بالبعث، ويقول المؤمن عند ذلك (هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) تتمة الآية ٥٢ منها أيضا جوابا لذلك المنكر القائل من بعثنا، وعلى قول القائل انها في الدّنيا يكون القول والاستفهام من المؤمن والكافر، وتكون الزلزلة من أشراط السّاعة، لا أنهم لا يعلمون ما هي فيتساءلون عنها والأوّل أولى، ويؤكده قوله تعالى «يَوْمَئِذٍ» يوم تقع هذه الزلزلة لأن التنوين هنا للعوض والمعوض يكون عن جملة كما هنا، ويكون عن كلمة وعن حرف في مواضع أخرى «تُحَدِّثُ» الخلائق «أَخْبارَها» (٤) بما عملت في الدّنيا على ظهرها من خير أو شر فضلا عن أن أحدا لا يقدر أن ينكر شيئا فعله لعظيم ما يلحقه من الخوف والفزع فيتذكر كلّ شيء فعله بزمانه ومكانه، إذ يخلق الله تعالى عند إنكار العبد ما فعله قوة في أعضائه فتشهد كلّ منها بما وقع منها على أصحابها، كما يخلق هذه القوة في الأوثان أيضا تشهد على عابديها قال أبو هريرة قرأ ﷺ هذه الآية فقال أتدرون ما أخبارها؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال إن أخبارها أن تشهد على كلّ عبد وأمة بما عمل على ظهرها، تقول عمل فلان يوم كذا وكذا كذا وكذا، فهذه أخبارها أخرجه الترمذي، وقد خلق الله فيها النّطق مع أنها جماد راجع الآية ٣٠ من آل عمران المارة، إذ تمثل فيها الأعمال الدّنيوية كما وقعت، والأقوال أيضا، وذلك «بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها» (٥) بذلك فاستجابت لأمره وتكلمت، وذلك أن الله تعالى يخلق فيها الحياة والعقل والنّطق لتخبر بما أمرت به، لأن ضمير تحدث يعود إليها، وعلى هذا أهل السّنة والجماعة «يَوْمَئِذٍ» يوم تحدث الأرض النّاس أخبارها بما فعلوا عليها «يَصْدُرُ النَّاسُ» بعد قيامهم من قبورهم وذهابهم للعرض على ربهم لإجراء حسابهم على أعمالهم يذهبون «أَشْتاتاً» متفرقين منهم من يؤخذ به ذات اليمين
стр. 2840
إلى الجنّة، ومنهم من يذهب به ذات الشّمال إلى النّار وذلك عند قوله تعالى، (وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ) الآية ٦٠ من سورة يس في ج ١ أيضا أي افترقوا عن المؤمنين، وإنما يأمر النّاس ربّهم بالصدور عن موقفهم «لِيُرَوْا» جزاء «أَعْمالَهُمْ» (٦) التي فعلوها بالدنيا، ولهذا يقول ﷻ «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ» في الدّنيا والذرة ما يلصق باليد من التراب النّاعم، والهباء الذي يرى بين مشرق الشّمس من الكوة إلى أرض الدّار، وتفسيرها بهذا أولى من تفسيرها بالنملة الصّغيرة، لأنها ذرات كثيرة. واعلموا أيها النّاس أن من يفعل قدر هذه الذرة الآن «خَيْراً يَرَهُ» (٧) خيرا كثيرا مضاعفا في الآخرة ويعطيه الله أجرا كبيرا عليه لم يكن يحلم به ولم تخطر بباله عظمته «وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ» في دنياه
ولو أنه لم يلق إليها بالا، لأن الذنب الصّغير إذا استصغره فاعله يكون عظيما وباله «شَرًّا يَرَهُ» (٨) شرا مستطيرا في الآخرة، وبمثله جزاؤه إذا لم يستحقره، فعلى العاقل أن يستحقر ما يفعله من الخير ليعظم الله له أجره عليه، وأن يستعظم ما يفعله من الشّر ليهون الله عليه وزره في الآخرة.
واعلم أن آخر هذه السّورة يؤيد ويؤكد ما جرينا عليه من أن المراد بالزلزلة هي زلزلة الآخرة، أجارنا الله من أهوالها، وآمننا من عذابها بحرمة سيد أنبيائه وجاهه على نفسه. قال ابن مسعود أحكم آية في القرآن هذه الآية، وسماها رسول الله ﷺ الجامعة. قال الرّبيع بن هيثم مرّ رجل بالحسن وهو يقرأ هذه السورة، فلما بلغ آخرها قال حسبي الله قد انتهت الموعظة. هذا والله أعلم، وأستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وأصحابه وأتباعه أجمعين، صلاة وسلاما دائمين إلى يوم الدّين.
تفسير سورة الحديد عدد ٨- ٩٤- ٥٧
نزلت بالمدينة بعد الزلزلة، وهي تسع وعشرون آية، وخمسمائة وأربع وأربعون كلمة، وألفان وأربعمائة وستة وسبعون حرفا، لا ناسخ ولا منسوخ فيها، ومثلها في عدد الآي التكوير والفتح وتقدم بيان السّور المبدوءة بما بدئت فيه في سورة الأعلى، والتي ختمت به في سورة الواقعة ج ١.
стр. 2841
مطلب أنواع التسبيح والقرض الحسن وما نزل في أبي بكر ﵁ والفتلة في طريقة المولوية والقرض الحسن:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال تعالى «سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ١ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (٢) تقدم تفسير مثلها غير مرة واعلم أن التسبيح أقسام: تسبيح العقلاء وهو تنزيه الله تعالى عن كلّ شيء، وعما لا يليق بجنابه وجلاله، وتسبيح النّاميات من ذوات الأرواح قولها بلغتها قال تعالى (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) الآية ٤٥ من سورة الإسراء ج ١، فالأول بلسان القال والثاني بلسان الحال، والثالث بلسان الهيئة جلت عظمته، وسيأتي لهذا البحث صلة أول سورة الجمعة الآتية فراجعه.
وهذا المسبح في كلّ لسان قالي أو حالي أو هيئتي «هُوَ الْأَوَّلُ» بلا ابتداء قبل كلّ شيء «وَالْآخِرُ» بلا انتهاء بعد كلّ شيء «وَالظَّاهِرُ» الذي لا يرى في الدّنيا لكمال ظهوره على كلّ شيء، قال الأبوصيري ﵀:
واختفى منهم على قرب مرآه ... ومن شدة الظّهور الخفاء
«وَالْباطِنُ» في كلّ شيء ولا يدركه شيء «وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» (٣) خفية وجلية جهره وسره كتمه وعلانيته، روى مسلم عن سهل بن أبي صالح قال كان أبو صالح يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام أن يضطجع على شقه الأيمن ثم يقول اللهم رب السّموات والأرض ورب العرش العظيم ربنا ورب كلّ شيء، أنت الأوّل فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظّاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدّين وأغننا من الفقر وهذا يروى عن أبي هريرة عن النّبي ﷺ فيستحب لكل أحد قراءته عند النّوم وقراءة آية الكرسي والإخلاص لما فيهما من الحفظ والبركة. قال تعالى «هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ» راجع الآية ٤ من سورة طه في ج ١ والآية ٧ من سورة يونس ج ٢ تجد ما يتعلق في بحث العرش والآية ١٠ من سورة فصلت ج ٢ أيضا في بحث الأيام السّتة
стр. 2842
بصورة مفصلة «يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ» ويتغلغل فيها من البذور والجذور والقطر والثلج والموتى والكنوز «وَما يَخْرُجُ مِنْها» من النّبات والمعادن والسّوائل وغيرها «وَما يَخْرُجُ مِنْها» من النّبات والمعادن والسّوائل وغيرها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ» من الأمطار والصّواعق والخير والشّر والأمر والنّهي وغيرها «وَما يَعْرُجُ فِيها» من الملائكة ويصعد إليها من أعمال الخلق ودعواتهم «وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ» يكاؤكم ليل نهار صباح مساء أيقاظا ونياما «وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» (٤) لا يخفى عليه شيء من أعمالكم وأقوالكم ونياتكم «لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ» (٥) كلها إن التكرار في جملة السّموات والأرض لكل منها مغزى غير الأوّل ومناسبة ومعنى ظاهرين لمن تدبر «يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ» فيدخل أحدهما في الآخر تداخلا ظاهرا غير مرئي محسوسا غير مشهود كالهواء والقوة الكهربائية وحركة الظّل وفلكة المضخات والطّواحين وفلكة المغزل والمهواية حال دورانها وشبهها فإنها كلها موجودة غير مشاهدة «وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ» (٦) لا يخفى عليه شيء من دخائلها قال تعالى في ٢٨٥ من البقرة المارة (وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) فيا أيها النّاس «آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ» إيمانا خالصا «وَأَنْفِقُوا» في سبيله ابتغاء مرضاته «مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ» من المال الذي هو بأيديكم لأنه مال الله، وقد كان بيد غيركم فأهلكهم ونقله إليكم، فأنتم الآن خلفاء الله عمن مضى من قبلكم ووكلاؤه على ما أودعه لديكم، فأنفقوا على من بقي من أبناء جنسكم من عيال الله قبل أن يسلبه منكم لأنه مسلوب لا محالة كما قيل:
ويكفيك قول النّاس فيما ملكته ... لقد كان هذا مرة لفلان
وقول الآخر:
وما المال والأهلون إلّا وديعة ... ولا بد يوما أن ترد الودائع
وهذه الآية عامة كغيرها وما قيل إنها نزلت في غزوة ذي العشيرة أي غزوة تبوك فبعيد، لأنها كانت سنة لتسع كما سيأتي بيانها في سورة التوبة إن شاء الله «فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ» أيها النّاس إيمانا كاملا «وَأَنْفِقُوا» من أموالهم
стр. 2843
لوجه الله على الفقراء والمساكين «لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ» أكبر من كلّ شيء عدا الإيمان الخالص «وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ» وتنفقون مما من به عليكم «وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ» وتخلصوا له العبادة، فأي عذر لكم في عدم إجابته «وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ» على الإيمان به ورسله وكتبه والبعث بعد الموت يوم قال (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) واعترفتم له بذلك راجع الآية ١٧١ من الأعراف في ج ١، فأوفوا أيها النّاس بعهدكم هذا ولا تنقضوا ميثاق ربكم «إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» (٨) يوما ما لموجب ما فأحرى بكم أن تؤمنوا حالا إذ قامت الحجج على بعثة رسولكم محمد ووجوده كاف للايمان به وبربه، فلا عذر لمن يريد الإيمان بعد بعثته لدليل آخر لأنه برهان لا مزيد عليه واعلموا أن الله الذي أرسله إليكم «هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ» المشار إليه محمد «آياتٍ بَيِّناتٍ» من كلامه القديم الأزلي «لِيُخْرِجَكُمْ» بها إذا اتبعتموها «مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ» من الكفر إلى الإيمان «وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ» (٩) ولذلك يحب إيمانكم رأفة بكم لخلاصكم من النّار وإدخالكم الجنّة «وَما لَكُمْ» أيها النّاس وأي عذر يمنعكم «أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ» مما خولكم به من النّعم والحبوب والذهب والفضة دون حول منكم ولا قوة، وأي شيء حدا بكم حتى بخلتم بالعفو من أموالكم على إخوانكم وأقاربكم وفقرائكم ولم تحصلوا على الثواب العظيم عند ربكم في آخرتكم والثناء الجزيل في الدّنيا من أمثالكم قبل أن تموتوا فتحرموا هذا الثناء والثواب، لأنكم لا بد ميتون وتاركون أموالكم ميراثا لغيركم «وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» وما فيها لا يأخذ أحد منه شيئا واعلموا يا عباد الله أنه «لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ» ومن لم ينفق كما لا يستوون عندكم فلا يستوون عند الله بل بينهما بون شاسع «مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ» الظفر الأوّل الذي هو مبدأ الفتوحات وهو صلح الحديبية الذي رأى المسلمون فيه حيفا وميلا لما فيه من الشّروط المجحفة ولم يعلموا أن عاقبته خير وأن الانفجار لا يحصل إلّا من الضّيق وأن الفرج لا يكون غالبا إلّا بعد الشّدة واليسر بعد العسر ولذلك سماء الله فتحا وفيه بشارة إلى فتح مكة له ﷺ وهو الفتح العظيم، ولهذا قال
стр. 2844
بعضهم إن هذه الآية تشير إلى فتح مكة اعلموا أنه لا يستوي منكم من قام بالإنفاق «وَقاتَلَ» قبله ممن أنفق وقاتل بعده إذ قد لا تكون حاجة ماسة بعد الفتح بسبب ما يفتحه الله عليهم من البلاد ويقيض عليهم من أبواب الرّزق وما يفيضه عليهم من المال بعد ذلك فلم يحتاجوا إليكم «أُولئِكَ» المقاتلون المنفقون حال الضّيق والشّدة والقلة والحاجة «أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا» بعد الظّفر وكثرة المسلمين والمال «وَكُلًّا» من الفريقين «وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى» المنزلة الحسنة التي لا أحسن منها وهي الجنّة ولكنها درجات متفاوتة بحسب الأعمال «وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ» (١٠) نزلت هذه الآية في أبي بكر الصّديق لأنه أول من أسلم وأول من أنفق وأول من ذب عن رسول الله بنفسه وماله وأولها في حادثة الغار وآخرها في واقعة تبوك. روى البغوي بإسناد التغلبي عن ابن عمر قال كنت عند رسول الله ﷺ وعنده أبو بكر وعليه عباءة قد خللها في صدره بخلال، فنزل جبريل فقال مالي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خللها في صدره بخلال فقال أنفق ماله عليّ قبل الفتح، قال فإن الله يقول اقرأ ﵇ وقل له أرضا أنت عني في فقرك هذا أم ساخط يا أبا بكر فقال رسول الله ﷺ يا أبا بكر إن الله يقرؤك السّلام ويقول لك أراض أنت عني في فقرك هذا أم ساخط؟ فقال أبو بكر أأسخط على ربي إني على ربي راض إني على ربي راض، وهنا يقول المولوية إنه ﵁ قام وفتل على رجل
واحدة فرحا بما سمعه عن ربه ولذلك جعلوا الفتلة بطريقتهم ولكن لم أقف على ما يؤيده.
