← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23595

بيان المعاني

ملا حويش

Полный текст (3 362 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

مثله فاذا قلت ضعف عشرة او ضعف مائة فذلك عشرون ومائتان بلا خلاف «قالَ» تعالى «لِكُلٍّ» منهم ومنكم «ضِعْفٌ» اما هم فلضلالهم وإضلالهم، وأما أنتم فلضلالكم واتخاذكم المتبوعين أولياء تأتمرون بأمرهم وتنتهون بنهيهم. وهذا الضعف كالأول غير مقيد بالمثل فيشمل أضعافا كثيرة لأنه لم يضعف لعدد، تدبّر. «وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ ٣٨» ما أعد الله لكل منكم من العذاب لان كلا منكم مشغول بما هو فيه- وقرىء لا يعلمون بالياء-. مطلب مواقف يوم القيامة وإمكان القدرة: وعليه تكون هذه الجملة منفصلة عما قبلها بسبب الالتفات في الخطاب الى البغية «وَقالَتْ أُولاهُمْ» المتقدمون عليهم في المنزلة «لِأُخْراهُمْ» المتأخرين عنهم مكانة بحسب الدنيا أي قالت الأشراف للسفلة «فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ» لأنكم كفرتم فما كفرنا فنحن وأنتم متساوون في العذاب وسببه، وهذا مرتب على قوله تعالى على وجه السبب «لِكُلٍّ ضِعْفٌ» فهو يؤذن بالمساواة، والفاء جواب الشرط أي إذا كان كما قال تعالى وهو كما قال فلا فضل لكم علينا فلماذا تدعون علينا وبعد ان يزجوا فى النار ويزداد تصايحهم فيها يقول لهم تعالى قوله «فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ٣٩» في الدنيا من الأعمال الخبيثة، فيسكتون بعد سماع كلام الله الذي لا يبدل وهو القائل (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا» الدالة على عظمتنا وقدرتنا الموضحة لأحكام ديننا المبلغة على لسان انبيائنا «وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها» فلم يعتنوا بها ويلتفتوا إليها في الدنيا «لا تُفَتَّحُ لَهُمْ» الآن كما هو الحال عند موتهم «أَبْوابُ السَّماءِ» أي لا يسمع دعاؤهم حين يستغيثون بنا في هذا الموقف كما لا يصعد لهم عمل في الدنيا ولا ترفع أرواحهم إليها إذا ماتوا لأن كلامهم وأعمالهم وأرواحهم خبيثة فهم محرومون من بركة السماء وغيرها ورحمة خالقها إذ لا يصعد الى الله الا الكلم الطيب والعمل الصالح والأرواح الطاهرة «وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ» هؤلاء المستكبرون عنا في حياتهم الدنيا «حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ» يدخل «فِي سَمِّ الْخِياطِ» ومن المعلوم عدم إمكان دخوله أي لا يدخلون ابدا، وهذا من

стр. 352

ضرب المحال كقوله لا آتيك حتى يشيب الغراب أو يبيضّ القار أو يسود الثلج، وخص الجمل لأنه أكبر الحيوانات في الجملة عندهم، حتى انهم يضربون به المثل فيقولون جسم الجمال وأحلام العصافير، لقليل العقل. ويضربون المثل الضيق المسلك بثقب الإبرة كناية عن الشيء الذي لا يكون قال: إذا شاب الغراب أتيت أهلي ... وصار القار كاللبن الحليب ويطلق الجمل على الحبل الغليظ ولذلك فسره به بعض المفسرين لأنه مما يسلك إلا أن سلكه في الابرة محال، وعلى كل فيكون دخولهم في الجنة محالا، كما أن دخول الجمل أو الحبل الغليظ في ثقب الابرة محال، لأنه مما لا تتعلق به القدرة لعدم إمكانه ما دام العظيم على عظمه والضيق على ضيقه لأنها انما تتعلق بالممكنات الصرفة، والممكن الولوج بتصغير الغليظ وتوسيع الضيق فاذا أراد الله تعالى مثل هذا فعل ما يريد وهو على كل شيء قدير. واعلم أن من فسر الجمل بالحبل قرأه بضم الجيم وتشديد الميم كي يراد به الحبل الذي ذكرناه في الآية ٣٣ في المرسلات المارة قال تعالى «وَكَذلِكَ» مثل ذلك الجزاء الفظيع «نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ ٤٠» في دنياهم في الدار الآخرة وأل فيه للجنس فيشمل كل مجرم ثم بين حالتهم في النار بقوله «لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ» فراش تحتهم «وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ» أغطية منها ونظير هذه الآية قوله «مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ» الآية ١٦ ص الزمر في ج ٢ يعني أن النار محيطة بهم «كَذلِكَ» مثل هذا الجزاء الشديد «نَجْزِي الظَّالِمِينَ ٤١» أنفسهم في الدنيا بالعذاب الشنيع في الآخرة وحرمانهم من الجنة «وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ» في دنياهم لهم ما يشاءون في الآخرة لا يضيّق عليهم فيها أبدا لأنا «لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها» بما يسهل عليها ويكون في طوقها ممّا لا حرج فيه عليها من الأعمال وهذه جملة اعتراضية بين المبتدأ وهو الموصول والخبر وهو «أُولئِكَ» أي المؤمنون بالله العاملون صالحا هم «أَصْحابُ الْجَنَّةِ» في الآخرة الدائمة و «هُمْ فِيها خالِدُونَ ٤٢» أبدا، والذي أحسن وقوعها مناسبتها للمعنى لأنه لما ذكر العمل ت (٢٣)

стр. 353

الصالح الذي لا كلفة فيه ذكر أنه في وسعهم فعله، وفيه تنبيه للكفرة على أن الجنة مع عظمها يتوصل إليها بالعمل الصالح السهل إجراؤه على العامل قال تعالى «وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ» كان بينهم في الدنيا فلم يبق بين أهل الجنة إلا التوادد والتعاطف، قال علي كرم الله وجهه: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم، وما قيل أنه قال فينا والله أهل بدر نزلت هذه الآية لا يصح، لأن الآية مكية بالاتفاق وحادثة بدر بعد الهجرة بسنتين فيكون بينهما ما يقارب تسع سنين، هذا، وهذه الجنة التي وعدوا بها «تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ» ينعمون فيها دائما «وَقالُوا» لبعضهم مثنين على ربهم «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا» الفوز العظيم في الآخرة وأرشدنا إلى العمل الطيب في الدنيا «وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ» له بارادتنا وقوتنا «لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ» اليه بمنه وكرمه وفضله، وفي الآية دليل على أن المهتدي هو من هداه الله، والضال من أضله، أقسموا قائلين والله «لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا» إلينا في الدنيا «بِالْحَقِّ» الصدق حيث رأوا ما وعدوهم به عيانا وهذا من قبيل المثل السائر «ليس الخبر كالمعاينة وإلا فهم قالوا هذا القول وصدقوا به في دنياهم وهو الذي أوصلهم إلى ما هم فيه من النعيم «وَنُودُوا» من قبل ملائكة الرحمة «أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ التي وعدتموها فادخلوها لأنكم «أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ٤٣» في دنياكم من الأعمال الصالحة ولقد نعت الله تعالى حال أهل الجنة في الجنة كما وصف حال أهل النار في النار، ألا فلينتبه من كان له قلب، روى البخاري عن ابي سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين اجر والنار فيقتصّ لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا اذن الله لهم في دخول الجنة، فو الذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في اجر منه بمنزله في الدنيا. وروى مسلم عنه وعن أبي هريرة أن رسول الله قال: دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد إن لكم أن تحيوا ولا تموتوا أبدا، وإن لكم تصحوا ولا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تشبوا ولا تهرموا أبدا، وإن لكم

стр. 354

تنعموا ولا تيأسوا أبدا، فذلك قوله (وَنُودُوا) (إلخ) وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: ما من أحد إلا وله منزل في الجنة ومنزل في النار، فأما الكافر فإنه يرث المؤمن منزله في النار، وأما المؤمن فإنه يرث الكافر منزله في الجنة. زاد في رواية فذلك قوله تعالى: (أُورِثْتُمُوها) وذلك لأن الكافر ميت بدليل قوله تعالى: (أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ) الآية ٢٤ من سورة النحل في ج ٢ والمؤمن حي بدليل قوله جل قوله (لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا) الآية. من سورة يس الآتية والحي يرث الميت ولا يرد على هذا قوله ﷺ لن يدخل الجنه أحد يعمله وإنما يدخلها برحمة الله تعالى، لأن دخول الجنة حقيقة برحمة الله إلا أن انقسام المنازل والدرجات بالأعمال. وإن المؤمن لن ينال العمل الصالح إلا برحمة الله وتوفيقه فيكون دخول الجنة برحمة الله ثوابا وجزاء على الأعمال الصالحة في الدنيا قال صاحب بدء الامالي: دخول الناس في الجنّات فضل ... من الرحمن يا أهل الأمالي ونظير هذه الآية ٣٢ من سورة النحل والآية ٦٣ من سورة الزخرف في ج ٢ ولا يخفي ما في هذه الآية من الرد الواضح على القدرية الزاعمين أن كل مهتد خلق لنفسه الهدى ولم يخلق الله له ذلك. مطلب خطأ قول القدرية: قال الشيخ أبو منصور إن المعتزلة خالفوا الله فيما أخبروا وأبا البشر الثاني نوحا ﵇ وأهل الجنة وأهل النار وإبليس أيضا. فالله تعالى قال: (يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) الآية ٢٩ من سورة الرعد في ج ٣. وقال نوح وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ) الآية ٣٤ من سورة هود في ج ٢. وقال أهل الجنة (وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ) الآية المارة. وقال أهل النار (لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ) الآية ٢١ من سورة ابراهيم في ج ٢. وقال إبليس (فَبِما أَغْوَيْتَنِي) الآية ١٥ المارة فدونك أعرض قول المعتزلة على هذه وانظر قول

стр. 355

الله حكاية عن قول الموحدين وهم في مقعد صدق (وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ) فى حال الدنيا مع قولهم (المهتدي من اهتدى بنفسه) وانظر هداك الله ما تختاره فلا شك أنك تقول الله الهادي ولا تعدل عنه ابدا إذ لا يوازي قول الله قول. ثم شرع جل شرعه فيما يقع بينهما من المحادثة فقال: «وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ» وذلك بعد أن استقر كل بمكانه «أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا» على لسان رسله من النعيم المقيم «حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ» من العذاب المترتب على تكذيبكم رسلكم في الدنيا «حَقًّا قالُوا نَعَمْ» وجدناه حقا ومسنا ألمه «فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ» هو صاحب الصور إسرافيل ﵇ أو غيره من الملائكة وما قيل أنه علي ﵇ بعيد عن الصحة لعدم الدليل ولأنه كرم الله وجهه يكون إذ ذاك في حظائر القدس فكيف يكون مؤذنا في ذلك المقام فهو أكبر مقاما وأعز شأنا وأرفع مكانا وأعظم من ذلك وكيفية الأذان هي «أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ٤٤» إعلاما بسرور أهل الجنة وخزي أهل النار. واعلم أن «أَنْ» هذه والتي قبلها مخففتان من الثقيلة أو مفسرة لكيفية المناداة وهو الأصوب لأن المخففة يعقبها اللام وهو مفقود هنا. راجع آخر سورة القلم المارة، وقرأها بعضهم بالتشديد كما قرأ (نعم) بكسر العين، هذا، وأن الذين لعنهم الله هم «الَّذِينَ» كانوا «يَصُدُّونَ» الناس في الدنيا «عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» السوي «وَيَبْغُونَها» اي سبيل الله التي سنها لعباده من الحق والعدل السويين ويحاولون أن يجعلوها «عِوَجاً» مائلة الى الباطل فيبدلونها عما هي عليه. والعوج بالكسر يكون في الدين والطريق أي المذهب الذي يتدين به وما يدرك بفكر وبصيرة كالأرض البسيطة والمعاش، وبالفتح بالخلقة تقول في ساقه عوج وما يدرك بالبصر كالخشب المنتصب ونحوه راجع تفسير الآية الأولى من سورة الكهف في ج ٢ «وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ ٤٥» منكرون لانهم لم يصدقوا بوجودها حينما كانو في الدنيا ولا يقال كيف يسمع أهل النار وهم في الأرض نداء أهل الجنة وهم في السماء، لأن الله قادر ان يقوي أصوات اهل الجنة واسماع اهل النار ويصير البعيد

