Полный текст (3 362 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
والثانية ترفع ذلك التحتيم من غير تصريح بالواقع، هذا ما يمكن تطبيقه على الأولى، وهو إعلام النص اللاحق بإلغاء النص السابق، وهذه النصوص الثلاثة كلها لا تعين إفادة النسخ بالمعنى المراد منه، إذ أنه يجوز في الآيات الثلاث فعل الحالتين المثبتتين فيها، ولو كان المراد نسخ الأولى بالثانية لما جاز فعل الأولى، بل تحتم فعل الثانية فقط وليس كذلك.
أما الطريق الثاني: وهو الالتجاء إلى نصين متناقضين لا مجال لتأويلهما أو أحدهما، فمن العسر جدا، بل من المحال أن تجد شيئا منه في كتاب الله، وهو المبرأ من كل عيب، ولله در أحمد محرم إذ يقول:
دستور حق في يمين محمد ... يحمي الضعيف وبنصف المظلوما
لولا بلاغته وروعة نظمه ... جهل الرجال اللؤلؤ المنظوما
كنز البيان فمن تطلب للفتى ... كنزا سواء قضى الحياة عديما
فضّت علوم الدهر منه جانبا ... وغدا نقضي الجانب المختوما
متجدد في كل عصر يبتغى ... مما تجيء جديدة وفهوما
وناهيك في هذا قوله تعالى: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) الآية ٨٨ من سورة الإسراء الآتية:
مطلب القائلين بعد النسخ:
هذا وقد منع أبو مسلم الأصفهاني المفسر الكبير وجود النسخ في القرآن العظيم، وقد قال الإمام الرازي في تفسيره المشار إليه، وكذلك الشيخ محي الدين العربي في تفسيره، ومن عرف مرامي التشريع الإسلامي، ووقف على لباب التنزيل، وعرف حكمة التدريج في التشريع الذي مر ذكره في المطلب السابع، وأمعن النظر في قوله تعالى: (كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ) الآية ١ من سورة هود، أيقن أن لا نسخ في كلام الله بالمعنى القائلين به، من أبطال المعنى الأول بالكلية، وهذا من جملة ما عناه سيدنا علي كرم الله وجهه، بإرادته ترتيب سوره وآياته على حسب
стр. 37
النزول، حينما عقد الشورة الأصحاب في كيفية جمعه وترتيبه على حده، وحينما أرادوا نسخه على الصحف، لأنهم كلهم يعلمون أن ترتيب نزوله غير ترتيب جمعه، وإذ ذاك قال محمد بن سيرين لعلي من القوة كما انزل: الأول فالأول، وما يدريك ما رأيه ﵇؟ ومرماه:
مرام سطّ مرمى العقل فيه ... ودون مداه بيد لا تبيد
ومن هنا يعرف القارئ الذكي، أن ما تعالى به علماء النسخ والمنسوخ عبارة عن الآيات المقيدة والمخصصة بالنسبة للآيات المطلقة والعامة، ولعدم مراعاة هذين الأصلين، وعدم الاعتناء بتاريخ النزول، وأسبابه للتيقن من المقدم والمؤخر، وعدم أخذهم بما أجمع عليه الجمهور، بأن المقدم لا ينسخ المؤخر، وعدم مراعاتهم حكمة التشريع الالهي بحسب التدريج، أوصلوا الآيات المنسوخة الى مائتين، كما هو بين في تفسير الشيخ محمد الجزّي، على أن القرآن العظيم ناسخ لما تقدم من الكتب والصحف لا منسوخ البتة، وأطالوا البحث فيه، كما أطالوه في المتعة الآتي بحثها في أول سورة النساء، في ج ٣، وسيأتي بحث النسخ في الآية (١٠٦) من سورة البقرة، ما يوسع من هذا إن شاء الله، نعم يوجد فيه بعض آيات عجز طوق البشر عن تأويلها، فقال بعضهم بنسخها، إلا أن تحاشي القول بالنسخ أصوب وأحمي للعقيدة، فقد روى البخاري عن ابن الزبير، قال قلت لعثمان (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً) الآية ٢٤٠ من البقرة في ج ٣، وقد نسختها الآية الأخرى، (وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) عدد ٤ من سورة الطلاق في ج ٣ أيضا (المار ذكرها آنفا) فلم نكتبها وندعها، قال عثمان: يا ابن أخي لا أغير شيئا منه من مكانه، وذلك لان الآية الأولى غير منسوخة بالثانية، كما فصلناه، راجع تفسيرهما في محلهما.
ومن المعلوم أن آياته منها ما وقع تفسيرها زمن الرسول ﷺ ، ومنها ما وقع زمن أصحابه من بعده، ومنها ما وقع بعدهم، ومنها لم يقع حتى الآن، والليالي حبالى، وسيلدن الأمر العجيب مما سيظهر فيها من معجزاته الغامضة، ولا تحديد لكلمات الله، وسترى إن شاء الله، ما بشرح صدرك أيها القارئ، وتقر عينك، من تقييد المعاني،
стр. 38
وما تستعذبه من تبيين المباني، فيما يتعلق بالآيات التي ظاهر لفظها، يشم منه رائحة النسخ، والآيات التي تدل على معجزاته، فالله أسأل وبنبيه أتوسل أن يعينني على ذلك، ويقدرني عليه، انه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير.
مطلب في القراءات وحيث تقدم أني قلت، إني اتبعت في هذا التفسير قراءة عاصم، ورواية حفص لا طعنا في غيرهما، بل لأنهما أشهر من غيرهما، لأنها المتعارفة في محيطنا، والمنسوخة في القرآن الذي بين أيدينا، وإن القراءات الست الاخرى بأوجهها جائزة لمن أتقنها، وانها تختلف مع بعضها من حيث الترقيق والتفخيم، والجهد والصمت، والمد والقصر، والإمالة والرفع، والإدغام والإظهار، والتثنية والافراد والجمع، والتحريك والإسكان، والقطع والوصل، والنقل والوقف، والتضعيف والفك، وغيرها في الحروف والكلمات، بلا زيادة ولا نقص في أصل الكلمة، وما يزاد في أحد القراءات من الواحد في مثل عليهم، وعليهم و، لا يعد زيادة لأنه عبارة عن إشباع الفتحة لا غير، ولهذا تجد بعض رسم الكلمات فيه متغاير صورة لا معنى مثل (خَسِرَ الدُّنْيا) في الآية ٧ من سورة الحج في ج ٣، تقرأ على أنها فعل ماض، ولا تنافى المعنى المراد منها، عند من بقرأها مصدرا أو اسم فاعل، وهكذا كما ستطلع عليه عند تفسيرها، وما يشاكلها إن شاء الله. وقد ذكرنا في مطلب جمع القرآن المار، أن ما جاء من وجود بعض الكلمات في قرائين بعض الأصحاب، هو كناية عن كلمات تفسيرية كتبوها في مصاحفهم، فظنها من لا مسكة له بالقرآن قرآنا وتمسك بها بعض الجهلة، ومن لا خلاق له في الآخرة يماري بها ويجادل، (وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) الآية (٤٦) من المائدة، فراجعها وراجع الآية (٨٣) من سورة النساء في ج ٣، ولهذا أشار ﷺ فيما رواه البخاري عن عمر بن الخطاب قال: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرأنيها رسول الله فكدت أساوره (أواثبه وأقاتله) في الصلاة فتربصت (تثبت) حتى سلم فلببته بردائه (أخذته مما يلي عنقه منه) فقلت: من أقرأك هذه
стр. 39
السورة التي سمعتك تقرأها؟ قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ ، فقلت: كذبت فإن رسول الله قد أقرأنيها على غير ما قرأت فانطلقت به أقوده إلى رسول الله فقلت يا رسول الله إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، فقال ﷺ : أرسله، اقرأ يا هشام فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرؤها فقال ﷺ هكذا أنزلت، ثم قال اقرأ يا عمر فقرأت بقراءتي التي أقرأني فقال ﷺ هكذا أنزلت، ثم قال إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسر منه، وما جاء في روايتها عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: أقرأني جبريل على حرف فزادني فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف، وما رواه مسلم عن أبيّ بن كعب قال: كنت في المسجد فدخل رجل يصلي يقرأ قراءة أنكرتها عليه ثم دخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه فأمرهما رسول الله فقرأ فحسّن شأنهما فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذ كنت في الجاهلية (أي وسوس لي الشيطان تكذيبا للنبوة أشد ما كنت عليه في الجاهلية) فلما رأى رسول الله ما غشيني ضرب في صدري فتصببت عرقا وكأني أنظر إلى الله فرقا (أي خشية من الخوف والهيبة حين ضربه ﷺ نشبيتا له بما أزال عنه ذلك الخاطر المذموم) فقال: يا أبيّ أرسل إليّ أن أقرأ على حرف واحد فرددت عليه أن هون على أمتي، فردّ إليّ الثانية أن اقرأ على حرفين فرددت إليه أن هون على أمتي فرد اليّ الثالثة أن اقرأ على سبعة أحرف ولك بكل ردّة رددتها مسألة تسألنيها، فقلت اللهم اغفر لأمتي اللهم اغفر لأمتي وأخرت الثالثة ليوم ترغب إليّ الناس كلهم حتى ابراهيم وهذا من معجزاته ﷺ حيث أطلعه الله على ما حاك في صدر أبيّ من الشك وإزالته منه في تلك الضرية، ورواية البغوي عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال:
ان القرآن نزل على سبعة أحرف لكل آية منه. ويروى: لكل حرف منه. ظهر وبطن، ولكل حد ومطلع وما قيل في معناه، إن الظهر لفظ القرآن أو التلاوة باللسان كما أنزل، والبطن تأويله، أو النور أو الفهم والتذكر فيه.
стр. 40
والحد ما يتناهى إليه الفهم في معنى الكلام فهو غاية ما ينتهي إليه عقل البشر وإلا فهو بحر خضم لا ساحل له يهب لمن يريد من عباده ملكة الولوج فيه فيوقع في قلبه نورا يبصّره ببعض معانيه كما يلقي الروح على من يشاء من عباده فلا ينبغي لمن له أدنى مسكة من عقل أو ذرة من إيمان أن ينكر اشتمال القرآن على بواطن يفيضها المبدأ الفياض على بواطن من يختاره من عباده.
هذا وليعلم أن ما من حادثه ترسم بقلم القضاء إلا وفي القرآن العظيم إشارة إليها كيف لا وقد قال منزله (ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ) الآية ٣٨ من سورة الأنعام في ج ٢، وقال جل شأنه (وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ) الآية ١٥٢ من الأنعام أيضا، راجع ما بيناه آخر المطلب السابع في هاتين الآيتين وتفسيرهما في محلهما، ومن يجهل معنى هذا فعليه بالعارفين، قال تعالى: (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) الآية ٧ من سورة الأنبياء في ج ٢ وقال جل قوله (فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً) الآية ٥٩ من سورة الفرقان الآتية.
مطلب حكاية واقعة:
ذكر بن خلكان في تاريخه ان السلطان صلاح الدين الأيوبي ﵀ لما فتح حلب أنشد القاضي محي الدين قصيدة بائية من جملتها:
وفتحك القلعة الشهباء في صفر ... مبشر بفتوح القدس في رجب
فكان كما قال فسئّل من أين لك هذا، فقال: أخذته من تفسير ابن برجان في قوله تعالى: (الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ) الآية من أولها الآتية، قال المؤرخ فلم أزل أتطلب التفسير المذكور حتى وجدته على هذه الصورة وذكر له حسابا طويلا وطريقا في استخراجه وله نظائر كثيرة، ومن المشهور استنباط ابن الكمال فتح مصر على يد السلطان سليم من قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ) الآية ١٠٥ من سورة الأنبياء في ج ٢، على أن المراد بالأرض أرض الدنيا، أما أرض الآخرة فلا يرثها إلا عباد
стр. 41
الله المخلصون، وهذا انما قال ذلك لأنه تصور الصلاح في السلطان المشار إليه بالنسبة لمن كانت مصر بيده من المماليك سنة ٩٢٣ غرة محرم حيث خذلت الجراكة وتقلص سلطانهم.