قال تعالى «مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً» عن طيب نفس. والمراد في هذا القرض الإنفاق في سبيل الله وسمي قرضا ليدل على التزام الجزاء «فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ» (١١) زيادة على المضاعفة والأجر الكريم المفضي لدخول صاحبه إلى دار الكرامة عند ربه مع الشّهداء والصّالحين.
وأعلم أن القرض لا يكون حسنا إلّا إذا جمع فيه أحد عشر خصلة ١- أن يكون في المال الحلال ٢- أن يقرضه وهو محتاج إليه على حبه ٣- أن يكون للأحوج ٤- أن يكتمه ولا يتبعه بمن ولا أذى ٥- أن يقصد به وجه الله ابتغاء مرضاته ٦- أن
стр. 2845
لا يرائي به النّاس ولا يقصد به السّمعة والصّيت ٧ أن يستحقر ما يقرضه لله مهما كان كثيرا بالنسبة لما أعده الله لما بمقابلته من الثواب ٨ أن يكون من أحسن ماله لقوله تعالى (لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) الآية ٩٢ من آل عمران المارة ٩- أن لا يرى حين تصدق غنى لنفسه وذلا للفقير ١٠- أن يكون عن طيب نفس ورغبة فيما أعده الله لمثله ١١- أن يحب أن يرزقه الله أكثر مما عنده لينفق أكثر مما أنفق ١٢- على الله أن يتقبلها منه ويثيب عليها ثوابا مضاعفا. واعلم أن الخلل الذي يحصل في الثلاثة الأوّل لا لعدم ثوابه بل لكونه يكون أقل أجرا لأن من أقرض من أحسن ماله أو أقرض وهو محتاج إليه أو أقرض غير الأحوج فله الجزاء الحسن عند الله أيضا لما فيه من قضاء حاجة المستقرض وهو المقصود من القرض قال تعالى أنظر أيها الإنسان «يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ» يوم القيامة «يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ» على الصّراط المستقيم جزاء أعمالهم الحسنة وتقول لهم الملائكة «بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ» تدخلونها حال كونكم مكرمين «تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ» وتكونون أبدا «خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ١٢» في ذلك اليوم العظيم «يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ» لهم من قبل الملائكة «ارْجِعُوا وَراءَكُمْ» لا تدنسوا للمؤمنين ارجعوا إلى الدّنيا واعملوا صالحا ليكون لكم مثل نورهم وهذا على سبيل الهتكم إذ لا سبيل إلى الرّجوع ارجعوا «فَالْتَمِسُوا نُوراً» لأنفسكم فيرجعون إلى الموقف وهو المحل الذي صاحب المؤمنين منه نورهم ليطلبوا مثله وعند وصولهم صد كلّ منهم «فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ» وبين المؤمنين «بِسُورٍ» عظيم بدلالة التنكير فيه وهو لا أعظم منه في الآخرة كما يقولون الآن (سورماجينو) لا أعظم منه في الدّنيا وهو الذي عملته فرنسا وتحصنت به من أعدائها الألمان، وقد بالغوا في تحصينه حتى اتكلوا عليه وهو مهما كان في القوة فلا يشبه أو يقاس بسور الآخرة، لأن هذا قد يأتي يوم ينهار بنفسه أو بقوة الأعداء المحاربين لهم وهم الآن الألمان ولا ندري بعد ذلك من هم، أما ذاك فلأنه من أعمال الآخرة وهي بما فيها باقية ثابتة، وهذا
стр. 2846
من أعمال الدّنيا وهي بما فيها فانية. وهذا السّور العظيم «لَهُ بابٌ» عظيم بنسبة عظمه «باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ» الجنّة لأنها من رحمة الله «وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ» (١٣) النّار لأنها من عذاب الله، فلما رأى ذلك المنافقون صاروا «يُنادُونَهُمْ» أي المؤمنين يقولون لهم «أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ» في الدّنيا «قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ» أيها المنافقون «فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ» فيها بالكفر «وتماديتم في الطّغيان وَتَرَبَّصْتُمْ» تأخرتم عن الإيمان والتوبة «وَارْتَبْتُمْ» في نبوة محمد وكتابه في هذا اليوم «وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ» الباطلة التي كنتم تنتظرونها أن تقع بالمؤمنين «حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ» (١٤) الشيطان بخداعه حتى متم على ما كنتم عليه من النّفاق «فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ» عن أنفسكم مثل الدّنيا إذ يجوز فيها الفداء عن النّفس بالمال، لأن حالة الآخرة غير حالة الدّنيا ولا يقبل منكم الآن إيمان أيضا ولا توبة لفوات وقتهما «وَلا» يقبل أيضا فدية ولا توبة «مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ» أنتم أيها المنافقون والكافرون والمشركون «النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ» جميعا لأنكم في الكفر سواء، وعذابكم مختلف، المنافق أشد من الكافر، والكافر أخف من المشرك، فهي دركات متفاوتة كما أن الجنّة درجات يا لها من درجات متفاوتة أيضا، يقول أهلها حينما يرى أولئك الخبثاء ادخلوها فهي مثواكم «وَبِئْسَ الْمَصِيرُ» (١٥) النار لأهلها، قال تعالى بعد هذا البيان لذي بينه من أحوال أهل الجنّة وأهل النّار «أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا» بألسنتهم «أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ» المتلو عليهم فيؤمنوا إيمانا حقيقيا خالصا محضا تنشرّ به قلوبهم عن رغبة ويقين، لأن الايمان إذا لم تخالط بشاسته الظّاهرة اعتقادا جازما وإيقانا قلبيا لا يعتد به ولا ينفع به صاحبه لهذا يقول الله تعالى أما حان لهم أن يخشعوا لذكري «وَ» يخضعوا إلى «ما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ» على رسولهم من قبلي بعد ما أرادوا من الآيات البينات الموجبة لخشوعهم وخضوعهم، ألا فلينقادوا ويخبتوا
«وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ» إرسال الرّسول إليهم وإنزال الكتاب عليهم وهم اليهود والنّصارى الّذين سوّفوا وأسرفوا «فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ» فيما بينهم وبين
стр. 2847
أنبيائهم حتى زالت عنهم الرّوعة التي كانوا يجدونها عند سماع تلاوة كتابهم، وقد خلت قلوبهم من الخشوع الذي كانوا يحسون به فاتبعوا الأهواء «فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ» فلم يبق يؤثر فيها الوعظ ولا التذكير «وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ» (١٦) متجاوزون حدود الله بسبب تلك القسوة التي ألبست قلوبهم فمنعتها من أن تخضع لسماع ذكر الله، فيا أيها النّاس «اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها» كما أنه يحيي الإنسان والحيوان بعد الموت فلأن يحيي القلوب التي أماتتها القسوة من باب أولى إذا رجعت إلى الله وأنابت إليه «قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ» الدالة على ذلك فيما تقدم من الذكر وفصّلنا لكم كيفية إحياء الأرض الميتة بالمطر، وإحياء القلوب بالذكر «لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» (١٧) حكمتنا فتركنون إليها وتعملون بما يفضي إليها، قال الكلبي ومقاتل إن هذه الآية نزلت في المنافقين، وذلك أنهم قالوا لسلمان الفارسي حدثنا في التوراة، فنزل أولا نحن نقص عليك أحسن القصص الآية الثالثة من سورة يوسف ج ٢، فكفوا عنه، ثم سألوه ثانيا فأنزل الله (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ) الآية ٢٣ من الزمر ج ٢ أيضا، ثم سألوه ثالثا فنزلت هذه الآية. قال محمود الآلوسي ﵀ يكاد يصح نزولها في المنافقين، ثم صوّب نزولها في المؤمنين حينما قدموا المدينة وأصابوا لين العيش وفتروا عما كانوا عليه من العبادة، فعوتبوا فى هذه الآية على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن. وعليه يكون نزول هذه الآية بالسنة الأولى من الهجرة، فتكون من أول ما نزل في المدينة، وليس بسديد، لأن أول ما نزل سورة البقرة وبعدها الأنفال فآل عمران فالأحزاب إلخ ما أثبتناه هنا، أو الثالثة عشرة من البعثة التي هي آخر نزول القرآن في مكة فتكون السّورة أو الآية وحدها مكية وليس كذلك لأن السّورة كلها مدنية نزلت في المدينة يوم الثلاثاء في السّنة السّابعة من الهجرة ووضعت في محلها من القرآن بإشارة من الرّسول ودلالة من الأمين جبريل عليهما الصلاة والسّلام وفاقا لما هو عند الله في لوحه المحفوظ وعلمه الأزلي، لذلك يبعد الركون إلى ما صوبه الآلوسي ﵀. قال تعالى «إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ» الّذين صدقوا الله ورسوله وكتابه وتصدقوا بفضول أموالهم «وَأَقْرَضُوا اللَّهَ
стр. 2848
قَرْضاً حَسَناً»
على الصّورة المبينة آنفا ف «يُضاعَفُ لَهُمْ» عملهم الحسن أضعافا كثيرة «وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ» (١٨) عند الله في الآخرة «وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ» وافيا جزاء أعمالهم الحسنة «وَنُورُهُمْ» مشرق على الصّراط، وفي طليعة هؤلاء العشرة المبشرون بالجنة «وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ» (١٩) في الآخرة تحجم أي تسخم فيها وجوه أهلها بدخانها أعاذنا الله منها وحمانا فيا أيها النّاس «اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ» فمثلها «كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ» ييبس وبعد خضرته «فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً» هشيما متكسرا «وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ» لمن كانت حياته على هذه الصّفة التي قصها الله عن الكفار وفي مقدمتهم النّمرود وفرعون وأبو جهل وأضرابهم، أما من يصرف أوقاته وأمواله في طاعة الله ورسوله والعمل الصالح فلهم عفو عام «وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ» شامل في الآخرة «وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ» (٢٠) لمن كرس نفسه لها وأعرض عن الآخرة لقد عدّ الله تعالى في هذه الآية من زخارف الدّنيا خمسة، وقد عدها في الآية ١٤ من آل عمران المارة سبعة، وفي غيرها ثلاثة وأقل، فالسعيد من اعتبر وترك قليلها وكثيرها رغبة فيما عند الله. واعلم أن الغرور هو كلّ ما يمتع به الإنسان من مال أو جاه أو ولد، وكلّ ما يغره وجوده لديه فيأمل دوامه وهو فان لا محالة فهو غرور. ثم اعلم أن كلّ آية مصدرة بلفظ اعلموا أو اعلم تدل على أهمية ما تدعو إليه ووجوب أخذ ما فيها بعين الاعتبار والنّظر إليها بالتفكر والتدبر والتروي.