стр. 356

قريبا ولا يعجزه شيء، وهذا النداء من العموم الى العموم، لأن الجمع إذا قابل الجمع يوزع الفرد على الفرد، فكل فريق من الجنة ينادي من كان يعرفه في الدنيا من أهل النار الكفرة «وَبَيْنَهُما» أي أهل الجنة وأهل النار «حِجابٌ» سور وهو المذكور في قوله تعالى «فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ» الآية ١٣ من سورة الحديد في ج ٣، والمراد بالرحمة الجنة وبالعذاب النار. واعلم أن هذه الآية والآية التي نحن بصددها تفيدان أن ليس بينهما سوى هذا الحجاب المعبر عنه بالسور ويؤيد هذا حديث الصراط الممدود على متن جهنم فإن من يقطعه يصل إلى الجنة مع أن الجنة في السماء والنار في الأرض فانظر قدرة القادر بعظم هذا الحجاب وإسماع أقوال الطرفين ورؤيتهما بعضهما لبعض آمنّا وصدفنا وأيقنا بأن الله تعالى قادر على أكثر من هذا وأعظم. مطلب في اصحاب الأعراف: «وَعَلَى الْأَعْرافِ» أعالي الحجاب وهو السور المذكور «رِجالٌ» من آخر المسلمين دخولا في الجنة لقصور أعمالهم وهم المرجون لأمر الله المذكورون في الآية ١٠٦ من سورة التوبة في ج ٣ فإنهم يحبسون عليه فيقضون على شرفه البارزة ويقال لكل مرتفع عرف، ويبقون عليه بين الجنة والنار إلى أن يأذن الله لهم بدخول الجنة والانصراف عن النار وهؤلاء الرجال «يَعْرِفُونَ كُلًّا» من الفريقين المذكورين «بِسِيماهُمْ» علامات لهم فيهم أو بسيماهم التي صاروا إليها وهي بياض وجه المؤمن ونضارته وسواد وجه الكافر وزرقة عيونه «وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ» إذا عرضوا لهم ورأوا ما هم عليه من السرور فيقولون لهم «أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ» يهنونهم في هذه التحية بالسلامة من هول الآخرة وحصول الأمن لهم بدخول الجنة وهؤلاء المسلمون «لَمْ يَدْخُلُوها» أي الجنة بعد لأنهم ينتظرون أمر الله فيهم «وَهُمْ يَطْمَعُونَ ٤٦» بدخولها لوثوق أملهم بربهم ورجاء لطفه بهم وعطفه عليهم بعدم زجهم في النار، بسبب قلة حسناتهم عن سيئاتهم ولعدم وجود دار في الآخرة غير الجنة أو النار، ولأن من نجا من النار طمع

стр. 357

بدخول الجنة بلا شك، وحاشا كرم الله وفضله أن يدخلهم النار بعد أن أوقفهم خارجها، لأن خيار البشر لا يرجح جهة الشر على الخير فكيف بخالق الخيار القائل «خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ» الآية ١٠٢ من سورة التوبة في ج ٣ والخلطة لا تقتضي التسوية فقد تكون أكثر وأقل ومساوية، وعسى من جانبه ﷻ تكون لتحقيق هذا، واعلم أن ما قيل بأن هؤلاء الذوات فقهاء أو أنبياء أو ملائكة وان درجتهم أعلى من الجنة وأن وجودهم على الأعراف ليطلعوا على حال الفريقين لا دليل يؤيده وسياق التنزيل يأباه وسياقه ينفيه لأن الله تعالى يقول «وَهُمْ يَطْمَعُونَ» أي بدخول الجنة مما يدل على أنهم لم يستحقوها بعمل مرجح بل بطمعهم بفضل الله وبمنّه عليهم يرجون ادخالهم الجنة بترجيح حسناتهم على سيئاتهم وصرف النظر عن جهة الزيادة والنقصان، وانظر ما يقول الله عز قوله «وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ» وظهر لهم حالهم وما حل بهم من العذاب أعرضوا عنهم فلم يكلموهم والتفتوا إلى من أنعم على أولئك وانتقم من هؤلاء خائفين من مصيرهم لأنه لم يتحقق لهم بعد فاستعاذوا من حالهم و «قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ٤٧» أي باعدنا عنهم فزعا مما شاهدوه من أنواع عذابهم فإن هذه الآية تؤيد ما جرينا عليه من التفسير بان أصحاب الأعراف قوم استوت أو نقصت حسناتهم عن سيئاتهم وقد أوقفهم الله على شرف السور كما مر وليسوا بفقهاء ولا أنبياء ولا ملائكة كما جاء في ذلك القيل ولذلك صاروا يتضرعون إلى ربهم بان لا يجعلهم من أهل النار وان شدة الهول والفزع مما رأوا من عذاب جهنم أنساهم طلب الجنة لأنهم يريدون البقاء على الأعراف على أن لا يدخلوا النار فقط والله أعلم بمراده بكلامه وكأن هؤلاء يبقون موقوفين على الأعراف مشرفين على الفريقين حتى الأخير ينظرون من يدخل الجنة فيهنئونه، ومن يدخل النار فيستعيذون منه، ولهذا أخير عنه مولاهم بقوله «وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا» التنكير هنا يدل على أن المناديين عظماء معروفين بالدنيا كرؤوس الكفر، وتكرير لفظ

стр. 358

الأعراف مع كفاية الإضمار للفرق بين المراد منهم هنا، لأن المنادى هناك الكل وهنا البعض، ولزيادة التقرير «يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ» التي كانوا عليها في الدنيا، لأن صورة الرجل مهما شوهت لا بد أن تبقى سيماها الدالة عليها، انظر إلى صور الرجال الذين يعلنونهم في الجرائد الهزلية كيف يشوهونها ويخرجون بعضها عن صورة الإنسان إلى غيره من الحيوانات وعند ما تراها تعرفها صورة من هي، فكذلك هنا لأن الله تعالى لم يجعل شيئا في الآخرة إلا وجعل له مثالا في الدنيا إلا أن الفرق شاسع «قالُوا» أصحاب الأعراف لأولئك الرجال الكبار المشهورين «ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ» كثرتكم في الدنيا وما جمعتموه من مال ونشب واتباع وأشياع «و» ما أغنى عنكم أيضا «ما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ٤٨» عن الإيمان بالرسل وعلى الناس أجمع في دنياكم، وهذا استفهام تقريع وتوبيخ، أي أن ذلك كله ما وقاكم من عذاب الله بل زادكم تعذيبا به. قال الكلبي ينادونهم من على السور يا وليد بن المغيرة يا أبا جهل بن هشام يا فلان يا فلان، لكل جحجاح فخور من فراعنة أمة محمد وهكذا فراعنة الأنبياء السالفين ينادونهم جماعة منهم الذين يعرفونهم. ثم خاطبوهم ثانيا مشيرين إلى طائفة من أهل الجنة كانوا فقراء في الدنيا يسخرون منهم ويستهزئون بهم ويضحكون عليهم قائلين «هؤُلاءِ» صهيب وسلمان وخباب وغيرهم من فقراء أمة محمد وأصحاب العفة الذين كنتم تأنفون مجالستهم في الدنيا حتى أنكم طلبتم من حضرة الرسول أن يعين لهم مجلسا على حدة لئلا يحضروا معكم تباعدا عن أوساخهم ورثاثة لباسهم «الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ» حالة كونكم في الدنيا بأنه «لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ» نراهم قد نالوها وقد قال لهم ربهم الذي كنتم تجحدونه «ادْخُلُوا الْجَنَّةَ» فدخلوها وأنتم الآن في النار تعذبون وهم ينعمون وقد زادهم فضلا بقوله لهم «لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ» الآن مما يخافه غيركم «وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ٤٩» على ما فتكم من نعم الدنيا ولا مما يلاقي هؤلاء إذ لا يهمكم شأنهم الآن كما كانوا في الدنيا لا يهتمون بكم، وكذلك الذين من هذا القبيل من أتباع الرسل المتقدمة، لأن الآيات كلها عامة، وان تخصيصها بأناس لا ينفي عمومها عن شمول غيرهم،

стр. 359

تدبر، قال تعالى «وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ» لنطفىء به بعض حرارة هذه النار المحرقة «أو» أعطونا «مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ» من الأشربة الطيبة لنبلّ به غليل قلوبنا، وهذه الآية تؤيد ما ذكرناه آنفا من أن الجنة فوق النار وأن لا حاجز بينهما غير السور المار ذكره «قالُوا» مجيبين لهم «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما» أي ماء الجنة وشرابها «عَلَى الْكافِرِينَ ٥٠» به الجاحدين رسله وكتبه وهم «الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ» في الدنيا فجعلوه «لَهْواً وَلَعِباً» فحرموا ما شاءوا وأحلوا ما أرادوا وعبدوا ما زين لهم الشيطان وعملوا ما هوته أنفسهم «وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا» بزخارفها الفانية وخدعهم أملهم فيها فلم يلتفتوا إلى صانعهم الحقيقي وكتابه المنزل ولم يكترثوا برسله بل أهانوهم وكذبوهم «فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ» من رحمتنا فنهملهم ولا نعتد بهم ولا نسمع دعاءهم «كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا» وأهملوه فلم يعملوا صالحا لأجله ولم يعتدوا به لذلك فإني أعرض عنهم كما أعرضوا عن آياتي ورسلي «وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ ٥١» يكذبون بها وبالذين جاءوهم بها، وسمى الله جزاء نسيانهم نسيانا على طريق المجاز، وهو عبارة عن تركهم في العذاب وعدم الالتفات إليهم وقد تعبر العرب بالنسيان عن الترك وإلا فإن الله تعالى لا ينسى شيئا، والمعنى أنا نعاملهم معاملة الناسين عبيدهم من خيرهم لأنهم لم يعترفوا بوحدانيتنا في الدنيا وأشركوا معنا من لا يستحق العبادة ولا ينفع نفسه. هذا ما قصه الله على نبيه من حال آدم وإبليس وأحوال الذين عبدوا غيره، والذين حللوا وحرموا حسب أهوائهم، وحال أهل النار وأهل الجنة وأهل الأعراف، هم التفت إلى نبيه ﷺ وقال مقسما «وَلَقَدْ جِئْناهُمْ» أي قومك يا محمد «بِكِتابٍ» عظيم جليل أنزلناه عليك وقد «فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ» منا بوجه تفصيله ووضحنا حلاله وحرامه ومواعظه وأخباره وقصصه وأمثاله وجعلناه «هُدىً» لمن اهتدى به «وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ٥٢» به فلماذا لا يؤمن هؤلاء الكفرة كي يقتبسوا من أنواره وينتفعوا بنوّاره كغيرهم ممن ذاق حلاوته، «هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ» أي أيتوقعون ما أوعدوا به من العذاب فيه، وما يؤول إليه أمرهم

стр. 360

وهو النار تصديقا لوعده، فقل لهم يا أكمل الرسل «يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ» هو يوم هلاكهم في الدنيا أو يوم عذابهم في الآخرة وإذ ذاك «يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ» إتيان تأويله وتركوا امتثال أوامره ونواهيه «قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ» أي يعترفون حين لا ينفعهم الاعتراف، ويقولون حين نزول الموت بهم أو وقت تعذيبهم بالآخرة «فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا» اليوم مما حل بنا (على المعنيين لأن الآية صالحة لهما وموافقة لمعناهما وجائز تأويله بهما) إذ لا طريق للخلاص منه إلا بالشفاعة «أو» إذا لم تكن شفاعة أمهلنا يا ربنا بأن «نُرَدُّ» إلى الدنيا «فَنَعْمَلَ» الفاء واقعة في جواب الاستفهام مثل فيشفعوا أي نعمل عملا صالحا «غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ» من السيء فنبدل الكفر بالتوحيد والعصيان بالطاعة فلا يجابون إلى طلبهم، وهيهات أن يزاد في أجل المحتضر أو يرجع أحد من الآخرة ولعدم وجود الشفيع وعدم إمكان إمهالهم أو إرجاعهم إلى الدنيا فإنهم «قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ» بصرف أعمارهم التي هي رأسمالهم في الشرك والمعاصي «وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ٥٣» في الدنيا من قولهم إن الأوثان آلهة وإن الملائكة بنات الله، وادعاء أهل الكتابين عزيرا والمسيح أبناء الله تعالى عن ذلك وعدم اعتراف اليهود بنبوة عيسى ومحمد والنصارى بنبوة محمد عليهم الصلاة والسلام. مطلب في السموات والأرض والعرش وآيات الصفات: قال تعالى ردا على هؤلاء المغترّين «إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ» قدمنا ما يتعلق في هذا في الآية ٣٦. من سورة ق المارة إذ لم يكن زمن خلق السموات شمس ولا قمر ليعرف الزمن، وهذا على حد قوله تعالى: (لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا» الآية ٦١ من سورة مريم الآتية، أي بمقدارها في الدنيا بالنسبة لنا حسبما نعرفه لأن الجنه لا ليل فيها ولا نهار، ولهذا البحث صلة في الآية ٩ من سورة فصلت في ج ٢ فراجعه تعرف هذا وبدأ الأيام وآخرها وما خلق فيها، والمراد بالاستواء الاستيلاء وعليه قوله:

стр. 361

قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق لأن الاستواء بمعناه المعروف محال على الله تعالى وهذه من آيات الصفات التي مر ذكرها في الآية ٣٠ من سورة ق المارة وفيها ما ترشد إليه من المواضع الأخرى الباحثة عن هذا، وخصّ العرش بالذكر مع أنه مستول على المخلوقات كافة لأنه أعظمها وأعلاها ولا يعرفه البشر إلا بالاسم وهو بما وصفه الله تعالى به نفسه فتفسيره تلاوته كما مر تفصيله وللبحث فيه صلة في الآية ٤ من سورة طه الآتية. هذا وان المنقول عن جعفر الصادق والحسن وأبي حنيفة ومالك وغيرهم من أعلام الأئمة أن الإستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والجحود له كفر والسؤال عنه بدعة، وقد ألمعنا إلى شيء من هذا أول سورة القمر المارة بأنه فلك الافلاك والفلك الأطلس وانه الجسم المحيط بسائر الأجسام ويكنى به عن العزة والسلطان والملك وقيل في المعنى: إذا ما بنوا مروان ثلث عروشهم ... وأودت كما أودت إياد وحمير وقول الآخر: أن يقتلوك فقد ثلث عروشهم ... بعيينة بن الحارث بن شهاب قال تعالى: «يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ» يلبسه ظلمة حتى يذهب بنوره وكذلك يغشي النهار الليل فيغطيه بنوره حتى يمحق ظلامه ولم يؤت بالجملة الثانية لدلالة الأولى عليها كما مر في الآية ١٧ من سورة ق المارة «يَطْلُبُهُ حَثِيثاً» طلبا سريعا إذ نعقب أحدهما الآخر فيخلفه دون فاصلة ما وقيل فيه: كأنا وضوء الصبح يستعجل الدجى ... نطير غرابا ذا قوادم جوّن وقال الآخر: وكأن الشوق باب للدجى ... ماله خوف هجوم الصبح فتح «وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ» جل علاه وتعريفه من طلوعهن وغروبهن وسيرهن ورجوعهن وسرعة دورانهن بانتظام بديع يتحركن بحركة الفا الأعظم وهي أشد الحركات سرعة فإن الإنسان إذا رفع رجله وضعها بشدة عدوه تحرك الفلك الأعظم ثلاثة آلاف ميل حسبما يقوله الفلكيون، ويمكن أن يكون

стр. 362

اكثر أو أقل لأن أقوالهم ظنية تقديرية، وهذا هو معنى الطالب الحثيث جلت قدرته الصانع الحكيم الذي جعل هذه الحركات مستمرة إلى انقضاء الدنيا وأوان خراب هذا العالم بصورة منتظمة وقد أفرد ذكر الشمس والقمر مع أنهما داخلان في النجوم بل هما منها لبيان شرفهما على سائر الكواكب، لا لزيادة نورهما الواصل إلى الأرض فقط بل لمعرفة الأوقات في سيرهما ومنازلهما وكثرة منافعهما في نمو النبات وطعمه وتلوينه وغير ذلك. مطلب التناكح المعنوي: وقد ذكر الله الغشيان هنا والإيلاج في الآية ٢٧ من آل عمران وغيرها لأنها مكررة كثيرا والمراد بهما التناكح المعنوي وجعله ساريا في جميع الموجودات الملمع إليها في قوله تعالى: (وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) الآية ٣ من سورة الرعد في ج ٣ وقبل توسع علم النبات ما كان أحد يعلم بازدواج النبات ووجود ذكر وأنثى في كل زهرة غير الله أنظر، كم من غيوب يكشفها الله لنا في هذا القرآن العظيم ونحن عنه غافلون وهذا أمر صحيح وان صح ذلك فما أصح قولهم في ضرب المثل للأمور المتوقعة (الليلة حبلى وستلد العجائب) هذا وأمر الحث عليه ظاهر لمن ذاق عسيلة النكاح والحاصل من هذا الغشيان على قولهم ما في العالم من معدن ونبات وحيوان وهو المواليد الثلاثة أو في جميع الحوادث على الإطلاق ومنه قوله: أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كر الغداة ومر العشي لكن مع العلم والإيقان بأن المؤثر الحقيقي هو الله وحده وهو الذي خلق فيها تلك التأثيرات، اما أقوال المنجمين فقد تكون صحيحة وتكون فاسدة وكل ما ذكروه من تقدير فهو بالنسبة لما يبدو لهم في المكبرات من كبر النجوم وسيرها فيبنون علمهم وأقوالهم فيه على الظن والحدس لا على اليقين والصدق، تأمل. «أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ» فرق بينهما ليعلم خلقه أن كلامه غير مخلوق لأن المخلوق لا يقوم بمخلوق مثله ولهذا قال سفيان بن عيينة من جعل الأمر الذي هو كلامه

стр. 363

تعالى من جملة خلقه فقد كفر، ومن جمع بين الخلق والأمر فقد كفر فالخلق راجع لما ذكره من السموات والأرض والأفلاك، والأمر هو كلامه يأمر هذه المخلوقات وغيرها بما أراد كاملا، وكيف يكون من خلقه لها نقص أو زيادة وهو «تَبارَكَ» وتعالى «اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ٥٤» أجمع وخالقهم ورازقهم ومدير أمورهم. راجع بحث خلق القرآن في المقدمة تعلم أن كلامه منزه ومقدس عن أن يكون مخلوقا. قال في بدء الامالي: وما القرآن مخلوقا تعالى ... كلام الرب عن جنس المقال وهذا ولما اخبر جل اخباره بأنه المنفرد بالخلق والأمر أمر عباده أن يتذللوا اليه لكشف مهماتهم فقال «ادْعُوا رَبَّكُمْ» أيها الخلق «تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً» بما ترونه من مصالحكم الدنيوية والاخروية ولا تتجاوزوا فيها الى مضرة غيركم فتعتدوا «إِنَّهُ» ربكم الذي يجيب دعائكم «لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ٥٥» في الدعاء على الغير أو بطلب ما لا يليق بالداعي من المقامات، لأن الدعاء على الغير من غير ظلم منه تعد وطلب ما لا يليق اعتداء، ومن الاعتداء رفع الصوت لما فيه من قلة الأدب مع المولى ومجاوزة الحد في كل شيء اعتداء. روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الاشعري قال كنا مع رسول الله ﷺ فجعل الناس يجهرون بالتكبير فقال ﷺ : أيها الناس اربعوا «أي ارفقوا بأنفسكم واقصروا عن الصياح في الدعاء» على أنفسكم انكم لا تدعون أصم ولا غائبا انكم تدعون سميعا بصيرا وهو معكم، والذي تدعونه أقرب الى أحدكم من عنق راحلته. قال أبو موسى وأنا خلفه أقول لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم في نفسي فقال يا عبد الله ابن قيس ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ قلت بلى يا رسول الله، قال: لا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم. مطلب آداب الدعاء والقراءة: وقال تعالى في الآية ٣ من سورة مريم الآتية «إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا» أي بما يسمع نفسه وهذا الحد كان في الدعاء كنفس الداع أما إذا كان الناس

стр. 364

يؤمنون على دعائه فيرفع صوته بقدر ما بسمعهم وكذلك الجهر في الصلاة قال تعالى «وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها» الآية ١١٢ من سورة الإسراء الآتية فإذا زاد على اسماع الغير فيكون عمل عملا مكروها في الصلاة، وكذلك إذا خافت الى حد لا تسمعه الجماعه، وفي الخطبة أيضا ينبغي أن يلاحظ هذا الحد، إذ المقصود اسماع الحاضرين فقط فمن زاد أو نقص فقد تعدى وظلم، أخرج ابو داود عن سعد بن أبي وقاص قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: سيكون قوم يعتدون في الدعاء وحسب الأمر أن يقول اللهم اني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، ثم قرأ «إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ» وهذا هو الحكم الشرعي في الدعاء ومن آدابه أنه إذا خاف الرياء أخفى وإذا أمنه جهر بقدر الحاجة وهو الأفضل ويكره إذا خيف التشويش على قارئ أو مصل أو إيقاظ نائم «أو مشتغل بعلم شرعي» ، قال تعالى «وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ» ايها الناس بان تقطعوا السبل وتنهبوا الأموال وتعتدوا على الخلق بضرب أو قتل فايقاع الفساد على هذا الوجه هو خراب الأرض وإهلاك أهلها وكيف تخربونها «بَعْدَ إِصْلاحِها» ببعثة الرسل وبيان الشرائع بالنهي عن الفساد والأمر بالإصلاح والدعاء الى طاعة الله وترك الكفر ودواعيه وتكذيب الرسل وجحود ما جاءوا به من عند الله فكل هذا فساد مناف للإصلاح الذي فيه قوام الكون «وَادْعُوهُ خَوْفاً» من عقابه وعدله «وَطَمَعاً» بثوابه وفضله متضرعين اليه مخبتين له ومعنى الخوف انزعاج في الباطن لما لا يؤمن من المضار وتوقع مكروه يحصل، والطمع توقع أمر محبوب، وأحسنوا أيها الناس لأنفسكم وغيركم بالمحافظة على الأمن لأنه إذا فقد انقطعت الطرق وقلقت الناس، وتراحموا فيما بينكم «إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ٥٦» أعمالهم مع أنفسهم وغيرهم الذين يتأدبون بآداب الله فلا يتجاوزون حدوده في الدعاء والعمل مع الله ولا مع عباده امتثالا لامره وأمر رسوله فهؤلاء هم المحسنون، وتفيد هذه الآية أن غير المحسنين بعيدون من رحمة الله، ألا فليتق الله الذين يسيئون ويقولون الله غفور رحيم ولا

стр. 365

يصرفون قسما من حياتهم فى عبادة الله طلبا لهذه الرحمة والمغفرة. وينبغي أن يجمعوا في طلب الرزق من الحلال ويقولوا الله كريم، ولا شك أن الله غفور رحيم ولكن هل تجد رحمة في كتاب الله مطلقة من قيد؟ كلا، فإنها في هذه الآية مقيدة بالإحسان، وفي آية ٨ من سورة طه الآتية (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى) ، وفي الآية ١٨ من سورة الجاثية في ج ٢ (وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) ، وكذلك غير هذه الآيات التي ستمر بك. مطلب في الرحمة واكتساب التأنيث والتذكير والمطر: ومعنى الرحمة بالنسبة إلينا رقة في القلب تقتضي الإحسان إلى المرحوم، وبالنسبة لله إنعام وإفضال على من يشاء من عباده وإيصال الخير إليهم، وجاء لفظ قريب بالتذكير لأنه مضاف إلى مذكر والمضاف قد يكتسب التذكير من المضاف إليه كما في قوله: إنارة القلب مكسوف بطوع هوى ... وقلب عاصي الهوى يزداد تنويرا فكلمة إنارة المؤنثة اكتسبت التذكير من المضاف إليها وهو القلب ولذلك جاء وصفها مذكرا كما هنا وبالعكس كقوله: وما حب الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا فقد اكتسب المضاف وهو حب التأنيث من المضاف إليه وهو الديار ولذلك جاء الضمير العائد إليه في شغفن مؤنثا، ولولا ذلك لقال في الأول مكسوفة وفي الثاني مشغف، وهذا أحسن ما قيل في معنى قريب من الآية المفسرة من أقوال كثيرة لا سيما وان الرحم مقارب للرحمة لفظا وقريب على صفة فعيل، وفعيل الذي بمعنى فاعل قد يحمل على فعيل بمعنى مفعول فلذلك جاء على صفة التذكير، قال تعالى «وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً» وقرىء بضمتين جمع بشير وبفتح الياء على المصدرين من بشر المخفف بمعنى بشر المشدد أي باشرات أو لأجل البشارة، وقرى بشرى كحبلى من البشارة أيضا، وهذه الرياح هي التي تؤثر بالإبرة المحدثة (باريمتر وو هي من معجزات القرآن العظيم) ، إذ كلما أحدث أهل العصر شيئا دلنا على ما فيه

стр. 366

مما لم تعيه عقولنا قبل، راجع الآية ٤ من سورة النمل الآتية، وقرأ أهل المدينة والبصرة نشرا بالنون المضمومة وسكون الشين مثل بشرا وهي جمع نشور بمعنى ناشر وبضمتين أيضا بمعنى ناشرات ومنشورات، وهذه القراءة فيها تصحيف أي ابدال الباء بالنون، وهي شاذة مخالفة لما في المصاحف فلا عبرة بها، «بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ» أي أمام الغيث «حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ» حملت تلك الرياح المبشرات غيما «سَحاباً ثِقالًا» بالمياه، وهذا من تدبير حكمته تعالى فإنه يحرك الرياح بشدة فتثير السحاب يدل على هذا قوله جل قوله في الآية ٢٢ من سورة الحجر في ج ٢ (وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ) ، ثم ينضم بعضه إلى بعض فيتراكم وينعقد فيحيل تلك الأبخرة المتراصة إلى ماء ثم يسوقه إلى حيث يشاء فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء بدليل قوله «سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ» ما حل لا كلا فيه لأجل إحيائه بالغيث وإنبات الزرع فيه، والبلاد الميتة كثيرة فقد يختص منها ما يريده وقد يعم رحمته عليها كلها «فَأَنْزَلْنا بِهِ» أي البلد الميت «الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ» أي الماء المنعصر من تلك السحب أشجارا فيها «مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ» أي مثل هذا الإخراج بعد الاحياء «نُخْرِجُ الْمَوْتى» من قبورهم أحياء عند بعثهم بعد الموت، أي فكما نحي الأرض بعد موتها نحي الخلق بعد موتهم لا فرق علينا بينهما فاعتبروا «لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ٥٧» بالأمثال التي نضربها لكم لتعوا المراد منها وتتعظوا به، وقد ضربنا لكم هذا المثل يا منكري البعث وجاحدي إعادة الأجسام بأرواحها ليذكروا أن النبات عندنا بمثابة الإنسان بجامع الاعادة في كل قال تعالى «وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ» تراه «يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ» بتيسيره حسنا وافيا «وَالَّذِي خَبُثَ» ترابه كالسبخة من الأرض «لا يَخْرُجُ» نباته بسهولة «إِلَّا نَكِداً» عسرا بمشقة وكلفة قليلا لا خير فيه، وهذه الكلمة لم تكرر في القرآن، وهذا الطيب والخبيث يشملان الإنسان أيضا غالبا لأن الدّن ينضح بما فيه «كَذلِكَ» مثل هذا التصريف البديع «نُصَرِّفُ الْآياتِ» ونكررها المرة بعد الأخرى «لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ٥٨» نعمنا على هدايتهم للتفكر في ذلك، لأن الحكمة من تكرارها سوق همّة البشر