مطلب في الصوفية ومعنى سبعة أحرف:
أو على المعنى الذي جرى عليه بعض المفسرين بأن الصالحين هم الصالحون لعمارة الدنيا، وفي هذا المعنى يدخل البر والفاجر هذا، ومن الانصاف التسليم الى العارفين من السادة الصوفية الذين هم مركز الدائرة المحمدية واتهام الذهن فيما لم يصل إليه من فهم أقوالهم العالية وأحوالهم السامية بسبب العوائق والعلائق قالوا:
وإذا لم تر الهلال فصدق ... لأناس رأوه بالأبصار
راجع تفسير الألوسي ﵀ ج ١ ص ٧.
ومعنى قوله ﷺ سبعة أحرف أي سبعة وجوه، قال أبو عبيدة وغيره من الصحابة الكرام هي سبع لغات من العرب: ١ تميم، ٢ ومعد، ٣ ومضر، ٤ وقرشي، ٥ وهوازن، ٦ وهذيل، ٧ وحمير أهل اليمن، وقد جاءت متفرقة في القرآن العظيم الذي جاء بأحسن لغات قريش التي ذابت فيها لغات فرق العرب الآخرين، فمن ذلك (انْظُرُونا) في الآية ١٣ من سورة الحديد ج ٣ فهي بمعنى أمهلونا وأخرونا وأرقبونا (ومنه مَشَوْا فِيهِ) في الآية ٢٠ من البقرة ج ٣ فهو بمعنى مرّوا فيه وزادوا وذهبوا وسعرا وغيرها من لغات العرب، لكن ما جاء في القرآن أبلغ معنى وأعظم إعجازا، ومنها ما جاء في القرآن من المدّ والقصر والإمالة والإشمام والإدغام وغيرها أحسن في الأداء واتمّ في النظم من الكلمات العارية عنها في اللغات الاخرى وانظر إلى كلمة (هلّم) التي هي بمعنى أقبل وتعال وإليّ وقصدي ونحوي وقربي، هل لهذه الكلمات التي بمعناها في اللغات الأخرى مكانتها من الحسن في اللفظ والمعنى، كلا، وقس على ذلك.
ويوجد أقوال أخرى في معناها، أعرضت عنها لعدم التثبت من صحتها والصحيح أنها قراءات سبع استفاضت عن حضرة الرسول الأعظم، وضبطها عنه أصحابه
стр. 42
وأثبتت في الصحف ثم في المصاحف على الوجه المار ذكره، يؤيد هذا، الحديثان الصحيحان المنوه بهما أعلاه، والحكم الشرعي في ذلك جواز القراءات السبع المتداولة لمن يتفنها ويحسن قراءتها بالوقوف على أصولها والتلقي من أربابها العارفين بها، فيقرأ كل بحسب لغته وما تيسر على لسانه مما تلقاه في هذه القراءات توسعة وتسهيلا لهم وتحسينا للفظ وتلذذا للسماع وجودة النظم، فتزداد القراءة رونقا ويزداد السامع رغبة:
كلام قديم لا يمل سماعه ... تنزه عن قول وفعل ونيّة
به اشتفي من كل داء ونوره ... دليل لقلبي عند جهلي وحيرتي
فيا رب متعني بسر حروفه ... ونور به قلبي وسمعي ومهجتي
أجب اللهم دعانا بكرمك يا مولانا.
المطلب الحادي عشر في خلق القرآن وعدمه ونسبته للكتب الأخرى وصدق النبوة
مطلب القول بخلق القرآن.
اعلم علمك الله ما لم تعلم أن ما قيل أن القرآن مخلوق. عبارة عن اصطلاح كلمة فلسفية وآراء نظرية مبتدعه، ظهرت أيام الخليفة المأمون العباسي الذي تولى الخلافة سنة ١٩٨ بعد قتل أخيه الأمين رحمهما الله وأباهما هارون الرشيد وسامحهم وقد توغل فيها وأفرط حتى أنه هدد بالقتل من يقول أنه غير مخلوق ولما جيء له بالإمام الشافعي ﵀ وسئل عن ذلك قال أنت تعني الكتب الأربعة الموجودة بأيدينا، وأشار إليه بأصابعه الأربع قائلا هذه مخلوقة، ونجا من التعذيب منه بهذه الوسيلة ولم يتنبه إلى ما أشار وقصد، أو أنه انتبه وتغاضى لمكانة الشافعي ﵀.
وليعلم انه لم يرد في هذا البحث كتاب ولا سنة ولا إجماع، بل هو تعرض للبحث التحليلي في ذات الله تعالى وصفاته ومثار للوساوس الشيطانية فيجب على العاقل أن يجتنب هذا البحث ويستعيذ بالله منه ولا يلجأ إلى ترهات صورت من المشككين ذوي القلوب الصدأة المظلمة البعيدة عن نور المعرفة وأن يوقن بأن الكلام صفة كمال تتعلق بكل ما يتعلق به العلم، إلا أن تعلق العلم عبارة عن انكشاف المعلومات للعالم
стр. 43
وتعلق الكلام عبارة عن كشف العالم ما شاء من علمه لمن شاء، والله تعالى متصف بكمال العلم والتعليم، وكمال الكلام والتكليم، وان هذا وغيره مما وصف الله به نفسه في كتابه لا ينافي كمال تنزيله عما لا يليق به من نقائص عباده ولا يقتضي مماثلته لهم فيما وهبهم من كمال فان الاشتراك في الأسماء لا يقتضي الاشتراك بالمسميات، وأسماء الأجناس المقولة في التشكيك في الممكنات مختلفة من وجوه كثيرة، منها النقص والكمال فكيف بها إذا كانت مشتركة في الخالق والمخلوقات فذاته تعالى أكمل من ذواتهم ووجوده أعلى من وجودهم وصفاته أسمى من صفاتهم وهو أعلم ورسوله أعلم منهم بصفاته وأفعاله، فعليك أن تؤمن بما صح عنهما من اثبات ونفي من غير زيادة ولا نقصان، بلا تعليل ولا تشبيه، ولا تمثيل ولا تأويل، وليس عليك ولا لك أن تحكّم رأيك وعقلك في كنه ذاته وصفاته، ولا في كيفية مناداته وتكليمه لرسله، ولا في كنه ما هو قائم به وما يصدر عنه، وعلى هذا كان أصحاب الرسول والسلف الصالح من التابعين والعلماء وأئمة الحديث والفقه، قبل ظهور بدعة المتكلمين الذين قسموا كلام الله إلى نفس قديم قائم بذاته ليس بحرف ولا صوت ولا ترتيب ولا لغة، وإلى كلام لفظي وهو المنزل على الأنبياء ﵈ ومنه الكتب الأربعة، واختلافهم فيها في كونها مخلوقة أو غير مخلوقة، والصحيح الذي لا غبار عليه ان كلام الله تعالى بالمعنى الأول غير مخلوق لأنه قائم بذاته تعالى وبالمعنى الثاني وهو المقروء في البشر الدال على الصفة القائمة به فلا بأس بأن يقال مخلوق.
لأن قراءتهم له مشتملة على حروف وأصوات وترتيب ولغة وهو صورة حادثة عن كلامه القديم ومظهر من مظاهر التنزيل.
مطلب الطوائف المخالفة ونسبة القرآن للكتب الاخرى:
واتفقت المعتزلة على أن كلام الله مركب من الحروف والأصوات وأنه محدث مخلوق وأنه خالق لكلامه ثم اختلفوا في معنى الكلام والحدوث على أقوال كثيرة وكذلك الطوائف الاخرى كالامامية والخوارج والحشوية والكرامية والواقفية اختلفت في كونه قديما أزليا اولا، وفي كونه جوهرا أم عرضا، وكل انتصر لمذهبه، ونظرا لمخالفتها لأقوال أهل السنة والجماعه وعدم جواز الأخذ بشيء منها أعرضت عن نقلها وإذا أردت الوقوف على أحوال هذه الطوائف
стр. 44
المخالفة وما شاكلها فعليك بمراجعة كتاب المواقف- الجزء الثالث ص ٢٨١- فما بعدها فانه يكفيك عن كل كتاب.
أما نسبة القرآن للكتب الاخرى فانه أصح وأجمع وأكمل منها من كل وجه فمن حيث أنه أنزل بلغة عربية وبقي كما هو لم تتطرق إليه التراجم ولم تختلف نسخه عن بعضها بحرف واحد فهو أصدق منها إذ لو جمعت مصاحف أهل الأرض كلها، لا تقدر أن تجد فيها حرفا مغايرا لغيره، أخرج ابن أبي قاسم عن سفيان الثوري انه قال: لم ينزل وحي إلا بالعربية ثم ترجم كل نبي لقومه بلغتهم. قال تعالى (وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) الآية ٤ من سورة ابراهيم ج ٢. والكامل لا يأتي إلا بالكامل، وميزة أخرى انك لو قرأته على مر الأيام وكر السنين ما زادك تكراره إلا حلاوة ورغبة فيه واعتقادا بأنه كلام الله حق وصدق لم يغير ولم يبدل كيف لا وقد تحدى الله البشر أجمع على إتيان سورة مثله أو من مثل الذي جاء به. راجع الآية ٢٢ من سورة البقرة في ج، والآية ٢٨ من سورة يونس، والآية ١٣ من سورة هود في ج ٢. تقف على تغيرها وتعرف مدى الفرق بينها وناهيك دليلا على حفظه ما مر لك في الآيتين ٩ من سورة الحجر و ٢٤ من سورة فصلت في ج ٢.
في المطلب السابع المار ذكره وقد أجاد الأبوصيري في قوله بصفته:
الله أكبر إن دين محمد ... وكتابه أقوى وأقوم قيلا
لا تذكروا الكتب السوالف غيره ... طلع الصباح فأطفأ القنديلا
وقال في بردته:
آيات حق من الرحمن محدثة ... قديمة صفة الموصوف بالقدم
فلا تعدّ ولا تحصى عجائبها ... ولا تسام على الإكثار بالسأم
واعلم ان كل ترجمة وقعت له لا تفي بالمطلوب وقد اطلعت على قسم منها فوجدتها لا تنم عن مغازيه فضلا عن الأغلاط الواقعة فيه كالترجمة التركية، ولا بد أن يكون في التراجم الأخرى أكثر أغلاطا لأن الحروف العربية لا تستعمل كلها في اللغات الأجنبية، ولأن معاني الكلمات وما هي عليه من اشتمالها على علم المعاني والبديع والبيان لا يمكن أن تؤول فيها مهما كان المترجم قادرا، فإن الكتب الأخرى فقدت زخرفها لتعرضها للترجمة لأنها أولا أنزلت بالعربية وترجمها كل نبي بلغة قومه كما مر لك
стр. 45
آنفا، ثم ترجمت بعد بلغات متعددة بحسب لغات الأمم التي تداولتها ولم يعرف على الضبط مترجموها هل هم ممن يوثق بهم في دينه وأمانته أم لا، وهل هم ممن يعتقد التدين بها أم لا.
مطلب التحريف والتغيير في الكتب الاخرى:
فمن هنا يقع الغلط وسوء التصرف لأن من اطلع عليها وأنعم النظر فيها لا يطاوعه وجدانه أن يسلم بأنها هي المنزلة حقا بحذافيرها بل لا بد وأن يعترف بوجود التحريف فيها ووقوع التغيير حتما.
