← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23595

بيان المعاني

ملا حويش

Полный текст (3 362 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وقال المتنبي: وقيدت نفسي في ذراك محبة ... ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا إلا أنهم فرقوا بين الفعل فقالوا صفده قيده وأصفده، أعطاه عكس، وعد وأوعد وقد صفد هذه الطائفة بأمر الله درأ لأذاهم الناس لعلمه تعالى أن ذاك ديدنهم قال تعالى «هذا» العطاء العظيم «عَطاؤُنا» أيها الناس فتعرضوا له نصبكم منه «فَامْنُنْ» به يا عبدنا سليمان إلى من شئت وأحسن به على من أردت فهو غير نافد «أَوْ أَمْسِكْ» امنع من شئت منه من لا تريد إعطاءه وارفع رفدك عنه فأنت مخير بذلك مطلق الارادة «بِغَيْرِ حِسابٍ ٣٩» عليك فيما تعطي وتمنع وهذه خصوصية له ﵇ لانه يؤجر إن أعطى ولا يأثم إذا منع بخلاف غيره «وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا» نحن الإله العظيم المانّ عليه بما ذكر عدا ذلك «لَزُلْفى» قربة وكرامة «وَحُسْنَ مَآبٍ ٤٠» في الآخرة وقد جمع له خيرهما وهو للآخرة أتوق لأنها دار راحة ونعيم دائم وفيها يقول المعري: متى أنا للدار المريحة ضاعن ... فقد طال في دار الفناء مقامي وقد ذقتها ما بين شهد وعلقم ... وخبرتها من صحة وسقام وقال أبو العتاهية: ألم تر ريب الدهر في كل ساعة ... له عارض فيه المنية تلمع أيا باني الدنيا لغيرك تبتني ... ويا جامع الدنيا لغيرك تجمع أرى المرء وثابا على كل فرحة ... وللمرء يوما لا محالة مصرع هذا ومن عرف أن هذا حال الدنيا رغب عنها إلى الآخرة قال تعالى «وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ» في معرض الأنبياء المبتلين أمثالك يا محمد «إِذْ نادى رَبَّهُ» لما اشتد به البلاء فقال يا رب «أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ» اتعاب كثيرة ومشقات «وَعَذابٍ ٤١» أضربي لا طاقة لي عليه يا رب فأعني فأجابه بقوله ﷻ «ارْكُضْ» اضرب الأرض «بِرِجْلِكَ» فضربها فنبعت ماء فقال له ربه «هذا» الماء لك منه «مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ ٤٢» تشرب منه فاغتسل فذهب

стр. 317

ما فيه ظاهرا من آثار المرض، وشرب فذهب ما فيه من آلامه الداخلية «وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ» أي مثل ما فقد له منهم من المال والولد «وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ» على سبيل التفضل «رَحْمَةً مِنَّا» وجزاء لصبره على ابتلائنا وثباته على عبادتنا «وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ ٤٣» العقول السليمة والبصائر الحاذقة، ليعلموا أن من صبر على بلائي ولم يضجر وشكر نعمائي ولم يفرح، أعامله معاملة أخصّائي، ثم بين له المخرج من صلفه كما سيأتي في القصة بعد مفصلة في الآية ٨٤ من الأنبياء في ج ٢، وكذلك قصص الأنبياء الآتي ذكرهم فراجعها، ثم قال له «وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً» حزمة حشيش صغيرة بملء اليد. «فَاضْرِبْ بِهِ» امرأتك التي حلفت عليها أن تجلدها «وَلا تَحْنَثْ» بيمينك لأن البرّ به واجب. مطلب التخفيف وكفارة اليمين بحيلة في محله الملائم: وقد حلل الله يمينه بأهون شيء عليه وعليها شكرا لصبرها عليه مدة مرضه الحكم الشرعي اختلف الفقهاء فيمن حلف أن يضرب عبده مائة سوط فجمعها بيده وضربه بها ضربة واحدة، فقال مالك والليث بن سعد وأحمد لا يبرّ، وقال مجاهد: هذا خاصّ بأيوب ﵇. وقال أبو حنيفة والشافعي: إذا ضربه بها ضربة واحدة فأصابه كل سوط على حدة فقد برّ بيمينه، استدلالا بهذه الآية. وقال ابن عباس وعطاء ابن أبي رباح إنه يبرّ مطلقا بقطع النظر عن خصوص السبب. وهذا هو الأوفق بالقاعدة وهي العبرة للعام ما لم يقيّد، وهذا إذا استوعبت يد الضارب المائة سوط لا المائة قصلة من الحشيش لأنها خاصة ولا يسقط بها الحنث، ويشترط ان يصيب جسد المضروب كل واحد منها وإلا لا، وسنأتي على بحث كفارة اليمين وما يتعلق بها في الآية ٩٢ من المائدة في ج ٣. قال تعالى مبينا سبب إعطائه ضعفي أهله رماله وولده وتخفيف الكفارة عليه بقوله «إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً» على بلائنا ولم يشك منه ولم يضجر ولم يتوسل بغيرنا على كشفه ولذلك أجبنا دعوته وزدناه على ما طلب لأنه أظهر لعدوه إبليس وللناس أنه يعبدنا لذاتنا لا للمال والولد والأهل وغيرها، وإنما أفتيناه بتخفيف الكفارة لأنه حلف عليها من أجلنا بسبب المحنة

стр. 318

التي قدرناها عليه «نِعْمَ الْعَبْدُ» أيوب الصابر الشاكر «إِنَّهُ أَوَّابٌ ٤٤» رجاع إلينا كثير الأيادي على غيرنا «وَاذْكُرْ» يا أكمل الرسل «عِبادَنا» الصابرين الشاكرين أمثال أيوب «إِبْراهِيمَ» إذ امتحناه بإلقائه بالنار واختبرنا وفاءه بالعهد حينما ألقي فيها، إذ جاءه جبريل ليغيثه فقال: إني عاهدت ربي أن لا أسأل غيره. وقد قال له سله ليكشف عنك فقال: علمه بحالي يغني عن سؤالي «وَإِسْحاقَ» إذ ابتلي بالذبح وهذا على القول بأنه هو الذبيح وليس بشيء كما سنبينه في الآية ٨٨ من يوسف في ج ٢ ولعله ابتلي ببلاء آخر لم نعلمه أو بما كان على أبيه وأخيه إسماعيل ﵈ «ويعقوب» إذ ابتلي بفقد ولده وغشاوة بصره من البكاء عليه «أُولِي الْأَيْدِي» القوة العاملة على الطاعة والعبادة والجهاد والصبر على المصائب وعدم الاستعانة بغير الله، وفي هذه الآية تنديد على أولي البطالة والكسالى بأمر الدين والدنيا لأن الله يبغض العبد البطال وكتبت الأيدي بالياء ويجوز حذفها بلا حاذف كياء (يسر) في الآية ٤ من الفجر المارة وقوله «وَالْأَبْصارِ ٤٥» جمع بصيرة لا جمع بصر لأن البصيرة تجمع على أبصار وبصائر والمراد بها هنا والله أعلم القوة العالمية والمعرفة الحاذفة اللتين يصدر عنهما معرفة الله والعلم بخصائص مكوناته فهؤلاء وأمثالهم «إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ» لعبادتنا «بِخالِصَةٍ» أي خصلة خالصة لا شوب فيها «ذِكْرَى الدَّارِ ٤٦» الدائمة وهي الآخرة أي اصطفيناهم ليذكروا الناس في الآخرة فيعملوا لها يزهدوهم في الدنيا لئلا يتوغلوا فيها «وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا» بسبب صبرهم وشكرهم وتفاديهم في سبيلنا وقيامهم بأوامرنا «لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ ٤٧» المصفّين من الأدناس المختارين من جنسهم «وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ» المبتلين الصابرين أيضا «وكلّ» منهم عندنا «مِنَ الْأَخْيارِ ٤٨» إذ كل منهم امتحن واختبر فرضي وشكر وسنأتي على قصة كل منهم بانفراده عند ذكره إن شاء الله كي لا تتكرر وقد عدد الله تعالى جمعا من رسله المصابين بالبلاء بأجسادهم وأهلهم ومن قومهم تسلية لحضرة محمد ﷺ وتشجيعا له على تحمل أذى قومه وجفاهم له والصبر على سوء أخلاقهم معه إرشادا لأن يسلك طريقهم ويقتفي أثرهم ويفكر بما كان على

стр. 319

هؤلاء الأبرار من أقوامهم الفجار، وكيفية نصرهم عليهم بالوقت الذي قدره، لا الذي أرادوه، وانه سينصره عليهم بالوقت المقدر لذلك في علمه الأزلي. قال تعالى: (فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا) الآية ٨٥ من مريم الآتية قال تعالى: «هذا» الذي نتلوه عليك يا محمد «ذِكْرٌ» عظيم شريف جميل يذكر فيه هؤلاء الأنبياء الأبرار مدى الدنيا «وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ» هؤلاء وأمثالهم في الآخرة «لَحُسْنَ مَآبٍ ٤٩» مأوى جليل ومرجع كريم هو «جَنَّاتِ عَدْنٍ» خالدة وحينما يأتونها يرونها «مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ ٥٠» حيث تتقدمهم الملائكة فتفتحها لهم زيادة في إكرامهم لا يكلفون فتحها بأيديهم ومفتحة هنا واقعة حالا كالواو في قوله تعالى: (وَفُتِحَتْ أَبْوابُها) الآية ٧٣ من الزمر في ج ٢ فإنها واو الحال ولهذا البحث صلة في تفسير هذه الآية، هناك يجلسون في تلك الجنان حالة كونهم «مُتَّكِئِينَ فِيها» على الأرائك الطرية القوية زيادة في البسط والتنعم «يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ» متنوعة مختلفة بالطعم واللون والشكل والرائحة «وَشَرابٍ ٥١» كثير يحضر لهم معها وحذفت كلمة كثير هنا لدلالة الأولى عليها راجع الآية ١٧ من ق المارة تجد الشاهد والمثل «وَعِنْدَهُمْ» مع ذلك النعيم العظيم بنات أبكار «قاصِراتُ الطَّرْفِ» على كل منهم دون غيره فكل زوجة مقصور نظرها على زوجها فقط، وفي تمام السرور أنهن «أَتْرابٌ ٥٢» متساوين في السن والحسن والخلق والخلق وكل منهم يتحقق أن زوجته لا مثيل لها وكذلك الزوجة «هذا» الذي أعددناه لكم في الدار الآخرة أيها المتقون هو «ما تُوعَدُونَ» به في كتبنا على لسان رسلنا مهيا لكم «لِيَوْمِ الْحِسابِ ٥» والجزاء على الأعمال «إِنَّ هذا» كله وأضعافه معه «لَرِزْقُنا» الذي قدرناه لكم جزاء أعمالكم «ما لَهُ مِنْ نَفادٍ ٥٤» دائم أبدا إذا أخذت منه شيئا صار مثله مكانه لا ينقص أبدا فهو باق كالدار الآخرة باقية لا نفاد لها ولا يتطرق لما فيها تغيير أو تبديل بخلاف ما في الدنيا فإنه معرض لذلك وللفناء مثلها «هذا» الأمر الذي ذكرناه لمن ذكرنا من عبادنا الخاشعين الخاضعين لأوامرنا، وفي هذه الاشارة تنبيه على هول ما قاله تعالى بعدها وهو

стр. 320

«وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ ٥٥» مرجع قبيح ومصير مخزي ومأوى مخجل، وهذا بمقابلة ما للمتقين. ثم بين ذلك المآب بقوله: «جهنم» يجوز أن تكون بدلا من المآب أو عطف بيان وهي منصوبة على الذم «يَصْلَوْنَها» يحرقون فيها حرقا فظيعا «فَبِئْسَ الْمِهادُ ٥٦» جهنم المخصوصة بالذم فهي شر الفراش أعاذنا الله منها «هذا» العذاب الأليم «فَلْيَذُوقُوهُ» الطغاة أعداء الله فهو «حَمِيمٌ» ماء شديد الغليان «وَغَسَّاقٌ ٥٧» ماء آخر شديد البرودة يؤذي كالشديد الحرارة، ألم تر أيها القارئ فعل البرد في الزرع كيف يصيره أسود كأنه محروق بالنار لا بالحر الشديد لأنه يسوده بل ييبسه فقط وقد تصيبه سمرة راجع الآية ٥ من الأعلى المارة قال تعالى: «وَآخَرُ» نوع وجنس آخر من العذاب «مِنْ شَكْلِهِ» أي الحميم والغساق «أَزْواجٌ ٥٨» كثيرة وأضعاف متنوعة ثم يقال للقادة والرؤساء إذا أدخلوا النار وجاءت الزبانية بأتباعهم وزجوهم فيها معهم «هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ» العذاب أيضا كما اقتحموا أسبابه معكم في الدنيا، أي هؤلاء أتباعكم الضلال فيقولون «لا مَرْحَباً بِهِمْ» ضاقت الدار بهم لا وسعت وهذا على ما تعورف عند العرب إذ يقولون للقادم مرحبا أي دارنا رحبة واسعة بمقدمك، وأهلا أي نزلت على أهلك، وسهلا أي ما تطلبه يسر علينا إنفاذه هذا إذا كان خيرا وإذا كان شرا فبالعكس، كما هنا، ويقولون «إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ ٥٩» مثلنا فيردون عليهم بقولهم: «قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ» لأنكم رؤساؤنا بالكفر والشرك والضلال والإضلال لأنكم «أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ» أي العذاب المذكور «لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ ٦٠» الذي أوصلتمونا اليه ثم يبادرون بالدعاء عليهم إذ لم تنفعهم المخاصمة «قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا» العذاب الأليم أي تسبب به «فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ ٦١» لضلالهم أنفسهم وإضلالهم إيانا «وَقالُوا» أي الرؤساء والقادة الطغاة بعضهم لبعض، الأولون والآخرون، ومنهم بغاة قريش «ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ ٦٢» في الدنيا يعنون بذلك أتباع الرسل إذ كانوا يسمونهم في الدنيا أشرارا قال قوم هود لهود ﵇ (ما نَراكَ اتَّبَعَكَ ت (٢١)