قال تعالى «سابِقُوا» أيها المؤمنون وتسابقوا «إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ» ففي مثل هذا تكون المسابقة أيها النّاس وفي مثله تطلب المنافسة والتفاخر ويرغب بالتزايد والتكاثر لا في لعب الصّبيان ولهو الفتيات وزينة النساء وعذاب الأموال ووبال الأولاد، راجع الآية ١٣٣ من آل عمران المارة
стр. 2849
فيما يتعلق بقوله تعالى (عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ) لأنها نظيرتها إلّا أنها مصدرة بلفظ سارعوا، وإلّا فأكثر ألفاظها تشابه هذه «ذلِكَ» الغفران والجنّة «فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ» من عباده فضلا منه «وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ٢١» واعلم أنه يوجد في القرآن ستّ وخمسون آية مبدوءة بحرف السّين واعلموا أيها النّاس إن «ما أَصابَ» الله عباده وخلقه «مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ» من جدب وقلة ثمر وآفات للزروع والفروع «وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ» من الأمراض وفقد الأولاد والأموال وجمع الاكدار «إِلَّا» وهو ثابت مدون «فِي كِتابٍ» الله الأزلي مقصور وقوعه عليكم في الزمان والمكان «مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها» قبل خلق الأرض لأنها خلقت قبل البشر والجن وغيرهما وقبل خلق الأنفس، لأن كلّ ما هو مقدر على الخلق من المصائب مدون عليهم قبل خلقهم، وهذا يقول الله تعالى «إِنَّ ذلِكَ» أي إثباته في اللّوح المحفوظ قبل إيجاده للعيان مع كثرته «عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ» (٢٢) هين إذ لا يعسر عليه شيء، وقد أخبركم بتقدير ذلك كله «لِكَيْلا تَأْسَوْا» تحزنوا وتهتموا «عَلى ما فاتَكُمْ» من الدّنيا، لأن فواته محتم، ولا يمكنكم الحصول عليه مهما طلبتموه «وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ» لأنه مقطوع بوصوله إليكم ولو لم تطلبوه، وهو لا يستوجب الفرح، لأنه فإن وأنتم فانون، وإن لم تتركوه يترككم. وكثيرا ما يجر هذا الحطام إلى الفخر والخيلاء «وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ» (٢٣) هذا والمراد بالحزن المذموم وهو المخرج صاحبه عن دائرة الصّبر والتسليم لأمر الله لا مطلق الحزن، إذ لا يخلو إنسان منه، كما ان المراد بالفرح الملهي عن الشّكر لا مطلق الفرح الذي تنبسط منه النّفس بالطبع، فهذان لا بأس بهما وكذلك لا يحبّ «الَّذِينَ يَبْخَلُونَ» بأموالهم على فقراء الله التي منحهم الله إياها «وَ» مع هذا فإنهم «يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ» ويعرض عما أراده الله منه «فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ» عنه «الْحَمِيدُ» (٢٤) لمن أطاعه. قال تعالى «لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا» محمدا فمن قبله «بِالْبَيِّناتِ» الحجج الواضحة والبراهين السّاطعة الدّالة على رسالتهم «وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ» المتضمن
стр. 2850
الشرائع التي أمروا بتبليغها لأقوامهم «وَالْمِيزانَ» أنزلناه معهم ليقيموا العدل بين أممهم، لأن المراد بالميزان هنا العدل الذي به قوام مصالح النّاس وملاك أمورهم وجماع تآلفهم وتواددهم، بدليل قوله «لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ» ولا يتظالموا فيما بينهم، فيعتدي القوي على الضّعيف والشّريف على الحقير لأنها فيه سواسية، والتفاضل إنما يكون بالأعمال، وقد يكون بالأموال والجاه والرّياسة المراعى فيها التقوى التي هي أساس كلّ خير من هذه الأشياء وغيرها.
مطلب في الحديد ومنافعه وكونه من معجزات القرآن وما يعمل منه وما يستخرج فيه ويحتاج إليه:
«وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ» أحد بركات الأرض الأربع التي منحها الله عباده من هباته الجليلة وتخصيصاته العظيمة، والثاني الملح، والثالث الماء، والرّابع النّار، أي أصلها وهو عنصر الأوكسجين، وهذا من معجزات القرآن إذ تحقق لأهل هذا العصر أنه ينزل من السّماء. قال الأستاذ الشّهير (ونودر فشلد) انه رأى ذرات الحديد في الثلج في شمالي سيبريا وأخبر عنه. ومما يدل على عظمته إعادة العامل مع إمكان الاكتفاء بأداة العطف ووصفه بقوله جل قوله «فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ» ويطلق البأس على الحرب وعلى الموت، وهذا أعظم الآلات المؤثرة فيها بتأثير الله تعالى، وإنما نعته الله بهذا لما هو ثابت في علمه الأزلي المخبر عنه بقوله (وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ) الآية ٨ من سورة النّحل في ج ٢، أي ما لا تعلمونه من آلات الحرب والرّكوب التي ظهرت في هذا الزمن مما قد ينكرها العقل لولا بروزها للعيان كالبرق والهاتف والرّاد والقطر والبواخر التي تسيرها قوة الكهرباء (والبوصلة) الإبرة المغناطيسية التي لولاها لما تمكن أصحاب البواخر من التوغل في البحار، ولم يتسنّ لهم السّير في النّهار وقت الضّباب وتلبد الغيوم، والإبرة الدّالة على ترطب الجو وحدوث الأمطار والعواصف وغيرها من العجائب والغرائب من سرعة سير بعض السّيارات الذي هو فوق العقل، فضلا عن القذائف والصّواريخ والذرة وغيرها وما ندري ما يحدث بعد. وللحديد دخل في العلاجات المهمة ومنافعه لا تعد ولا تدخل تحت الحصر، ولولاه لاستحال اختراع الأشياء المار ذكرها وغيرها كالقطر
стр. 2851
والبواخر التي هي كالجبال، ولا شيء يقوم مقامه من المعادن وإن كانت أثمن منه، كالفضة والذهب والأحجار الكريمة لأنها لا تصير سلاحا، ولا دبابات، ولا طائرات ولا ولا. وخصوصا ما يتعلق بالكهرباء الذي لا يستغنى عنه في كثير من ذلك، والذي هو سر من أسرار الله الذي لم يدرك البشر ماهيته ولا كيفيته حتى الآن، ولهذا يقول الله تعالى «وَمَنافِعُ» كثيرة فيه «لِلنَّاسِ» لا تحصى من الإبرة فما فوقها، ولا غنى لأحد عنه، وفي التعميم بعد التخصيص دلالة على عظيم حاجة البشر إليه «وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ» أي أنه أنزل هذه الأشياء، لتلك الغايات المارة ولغيرها مما يظهره الزمان، ويظهر للناس «مَنْ يَنْصُرُهُ» ويقيم دينه من خلقه باستعمال العدل الذي يمكن إجراؤه أولا برسائل النّصح والإرشاد والوعظ والزجر، وثانيا باستعمال السّيف والرّمح والنّبل التي يقل فيها القتل وتؤثر في إجبار الباغي على إقامة العدل، وثالثا بالبنادق والمدافع والقذائف والصّواعق، ورابعا بالمدمرات الذرية والمهلكات الأخرى التي سيظهرها الزمن بما هو أعظم وأعظم ولا يقبله العقل مما سيعمله هذا البشر الذي انطوى فيه العالم الأكبر، وسخر له الله الحجر والمدر والماء والنّار والهواء، وجميع معادن الأرض الجامدة والسّائلة والقوية والرّخوة ليستخدمها فيما يظهره الله على يديه في إصلاح العالم وإفساده وإعماره وإبادته «وَ» يعلم من ينصر «رُسُلَهُ» الداعين إلى طريقه السّوي «بِالْغَيْبِ» أي ليؤمنوا به عن غير رؤية ويؤمنوا بالآخرة من غير مشاهدة، فهؤلاء الكرام الّذين آمنوا بالله ورسله وبذلوا نفوسهم لإقامة العدل بين النّاس وطهارة الأرض ممن يكفر بالله وهو يأكل رزقه، ويفسد ولا يصلح، قبل أن يروه في الآخرة، وقبل أن يشاهدوا ما وعدهم به على لسان رسلهم القائمين بتنفيذ أوامره ونواهيه في الدنيا، الطائعين له الطّاعة المحمودة المرجو ثوابها عنده. واعلم أني كثيرا ما أستشهد بما يكون من غير المسلمين كما هي الحال هنا ولكن فيما يتعلق بأمور الدّنيا فقط لقوله تعالى (يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ) الآية ٧ من سورة الروم في ج ٢ تدبر وتيقن «إِنَّ اللَّهَ» على نصر هؤلاء وأمثالهم «قَوِيٌّ» قادر على توفيقهم لما يريدون وعلى نصرهم على أعدائهم وإظهار كلمتهم وإيقاع الخذلان
стр. 2852
بهم وإلقاء الرّعب في قلوب مناوئيهم «عَزِيزٌ» (٢٥) غالب لا يقاوم منبع لا يحاط به قادر على قهر أعدائه دون تكليف خلقه، وإنما أراد أن يكون النّصر على أيدي أوليائه ليكافئهم على ذلك في الآخرة. قال تعالى «وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ» فلا نبي من بعدهما إلا وهو من نسلهما وإن من تقدمهما
كان من ذرية آدم «فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ» بهداية الله تعالى مقتف آثار أصوله الكرام «وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ» (٢٦) خارجون عن الطّاعة، وذلك بمقتضى ما هو مقدر في الأزل إذ جعل من ذريتهما من هو صالح لخلافته في أرضه، ومن هو لايق لعبادته وخدمته، ومن هو كافر مفسد لخلقه ولنفسه جاحد لربه ورسله وكتبه «ثُمَّ قَفَّيْنا» أتبعنا «عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا» واحدا تلو الآخر «وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ» الذي هو آخر أنبياء بني إسرائيل «وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ» ومشوا على دينه الحق في زمنه وإلى بعثة محمد ﷺ «رَأْفَةً وَرَحْمَةً» وهاتان الخلتان من صفات أصحاب محمد الآتية في آخر سورة الفتح «وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها» من تلقاء أنفسهم، وهذه الكلمة لم تكرر في القرآن، وهذه الجملة غير معطوفة على ما قبلها، كما أن جملة (ما كَتَبْناها) معترضة بينها وبين ما بعدها أي أن الرّهبانية جاؤا بها وألزموها أنفسهم «ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ» في الإنجيل الذي أنزلناه على رسولهم «إِلَّا» أنهم اخترعوها عفوا «ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ» عليهم، وذلك لكمال زهدهم في الدّنيا وتشبههم برسولهم، لأنه لم يتزوج وهو أزهد الأنبياء والرّسل عدا محمد صلوات الله عليهم وسلامه، والرّاهب هو الخائف الخاشي الخاشع لربه الفار بدينه عن الافتتان مبالغة في ترك الدّنيا وإعراضهم عن شهواتها، ولكنهم بعد أن أوجبوها على أنفسهم ومن بعدهم لم يقوموا بها كما ينبغي لها لقوله تعالى «فَما رَعَوْها» خلفهم من بعدهم «حَقَّ رِعايَتِها» كما أراد مبتدعوها لأن القصد منها التباعد عن الشّهوات والتجافي عن الملذات والعكوف على العبادات، وهؤلاء مع الأسف صار أكثرهم على العكس، لأنهم انهمكوا في الدّنيا وانكبوا بكليتهم عليها وتوغلوا في الملاهي والمناهي ورغبوا في