واعلم أن ما أصاب التوراة والإنجيل من التغيير بسبب الترجمة لا يقل عما أصابها من التحريف والتبديل إذ بالترجمة قد يصير المجاز حقيقة والمتشابه محكما كلفظ الأب والابن وغيرهما مما سنأتي على بيانه في محله إن شاء الله وهذا مما سبب ضلال الكثيرين من اليهود والنصارى ولا حول ولا قوة إلا بالله، لأن المترجم مهما بلغ من الكمال لا يستطيع أن يترجم كل لفظ بمثله بل يحتاج غالبا لأن يفسر بعضه بمعناه لضيق بعض اللغات عن بعضها وعدم تساوي الحروف بالنطق، أما ترجمة النبي فلا مقال فيها لأنها من قبيل المعجزة فلا يقاس غيره عليه، فإذا كان المترجم لم يبلغ حد الكمال فيما يترجمه فلا بد أن يخطىء ومن هنا يظهر لك حقيقة ما قلته على فرض ان المترجم معلوم وموثوق به دينا وأمانة، أما إذا لم يكن معلوما فكيف يوثق به أو لا تخلو ترجمته من الدس وهو ما يوجد فيها من التناقض كوصف الله تعالى في أسفار العهد القديم بما لا يليق بحضرته المقدسة من نسبة الجهل والنوم (تعالى عن ذلك) فقد جاء في سفر الخروج ان موسى ﵇ تبنته بنت فرعون مع أن القرآن يثبت أن التي تبنته زوجته آسية بنت مزاحم رحمها الله، وجاء فيه أيضا أن هارون هو الذي صنع العجل لبني إسرائيل مع أن القرآن يعزوه للسامري، ومات نبي الله هارون من ذلك، وجاء في التوراة رمي، بعض الأنبياء في الكبائر المنافية لحسن الأسوة، المجرئة على الشرور والمفاسد، حتى وصموا سيدنا لوطا بزواج ابنتيه مع أن الأنبياء معصومون من كل شيء، ومنها أن التوراة التي بيد اليهود تخالف التي بيد النصارى، وأن الأناجيل الأربعة المعتبرة لدى النصارى
стр. 46
فيها بعض الخلاف باللفظ والمعنى والنظم والنسق وقد جاء فيها أن معاصي الأنبياء دليل على عقيدتهم وأن المسيح وحده هو المعصوم وأنه رب وإله ولا مخلص للناس من الذنوب غيره مما يشبه عقائد الوثنيين ويخالف دين الأنبياء والمرسلين في الاعتقاد بإله واحد وشريعة واحدة. قال تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى) الآية ١٣ من سورة الشورى ج ٢.
وقال تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً) الآية ١٦٢ من سورة النساء ج ٣. والآيتين بعدها أيضا، إذا أسس الدين لا تختلف لأن الله تعالى لا يتصور أن يرسل نبيا بشريعة ويرسل الآخر بضدها من حيث الأصول الثلاث التي هي ١- الاعتراف بالإله الواحد. ٢- الاعتراف بالنبوة. ٣- الاعتراف باليوم الآخر. أما الفروع فتكون على ما يناسب البشر بأدواره ويصلح لكيانهم ويوافق المجتمع. وليعلم أن الله تعالى كما مدح القرآن مدح التوراة بقوله: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ) الآية ٤٧ من سورة المائدة ج ٣. وكذلك مدح الإنجيل بقوله: (وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) الآية ٤٩ منها، والزبور أيضا لأن التنكير في الآية الأولى والتنوين يدلان على التعظيم، وهناك آيات كثيرة في ذلك أعرضنا عنها اكتفاء بما ذكرنا، إذا فالكتب السماوية كلها مصدقة لبعضها فلا يعقل أن يكون فيها خلاف ما في أصل العقيدة وأصول الدين، أو مما يؤدي إلى التكذيب لبعضها، أو بما يصم الأنبياء لأنه كفر عند سائر الملل.
مطلب مدح الكتب الأربعة وصدق الرسالة:
فما جاء في إنجيل لوقا ص ١٨ آية ١٩ وص ٢ مما يدل على أن العذراء متزوجة وعدم مقابلة المسيح لها عند مجيئها لزيارته، وحاشاها وهي المبرأة المصونة الطاهرة وحاشاه وهو الرسول الكريم على ربه أن يصدر منه ما يهين البتول أمه الزكية، وان القرآن يوصي بالإحسان إلى الوالدين، ويفضل العذراء على نساء العالمين، وما
стр. 47
جاء في هذا الإنجيل ص ١ و ٦ ما يدل على عصمة الأنبياء خلافا لما جاء في غيره وفي التوراة وبعض الأناجيل الأربعة المتداولة ما يثبت أن يهوذا الا مخربوطي المنافق الذي دل اليهود على السيد عيسي ليغتالوه شنق نفسه تكفيرا لما وقع منه، ومنها ما يسكت عنه وكلها متفقة على أن الصلب وقع على المسيح، إلا إنجيل برنابا فإنه يثبت وقوع الصلب على الخبيث يهوذا الذي ألقي عليه شبه المسيح وفاقا لما جاء في القرآن، وهذا كله يثبت بلا ريب أن ما وقع من الاختلاف في هذه الأناجيل وفي التوراة أيضا من سوء الترجمة، وما وقع فيها من التدجيل هو من الدّس الذي أدخل فيها، ولو دققت بانصاف وقوبلت مع الإنجيل الصحيح الذي أنزل على عيسى ﵇ وبلغه لقومه الذي لم يترجم بعد، لوجدته موافقا للقرآن المشتمل على مضمون جميع الكتب الإلية الذي أجمع عليه البشر بأنه لا يضاهيه كلام ولا يقاس بغيره وقيل:
وما كل مخضوب البنان (بثينة) ... ولا كل مصقول الحديد يماني
وقول الآخر:
أكل امرئ تحسبين امرأ ... ونارا توقد بالليل نارا
أما ما جاء في صدق نبوة محمد ﷺ عدا شهادة الله وكتبه ورسله فإليك ما صرح به (أدوار مونيه) مدرس اللغات الشرقية في مدرسة جنيف في مقدمة ترجمته القرآن بالافرنسية ما معناه بالعربية حرفيا قال: [كان محمد صادقا كما كان أنبياء بني إسرائيل في القديم، كان مثلهم يرى رؤيا ويوحى إليه، وكانت العقيدة الدينية وفكرة وجود الألوهية متمكنتين فيه كما كانتا متمكنتين في أولئك الأنبياء أسلافه فيحدث فيه كما كان يحدث فيهم (ذلك الإلهام النفسي) وهذا التضاعف في الشخصية الذين يحدثان في العقل البشري المرائي والتجليات والوحي والأحوال الروحية التي من بابها] فهذا العالم الاوربي يقول، ما كان به أنبياء بني إسرائيل كان ثابتا لمحمد ﷺ .
وقال (جسيون) القرآن مسلم به من حدود الاوقيانوس الاتلانتيكي إلى نهر الجانج بأنه الدستور الاساسي ليس لأصول الدين فقط بل للأحكام الجنائية والمدنية وللشرائع
стр. 48
التي عليها مدار نظام الحياة للنوع الإنساني وترتيب شؤونه، وان الشريعة المحمدية تشمل الناس جميعا في أحكامها من أعظم ملك إلى أقل صعلوك، فهي شريعة حيكت بأحكم وأعلى منوال شرعي لا يوجد مثله قط في العالمين، وأما تفسيره الخصائص فهو التعليل الذي يعلل به الماديون الوحي المطلق.
هذا وقد لخص خبر نزول الوحي على محمد ﷺ من كتب اسلامية مذعنا بصحتها، ونقلها بعده المستشرق الإفرنسي (أميل درمنغام) ويكتب بالصحف المصرية در منجيم) - في كتابه حياة محمد مذعنا بصحة الرواية وبوضوحها شارحا تأثير نبوته في إصلاح البشر متمنيا الاتفاق بين المسلمين والنصارى، آسفا للشقاق بينهم.
وقال الأستاذ محمد رشيد رضا في كتابه الوحي المحمدي ص ٧٣ في اثبات نبوة محمد ﷺ : درس علماء الإفرنج سيرته فأجمعوا على هذه النتيجة (ان محمد كان سليم الفطرة كامل العقل كريم الأخلاق صادق الحديث عفيف النفس قنوعا بالقليل من الرزق، غير طموح بالمال ولا جنوح إلى الملك ولم يعن بما كان يعن به قومه من الفخر والمباراة من ارتجال الخطب وقرض الشعر، وكان يمقت ما كان عليه قومه من الشرك وخرافات الوثنية ويحتقر ما يتنافسون فيه من الشهوات البهيمية كالخمر والميسر وأكل أموال الناس بالباطل، وبهذا كله وبما ثبت من سيرته وبعثته بعد النبوة، جزموا بأنه كان صادقا فيما ادعاه بعد إكمال الأربعين من عمره من رواية ملك الوحي واقرائه إياه هذا القرآن وإثباته بأنه رسول من الله لهداية قومه فسائر البشر) .
وقال الدكتور الأميركي كارلو (محمد خير طبيب، ودينه الإسلام يأمر بالوقاية قبل المرض، وقد ظهر ذلك في الصيام وفي صلاة التراويح التي يقوم بها المسلمون بعد الإفطار في كل يوم من رمضان، إذ أن لهذه العملية الرياضية فائدة كبرى في هضم الطعام) .
هذا واني لم أذكر هذه الفقرات من أقوال الأجانب التي هي قليل من كثير إلا بمناسبة ذكر الكتب الأخرى، والا فقد ذكرت قبلا أني استغنيت عن ذكر ت (٤)
стр. 49
شيء منها اكتفاء بما ذكره العلماء في المؤلفات المارة الذكر وما بعد شهادة الله المترادفة في كتبه وشهادة رسله في كتبهم على صدق محمد ورسالته شهادة، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، ومن عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد.
المطلب الثاني عشر في الوحى وكيفية نزوله ومعناه وأوله والرؤيا الصادقة ومعناها
مطلب الوحي وتفرعاته اعلم فقهك الله ان جمهور المفسرين أجمعوا على أن أول ما نزل من الوحي خمس آيات من أول سورة العلق، ولا عبرة بمن شذ عن هذا الإجماع، فقد أخرج البيهقي في الشعب عن عمر ﵁ أنه قال وتعلموا القرآن خمس آيات خمس آيات فإن جبريل كان ينزل به خمسا خمسا، واخرج ابن عساكر من طريق آخر نظيره وما بمعناه، وهذا على الغالب وإلا فقد نزل أقل وأكثر كما سنذكره علاوة عما سبق في المطلب الثامن في موضعه، وروى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ وعن أبيها قالت: أول ما بدأ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. (والرؤيا صور حسية في الخيال تذهب الآراء والأفكار في تعبيرها مذاهب شنى قلما يعرف تأويل الصادق منها غير الأنبياء كرؤيا ملك مصر التي عبرها سيدنا يوسف ﵇، ورؤيته هو في صغره وقد ظهرت بعد كما قصها الله علينا، وسيأتي بيانها مع بحث مسهب في الرؤيا في تفسير الآية ٥ من سورة يوسف وفي الآية ٣ منها فما بعدها أيضا) .
ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء يتخث (يتعبد) فيه الليالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله ويتزوّد لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها (أي تلك الليالي) حتى جاءه الوحي، وفي رواية حتى فاجاءه وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني (ضمني وعصرني، والحكمة في ذلك أن لا يشتغل بالالتفات إلى غيره ومبالغة في تصفية قلبه ولهذا كررها ثلاثا) حتي بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني
стр. 50
فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) فرجع بها رسول الله ترجف بوادره (هي اللحمات التي فوق الرغثاوين أي عروق الثدي وأسفل الشذوة أي لحم الثدي واللحمات ما بين المنكب والعنق) حتى دخل على خديجة بنت خويلد فقال: زملوني زملوني [غطوني ولفوني بالثياب] فزملوه حتى ذهب عنه الروع (الفزع) ، ثم قال لخديجة مالي؟ وأخبرها الخبر، قال: لقد خشيت على نفسي (أي الهلاك) ، قالت خديجة: كلا أبشر فو الله لا يخزيك الله (لا يذلك) أبدا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل بن أسعد بن عبد العزى عم خديجة وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت خديجة: أي ابن عم اسمع من ابن أخيك، فقال ورقة يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره ما رآه، فقال له ورقة: هذا الناموس [يعني جبريل صاحب خبر الخير يسمى بهذا لأن الله خصّه بالوحي إلى الأنبياء] الذي نزله على موسى، يا ليتني فيها [أي نبوتك] جذعا [شابا قويا] ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال ﷺ : أو مخرجي هم؟ قال نعم. لم يأت رجل قط.
بمثل ما جئت به إلا عودي، وان يدركني يومك [أي يوم يخرجك قومك عند ادعائك النبوة] أنصرك نصرا مؤزرا [قويا معززا] ثم لم يلبث ورقة أن توفي [أي قبل ظهور الدعوة] .
وفتر الوحي، زاد البخاري قال: وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي ﷺ فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا كي يتردى [أي يوقع نفسه] من رؤوس شواهق الجبال، فلما أوفى بذروة جبل كي يلقي نفسه منه تبدّى [أي ظهر عيانا] له جبريل، فقال:
يا محمد إنك رسول الله حقا، فيسكن لذلك جأشه [قلبه وما ثار من فزعه وهاج
стр. 51
من حزنه] وتقر عينه فيرجع إلى حالته الأولى أملا برجوع الوحي إليه، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك فإذا أوفي بذروة الجبل لكي يلقي نفسه تبدى له جبريل فقال مثل ذلك.