стр. 321

إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا) الآية ٢٧ من ج ٢ وقال قوم محمد لمحمد ﵊ أنؤمن كما آمن السفهاء الآية ١٣ من البقرة حتى ان قريشا لم ترض بمجالسة فقراء المسلمين كما سيأتي في الآية ٥١ من الأنعام والآية ٢٧ من الكهف في ج ٢ وقالوا أيضا «أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا» بهمزة الاستفهام أسقطت معها همزة الوصل أي ما لهم لم يدخلوا معنا النار وكنا نسخر منهم في الدنيا ولا نرضى مجالستهم، سموهم أشرارا لكونهم على خلاف دينهم، وأراذل لأنهم فقراء «أم» أنهم موجودون ولكن «زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ ٦٣» فلم ترهم لكثرة أهل النار، واعلموا أيها الناس «إِنَّ ذلِكَ» الأخذ والرديين التابعين والمتبوعين «لحق» واقع لأنه «تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ ٦٤» في النار كائن لا مرية فيه وهذا التشاحن بين العابدين والمعبودين والضالين والمضلين لا محالة صائر بينهم في بعض مواقف القيامة راجع الآية ٣٥ من المرسلات المارة والآية ٢١ من ابراهيم في ج ٢ والآية ١٦٦ من البقرة في ج ٣ «قُلْ» يا سيد الرسل لمشركي قومك «إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ» لكم من هذا المصير السيء «وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ٦٥» لكل شيء وان ما تزعمونه من الآلهة كلها مخلوقة لله ومقهورة له لا تملك من خلقه شيئا ولا لنفسها نفعا وان إلهي «رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ» الغالب الذي لا يمتنع عنه شيء «الْغَفَّارُ ٦٦» لمن رجع اليه نادما من ضلاله وأن عظمت ذنوبه كرما منه لأنه واسع المغفرة. قال الأبوصيري: يا نفس لا تقنطي من زلة عظمت ... إن الكبائر في الغفران كاللمم. أي إذا أراد غفرانها راجع الآية ٥٢ من سورة الزمر في ج ٢ «قُلْ» يا أكمل الرسل لقومك ان هذا الذي أنبأتكم به من حالتي أهل الجنة والنار وكوني رسولا منذرا بأن الإله واحد وأن القرآن منزل من لدنه وأن شركاءكم لا يغنون عنكم من الله شيئا «هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ ٦٧» قدره، جليل أمره، ولكنكم «أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ٦٨» مع أنه لا يغفل عنه ويجب الانتباه له والتمسك به وأن الله تعالى أنزله إليّ لأقصه عليكم والا أنا «ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ» أبدا

стр. 322

«بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ ٦٩» لأني لم اقرأ الكتب القديمة ولا أحسن الكتابة لأنقلها إليكم وأن جميع ما قرأته لكم من الآيات وما سأتلوه عليكم بعد ليس من نفسي «إِنْ يُوحى إِلَيَّ» أي ما علمته إلا بوحي إليّ من الله «إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ» لكم من عذاب الله وبشير لكم بما عنده للمؤمنين «مُبِينٌ» ما يأمرني به ربي وشارح لكم عاقبة أمره معكم وكلما أذكره لكم عن الملأ الأعلى وعن أحوال الدنيا والآخرة ما هو من تلقاء نفسي، إنما هو بوحي منه، وأراد بالملأ الأعلى الملائكة وبالخصومة هو ما وقع بينهم وبين آدم ﵇ مما قصه قبل وما يقصه بعد من اعتراضهم على خلافته كما سيأتي في الآية ٣٠ من البقرة في ج ٣. قال تعالى. واذكر يا محمد لقومك «إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ ٧١» لا من نور كالملائكة ولا من نار كالجن «فَإِذا سَوَّيْتُهُ» أتممت خلقه كما هو في علمي «وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي» أضاف الروح لنفسه المنزهة على سبيل التشريف اضافة ملك كبيت الله وناقة الله، والروح جوهر لطيف يسري في بدن الإنسان سريان الضوء في الفضاء، والنار في الفحم، والماء في العود، والشمس في الظل، والرائحه في الماء، أي إذا أفضت عليه ما يحيا به من الروح الطاهرة المقدسة الشريفة التي هي أمري وجعلته حيا حساسا متنفسا «فَقَعُوا لَهُ» حالا بلا توان «ساجِدِينَ» تعظيما له واحتراما لقدرتي حيث خلقته من تراب على غير مثال سابق وجعلته على أحسن صورة، فلما سمعوا ما أمرهم به ربهم أجابوه فورا كما يدل عليه قوله: «فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ٧٣» لم يتخلف منهم أحد امتثالا لأمره «إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ» على ذلك المخلوق آدم ﵇ الذي اصطفاه الله واجتباه أن يكون أبا لأكمل الخلائق وأحسنها «وَكانَ» هذا الخبيث بسبب امتناعه عن السجود «مِنَ الْكافِرِينَ ٧٤» الملعونين المطرودين «قالَ» تعالى «يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ» على آدم الذي توليت خلقه بنفسي «أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ ٧٥» المتفوقين عليه، والعالون صنف من الملائكة المقربين كحملة العرش والروح، قيل إن هؤلاء لم يؤمروا بالسجود

стр. 323

وإنما الأمر صدر من الله تعالى لعوام الملائكة، فظن هذا الخبيث نفسه منهم فلم يسجد مع علمه أنه داخل فيمن أمر بالسجود ولهذا احتج وقال «أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ» فلا أسجد لمن هو دوني لانك «خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ٧٦» والنار على زعمه أشرف من الطين فيكون على ظنه أنه أفضل منه والفاضل لا يتواضع المفضول عادة ولم يعلم الخبيث خطأ قياسه الذي سنبينه في الآية ١١ من الأعراف الآتية لأن النار مصيرها الرماد ولا ينتفع به والطين أصل كل نام من الحيوان والأشجار، ولا شك أن من الأشجار ما هو مثمر ومن الحيوان الإنسان، وكل منها خير من الرماد وإذا كان للنار خاصة الإحراق والضياء فللطين خواص كثيرة فلو فرض أن رجلا نسيبا مجردا من كل فضيلة وآخر غير نسيب جامع للفضائل كلها فهل يفضل ذلك عليه لمجرد نسبه كلا، وكان على الخبيث أن يمتثل لمجرد الأمر من غير أن ينطرق للسبب وللمسجود له لما هو عليه من معرفة ربه على أن شرف الأصل لا يقتضي شرف الفرع قال ابن الوردي: إنما الورد من الشوك وما ... ينبت النرجس إلا من بصل قد يسود المرء من غير أب ... وبحسن السبك قد ينفى الدغل لكنه عليه اللعنة لم يكن هذا قصده ومغزاه وإنما أراد التكبر عليه لأنه يقول في نفسه قبل أن يصرح بما انتحله من السبب والعلة أنه لو فرض أنه خلق من النار ما سجدت له لأنه مثلي فكيف وقد خلق من الطين ويريد التفوق علي فإني ان سجدت له صرت دونه ولا أرضى لنفسي الدون. هذا وجاء لفظ أستكبرت بهمزة الاستفهام وأصلها بهمزة الوصل ولكن لما دخلت همزة الاستفهام حذفتها ويجوز بدون الاستفهام لدلالة (أم) التي أتت بعدها عليها «قال» تعالى تنفيذا لما هو في سابق علمه الأزلي أن يكون «فَاخْرُجْ مِنْها» أي الجنة، وإنما رمز إليها بالضمير ولم يسبق لها ذكر لشهرة كونه من سكانها، والمعلوم دائما يرمز إليه بالضمير كما بيناه في أول سورة القدر المارة وزاد في إخسائه بقوله: «فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ٧٧» طريد منها «وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ ٧٨» الجزاء والحساب

стр. 324

ولا يقال ان غاية هذه اللعنة منتهية إلى يوم القيامة، لأنه إذا كان مطرودا في أوان الرحمة الشاملة للمؤمن والكافر فلأن يكون مطرودا في غير أوانها يوم القيامة من باب أولى لأن الرحمة فيها خاصة بالطائعين وكيف تنقطع وقال تعالى: (فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) الآية ٤٣ من الأعراف الآتية وعلى هذا فإن اللعنة باقية عليه في الدنيا فإذا كان يوم القيامة زيد له عليها من أجناس العذاب ما ينسيه إياها ويكون كأنها انقطعت عنه، والرجيم في الآية الاولى محمول على الطرد من الجنة والمعنى في الآية الثانية محمول عن الطرد من الرحمة فلا تكرار فيهما ولما أيس الخبيث ورأى ان صورته تغيرت عما كانت عليه لظهور آثار غضب الله عليه حيث اسود جسمه وازرقت عيناه بعد أن كان يباهي الملائكة بخلقه وعرف ان لا يبدل قول الله ولا يتغير لفرط حذاقته التي استعملها بالخبث «قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي» أخرني ولا تمتني «إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ٧٩» يعني آدم وذريته، وقد استمهل الملعون ليتمادى في البغي والطغيان وليجد فسحة للاضلال مع علمه ان لا سبيل للبقاء ليأخذ ثأره من آدم وذريتة باغوائهم وعلى زعمه انه بإجابة دعوته ينجو من الموت لأنه لا يكون بعد البعث موت وهو امر معروف عند الملائكة وقد كان معهم كأنه منهم ولشدة مخالفته لهم علموا أنه منهم «قالَ» تعالى: «فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ٨٠» جمع الضمير مع عدم وجود منظر غيره لأن الذين يحضرون القيامة الاولى منظرون إليها بآجالهم فجعله منهم في هذه الحيثية ليس إلا وهذا الانظار «إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ٨١» للنفخة الأولى الموقت والمقدر لموت كافة الخلق اجمع ولما لم يفز الملعون ببغيته كما أراد صرح لربه عما في ضميره، وهو أعلم به «قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ٨٢» آدم وذريته ولما عرف أنه لم يقدر على إغواء الجميع استثنى فقال «إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ٨٣» بفتح اللام اي الذين استخلصتهم لعبادتك وبكسرها أي المخلصين لك منهم، أقسم الخبيث بسلطان الله وقهره على إغواء عامة الخلق اولا، ثم استثنى منهم من لم يقدر على اغوائه والتوصل إليه لا لأجل إخلاصهم، قاتله الله ما ألعنه «قالَ» تعالى «فَالْحَقُّ»

стр. 325

أنا الإله القاهر «وَالْحَقَّ أَقُولُ ٨٤» أقسم بذاته جلت وعلت وهذا أعظم قسم به «لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ» نفسك وذريتك وجنسك من الشياطين والجن والمردة «مِمَّنْ تَبِعَكَ» في الإغواء والضلالة والغواية والإضلال «مِنْهُمْ» من ذرية آدم الذين أقسمت على إغوائهم «أَجْمَعِينَ ٨٥» توكيد للضميرين في منك ومنهم أي التابعين والمتبوعين. وليعلم القارئ الفطن أن هذه القصة قد تكرر في سور أخرى كثيرة في القسم المكي والمدني ولكن يوجد في بعضها ما لا يوجد في الأخرى للايجاز، وقد يكون فيها لفظان متحدان مآلا، مختلفان لفظا رعاية للتفنن وقد يحمل الاختلاف على تعدد الصدور فيقال إنه أقسم مرة بعزة الله كما هنا وأخرى باغوائه كما في الأعراف الآتية في الآية ٦٧، وقد يحمل الاختلاف على اختلاف المقام كإثبات الفاء هنا في (فانظرني) وتركها في الأعراف وغيرها، فالذي يجب اعتباره هو أصل المعنى ونفس المدلول، وحيث أن مقام الحكاية اقتضى ذلك وهو ملاك الأمر، فلا يخلّ تغير الألفاظ في أصل المعنى كما ترى، وسنأتي على تفصيل القصة في الآية المذكورة من الأعراف إن شاء الله بأوضح من هذا. قال تعالى يا محمد «قُلْ» لقومك ان ما أنذركم به عن الله واجب عليّ حتما تنفيذا لأمر الله به واثبه إليكم مجازا «ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ» ما أبدا ولا أطلب منكم جعلا البتة «وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ٨٦» المتعصّبين المتحلّين بما ليسوا من أهله، ولا المتخلفين المتقولين من أنفسهم، ولا من المدعين بما ليس عندهم حتى أنتحل لكم وأتقول بالقرآن والادعاء بالنبوة «إِنْ هُوَ» الذي أنذركم به ليس «إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ٨٧» أجمع، أنزله الله عليّ لأذكركم به علّكم تتعظون بأوامره ونواهيه «و» إن لم تفعلوا وعزة ربي وجلاله «لَتَعْلَمُنَّ» يا قومي ويا أيها الناس أجمع «نَبَأَهُ» الصادق وخبره الحق اليقين «بَعْدَ حِينٍ ٨٨» أي مطلق زمن معلوم عند الله لم يظهر لأحد، إلا أن الآية تفيد أن من بقي حيا علم ذلك إذا ظهر أمره وعلا، ومن يموت علمه بعد موته، والكل يعلمه يوم القيامة حقا، قال الحسن: عند الموت يأتيك الخبر اليقين. أخرج ابن عدي عن ابي برزة