стр. 367

للاعتبار في مكونات الله، وهذا مثل ضربه الله تعالى هنا للمؤمن الذي يؤثر فيه الوعظ وينتفع فيه فهو كالأرض الطيبة تؤتي أكلها ضعفين، والكافر الذي لا ينجع فيه ولا يأتمر به فهو كالأرض الخبيثة فإنها تجحد البذر ولا ينفعها السقي والحرث كما لا ينفع الكافر الزجر والنهي، وبعد هذه الأمثال شرع جل شأنه يقص على رسوله حالة إخوانه الأنبياء الماضين مع أممهم ليسليه عما يراه من قومة فقال مقسمه «لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً» بن لمك بن منوشلخ بن أخنوخ بن إدريس ﵉ وكان نجارا، وبعث على كمال الخمسين من عمره ودعا قومه تسعمائة وخمسين سنة لم يترك فيها طريقا من طرق النصح إلا أتاهم به، وحذر وأنذر وسلك اللين والخشوع طيلة هذه المدّة، ولم يؤمن من قومه إلا بعض ذويه، وعاش بعد إغراق قومه ستين سنة، فيكون عمره ألفا وستين سنة، وقيل له يا أطول الأنبياء عمرا كيف رأيت الدنيا؟ قال دخلت من باب وخرجت من آخر وهو أول نبي عذّبه الله قومه وأول من قاسى أشدّ الهوان وأكبر الأذى في سبيل الدعوة إلى الله، ومع أنه عمر في الدنيا ما عمر فقد ذمها وصغرها وقصر شأنها والناس لم يتعظو فيتهالكوا عليها مع علمهم أن مصيرها الفناء «إِلى قَوْمِهِ» الذين هو منهم مطلب قصة سيدنا نوح ﵇: «فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ» وحده واتركوا هذه الأصنام فإنها ليس بآلهة «ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ» فلا تشركوا به شيئا «إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ إن أصررتم على ما أنتم عليه «عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ٩٥» في الدنيا، يريد به الطوفان الذي أعلمه الله به وفي الآخرة التعذيب بالنار، قال ﵇ إني أخاف مع أنه على يقين من ذلك إذ أوحى له به ربه، إلا أنه لا يعلم وقت نزوله أيعاجلها به أم يتأخر «قالَ الْمَلَأُ» الأشراف أولو الحل والعقد «مِنْ قَوْمِهِ» يا نوح «إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ» عن طريق الصواب لأنك تدعونا إلى شيء لم نعرفه نحن ولا آباؤنا فزيفك هذا «مُبِينٍ ٦٠» واضح لا خفاء فيه ردا على نصحه لهم وانما قالوا ذلك لأنه لما خوفهم بالطوفان رأوه يصنع السفينة في أرض لا ماء فيها، أي

стр. 368

أنك تتعب دون فائدة وهذا من الضلال لأن السفينة لا تجري على اليبس، ولم يعلموا أن الذي أمره بعملها هناك قادر على إيجاد الماء لها، لهذا رد عليهم «قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ٦١» إليكم لأرشدكم و «أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي» أوامره ونواهيه مما يعود لنفعكم «وَأَنْصَحُ لَكُمْ» فأرغبكم بفعل طاعته ليثيبكم عليها دار النعيم الدائم وأحذركم من معصيته لئلا يحل بكم عذابه الدنيوي ثم ترجعوا إلى عذابه في الآخرة، وهذا معنى النصح أما معنى الرسالة فهو عبارة عن تبليغ الرسول ما يوحى إليه من الذي أرسله إلى المرسل إليهم وتعريفه لهم وبيان ما يترتب عليه فعله وتركه وفعل نصح يتعدى باللام كما هنا وبغيره كقوله: نصحت بني عوف فلم يتقبّلوا ... نصحي ولم تنجح لديهم رسائلي إلا أن تعديه باللام أفصح لمجيئه بالقرآن نبع الفصاحة والبلاغة ومأخذها «وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ٦٢» من قدرته وشدة بطشه بأعدائه «أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى» لسان «رَجُلٍ مِنْكُمْ» تعرفون نسبه ومكانته فيكم «لِيُنْذِرَكُمْ» سوء عاقبة عملكم وانكبابكم على الشرك «وَلِتَتَّقُوا» عقاب الله المترتب على عدم قبوله «وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ٦٣» برفع العذاب المقدر نزوله عليكم في الدنيا وبإنالة الجزاء الحسن في الآخرة لأن القصد من إرسال الرسل من الله إليكم هو الإنذار بالكف عن المعاصي والركون للتقوى التي مصيرها الفوز برحمة الله «فَكَذَّبُوهُ» وجحدوا رسالته وأهانوه، فنزل بهم العذاب على الوجه المبين في الآية ٤٠ من سورة هود في ج ٢ قال تعالى «فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ آمنوا مَعَهُ» من الغرق إذ أمرناهم أن يركبوا «فِي الْفُلْكِ» التي علمناه كيفية صنعها «وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا» عن بكرة أبيهم «إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ ٦٤» عن الحق وطرقه، يقال عم لعمى البصيرة وعام لعمى البصر، قال زهير: وأعلم علم اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عمي وسيأتي أن عمى البصيرة يسمى عمها وسنذكر القصة مفصلة في تفسير الآية ٢٥ من سورة هود فما بعدها في ج ٢. قال تعالى «وَإِلى» قوم «عادٍ» أرسلنا ت (٢٤)

стр. 369

«أَخاهُمْ هُوداً» بن شالخ بن ارفخشف بن سام بن نوح وقيل عبد الله بن رباح ابن الخلود بن عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح ولهذا قال أخاهم لأنه منهم، وهذه عاد الاولى وكانت منازلهم بالأحقاف، الرمل عند عمان وحضر موت راجع ما بيناه عنهم في الآية ٥ من سورة الفجر المارة وذكرهم في الآية ١٥ من فصلت في ج ٢ والآية ٢١ من الأحقاف أيضا «قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ» ينعم عليكم فكيف تجعلون معه إلها آخر «أَفَلا تَتَّقُونَ ٦٥» ففيه وتخافون عقابه فيعذبكم كما عذّب قوم نوح وذلك لان كيفية إغراقهم مستفيضة بينهم «قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ» المتوغلون بالكفر لأنهم كافرون ويأمرون غيرهم بالكفر بهود ﵇ ويصدّونهم عن سماع نصحه والإيمان بربه «إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ» خفة عقل وسخافة رأي وحمق، وإنما قالوا له ذلك لأنه زيّف لهم عبادتهم ونسبهم للسفه وقلة العقل وعدم انصياعهم باتخاذ ربّ واحد فقابلوه بالمثل وزادوا عليه قولهم «وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ ٦٦» في ادعائك الرسالة من الله لأنّك رجل مثلنا «قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ» واني رجل مثلكم حقا «وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ٦٧» أرسلني لنصحكم وأمرني «أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي» التي خيرني بها عليكم «وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ ٦٨» على تبليغها كما تلقيتها، وإنما قال أمين لأن إعلامهم بامانته واجب عليه ليعلموا أن ما يأمرهم به هو من أمر الله بلا زيادة ولا نقص وانه لم يأتهم بشيء من عند ولا ليمدح نفسه ولا بمقابلة قولهم «إِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ» لأن من أدب الأنبياء وحسن خلقهم ترك المقابلة بالسوء وكظم ما يسمعونه من النقد والإغضاء عن حقارتهم لهم لأن أقوالهم تصدر عن حلم وأناة، وأقوال الكافرين من قوم عن جهل وسفاهة، وفيه تعليم للمقدرين للنصح والإرشاد كيف يخاطبون السفهاء وكيف يغضون عنهم، والفرق بين قول نوح أنصح وقول هود ناصح لأن قول نوح كان متماديا ليل نهار كما أخبر عنه ربه بقوله «إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً» الآية ٥ من سورته في ج ٢، وقول هود منقطع ولأنه لم يعش فيهم ما عاش نوح

стр. 370

وان صيغة الفعل تدل على التجدد ساعة فساعة بخلاف صيغة اسم الفاعل لدلالتها على الحال فقط. ثم قال لهم «أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ» المراد به هنا وفي الآية المنقدمة ما أرسلا به وأنزل عليهما من الله كما يقال للقرآن ذكر وقد يفسّر بالموعظة «مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ» بأس الله وعذابه قصد نجاتكم «وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ» ربكم «خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ» في أرضه ومكنكم إياها بعد إهلاكهم إذا لم يبق من قومه الا من ركب السفينة وهم ثمانون نسمة. وقد سميت الأرض التي نزلوا بها قرية الثمانين وهي معروفة حتى الآن بلفظ كردي «هشتاند» في الجزيرة قرب جبل الجودي الذي رست عليه «وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً» طولا وقوة وكثرة عليهم، قيل كان طول أحدهم ما بين اثنى عشر ذراعا وستين ذراعا «فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ» نعمه المترادفة عليكم «لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ٦٩» تفوزون برضائه لأن ذكر النعم يفضي إلى شكرها المؤدي إلى النجاة في الآخرة والزيادة في الدنيا، راجع الآية ٧ من سورة ابراهيم في ج ٢ «قالُوا أَجِئْتَنا» كان له ﷺ معبدا يتعبد به قبل الرسالة فلما شرفه الله بها جاءهم ليأمرهم وينهاهم حسب تعاليم ربه التي تلقاها لذلك قالوا له أجئتنا من معبدك «لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ» كما تزعم أن ليس رب غيره «وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا» من الآلهة عن طريق الاستفهام الإنكاري لاستبعادهم اختصاص العبادة بإله واحد وترك الأوثان والشرك الذي نشأوا عليه من قبل بعثته. ومثله من هذه بالجهة سيدنا محمد ﷺ إنه كان اتخذ غار حراء معبدا واعتزل قومه الذين كانوا يعكفون على عبادة الأصنام، حتى جاءته النبوة فيه فأنذر بها قومه وقالوا له مثل ما قالوا له آنفا، وقالوا له أيضا «فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ٧٠» في ادعائك الرسالة من الله إلينا وأن العذاب سينزل علينا ان لم نصدقك ونؤمن بربك «قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ» رجز أي عذاب عظيم أبدلت الزاي سينا فيه وأصل الرجس الاضطراب ثم شاع في معنى العذاب لاضطراب من يحل، به وقال بن زيد، الرجس بمعنى العذاب في كل القرآن مأخوذ من الارتجاس وهو الارتجاز «وَغَضَبٌ» سخط