مطلب أول ما نزل من القرآن وروى البخاري ومسلم عن يحيى بن كثير قال: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن، قال: (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ) قلت يقولون (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) قال أبو سلمة: سألت جابرا عن ذلك وقلت له مثل ذلك فقال لي:
لا أحدثك إلا بما حدثنا به رسول الله قال: جاورت بحراء شهوا فلما قضيت جواري هبطت فنوديت فنظرت عن شمالي فلم أر شيئا، ونظرت خلفي فلم أر شيئا، فرفعت رأسي فرأيت شيئا، فأتيت خديجة فقلت دثروني فدثروني وصبوا علي ماء باردا [فيه أن من يفزع ينبغي أن يصب عليه الماء البارد ليسكن خوفه] فنزلت (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) وذلك قبل أن تفرض الصلاة، وفي رواية فلما قضيت جواري هبطت فاستبطنت الوادي وذكر نحوه وقال: فإذا هو قاعد على عرش في الهواء (يعني جبريل) فأخذتني رجفة شديدة [والمراد بالعرش هنا السرير والكرسي المبين في الحديث الآتي] ورويا عن جابر في رواية الزهري عن ابن سلمة ﵄ قال سمعت: رسول الله يحدث عن فترة الوحي فقال لي في حديثه: بينما أنا أمشي سمعت صوتا من السماء فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالسا على كرسي بين السماء والأرض فجئثت [بجيم مضمومة وهمزة مكسورة وتاء ساكنة وتاء مضمومة وروي بتاءين ومعناه رعبت وفزعت] منه رعبا، فقلت زملوني زملوني، فدثروه فأنزل الله :
(يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) قال ثم حمى الوحي بعده وتتابع.
واعلم ان هذين الحديثين لا يتعارضان مع حديث عائشة المتقدم ذكره بأن أول ما نزل مبادئ سورة اقرأ، لأن ما جاء في هذين الحديثين من أن أول سورة نزلت هي المدثر لا يصح، لأن قوله في الحديث الأول وهو يحدث عن فترة الوحي
стр. 52
إلى أن قال (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) يدل على تقدم الوحي على هذا الحديث. وقوله في الحديث الثاني: فإذا الملك الذي جاءني بحراء، يدل على صحة ما جاء في حديث عائشة أيضا، وان أول ما نزل هو (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) ، وقوله فيه أيضا: ثم حمي الوحي وتتابع، أي بعد ما فتر، وبعد نزول (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) نزلت (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) وبهذا يحصل الجمع والتوفيق بين الحديثين المذكورين، وحديث عائشة المتقدم هو الصواب الذي لا مرية فيه والمجمع عليه على الإطلاق، ومعنى فترة الوحي احتباسه وعدم تواليه، ومعنى حمي الوحي كثر نزوله، وحديث عائشة هذا يعد من مراسيل الصحابة لأنها لم تدرك هذه القصة فلا بد أنها سمعتها من حضرة الرسول أو من ثقات أصحابه، ومرسل الصحابي حجّة عند جميع العلماء ولا سيما السيدة عائشة التي كان ينزل الوحي في فراشها وهي مع النبي بخلاف بقية نسائه، فإنهن إذا نزل الوحي عليه وهو في فراش إحداهن انعزلت عنه، فقد روى ابو يعلى في مسنده عن عائشة قالت: أعطيت تسعا وفيه، وإن كان الوحي لينزل عليه وهو في أهله فينصرفن عنه، وإن كان لينزل عليه وأنا معه في لحافه، وبهذا يندفع التعارض باختصاص نزول الوحي في فراش عائشة، تأمل، وهذا النوع من القرآن يسمى الفراشي، كيف وهي التي شهد الله ببراءتها وحسبك بها حجة، ولم يخرج عن هذا الإجماع إلا أبو إسحاق الاسفراييني.
وإنما ابتدئ ﷺ بالرؤيا لئلا يفجأه الملك. بصريح النبوة، فلا تتحملها قواه البشرية، فبدأه بعلامتها. توطنة للوحي، وإرهاصا إلى مقدمات النبوة.
مطلب معنى الإرهاص والوحي ومأخذ الشفرة والإرهاص معناه هنا الإثبات، يقال: ارهص الشيء إذا أثبته وأسسه على طريق المجاز.
فهذه المقدمات التي تأتي الرسل من الرؤيا الصادقة والكشف والفراسة في الأمور، أي التوسم بها- راجع الآية ٧٥ من سورة الحجر في ج ٢ تجد معناها-.
وتخيل المعاني قبل وقوعها، إثبات لنزول الوحي الالهي وأساس للمنزول عليه ليقوى جنانه ويأخذ ما يتلقاه من الوحي بعزم وحزم، وليعرفه حقا انه من الله دون تطرق لشك أو ظن أو وهم. تدبر هذا.
стр. 53
واعلم أن معنى الوحي الإيماء بالتكليم خفية عن أن يفهمه الغير، وأصله الإشارة السريعة على سبيل الرمز والتعريض، وقد يكون بصوت مجرد عن التركيب وباشارة بعض الجوارح وبالكتابة، وحمل عليه قوله تعالى حكاية عن زكريا ﵇ (فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) الآية ١١ من سورة مريم الآتية ولم يتكلم، وحمل على الإيماء قول الشاعر:
نظرت إليها نظرة فتحيرت ... دقائق فكري في بديع صفاتها
فأوحى إليها الطرف أني أحبها ... فأثرّ ذاك الوحي في وجناتها
وقول الآخر:
أشارت بطرف العين خيفة أهلها ... اشارة محزون ولم تتكلم
فأيقنت أن الطرف قد قال مرحبا ... وأهلا وسهلا بالجبيب المتيم
وحمل على الاشارة قوله تعالى: (آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً) الآية ٤١ من آل عمران في ج ٣، (هذا وقد اتخذت الملوك والأمراء حروفا وكلمات بأرقام اصطلحوا عليها وعبروا عنها باسم شفره) كناية عن هذا المعنى، واستنباطا منه، منعا من أن يفهم الغير ما يتخابرون به، لأن الله تعالى علم البشر كيف يتخاطبون، وكيف يتنعمون، وكيف يعذبون ويعذبون، مما وصفه من أحوال أهل الجنة والنار، وقصه في كتابه المنزل هذا وكتبه السابقة أيضا، وجعل أوائل السور رموزا بينه وبين حبيبه، فلا يعرف معناها إلا هما كما سنبينه في مواضعه إن شاء الله، هذا وان القول الجامع في معنى وحي الله لأنبيائه، هو إعلام خفي سريع خاص بمن بوحيه اليه، بحيث يخفي عن غيره الملاحق له، كما كان يوحي اليه في فراش عائشة فيعلم ما هو المراد وهي لا تدري ما هو، وكذلك كان يوحي اليه بمحضر من أصحابه فيعي ما يتلقاه، وهم لا يعلمون شيئا منه إلا تغيّر حال الرسول عما كان عليه قبل الوحي لأنه ﵇ كان يعتريه ثقل وشدة حال نزوله حتى أنه ليعرق في الوقت البارد، من عظم ما يلاقي من هيبة كلام الرب ﷻ .
стр. 54
وانظر لما قيل:
لو يسمعون كما سمعت كلامها ... خرّوا لعزّة ركعا وسجودا
ومنه الإلهام الغريزي كالوحي إلى أم موسى، وضده الوسوسة الشيطانية، قال تعالى: (وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ) الآية ١٢١ من الأنعام في ج ٢، وقال في الآية ١١٢ منها: (يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً) ووحي الله إلى أنبيائه، قد روعي فيه المعنيان الأصليان لهذه المادة (الخفاء والسرعة) وقد يطلق على متعلقه وهو ما وقع به الموحى باسم المفعول، مما أنزل الله على أنبيائه وعرفهم من أنباء الغيب والشرائع والحكم، فمنهم من إعطاء كتابا أي تشريعا يكتب، ومنهم من لم يعطه فيكون تابعا في التشريع لكتاب من قبله كأنبياء بني إسرائيل، فإنهم كلم تابعون للتوراة ولم ينزل الكتب دفعة واحدة إلا على الذين يحسنون القراءة كموسى وداود وعيسى وغيرهم، أما الذين لا يحسنونها كمحمد ﷺ ومن قبله فإنه لم ينزل عليه كتابه دفعة واحدة بل انزل مفرقا ليعيه أولا بأول وقد جمع له الأمرين إذ أنزل جملة إلى بيت العزة تعظيما لشأنه وتفخيما للمنزل عليه ثم أنزل نجوما مفرقة كما أوضحناه في المطلب الثامن ومنه الوحي إلى الملائكة بما يأمرهم الله به، قال تعالى: (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا) الآية ١٢ من الأنفال ج ٣، ومنه أيضا الوحي إلى ملك الوحي فيما يوحيه إلى الرسول. قال تعالى: (فَأَوْحى)
الله ﷻ إِلى عَبْدِهِ)
جبريل ﵇ (ما أَوْحى)
به إلى محمد ﵊ إلى آخر الآيات فما بعدها من سورة النجم الآتية. روي عن أبي هريرة ان النبي ﷺ قال ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وانما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة متفق عليه- قال الإمام محمد عبده في رسالة التوحيد إحدى مؤلفاته القيمة بعد تعريف الوحي لغة مانصه: وقد عرفوه شرعا بأنه اعلام الله تعالى لنبي من أنبيائه بحكم شرعي ونحوه. وقال الأستاذ السيد محمد رشيد رضا في كتابه الوحي المحمدي: انه (أي الإلهام) عرفان يجده الشخص في نفسه مع اليقين بأنه من قبل الله بواسطة أو بغير واسطة.
стр. 55
مطلب الفرق بين الوحي والإلهام والأول الوحي المراد بالآية الآنفة الذكر من سورة النجم ويكون هذا الوحي بصوت يتمثل أو يسمعه منه أو يعيه بغير صوت.
والثاني الإلهام وهو وجدان تستيقنه النفس وتنساق إلى ما يطلبه من غير شعور منها من أين أتى، وهو أشبه بوجدان الجوع والعطش والحزن والسرور، وهذا الفرق بين الوحي والإلهام فيدخل في هذا التعريف أنواع الوحي الثلاثة الواردة في قوله تعالى (وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ) الآية ٥١ من سورة الشورى ج ٢. لاشتمالها عليها فالوحي هنا إلقاء المعنى في القلب ويعبر عنه بالنفث بالروع (أي النفخ الشديد بالقلب والخلد والخاطر) والكلام من وراء حجاب هو أن يسمع كلام الله من حيث لا يراه كما سمع موسى نداءه من وراء الشجرة والذي يرسل به الرسول جبريل، هو الذي بلغه الملك إلى الرسل فيرونه متمثلا بصورة رجل أو غير متمثل ويسمعه منه أو يعيه بقلبه وهذا قبل التفرقة بين الوحي والإلهام يسميه البعض الوحي النفسي أي الإلهام الفائض من استعداد النفس العالية اه بتصرف.
ثم قال وقد اشتبه بعض علماء الافرنج بنبينا ﵊ كغيره من الأنبياء. فقالوا: ان محمدا يستحيل أن يكون كاذبا فيما دعى الناس إليه من الدين القويم والشرع العادل والأدب السامي وحوّره من لا يؤتى بعالم الغيب منهم أو لا يؤتى باتصال عالم الشهادة أي لا يؤمن ولا يصدق بشيء من ذلك لأنه مادي لا يركن إلى غير المحسوس المشاهد ولا يطمئن إلا بما يعاين لأن معلوماته وأفكاره وآماله ولدت إلهاما فاض من عقله الباطن أو نفسه الخفية الروحانية العالية على مخيّلته السامية وانعكس اعتقاده على بصره فرأى الملك ماثلا له فانتقش كلامه بصدره ووقع على سمعه فوعى ما حدثه الملك به، فظهر في هذا أن الخلاف بيننا وبين الافرنج الذين لا يوقنون بعالم الغيب ولا يصدقون باتصال عالم الشهادة في كون الوحي الشرعي من خارج نفس النبي نازلا عليها من السماء كما نعتقد لا من داخلها فائضا منها كما يظنون وفي ملك روحاني مستقل نزل من عند الله عليه ﷺ كما قال : (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ، نَزَلَ
стр. 56
بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) الآيات ١٩٢ فما بعدها من الشعراء الآتية. وفي تخيل الملك بزعم وهو باطل، كما علمت بأن هذا القرآن وحي من الله تعالى، منزل من فوق السموات العلى، لا يمكن أن يكون فائضا في هذه الأرض من نفس النبي ﷺ قطعا، وذلك مبلغهم من العلم المنحوت من تصوراتهم الناشئة من عدم اعتقادهم بوجود الإله القادر على كل شىء، ومن يظلل الله فما له من هاد.