стр. 326

قال: قال ﷺ : ألا أنبئكم باهل الجنة، قلنا بلى يا رسول الله، قال: هم الرحماء بينهم، قال ألا أنبئكم بأهل النار، قلنا بلى يا رسول الله قال: هم الآيسون القانطون الكذابون المتكلفون. والمتكلف من ينازل من فوقه ويتعاطى ما لا ينال ويقول ما لا يعلم. وروى البخاري ومسلم عن مسروق قال دخلنا على ابن مسعود فقال: يا أيها الناس من علم شيئا فليقل ومن لم يعلم فليقل الله أعلم، فإن من العلم أن تقول لما لا تعلم الله أعلم، قال الله تعالى لنبيه ﷺ (قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) الآية المارة، فعلى العاقل ان يتعظ بما تضمنه هذا الخبر الكريم. هذا، وأستغفر الله، والله أعلم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلّى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وأصحابه واتباعه ومن تبعهم بإحسان أجمعين إلى يوم الدين. تفسير سورة الأعراف عدد ٣٩- ٧ نزلت بمكة بعد ص، عدا الآيات من ١٦٢ إلى ١٧٠ فإنها نزلت بالمدينة، وهي مائتان وست آيات، وثلاث آلاف وخمس وعشرون كلمة، واربعة عشر الفا وعشرة أحرف، يوجد في القرآن ثلاث عشرة سورة مبدوءة بالحروف المهملة، هذه والبقرة وآل عمران ويونس وهود ويوسف والرعد وإبراهيم والحجر والعنكبوت والروم ولقمان والسجدة. أما ما بدأ بالحروف المعجمة فقد ذكرنا في سورة نون أنها هي وق، وقد اختلفوا في معانيها على أقوال كثيرة ولا يعلمها على الحقيقة إلا الله لأنها من المتشابه الذي لم يطلع على المراد منه أحد إذ استأثر به نفسه وهي من أسرار القرآن التي يجب الإيمان بها على ظاهرها ويوكل علم ما فيها إلى منزلها. قال علي كرم الله وجهه لكل كتاب صفوة، وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي، ومن معجزات القرآن أنها جمعت في آية واحدة من آل عمران في ج ٣ عدد ١٥٤ وهي (ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً) إلخ وإن عشر سور أخرى من هذا القبيل مريم والطور والخواتيم، قال أبو بكر: في كل كتاب سر،

стр. 327

وسر الله في القرآن أوائل السور، ولا يقال كيف يخاطب الله بما لا يفهم إذ له أن يكلفهم بما لا يعقل جزما كرمي الحجارة في الحج وعدد ركعات الصلاة وغيرها، لأن الحكمة المرادة منها لا تعرف يقينا، أما قولهم هي مواقع الشيطان الذي كلم إبراهيم وابنه إسماعيل ﵉ فيها يوم أراد ذبحه فهو أمر ظاهري ليس الا، وهذا من كمال الانقياد لقدرته وقدمنا بعض ما فيها أوائل سورتي ق ون المارتين وفي المقدمة في بحث الفرق بين الوحي الإلهام، وسنلمع في كل منها ما نقف عليه من معانيها في محله كما فعلنا في سورة ص المارة. واعلم أن جميع ما جاء من حروف الهجاء في أوائل السور أحد عشر حرفا مهملا وهي: ال م ص ط س ح ر ك هـ ع وثلاثة معجمة وهي: الياء والقاف والنون، وهي هنا اسم للسورة وفواتح أسماء الله الحسنى أنا الله المعبود الصبور المصور اللطيف المجيد الذي يفصل بين الخلق ويعلم ما هم عليه وما هم صائرون إليه وسر من أسراره الدائرة بينه وبين حبيبه. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال تعالى: «المص ١» قال أهل المعرفة ما من سورة ابتدئت بالم إلا وتشتمل على ثلاثة أمور: ١- الخلق وكيفيته وهو البداية، ٢- والمعاد وما فيه وهو النهاية، ٣- والوسط وما يتعلق به وهو المعاش وفيه اشارة إلى مخارج الحروف الثلاثة، الحلق واللسان والشفتين، وزيد في هذه السورة حرف الصاد إعلاما بما فيها من قصص الأنبياء وغيرهم هذا «كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ» يا سيد الرسل «فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ» ضيق وضجر «مِنْهُ» بسبب إبلاغه وتأدية ما أرسلت به منه إلى قومك ولا تنقبض من شكهم فيه وبإنزاله عليك وتكذيبهم لك وجحدهم نبوتك «لِتُنْذِرَ» متعلق بأنزل «به» أي الكتاب قومك وغيرهم من أهل الأرض «وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ٢» به المصدقين بك وبربك، وإنذار للمكذبين المنكرين فقل يا أيها الناس «اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ» في هذا الكتاب الذي أتلوه عليكم «وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ» كرؤوس الكفرة والشياطين الذين يدعونكم إلى الشرك بالله ويريدونكم على عبادة الأوثان والأهواء الفاسدة المبتدعة «قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ ٣» بعظة الله

стр. 328

ورسوله وكتابه، وما هنا لتأكيد القلة، أي أن اتعاظكم به قليل جدا ولهذا لم تنتفعوا به، ثم حذرهم من عدم التذكر ومن الإصرار على الشرك وإنكار التوحيد بقوله عز قوله «وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها» لعدم اتعاظها «فَجاءَها بَأْسُنا» عذابنا الذي لا يرد بحكمنا الذي لا يعقب قبل أن يصبحوا بدلالة قوله «بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ ٤» ضحوة النهار لأنه أيضا وقت غفلة لا يتوقع فيه شيء بخلاف الصباح، فإن الغارات تقع فيه غالبا، وقد أهلك الله قوم لوط سحرا وقال: (فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ) الآية ١٧٧ من الصافات في ج ٢، وأهلك قوم شعيب ضحى، ونزول العذاب وقت الغفلة أشد وقعا في النفس من غيره وأفظع هولا، وفي هذه الآية تخويف لقريش وتنبية بعدم اغترارهم بما هم فيه من الحذر، لأن الله إذا أراد إنزال عذابه بهم أنزله عليهم دفعة واحدة حال غفلتهم، كما فعل بغيرهم وهؤلاء المعذبون حينما يقع بهم العذاب «فَما كانَ دَعْواهُمْ» احتجاجهم وتضرعهم ودعاؤهم «إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا» واتصل بهم عذابنا «إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ ٥» أنفسنا لعدم امتثالنا أمر رسلنا، وإصرارنا على مخالفتهم، وانكبابنا على الشرك، وبعد اعتراف هؤلاء باستحقاقهم العذاب «فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ» يوم القيامة بالموقف العظيم على ملأ الأشهاد وليبينوا ما أجابوا به رسلنا حين دعوهم للإيمان بنا وحدنا «وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ٦» أيضا في ذلك المشهد هل بلغوا رسالتنا كما أمرناهم أم لا، وهذا السؤال من الله بمثابة الجواب للقائلين (ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ) الآية ١٨ من المائدة في ج ٣ وفي معناها كثير في القرآن، مع أن الله تعالى لم يترك أمة بلا رسول، راجع الآية ٢٤ من فاطر الآتية، وهو أعلم بما يقولون لأجل الاستشهاد على إنكارهم وتوبيخهم وتقريعهم على رءوس الأشهاد، قال تعالى «فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ» ما وقع منهم كله «بِعِلْمٍ» ويقين ليتحققوا أنا كنا حاضرين عملهم «وَما كُنَّا غائِبِينَ ٧» عنهم حينما بلغهم الرسل أو أمرنا راجع تفسير الآية ٣٠ من آل عمران في ج ٣، وفائدة هذا القصص إخزاء المنكرين عند ما يظهر كذبهم بالموقف بشهادة رسلهم عليهم، لا لأجل الاستثبات

стр. 329

من إيقاع أفعالهم لأن الله عالم بها قبل وقوعها منهم وعالم بما في الكون كليّه وجزئيه وعلمه تعالى بظاهر الأمور كعلمه يبواطنها، راجع الآية ٣ من سورة سبأ في ج ٢، قال تعالى «وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ» يوم السؤال هو «الْحَقُّ» العدل الكائن لا محالة. مطلب وزن الأحمال وحادث البطاقة: واختلف في وصف الميزان وكيفية الوزن، والإيمان بهما على ظاهرهما واجب، وأصح ما قيل فيهما أن الميزان له لسان وكفتان عظيم الحجم، والوزن هو صحائف الأعمال، بدليل ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: ان الله سيخلص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر له تسعة وتسعين سجلا، كل سجل مد البصر، ثم يقول له أتنكر شيئا من هذا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول لا يا رب، فيقول ألك عذر؟ فيقول لا يا رب، فيقول ﵎: بل إن لك عندنا حسنة، فإنه لا ظلم عليك اليوم، فيخرج الله له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، فيقول احضر وزنك، فيقول يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال له انه لا ظلم عليك اليوم، فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ولا يثقل مع اسمه شيء. أخرجه الترمذي واحمد بن حنبل. إن هذا يثبت ما قلناه في الميزان والحكمة من إظهار العدل للناس وتعريفهم ما لهم وعليهم، وعلامة السعادة والشقاوة، وبيان أنّ الله لا يظلم عباده، وانه امتحنهم بالإيمان في الدنيا وأقام عليهم الحجة في العقبى وليتيقنوا استحقاقهم العذاب وان الله لم يحف عليهم راجع الآية ٢٦ من ص المارة، قال تعالى «فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ» بحسناته وطاشت سيئاته «فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ٨» الفائزون بثواب الله الناجحون في ذلك اليوم «وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ» بسيئاته وطاشت حسناته «فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ» فيه وعوقبوا بحرمانهم من ثواب الله وكرامته «بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ ٩» أنفسهم في الدنيا بجحدهم آياتنا وتكذيبهم رسلنا،

стр. 330

قال تعالى «وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ» أيها الناس «فِي الْأَرْضِ» وأقدرناكم على التصرف فيها وملكناكم إياها «وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ» من كل ما تحتاجون في حياتكم من مشرب ومطعم وملبس ومسكن وغيره، ومع هذا أراكم «قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ ١٠» صنيعي فيكم وانعامي عليكم حق شكره، وذلك أن الآية تفيد أنهم يشكرون نوعا أي قليلا جدا بالنسبة لعظم أفضال الله عليهم وان حق الشكر تصور النعمة دائما وإظهارها والثناء على المنعم، وضده الكفر وهو نسيان النعم وكتمها وكان غاية شكرهم ذكرهم النعمة عند حضورها فقط وهذا لا يخلو منه إنسان «وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ» أيها الناس من نطفة وخلقنا أباكم من تراب «ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ» في الأرحام على صورة أبيكم الذي صورناه على الأرض «ثُمَّ» أعلمناكم على لسان رسولنا بأنا «قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ» عند تمام خلقه «اسْجُدُوا لِآدَمَ» «هذا الذي خلقته بيدي» «فَسَجَدُوا» له كلهم إذعانا لأمرنا «إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ١١» له استكبارا عليه وأنفة منه ومخالفة لنا «قالَ» تعالى يا إبليس «ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ» مع الملائكة ومن قال لك لا تسجد! ولا هنا ليست بزائدة لعدم جواز وجود زائد في القرآن ولا يقال إنها لا معنى لها لأن كل حرف في كتاب الله له معنى وهنا جيء بها للتأكيد أي أي شيء منعك أن تسجد، يؤيد هذا الآية في سورة ص، وهي ما منعك أن تسجد بدون لا، وقد سبق أن ذكرنا ما يتعلق بمثلها أول سورة القيمة وسورة البلد المارتين فراجعهما وسنأتي على تفنيد الاستناد الى الآيات المحتج بها على قولهم بأن لا فيها زائدة عند تفسيرها بحالها إن شاء الله «إِذْ أَمَرْتُكَ» بالسجود الأمر هنا للوجوب والسؤال للتوبيخ ولإظهار عناده وكفره وافتخاره بأصله وبيان حسده لآدم وتحقير أصله المبين بقوله «قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ١٢» حجة قاصرة تقدم تفنيدها في الآية ٧٦ من ص المارة إذ من المعلوم ان جوهر الطين الرزانة والهناءة والصبر والحلم والحياء والتثبت والمودة، وهذا ما دعا آدم وذريته إلى التوبة والندم والاستغفار، وجوهر النار الخفة والطيش والارتفاع والاضطراب والعجلة.