стр. 2853
زينة الدّنيا وزخارفها وحب المال والجاه والرّياسة، واستحلوا لحوم الخنازير والخمرة، وقد ذمّ سيدنا عيسى ﵇ الخنزير بقوله تجعلون الدّراري في أعناق الخنازير وقال لا أشرب بنت الكرم بعد اليوم. وكان عيسى ﵇ لا يشربها أبدا، وكان لا يأتي النّساء مع قدرته ترهبا وهضما لنفسه، وهو أول من سن المعمودية راجع الآية ٧ فما بعدها من سورة مريم ج ٢ تقف على مزاياه ﵇، وقال عيسى ﵇: من نظر إلى امرأة أجنبية يشتهيها فهو يزني، والآن اختلطت نساؤهم برجالهم وتركوا الختان وهو سنة ابراهيم، والغسل من الجنابة وهو من سنن الأنبياء وحرموا الطّلاق وهو ما لم يحرمه الأنبياء، وإنما كرهوه وخالفوا أحكاما مسطورة في أناجيلهم الأربعة ولم يتقيدوا بالوصايا العشر المسطورة في التوراة والمأمور بها في الإنجيل. قال تعالى «فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ» بعيسى وماتوا قبل بعثة محمد والّذين آمنوا بمحمد وماتوا على إيمانهم «أَجْرَهُمْ» في الدّنيا والآخرة «وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ» (٢٧) أهلكناهم بفسقهم وخسروا الدّنيا والآخرة. قال تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» بموسى وعيسى «اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ» محمد الذي هو خاتم الرّسل المصدق لرسلكم فإذا آمنتم به «يُؤْتِكُمْ» ربكم «كِفْلَيْنِ» حظين أو نصيبين «مِنْ رَحْمَتِهِ» واحد لإيمانكم بموسى والتوراة، وآخر من رحمته أكبر وأوفر منهما لإيمانكم بعيسى والإنجيل، وسهم عظيم لإيمانكم بمحمد والقرآن، وهذه الثلاثة كلها كفل واحد، والثاني ثلاثة أيضا بينها بقوله «وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً» عظيما يوم القيامة وهذا النّور لا يزال يصاحبكم في مواقفها ثم «تَمْشُونَ بِهِ» على الصّراط المضروب على متن جهنم في حالة أنتم أشد حاجة له من غيره «وَيَغْفِرْ لَكُمْ» ما سلف منكم قبل الإيمان وبعده إذا متم مؤمنين «وَاللَّهُ غَفُورٌ» للمؤمنين الموقنين «رَحِيمٌ» (٢٨) بهم يوفقهم لما يحبه ويرضاه من الأعمال. روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري قال قال رسول الله ﷺ ثلاثة لهم أجران رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد، والعبد المملوك الذي أدى حق مواليه وحق الله، ورجل كانت عنده أمة يطأها فأدبها وأحسن تأديبها وعلمها وأحسن
стр. 2854
تعليمها ثم أعتقها فتزوجها فله أجران. ولما سمع أهل الكتاب هذه الآية قالوا للمسلمين من آمن بكتابكم فله أجران ومن لم يؤمن فله أجر واحد مثلكم فما فضلكم علينا؟
حينئذ أنزل الله تعالى «لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ» أي على تخصيص شيء من فضل الله ان لم يؤمنوا بمحمد، لأن لهم جرين إذا آمنوا وإلّا فلا أجر لهم البتة «وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ» (٢٩) الذي لا أعظم منه. واعلم أن «لا» هنا ليست بزائدة ولم يؤت بها لتحسين الكلام فقط، بل هي نافية، لان الضّمير في قوله لا يقدرون عائد إلى الرسول وأصحابه، والتقدير هو إنما فعلنا ذكر لئلا يعتقد أهل الكتاب أنهم يقدرون على حصر فضل الله وإحسانه بأقوام معينين، وليعتقدوا (أَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ) إلخ الآية، وهذا التأويل على هذا والتفسير به أولى من جعل لا زائدة، لأن فيها إضمار كلمة (وليعتقدوا) وفي تلك حذف كلمة (تخصيص شيء من فضل الله) والإضمار أوفى للمعنى من الحذف، لأن الكلام إذا افتقر للاضمار لم يوهم ظاهره باطلا أصلا، أما إذا افتقر إلى الحذف كان ظاهره موهما ذلك. روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد موسى الأشعري عن النّبي ﷺ قال مثل المسلمين واليهود والنّصارى كمثل رجل استأجر قوما يعملون له إلى اللّيل على أجر معلوم، فعملوا إلى نصف النّهار فقالوا لا حاجة لنا إلى أجرك الذي شرطت لنا وما عملناه باطل، فقال لهم اعملوا بقية يومكم لكم وخذوا أجركم كاملا، فأبوا واستأجر آخرين بعدهم، فقال اعملوا بقية يومكم لكم الذي شرطت لهم من الأجر، فعملوا حتى إذا كان صلاة العصر قالوا ما عملناه باطل ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه، فقال أكملوا بقية يومكم فإن ما بقي من النهار يسير، فأبوا فاستأجر قوما أن يعملوا بقية يومهم، فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس واستكملوا أجر الفريقين كليهما، فذلك مثلهم ومثل ما قبلوا من هذا النّور اى أن اليهود والنّصارى لم ينفعهم عملهم لا متناعهم من إكماله، وإن المسلمين أكملوا عملهم الذي أمروا به ففازوا بنفعه كله في الآخرة. هذا والله أعلم، وأستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 2855
تفسير سورة محمد ﵇ عدد ٩- ٩٥ و ٤٧ وتسمى سورة القتال
نزلت بالمدينة بعد سورة الحديد عدا الآية ١٣ فإنها نزلت بالطريق أثناء الهجرة وهي ثمان وثلاثون آية، وخمسمائة وثمان وثلاثون كلمة، وألفان وخمسمائة واثنان وعشرون حرفا، ولا يوجد سورة مبدوءة بما بدئت به ولا بما ختمت به، ولا مثلها في عدد الآي.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال تعالى «الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ» (١) أي ضيعها الله عليهم، فلم ينتفعوا بها في الآخرة، لأن ما يفعلونه من البر وإطعام الطّعام وإقراء الضّيف وصلة الرّحم وإجارة المستجير وإغاثة الملهوف وفك الأسرى وغيرها كان للسمعة والرّياء ونشر الصيت لا لوجه الله تعالى، فلذلك جعل مكافأتهم عنها في الدّنيا من بلوغهم ثناء الناس ومدحهم، وما أعطاهم الله من عافية ومال وولد وجاه وغيرها. وهذه الآية عامة في كلّ كافر مات على كفره، كما أن قوله تعالى: «وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ» (٢) عام أيضا في كلّ مؤمن مات على إيمانه. والبال هو القلب والشّأن والأمر والحال «ذلِكَ» إبطال أعمال الكفرة وإصلاح بال المؤمنين «بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ» فصدوا أنفسهم وغيرهم عن الطّريق الموصل للسعادة الأبدية «وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ» فأوصلهم لسعادته الأبدية وأحلهم بدار كرامته «كَذلِكَ» مثل هذا المثل المضروب للفريقين «يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ» (٣) ليعتبروا ويتعظوا ويتدبروا حال الطّرفين في الدّنيا ومصيرهم في الآخرة «فَإِذا لَقِيتُمُ» أيها المؤمنون «الَّذِينَ كَفَرُوا» في صف القتال بعد أن طلبتم منهم الإيمان بالله ولم يفعلوا «فَضَرْبَ الرِّقابِ» (٤) لتقطعوا منهم أشرف الأعضاء وهو الرأس، وفي قطعه إهانة لهم أكثر من قطع غيره من الأعضاء المؤدية للموت، وهو أسرع في الموت من غيره «حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ» وأكثرتم فيهم القتل
стр. 2856
واثقلتموهم بالجراح فاعمدوا لأسرهم «فَشُدُّوا الْوَثاقَ» من المأسورين لإظهار ذلتهم لكم، ولئلا ينفلتوا فيلتحقوا باعدائكم ويكونوا أكثر شرا من غيرهم، عليكم، لكم لم تفلتوهم ليكون لكم يد عليهم وليكن شأنكم هذا حتى انتهاء الحرب، فإذا وضعتم السّلاح وتمّ لكم ما أمثلتم «فَإِمَّا» أن تمنوا على أسراكم «مَنًّا بَعْدُ» فتركونهم كرما منكم «وَإِمَّا» أن تفدوهم «فِداءً» فتأخذون المال المتفق عليه منهم أو تبدلونهم بأسراكم، وهذه الآية محكمة غير منسوخة بآية ٥٨ من الأنفال المارة، وهي (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ) ولا بآية السّيف وهي قاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً) عدد ٣٧ من التوبة الآتية، كما قاله بعض المفسرين، لان للامام الخيار بين أربعة أمور حسبما يراه لا معارض له في ذلك، وهي إما أن يقتل الأسرى، أو يسترقهم، أو يمن عليهم فيطلقهم بلا عوض، أو يفاديهم بالمال أو بأسرى المسلمين، وإلى هذا ذهب ابن عمر وبه قال الحسن وعطاء وأكثر أصحاب وجل العلماء، ومشى عليه الشّافعي والنّووي واحمد واسحق ﵏.
تشير هذه الآية الكريمة إلى حث المسلمين على القتال لما فيه من إعلاء شأنهم وعظمة شوكتهم، وأن لا يميلوا إلى قبول فداء الأسرى إلّا بعد الإثخان في القتل من العدو، ولهذا عاقبهم الله تعالى على قبول الفداء في أسرى بدر، كما مر في الآية ٦٨ من سورة الأنفال وسبب نزولها على ما قاله ابن عباس، هو أنه لما كثر المسلمون واشتد سلطانهم أنزلها وهو الصّحيح لما روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال بعث النّبي ﷺ خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة أتال، فربطوه في سارية من سواري المسجد، فخرج إليه النّبي ﷺ فقال عندك يا ثمامة؟ فقال عندي خير يا محمد، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فاسأل تعط منه ما شئت، فتركه النّبي ﷺ حتى إذا كان من الغد قال ما عندك يا ثمامة؟ قال ما قلت لك (وكرر الألفاظ) بعينها فقال ﷺ أطلقوا ثمامة، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال أشهد أن لا إله إلّا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، أو قال عبده ورسوله، والله ما كان على وجه الأرض أبغض إلي من وجهك فقد أصبح
стр. 2857
وجهك أحب الوجوه إليّ، والله ما كان دين أبغض إلي من دينك فأصبح دينك أحب الدّين كله إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إلي، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟ فبشره النبي ﷺ وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل أصبوت؟ قال لا، ولكن أسلمت مع رسول الله ﷺ والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ . وروي عن عمران بن حصين قال أسر أصحاب رسول الله ﷺ رجلا من بني عقيل فأوثقوه، وكانت ثقيف قد أسرت رجلين من أصحاب رسول الله، فقداه رسول الله بالرجلين الّذين أسرتهما ثقيف- أخرجه الشّافعي في مسنده وأخرجه مسلم وأبو داود- فعلى هذا يكون القول بالنسخ لا وجه له.