стр. 371

وطرد «أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ» لأحجار تعبدونها «سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ» آلهة وهي خلو من اسمها ومعناها، لا دليل لكم عليها باستحقاق العبادة لأنها لا تنفع ولا تضر ولا تبصر ولا تسمع، فتسميتكم لها آلهة «ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ» حجة أو برهان بل ابتدعتموها ابتداعا وكذلك آباؤكم الذين قلدتموهم بعبادتها لهذا أنصحكم أن تقلعوا عنها وتؤمنوا بالإله الواحد وإذا بقيتم مصرين على ذلك «فَانْتَظِرُوا» نزول العذاب من ربي بكم «إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ٧» وقوعه إيفاء لوعيد الله لكم ووعده لي باهلاككم ونجاتي وفي هذا تهديد شديد لهم ان لم يرجعوا عن كفرهم ويؤمنوا به وبربه وقد أوقعه عليهم بدليل قوله «فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا» لمن صدق وآمن بوعدنا ووعيدنا «وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا» الدالة على صدق نبينا إنجازا لوعدنا له فأنزلنا بهم العذاب المترتب على تكذيبهم لنبيهم وعدم اكتراثهم به وأهلكناهم جميعا إهلاك استئصال لأن الدابر أصل الشيء أو الكائن خلفه فقطع دابرهم كناية عن تدميرهم عن آخرهم. ولهذا فإن عادا الأولى لا خلف لها «وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ ٣٢» بي ولا بالذي أرسلته إليهم ونفي الإيمان عنهم مع تكذيبهم اشعار بأنهم خصوا بالهلاك لإصرارهم على الكفر ولو لم يهلكهم لبقوا مصرين عليه ولم يؤمنوا، فهو كالعذر في عدم الصبر عليهم. مطلب قصة هود ﵇: وخلاصة القصة أن قوم هود تبسطوا في الأرض وعتو عتوا شديدا بما أعطوه من القوة والمال والكثرة، وكان لهم ثلاثة أصنام الصداء والصمود والهباء، وقد تغالوا في عبادتها وكان هود ﵇ اعتزلهم إلى أن أرسله الله إليهم فأبدى لهم نصحه وخوّفهم وحذرهم مرفضوا الإصغاء إليه فأمسك الله عنهم القطر ثلاث سنين، وكانت عادتهم إذا نزل بهم بلاء فزعوا الى بيت الله الحرام يطلبون الفرج منه عند بيته، ولما طال عليهم الأمر أوفدوا سبعين رجلا من خيارهم الى بيت الله برئاسته قيل بن عنتر ونعيم بن هزال ومرثد بن سعد وكان مؤمنا يكتم إيمانه

стр. 372

مثل مؤمن آل فرعون الذي سخره الله لموسى ﵇، فنزلوا على معاوية ابن أبي بكر عميد العماليق نسبة الى جدهم عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح وهم أخوال معاوية هذا، حينما كان مخيّما بظاهر مكة شرفها الله، وهو يومئذ سيد مكة، فأبطأوا عنده يشربون الخمور ويأكلون السمين ويسمعون غناء الجرادتين ومن جملة ما غنتهم به قول معاوية المذكور الذي علمه لهما وأمرهما بغنائه ليتيقظوا من غفلتهم وليحرضهم على إيفاء ما جاءوا لأجله من عند قومهم وهو: ألا يا قيل ويحك قم وهينم ... لعل الله يسقينا غماما فيسقي أرض عاد إن عادا ... قد امسوا لا يبينون الكلاما من العطش الشديد فليس ترجو ... به الشيخ الكبير ولا الغلاما وقد كانت نساؤهم بخير ... فقد أمست نساؤهم أيامى وان الوحش تأتيهم جهارا ... ولا تخشى لعاديّ سهاما وأنتم هاهنا فيما أتيتم ... نهاركم وليلكم تماما فقبّح وفدكم من وفد قوم ... ولا لاقوا التحية والسلاما ولما فرغتا منه تيقظوا وقال لهم مرثد والله لا تسقون ما لم تطيعوا نبيكم هودا وأظهر إيمانه وطفق يلومهم بقوله: عصت عاد رسولهم فأمسوا ... عطاشا ما تبلهم السماء لهم صنم يقال لهم صمود ... يقابله صداء والهباء فبصرنا الرسول سبيل رشد ... وأبصرنا الهدى وجلي العماء وإن إله هود هو إلهي ... على الله التوكل والرجاء فقد حكم الإله وليس جورا ... وحكم الله ان غلب الهواء على عاد وعاد شر قوم ... فقد هلكوا وليس لهم بقاء واني لن أفارق دين هود ... طوال الدهر أو يأتي الفناء ثم بادر بإرشاد الوفد لطاعة هود فلم يفعلوا وردّوا عليه شر ردّ وبقوا مصرين

стр. 373

على كفرهم وعبادة أوثانهم وأنفتهم من اتباع هود وقال طهمة بن البحري يرد على مرثد بن سعد. الا يا سعد إنك من قبيل ... ذوي كرم وانك من ثمود فإنا لا نطيعك ما بقينا ... ولسنا فاعلين لما تريد أتأمرنا لنترك دين قوم ... ورمل والصداء مع العمود ونترك دين آباء كرام ... وذي رأي ونتبع دين هود وقالوا لمعاوية احبس عنا مرثدا وخرجوا الى مكة ولما توسطوا الحرم قال قيل اللهم اسق عادا ما كنت تسقيهم وأتى على دعائه الوفد كله ثم لحق بهم مرثد حيث أطلقه معاوية بعد ذهاب الوفد من عنده ورفع يديه الى الله وقال اللهم اعطني سؤلي برا وصدقا ولا تدخلني فيما يدعونك، فأعطي سؤله، ثم جاء لقمان بن عاد وهو سيدهم أي سيد الوفد وقال: اللهم إني جئنك وحدي في حاجتي فأعطني طول العمر، فأعطى عمر سبعة أنسر، عاش كل واحد ثمانين سنة آخرهم اسمه لبيد، وقال قيل اللهم إني اختار لنفسي ما يصيب قومي، فقيل له إنه الهلاك، فقال: لا أبالي لا حاجة لي بالبقاء بعدهم، فأجاب الله لكل دعوته. هذا، وليعلم أن قلوب الكفرة لا تزال متشابهة قال تعالى (تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ) الآية ١١٨ من البقرة في ج ٣ لأن ردّ الكافرين لأنبيائهم قديما متشابه وحتى الآن «وقد كانت عندي خادمة من الأرمن من الذين اضطرهم الأتراك للهجرة وصاروا يأخذون منهم طائفة طائفه الى الجزيرة فتعدمهم وجئت يوما للدار فرأيت الخادمة تهيىء نفسها للسفر مع طائفتها، فقلت لها إن ذهبت قتلت وأنا أقدر على إبقائك عندي، فقالت لا عيش لي بعد قومي، فذهبت وقتلت معهم» ولما خرجوا من مكة ووصلوا الى خوصهم هلكوا معهم جميعا إذ ظهرت عليهم سحابات ثلاث حمراء وبيضاء وسوداء، فاختار قيل السوداء لزعمه أكثر ماء واستبشر بها وقد أخبر الله عنهم في الآية ٢٤ من سورة الأحقاف في ج ٢ بقوله «هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا» فجاءهم ريح عقيم استمرت سبع ليال وثمانية أيام، فأهلكتهم جميعا وارتحل مرثد مع جملة المؤمنين صحبة نبيهم هود

стр. 374

الى مكة وبقوا فيها الى أن ماتوا جميعا ﵏. قالوا: وان كل نبي إذا منا أهلك الله قومه يأتي إلى مكة مع قومة المؤمنين يعبدون الله فيها حتى يموتوا، وقد في المقدمة أن هذه القصص لا يعتمد على صحتها لأنها من نقل الأخباريين، وانا نأخذ خلاصة ما لا مبالغة فيه وننبه القارئ ليكون على علم منه ونكفيه مؤونة تشوقه لقراءتها في تفاسير أو قصص مشحونة بما لا يعقل، وممزوجة بما لا يجوز قراءته: قال تعالى «وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً» في النسب لا في الدين وهو ابن عبيد بن أسف بن ماسح بن عبيد بن جاوز بن ثمود ابن غابر بن ارم بن سام بن نوح ﵇ «قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ» على صحة رسالتي وهي «هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ» أخرجها «لَكُمْ آيَةً» على صدقي «فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ» من ضرب أو منع من شرب أو مرعى فاذا فعلتم بها شيئا من ذلك «فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ٧٣» لا تطيقه أجسامكم ولا يقيكم منه أحد ولا مرد له من الله «وَاذْكُرُوا» يا قوم «إِذْ جَعَلَكُمْ» الله ربي الذي ادعو لعبادته «خُلَفاءَ» في الأرض «مِنْ بَعْدِ عادٍ» وقد علمتم ما حل بهم من العذاب «وَبَوَّأَكُمْ» أنزلكم «فِي الْأَرْضِ» أي أرض الحجاز لأن ثمد نسبة الى ماء بين الشام والمدينة من أرض الحجاز وجعلها منازل لكم وملككم إياها «تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً» ذات غرف عالية تصيفون فيها «وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً» ناحية ذات حجر تشتون فيها، وهذا مما يدل على زيادة ترفهم ونعيمهم في الدنيا بالنسبة لوقتهم «فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ» نعمه المترادفة عليكم طلبا لدوامها، وفيها حث من الله لعباده على شكر نعمه وحق لها أن تشكر لأن الشكر يزيدها كما نوهنا عنه آنفا في الآية ٦٩ المارة فراجع ما ذكرناه هناك «وَلا تَعْثَوْا» تكثروا الفساد وتأتوا بأشده وأفظعه «فِي الْأَرْضِ» التي منحكم الله إياها وغيرها مما كانت في تلك الغير حالة كونكم «مُفْسِدِينَ ٧٤» فيها فإن مطلق الإفساد يزيل النعم عنكم ويعرضكم للهلاك ولا تكفروا فان الكفر يمحقكم «قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا» عن دعوة صالح الصالحة وأنفوا من إرشاده الحق «مِنْ

стр. 375

قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا» الفقراء مالا ورجالا «لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ» به ﵇ من المستضعفين وهذه الجملة جاءت بدلا من الجملة قبلها على طريق الاستفهام الإنكاري «أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ» استهزاء بهم لأنهم يعلمون أنهم عالمون بذلك ومعتقدون به، ولذلك لم يجيبوهم على مقتضى الظاهر، إذ لم يقولوا لهم، نعم بل «قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ ٧٥» مصدقون وهذا الجواب من الأسلوب الحكيم فكأنهم قالوا لهم نعلم بإرساله. وبما أرسل به ولا نشك بما جاء به ونخبركم انا مؤمنون به لأن الإيمان به واجب فهل تؤمنون به مثلنا فأجابوهم أيضا بمثل جوابهم بمقتضى الظاهر فبذل ان يقولوا لهم انا بما أرسل به مؤمنون «قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا» لأولئك المستضعفين «إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ٧٦» وفائدة هذا الرد على ما قاله. المؤمنون من جعلهم إياه معلوما ومعلما عندهم، أي أن الذي فلتموه ليس معلوما عندنا ولا مسلما، وبما أن جواب المؤمنين لم يزدهم إلا عتوا اتفقوا على مخالفة رسولهم «فَعَقَرُوا النَّاقَةَ» التي هي آيته أي قطعوا عروقها وهم قد ذبحوها ذبحا وسمي النحر عقرا لأن الناحر يعقر البعير أولا ثم ينحره أي أنهم عقروها ثم ذبحوها «وَعَتَوْا» ازداد استكبارهم «عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا» به من العذاب الذي تهددنا به «إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ٧٧» من قبل الله كما تزعم فدعا ربه «فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ» خفقان القلب من أثر الزلزلة الشديدة الناشئة من الصيحة إذ جاء في ٤٣ من سورة الذاريات في ج ٢ الآية وكذلك في سورة المؤمنين الآية ٤١ «فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ» والصيحة الشديدة يحصل منها الخفقان من شدة الخوف لأنها خارقة للعادة كيف لا وهي من السيد جبريل ﵇ الذي وصفه الله بالقوة فلا بدع أن تزلزل الأرض منها ويضطرب من عليها «فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ ٧٨» على ركبهم ميتين وهم قعود، والجثوم للناس والطير ولبقية الحيوانات البروك «فَتَوَلَّى» صالح «عَنْهُمْ» لما رأى ما حل بهم وصار يخاطبهم آسفا على عدم ايمانهم به وهو مدبر عنهم وهذا كما فعل رسول الله محمد ﷺ مع أهل القليب، راجع الآية ٨ من سورة الأنفال في ج ٣