стр. 331

مطلب مقاييس إبليس: وهذا ما حمل إبليس على العناد والاستكبار والافتخار، والطين عدة المسالك ومظنة الأمانة والإنماء، والنار عدة المهالك وخطة الخيانة والإفناء، والطين يطفىء النار ويتلفها وهي تصلحه وتقويه، فقد غفل اللعين عن هذه الفضائل وزل بفاسد المقاييس فأخطأ وهو أول من قاس فأخطأ، قال ابن سيرين ما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس، على ان الأفضلية ليست بفضيلة الأصول والجوهر بل لمن يجعله الله فضلا، لأن المؤمن الحبشي خير من الكافر القرشي، وان آدم اختصه الله فجعله صفيه وخلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وعلمه اسماء الأشياء كلها وأورثه الاجتباء والتوبة والهداية، والاستثناء في هذه الآية منقطع لأن إبليس ليس من جنس الملائكة وانما استثناه منهم لأمره بالسجود معهم ولما لم يسجد أخبر الله عنه انه لم يكن من الساجدين لا انه من الملائكة وقد ثبت انه من الجان. قال تعالى: (كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) الآية ٥٠ من الكهف في ج ٢ وانه خلق من النار والملائكة من النور. قال تعالى «فَاهْبِطْ» أيها اللعين المتخلف عن أمرنا «مِنْها» أي الجنة «فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها» وتتجبر لأنها لم تخلق للمتكبرين ولا ينبغي أن يسكنها متجبر «فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ١٣» الأذلاء المهانين المحقّرين لعدم امتثالك أمري. وان التعظيم في الأصل لله لا لآدم. قال ظافر الاسكندري: أنت المراد بنظم كل قصيدة ... بنيت على الأفهام في تبجيله كسجود أملاك السماء لآدم ... وسجودهم لله في تأويله فأخرج وطرد حالا ولما علم أن سقط في يده «قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ١٤ قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ١٥» تقدم تفسيرها في الآية ٧٤ فما بعدها من سورة ص المارة والذي جرأ الملعون على هذا السؤال علمه بحلم ذي الجلال وانما أجاب ﷻ سؤاله بالامهال ليعلم خلقه برّه وإحسانه إلى من يسيء إليه فكيف اذن عطفه ولطفه بالمؤمنين المحسنين، ولما لم يرق له هذا الإمهال للسبب المتقدم هناك أيضا

стр. 332

«قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ١٦» أي لأعترضن لهم على طريق الإسلام القويم كما يعترض قطاع الطريق وكما يكمن العدوّ لعدوه وأردنّهم عن طاعتك وأزيننّ لهم عصيانك «ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ» فأوقع الشك في قلوبهم بأمر الآخرة «وَمِنْ خَلْفِهِمْ» فأرغبنّهم في الدنيا وإنما كانت خلفهم لأنهم تاركوها لا محالة وبما أنهم قادمون للآخرة حتما فتكون بين أيديهم أي أمامهم «وَعَنْ أَيْمانِهِمْ» أشبه عليهم أمر دينهم لإبطال حسناتهم التي يكتبها ملك اليمين «وَعَنْ شَمائِلِهِمْ» أشهى لهم المعاصي لتزداد خطاياهم التي يدونها عليهم ملك الشمال، ذكر الخبيث الجهات الأربع لتأكيد إلقاء الوسوسة في قلب ابن آدم من كل الجهات والوجوه الممكنة، ومن تتمة كلام هذا الغضيب ما حكاه الله عنه «وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ ١٧» قال هذا القول على سبيل الظن ولكنه أصاب، قال تعالى: (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ) الآية ٢٠ من سبأ في ج ٢ فلا حول ولا قوة إلا بالله. مطلب مناظرة إبليس وقول سيف الدولة: أخرج النسائي عن سيرة ابن ابي الفاكهة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، قعد له في طريق الإسلام فقال: تسلم وتذر دين آبائك وآباء آبائك؟ فعصاه وأسلم، وقعد له بطريق الهجرة فقال: تهاجر وتذر أرضك وسماءك، وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطول (أي محجر عليه) فعصاه وهاجر، وقعد له بطريق الجهاد فقال: تجاهد فهو جهد النفس والمال فتقاتل فتقتل، فتنكح المرأة ويقسم المال، فعصاه فجاهد. قال: فمن فعل ذلك كان حقا على الله أن يدخله الجنة، وإن غرق كان عليه أن يدخله الجنة، أو وقصته (رفسته) دابته كان حقا على الله أن يدخله الجنة. قال شقيق البلخي ما من صباح إلا ويأتيني الشيطان من الجهات الأربع، أما من بين يدي فيقول لا تخف فإن الله غفور رحيم، فأقرأ قوله تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى) الآية ١٨ من سورة طه الآتية، وأما من خلفي فيخوفني وقوع أولادي

стр. 333

في الفقر فأقرأ: (وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها) الآية ٦ من هود في ج ٢ وأما من قبل يميني فيأتيني من الثناء فأقرأ: (وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى) الآية ١٣٢ من طه الآتية، وأما من قبل الشمال فيأتيني من قبل الشهوات فأقرأ: (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ) الآية ٥٤ من سبأ في ج ٢. وذكر الشهرستاني عن شارح الأناجيل الأربعة مناظرة إبليس والملائكة وهي مذكورة في التوراة أيضا (قال للملائكة إني أسلّم أن لي إلها خالقا وموجدا لي وللخلق أجمع، ولكن ١- ما الحكمة في الخلق لا سيما وقد كان عالما أن الكافر لا يستوجب عند خلقه إلا النار. ٢- ما الفائدة في التكليف مع أنه لا نفع له به ولا ضرر وكل ما يعود إلى المكلفين فهو قادر على تحصيله لهم من غير واسطة التكليف. ٣- هب أنه كلّفني بمعرفته وطاعته فلماذا كلّفني بالسجود لآدم مع علمه أني أمتنع. ٤- لما عصيته فلم لعنني وأوجب عقابي مع عدم الفائدة له ولغيره ولي فيه الضرر العظيم. ٥- إنه لما فعل ذلك لم سلطني ومكنني من إغواء الخلق. ٦- لما استمهلته لم أمهلني ويعلم أن العالم إذا كان خاليا من الشر فهو أحسن؟ قال شارح الأناجيل فأوحى الله من سرادق عظمته وكبريائه يا إبليس أنت ما عرفتني ولو عرفتني لعلمت أن لا اعتراض عليّ في شيء، فإني أنا الله لا إله إلا أنا لا أسأل عما أفعل. هذا، وان هذه الشبهات ليصعب على القائلين بالحسن والقبيح العقليين الجواب عنها. قال الإمام: لو اجتمع الأولون والآخرون وحكموا بتحسين العقل وتقبيحه لم يجدوا من هذه الشبهات مخلصا، ولهذا تجد أكثر أهل الزيف يسألون أسئلة من هذا القبيل اقتداء بسيدهم إبليس، ولو عرفوا أنه تعالى علاه لا يسأل لما سألوا. ويحكى أن سيف الدولة قال لجماعته علمت بيتا ما أحسب أن أحدا يعمل له ثانيا، فقال أبو فراس ما هو؟ قال: لك جسمي تعلّه ... فدمي لم تطلّه فابتدره أبو فراس قائلا: أنا إن كنت مالكا ... فلي الأمر كله رحم الله الاثنين. وعليه فمن عرف أن الأمر كله لله وعرف أن الله لا يسأل عما

стр. 334

يفعل ولا يرد ما حكم عرف أن الخير برضاه والشر بقضاه واعتقد هو أن ما وقع مراد الله. واعلم أن قصة إبليس المذكورة بوضوح آخر سورة ص المارة كررت في القرآن كثيرا وذلك لأن اعجاز القرآن بالتحدي والبلاغة، فتجيء مرة موجزة وأخرى مطنبة وكل منها يؤدي المعنى المطلوب منها والغرض المقصود في الفصاحة ليعلم أن القرآن ليس كلام البشر وأنه خارج عن قدرتهم الإتيان بمثله، لأن الألفاظ لا يقدر أن يستعملها أحد مختصرة ومطنبة مع المحافظة على بلاغتها وأدائها تمام الغرض المقصود إلا الذي خلقها وأن حضرة الرسول كان يضيق صدره من جفاء قومه المرة بعد المرة فيكرر الله تعالى عليه ما لاقى الرسل إخوانه من أقوامهم وما لاقاه آدم من إبليس ليخفف عنه بعض مابه، وان المسلمين أيضا كان يحصل لهم الأذى من الكفرة، فينزل الله تعالى ما لاقى إخوانهم أنصار الأنبياء السابقين، فيهون عليهم بعض ما هم فيه، ولأن القصة الواحدة تشتمل على أمور كثيرة فقد كر تارة ويقصد بها بعض الأمور قصدا، وبعضها تبعا وتعكس مرة أخرى، فتكرر عند كل مناسبة وكل منها تفي بالمقصود الموجزة والمطنبة. وهذا من الإعجاز الذي يكل عنه طوق البشر وقد بينا في سورة الكافرين المارة ما يتعلق بهذا فراجعه وله صلة في كل قصة تكرر في السورة الآتية. ونذكر أيضا ما يلائم المقام من الأحاديث والحكايات كما هنا «قالَ» تعالى علمه لإبليس «اخْرُجْ مِنْها» لأنك لم تقدرها حق قدرها، ولم تقدر الإله العظيم الذي أسكنك فيها لأنك خلقت مذموما «مَذْؤُماً» الذأم أشد العيب وأقبحه وهذه الكلمة لم تكرر في القرآن «مَدْحُوراً» مطرودا مبعدا من رحمة الله ثم أقسم جل قسمه فقال: وعزتي وجلالي «لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ» أي من ذرية آدم وجواب القسم «لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ» أنت وذريتك ومن تبعكم من بني آدم، وفي هذه الآية تغليب ضمير المخاطب على الغائب «أَجْمَعِينَ ١٨» تأكيد لضمير منكم ثم التفت جل شأنه فقال: «وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ» واتخذها مسكنا ومثوى لكما. والفعل على إضمار قلنا وجئن بضمير أنت لصحة العطف إذ لا يجوز العطف على المستتر «فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما» مما فيها. جاء هنا فعل كلا مقرونا

стр. 335

بالفاء لإفادتها الجمع على سبيل التعقيب. ولم يأت بالواو لإفادتها مطلق الجمع، والمفهوم في الفاء نوع داخل تحت المفهوم من الواو، ولا منافات بين النوع والجنس المفهوم من الواو، فذكر في هذه السورة النوع وسيذكر في البقرة في ج ٣ في الآية ٣٥ الجنس تأمل «وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ» ولا تدنوا منها أي لا تأكلوا. فقد نهاهما عن جنس الشجرة، ولم يعينها لهما، فليس لنا أن نعينها، إذ لا طائل تحتها، لأن القصد امتثال الأمر بكف المأمور عما نهي عنه، لذلك حصل الاختلاف في نوعها، فمن قائل أنها الحنطة، ومن قائل أنها التين أو التفاح، والله أعلم بمراده فيها «فَتَكُونا» إذا أكلتما منها «مِنَ الظَّالِمِينَ ١٩» أنفسهم وتكونا قد فعلتما فعلا مخالفا لأمري مما هو خلاف الأولى والأفضل ولا شك أن هذا كان قبل النبوة وسيأتي أيضا ج هذه القضية في الآية ١١٥ من طه الآتية «فَوَسْوَسَ لَهُمَا» له ولزوجته حواء «الشَّيْطانُ» بحديث مكرر مهموس ومطلي مزخرف ألقاه في قلبهما بقوة من الله تعالى يقذفها في قلب الموسوس له مثل الهواجس والخواطر التي تقضي إلى ما يقضي عنه في بني آدم، يؤيد هذا ما جاء في قوله ﷺ (إن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم) وهو محمول عن مزيد سلطانه عليهم وانقيادهم له، وهذا أحسن ما قيل في معنى إيصال الوسوسة من إبليس لآدم، مع إنه هبط إلى الأرض وآدم في الجنة، وما قيل إنه دخل جوف الجنة فأدخلته وقال لهما ما قال مما ذكره القصاص والأخباريون، فلا قيمة له. كما أن ما قيل إنه قام على بابها فكلمهما أو تمثل لهما بصورة دابة أو أرسل أتباعه إليهما وأتاهما بصورة طاووس من الجنة فكلمها أقاويل مجردة عن الدليل، وكذلك ما قيل إنه منع من دخول الجنة على جهة التقريب والتكريم لا على جهة الوسوسة ابتلاء لآدم وزوجته لا عبرة به أيضا وإنما تحرش بهما «لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما» ليكشف ما غطى وستر «مِنْ سَوْآتِهِما» سمي الفرج سوأة لاستياء الإنسان بظهوره.