فيا أيها المؤمنون داوموا على هذه الحالة، فاقتلوا وأسروا وأبقوا الأسرى «حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها» أثقالها من سلاح وغيره من أدوات الحرب ولوازمها فيعزّ الله المسلمين بنصره ويخذل الكافرين «ذلِكَ» الحكم في الأسرى فافعلوه «وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ» فأهلكهم وأسرهم بغير قتال ولكفاكم أمرهم «وَلكِنْ» لم يفعل وقد أمركم بقتالهم «لِيَبْلُوَا» يمتحن ويختبر «بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ» وليثيب المؤمن بالشهادة أو السّعادة ويعاقب الكافر بالخيبة والنّار «وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ» منكم أيها المؤمنون أو سلموا «فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ» (٤) بل ينميها لهم ويثيبهم عليها وأنه «سَيَهْدِيهِمْ» بالدنيا إلى طرق الرّشاد «وَيُصْلِحُ بالَهُمْ» (٥) فيها ويوفقهم للسداد إذا سلموا من القتل «وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ» في الآخرة إذا قتلوا ويفيض عليهم من خيرها ونعيمها وقد «عَرَّفَها لَهُمْ» (٦) إذ وصفها لهم بالدنيا، فيكونون في الآخرة أعرف بمواقعهم فيها من دورهم في الدّنيا فلا يحتاجون إلى دليل يدلهم على منازلهم فيها، هذا إذا كان الفعل مأخودا من التعريف وإذا كان من العرف وهو الرّائحة الطّيبة فيقال طيبها لهم بالطيب، وكلاهما جائز. قال تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ» فتنضموا إلى حزبه لإعلاء كلمته «يَنْصُرْكُمْ» على عدوكم «وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ» (٧) عند القتال في الدّنيا وعلى الصّراط في الآخرة
стр. 2858
«وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ» خيبة وسقوطا وبعدا وشقاء وعثرة في الدّنيا والآخرة «وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ» (٨) محقها وحرمهم من ثوابها وأنسى النّاس ذكرها الحسن «ذلِكَ» الإضلال والإتعاس «بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ» من الذكر على رسوله وتأففوا منه وزعموا أنه مشاق فعله عليهم «فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ» (٩) اذهب ذكرها وأجرها بالكلية، لأنها صادرة عن شهواتهم الخسيسة لم يرد بها وجه الله «أَفَلَمْ يَسِيرُوا» هؤلاء الكفرة «فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ» من كفار الأمم الماضية كيف «دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» مساكنهم بما فيها من مال ونشب، فأهلكهم دفعة واحدة هم وما يملكون «وَلِلْكافِرِينَ» بك يا سيد الرّسل «أَمْثالُها» (١٠) أمثال تلك العاقبة والعقوبة إذا أصروا على كفرهم وماتوا عليه
«ذلِكَ» الإهلاك والتدمير يكون للكافرين فقط «بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا» يجرهم منه «وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ» (١١) في الدّنيا يتمكن وقايتهم منه، لأن مولاهم الشّيطان أو بعضهم، وكلّ منهم ضعيف لا يقدر على خلاص نفسه مما بها في الدّنيا وفي الآخرة، كذلك لا مولى لهم يخلصهم من عذاب الله أو يجيرهم منه «إِنَّ اللَّهَ» مولى المؤمنين «يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ» تمر في جوانبها يمينا وشمالا. وأماما ووراء وهم مشرفون عليها بحيث لا تخفى على من فيها «وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ» في الدّنيا فعلا «وَيَأْكُلُونَ» من نعيمها «كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ» التي لا هم لها إلا بطونها وفروجها، ساهون عما يراد منهم في الآخرة، وقد شبههم الله بها بجامع عدم التمييز بين الخير والشّر والنّفع والضّر والتدبير في العواقب في كل «وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ» (١٢) وبئس المثوى النّار.
مطلب الآية المكية وصفة الجنّة وعلامات السّاعة وحال أهل الجنّة وأهل النّار:
وهذه الآية التي نزلت في الطّريق أثناء الهجرة المنوه عنها في الآية ٨٧ من سورة العنكبوت في ج ٢ «وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ» وأعظم «قُوَّةً مِنْ» أهل «قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ» (١٣)
стр. 2859
وذلك أنه ﷺ بعد أن خرج من الغار وسار مع صاحبه أبي بكر وخرج من عمران مكة التفت إليها وقال أنت أحب البلاد إلى الله وأحبها إلي، ولولا أن المشركين أخرجوني لم أخرج منك، وقد وضعت هنا كغيرها باشارة من السّيد جبريل وأمر من النّبي ﷺ كما هي في علم الله، وتعد مكية لأن المدني، ما نزل في المدينة بعد وصله إليها أو في غيرها، وكذلك المكي هو ما نزل قبل الهجرة في مكة أو غيرها كما أشرنا إليه في المقدمة، وإنما قال أخرجوني لأنهم أرادوا إخراجه حين مذاكرتهم في دار النّدوة، وقد خرج بارادة الله تعالى ليس إلّا كما أشرنا إليه في الآية الآنفة الذكر من سورة العنكبوت لأن الله تعالى قدّر على خروجه منها ظهور دينه للناس أجمع وعلو شأنه على غيره وفتح مكة على يده، ولأنه لو لم يخرج بطوعه على الصّورة المذكورة لأدى بقاؤه فيها إلى مقاتلة بينه وبين قومه وهو لا يريد قتالهم مع قوته بعشيرته، وتعهد الله له بالنصر عليهم.
قال تعالى «أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ» وهو محمد وأصحابه «كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ» من الكفار «وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ» (١٤) في إخراج حضرة الرّسول واختيار عبادة الأصنام على عبادة الملك العلام كلا لا يستوون عند الله، وبينهما كما بين ما أعده الله لكل منهما. وما قيل إن المراد بهذه الآية أبو جهل أو غيره من الكفرة المحرّضين على إخراج الرّسول من مكة لا يقيدها بهم، بل هي عامة فيهم وفي غيرهم من الكفار، على أن أبا جهل قتل في حادثة بدر الأولى الكائنة في السّنة الثانية من الهجرة وهذه السّورة نزلت في ذي القعدة السّنة السابعة منها، فبينهما خمس سنين وشهران، لأن غزوة بدر في رمضان، ولكن الآية مكية فيجوز إدخال أبو جهل واضرابه فيها، إذ نزلت على أثر ما دبروه في قصته ﷺ . قال تعالى «مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ» متغير الطّعم ولا منتن من طول المكث أو طرح شيء فيها كأنهار الدّنيا، بل هي صافية طيبة عذبة «وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ» لأن التغيير من خصائص الدّنيا وما فيها، أما الآخرة فلا تغير فيها، كما أنها هي لا تتغير على كر الأزمان «وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ»
стр. 2860
لا حامضة ولا مرة ولا حريقة ولم تدنس بعصر الأيدي ولا بدوس الأرجل كخمر الدنيا ولا غول فيها يذهب العقل ويصدع الرّأس ويقيء الطّعام، راجع الآية ٤٤ من سورة الصّافات ج ٢ تجد ما يتعلق بالفرق بينهما «وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى» لا شمع فيه ولم يخرج من بطون النّحل فيوجد منه ميتا فيه مما تستقذره النفس، بل هو خالص من كلّ الشّوائب جاء عن حكيم بن معاذ عن أبيه عن النبي ﷺ قال إن في الجنّة بحر الماء وبحر العسل وبحر اللّبن وبحر الخمر، ثم تشقق الأنهار بعد- أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح- وروى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ سيحان (نهر اورقه غير سيحون) وجيحان (نهر المصيصة في بلاد الأرمن غير جيحون) والفرات ونيل مصر كلّ من أنهار الجنّة أي مادتها من مادة أنهار الجنّة من حيث الطّعم واللّون، لا أن منبعها من هناك لأن منابعها الظّاهرة في الدّنيا مشهودة ومعلومة ومشهورة، وان قول حضرة الرسول من أنهار الجنّة لا يعني أن منابعها منها بالنسبة لما نراه وبالنظر لواقع الحال أما في الحقيقة فلا يعلمها إلّا الله لأن ظاهر علمنا يقتصر عند ظاهر منابعها ولا نعلم من أين يأتي ذلك، وليس محالا على الله أو مستحيلا عليه إن جعل أصل منبعها من الجنّة أو من فوقها أو من تحتها، والله على كلّ شىء قدير. وعلينا أن نصدق بما جاء عن الرّسول في هذه وغيرها لأنه لا ينطق عن هوى، وقد أمرنا الله بأن نأخذ ما يأتينا به وننتهي عما ينهانا عنه كما يأتي في الآية ٧ من سورة الحشر. قال تعالى «وَلَهُمْ فِيها» أي الجنّة ذات الأنهار المذكورة «مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ» مما عرفه البشر أو لم يعرفه يتفكهون فيها «وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ» أيضا زيادة على ذلك كله، ورفع التكاليف عنهم فيما يأكلون ويشربون بخلاف فواكه الدنيا فإنهم قد يحاسبون عليها هل هي من حل أم لا، وهل أسرف فيها أم لا، وهل رزق غيره منها أم لا، أما المغفرة عن الذنوب فتكون لأهل الجنّة قبل دخولها فمثل هؤلاء المؤمنين الكرام ليس «كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ» من الكفرة اللئام «وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ» (١٥) لشدة حرارته. وبعد أن بين تعالى حال أهل الجنّة وأهل النّار طفق يذكر بعض مثالب المنافقين، فقال
стр. 2861
عز قوله «وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ» يا حبيبي «قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ» من أصحابك «ماذا قالَ آنِفاً» لأنهم لا يعون قوله إذ لا يلقون له بالا تهاونا به قاتلهم الله، وتغافلا عنه، لذلك لا يقهمونه «أُولئِكَ» الّذين لا يفطنون لكلام رسولهم هم «الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ» فلم ينتفعوا بها لذلك لم يصغوا لمواعظ الرّسول وهو معهم فتركوها «وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ» (١٦) الباطلة فأمات الله قلوبهم «وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا» بهداية الله وعظات رسوله، فسمعوا خطابه ووعوا قوله وانتفعوا به «زادَهُمْ هُدىً» وبصيرة وعلما لم يعلمه غيرهم لأن الله شرح صدورهم «وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ» (١٧) أي
جزاءها الدّنيوي في الآخرة وبينه لهم على لسان رسولهم. ثم شرع يهدد الكافرين والمنافقين، فقال عز قوله «فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً» على حين غفلة وغرة «فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها» علاماتها وأماراتها «فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ» (٨) أي فكيف بهم إذا جاءتهم السّاعة المذكّرة لهم بكل ما وقع منهم، وكيف يكون حالهم في ذلك الوقت عند بروز أعمالهم السّيئة، ومن أين لهم إذ ذاك التذكر والاعتذار والتوبة والإيمان لفوات محلها؟ أخرج الترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ بادروا بالأعمال سبعا، فهل تنظرون إلّا فقرا منسيا، أو غنى مطغيا، أو مرضا مفسدا، أو هرما مقعدا، أو موتا مجهزا، أو الدّجال، فشرّ غائب ينتظر، أو السّاعة والسّاعة أدهى وأمر. وروى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد قال رأيت النّبي ﷺ قال بإصبعه هكذا الوسطى والتي تلي الإبهام وقال بعثت أنا والسّاعة كهاتين. ورويا عن أنس مثله بزيادة كفضل إحداهما على الأخرى، وضم السّبابة والوسطى. أي ما بين مبعثه ﷺ وقيام السّاعة شيء يسير كما بين الإصبعين من الطّول.
مطلب عصمة النّساء وصلة الرّحم وتدبر القرآن ومثالب المنافقين والكافرين والبخل وما نفرع عنه:
ورويا عن أنس قال عند قرب وفاته ألا أحدثكم حديثا عن النّبي ﷺ لا يحدثكم به أحد غيري، سمعت رسول الله ﷺ يقول لا تقوم السّاعة، أو قال من أشراط
стр. 2862
الساعة أن يرفع العلم، ويظهر الجهل، ويشرب الخمر، ويفشو الزنى ويذهب الرجال ويبقى النّساء حتى يكون لخمسين امرأة قيم. وفي رواية: ويظهر الزنى ويقل الرّجال وتكثر النّساء. ورويا عن أبي هريرة أن من أشراط السّاعة أن يتقارب الزمان وينقص العلم وتظهر الفتن ويلقى الشّح، أي يلقى البخل والحرص في قلوب النّاس على اختلاف أحوالهم هذا على سكون اللام (فَمَنْ يُلْقى) وعلى فتحه وتشديد القاف يكون المعنى يتلقى البخل ويتعلم ويدعى إليه ويتواصى به، قاله العتبي وصوّبه ابن الأثير. ولا يقال يلقى بمعنى يترك إذ لا يستقيم المعنى لأن المقام مقام ذم، ويكثر الهرج، قالوا وما الهرج يا رسول الله؟ قال القتل.