стр. 376

«وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي» بإرسالي من لدنه إليكم «وَنَصَحْتُ لَكُمْ» بأن تؤمنوا به وحذرتكم غليظ عذابه «وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ ٧٩» بل تبغونهم وتعادونهم شأن أمثالكم الكفرة. مطلب قصة صالح ﵇: وخلاصة القصة أن قبيلة ثمود لما ملكت الأرض بعد عاد كثروا وعمروا كثيرا فعكفوا على عبادة الأصنام، وأفسدوا في الأرض، فأرسل الله لهم صالحا فصار يدعوهم الى طريقه السوي ويأمرهم بترك الإفساد فلم يقبلوا ولم يؤمن منهم الا قليل من فقرائهم، وقد كبر سنه ﵇ وألح على قومه بترك عبادة الأوثان والإفساد فطلبوا منه آية على صدقه بأن يخرج لهم من صخرة كبيرة عند الحجر تسمى الكائية ناقة عشراء جوفاء وبراء مخرجه تشاكل البخت من الإبل، ذات السنامين ويؤمنوا به، فقبل منهم وأخد عليهم العهود والمواثيق على ذلك فصلّى ودعا ربه، وهم أخرجوا أوثانهم وسألوها أن لا يستجاب له فأجاب الله دعاءه وخيّبهم وأوثانهم، وأخرج له ناقة كما طلبوا تشاكل البخت من الإبل ذات السنامين ويؤمنوا به، فقبل منهم وأخذا عليهم العهود والمواثيق على ذلك. فصلّى ودعا ربه، وهم أخرجوا أوثانهم وسألوها أن لا يستجاب له، فأجاب الله دعاءه او خيبهم وأوثانهم، وأخرج له ناقة كما طلبوا تشاكل البخت من الإبل رجعلها الله معجزة عظيمة له وهي نفسها معجزة أيضا، لأن ثمود لهم ماء يشربون منه هم وحيواناتهم يوما وهي تشرب بقدر ما يشربون جميعا، وكانوا يحلبونها يوم شربها فيكفيهم حليبها كلهم وكانت تمنع الحيوانات عن شرب الماء في نوبتها وهذه الخصال دلت بأنها من أعظم المعجزات وأكبر الآيات فآمن به قليل من قومه وازداد الآخرون عتوا، وبما أنهم الأكثر قر رأيهم على ذبحها فذبحوها بداعي أنها تقاسمهم الماء وكأن الحليب الذي يأخذونه منها لا يكفيهم عنه قاتلهم الله. روى البخاري ومسلم عن عيد بن زمعة ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يخطب وذكر الناقة والذي عقرها فقال ﷺ «إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها» أي قام بسرعة لها رجل عزيز عادم «أي خبيث شرير» منيع «أي ممتنع طويل لا يقدر عليه من أراده» في رهطه مثل أبي زمعة وتقدم ما فيه، في الآية ١١ من سورة والشمس المارة. قال الأخباريون والقصاص إن إهلاكهم كان يوم الأربعاء وان عاقرها قدار بن سالف اغرته عنيزة بنت غانم

стр. 377

بإحدى بناتها إن هو عقرها ففعل، فقالوا ان سقبها أي حوارها لما رأى ما حل بأمه هرب، وأخبر صالحا به أهل البلدة حينما جاءوا يعتذرون منه لعدم مباشرتهم عقرها، فقال لهم أدركوا فعيلها لعل الله أن يرفع عنكم العذاب. فلحقوه فاذا هو قد اعتصم بجبل عال عجزوا عن تناوله، فذهب اليه صالح فلما رآه صار يبكي ثم رغا ثلاثا وانفجرت الصخرة التي خرجت منها أمه، فدخلها وانضمت عليه، كما ابتلعت أمه الأرض، وأنزل الله بهم العذاب المذكور. انظروا أيها الناس، أخرج الله لهم ناقة حسب طلبهم معجزة لنبيهم وصاووا يشربون كلهم من حليبها، فقتلوها بحجة أنها تصيف في الحر في ظهر الوادي فتهرب منها مواشيهم، وتشتي في بطنه فتهرب منها مواشيهم، فتهلك من الحر والبرد، وكان لا مأوى لدوابهم غير ذلك الوادي في أرض الله الواسعة. والحق إن الذي حدا بهم لقنلها لا قضية الماء ولا المواشي بل هو غضب الله عليهم وسخطه من أعمالهم. روى البخاري ومسلم عن ابن عمر قال لما مر رسول الله بالحجر قال: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين، ثم رفع رأسه وأسرع السير حتى جاوز الوادي. وللبخاري أنه لما نزل ﷺ الحجر في غزوة تبوك أمرهم أن لا يشربوا من آبارها ولا يستقوا منها، فقالوا قد عجنا منها وملأنا أسقيتنا فأمرهم أن يطرحوا ذلك العجين ويهرقوا ذلك الماء. وروى أن أشقى الأولين عاقر الناقة، وأشقى الآخرين قاتل علي كرم الله وجهه. والفرق بين جزاءيهما كالفرق بين الناقة وعلي قال تعالى «وَلُوطاً» ابن هاران بن تارخ بن أخي ابراهيم ﵉ «إذ قال لقومه حين أرسل إليهم بعد أن هاجر مع عمه إبراهيم إلى الشام ونزل إبراهيم بفلسطين ولوط بالأردن بقرية تسمى سدوما «أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ» اللواطة بالذكور سميت فاحشة، لأن هذه الفعلة الخبيثة غاية في القبح ولم تعهد قبلا كما يدل عليه قوله تعالى «ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ» قبلكم وجيء بمن للتأكيد مثل قوله تعالى (ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ) الآية ٢١ من سورة المائدة في ج ٣ تأكيدا للنص «مِنَ الْعالَمِينَ ٨٠» أي بعضهم لأن منهم من لم تخلق فيهم الشهوة فكانت هنا للتبعيض ثم وبخهم بالاستفهام

стр. 378

التقريعي بقوله عز قوله «أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ» أي أترون أن أدبار الرجال أشهى لكم من فروج النساء لا ليس الأمر كذلك «بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ٨١» متجاوزون الحلال إلى الحرام ولذلك آثرتم الدبر على الفرج، وإنما ذمهم الله لأن القصد من وضع الشهوة في الإنسان طلب الولد وبقاء النوع الإنساني وتكاثره لعمران الدنيا إلى أجل أراده الله، فإذا عدل عن هذا القصد تعطل الكون وكانت تلك الشهوة بهيميّة محضة، ولهذا خصهم الله بالإسراف لأنه وضع الشيء بغير محله «وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ» تجاه تعنيفه لهم على قبح فعلهم ونصحه لهم بتركه «إِلَّا أَنْ قالُوا» بعضهم لبعض «أَخْرِجُوهُمْ» أي لوطا ومن آمن به «مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ ٨٢» من صنيعكم ويتنزهون مما أنتم عليه. قال ابن عباس عابوهم بما يمدح به قال تعالى «فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ» لأنها لم تؤمن به وكانت تخبر قومها بمن يأتيه من الضيفان وتحرضهم عليهم لذلك «كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ ٨٣» الباقين مع المعذبين من قومها ولم يقل من الغابرات، لأنها هلكت مع الرجال المغلّب ذكرهم على النساء، والغبر البقاء يقال غبر في داره إذا بقي «وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً» عظيما مهولا لأنه مطر عذاب لا مطر رحمة، والننوين يدل على شدة فظاعته، وقلّ أن يأتي المطر بمعنى الغيث بل قد لا يوجد في القرآن إلا بمعنى العذاب، وأمطر بمعنى أرسل، ومطر بمعنى أصاب، فيكون مطر الرحمة وأمطر للعذاب «فَانْظُرْ» أيها العاقل المفكر «كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ٨٤» فهي شيء عظيم لا تتصوره العقول، هذا ما قصه الله علينا من خبر لوط ﵇ مع قومه. مطلب قصة قوم لوط ﵇: وقال الأخباريون كانت المؤتفكة خمس مدائن بين الشام والمدينة مخصبة ذات زروع وثمار، فآذاهم الناس بالأخذ منها فعرض لهم إبليس وقال لهم إذا فعلتم بهم كذا (ودعاهم إلى نفسه فلاطوا به علّمهم لعنه الله هذه الفعلة الخبيثة ابتداعا من حيث لم تخطر ببالهم، فهو أول من ليط به لأنه كان يظهر لهم على صورة البشر)

стр. 379

امتنعوا من التعدي على ثماركم ونجوتم بها، فأطاعوه وعملوا بما أشار به عليهم فهو أول من سن هذه السنة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، وصاروا كلما مرّ بهم أحد تعاونوا عليه وفعلوا به، فكان لهم ما قال اللعين، لأن الناس امتنعت حتى من المرور على قراهم لأنهم رأوا ما لم يسمعوا به من الخزي والعار، وداموا عليه حتى استحكم فيهم هذا الفعل القبيح، واستحسنوه حتى صاروا يفعلونه ببعضهم وبنسائهم أيضا، فأهلكهم الله بعد أن وقع منهم التعدي على لوط وضيفانه من الملائكة، كما سيأتي في تفسير الآية ٧٧ من سورة هود في ج ٢، وكيفية إهلاكهم كما قال مجاهد أن جبريل ﵇ نزل إلى الأرض فأدخل جناحه تحت مدائن قوم لوط فاقتلعها من تحت الثرى ورفعها إلى السماء ثم قلبها فجعل أعلاها أسفلها ثم أتبعوا بما أمطروا من الحجارة. الحكم الشرعي: الحرمة القطعية ويكفر مستحله. قال في التتارخانية نقلا عن السراجية: اللواطة بمملوكه ومملوكته حرام، وكذا امرأته، إلا أنه لا يكفر مستحلّه، وهذا بخلاف اللواطة بالأجنبية والأجنبي فإنه يكفر مستحلّه قولا واحدا، قال الإمام الأعظم لا حدّ بوطء الدبر مطلقا وفيه التعزير ويقتل من تكرر منه على المفتى به كما في الأشباه. وقال الإمامان: إن فعل بالأجانب حدّ كحد الزنى، وإن في عبده وأمته وزوجته بنكاح صحيح أو فاسد فلا حدّ اجماعا، كما في الكافي وغيره بل يعزّر في ذلك كله ويقتل من اعتاده، وروي عن علي كرم الله وجهه أنه رجم لوطيا وهو أشبه بما قص الله تعالى من إهلاك قوم لوط بإمطار الحجارة عليهم، وقد أخرجه البيهقي وصححه الحاكم وعليه فيكون حدّه الرجم. هذا، وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (لعن الله سبعة من خلقه فوق سبع سموات فردد لعنته على واحد منها ثلاثا ولعن بعد كل واحدة لعنة لعنة، فقال ملعون ملعون ملعون من عمل عمل قوم لوط) الحديث. وجاء أيضا (أربعة يصبحون في غضب الله ويمسون في سخطه) وعدّ منهم من يأتي الرجل-. وزعم علي بن الوليد المعتزلي أنه لا يمتنع أن تجعل اللواطة في الجنة لزوال المفسدة، ولأنها من جملة

стр. 380

الملاذ وليس هناك أذى أو قطع نسل ولذلك أبيح شرب الخمر فيها للذة إذ ليس هناك زوال عقل ولا عربدة، فقال له أبو يوسف القزويني الميل إلى الذكور عادة قبيحة والمحل (الدبر) لم يخلق للوطء، فلم تبحه شريعة ما، بخلاف الخمر فإنه خلق للشرب وأباحته بعض الشرائع قبل الإسلام، بل أوله كان مباحا، ومهما كان فلا يقاس قبح اللواط بالخمر. مطلب رد أبي يوسف على المعتزلي: وانكار قبح اللواطة مكابرة، وكانت الجاهلية مع ارتكابهم كافة المفاسد تعيّر بها فيقولون فلان معفر استه بمعرض الذم، وإذا كنت يا ابن الوليد ترضى به اليوم فهل ترضى به غدا في الجنة، وذلك لأنه كان مأبونا قد ألف ذلك واعتاده والعياذ بالله، فجرّه اعتياده إلى الجرأة على القول بأن هذه الفاحشة الخبيثة من ملاذ الجنة المطهرة من الأرجاس، قبحه الله وقبح فاعليها ومحبذيها. وقد صحح العلماء الأعلام أنها لا تكون في الجنة قطعا لأن الله سماها فاحشة هنا وخبثا في الآية ٧٣ من سورة الأنبياء في ج ٢، والجنة منزهة عن الفواحش والخبائث، قال بعض العارفين والله الذي لا إله إلا هو لو لم يذكر الله عمل قوم لوط في كتابه ما خطر ببالي كونه واقعا أو يقع، وذلك لطهارة سريرته وكماله، لأن الكامل لا يرى النقص، وألحق بعض العلماء السّحاق باللواطة، وبدأ أيضا في قوم لوط، لأن رجالهم لما استغني بعضهم ببعض بعد أن ألفوا اللواطة تركوا نساءهم، فصارت المرأة منهم تأتي الأخرى. جاء عن حذيفة ﵁ قال: إنما حق القول على قوم لوط حين استغنى الرجال بالرجال والنساء بالنساء وعن أبي عمرة قال: قلت لمحمد بن علي، عذب الله نساء قوم لوط بعمل رجالهم، فقال له: الله أعدل من ذلك، استغنى الرجال بالرجال والنساء بالنساء، فعذبهن كما عذبهم جزاء وفاقا. وعن علي كرم الله وجهه قال على المنبر سلوني، فقال ابن الكواء هل تؤتى النساء في أعجازهن؟ فقال سفلت وسفّه الله بك، ألم تسمع قوله تعالى (أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ) هذا وإن العلماء صرحوا بأن حرمة اللواطة أشدّ من الزنى عقلا وطبعا وشرعا،