الخاتمة نسأل الله حسنها
اعلم أجارك الله وعصمك من كل مكروه، أن الإنسان دائما معرض لنزغات الشيطان ووسوسته في كل حال من أحواله الدينية والدنيوية ولذلك أمر الله عباده أن يلتجئوا إليه منه وخاصة عند الشروع في عبادته لتكون خالصة لجنابه طيبة لمقامه ولا يقبل إلا الطيب فأوحى لرسوله في جملة ما أوحى إليه (فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ) الآية ٩٨ من سورة النحل في ج ٢. وقال عز قوله (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) الآية ٢٦ من سورة فصلت ج ٢، والآية ٥٦ من سورة عاقر (إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ... فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) في ج ٢. فإذا امتثل الإنسان هذا الأمر أعاذه الله وأدخله في قوله تعالى (وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً) الآية ٤ من سورة الاسراء الآتية ومثل آية فصلت المارة الآية ١٩٩ من سورة الأعراف الآتية. فيكون المستعيذ في كنف الله ورعايته يسدده إذا مال ويقومه إذا اعوج ويؤمنه إذا خاف ويرشده إذا ضل ويؤازره إذا ذل ويكون معه في كل أحواله فينصرف بكليته إليه ويذكره خاليا عما سواه ليذكره من في السماء وذلك ما يبتغي وفيه قال:
وساعة الذكر فاعلم ثروة وغنى ... وساعة اللهو افلاس وفاقات
لأن الذاكر إذا لم يكن ذكره على تلك الصفة كان لهوا وصاحب اللهو مفلس في الأجر معرض نفسه للبلاء وفيه قلت:
стр. 57
وكذا العبادة فهي لهو أو ريا ... ما لم تحصل طاعة الخلاق
هذا وقد اختار جل العلماء صيغة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم على غيرها من صيغ التعويذ لأنها أجمعها ولموافقتها لما جاء في التنزيل كما هو مبين في الآية الأولى. ومعنى أعوذ بالله ألتجئ إلى الله وامتنع به من كل سوء إذ هو الإله الذي لا رب غيره ولا معبود سواه، المستغاث به من كل ما يخشى، والمستعان به على كل ما يراد ويخاف منه ويفزع «من الشيطان» هو كل عات طاغ من الجن والانس «الرجيم» الطريد وهو بمعنى لم الفاعل أي الذي يرجم الناس بالوسوسة وترجمه الناس باللعن وبمعنى اسم المفعول اي المرجوم بالطرد من رحمته والبعد عن خيره. فهذه الاستعاذة عبارة عن اقرار العبد بالعجز واعترافه بقدرة خالقه على دفع ما يضره وجلب ما ينفعه.
مطلب منى يكون الأمر واجبا وتذكير بعدوه الباغي الفاجر لأبينا آدم ﵇ وتهديده لذريته بالإغراء إلى اليوم الآخر وقطع بأنه لا يقدر على حفظه من إغوائه غير ذلك الرب الذي التجأ اليه من شره لعنه الله، وحكم الاستعاذة شرعا على قول جمهور العلماء أنها سنة مستحبة في الصلاة وغيرها، وقال عطاء بوجوبها للأمر بها في الآيات المارات، ولمواظبة الرسول عليها، ودليل الجمهور على سنيتها عدم تعليمها للأعرابي في جملة أعمال الصلاة، ومواظبة الرسول ﵇ لا تقتضي الوجوب على لجملة، لأنه واظب على أشياء كثيرة ليست بواجبة على أمته كتكبيرات الزوائد في العيدين والتسبيحات في الركوع والسجود وصلاة الليل وقيامه وغيرها، والأمر في القرآن قد لا يكون واجبا حتى إذا كان معلقا على فعل آخر كما في تلك الآيات لأن المعنى فيها إذا أردتم القراءة فاستعيذوا كما في قوله تعالى: (إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا) أي إذا أردتم القيام إليها لا مطلقا وإلا لوجب الوضوء دون إرادة الصلاة وليس كذلك، فالأمر الذي ينصرف للوجوب من كل وجه هو الذي لم يقيد ولم يخصص ولم يعلق على غيره كقوله تعالى (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ) أما إذا وجد الصارف عن الوجوب أو ارتبط الأمر بغيره فلا يكون واجبا في كل حال كما في آيات الاستعاذة والوضوء المارات وسيأتي تفصيله في تفسير آية الوضوء/ ٧/ من المائدة في ج ٣ وما يماثلها من السور الأخرى هذا.
стр. 58
مطلب في البسملة واختصاصها في هذه الأمة وإن أفضل أنواع البسملة وأكملها ما ذكره الله في كتابه (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) وهي بلفظها العربي هذا من خصائص هذه الأمة، لأن القول بلفظها ومعناها ينقضه، ما ذكره الله في الآية/ ٣٠/ من سورة النمل الآتية على القول بأنها أنزلت بمعناها على سيدنا سليمان ﵇. ولو كان لتداولتها الأمم قبل الإسلام، ولم يكتب الجاهليون باسمك اللهم في ابتداء كتبهم وأمورهم، ولم يستمر هذا اللفظ في بداية الإسلام.
واعلم أن ما روي من انه ﷺ ، كان يأمر بكتابة باسمك اللهم، إلى أن نزلت (بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها) الآية/ ٤١/ من سورة هود في ج ٢، فأمر بكتابة (بِسْمِ اللَّهِ) واستمر إلى أن نزلت (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ) الآية الأخيرة من سورة الإسراء الآتية، فأمر بكتابة (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ) واستمر حتى نزلت آية النمل المذكورة آنفا، فأمر بكتابة (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) لا وجه له من الصحة، لأن سورة النمل نزلت قبل سورة هود، وقبل الإسراء، اللتين فيهما (بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها) وقال (ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ) وسورة الإسراء نزلت قبل هود، فكيف يصح الاستدلال بهذا الحديث، مع ثبوت عدم نزول الآيات المذكورة على الترتيب المبين فيه (تدبر) .
ومن هذا يتضح لك أن البسملة هذه من خصائص الأمة المحمدية فقط، وقد ذكر العلماء أوجها كثيرة، في أن البسملة: هل هي آية مستقلة أو آية من الفاتحة فقط، أو في كل سورة، واستدلوا بأقوال متضاربة وأحاديث متباينة، ضربت عنها صفحا لعدم ثبوت صحتها ثبوتا يصح الاعتماد عليه.
والصحيح الذي اعتمدته هو أن البسملة آية منفردة، قد أنزلت لبيان رؤوس السور تيمنا وللفصل بينها، يؤيد هذا ما رواه الثعلبي عن أبي بردة عن أبيه قال:
(قال رسول الله ﷺ ألا أخبرك بآية لم تنزل على أحد) بعد سليمان بن داود غيري، فقلت: بلى، قال: بأي شيء تستفتح القرآن إذا افتتحت الصلاة، فقلت: (ببسم الله الرحمن الرحيم) قال: هي هي، وما روى أن النبي ﷺ قال لأبّي بن كعب:
стр. 59
ما أعظم آية في القرآن قال: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) فصدقه ﷺ في قوله، ولذلك أدخلت في بدء كل سور القرآن، عدا سورة التوبة كما سنعلم سببه فيها.
ولأن المسلمين أجمعوا على أن ما بين الدّفتين كلام الله، فلو لم تكن البسملة منه لما أدخلوها فيه، ولم تجمع الصحابة على نسخ المصاحف وتدوينها فيها، كما هي عليه الآن، وحرق ما سواها مما قيل أنه قرآن، ومنع الناس من تلاوة غيرها لتوحيد القراءة، ودفع ما يقع من الاختلاف فيها حسب لغات العرب، إلا لتجريد كلام الله عما سواه خوفا من أن يزاد فيه أو ينقص منه، ألم تر أن لفظة آمين مع كثرة الأحاديث الواردة فيها والمواظبة على قراءتها مع الفاتحة في الصلاة، وغيرها من لدن حضرة الرسول فمن بعده متواترة. لم تكتب في القرآن لأنها ليست منه، ويرد الأقوال والأحاديث الواردة بأن البسملة آية من الفاتحة أو كل سورة ما ثبت بالأدلة القطعية المتقدمة بأن أول ما نزل (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) ولم تذكر البسملة معها.
وما روي عن أبي هريرة عنه ﷺ من أن سورة الملك ثلاثون آية والكوثر ثلاث آيات والإخلاص أربع آيات فلو كانت البسملة آية منهنّ لكانت الأولى ٣١ والثانية ٤ والثالثة ٥ لأن القرآن لا يثبت إلا بتوقيف من الشارع أو بالتواتر والاستفاضة أما معناها فالاسم مشتق من السموّ أي الرفعة والعلو، يقال سمّو الأمير، ويريدون علو شأنه ورفعة قدره، والجار متعلق بفعل مقدر تقديره، أبتدئ تبركا باسم (الله) الواجب الوجود المنزه ذاته عن الكيفية والكمية، المتبرك به في جميع الأحوال ولا يطلق هذا اللفظ على غيره تعالى البتة، وتفخّم لامه بعد فتح أو ضم ما قبلها، وقيل مطلقا، ومن صفاته (الرحمن) الذي وسعت رحمته كل شيء، يرحم المؤمن والكافر والبر والفاجر ولا يجوز أن يوصف به غيره، ولا يسمى به معرف، وما قيل في مسيلمة الكذاب: وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا ...
فمن تعنته وكفره بادعائه النبوة.
وقيل الممنوع المعرف فقط فلا يجوز أن تسمي أحدا أو تصفه بالرحمن، ومن
стр. 60
صفاته (الرحيم) بالطائعين من عباده، ولهذا قالوا الرحمن أبلغ من الرحيم لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى فيرحم ويرزق باسمه الرحمن الطائع والعاصي في الدنيا والآخرة، ويرحم المؤمن والطائع باسمه الرحيم في الآخرة لاختصاصه فيها.
الحكم الشرعي في البسملة الحكم الشرعي هو انها سنة مؤكدة في الصلاة والقراءة والأكل والشرب واللبس والأخذ والعطاء وغيرها، أما في أجواء ما يخالف الشرع وسائر المنكرات فالأدب الاحتراز عن ذكر الله عند تعاطيها، قال ﵊: (كل أمر ذي بال لم يبدأ ببسم الله فهو أبتر) الحديث، أي ناقص وقليل البركة، وقد أجمع قراء المدينة والبصرة والشام وفقهاؤها بانها ليست بآية من الفاتحة ولا من غيرها كما قدمناه وبهذا أخذ أبو حنيفة ومالك استدلالا بالحديث الذي أخرجه مسلم وغيره عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (قال الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل) أي الفاتحة لأنها ثناء له ومعونة ودعاء لعباده، وقد بدأ ﷺ صلاته بالحمد لله فلو كانت البسملة منها لما تركها وبحديث انس المخرج في الصحيحين وحديث عائشة ﵄ من أنه ﷺ كان يفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين، فلو كانت البسملة آية منها لبدأ بها، وقال قراء مكة والكوفة أنها آية من الفاتحة ومن كل سورة وأخذ بها الشافعي وأحمد بن حنبل استدلالا بقول ابن عباس عند قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) الآية ٨٧ من سورة الحجر في ج ٢ بأنها أي السبع المثاني فاتحة الكتاب، قيل فاين السابعة قال هي (بسم الله الرحمن الرحيم) ، أخرجه خزيمة عنه وقوله من ترك البسملة فقد ترك مائة وثلاث عشرة آية من القرآن ولعده إياها آية من القرآن حينما سئل عنها، وبما روت أم سلمة ان النبي ﷺ قرأها أول الفاتحة في الصلاة وعدها آية من الفاتحة، وهذا كله لا يؤيد كونها آية في القرآن العظيم في كل سورة أو في الفاتحة وليس بشيء تجاه ما تقدم، لأن عدّ
стр. 61
ابن عباس البسملة آية من القرآن غير معارض لما ثبت لك ممّا مر بأنها آية مستقلة في القرآن، نزلت للفصل بين السور، كما ذكره فخر الإسلام في المبسوط، وقد أوجب كثير من العلماء قراءتها في الصلاة منهم الزيلعي في شرح الكنز والزاهدي في المجتبى وهو رواية عن ابي حنيفة.