стр. 336

مطلب الحكم الشرعي في كشف العورة وزلة آدم: الحكم الشرعي في كشف العورة حرام وهي جميع بدن الحرة عدا وجهها وكفيها وباطن قدميها، ومن الرجل والأمة، ما فوق الركبة وتحت السرة والظهر والبطن من الأمة وبدوّها من كل يبطل الصلاة، هذا، وانهما لم يصغيا اولا لوسوسته إلا أنه لما حلف لهما أن هذه الشجرة ليست التي نهيتما عنها «وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ» من الملائكة المقربين خاليين من كل عناء «أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ ٢٠» الذين لا يموتون، أي أن علة النهي وسببه عدم جعلكما من الملائكة وعدم خلودكما في الجنة لأن في الأكل طلب الخلد قال في سورة طه (هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى) الآية ١١٢ الآتية، فلهذا ولعلم آدم أن للملائكة منزلة عظمى عند الله وقربا من عرشه وأن الخلد مما يطمع به أيضا فقد حمله الطمع الذي هو من طبيعة البشر على الاستشراف بذلك محبة للعيش مع الملائكة وطول العمر بالتخليد في الجنة «وَقاسَمَهُما» حلف لهما فوق ذلك فائلا: «إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ ٢١» فيما ذكرته لكما، وأكد حلفه بأن واللام التأكيدتين ووقع القسم منه على صيغة المفاعلة، لأن إبليس يحلف وآدام وحواء يصدقان فصار كأنه قسم من اثنين فصدقاه لظنهما أن أحدا لا يحلف بالله كاذبا. قال قتادة حلف لهما حتى خدعهما وقد يخدع المؤمن بالله. ونقل بعض العلماء عن ابن عمر: من خادعنا بالله خدعنا له. وقد استزلهما بذلك كله فمالا إلى قوله «فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ» على الشجرة المنهي عنها- من الدلالة أو من دلى الدلو في البئر- اي حطهما عن درجة الطاعة وازلهما إلى درك المعصية، وقيل من الدالة وعليه قوله: أظن الحلم دل علي قومي ... وقد يستجهل الرجل الحليم أي ما زال يدلي إليهما بالنصح المزعوم بما تقدم وبقوله أنا اعلم منكما لأنكما حديثا عهد بالحياة وأنا ممن جرب الأمور وغاص عواقبها ولم يزل حتى استمالهما بما زخرفه لهما من القول مظهرا النصح لهما ومبطنا الغش، وهذا هو معنى الغرور، فضلا ت (٢٢)

стр. 337

عن أنه وثق أقاويله كلها بالأيمان وهو أول من حلف بالله كاذبا لعنه الله، فانصاعا اليه وأكلا من الشجرة. قال تعالى «فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ» أخذا منها يسيرا لمعرفة طعمها «بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما» حالا فتهافت لباسهما القدسي عنهما فأبصر كل منهما عورة صاحبه وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا من بعض ما قال قتادة كان لباسهما من جنس الأظفار شبه اللؤلؤ بياضا وعلى غاية من اللطف واللين والنضارة، فتقلص عنهما حتى بقي عند الأظفار تذكيرا للنعمة وتجديدا للندم «وَطَفِقا يَخْصِفانِ» يرقعان ويخيطان «عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ» من ورق تينها ومرزها وكرمها وما شاكل ذلك من كبار الورق فيلزقان الواحدة جنب الأخرى ليسترا عورتهما فيه، وفي هذا دليل على قبح كشف العورة في ذلك اليوم «وَناداهُما رَبُّهُما» وبين ما هية هذا النداء بقوله «أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ» وأحذركما من قربها لئلا يصيبكما ما أصابكما من هتك ستركما والسّبب لإخراجكما من الجنة دار الراحة وأنزلكما إلى الأرض دار الشقاء والعناء «وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ ٢١» ظاهر العداوة، لأنه لم يسجد لأحدكما حسدا، وهذا عتاب من الله ﷻ لآدم وزوجته ولم يتشرف بالنبوة بعد، ولو كان لما رغب بمقام الملائكة لأن مقام النبوة أشرف، فما قيل إنه كان نبيا مردود بما سيأتي الآية ٣١ من سورة البقرة في ج ٣، إذ قال بعد الأكل (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ) إلخ وقوله جل قوله في طه الآتية بعد الأكل أيضا والتصريح له بالعصيان (ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى) الآية ١٢٢ كما تراه في تفسيرهما، فلما رأيا ما حلّ بهما من ذوقهما الشجرة وعتاب ربهما لهما «قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا» بمخالفة أمرك وقد غرّنا الملعون فأوقعنا بما نحن فيه «وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ٢٣» رضاك مع خسراننا الجنة الهالكين بمخالفتك. وهذه الكلمات هي التي تلقاها من ربه المشار إليها في الآية من البقرة أعلاه على ما قاله ابن عباس. وقال ابن مسعود إنها (سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك، لا إله إلا أنت، ظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) . والأول أولى

стр. 338

لتكرارها فيما قصه القرآن وعدم ذكر ما قاله ابن مسعود. وفي هذه الآية استدل من يقول بجواز صدور الذّنب من الأنبياء وليس بشيء لأن هذه الحادثة وقعت قبل النبوة كما تقدم وعليه جل المفسرين، ولا يوجد دليل يثبت وقوعها بعد النبوة، كيف وقد قال تعالى (ثُمَّ اجْتَباهُ) في الآية المذكورة آنفا من سورة طه أي اصطفاه نبيا بعد ما وقع منه ذلك، وفي الآية دليل على أن صغار الذنوب تحتاج إلى طلب المغفرة أو عمل ما يكفرها، خلافا للمعتزلة القائلين بأنها مغفورة عفوا. قال قتادة: قال آدم يا رب، أرأيت إن تبت إليك واستغفرتك؟ قال إذن أدخلك الجنة، وأما إبليس فسأل الإنظار بما يدل على أن امتناعه من السجود كان تجبرا، فأعطى الله كلا ما سأل. هذا، ولم يعتذر آدم بإغواء إبليس له، لأنه أقدم على تناول الشجرة مختارا وفيه إيذان بإبطال مذهب الجبرية، تأمل ترشد وراجع الآية ٢٢ من سورة إبراهيم في ج ٢، «قالَ اهْبِطُوا» خطابا لآدم وحواء وإبليس، وكرر له الأمر لعنه الله إشارة إلى عدم انفكاكه عنهما وملازمته لهما في الدنيا أما ما قاله الطبري والسدي من أن الخطاب لهم وللحية فلم أر ما يؤيده وقد سبق تضعيف القول بأن الحية أدخلت إبليس الجنة حتى تمكن من إغواء آدم وزوجته، ولم يسبق في القرآن ذكر للحية. وقيل إن الخطاب لآدم وحواء فقط لأن إبليس أهبط إلى الأرض قبلهما، ومن شمل إبليس في هذا الخطاب قال إنه أهبط أولا من الجنة إلى السماء وفي هذا الأمر من السماء إلى الأرض معهما وهو وجيه، ومن لم يشمله قال بأن الجمع هو ما فوق الواحد، وعليه قاعدة المنطقيين استدلالا بقوله تعالى: (فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ) الآية ٤٥ من سورة النمل الآتية وفيها ما يدلك على غيرها، على أن لغات الأجانب كلها لا تثنية فيها لأنهم يعبرون بالجمع على ما فوق الواحد «بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ» متعادين في الأرض كما تعاديتم في السماء «وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ» تمكثون فيها منها «وَمَتاعٌ» تتمتعون به فيها «إِلى حِينٍ ٢٤» انقضاء آجالكم «قالَ فِيها تَحْيَوْنَ» لمدة المقدرة لكم «وَفِيها تَمُوتُونَ» فتدفنون إلى أجل معلوم تبقون في برزخكم

стр. 339

«وَمِنْها تُخْرَجُونَ ٢٥» يوم القيامة عند النفخة الثانية «يا بَنِي آدَمَ» اعلموا أنا «قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ» جار مجرى التعظيم. مطلب تواصي الله لخلقه والتزين للصلاة وغيرها: وكل ما أعطاه الله لعبده فقد أنزله عليه من غير أن يكون هناك علو أو سفل كما تقول رفعت حاجتي إلى الأمير فليس فيه نقل من سفل إلى علو «لِباساً» لما كان المطر سبب النبات وكان النبات سبب اللباس، لأنه يكون من النبات ومن الحيوان الذي يأكل النبات، جعله نازلا باعتبار ما يؤول إليه «يُوارِي» يستر ويغطي «سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً» تتزينون به من الأثاث والمتاع، تقول العرب تريش الرجل إذا تمول، أي كل ما نحتاجونه في دينكم، إلا أن هناك شيئا هو أعظم نفعا لكم إذا تزينتم به «و» هو «لِباسُ التَّقْوى» الذي يتحلى به الإنسان بامتثال أوامر ربه واجتناب نواهيه «ذلِكَ» لباس التقوى وقد أشار إليه بلفظ البعد تعظيما لشأنه لأن نفعه يؤول إلى الآخرة الباقية فهو حتما «خَيْرٌ» من اللباس والرياش المختصين بالدنيا لأن غايتهما دفع الحر والقر والتنعم في هذه الدنيا الفانية إلى حين، أما لباس التقوى فإنه يقي من عذاب الله ويورث الدار الآخرة الباقية والنعيم الدائم قال: إذا أنت لم تلبس ثيابا من النقي ... عريت وان وارى القميص قميص ثم أشار إلى عظمته أيضا فقال «ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ» الدالة على فضله ورحمته بعباده إذ أنزل عليهم ماء أنبت به ما يكون لباسا وغذاء للحيوان الذي يكون منه ما يؤكل ويلبس وغيره من الحيوانات الناطقة وغيرها من الوحوش والطيور والحوت «لعلكم تذكرون ٢٦» هذه النعم الدنيوية والأخروية فتشكرونها إظهارا لمنة الله الذي وقاكم من العري وستر عوراتكم وكفاكم مؤنتكم. وفي هذه الآية إشارة إلى أن الستر من التقوى وهو كذلك «يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ» فيوقعنّكم في المحنة إذا أصغيتم لوساوسه ويحرمنكم من الجنة بإغوائه «كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ» آدم وحواء لما انصاعا لخداعه «مِنَ الْجَنَّةِ» المعدة للطائعين

стр. 340

فحرمهم من نعيمها في الدنيا فانتبهوا وتيقظوا لأن من قدر على تغريرهما يستطيع أن يستميلكم إلى أهوائه ويستذلكم عن منهج الحق إلى سبيله الباطلة من باب أولى، لأنكم مهما كنتم لا تبلغون درجة أبويكم. تؤذن هذه الآية بالنهي عن الطواف بالبيت عراة إذ كانوا يفعلونه في الجاهلية «يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما الذي كانا يرتديانه في الجنة بسبب فتنته لهما، وقد أسند النزع إلى الشيطان لأنه السبب الظاهري فيه وإلا في الحقيقة هو الله «لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما» انتقاما منهما لأن أحدهما آدم هو السبب بإخراجه من الجنة فيريد الانتقام منه ومن زوجته ومن ذريتهما أيضا «إِنَّهُ» إبليس وجيشه «يَراكُمْ» أيها الناس «هُوَ وَقَبِيلُهُ» ذريته لأن قبيل المرء ذريته وعترته، والقبيلة بنو أب واحد، وقبيلة معطوف على ضمير انه لا على الضمير البارز لأنه تأكيد لضمير يراكم «مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ» في دار الدنيا، وإذا كان كذلك فعلينا معشر المتقين أن نستعين عليهم بمن يراهم ولا يرونه ذلك الإله العظيم القادر الذي من لجأ اليه وقاه ومن استعاذ به حماه ومن توكل عليه كفاه لا إله إلا هو له الخلق والأمر. أما ما جاء من أن حضرة الرسول رآه وأراد ربطه بسارية المسجد كما تقدم في الآية ٣٥ من ص فهو من خصوصياته ﷺ ، ورؤية ابن مسعود جن نصيبين الآتي بيانها أول سورة الجن في ج ٢، فهي على غير صورهم الحقيقية، ولهذا قال الشافعي ﵀، من زعم أنه رآهم على صورهم التي خلقوا عليها فقد ردّت شهادته وعزّر لمخالفته القرآن. هذا وليعلم أن بني آدم يرون الجن في الآخرة وهم لا يرونهم عكس الدنيا ويكونون أي مؤمنو الجن في فنائها قال تعالى «إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ٢٧» بنا ليزيدوا في غيهم ومن لم يكن وليه الله سلط عليه الشيطان «وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً» مما يستقبح من الأفعال، والضمير، يعود إلى غير المؤمنين أولياء الشياطين ومنهم الطوافون عراة «قالُوا» لك يا حبيبي إذا نهيتهم عنها إنا «وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا» ولذلك نفعلها، هذه حجتهم الحقيقية والثانية قولهم بهت وافتراء «وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها» فرد الله عليهم بقوله «قُلْ» لهم يا أكمل الرسل «إِنَّ