стр. 381

أما عقلا وطبعا فإن العقول السليمة والطبيعة الطاهرة لم تألفه لشدة قبحه فعلا ومحلا، وأما شرعا فلأن حرمة الزنا تزول بالتزويج والحد والشراء إذا كان المفعول به رقيقا ولا يمكن شيء من ذلك في اللواطة. وقول الإمام بعدم الحدّ تعليظا لأن الحد مطهر عنده، وبه قال أكثر العلماء، وعليه فيلقى الله من أجري عليه الحد خاليا مما عمله بخلاف ما لا حد فيه كاللواطة، فإنه يلقى الله فاعلها ملوثا بجرمه. هذا، وإن بعض السفهاء والفسقة خبيثي النفوس نجسي العقيدة كابن الوليد المذكور أخزاهم الله جميعا وأذلهم، يفتخرون بمثل هذه الفعلة الفظيعة ومنهم يفعلها انتقاما انتقم الله منه في الدنيا والآخرة، ومن المفعول بهم من اتخذها مهنة، أهانه الله، ومنهم من يقدم نفسه لبعض الخبثاء أمثالهم من الموظفين ومن هو واسطة لهم لعنهم الله وأزال نعمه عنهم ليوظفه أضافه الله لإخوانه قوم لوط، وفضحهم في الدنيا وعذبهم في الآخرة، ومنهم من ابتلي بها والعياذ بالله حتى أنهم ليعطون مالا لمن يفعل بهم وهم كثيرون في زماننا، ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، لأنهم تقوا بنعمتك على معصيتك. قال تعالى «وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً» بن ثوبب بن مدين بن إبراهيم ﵉، أي أرسله إلى قومه ولد مدين ومدين صارا اسما للقبيلة، وكان ﵇ يسمى خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه، وكانوا كافرين ينقصون الكيل ويبخسون الميزان، فبادر بنصحهم وتحذيرهم عاقبة أمرهم «قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ» موعظة «مِنْ رَبِّكُمْ» فاتعظوا بها، ولم تذكر لسيدنا شعيب معجزة في القرآن والقول بأنه لم يكن له معجزة غلط لأن الفاء في قوله جل قوله «فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ» أتت لترتيب الأمر على مجيء البينة، والقول بأنها عاطفة على (اعْبُدُوا) بعيد لا يكاد يقوله عارف، وعدم ذكرها في القرآن لا يدل على عدم تخصيصه بشيء من المعجزات التي لا بد لكل نبي منها دلالة على صدق دعوته مما من شأنه أن يعجز البشر على مثله، ومن المعلوم أن ليس كل آيات الأنبياء مذكورة في القرآن العظيم وما من عموم إلا وقد خصص، وروي أنه لما كان موسى ﵇ عنده

стр. 382

يرعى بغنمه حاربت عصاه التنين، وهذه العصا أعطاه إياها شعيب ﵇ وهي عصا آدم، وقد وقعت على يد موسى سبع مرات وهو عند شعيب، وقد وعد موسى بأن يكون له الدرع من أولاد غنمه، فولدت كلها درعا، وهذه معجزة أيضا إذ لم يسبق أن أغناما كثيرة تلد كلها درعا على نمط واحد، ولم يكن موسى إذ ذاك نبيا لتكون هذه المعجزات له، فتكون كلها لشعيب. هذا، وبعد أن أهلك الله قومه أرسله إلى أصحاب الأيكة فأهلكهم الله بعذاب يوم الظلة كما سيأتي في الآية ١٨٩ من سورة الشعراء الآتية، ولم يبعث الله نبيا مرتين غيره فهذا من خصائصه أيضا وهي فضيلة عظيمة، وقيل إنه بعث مرة ثالثة إلى أصحاب الرّس المبينة في الآية ١٢ من سورة ق المارة، وإن إهلاك قومه مرتين لعدم اجابتهم دعوته بعد معجزة أيضا. مطلب في عمى شعيب ﵇: وهنا مسألة وهي أن العلماء نصّوا على أن الأنبياء سالمون من كل عيب ونقص حسي أو معنوي، ولا شك أن العمى نقص حسي، ومما هو شائع أن سيدنا شعيب كان أعمى، فإذا صح ذلك فيكون هذا طارئا عليه بعد النبوة كبلاء أيوب وعمى يعقوب ﵈، إلا أن بلاء أيوب وعمى يعقوب زالا بحياتهما بنص القرآن لأنه من جملة ما ابتلى به أصفياءه ليختبرهم أي ليظهر للناس حالهم معه مع وجود البلاء وإلا فهو عالم بهم قبل، فلو كان عمى شعيب من هذا أقيل لذكره الله في القرآن كما ذكر بلاء غيره، وإذ لم يذكره فلا محل للقول بعماه، ولهذا البحث صلة في تفسير الآية ٨٤ من سورة يوسف في ج ٢ والآية ٢٥ من سورة القصص الآتية، فظهر من هذا أنه لو كان أعمى حقيقة لما أغفله القرآن، وعليه فإن القول بعماه غير صحيح، قال تعالى «وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ: أَشْياءَهُمْ» حقوقهم في الكيل والوزن والذرع وغيره أي لا تقصوها، أدوها كاملة وافية فإنه أبرأ الذمة. وأمرأ للقلب «وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ» بأن تسلبوا أو تقتلوا أو تؤذوا المارة والقارّة من العباد «بَعْدَ إِصْلاحِها» ببعثة الرسل الذين أقاموا فيها العدل بين الناس وحاربوا الفساد والظلم، بل اسلكوا طريقهم أيها الناس في الإصلاح النافع

стр. 383

ذكره في الدارين «ذلِكُمْ» عدم البخس والنقص والإفساد «خَيْرٌ لَكُمْ» عند بارئكم وأنمى لأموالكم وأصلح لنفوسكم «إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ٨٥» بالله وما أقوله لكم عنه «وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ» طريق عام أو خاص والباء هنا للملاصقة والملابسة، والأولى أن تكون بمعنى، على، لمناسبة فعل قعد، أي لا تقعدوا على مطلق طريق بدلالة التنوين «تُوعِدُونَ» من آمن بي وتهدّدونه لتعيدوه إلى الكفر الذي أنتم عليه وتمنعون الآخرين من الإيمان بالله وبما جئتكم به منه «وَتَصُدُّونَ» العامة والخاصة «عَنْ» سلوك «سَبِيلِ اللَّهِ» المستقيمة الحقة «مَنْ آمَنَ» به «وَتَبْغُونَها» أي طريق الله العادلة «عِوَجاً» مائلة عن الصواب، وتلتمسون الزيغ لها وتصفونها للناس بالاعوجاج وعدم الاستقامة لئلا يسلكونها، راجع الآية ٤٥ المارة والآية الأولى من سورة الكهف في ج ٢، قال ابن عباس كانوا يجلسون على الطريق فيخبرون من أتى إليهم أن شعيبا كذاب فلا يفتننكم عن دينكم، وهكذا كانت قريش تفعل بمحمد ﷺ كما سيأتي في الآية ٧٠ من سورة النمل الآتية أيضا «وَاذْكُرُوا» يا قوم توالي نعم الله عليكم وأفضاله «إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ» في العدد والعدد والقوة والمال والأولاد والعز لأن كثر المشدد يدل على التكثير، قالوا إن مدين بن ابراهيم تزوج بنت لوط فرمى في نسلها البركة وهذا مما يستوجب شكر الله، يا قوم فمالكم تكفرون به ولا تفكرون بعاقبة أمركم فتلتفتوا «وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ٨٦» من الأمم السالفة حيث أهلكهم الله حينما كذبوا رسلهم «وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» في التوحيد والتصديق بالنبوة والمعاد واجتناب المناهي وامتثال الأوامر «وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا» بشيء من ذلك أو اختلفتم بينكم من أجل الإيمان بذلك وعدمه «فَاصْبِرُوا» انتظروا أيها المعاندون «حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا» وتروا حكمه كيف يعزّ المؤمن ويذل الكافر «وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ ٨٧» لأنه منزه عن الجور والحيف في حكمه وهو الحاكم الحقيقي الذي لا معقب لحكمه ولا رادّ له، وما سمي الناس حكاما إلا مجازا «قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ» جوابا لنصحه وتهديده، والله إن لم ترتدع

стр. 384

«لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا» ما دمت مناوئا لنا ولآلهتنا وعاداتنا «أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا» فتكون مثلنا تعمل ما نعمل وتترك ما أنت عليه، كلفوه ﵇ اختيار أحد الأمرين مع أنه لم يكن على ملتهم قط حتى يكلفوه العودة إليها. ولكن الذين آمنوا به كانوا على ملتهم فخاطبوه تبعا لهم، وقال بعض المفسرين إنّ عاد بمعنى صار واستشهد بقول القائل: فإن لم تك الأيام تحسن مرة ... اليّ فقد عادت لهن ذنوب أي صارت وعليه يكون المعنى أو لتصيرنّ على ملتنا «قالَ» لهم شعيب ﵇ على طريق الاستفهام الإنكاري «أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ ٨٨» أي أتريدون أن نفعل أحد الأمرين كرها لأن الواو هنا للحال، وكأنهم قالوا له نعم كرها فقال ﵇ «قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً» فيما وعظناكم به «إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ» الضالة المهلكة «بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها» واتضح لنا بطلانها وقد نظم نفسه في جملة المؤمنين مع أنه كان بريئا مما كانوا عليه لأن الكفر على الأنبياء محال، ولكنه تكلم بلسان قومه المؤمنين مجريا الكلام على حكم التغليب «وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها» وهي ملة الكفر ونترك الحق الذي نحن عليه «إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا» خذلاننا ومنعنا من الطاقة القدسية، فحينئذ يمضي فينا قضاؤه وقدره تنفيذا لسابق علمه، وهذا القول من شعيب على لسان قومه المؤمنين أيضا الذين لا يقدرون أن يردوا عليهم لضعفهم وهو من قبيل الاستسلام لمشيئة الله، لأن الأنبياء والكاملين دائما يخافون العاقبة وانقلاب الأمر لعلمهم ان الإله لا يقيد ولا يسأل عما يفعل، فإن العبد كلما ازداد قربا من ربه ازداد خوفا منه ومعرفة بعظمته. قال الخليل ﵇ «وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ» الآية ٣٥ من سورة ابراهيم في ج ٢ وكان محمد ﷺ يقول يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، ومن المعلوم بداهة ان ابراهيم يجتنب الأصنام وان محمدا ثابت قلبه على دين ربه، وعليه يكون معنى الاستثناء: إلا أن يكون قد سبق في علمك ومشيئتك أن نعود فيها. يدل على هذا قوله «وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً» ت (٢٥)

стр. 385

بما كان قبل أن يكون وما سيكون قبل تكوينه. ونظير هذا قول إبراهيم في الآية ٨٠ من سورة الأنعام في ج ٢ لأنه لما ردّ الأمر الى المشيئة وهي غيب عليه مجد الله بالانفراد بعلم الغيب، وكذلك شعيب لما رد المشيئة الى الله مجده بقوله وسع إلخ وقال «عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا» في أمورنا كلها فقد أظهر عجزه لله واعتماده عليه وحده وأعرض عن المفاوضة مع الكافرين إذ رأى إصرارهم وأيس من ايمانهم، ثم قال هو والمؤمنون به «رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا» الذين لم يؤمنوا بك وهم مكلفون أن يؤمنوا إيمانا «بِالْحَقِّ» الواجب عليهم اتباعه وسلوكه «وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ ٨٩» الحاكمين، وفتح هنا بمعنى حكم وقضى بلغة اليمن وفرقة من حمير ومراد قال قائلهم: ألا أبلغ بني عصم رسولا ... فإني عن فتح حكم غنيّ أي غني عن قاضيهم وإن اهل عمان يسمون القاضي فاتحا، ويؤذن قوله ﵇ بانه ترك الأسباب الى مسبها واقبل الى ربه بمن معه «وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ» لبعضهم «لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً» وتركتم دين آبائكم الذي عليه أسلافكم من قبل «إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ ٩٠» مغبونون لخلافكم اوائلكم وحرمانكم من فوائد البخس والتطفيف الذي ينهاكم عنه فلما أظهر الله للناس إصرارهم على الكفر والمعاصي أهلكهم «فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ ٩١» تقدم تفسيره آنفا في الآية ٧٨ المارة قال تعالى «الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا» أي ذهبوا وكأنهم لم يوجدوا في الدنيا دهرا طويلا برغادة عيش وهذا معنى غنى وضده الفقر قال حاتم.. غنينا زمانا بالتصعلك والغنى ... فكلا سقاناه بكأسهما الدهر فما زادنا بغيا على ذي قرابة ... غنانا ولا أزرى بأحسابنا الفقر «الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ ٩٢» أنفسهم ونشبهم في الدنيا والنعيم المقيم في الآخرة «فَتَوَلَّى» شعيب «عَنْهُمْ» أي المهلكين «وَقالَ» آسفا على عدم إيمانهم ومبيّنا تقصيرهم وعدم تقصيره بإرشادهم «يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى» أحزن وأتوجع «عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ ٩٣» أي