هذا وقد أسهبنا البحث في هذا في الآية ١٥٨ من سورة الأنعام المارة في ج ٢.
واعلم أن المراد برفع العلم ونقصه موت العلماء وقلة طلبه، لا أنه يرفعه من قلوب العلماء، لأنه أكرم من أن يأخذه ممن يمنحه إياه، يؤيده خبر: إن الله لا ينتزع العلم انتزاعا وإنما يرفعه بموت العلماء. ثم التفت إلى رسوله وخاطبه بقوله «فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ» ودم على ما أنت عليه من العلم بهذا التوحيد الخالص، وأعلم أمتك بالمداومة عليه وحثهم على التمسك به، وأن يعضوا على هذه الكلمة بالنواجذ وأعلمهم أن لا خلاص لأحد من عذاب الله إلّا بها، وحرضهم على أن لا يفقوا عنها، وخاصة عند مفارقتهم الدنيا، فمن مات عليها. اللهم أمتنا عليها، وقد وصفها بعضهم بقوله:
مليحة التكرار والتنثى ... لا تغفلي عند الوداع عني
«وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ» مما تعده ذنبا بالنسبة لمقامك «وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ» استغفر أيها الرّسول «وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ» (١٩) أنت وإياهم في الدّنيا من جميع حركاتكم وسكناتكم وفي الآخرة يعلمه على درجاتكم فيها، وإنما أمر الله نبيه بالاستغفار تعليما لأمته، وإلّا فهو مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، كما سيأتي أوّل سورة الفتح الآتية، وذنبه ﵇ ليس كذنوب أمته لأنه منزه عنها، وإنما هي على حد حسنات الأبرار سيئات المقربين. روى مسلم عن الأعز المزني قال سمعت رسول الله ﷺ يقول أنه ليغان على قلبي (أي يغطّى
стр. 2863
ويغشّى كما تغشّى السّماء بالغيم) حتى أستغفر في اليوم مئة مرة، وفي رواية توبوا إلى ربكم إني لأتوب إلى ربي مئة مرة في اليوم، وروى البخاري عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم سبعين مرة. وفي رواية أكثر من سبعين مرة. وذلك بسبب ما أطلعه الله عليه من أحوال أمته بعده، فأحزنه ذلك حتى كان يستغفر لهم، أو لما كان يشغله النّظر في أمورهم ومصالحهم حتى يرى أنه اشتغل بذلك عن التفرد بربه، فيحزنه ذلك، فيستغفر ربه من أجل أمته، فعليكم باتباعه والتمسك بشريعته واهتدوا بهديه واتخذوه وسيلة لكم وحجة عند ربكم، وإياكم أن تسببوا لأنفسكم ما يكون به حجة عليكم.
وتقدم البحث في هذا في الآية ٦٥ من سورة الزمر المارة في ج ٢ وفيها ما يرشدك لمراجعة غيرها. ولهذا البحث صلة عند قوله تعالى (أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) الآية ٣٠ من سورة الرّعد الآتية. قال تعالى «وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ» تأمرنا بالجهاد حبا فيه وحرصا عليه، لأن فيه العزّ، فأجابهم بقوله «فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ» في الجهاد غير متشابهة لا تحتمل تأويلا ولا تفسيرا «وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ» وكلّ سورة فيها ذكر الجهاد من أشد القرآن على المنافقين، لذلك قال تعالى «رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ» نظر شزر وكراهية تضجرا أوجبنا عن لقاء العدو، فتراهم شاخصي أبصارهم كأنهم يعانون سكرات الموت «فَأَوْلى لَهُمْ» (٢٠) كلمة ذم ودعاء عليهم بالمكروه كما تقول ويلك قاربك ما تكره بمعنى التهديد ويقارب هذه الآية في المعنى الآية ٧ من الأنفال والآية ٧٧ من النّساء والآية ٢٠ من الأحزاب المارات فراجعها.
وهنا تم الكلام ثم ابتدأ فقال «طاعَةٌ» لله ورسوله «وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ» عند سماع كلامه بالإجابة أولى بهم من ذلك لو عقلوا وسكتوا «فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ» ودنى وقت الجهاد «فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ» وآمنوا به وأخلصوا وجاهدوا مع رسوله ولم يخالفوا أمره ويخلفوا وعده ولم يكذبوا في قولهم «لَكانَ خَيْراً لَهُمْ» (٢١) من الإيمان الكاذب والقول الفارغ والنّكث بالعهد والطّاعة المزيفة. واعلم أنه لا يوجد في القرآن
стр. 2864
غير سبع آيات مبدوءة بحرف الطّاء هذه وأول طه وأول الطّواسيم والآية ٦٥ من الصافات و ٢٤ من الدّخان قال تعالى «فَهَلْ عَسَيْتُمْ» أيها المنافقون «إِنْ تَوَلَّيْتُمْ» عن سماع كلام الله واتباع أحكامه وطاعة رسوله فلعلكم «أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ» كما كنتم في الجاهلية وتسلكوا طرق البغي وسفك دماء النّاس «وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ» (٢٢) كما يفعل غيركم من الكفرة. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النّبي ﷺ قال إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرّحم فأخذت بحقوي الرّحمن (الحقوه مشد الأزرار) فقال مه فقالت هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت بلى، قال فذالك لك. ثم قال ﷺ اقرأوا إن شئتم (فَهَلْ عَسَيْتُمْ) الآية. وفي رواية الرّحم شجنة (قرابة) من الرّحمن مشتبكة اشتباك العروق. ولهذا البحث صلة في الآية ٢٣ من سورة الرّعد الآتية وقد بيّنا أول سورة النّساء وآخر الأنفال المارتين ما يتعلق في بحث الأرحام وأشرنا إليه في الآية ٦ من سورة الأحزاب المارة أيضا فراجعها «أُولئِكَ» المفسدون في الأرض قاطعوا أرحامهم هم «الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ» (٢٣) عن طريق الحق وسبيل الرّشاد فتاهو في الحيرة التي أدت بهم إلى النّار «أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ» فيتأملون في معانيه ويتفكرون في مغازيه بحضور قلب فيعرفون زواجره ومواعظه ووعده ووعيده ورشده وتهديده، فلا يجسرون على مخالفة ما فيه، وينقادون لأوامره ونواهيه. ونظير هذه الآية الآية ٨١ من سورة النساء المارة، وهذا استفهام بمعنى التعجب من سوء حالهم وقبح تمردهم وشناعة جبنهم فقد تراكم الصّدأ على أفئدتهم وران عليها سوء فعلهم، ولهذا قال تعالى «أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها» (٢٤) والقفل مثل لكل مانع للانسان من تعاطي الطّاعات كما أن قفل الدّار مانع من دخولها، وهذا من التكليف الذي لا يطاق، لأن المحل المغلق لا يمكن دخوله، والإيمان محله القلب فإذا ختم عليه وأغلق فمن أين يدخله؟
وهذا من الجائزات، لأن الله أمر من سبق علمه أن لا يؤمن بالإيمان، ولهذا فلا يقال كيف يمكنهم التدبر في القرآن وقد أصمهم الله وأعمى أبصارهم وختم على
стр. 2865
قلوبهم؟ وأم هنا بمعنى بل، والهمزة للتقرير، وهو إعلام بأن قلوبهم مسكرة لا يصل إليها ذكر الله، وتنكير القلوب للدلالة على أنها قاسية لا تتأثر بالوعظ والزجر والمراد بها قلوب المنافقين، لأنها على هذه الصّفة. وتقدم في الآية ٨٢ من النّساء ما يتعلق بهذا البحث فراجعه. وقيل في القفل لغزا:
وأسود عار أنحل البرد جسمه ... وما زال من أوصافه الحرص والمنع
وأعجب شيء كونه الدّهر حارسا ... وليس له عين وليس له سمع
قال تعالى «إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ» القهقرى ورجعوا كفارا «مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى» وأصروا على ارتدادهم كان «الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ» بوساوسه حتى زين لهم القبيح ورأوا السّيء حسنا «وَأَمْلى لَهُمْ» (٢٥) بامتداد الأمل وفسحة الأجل، ورغبهم في التمتع بالدنيا وحب الرّئاسة كما يفعل بعض الجهال الآن، ويقولون سوف نتوب، وما يحسون إلّا وقد باغتهم الموت فيتدمون ولات حين مندم. وقرىء وأملي بضم الهمزة وكسر اللام وفتح الياء أي أمهلوا في العمر، ولا شك أن المملي هو الله تعالى، وإنما أسند إلى الشّيطان لمباشرته له فعلا، وإلّا فإن الله قادر على منعه، وهو الذي قدره على ذلك التسويل والإملاء واراده، وإلّا فإن كيد الشّيطان ضعيف لا يستطيع على شيء إلا بتقدير الله إياه كما تقدم غير مرة «ذلِكَ» الإملاء والتسويل «بِأَنَّهُمْ» أهل الكتاب والمنافقين «قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ» وهم المشركون «سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ» ونتعاون معكم على عداء محمد وأصحابه فلا نجاهد معهم ونقعد عن سراياهم ولا نكثر سوادهم، وهذه كلها من الأحوال التي يذكرها المنافقون فيما بينهم سرا ولا يعلمون أن الله تعالى يفضحهم ويخبر رسوله بها «وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ» (٢٦) لا يخفى عليه شيء منها. وقرىء بكسر الهمزة أي ما يسره بعضهم لبعض. وبفتحها أي مكن في قلوبهم من ذلك ولم يفشوها بعد «فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ» يكون حالهم حين «يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ» (٢٧) إهانة له ويقرب من معنى هذه الآية ٥١، من سورة الأنفال المارة «ذلِكَ» الضرب «بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ» وهو عدم
стр. 2866
التعاون مع الرّسول وأصحابه «وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ» الذي هو التعاون لأن فيه رضاهم الذي هو من رضاء الله، ولهذا «فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ» (٢٨) التي زعموا أنها تنفعهم عند الله لأن سيئاتهم هذه محقت ثوابها ومحته فلم تبق له أثرا. قال تعالى «أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ» شك وشبهة ونفاق «أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ» (٢٩) التي في قلوبهم بل يخرجها ويبيّنها ليفضحهم بها «وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ» يا سيد الرّسل «فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ» وعلاماتهم «وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ» مقصوده ومغزاه وهو صرف الكلام من الصّواب إلى الخطأ وهو مذموم، وصرف الكلام من الخطأ إلى الصواب وهو ممدوح في اللاحن، أي فتكون كلمة اللّحن من الأضداد. قال أنس ﵁ ما خفي على رسول الله ﷺ بعد نزول هذه الآية شيء من أحوال المنافقين، وكانوا يهجنون ويقبحون ويستهزئون به وبأصحابه. قال تعالى «وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ» (٣٠) فيجازيكم بمثلها
«وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ» بشيء من التكاليف الشّاقة المحتملة الوقوع وغير المحتملة اختبارا وامتحانا «حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ» حقيقة «وَالصَّابِرِينَ» على البلاء «وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ» (٣١) فنظهرها للناس ليعلموا كذبكم الذي تتظاهرون به مظهر الصّدق «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ» خالفوه وانشقوا عليه وتفرقوا عنه «مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً» بأفعالهم هذه، وإنما يضرون أنفسهم «وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ» (٣٢) يمحقها ويحرمهم ثوابها بحيث يمحوها من صحائف أعمالهم راجع الآية ٣٩ من سورة الرّعد الآتية «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ» (٣٣) مثل هؤلاء المنافقين بالرياء والسّمعة. زعم بعض المؤمنين أن لا يضرهم ذنب مع الإيمان كما لا ينفع عمل مع الشّرك فنزلت هذه الآية، ولا دليل فيها لمن يرى إحباط الطّاعات بالمعاصي، لأن الله تعالى قال فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره الآية الأخيرة من سورة الزلزلة المارة، ولا حجة فيها لمن لا يرى إبطال النوافل بأنه إذا دخل في صلاة أو حرم تطوعا لا يجوز له إبطاله، لأن السّنة مبينة