стр. 341

اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ» بل بالعفة والستر والصلاح وكل ما هو من شأن التقوى «أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ» أيها الكفرة «ما لا تَعْلَمُونَ ٢٨» حقيقة استفهام انكار جيء به للتوبيخ والتقريع «قُلْ» يا رسولي «أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ» العدل وكل ما هو مستقيم حسن طاهر فكيف تسندون له الأمر بالفحشاء ثم قال جل شأنه على طريق عطف الأمر على الخير وهو جملة «قُلْ أَمَرَ رَبِّي» أي «و» قل لهم «أَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ» لأن الكلام فيه حذف وإضمار وأمثاله في القرآن كثير وهو إيجاز غير مخل وحاشا كلام الله من الخلل والنقص والزيادة الكائنة في كلام البشر بسبب الإيجاز والإطناب. وإنما يزيده براعة وبلاغة أي توجهوا اليه «عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ» تقصدون فيه عبادة ربكم «وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ» لا لغيره بالاستقامة الكاملة واعلموا أيها الناس أنه تعالى «كَما بَدَأَكُمْ» من العدم أول مرة فعدتم أحياء في هذه الدنيا «تَعُودُونَ ٢٩» اليه يوم القيامة أحياء كاملي الخلق لأنه تعالى يعيد لكم ما طرأ عليكم من النقص في الدنيا ويجمع كل أجزائكم المتفرقة بعد الموت وتحشرون اليه المؤمن مؤمنا والكافر كافرا، يؤيد هذا قوله تعالى «فَرِيقاً هَدى» وهم الذين خلقوا في الأزل مؤمنين لاتباعهم طريق الحق الذي خلقوا اليه «وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ» وهم الكافرون في سابق علمه وذلك «إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ» باختيارهم ورضاهم وإيثارهم عليها «وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ٣٠» بفعلهم ذلك مع ما هم عليه من الضلال، كلا ان زعمهم هذا باطل روى مسلم عن جابر عن النبي ﷺ (السعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقي في بطن أمه) وقوله (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) فالمخلوقون للجنة لا بد وأن يختم لهم بصالح العمل وان فعلوا ما فعلوا من الشر بتوفيق الله والمخلوقون للنار لا بد وأن يختم لهم بسيئة وان عملوا ما عملوا من الخير يخذلان الله ايّاهم. قال تعالى «يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ» من اللباس النظيف الحسن والطيب والدهن وترجيل الشعر وتنظيف البراجم والأسنان لأن الصلاة مناجاة للرب فيستحب لمن يقف أمام ربه

стр. 342

أن يتزين له بكل انواع الزينة المباحة شرعا ليكون طاهر البدن والثوب والمكان طاهر القلب، فلا يليق بالمسلم إذا دعي لوليمة أو مقابلة ذي جاه أن يتزين له بما يقدر عليه حتى أن بعضهم ليستعير أو يستأجر ما يتزين به، وإذا قام بين يدي ربه قام بثياب مهنته حتى انه يؤذي جاره في المسجد من كراهة رائحته بثيابه الرثة الدنسة وجسمه أيضا لتراكم وسخه فيكون مأزورا لا مأجورا، ولهذه الحكمة كره الشارع دخول المسجد لآكل الثوم والبصل، لما يترتب عليه من أذيه من بجانبه برائحتهما الكريهة، وان ما هو مثلهما بالرائحة يكون حكمه حكمهما، حتى انه وقع لشيخنا الورع الشيخ حسين الأزهري مفتي الفرات ومدرسها ان نقض تحريمته في الصلاة لوقوف شارب تبغ بجانبه وانتشار الرائحة الكريهة منه، لأن بعضهم تكون له رائحة بحيث لا تقدر أن تصبر عليها مع أنه لا يجوز قطع الصلاة إلا لأسباب معينة، كخشية وقوع أعمى أو صغير في حفرة أو رؤية حية أو عقرب قرب غافل أو صغير أو مرور من تحت جدار متداع أو نداء والد لولده لا يعلم أنه في الصلاة، وإنه ﵀ قطعها خوف فوات الخشوع المطلوب في الصلاة، لأن انشغاله برائحة كريهة تسبب ضياعه، والسرعة في إنهاء الصلاة قد توجب نقصا فيها. وليس المراد في هذه الآية الصلاة المكتوبة لأنها لم تفرض بعد وإنما أراد الدخول لكل مسجد يقف فيه العبد بين يدي ربه لصلاة أو عبادة أو اعتكاف أو طواف بالمسجد الحرام، قال ابن عباس كانت المرأة تطوف بالبيت عارية تقول من يعيرني تطوافا اي خرقة تجعلها على عورتها ثم تقول: اليوم يبدو كله أو بعضه ... وما بدا منه فلا أحله فنزلت هذه الآية، أخرجه مسلم. وقال مجاهد كان حي من اهل اليمن إذا قدم حاجا يقول لا ينبغي لي أن أطوف في ثوب عصيت به ربي فإن قدر على أن يستعير مئزرا فعل وإلا طاف عاريا فنزلت وسيأتي زيادة توضيح لهذا البحث في الآية ١٩٧ فما بعدها من البقرة في ج ٣ إن شاء الله. وهذا الأمر للوجوب وفيه دليل وجوب ستر العورة بما يواريها من الثياب الطاهرة.

стр. 343

مطلب في الأكل المسنون وذم الشبع وبعض وصايا الله لعباده فيه: قال تعالى: «وَكُلُوا وَاشْرَبُوا» مما أحل لكم من أنواع الطعام وأجناسه والشراب وأصنافه، قال الكلبي كانت بنو عامر في ايام حجهم لا تأكل دسما تعظيما، فقال المسلمون نحن أحق بتعظيم الله وبيته منهم يا رسول الله فأولى أن لا نأكل، فأنزل الله هذه الآية. فلما أباح الله لهم ذلك نهاهم عما من شأنه أن يكون منهم فقال: «وَلا تُسْرِفُوا» فيما أحله الله لكم من طيبات الأطعمة والأشربة بأن تتجاوزوا حدّ الشبع وتفرطوا في تعدد أوقاته وأنواعه، فإن الأكل في اليوم مرتين من الإسراف المذموم المنهي عنه شرعا، ومن الإسراف بل والشره أن يأكل كلما يشتهي، اخرج ابو نعيم عن عمر بن الخطاب قال إياكم والبطنة من الطعام والشراب فأنهما مفسدة للجسد مورثة للسقم مكسلة عن الصلاة وعليكم بالقصد فيهما فانه أصلح للجسد وابعد من السرف وان الله يبغض الحبر السمين (لأنه لو كان يتعظ فيما علم لأضعفه الخوف من الله) ولهذا قالوا ان القاضي إذا سمن بعد توليه القضاء فهو دليل على عدم اهتمامه بأمور الناس، وان الرجل لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه ومن وصايا أطباء اليابان لا تأكل اللحم إلا مرة في اليوم ولا تشرب مسكرا ولا تدخن واكتف بقليل من القهوة والشاي واستحم يوميا بالماء الساخن وارتد الصوف الخفيف صيفا وشتاء ونم باكرا وأفق باكرا لتنعش بالهواء الطلق ودع غرفتك مفتوحة ليلا واجتنب المؤثرات العقلية واحرص على الراحة يوما في الأسبوع وتزوج البكر وخالط العلماء. وأخرج ابن ماجه والبيهقي عن أنس قال قال ﷺ ان من الإسراف أن تأكل كل ما اشتهيت. واخرج البيهقي عن عائشة قالت رآني ﷺ وقد أكلت في اليوم مرتين، فقال يا عائشة أما تحبين ان يكون لك شغل إلا في جوفك، الأكل في اليوم مرتين من الإسراف. وعليه فيكون الأكل الشرعي مرة في الصباح ومرة في المساء، قال تعالى: من حق اهل الجنة (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا) الآية ٦٢ من سورة مريم الآتية فإذا أكل نهارا مرتين وأكل مساء اخرى كان مسرفا، ولا شك ان الاكل يختلف

стр. 344

باختلاف الأشخاص والأمكنة. واخرج ابن ابي شيبة عن ابن عباس انه قال: كل ما شئت والبس ما شئت ما اخطأتك خصلتان سرف ومخيله. وهذا لا ينافي ما ذكره الثعلبي وغيره من الآدباء بأنه ينبغي للإنسان أن يأكل ما يشتهي ويلبس ما تشتهيه الناس وهو عندي مطلوب لأن ما يأكله لا يطلع عليه أحد وما يلبسه يظهر للناس وهو من الاقتصاد بمكان. ويحكى أن الرشيد كان له طبيب نصراني فقال يوما لعلي بن واقد: أليس في كتابكم من علم الطب شىء والعلم علمان علم الأبدان وعلم الأديان؟ فقال له جمع الله الطب كله في نصف آية، قال ما هي؟ قال قال تعالى (كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا) فقال وهل يؤثر عن رسولكم شيء في الطب؟ فقال قد جمع الطب كله في ألفاظ يسيرة، قال وما هي؟ قال قال (المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء وأعط كل بدن ما عودته.) فقال: النصراني: والله ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبا. - من الكشاف- قال ومن النصائح الطبية ما قاله الحارث بن كلدة من حكماء العرب الأقدمين: لا تتزوج من النساء إلا شابة، ولا تأكل الفاكهة إلا في أوان نضجها، ولا يتعالج المريض ما احتمل بدنه الداء. هذا وقال تعالى «إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ٣١» في الأكل والشرب واللبس وغيره، والذي لا يحبه الله يبغضه فعلينا ان نجتنب ما يكرهه ربنا. واعلم ان هذه الآية والتي قبلها لا تتعارضان مع الآية ٦ من سورة التكاثر المارة لأنه ليس كل شيء يسأل عنه المرء يوم القيمة يعاقب عليه فضلا عن تلك وردت عامة وهاتين جاءتا بمعرض الرد على الكفار الذين يحللون ويحرمون من تلقاء أنفسهم. الا فلينتبه العاقل ويجتنب الإسراف المنافي لرضاء الله والويل كل الويل لمن لا يرضي الله. ويا سيد الرسل «قُلْ» لهؤلاء المتعجرفين عما أحل الله لهم من الطيبات الزاعمين تحريمها او كراهتها في بعض الأوقات والأمكنة والأحوال «مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ» من الأرض وأنزلها من السماء لنفعهم من حيوان ونبات ومعدن وما يعمل ويحصل منها «وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ» الذي يستلذ به الإنسان، وفي هذه الآية دليل على ان جميع المطعومات والمشروبات

стр. 345

والملبوسات حلال طيب، تؤيدها الآية ٢٩ من البقرة وهي جملة (خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً) لان الأصل في جميع الأشياء الحل والإباحة الا ان الشارع خصص هذا العام والتحليل والتحريم من خصائص الله ورسوله ليس لأحد من البشر مهما علت رتبته في العلم والمعرفة وما سمت فطنته في الحذق والفهم وما رفعت مكانته في الإمارة والسلطة ان يحل شيئا مما حرم الله ورسوله او يحرم شيئا مما أحلاه، والآية تتناول جميع اصناف الزينة ولولا ورود النص بالذهب والفضة والحرير بحديث رسول الله والخنزير والميتة والدم والخمر والميتة في كتاب الله، لدخلت في هذه الآية لعموم نصّها المؤيد بقوله جل قوله «قُلْ» يا محمد لأمتك كل ما يستلذّ ويشتهى عدا ما ورد النهي فيه هو من الطيبات التي «هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا» غير خالصة لهم وحدهم لأن الكفار والفساق يشاركونهم فيها جميعها ويزيدون عليهم ولكنها «خالِصَةً لهم» أي للمؤمنين وحدهم «يَوْمَ الْقِيامَةِ» في جنة الله لا يشاركهم فيها أحد من أولئك الكفرة وهي لهم خالية من الكدر والتنغيص والأذى بخلاف شهوات الدنيا فمحشوة بذلك مملوءة من الأكدار، وإيجاد هذه الطيبات في الأصل للمؤمنين في الدنيا ايضا وصارت للكافرين بالتبعية ولكنها لم تصف للمؤمنين وفيه قيل: جبلت على كدر وأنت تريدها ... صفوا من الأقذاء والأكدار وخالصة بالرفع على انها خبر لمبتدأ محذوف وقرأت بالنصب على انها حال من الضمير الذي في الظرف الذي هو الخبر أي هي ثابتة الذين آمنوا في الحياة الدنيا في حال خلوصها يوم القيمة والأول أوجه من حيث الإعراب والقراءة بالمصاحف على النصب لذلك كان اولى من الرفع قال تعالى «كَذلِكَ» أي مثل هذا التفصيل البديع «نُفَصِّلُ الْآياتِ» ونوضّحها ونبيّنها «لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ٣٢» حقائقها وخصائصها ويعتقدون ان الله وحده المحلل والمحرم لا غيره «قُلْ» يا حبيبي لهؤلاء الكفار «إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ» كل ما تزايد قبحه فهو فاحش «ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ» سرها وجهرها «وَالْإِثْمَ» من كل ما يؤثم الإنسان فعله