стр. 386

لا يجب على ذلك لأني لم آل جهدا في نصحهم، وانما قال هذا لأنه كان يتوقع منهم الإيمان وكانوا كثيرين لذلك أحس بالحزن عليهم واشتد به الأمر حتى قال ما قال وعزّى نفسه بأنهم هم الذين اهلكوا أنفسهم بإصرارهم على الكفر وعدم التفاتهم الى نصحه وقد تقدم إليهم بالمعذرة وهكذا عاقبة كل أمة لم تؤمن برسولها وهو شأن صغار العقول الذين يقال فيهم: إذا الأحوال دبّرها شباب ... فإن مصيرها صاح الرزايا متى تصل العطاش الى ارتواء ... إذا استقت البحار من الركايا ومن يثني الأصاغر عن مراد ... وقد جلس الأكابر في الزوايا وانّ ترفّع الوضعاء يوما ... على الرفعاء من بعض البلايا إذا استوت الأسافل والأعالي ... فقد طابت منادمة المنايا مطلب قصه سيدنا شعيب ﵇: هذا ما قصه الله علينا في أمر شعيب وقومه وكيفية إهلاكهم، اما ما ذكره القصاص فخلاصته أنه ﵇ أرسله الله الى اصحاب الأيكة فلم يؤمنوا فأرسل عليهم حرا شديدا أخذ بانفاسهم وحبس الريح عليهم سبعة أيام ولم يجدوا ما يقيهم منه حيث لا واقي من أمر الله فهربوا إلى البرية فأظلتهم سحابة فيها ريح طيبة وهي الظلة المذكورة في الآية ١٨٩ من سورة الشعراء الآية، فاجتمعوا تحتها كلهم فالهبها الله نارا عليهم ورجفت بهم الأرض، فاحترقوا جميعا، ثم أرسله إلى أهل مدين الذين كان ملوكهم أبجد وهوز وحطي وكلمن وسعفص وقرشت، وكان ملكهم حين إهلاك الظلة، كلمن، فلما دعاهم الى الإيمان ولم يؤمنوا أيضا أرسل عليهم جبريل ﵇ فصاح بهم صيحة أخذتهم الرجفة من هولها فأهلكوا جميعا كما جاء في الآية ٣٧ من سورة العنكبوت ج ٢ وقالوا ان كلمن رثته بنته عند نزول العذاب بهم بقولها: كلمن قد هدّد كن ... هلكه وسط المحلة سيد القوم أتاه ... الحتف نار تحت ظلة جعلت نارا عليهم ... دارهم كالمضمحلة

стр. 387

وليس هذا مما يعول عليه، والأحرى عدم صحته لأن العذاب نزل دفعة واحدة فمتى تمكنت من إنشاء هذه الأبيات، وعلى القول بأنها كانت مع المسلمين، فإن أباها لم يهلك بالظّلة لأن أصحاب الظلة أهل الأيكة الذي ذكرهم في الآية ١٨٩ من سورة الشعراء وأبوها هلك بالصيحة مع قومه أهل مدين، وهذه الزيادة أسقطت اعتبار صحة الأبيات فيها على فرض أنها مسلمة لم تهلك، وهكذا الأخباريون أحيانا يهرفون بما لا يعرفون، ولذلك لا يوقن بنقلهم قال تعالى «وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ» تشير هذه الجملة بالإجمال إلى سائر الأمم وأحوالها مع أنبيائها وفيها تخويف لقريش وتحذير من أن تكون عاقبتهم الإهلاك إن لم يؤمنوا كسائر الأمم الكافرة، وفيها حذف وإضمار أي فكذبوه «إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ» الفقر ودواعيه «وَالضَّرَّاءِ» المرض ولوازمه «لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ٩٤» إلى ربهم فيرجعون عن كفرهم فيؤمنوا فيقبلهم ويعفو عنهم، وفي هذه الجملة زجر لكافة الكفرة بأن يقلعوا عما هم عليه وإلا فمصيرهم التدمير. وتعريف لحضرة الرسول بأحوال الأنبياء مع أممهم وسنة الله فيهم تسلية له ليهون عليه ما يلاقيه من قومه من الأذى والتكذيب «ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ» أي بدل البلاء والمحنة والشدة التي كانوا عليها بالسعة والصحة والرخاء مما يستدعي الإيمان بنا والانقياد إلى طاعتنا شكرا لنعمنا عليهم بدفع السيء عنهم وجلب الحسن لهم «حَتَّى عَفَوْا» كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم، وعفى تأتي بمعنى زاد قال تعالى (وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) الآية ٢٢٩ من البقرة في ج ٣ وبمعنى كثر ونمى كما هاهنا، أما ما جاء في الحديث أعفوا اللحى واحفوا الشارب، بمعنى اتركوا اللحى لا تحلقوها وليس المراد لا تقصوا منها شيئا إذ يجوز أخذ ما زاد منها على القبضة والمراد بإحفاء الشارب الأخذ منه أيضا بحيث تظهر حواف الشفة، وقد غلط من فسّره بالحلق، لأن الرسول لم يفعله ولأنه مثلة والشريعة جميلة مجملة لا تأمر بما هو مثلة، ولهذا البحث صلة في الآية ١٨٧ من هذه السورة. أما ما فسره أبو مسلم بأن المراد من عفوا اعرضوا عن الشكر، فليس بيانا للمعنى اللغوي بل أخذا من معنى الآية وليس بشيء

стр. 388

«وَقالُوا» لما غفلوا عن استدراجنا إياهم ولم يعلموا كيفية إملائنا للظالم وأخذه على غرّة، واننا تارة نأخذ العاصين بالشدّة وطورا بالرخاء، وظنوا أن عادة الدهر هكذا مرة سيئا وأخرى حسنا، وأن الشدة لم تكن عقوبة، قال بعضهم لبعض اثبتوا على ما أنتم عليه كما ثبت آباؤكم من قبل إذ «قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ» مثلنا فصبروا ولم يغيروا دينهم بسبب ما أصابهم، ولما أظهروا ما انطوت عليه سرائرهم إثر إنعامنا عليهم ولم يصغوا لنصح رسلهم أوقعنا بهم ما هدّدوا به «فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ٦٥» بشيء من المخاوف لأنهم كانوا في مأمن من العذاب بزعمهم ولم يخطر مكروه ببالهم قال تعالى «وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا» بالله ورسله وعملوا ما أمروا به وانتهوا عما نهوا عنه «وَاتَّقَوْا» الكفر والإفساد في الأرض «لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ» من رياح لينة وغيث نافع «وَالْأَرْضِ» من نبات وثمر ولصببنا عليهم الخيرات من كل جهة «وَلكِنْ كَذَّبُوا» آياتنا ورسلنا «فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ٩٦» من الأعمال الخبيثة وعاقبناهم بأنواع العذاب «أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى» كفار مكة وأضرابهم فيشمل كل أهل قرية كذبت الرسل وأنكرت ما جاءتهم به «أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا» عذابنا «بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ ٩٧» أي لا يأمنوا وقوع العذاب بهم على غرة وغفلة «أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ٩٨» حالة كونهم لاهين عما يراد بهم خائضين بالكفر معرضين عن الإيمان، وفي هاتين الآيتين تهديد شديد وزجر ووعيد لكل من هذا شأنهم «أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ» استدراجه إياهم بالنعم وأخذه لهم على بغتة ليلا أو نهارا، وأنهم متى ما أمنوا مكر الله هلكوا «فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ ٩٩» أنفسهم وأهليهم وأموالهم في الدنيا والسعادة الدائمة في الأخرى، لأن الله تعالى إذا أسدى نعمه على عبده وجب عليه شكرها فإذا لم يفعل كان كافرا لها جاحدا المنعم بها، وحينئذ عليه أن لا يظن أنها نعمة حقيقية لخيره بل نقمة محضة لشره، قالت ابنة الربيع بن هيثم: يا أبت ما لي أرى الناس ينامون ولا أراك تنام؟ قال يا بنتاه إن أباك يخاف البيات، أراد الآية المارة، رحمه الله

стр. 389

رحمة واسعة، فيجب على كل عاقل أن يخاف هذا، لأن الموت يأتي بغتة والقيامة كذلك، فإذا حلّ الأجل لا يستطيع القائم القعود ولا القاعد القيام، ولهذا حث الشارع على الوصية، فلا ينبغي له أن ينام إلا ووصيته تحت رأسه، لئلا يفاجئه الموت فلا يتمكن من بيان ماله وما عليه، وما يريد أن يخصّ منه لأرحامه ولوجوه البر فيندم من حيث لا ينفعه الندم قال تعالى «أَوَلَمْ يَهْدِ» يتبين من أحوال الأمم السابقة «لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ» إهلاك «أَهْلِها» بنوع من أنواع العذاب الذي قصصناه عليك يا أكمل الرسل بأنا «لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ» أخذناهم «بِذُنُوبِهِمْ» كما أخذنا من قبلهم «وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ» فلا نتركها تعي منافع الإيمان ونهملها وشأنها حتى تختار الكفر والشرك كما فعلنا بمن قبلهم من الأمم الباغية وإذا ختمنا على قلوبهم منعناها من قبول الإيمان «فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ١٠٠» المواعظ الحسنة سماع قبول، أي لا يقبلونها لأنا لا نريد إيمانهم لخبث طويتهم وإصرارهم على الكفر قال تعالى «تِلْكَ الْقُرى» التي بينا لأهلها طريقي الخير والشر كقوم نوح وعاد وصالح وهود ولوط وشعيب الذين ختمنا على قلوبهم لعلمنا بخبثها فلم ندعها تقبل نصح رسلهم وأهلكناهم ببغيهم «نَقُصُّ عَلَيْكَ» يا محمد «مِنْ أَنْبائِها» أخبار أهلها وأمر رسلهم معهم لتعلم ماهية مقاومتهم للرسل وعاقبة أمرهم معهم وتتيقن أنا ناصروك على قومك كما نصرناهم، ومهلكو من لم يؤمن بك كما أهلكنا من لم يؤمن بهم «وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ» مثلما جئنهم بالمعجزات «فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا» بعد رؤية ما أظهروه لهم من المعجزات «بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ» قبل مجيء الرسل إليهم ورؤية آياتهم، بل استمروا على كفرهم وأصروا على عنادهم، وفاجأوا رسلهم بالتكذيب، ولم يلتفتوا إلى معجزاتهم، فكانت حالتهم بعد مجيء الرسل كحالتهم قبلها كأن لم يبعث إليهم أحد ولم يؤمروا ولم ينهوا وهذه الآية قريبة في المعنى من قوله تعالى: (وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ) الآية ٢٨ من سورة الأنعام في ج ٢، أي لو أحييناهم بعد معاينة العذاب لم يؤمنوا «كَذلِكَ» مثل هذا الطبع المحكم «يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ ١٠١» الذين

стр. 390

سبق في علم الله أنهم لا يؤمنون من قومك ولو جاءتهم كل آية وأنهم يختارون الكفر عنادا «و» من جملة أخلاقهم الذميمة وخصالهم المستهجنة نقض العهد والميثاق لأنا «ما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ» أي الأمم الخالية «مِنْ عَهْدٍ» أوفوا به لنا في عالم الذر، كما أنهم لم يوفوا بعهدهم لرسلهم، لأنهم كلما عاهدوهم على الإيمان نقضوا، فلا وفاء لهم البتة. مطلب في تفاوت حروف الجرّ.. وألقاب الملوك: وجيء، بمن، هنا للتأكيد والإحكام كما نوهنا به في الآية ٨٠ المارة ولا يعبّر عن مثل هذا بسيف خطيب أن زائدة لأنه قول زائد، إذ لا نزاع بأن قولك ما جاءني من أحد أبلغ من قولك ما جاءني أحد، وعليه يكون وجودها له معنى بليغ في النفوس والأسماع لا يكون بغيرها، وبني كلام الله على البلاغة لأنها من معجزاته وانظر لهذا الجناس التام المماثل بين قوله وما وجدنا وبين قوله «وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ ٢٠١» خارجين عن طاعتنا ناكثين ميثاقنا الذي أخذناه عليهم حين أخرجنا ذراريهم من ظهور أبيهم آدم ﵇ المبين في الآية ١٧٠ الآتية، قال ابن عباس إنما أهلك الله أهل القرى لأنهم لم يحفظوا ما وصاهم به، وإن في صدر هذه الآية مخففة من الثقيلة وخبرها ضمير الشأن واللام، في لفاسقين اللام الفارقة بين أن النافية والمخففة حيث أوجبوا وجود اللام بعد أن المخففة، لئلا تلتبس بالنافية التي لا يأتي اللام بعدها، والمعنى أنه أي الحال والشان وجدنا أكثرهم فاسقين راجع الآية ٤٥ المرة، وقال بعض المفسرين إنّ إن بمعنى ما واللام بمعنى إلّا، أي ما وجدنا أكثرهم إلّا فاسقين وهو وجيه وفيه من البلاغة ما لا يوجد في التفسير الأول، وسياق صدر هذه الآية بواتي المعنى إلا أن مجيء اللام بمعنى إلّا شاذّ، لهذا قدمنا الأول مع اختيارنا للثاني لولا ذلك المانع، قال تعالى «ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ» «مُوسى» بن عمران بآياتنا التسع الآتية بعد في هذه السورة «إِلى فِرْعَوْنَ» الوليد بن مصعب بن الريان ملك مصر المبالغ في الكبرياء والجبروت والإفراط حتى ادعى الإلهية وكلمة فرعون علم لكل من يملك القبط، كما أن النجاشي لمن يملك الحبشة
следующие страницы →