وأما قول من تركها فقد ترك مائة وثلاث عشرة آية من القرآن فهو موقوف عليه، بل هو قول مجرد عن الدليل ولم يعرف روايه عنه، وان ما روي عن أم سلمة لم يوجد في المشهور وان حديثها هذا مروي عن أبي مليكه ولم يثبت سماعه عنها وبتقدير سماعه فرضا بسبب المعاصرة فيمكن أنها عنت به قراءة رسول الله ﷺ المروية بطرق متعددة وألفاظ متقاربة يوجد في بعضها ما لم يوجد في الاخر كما هو مسطور في روح المعاني للآلوسي ﵀ في ج ١ ص ٣٥- ٣٦ وقد ذكرت بعض منها على طريق التمثيل ولم استوعبها، وما جاء في صدر حديثها لا يعارض ما اخترناه لأن قراءته ﷺ البسملة أول الفاتحة لا يعني أنها آية منها كما أن الحديث الذي أخرجه ابن خزيمة عن ابن عباس والذي رواه الدارقطني عن أبي هريرة من قوله ﷺ إذا قرأتم (الحمد لله) فاقرؤا (بسم الله الرحمن الرحيم) فإنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها لم تعارض بما ذكرناه ولم تقابلها من حيث الصحة وقوة الرواية (تدبر) هذا وقد ذكرنا ما به الكفاية في ذلك وأسهبنا البحث في البسملة لكثرة اختلاف العلماء فيها حتى أن الإمام أبا بكر بن خزيمة صاحب الصحيح والحافظ أبا بكر الخطيب وأبا عبد الله وغيرهم أفردوا لها مؤلفا على حده.
مطلب الفرق بين الحمد والشكر وفضلهما ومتى يطلبان
واعلم أنه كما يجوز الابتداء بالبسملة يجوز الابتداء بالحمد له وهي «الحمد لله» فالحمد هو الثناء بالوصف الجميل على الفعل الاختياري وتصحيفه المدح وهو الثناء على الجميل من نعمه أو غيرها اختيارا كقولك حمدت الرجل على أنعامه وعلمه ومدحته على شجاعته
стр. 62
وحسبه واضطرارا مثل حمدك الغير على صباحة وجهه ورشاقة قده لانهما ملازمان له وكذلك مدحك اللؤلؤة على صفائها لأن الصفاء صفة ملازمة لها مدحت أو لم تمدح ويكونان باللسان فقط، بخلاف الشكر فإنه يكون باللسان والقلب واليد. قال.
افادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا
ولا يكون المدح إلا بمقابلة النعمة ونقيض الحمد والمدح الذم وهو اظهار مثالب الإنسان، ونقيض الشكر الكفران وهو نكران نعمة المنعم، ولهذا جعلوا الشكر على النعمة نعمة تحتاج للشكر ايضا وبه قال بعض العارفين:
إذا كان شكري نعمة الله نعمة ... عليّ له في مثلها يجب الشكر
فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله، وان طالت الأيام واتصل العمر، والحمد لا يكون إلا بعد الإحسان والمدح يكون قبل الإحسان وبعده. وقد وعد الله على الشكر زيادة النعمة وعلى جحودها العقوبة، فقال جل شأنه: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ، لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ، وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ) الآية ٧ من سورة ابراهيم في ج ٢، وقال ﷺ في الحث على الشكر (أشكركم لله أشكركم للناس) وقال: من لم يشكر الناس لم يشكر الله) واعلم أن أركان الحمد خمسة ١ محمود: وهو من صدرت منه النعمة، ٢ وحامد: وهو الذي يأخذها، ٣ ومحمود به: وهي الصفة التي تحلى بها المنعم كالعلم والكرم والشجاعة، ٤ ومحمود عليه: وهي نفس النعمة التي صدرت من النعم، ٥ وصيغة: وهي الجملة التي تدل على اتصاف المحمود بتلك النعمة التي حمد عليها، كقولك محمد كريم، واحمد عالم، ومحمود شجاع.
الحكم الشرعي وجوب الحمد والمدح والشكر بمقابلة النعمة، وسنّة في سائر الأوقات بحق الخلق. أما للخالق فواجب في كل حال، لتمادي نعمه على خلقه، ولأنه المستحق لجميع المحامد، أزلا وابدا، وبما أن هذا البحث من الاستعاذة إلى هنا، قد يأتي مكررا في القرآن العظيم، فلا نتكلم بشأنه فيما بعد اكتفاء بتفسيره هنا.
هذا، وقد آن لنا أن نشرع في المقصود ومن الله التوفيق، وبيده أزمة التحقيق، فأقول متلبسا بلطف الله وعطفه.
стр. 63
مطلب إعاذة الله فى إصلاح الكون
لما كان مراد الله تعالى من خلق خلقه عبادته والاعتراف بوحدانيته ليس إلا لقوله عز قوله (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) الآية ٥٦ من الذاريات في ج ٢، وكانت المخلوقات الأرضية بأسرها عدا من اختصه الله شريرة بالطبع، بحيث لو تركت وشأنها، لأكل القوي الضعيف، واسترق الوضيع الشريف، واستخدم الغني الفقير، وذل التقي واعتز الشرير، وطأطأ العاقل، وتطاول الجاهل، ولم يقف عند هذا الحد، بل لساقه بغية لمناوأة بإرثه، ولقضت له أنفته لقتال مرشده كفرعون وهامان ونمرود ومن تقدمهم من أهل إرم وعاد وثمود، ولنهض به طغيانه إلى عبادة غير خالقه من الأصنام والأوثان والملائكة والكواكب والنار والحيوان، وقد جرت عادة الله تعالى في كونه، انه كلما فسد ما فيه من الخلق المكلف بعبادته، أرسل إليه من يرشده ويصلحه رحمة به وإبقاء لبقائه حتى استكمال أجله المقدر له في علمه عند خلقه. وقدّر له الرقي والفوز في ملكوته ليسير في ملكه وليعلم أهم قادرون بقدرته على استخراج ما أودعه فيه، فيرفعه هذا المرشد من مستوى الرذيلة إلى علو مراتب الفضيلة، حتى إذا أصرّ على عناده هبط به إلى حضيض الخسة وأهلكه بعذاب لا مرد له منه، قال تعالى (حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا) الآية ٢٤ من سورة يونس ج ٢. وقد اطّردت عادة جل هذا البشر أن لا يتعظ بالآيات ولا يتأثر بالمعجزات وينسى ما أوقعه الله بالكافرين أمثاله من عذاب الاستئصال،
وما سمي الإنسان إلا ... لنسيه ولا القلب إلا انه يتقلب
ولكن الله تعالى بالمرصاد للمعاندين أشباههم وانه مهما أمهل لا يهمل وما كان ولن يكون غافلا عن الظالمين ولا ناسيا مكايدهم، وقد طفح قدح الخلق في القرن السادس من ميلاد المسيح ﵇ بأنواع البغي والطغيان والعمل القبيح وأعرضوا عما جاءهم به ابن عمران وكفروا بالسيد المسيح وعكفوا على اللذائذ والشهوات ولم يبالوا بما اقترفوه من الفواحش والجنايات حتى استحلوا المحارم وتكالبوا على المظالم، ونبذوا كتب أنبيائهم ظهريا، ولم يخشوا لومة لائم، وتخبط العرب
стр. 64
في جاهلية جهلاء وأعرضوا عن خالق الأرض والسماء وقصد ابرهة هدم البيت الحرام صار الكون بحاجة ماسة إلى من ينقذه من ورطته وبوقظه من رقدته وبينما هم كذلك لا يدرون ما وراء ذلك حصل أمر عظيم.
مطلب ولادة محمد ﷺ
ولد محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم عام الفيل ٢٩ أغسطس سنة ٥٧٠ من ميلاد عيسى بن مريم ﵇ وقيل في ٢٠ نيسان سنة ٥٧٠ والأول أكثر حجة كما في الصفحة ١١٨ من مقدمة الأستاذ فريد وجدي المسماة صفوة القرآن، وفي ترجيح لقول الأخير نظر إلى ولادته في ربيع ونيسان من أشهره، ولكن هذا غير مطرّد في نكاح صحيح ونسب طاهر. وظهر لولادته خوارق وغرائب وعلامات، منها رسال الأبابيل على أبرهة المذكور وحماية بيته منه، وإخماد نار فارس، وانصداع ديوان كسرى، ونضوب ماء عين ساوة، عدا ما رأته أمه من الكرامات في حمله وولادته، وما رأته مرضعته مدة رضاعه وغيرها، مما لا محل لذكره هنا، وقد نشأ نشأة تبرهن للعالم أجمع بأنه ﷺ هو المختار لإصلاح هذا الكون وأهله والمجدد لعصور الأنبياء بالإرشاد، ونشل العالم من كبوته، وقد ترعرع بين قومه فأحبوه وعظموه ونسبوا إليه كل فضل حتى انهم لقبوه بالأمين، وقد أراه الله من الإرهاصات الدالة على نبوّته عيانا، وأراه الرؤيا الصادقة تبيانا، وصار يتعبد بما يلهمه ربه وحبب إليه الخلاء، فاعتزل قومه إلى غار حراء كارها ما هم عليه من عبادة الأوثان وغيرها من العادات القبيحة الجاهلية، ومن هنا نشأت عداوة قومه له ولم يزل حتى شرفه الله بالنبوة والرسالة وأنعم عليه بالقرآن المجيد، وأول ما بدىء به بعد ما رأى من مقدمات الوحي الرؤيا الصادقة مدة ستة أشهر في مطلع سنة ٤٦ من ميلاده الشريف أوائل سورة (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) كما تقدم، ولذلك قال ﷺ الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة. لأن مدة الوحي ثلاث وعشرون سنة تقريبا فتكون الستة أشهر جزءا. منها، وكان مبدأ النزول في غار حراء يوم الجمعة في ١٧ رمضان من ميلاده الموافق سنة ٦١٠ من ميلاد عيسى عليهما الصلاة والسلام، ولذلك ابتدأت هذا الكتاب في تفسير سورة العلق التي أولها تلك الآيات الخمس النازلة عليه جريا على ما ذكرناه في مقدمة الكتاب والله الهادي إلى سواء السبيل وهو حسبي ونعم الوكيل.