стр. 346

في جميع ما يطلق عليه اسم الذنب، وقد ذكر التعميم بعد التخصيص لئلا يتوهم ان التحريم مقصور على الكبائر الفاحشة من قول أو فعل لكنها صرفت في العرف الآن الى الزنى واللواطة فاذا أطلقت انصرفت إليهما والا ففي الأصل لا تقتصر عليهما. مطلب معنى الإثم والبغي: وأما ما جرى عليه بعض المفسرين من أن الإثم هو الخمر فلا دليل عليه، بل لا يصح لأن العرب لم تسمها بهذا الاسم في الجاهلية ولا في الإسلام. نعم هي داخلة تحت الإثم لأنها سببه، ولأن مرتكبها آثم، إلا أن هذا لا يصرف معنى الإثم إليها فتفسيرها بالخمر خطأ بين بل غلط واضح، وليعلم أن الخمر حرمت بالمدينة بعد واقعة أحد ولم يقل أحد بأن هذه الآية مدنية لينصرف معناها إليه ولو كان مراد الله في هذه تحريم الخمر لما وردت الآيات بعدها بالتحريم تدريجيا باسمه الصريح المتعارف، إذ لو كان المراد بكلمة الإثم لكان المنهي عنه صريحا وكان بتا، ولا داعي حينئذ لتحريمه بعد ورود الآيات متتابعة أولا في النهي عن تعاطيه تعريضا في الآية ٦٧ من النحل في ج ٢، ثم النهي عن تعاطيه في الآية ٢١٩ من البقرة بسبب نفعيته وائمه، ثم في الصلاة في الآية ٤٢ من النساء ج ٣، ثم في الكف عنه جزما في جميع الأحوال في الآية ٩٠ من المائدة أيضا في ج ٣، وهذا من مقاصد اقدامي على هذا التفسير بالنمط الذي سرت فيه ليعلم غير العالم هذا وشبهه مما هو مقدم أو مؤخر، مطلق أو مقيد، عام أو خاص، ناسخ أو منسوخ بالمعنى المراد فيهما والله الهادي الى سواء السبيل. هذا، وما استدل به بعض المفسرين من قول القائل: نهانا رسول الله أن نقرب الزنى ... وأن نشرب الإثم الذي يوجب الوزرا لا يكون حجة لأن الخمر بعد أن حرمت صارت اثما، ولأنها غير معروفة عندهم بهذا الاسم وقد خصها لينصرف المعنى إليها وكذلك الاستدلال بقول الآخر: شربت الإثم حتى ضل عقلي ... كذاك الإثم يذهب بالعقول لأنه يتأثم به وقد نعته لينصر معناه عليه وعلى هذا جرى ابن الفارض ﵀ بقوله: وقالوا شربت الإثم كلا وإنما ... شربت التي في تركها عندي الإثم

стр. 347

لا يكون دليلا على التسمية قبل التحريم وكله جار مجرى المجاز لأنها صارت إثما كبيرا بعد التحريم أما قبله فلا «وَالْبَغْيَ» أي الظلم والاستطالة على الناس وانما أفرده بالذكر مع انه داخل تحت الفواحش والإثم لعظم ارتكابه مبالغة في الزجر عن الأقدام عليه، ولو خامة عاقبته يوشك أن لا يمهل الله فاعله الى الآخرة بل يعجل عقوبته في الدنيا وفيه قيل: لا يأمن الدهر ذو بغي ولو ملكا ... جنوده ضاق عنها السهل والجبل وقال الآخر: ان يعد ذو بغي عليك فخله ... وارقب زمانا لانتقام باغي واحذر من البغي الوخيم فلو بغى ... جبل على جبل لدك الباغي «بِغَيْرِ الْحَقِّ» متعلق بالبغي لأنه لا يكون الا بغير الحق، فإذا كان الاعتداء بحق لا يسمى بغيا بل مقابلة وهي جائزة، أما لو بغى عليك بضربة يد فقابلته بالسيف فقد بغيث عليه، ولو شتمك بلسانه فشتمته وضربته فقد بغيت عليه لأن الله أباح المقابلة بالمثل، راجع الآية ١٩٤ من البقرة في ج ٣. وقد قال تعالى في الآية ١٩٠ منها: (وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ.) ومن لا يحبه الله يبغضه والأحسن عدم المقابلة والسكوت قال ابو نواس: خل جنبيك لرام ... وامض عنه بسلام مت بداء الصمت خير ... لك من داء الكلام ربما استفتحت بالنطق ... مغاليق الحمام انما السالم من أل ... نجم فاه بلجام وقال تعالى: (وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ) الآية ١٣٤ من آل عمران في ج ٢، ولهذا البحث صلة في الآية ٣٧ فما بعدها من سورة الشورى في ج ٢ فراجعه ففيه الكفاية، قال تعالى «وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ» حرم الإشراك لأنه مضاهاة للربوبية وهو أعظم المحرمات لأنه كفر، أما بقية المحرمات إذا لم يستحلها مقترفها فلا يكون كافرا بل عاصيا، أي تعبدوا شيئا «ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ

стр. 348

سُلْطاناً» حجة أو برهانا بأن يشرك به أو معه غيره من مكوناته، وهذا على نفي الإنزال إذ لا يجوز أن ينزل سلطانا على ذلك، وهو تهكم بالمشركين لأنه لما امتنع حصول الحجة بالشرك وجب أن يكون قولهم به باطلا مطلقا «وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ٣٣» من الكذب والبهتان في اتخاذ الشريك والتحليل والتحريم والولد والصاحبة تعالى الله عن ذلك كله، أي كما حرم ما هو في صدد الآية كذلك حرم هذا أيضا لأنه افتراء محض على الله، فالذي حرم عليكم هو الحرام، وما حلله لكم هو الحلال لا مجال لكم في الخوض في ذلك البتة، قال تعالى «وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ» تلبث فيه في هذه الدنيا مع نبيها يأمرهم وينهاهم خلاله حتى إذا أصروا على كفرهم أمهلهم ليرجعوا «فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ» المقدر لتعذيبهم ولم ينتهوا أخذهم حالا إذ «لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً» عنه بل ولا لحظة لأن المراد بالساعة هنا مطلق الزمن «وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ٢٤» ساعة حذف من الثاني بدلالة الأول كما في الآية ١٧ من سورة ق المارة. مطلب في الساعة بقسميها: واعلم أن الساعة في عرف المنجمين تنقسم إلى مستوية وتسمى فلكية، وهو زمان مقداره خمس عشرة درجة أبدا وكل درجة أربع دقائق، وإلى معوجة وتسمى زمانية، وهي زمان مقدر بنصف سدس النهار أو الليل أبدا، ويستعمل الأولى أهل الحساب غالبا، والثانية الفقهاء واهل الكلام ونحوهم، وجملة الليل والنهار عندهم أربع وعشرون ساعة أبدا سواء كانت مستوية أو معوجة، إلا أن كل من الليل والنهار لا يزيد على اثنى عشر ساعة معوجة أبدا، ولهذا يطولان ويقصران، وقد تتساوى الساعة المستوية والساعة المعوجة عند استواء الليل والنهار، ونظير هذه الآية الجملة الأخيرة من الآية ٢٨ من سورة يونس في ج ٢، وفيها وعيد بإنزال العذاب على قريش إذا لم يؤمنوا بنبيهم وينتهوا عما نهاهم عنه، وتهديد عظيم بسوء العاقبة إذا أصروا، فيكون شأنهم شأن كل أمّة كذبت نبيّها بعذاب الاستئصال، وكان نزولها حين سألوا حضرة الرسول إنزال ﵊ العذاب الذي يهددهم به فأخبرهم فيها

стр. 349

أن له أجلا لا يتعداء لحظة إذا سألتم استعجاله أو تأخيره مهما استغثتم به منه «يا بَنِي آدَمَ إِمَّا» هي إن الشرطية ضمت إليها ما فأدغمت لتأكيد الشرط ولذا لزمت الفعل الذي يليه النون الثقيلة والخفيفة مثل «يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ» من جنسكم لا من الملائكة «يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي» من أوامر ونواهي وقصص وأمثال، وجواب الشرط «فَمَنِ اتَّقى» ما نهي عنه واعتبر بما وقع على الأولين «وَأَصْلَحَ» نفسه باتباع ما أمر به واتعظ بما قص عليه «فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ» في الآخرة مما يخافه المجرمون «وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ٣٥» على ما فاتهم في الدنيا، لأنهم يرون من نعيم الآخرة الدائم ما ينسيهم تلك الزخارف الدنيوية المموهة الفانية المشوبة بالأكدار المصاحبة للهم والغم المتناولة بالكد والتعب، وهي إن خلت من حرام فلا تخلو من مشبوه كما لا يخلو أهلها من كذب وكبر والله تعالى يقول «وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها» ولم يؤمنوا برسلنا استعظاما عليهم وماتوا على كفرهم «أُولئِكَ» الذين هذه صفاتهم وهذا شأنهم وديدنهم هم «أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ٣٥» لا يخرجون منها أبدا «فَمَنْ أَظْلَمُ» واشنع وأفظع ظلما «مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً» أي تقول عليه ما لم يقله اختلاقا من لدنه من تحريم ما لم يحرم «أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ» المنزلة على رسوله المصرّحة بعدم الشريك والمثيل والولد والصاحبة له جلّ شأنه «أُولئِكَ» الذين هذه سجيتهم «يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ» اللوح المحفوظ المدون فيه كل ما عملوا وهو حظهم مما قدر عليهم فيه وما قدر لهم في الدنيا من الرزق والعمر والبلاء «حَتَّى إِذا» فرغ ما لهم عنده من ذلك كله حتى الهواء «جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ» فيسألونهم سؤال توبيخ وتبكيت لا استعلام «قالُوا» لهم رسل الموت «أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ» من الآلهة التي كنتم تعبدونها وتلجأون إليها في مهامّكم وعند الشدة، ادعوهم الآن ليدفعوا عنكم الموت «قالُوا» المتوفون المكذبون «ضَلُّوا عَنَّا» غابوا وتركونا عند أشد حاجتنا إليهم وقد تبين لنا الآن عدم نفعهم وإنا كنا مغرورين بهم ولا ندري أين هم الآن، وذلك بعد أن استعانوا بهم فلم يردوا

стр. 350

عليهم لذلك قال تعالى «وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ ٣٧» جاحدين وحدانية الله ونبوة رسله وما أنزل عليهم من الكتب، واعترافهم هذا تحسر على ما فات، وهذا السؤال والجواب واجب الإيمان به بمقتضى ظاهر القرآن وانه واقع لا محالة، وعدم سماعنا له لا يكون حجة لعدم وقوعه لأن الله قادر على ان يسمع وان لا يسمع ولا تعارض بين ما في هذه الآية وآية «وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ» ٢٣ من الأنعام في ج ٢ لأن مواقف القيامة متعددة كما مر في الآية ٦٠ من ص وما يرشدك لغيرها فيها وهذا غير سؤال القبر الذي يجب الاعتقاد به وهو لا يسمع ايضا أما سؤال يوم القيمة فيكون على ملأ الأشهاد ولا تردد فيه، ومنه آية الأنعام المارة ولهذا قلنا لا تعارض بينهما. هذا والطوائف مختلفة والأحوال شتى وان ما مشى عليه بعض المفسرين بأن هذا السؤال يكون يوم القيمة للكافرين من قبل ملائكة العذاب وحكمه حكم آية الأنعام ينافيه ظاهر الآية المفسرة الدالة على وقوعه في الموت، وعلى هذا يكون هنا سؤال عند الموت وآخر في القبر لا يسمعان والثالث في البعث في جميع مواقف القيمة مسموع. تدبر و «قالَ» تعالى لأولئك الذين شهدوا على أنفسهم بالكفر «ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ» أي بيتها وهي التي «قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ» قدمهم لمزيد شرهم ولكون شرهم عدوانا «وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ» جزاء اشراككم وبهتكم في الدنيا فهي مأواكم ومقركم «كُلَّما دَخَلَتْ» النار فهم «أُمَّةٌ» جماعة أو ملة واحدة «لَعَنَتْ أُخْتَها» من اهل ملتها التي أضلتها فتلعن التابعة المتبوعة التي أضلتها وتلعن المتبوعة التابعة حيث زادت في عذابها «حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها» تلاحقوا واجتمعوا جميعا الأولون والآخرون «قالَتْ أُخْراهُمْ» الأتباع «لِأُولاهُمْ» المتبوعين من القادة والرؤساء «رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا» في الدنيا عن الهدى وسنّوا لنا طرق الردى وأمرونا باتباعهم «فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ» لأنهم ضلوا وأضلوا، والضعف في اللغة ما زاد على المثل غير مقيد بمثلين أو أكثر فأوله المثل وأكثره غير محصور لذلك يطلق على مثل الشيء وتضعيفه عند الإطلاق، فاذا أضيف لعدد اقتضى ذلك العدد