стр. 2867
لكتاب الله، وقد ثبت في الصّحيحين أن النّبي ﷺ أصبح صائما، فلما رجع إلى البيت وجد حبسا فأكل منه، قالت الفقهاء إذا تلبس بالنفل من صوم أو صلاة أو غيرها فعنّ له أن يفطر فله ذلك وعليه القضاء، وإيجاب القضاء، وإيجاب القضاء لا يخالف الحديث قال تعالى «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ٢٤» حكم هذه الآية عام ولو أنها نزلت في أبي جهل وأضرابه أهل القليب في بدر حينما جاء ذكرهم بأن لهم أعمالا كإطعام الطّعام وصلة الأرحام وغيرها مما يفعله الجاهلية عادة لأن ما قدموه من خير وهم على كفرهم كافأهم الله عليه في الدّنيا ولم يبق لهم برّ ما يلاقون به وجه الله، وأين هؤلاء من لقائه، لأنهم يساقون إلى النّار على وجوههم «فَلا تَهِنُوا» أيها المؤمنون ولا تضعفوا إذا تخلف عنكم المنافقون أو ناوءوكم ليلجئوكم إلى الكف عن أعدائكم «وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ» الصلح. منع الله المؤمنين في هذه الآية أن يطلبوا الصّلح من الكفار لئلا تلحقهم الذلة، وخاطبهم بقوله «وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ» عليهم «وَاللَّهُ مَعَكُمْ» بالنصر والغلبة والمعونة «وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ ٣٥» لا ينقصها بل يوفّها لكم. هذا وقد أمر الله تعالى في الآية ٦٢ من الأنفال بإجابة طلب الصلح من قبل الأعداء فراجعها لتقف على الفرق بين الطّلبين، وأن ما يفعله الأجانب من طلب الصّلح وهم غالبون ليس هو طلب صلح بمعناه الحقيقي، لأن الغالب لا يطلبه من المغلوب، وإنما هو عبارة عن تكليفهم بالإذعان لشروط شاقة يفرضها الغالب على المغلوب حين اشتداد البأس وإيناس الضّعف منه ليقبلها قسرا عنه وهو راغم أنفه، فلو كان صلحا بمعناه الحقيقي لما كان منهم طلبه عند الضّيق وبلوغ القلوب الحناجر، وإنما هو أشد وقعا من الحرب فيقبلونه وهم كارهون لئلا يقضى عليهم بالاستئصال، أما الصّلح زمن السّلم فلا يكون إلّا عن رضى وطيب نفس، لأن العاقبة مجهولة لدى الفريقين، لذلك فإن كلا منهم يرى الصّلح خيرا بحقه وهذا هو الفرق بين صلح السّلم وصلح الحرب. ثم زهّدهم الله تعالى في الدّنيا بقوله «إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ» فلا تغتروا بها «وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا» فتعضدوا إيمانكم وتقووه بالتقوى «يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ» ربكم كاملة
стр. 2868
يوم القيامة «وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ ٣٦» لقاء ما يعطيكم من الثواب بل يمنحكم أياما عفوا منه، لأنه تعالى يعلم بأنه «إِنْ يَسْئَلْكُمُوها» بمقابلة ثوابه «فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا» بإعطائها والاجفاء المبالغة في كلّ شيء ومنه إحفاء الشّارب أي المبالغة في قصة وأحفى في المسألة إذا ألح فيها جهده، أي إذا استقصى عليكم بها أجهدكم بطلبها كلها، فلا بد أن تبخلوا، ولهذا جعل زكاة المال ربع عشره كي لا يبخل النّاس بها على فقراء الله فلا يعطوهم شيئا منها «وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ ٣٧» ويظهر عداوتكم وبعضكم للانفاق لشدة محبتكم للمال المفروزة في قلوبهم عند الامتناع من الانفاق والله تعالى لا يريد ذلك منكم ولهذا خفف عليكم القدر الواجب لإنفاقه من أموالكم «ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ» أيها المخاطبون الموصوفون «تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ» شطرا قليلا من أموالكم في وجوه البر والخير طلبا لمرضاته «فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ» فلا تسمح نفسه بانفاق شيء مما أنعم الله عليه به «وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ» فيكون
وباله عليها، أي من يمسك ماله فلم ينفنه في طرقه المشروعة، ولهذا عدّي الفعل بعن، ولا شك أن البخل خطة ذميمة موجبة للخزي والعار بالدنيا والعذاب والنّار في الآخرة، حتى أن العقلاء حذروا مخالطة البخيل ومشورته، فقالوا لا تدخلن في مشورتك بخيلا فإنه يعدل بك عن الفضل ويعدك الفقر. - راجع الآية ٢٦٥ من البقرة المارة قالوا ولا جبانا فإنه يضعفك عن الإقدام، ولا حريصا فإنه يزين لك الشّره فالبخل والجبن والحرص غرائز شتى يجمعها سوء الظّن بالله، أجارنا الله منها «وَاللَّهُ الْغَنِيُّ» عنا وعن صدقاتنا، وإنما أمرنا بالإنفاق لما فيه من النّفع لنا في الدّنيا والآخرة «وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ» المحتاجون إلى ربكم أيها النّاس في كلّ أحوالكم، فإن فعلتم ما أمركم به نجوتم وكان خيرا لكم «وَإِنْ تَتَوَلَّوْا» وتعرضوا عن الإنفاق بالكلية وعن طاعة الله ورسوله، فلا تفعلوا ما يأمركم به ولا تجتنبوا ما ينهاكم عنه «يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ» يطيعونه ويأتمرون بأمره وينتهون عما ينهاهم عنه «ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ ٢٨» بالبخل وغيره من عدم الامتثال في أمر الجهاد ومخالفة الرّسول فيها يأمركم وينهاكم. أخرج الترمذي عن أبي هريرة قال
стр. 2869
قال ناس من أصحاب رسول الله يا رسول الله من هؤلاء الّذين ذكر الله إن تولينا استبدلوا بنا ثم لا يكونوا أمثالها؟ قال وكان سلمان بجنب رسول الله ﷺ فضرب رسول الله فخذ سلمان فقال هذا وأصحابه والذي نفسي بيده لو كان الإيمان متوطا بالثريا لتناوله رجال من فارس- وفي رواية من هؤلاء وكان واضعا يده على سلمان ﵁ وهذا الحديث مكتوب على باب ضريح الإمام الأعظم أبي حنيفة النّعمان بن ثابت ﵁ دفين بغداد إعلاما بأنه من أصحاب سلمان- أخرجاه في الصّحيحين-. هذا والله أعلم، واستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين وسلم تسليما كثيرا آمين.
تفسير سورة الرّعد عدد ١٠- ٩٦ و ١٣
نزلت بالمدينة بعد سورة القتال سورة محمد ﵇. وهي ثلاث وأربعون آية وثمنمئة وخمس وخمسون كلمة، وثلاثة آلاف وخمسمائة وستة أحرف.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال تعالى المر تقدم ما فيه أول الأعراف ج ١ وأول يونس ج ٢ وفيها ما يشيران إلى ما انطوت عليه هذه الأحرف المقطعة ومرجع علم ما فيها إلى الله تعالى، قال عطاء معناه أنا الملك الرّحمن «تِلْكَ» الآيات المارة من أول ما نزل إلى هنا، وآيات هذه السّورة وما بعدها هي «آياتُ الْكِتابِ» العظيم الكامل المنسوخ عن اللّوح المحفوظ عند الله «وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ» يا سيد الرّسل من القرآن هو «الْحَقُّ» الذي لا مرية فيه «وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ١» بأنه الحق من عند الله ويقولون تقوله محمد. ويلهم أتى لمحمد أن يأتي بمثله وهو يعلم أن الذي أنزله عليه هو «اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها» أنتم أيها النّاس بأنها مرفوعة بلا عمد من تحتها وليس لها كلاليب من فوقها تمسكها، ويجوز أن يكون لها عمد غير مرثية لأن أحدا لم يرها.
стр. 2870
مطلب في قوله تعالى بغير عمد. وفي قارات الأرض الخمس ومعجزات القرآن والمعقبات:
والآية تحتمل الوجهين فيجوز أن تقول بلا عمد البتة، أو بعمد ولكنها لم والله على كلّ شيء قدير «ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ» استواء يليق بذاته لا يعرفه خلقه راجع الآية ٤ من سورة طه، ج ١ والآية ٤١ من سورة يونس ج ٢ والآية ٤ من سورة الحديد المارة «وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ» لمنافع خلقه «كلّ» منها «يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى» هو انقضاء الدّنيا وخراب هذا يكون، وقد جعل جل شأنه لكل من الشّموس والأقمار والكواكب سيرا خاصا لجهة خاصة بمقدار خاص من السّرعة ومقياس خاص في البطء والحركة، راجع الآية ٧٧ من سورة يس والآية ١٣ من سورة الإسراء في ج ١ «يُدَبِّرُ الْأَمْرَ» ملكوته ناسوته ولاهوته بمقتضى حكمته لا يشغله شأن عن شأن «يُفَصِّلُ الْآياتِ» الدالة على وحدانيته وكمال قدرته «لَعَلَّكُمْ» أيها النّاس «بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ٢» إيقانا لا شبهة ولا ريب فيه. واعلم أن اليقين صفة من صفات العلم فوق المعرفة والدّراية وهو سكوت الفهم مع ثبات الحكم وزوال الشّك لما ذكر الله تعالى الدّلائل السّماوية أردفها بالدلائل الأرضية فقال «وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ» بسطها بعد أن كانت مجتمعة ولا يعني بالبسط أنها كالكف بل بالنسبة لما نراه منها، فالنملة ترى البيضة حينما تمشى عليها منبسطة ونحن نرى ما تحتنا ما يلينا من الأرض منبسطا، وهذا لا ينافي القول بكرويتها إن كانت كروية وجعل فيها رواسي جبالا عظاما ثوابت تثقلها لئلا تطبش فتميد راجع الآية ٩ من سورة لقمان ج ٢ ففيها ما يتعلق بهذا وما يتعلق بالآية الثانية المارة من جود العمد وعدمه «وَأَنْهاراً» عذبة لمنافع خلقه «وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ» ذكرا وأنثى أسود وأبيض مالح وباهت حلو حامض جليل وحقير كبير وصغير وما بينهما «يُغْشِي اللَّيْلَ» بضوء النّهار يغشي «النَّهارَ» بظلمة اللّيل «إِنَّ فِي ذلِكَ» الصنع البديع «لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ٣» بها ويفقهون المغزى فيها وما ترمي إليه فيستدلون بها
стр. 2871
على عظمة خالقها ويعرفون ماهية أنفسهم، والفكر مقلوب الفرك، لأنه يستعمل في طلب المعاني وهو فرك الأمور وبحثها طلبا الوصول إلى حقيقتها والوقوف على ماهيتها. قال تعالى «وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ» متقابلات متقاربات في الصّفة مختلفات في اللّون والإنبات طيبة وسبخة رخوة وصلبة محجرة ومتربة حصية ورملية فمنها صالح للزرع ومنها للشجر، ومنها ما ينبت نوعا خاصا من الأشجار والخضر، وما ينبت ويثمر شيئا منها ولا ينبت في الأخرى وما يعيش، ويوجد من الحيوانات في قطعة ولا يعيش ويوجد في الأخرى، فقد يوجد في آسيا مالا يوجد في استراليا، ويوجد في إفريقيا مالا يوجد بأمريكا وبالعكس، وهكذا أوربا من حيث الجمع لا الانفراد، لأن هذه القارات الخمس وهي في الحقيقة سبع لأن آسيا تقسم إلى قسمين وأمريكا كذلك، وقد يختلف نباتها وثمارها وحيواناتها ومخلوقاتها في اللّغة واللّون والأخلاق تختلف أيضا، فسبحان من أودع في كل ما هو صالح له، وفي كلّ قلب ما أشغله «جَنَّاتٌ» فيها مختلفة الصّفات بحسب طبايع أرضها وكلّ أرض ذات شجر يجنّها أي يسترها تسمى جنة، ولكن شتان بين هذه وجنّات الآخرة على حد قوله:
ولن يتساوى سادة وعبيدهم ... على أن أسماء الجميع موالي
ثم بين أشجار هذه الجنان بأنها «مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ» كل منها مختلفة في النّوع والشّكل والهيئة، وكلّ منها «صِنْوانٌ» الصنوان الشّجرات المتعددة من أصل واحد واحده صنو «وَغَيْرُ صِنْوانٍ» شجرة منفردة بأصلها، فالأشجار المجتمعة بأصلها أو برأسها كالنخل لأنه قد يتفرع له في رأسه فروع تصير كالنخلة المتفرعة من الأصل وتحمل ثمرا أيضا، وهذا كثير مشاهد ويسمى صنوان وقد بينا في الآية ٩٩ من سورة الأنعام في ج ٢ الكلمات التي هي على وزن صنوان فراجعها تقف على أصلها وجمعها، وانظر أيها الإنسان إلى عظيم قدرة ربك أن تلك الأشجار كلها «يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ» أي الطّعم فمنها الحلو والحامض والمز والمر وغير ذلك، وكذلك في الرّائحة واللّون والشّكل كالإنسان، منه الخبيث والصّالح والأحمر والأسود
стр. 2872
والحسن والقبيح وما بينهما وهم من أب واحد «إِنَّ فِي ذلِكَ» الخلق العجيب والاختلاف الغريب الذي يبهر العقول ويكل عن فهمه المعقول والمنقول ويعجز عن إدراكه الفحول «لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ٤» تلك المعاني ويتدبرون مغزاها ومرماها ويتفكرون في تلك القدرة العظيمة «وَإِنْ تَعْجَبْ» أيها الإنسان الكامل من هذه المكونات البديعة النّاشئة عن قدرة الله البالغة، فحق لك أن تعجب لأنه مما يوجب العجب، ولكن إنكار الكفرة للبعث مع اعترافهم بأن الله خلقهم على غير مثال سابق أكثر عجبا من هذا لأنه كله دون قدرة القادر، ولأن إعادة الشّيء أهون وأيسر من إبداعه، ولهذا «فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ٥» فقولهم هذا هو الذي يجب أن تتعجب منه لا ذلك. واعلم أن العجب في حقّه تعالى محال لأنه حالة تغوي الإنسان، وتعرض له عند الجهل بالسبب، للشيء المتعجب منه، لأن النّفس تستبعد رؤية مالا تعرف سببه، وتتنزه ذات الله تعالى عن تلك «أُولئِكَ» الّذين ينكرون لبعث هم «الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ» لإنكارهم قدرته «وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ» يقادون فيها كالأسرى إلى النّار يوم القيامة هوانا بهم، ولكن بين إهانة الأسرى المنقطعة وإهانتهم الدّائمة في الوصف والكيفية فرق عظيم «وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ٥» وفي تكرار كلمة أولئك دلالة على عظم الأمر والهول والتعجيب. قال تعالى «وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ» وذلك أنه ﷺ كان حينما يخوفهم عذاب الله يستهزئون به يقولون هات ما تنذرنا به إن كنت صادقا، وحينما يبشرهم بما عند الله للمؤمن كانوا لا يلتفتون إليه، وقد قص الله تعالى عنهم قولهم قبلا (اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً) الآية ٣٢ من سورة الأنفال المارة، ولم يقولوا لكثافة جهلهم اللهم اهدنا إليه «وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ» النقم التي أوقعناها بالأمم الماضية جمع مثلة بفتح الميم وضم الثاء أو بفتحها جمع مثل هو ما ضربه الله لأمثالهم من الكفرة الأقدمين ليتعظوا فلم ينجع بهم ولم يرتدعوا «وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ» أنفسهم وغيرهم. قال
стр. 2873
السدي هذه أرجى آية في القرآن لذكر المغفرة مع الظّلم بدون التوبة راجع الآية ٨٥ من سورة الإسراء ج ١ تجد ما يتعلق في هذا البحث «وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ ٦» لمن يموت على كفره «وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا» هلا «لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ» على الرّسول محمد ﷺ الذي يدعونا إلى دينه «آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ» يقنعنا بها كآية صالح أو موسى وغيرهما يريدون شيئا محسوسا فقال تعالى لرسوله لا ترد عليهم «إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ» لهم سوء عاقبة الكفر ومبشر بحسن نتيجة الإيمان «وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ» يهديهم بما أرسل إليه من ربه إلى دينه القويم بالطرق التي أمره بها ربه لا بما يريدون ويتحكمون، لأن الله تعالى لم تجر عادته أن ينزل الآيات على حسب اقتراح الكفرة، وإنما ينزلها بإرادته ومشيئته على من يريد من عباده، أما ناقة صالح ﵇ فكانت بمراد الله وتقديره في أزله أنهم يطلبونها من نبيهم فيعطونها، وما عموم إلّا وخص منه البعض مثل رفع العذاب عن قوم يونس راجع الآية ٩٨ من سورته في ج ٢. ثم شرع جل شأنه يقص عليهم من عظائم قدرته وبالغ علمه بما يغنيهم عن الآيات إذا عقلوا فقال جل قوله «اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى» هل هو كامل الخلق أو
ناقصه حسن أم دميم طويل أو تصير ذكر أو أنثى يعيش أو لا يعيش عالم أو جاهل غني أو فقير ويعلم مدة حمله وعيشه في الدّنيا ورزقه وأجله وكلّ ما يقع منه وما يؤول إليه أمره في الدّنيا والآخرة، وهذا العلم مما استأثر به نفسه المقدسة وقد عجز الحكماء عن معرفة شيء من ذلك حتى الآن، ولا يزالون عاجزين إلى الأبد، راجع الآية الأخيرة من سورة لقمان في ج ٢ تجد ما يتعلق في هذا البحث بصورة واضحة «وَما تَغِيضُ» تنقص «الْأَرْحامُ» تسقطه من الحمل يعلمه متى يكون «وَما تَزْدادُ» عن الواحد ومن نقص الأرحام والحيض زمن الحمل فإنه ينقص غذاء الجنين فيخرج ضعيفا، قال أبو حنيفة ﵀ لا تحيض المرأة حال حملها لأن الله تعالى أجرى عادته بانسداد فم الرّحم بالحمل وما تراه الحامل من الدّم فهو استحاضة ودم الاستحاضة يكون من مرض وشبهه فيسبب ضعفا بالحامل فينشأ عنه ضعف الجنين، وقد تسقطه، وقد يخرج ناقص الخلقة ويولد لأقل من تسعة أشهر،
стр. 2874
والزيادة عكس هذه الأشياء، ومن الزيادة زيادة الأصبع وشبهه، وقد يكون اثنان برأس واحد، ورأسان بجثة واحدة، يخلق ما يشاء «وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ» (٨) لا يتجاوزه، فالقادر على هذه الأشياء وتمحيصها هو «عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ (٩) » على مخلوقاته تشير هذه الآية الكريمة إلى الأوزان الكيماوية التي لم تكشف إلّا بعد وقوف علماء أوريا الدّنيويين على أصول تحليل العناصر وتركيبها، واطلاعهم على أن لكل عنصر موجود في هذا الكون مقدارا محدودا، وأنه يستحيل أن يتركب جسم من الأجسام إلّا على مقادير معينة منها الماء، فإن تركيبه الكيموي؟؟ لتركبه على نسبة ثمانية أو كسجين إلى واحد هدروجين وهذه النّسبة لا تزيد ولا تنقص، فلو نقص من أحدهما عشر معشار الدّرهم لا يتولد الماء، وإن زدنا على أحدهما يحصل التركيب على القدر الذي قدره لهما والزائد يبقى معلقا والتولد سر خفي يسمى الألفة الكيمياوية، ولما كان أمرها غامضا لم يقف ولن يقف على كنهها واقف للاشارة إليها بقوله (عالِمُ الْغَيْبِ) بعد قوله (اللَّهُ يَعْلَمُ) لان استحالة تكون الجنين ومعرفة كنه تولد الأرحام سواء. ولكبير أهمية مقادير العناصر ذكرها الله سبحانه في قوله الجليل (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) الآيتين ٢١ و ٢٢ من سورة الحجر في ج ٢ إذ لو زاد أو كسجين أهواء لهاجت النّفوس واضطربت أو زاد نتروجينه لاعتراها الموت، فالحكمة الإلهية جعلته مزيجا منها على قدر معين محدود بحيث تلطفت حرارة الأوّل ببرودة الثاني، فتأمل معجزات القرآن العظيم وانظر هل كان إبان نزوله من يعرف هذا غير منزله؟ وهناك معجزات أخرى لم تختمر بعد في العقول لتظهر للملأ وصدق الله في قوله العزيز (ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ) الآية ٣٨ من الأنعام في ج ٢ وفي كلّ ما جاء عنه في كتبه وعلى لسان رسله ورحم الله الأبوصيري حيث يقول:
آيات حق من الرّحمن محدثة ... قديمة صفة الموصوف بالقدم
فلا تعد ولا تحصى عجائبها ... ولا تسام على الإكثار بالسام
стр. 2875
وإذا أردت أن تقف على الموزونات راجع الآيتين المذكورتين آنفا في سورة الحجر قال تعالى «سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ» عند الله لا فرق بينهما لديه «وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ» (١٠) ذاهب على وجه الأرض، والسّرب بفتح السّين وسكون الرّاء هو الماشية كلها والطّريق وبالكسر لقطيع من النّساء والظّباء وبفتحتين الحفرة تحت الأرض والقناة وجاء في الحديث (آمنا في سربك) أي أهلك، والمعنى أن كلّ ذلك عند الله سواء لا يختلف عنده حال عن حال فالسر والعلانية والخفاء والظّهور عنده سواسية
«لَهُ» لذلك الإله العظيم «مُعَقِّباتٌ» ملائكة يتعاقبون ليل نهار «مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ» من أمام كلّ عبد من عبيده «وَمِنْ خَلْفِهِ» ورائه «يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ» قدره وقضائه بأمر الله وإذنه، ومعقبات جمع معقبة، ومعقبة جمع عاقب، ولا يستدل بهذا أن الملائكة إناث كما زعم البعض، لأن جمع الجمع مثل رجالات جمع رجال ورجال جمع رجل، والملائكة لا يوصفون بذكورة ولا بأنوثة. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال يتعاقبون فيكم ملائكة. وعلى هذا الحديث. وقوله تعالى (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) الآية الثالثة من سورة الأنبياء في ج ٢، جاءت لغة (أكلوني البراغيث) على أن يكون الواو في الفعل ضمير جمع فقط والفاعل البراغيث، كما أن الملائكة في الحديث (والّذين في الآية) هما الفاعل، والواو في الفعلين ضمير جمع فقط أي يحرسونه بالليل والنّهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الّذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم كيف تركتم عبادي، فيقولون تركناهم وهم يصلون، وآتيناهم وهم يصلون، وهذه الآية عامة، لأن الله تعالى وكلّ بكل نفس من من يحفظها من ملائكته. وروي عن ابن عباس وغيره لما جاء عامر بن الطّفيل وزيد بن ربيعة من بني عامر بن زيد قال عامر يا محمد مالي إن أسلمت؟ قال لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم (ومن هنا يعلم أن ليس لأحد أن يشترط على إمام المسلمين شرطا يتميز به عن بقية المسلمين) قال تجعل الأمر لي من بعدك؟ قال ليس ذلك لي إنما هو لله تعالى يجعله حيث يشاء، قال فتجعلني على الدّبر أي البادية؟
следующие страницы →