ت (٥)
стр. 65
تفسير سورة العلق وتسمى سورة التعليم و (اقرأ) أيضا
عدد ١ (نزولا) - ٩٦ (في ترتيب المصحف) وهي تسع عشرة آية واثنتان وسبعون كلمة ومائتان وثمانون حرفا لا ناسخ ولا منسوخ فيها ولا يوجد في القرآن سورة بدئت أو ختمت بما بدئت أو ختمت به، وقد نزلت في غار حراء بمكة يوم الجمعة في ١٧ رمضان سنة ٤١ أو ٢٧ رمضان سنة ٤١ من ميلاده ﷺ ومثلها في عدد آياتها سورتا الأعلى والانفطار.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال تعالى: «اقْرَأْ» يا محمد ما أوحيته إليك على لسان رسولي جبريل من القرآن الذي أردنا إنزاله عليك لتتلوه على أمتك، مبتدأ «بِاسْمِ رَبِّكَ» الذي رباك وأنعم عليك به واختارك لإرشاد عباده، وهذا أول أمر أمره به ربه بأن يذكر اسمه تيمّنا به ثم يقرأ ما يوحيه إليه تأدبا لحضرته الكريمة وتعريفا لعنوان الربوبية المنبئة عن حال التربية والتبليغ إلى الكمال اللائق به شيئا فشيئا، وبإضافة الضمير إليه تعالى اشعار بتبليغه ﵇ الغاية القصوى من الكمالات البشرية بإنزال هذا القرآن عليه، ثم وصف ذاته جلت وعظمت بقوله «الَّذِي خَلَقَ ١» كل شيء وبدأ خلقه من لا شيء وصور جميع خلقه على غير مثال سابق باسمه البديع الذي «خَلَقَ الْإِنْسانَ» الذي هو أشرف المخلوقات وأبدع المصنوعات الذي منه تقتبس المكونات البشرية وبه تقوم المكونات الإلهية، قال علي كرّم الله وجهه:
دواؤك فيك ولا تشعر ... وداؤك منك ولا تبصر
وتزعم أنك جرم صغير ... وفيك انطوى العالم الأكبر
стр. 66
مطلب معنى العلق وفضل الإنسان
هذا وان الله تعالى يعلّم خلقه بأن هذا المخلوق العظيم خلقه «مِنْ عَلَقٍ ٢» يريد بذلك بني آدم كلهم، أما آدم ﵇ فقد خلقه من تراب لأن العلق هو الدم الذي تجمد عن ولوج الحيوان الذي يطلق عليه لفظ علق أيضا، وهذا بيان لكمال قدرته بإظهار ما بين حالتي الإنسان الأولى والأخرى من التباين. وقد ذكّر الله نبيه بأول نعمة فائضة عليه منه وهي الخلق لأنه أقدم الدلائل الدالة على وجوده، وجاء علق بلفظ الجمع لان (أل) فيه للاستغراق لتشمل جميع أفراد الإنسان. هذا ومن فسر الإنسان بآدم قال إن أل فيه للجنس الصادق بالواحد والقدر، وعليه يكون المعنى أصل الإنسان وجنسه آدم ﵇، وليس بشيء، لأن الله تعالى صرح في كتابه بآيات متعددة بأنه خلقه من الطين ومن التراب هذا. وفي قوله اقرأ إشارة إلى أنه تعالى خلق الإنسان للقراءة كما خلقه للعبادة لأنه ذكر الخلق بعد الأمر بالقراءة كما في قوله جل قوله (خَلَقَ الْإِنْسانَ) الآية ٤ من سورة الرحمن في ج ٣ بعد قوله (الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ) تنبيه لهذا، وانظر لقوله عز قوله (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) الآية ٥٦ من الذاريات في ج ٢ وذلك لأن القراءة أصل العبادة كيف لا وفيها البعد عن الجهل المفني للأمم، وما فازت أمة إلا بقدر علومها ومعارفها الدينية والدنيوية، ولهذا كرر تعالى الأمر لحبيبه بقوله «اقْرَأْ» لنفسك ولغيرك فتعلّم وعلّم، ثم مهد له جل شأنه ما بينه من العذر إلى جبريل ﵇ حين ضمّه وقال له اقرأ فقال ما أنا بقارئ على النحو المار ذكره في المطلب الثاني عشر، وازاحه عنه بقوله «وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ٣» الذي لا يوازيه كريم، الذي منّ عليك بالرسالة من غير طلب، يمنّ عليك بالقراءة من غير تعليم، كيف لا وهو «الَّذِي عَلَّمَ» بفضله وكرمه وعطفه ولطفه أنواع العلوم وفهّم القارئ الكتابة «بِالْقَلَمِ ٤» لمعرفة الأمور الغائبة وحفظ الحاضرة والمستقبلة وضبطها وتدوينها، واثبات علوم الأولين وسيرهم والاطلاع على منافعها
стр. 67
لئلا يتطرق إليها الضياع والنّسيان، إذ لو بقيت في الصدور دون تدوين لنسيت وضاعت الفائدة منها، والكريم هو الذي يعطي لا لغرض ولا لعوض وهو الله الذي «عَلَّمَ الْإِنْسانَ» انواع العلوم وهداه إلى معرفة الحقائق الكلية والجزئية الجلية والخفية «ما لَمْ يَعْلَمْ ٥» من المكونات الأرضية والسماوية مما لم يخطر بباله ولا يتصوره بخياله، فقد علّم آدم الأسماء كلها كما سيأتي في الآية ٣٠ من سورة البقرة في ج ٣، وعلم محمدا علوم الأولين والآخرين مع انه أمي، وفيه دلالة على كمال كرمه جلّ كرمه بأنه علم عباده مالا تحيط به عقولهم عفوا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم.
مطلب ما رثي نوما لا بعد قرآنا، وأصل الكتابة بفوائدها:
انتهت الآيات الخمس التي نزلت دفعة واحدة أول الوحي فينبغي لمن يريد حفظ القرآن أن يحفظه خمسا خمسا فهو أعون على حفظه كله لأن الرسول قد حفظها حال نزولها، وما قاله بعض المفسرين من أنه تلقى هذه الآيات الخمس من الملك في سنة من النوم ثم تلقاها يقظة لا طائل تحته ولا قيمة له بل ولا صحة له، والحديث في هذا رواه الطبراني عن ابن الزبير موقوفا وهو يقابل ما جاء في الصحيحين على فرض صحته لأن الصحيح ما جاء في الصحيحين بأنه تلقاها حال اليقظة نهارا كما أثبتناه آنفا في المطلب الثاني عشر، لأن ما يراه الرسول في النوم لا يسمى قرآنا، وسيأتي لهذا البحث صلة في تفسير سورة الكوثر الآتية فراجعها. قال قتاده: لولا القلم لم يقم دين ولم يصلح عبش لأن الكلام عبارة عن هواء فإذا لم يقيد ضاع، وفيه قيل:
العلم صيد والكتابة قيده ... قيد صيودك بالحبال الموثقه
وليعلم أنه لو لم يكن على دقيق حكمته تعالى ولطيف تدبيره دليل إلا القلم والخط به لكفى، قالوا الكتابة قديمة في غير العرب وأول من نقلها من الحيرة إلى الحجاز حرب بن أمية أخذها من أسلم بن زيد، وأخذها أسلم من مرار بن مرّة،
стр. 68
فقد أخرج بن الأنباري في كتاب الكلمة عن عبد الله بن فروخ قال: قلت لابن عباس يا معشر قريش أخبروني عن هذا الكتاب العربي هل كنتم تكتبونه قبل أن يبعث الله فيكم محمدا تجمعون منه ما اجتمع وتفرقون منه ما افترق مثل الألف واللام والنون؟ قال نعم، قلت ممن أخذتموه؟ قال من حرب بن أمية، قلت وممن أخذه حرب؟ قال من عبد الله بن جدعان، قلت وممن أخذه عبد الله بن جدعان؟
قال من أهل الأنبار، قلت وممن أخذه أهل الأنبار؟ قال من طارئ طرأ عليهم من أهل اليمن، قلت وممن أخذه ذلك الطارئ؟ قال من الخلّجان بن القسم كاتب الوحي لنبي الله هود ﵇ وهو الذي يقول:
أفي كل عام سنة تحدثونها ... ورأي على غير الطريق يعيّر
وللموت خير من حياة تسيئنا ... بها جرهم فيمن يسبّ وحمير
هذا وأول من اشتهر بالكتابة من الأصحاب أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ﵃.
واعلم ان أصول كتابات الأمم اثنا عشر: ١- السريانية، ٢- العبرانية، ٣- الحميرية، ٤- الفارسية، ٥- اليونانية، ٦- الرومية، ٧- القبطية، ٨- البربرية، ٩- بالهندية، ١٠- الأندلسية، ١١- الصينية، ١٢- العربية، ولها فروع كثيرة، هذا، وبعد هذه الآيات الخمس بتسع سنين وعشرة أشهر نزل قوله تعالى ردّا لغلو أبي جهل وتمرده وبغيه «كلآ» حقا «إِنَّ الْإِنْسانَ» جنسه إذا تكاثرت. عليه النعم «ليطغى ٦» على غيره ويستكبر ويتجاوز الحد في المعاصي واتباع الهوى ولا يشكرها «أَنْ رَآهُ» أي ان راى نفسه «استغنى ٧» وكثر ماله وولده فيأنف ويترفّع على غيره في المأكل والمشرب والملبس والركب والمسكن والترف وكان نزولها وما بعدها لآخر السورة بعد فرض الصلاة، بدليل النهي فيها عنها، وقد ألحقت بالآيات الخمس الأول على الصورة التي ذكرناها في مطلب جمع القرآن فراجعها.
стр. 69
مطلب سبب عدم انفراد الآيات عن سورها:
وهكذا فإنا نشير إلى الآيات التي لم تنزل مع سورها ونبين محالها، لأنا إذا أفردناها على حدة يتبعض نظام القرآن وهو منزه عن التبعيض ويتغير نسق السور وهو منهي عنه شرعا لأن ترتيبه توقيفي كما بيناه هناك، ولهذا السبب لم نفرد الآيات التي نزلت منفردة عن سورها بل نثبتها في سورها ونكتفي بإلماع إليها، هذا وان الصلاة فرضت ليلة الإسراء في ٢٧ رجب سنة ٥١ من ميلاده الشريف في السنة العاشرة من البعثة قبل الهجرة بثلاث سنين. وسبب نزولها في أبي جهل أنه كان قبل بعثة الرسول فقيرا ثم أصاب مالا كثيرا، فزاد في عناده وتجبره، وفي معتاده كله، فوبخه الله تعالى في هذه الآية، ونبهه بأن يشكر نعمته ويعمل لآخرته، لأن ما يعمله للدنيا فان والعاقل من يعمل لآخرته، لأن الله تعالى يقول: «إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى ٨»
في العقبى الباقية، وهناك ترى أنت وغيرك عاقبة الأمر.
وفيها تهديد وتحذير من القهور والبغي، وتنبيه بأن النعم يجب أن تقابل بالتواضع والشكر طلبا لدوامها وتأدية لحق المنعم بها، قال تعالى: تعجبا أي يعجب الله الناس من حال أبي جهل «أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى ٩ عَبْداً» نون للتنكير تعظيما له، لأن المراد به حضرة الرسول «إِذا صَلَّى ١٠» لربه، أخبرنا أيها العاقل هل يفعل ذلك أحد؟ لأن الرؤية إذا كانت للعلم أجرى الاستفهام عنها مجرى الاستخبار عن متعلقها سواء كانت بصرية أو قلبية، قال محمد بن أحمد الجزي في تفسيره التسهيل: إن فعل أراه للعلم، بدليل عمل الفعل بالفجر لأن فعل أراه للخير، لا يعمل بضمير المتكلم وهو كذلك، وتقدير الجواب، ألم يعلم بأن الله يطلع عليه فيعاقبه، لأن المنهي على رشد وهدى من ربه،
ولهذا قال جل قوله: «أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى ١١» ، فهل له أن يمنعه من ذلك؟ أما يخشى عقاب الله «أو» يزعم هذا الخبيث أنه «أَمَرَ بِالتَّقْوى ١٢» التي أساسها التوحيد والإخلاص، وملاكها الخوف والرجاء، وهي الجامعة لكل خير، المانعة من كل شر. كلا. بل أمر فيما
стр. 70
يأمر به من عبادة الأوثان وانكار البعث كما يعتقد «أَرَأَيْتَ» يا سيد الرسل «إِنْ كَذَّبَ» هذا الناهي بما أنزل عليك «وَتَوَلَّى ١٣» عن الإيمان بك وبربك، أخبرني يا حبيبي هل كان أو يكون أعجب من هذا، وأقل عقلا، «أَلَمْ يَعْلَمْ» هذا المكذب «بِأَنَّ اللَّهَ يَرى ١٢» طغيانه، وانه قادر على أخذه حالا فيجازيه أو يمهله فيعاقبه في الآخرة على اجترائه هذا.