стр. 351

مثله فاذا قلت ضعف عشرة او ضعف مائة فذلك عشرون ومائتان بلا خلاف «قالَ» تعالى «لِكُلٍّ» منهم ومنكم «ضِعْفٌ» اما هم فلضلالهم وإضلالهم، وأما أنتم فلضلالكم واتخاذكم المتبوعين أولياء تأتمرون بأمرهم وتنتهون بنهيهم. وهذا الضعف كالأول غير مقيد بالمثل فيشمل أضعافا كثيرة لأنه لم يضعف لعدد، تدبّر. «وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ ٣٨» ما أعد الله لكل منكم من العذاب لان كلا منكم مشغول بما هو فيه- وقرىء لا يعلمون بالياء-. مطلب مواقف يوم القيامة وإمكان القدرة: وعليه تكون هذه الجملة منفصلة عما قبلها بسبب الالتفات في الخطاب الى البغية «وَقالَتْ أُولاهُمْ» المتقدمون عليهم في المنزلة «لِأُخْراهُمْ» المتأخرين عنهم مكانة بحسب الدنيا أي قالت الأشراف للسفلة «فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ» لأنكم كفرتم فما كفرنا فنحن وأنتم متساوون في العذاب وسببه، وهذا مرتب على قوله تعالى على وجه السبب «لِكُلٍّ ضِعْفٌ» فهو يؤذن بالمساواة، والفاء جواب الشرط أي إذا كان كما قال تعالى وهو كما قال فلا فضل لكم علينا فلماذا تدعون علينا وبعد ان يزجوا فى النار ويزداد تصايحهم فيها يقول لهم تعالى قوله «فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ٣٩» في الدنيا من الأعمال الخبيثة، فيسكتون بعد سماع كلام الله الذي لا يبدل وهو القائل (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا» الدالة على عظمتنا وقدرتنا الموضحة لأحكام ديننا المبلغة على لسان انبيائنا «وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها» فلم يعتنوا بها ويلتفتوا إليها في الدنيا «لا تُفَتَّحُ لَهُمْ» الآن كما هو الحال عند موتهم «أَبْوابُ السَّماءِ» أي لا يسمع دعاؤهم حين يستغيثون بنا في هذا الموقف كما لا يصعد لهم عمل في الدنيا ولا ترفع أرواحهم إليها إذا ماتوا لأن كلامهم وأعمالهم وأرواحهم خبيثة فهم محرومون من بركة السماء وغيرها ورحمة خالقها إذ لا يصعد الى الله الا الكلم الطيب والعمل الصالح والأرواح الطاهرة «وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ» هؤلاء المستكبرون عنا في حياتهم الدنيا «حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ» يدخل «فِي سَمِّ الْخِياطِ» ومن المعلوم عدم إمكان دخوله أي لا يدخلون ابدا، وهذا من

стр. 352

ضرب المحال كقوله لا آتيك حتى يشيب الغراب أو يبيضّ القار أو يسود الثلج، وخص الجمل لأنه أكبر الحيوانات في الجملة عندهم، حتى انهم يضربون به المثل فيقولون جسم الجمال وأحلام العصافير، لقليل العقل. ويضربون المثل الضيق المسلك بثقب الإبرة كناية عن الشيء الذي لا يكون قال: إذا شاب الغراب أتيت أهلي ... وصار القار كاللبن الحليب ويطلق الجمل على الحبل الغليظ ولذلك فسره به بعض المفسرين لأنه مما يسلك إلا أن سلكه في الابرة محال، وعلى كل فيكون دخولهم في الجنة محالا، كما أن دخول الجمل أو الحبل الغليظ في ثقب الابرة محال، لأنه مما لا تتعلق به القدرة لعدم إمكانه ما دام العظيم على عظمه والضيق على ضيقه لأنها انما تتعلق بالممكنات الصرفة، والممكن الولوج بتصغير الغليظ وتوسيع الضيق فاذا أراد الله تعالى مثل هذا فعل ما يريد وهو على كل شيء قدير. واعلم أن من فسر الجمل بالحبل قرأه بضم الجيم وتشديد الميم كي يراد به الحبل الذي ذكرناه في الآية ٣٣ في المرسلات المارة قال تعالى «وَكَذلِكَ» مثل ذلك الجزاء الفظيع «نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ ٤٠» في دنياهم في الدار الآخرة وأل فيه للجنس فيشمل كل مجرم ثم بين حالتهم في النار بقوله «لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ» فراش تحتهم «وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ» أغطية منها ونظير هذه الآية قوله «مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ» الآية ١٦ ص الزمر في ج ٢ يعني أن النار محيطة بهم «كَذلِكَ» مثل هذا الجزاء الشديد «نَجْزِي الظَّالِمِينَ ٤١» أنفسهم في الدنيا بالعذاب الشنيع في الآخرة وحرمانهم من الجنة «وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ» في دنياهم لهم ما يشاءون في الآخرة لا يضيّق عليهم فيها أبدا لأنا «لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها» بما يسهل عليها ويكون في طوقها ممّا لا حرج فيه عليها من الأعمال وهذه جملة اعتراضية بين المبتدأ وهو الموصول والخبر وهو «أُولئِكَ» أي المؤمنون بالله العاملون صالحا هم «أَصْحابُ الْجَنَّةِ» في الآخرة الدائمة و «هُمْ فِيها خالِدُونَ ٤٢» أبدا، والذي أحسن وقوعها مناسبتها للمعنى لأنه لما ذكر العمل ت (٢٣)

стр. 353

الصالح الذي لا كلفة فيه ذكر أنه في وسعهم فعله، وفيه تنبيه للكفرة على أن الجنة مع عظمها يتوصل إليها بالعمل الصالح السهل إجراؤه على العامل قال تعالى «وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ» كان بينهم في الدنيا فلم يبق بين أهل الجنة إلا التوادد والتعاطف، قال علي كرم الله وجهه: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم، وما قيل أنه قال فينا والله أهل بدر نزلت هذه الآية لا يصح، لأن الآية مكية بالاتفاق وحادثة بدر بعد الهجرة بسنتين فيكون بينهما ما يقارب تسع سنين، هذا، وهذه الجنة التي وعدوا بها «تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ» ينعمون فيها دائما «وَقالُوا» لبعضهم مثنين على ربهم «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا» الفوز العظيم في الآخرة وأرشدنا إلى العمل الطيب في الدنيا «وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ» له بارادتنا وقوتنا «لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ» اليه بمنه وكرمه وفضله، وفي الآية دليل على أن المهتدي هو من هداه الله، والضال من أضله، أقسموا قائلين والله «لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا» إلينا في الدنيا «بِالْحَقِّ» الصدق حيث رأوا ما وعدوهم به عيانا وهذا من قبيل المثل السائر «ليس الخبر كالمعاينة وإلا فهم قالوا هذا القول وصدقوا به في دنياهم وهو الذي أوصلهم إلى ما هم فيه من النعيم «وَنُودُوا» من قبل ملائكة الرحمة «أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ التي وعدتموها فادخلوها لأنكم «أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ٤٣» في دنياكم من الأعمال الصالحة ولقد نعت الله تعالى حال أهل الجنة في الجنة كما وصف حال أهل النار في النار، ألا فلينتبه من كان له قلب، روى البخاري عن ابي سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين اجر والنار فيقتصّ لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا اذن الله لهم في دخول الجنة، فو الذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في اجر منه بمنزله في الدنيا. وروى مسلم عنه وعن أبي هريرة أن رسول الله قال: دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد إن لكم أن تحيوا ولا تموتوا أبدا، وإن لكم تصحوا ولا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تشبوا ولا تهرموا أبدا، وإن لكم

стр. 354

تنعموا ولا تيأسوا أبدا، فذلك قوله (وَنُودُوا) (إلخ) وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: ما من أحد إلا وله منزل في الجنة ومنزل في النار، فأما الكافر فإنه يرث المؤمن منزله في النار، وأما المؤمن فإنه يرث الكافر منزله في الجنة. زاد في رواية فذلك قوله تعالى: (أُورِثْتُمُوها) وذلك لأن الكافر ميت بدليل قوله تعالى: (أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ) الآية ٢٤ من سورة النحل في ج ٢ والمؤمن حي بدليل قوله جل قوله (لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا) الآية. من سورة يس الآتية والحي يرث الميت ولا يرد على هذا قوله ﷺ لن يدخل الجنه أحد يعمله وإنما يدخلها برحمة الله تعالى، لأن دخول الجنة حقيقة برحمة الله إلا أن انقسام المنازل والدرجات بالأعمال. وإن المؤمن لن ينال العمل الصالح إلا برحمة الله وتوفيقه فيكون دخول الجنة برحمة الله ثوابا وجزاء على الأعمال الصالحة في الدنيا قال صاحب بدء الامالي: دخول الناس في الجنّات فضل ... من الرحمن يا أهل الأمالي ونظير هذه الآية ٣٢ من سورة النحل والآية ٦٣ من سورة الزخرف في ج ٢ ولا يخفي ما في هذه الآية من الرد الواضح على القدرية الزاعمين أن كل مهتد خلق لنفسه الهدى ولم يخلق الله له ذلك. مطلب خطأ قول القدرية: قال الشيخ أبو منصور إن المعتزلة خالفوا الله فيما أخبروا وأبا البشر الثاني نوحا ﵇ وأهل الجنة وأهل النار وإبليس أيضا. فالله تعالى قال: (يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) الآية ٢٩ من سورة الرعد في ج ٣. وقال نوح وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ) الآية ٣٤ من سورة هود في ج ٢. وقال أهل الجنة (وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ) الآية المارة. وقال أهل النار (لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ) الآية ٢١ من سورة ابراهيم في ج ٢. وقال إبليس (فَبِما أَغْوَيْتَنِي) الآية ١٥ المارة فدونك أعرض قول المعتزلة على هذه وانظر قول

стр. 355

الله حكاية عن قول الموحدين وهم في مقعد صدق (وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ) فى حال الدنيا مع قولهم (المهتدي من اهتدى بنفسه) وانظر هداك الله ما تختاره فلا شك أنك تقول الله الهادي ولا تعدل عنه ابدا إذ لا يوازي قول الله قول. ثم شرع جل شرعه فيما يقع بينهما من المحادثة فقال: «وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ» وذلك بعد أن استقر كل بمكانه «أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا» على لسان رسله من النعيم المقيم «حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ» من العذاب المترتب على تكذيبكم رسلكم في الدنيا «حَقًّا قالُوا نَعَمْ» وجدناه حقا ومسنا ألمه «فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ» هو صاحب الصور إسرافيل ﵇ أو غيره من الملائكة وما قيل أنه علي ﵇ بعيد عن الصحة لعدم الدليل ولأنه كرم الله وجهه يكون إذ ذاك في حظائر القدس فكيف يكون مؤذنا في ذلك المقام فهو أكبر مقاما وأعز شأنا وأرفع مكانا وأعظم من ذلك وكيفية الأذان هي «أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ٤٤» إعلاما بسرور أهل الجنة وخزي أهل النار. واعلم أن «أَنْ» هذه والتي قبلها مخففتان من الثقيلة أو مفسرة لكيفية المناداة وهو الأصوب لأن المخففة يعقبها اللام وهو مفقود هنا. راجع آخر سورة القلم المارة، وقرأها بعضهم بالتشديد كما قرأ (نعم) بكسر العين، هذا، وأن الذين لعنهم الله هم «الَّذِينَ» كانوا «يَصُدُّونَ» الناس في الدنيا «عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» السوي «وَيَبْغُونَها» اي سبيل الله التي سنها لعباده من الحق والعدل السويين ويحاولون أن يجعلوها «عِوَجاً» مائلة الى الباطل فيبدلونها عما هي عليه. والعوج بالكسر يكون في الدين والطريق أي المذهب الذي يتدين به وما يدرك بفكر وبصيرة كالأرض البسيطة والمعاش، وبالفتح بالخلقة تقول في ساقه عوج وما يدرك بالبصر كالخشب المنتصب ونحوه راجع تفسير الآية الأولى من سورة الكهف في ج ٢ «وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ ٤٥» منكرون لانهم لم يصدقوا بوجودها حينما كانو في الدنيا ولا يقال كيف يسمع أهل النار وهم في الأرض نداء أهل الجنة وهم في السماء، لأن الله قادر ان يقوي أصوات اهل الجنة واسماع اهل النار ويصير البعيد
следующие страницы →