واعلم أن حكم هذه الآيات عام، وأن ما فيها من الوعيد يتناول كل من ينهى عن شيء من العبادات والأعمال الصالحة. ولا يلزم منها منع المولى عبده، والرجل زوجته عن قيام الليل وصوم التطوع والاعتكاف وصلاة الجمعة، لأن ذلك استيفاء لمصلحة السيد والزوج. ولا يلزم ايضا جواز المنع من الصلاة في الأرض المغصوبة وعلى الثوب المغصوب لعموم اللفظ لا لخصوص السبب. روى البخاري عن ابن عباس قال: قال أبو جهل لئن رأيت محمدا يصلي عند البيت لأطان على عنقه، فبلغ ذلك رسول الله فقال: لو فعل لأخذته الملائكة، زاد الترمذي عيانا. وروى مسلم عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ فقيل نعم، قال:
واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن رقبته أو لأعفرن وجهه في التراب، قال: فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي ليطأ على رقبته، قال: فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبه ويتقي بيديه، فقيل له مالك؟ قال: ان بيني وبينه خندقا من نار وهولا وأجنحة! فقال ﷺ : لو دنا لا ختطفته الملائكة عضوا عضوا. وأنزل الله الآيات من كلّا إلى آخر السورة. هذا، وقول الحسن إن المنهي سلمان الفارسي والناهي أمية بن خلف، لا يصح، لأن سلمان أسلم في المدينة بعد الهجرة بلا خلاف، وهذة الآيات نزلت بمكة بلا خلاف أيضا، وما قيل إن الصلاة المنهي عنها كانت بجماعة، وكان أبو بكر وعلي يصليان مع النبي ﷺ ، وإن أبا طالب قال لابنه جعفر: صل جناح ابن عمك بعيد عن الثبوت أيضا، لأن أبا طالب مات في السنة العاشرة من البعثة، وتلته خديجة بعد ثلاثة أيام قبل فرض الصلاة وقبل وقوع الإسراء، وقد فرضت الصلاة كما مر آنفا، ولو كان أبو طالب حيا لما تجرا أبو جهل
стр. 71
على ما تكلم به، لأنه ﷺ لم ير الجفاء من قومه إلا بعد موته، قال تعالى:
«كلّا» لا يعلم أبو جهل رؤية الله لعمله القبيح الذي يقوم به عنادا وعتوا وتكذيبا لحضرة الرسول، وعزتي وجلالي «لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ» عن إيذاء الرسول ولم يرجع عما هو عليه «لَنَسْفَعاً» لناخذنّه ونجذبه «بِالنَّاصِيَةِ ١٥» ونقذفنه بالنار والسفع أخذ الشيء وجذبه بشدّة وكتب نسفعا بالألف اعتبارا بحال الوقف، ويجوز في غير القرآن كتابته بالنون كسائر الأفعال المتصل بها نون التوكيد الخفيفة وعليه قوله:
يحسب الجاهل ما لم يعلما ... شيخا على كرسيه معمّما
فلم تكتب بالنون للروى، والروى كحال الوقف. والسفع والصفع الضرب على الرقبة، واللطم الضرب على الوجه، واللكم الضرب بمجموع اليد ومثله الوكز، راجع الآية ١٥ من سورة القصص الآتية «ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ ١٦» أي صاحبها موصوف بهذه الصفات الخسيسة، ويشمل هذا كل من يعمل عمل أبي جهل، قال ابن عباس: لما نهى أبو جهل حضرة الرسول عن الصلاة انتهره، فقال: أتنهرني والله لأملأن عليك هذا الوادي خيلا جردا ورجالا مردا وإنك لتعلم ما بها ناد أكثر مني. فأنزل الله جل شأنه ما به يتحداه فقال: «فَلْيَدْعُ نادِيَهُ ١٧» اي أهل ناديه من اطلاق المحل وإرادة الحال فيه مثل «وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ» الآية ٨٢ من سورة يوسف في ج ٢، أي فليدع أهله وعشيرته ومن يضمه مجلسه.
مطلب معرفة بعض الألفاظ.
واعلم أن المجلس لا يسمى مجلسا إلا وفيه ناس وإلا فهو بيت، كما لا تسمى المائدة مائدة إلا وعليها الطعام وإلا فهي خوان، والكأس لا تسمى كأسا إلا وفيها الشراب وإلا فهي زجاجة، والقلم لا يسمى قلما إلا وهو مبري وإلا فهو قصبة، هذا، ويطلق الأخذ بالناصية على الأخذ بمقدم شعر الرأس، قال عمرو بن معديكرب:
قوم إذا كثر الصياح رأيتهم ... ما بين ملجم مهره أو سافع
стр. 72
ثم هدده بقوله: «سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ ١٨» إذا دعوت قومك، ومن في ناديك على رسولنا. والزبانية الملائكة الغلاظ الشداد، الموكلون بدفع أهل النار، وسيأتي وصفهم في تفسير الآية ٣٠ من سورة المدثر، والآية ٢٣ من سورة التكوير الآتيتين، والآية ٧ من سورة التحريم في ج ٣) فيدفعونك معهم ويزجونك في النار، والزّبن الدفع بشدة اهانة للمدفوع، إذ لا يتركونهم يدخلون على هينتهم، وهو لفظ خاص بالأعوان: كالشرطة والدرك والحوذية وما شابههم، ويطلق على كل من اشتد بطشه وإن لم يكن من أعوان السلطان والولاة وفيه قيل:
مطاعم في القصوى مطاعين في الوغى ... زبانية غلب عظام حلومها
وقال جرير:
لهم مجلس مهب السبال ادلة ... سواسية امراؤها وعبيدها
وقال زهير:
وفيهم مقامات حسان وجوههم ... وأندية ينتابها القول والفعل
وقال ابن عباس: والله لو دعا ناديه لأخذته زبانية الله، أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، ثم كرر الله عليه الردع والزجر بقوله: «كلا» تحقيرا لشأنه، وتثبيتا وتأييدا لنبيه المخاطب بقوله عز قوله: «لا تُطِعْهُ» في ترك الصلاة ولا تلتفت إلى ما تفوّه به، ودم على ما أنت عليه من العبادة، فإنا حافظوك منه وكافوك شره وناصروك عليه، «وَاسْجُدْ» لعظمتي وكبريائي يا حبيبي «وَاقْتَرِبْ ١٩» من جلالي وبهائي بكثرة الصلاة ذات الركوع والسجود، ولا تكترث بذلك الخبيث واستمر على خلافه.
مطلب الحكم الشرعي في سجود التلاوة الحكم الشرعي: وجوب السجود عند تلاوة كل سجدة من سجدات القرآن الأربع عشرة فورا امتثالا لأمر الله، ويسن عند تلاوة آية السجدة آخر سورة الحج في ج ٣ خروجا من الخلاف، وتجب على السامع ولو من وراء جدار ولو بسماعها
стр. 73
من المذياع «الراديو» لأن المسموع منه- معين لا يكون بتسجيلا- صوت القارئ نفسه لا صداه، ولذلك لا يجب لسماعها من الصندوق «فوتو غراف» لأنه صدى الصوت نفسه كما يسمع من الدار والجبل كما أوضحه الفقهاء. وهي سجدة واحدة يسبح فيها تسبيحات سجود الصلاة ويسن أن يزيد عليها (سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته، اللهم اكتب لي بها أجرا، وضع عني بها وزرا، واجعلها لي عندك ذخرا، وتقبلها مني كما تقبلتها من نبيك داود ﵇ .
وإذا كان عند التلاوة أو السماع غير متوضئ فليقل «سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ» ، الآية ٢٨٥ من البقرة ج ٣، ثم يقضيها بعد، فإذا سمعها وهو في الصلاة نواها في ركوعه أو سجوده. روى مسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا من الدعاء، أي في السجود، وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال: سجدنا مع رسول الله ﷺ في (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) و (إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ) ، وجاء في صحيح مسلم من حديث لثوبان مرفوعا: عليك بكثرة السجود، فإنه لا تسجد لله سجدة إلا ورفعك بها درجة وحط عنك بها خطيئة. ولهذا البحث صلة في سجدة سورة مريم الآتية. واعلم انه إذا لم يرد بالصلاة هذه المبينة في الآية ١٧ المارة الصلاة المفروضة على فرض نزول هذه الآية قبل فرض الصلاة على النبي وأمته فيكون المراد بها في هذه الآية وما بعدها من السور الآتية إلى نزول سورة الإسراء صلاة الركعتين التي فرضها الله تعالى عليه خاصة وتابعه بعض من أسلم معه عليها تطوعا، إلا أن القول المعتمد ان المراد بها الصلاة المفروضة على القول بأنها نزلت بعد فرض الصلاة كما علمت مما ذكرناه آنفا وقول القائل يتجه في غير هذه الآية من الآيات الأخر الوارد فيها لفظ الصلاة النازلة قبل فرضها اتفاقا. هذا، والله أعلم. واستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 74
تفسير سورة القلم عدد ٢- ٦٨ وتسمى سورة نون
نزلت بمكة بعد سورة العلق عدا الآيات من ١٧ الى ٣٣ و ٤٨ الى ٥٠ فإنها نزلت بالمدينة، وهي اثنتان وخمسون آية وثلاثمائة كلمة، والف ومائتان وستة وخمسون حرفا.
ولا يوجد في القرآن سورة مبدوءة بما بدأت به. لا ناسخ ولا منسوخ فيها. ومثلها في عدد الآي (الحاقة) (وابراهيم) فقط.
بسم الله الرحمن الرحيم «ن» هو حرف من حروف الهجاء المعجمة والله أعلم بمراده فيه وقد ذكرنا ما يتعلق فيه في بحث الإرهاص في المطلب الثاني عشر المار وسنبحث في المراد منه على ما يتوصل إليه عقل البشر في سورة ق الآتية إذ لا يوجد في القرآن غير هاتين السورتين سورة بدئت بحرف معجم واسم للحوت الذي بلع سيدنا يونس ﵇ ولهذا سمي ذا النون، ويأتي بمعنى الدواة قال الشاعر:
إذا ما الشوق برّح بي إليهم ... الفت النون بالدمع السجام
وقال ابن عباس هو حرف من حروف الرحمن وأول أسماء الله نافع وناصر ونصير واسم للسورة. ويوقف عليه بالقراءة ومع السكون ويجوز إدغامها بواو.
مطلب في القلم وما جرى به وأحاديث قيمة «وَالْقَلَمِ» الذي كتب الذكر في اللوح المحفوظ والله أعلم بصفته ولا داعي لبيانه. قيل أول ما خلق الله القلم فنظر اليه فانشق لهيبته نصفين ثم قال له اجر بما هو كائن إلى يوم القيامة فجرى بذلك على اللوح. والناس يجرون على أمر قد فرغ منه.
وروي عن عبد الله بن عباس قال: كنت خلف النبي ﷺ يوما فقال يا غلام إني أعلمك كلمات (وفي رواية مسلم زيادة ينفعك الله بهن) : احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم ان الأمة لو اجتمعت
стр. 75
على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف. وفي رواية: احفظ الله تجده أمامك تعرف إلى الله بالرخاء يعرفك بالشدة واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك واعلم أن النصر مع الصبر وان الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا. ولهذا البحث صلة في الآية ١٧ من سورة الأنعام ج ٢.
وفي الآية ٤١ من سورة الرعد ج ٣. فراجعها. وبعد أن ابتدأ جل ثناؤه في هذه السورة بهذا الحرف الذي هو رمز بينه وبين حبيبه أقسم فقال «وَالْقَلَمِ» الجاري بما كان وما يكون «وَما» وأقسم ايضا بالذي «يَسْطُرُونَ ١» أي تسطره، حفظته من أعمال الخلق ويدونونه بكتبهم، أو باللوح الذي سطرت عليه أعمالهم إذا كان الضمير عائدا إلى القلم وجمع الضمير تعظيما لشأنه وعبر عنه بضمير العقلاء لقيامه مقامهم ولذا جعله فاعلا «ما أنت» يا أكمل الرسل «بِنِعْمَةِ رَبِّكَ» التي منّ بها عليك وهي النبوة والرسالة «بِمَجْنُونٍ ٢» بطائش كما يزعم جهلة قومك فاشكر هذه النعمة ولا تكدر جنانك بما يقولون وعاملهم بما أنت عليه، وهذه الجملة جواب القسم وفيها تنبيه على كذب قومه فيما رموه به من الجنّة لأنهم لا يعقلون ان من أكرمه الله بالنبوة لا يكون إلا كاملا في جميع الأوصاف فكيف يكون مجنونا «وَإِنَّ لَكَ» عندنا «لأجرا» عظيما لا يقدر البشر قدره «غَيْرَ مَمْنُونٍ ٣» به عليك والمنة لا تكدره كامل غير منقوص دائم غير مقطوع وقد زيدت اللام في (لأجرا) تأكيدا بتحققه كما زيدت الباء في (بمجنون) تأكيدا للنفي أي فاستمر على تحمل أذاهم وجفاهم واصبر على طعنهم وتحقيرهم واجر على الحق الذي أنت عليه ولا يمنعك ما يفترون به عليك من جراء تبليغ الرسالة لأنه كذب محض وافتراء ومنشؤه الحسد على ما منّ به عليك ربك دونهم «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ٤» لا أعظم منه بدليل التنكير والوصف يسع جهلهم وغيرهم وهو خير ما أوتي الرجل، لأن حسن الخلق جامع لمحاسن الأفعال، قالت عائشة ﵂ وعن أبيها: ما كان
следующие страницы →