Полный текст (3 362 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
على ما تكلم به، لأنه ﷺ لم ير الجفاء من قومه إلا بعد موته، قال تعالى:
«كلّا» لا يعلم أبو جهل رؤية الله لعمله القبيح الذي يقوم به عنادا وعتوا وتكذيبا لحضرة الرسول، وعزتي وجلالي «لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ» عن إيذاء الرسول ولم يرجع عما هو عليه «لَنَسْفَعاً» لناخذنّه ونجذبه «بِالنَّاصِيَةِ ١٥» ونقذفنه بالنار والسفع أخذ الشيء وجذبه بشدّة وكتب نسفعا بالألف اعتبارا بحال الوقف، ويجوز في غير القرآن كتابته بالنون كسائر الأفعال المتصل بها نون التوكيد الخفيفة وعليه قوله:
يحسب الجاهل ما لم يعلما ... شيخا على كرسيه معمّما
فلم تكتب بالنون للروى، والروى كحال الوقف. والسفع والصفع الضرب على الرقبة، واللطم الضرب على الوجه، واللكم الضرب بمجموع اليد ومثله الوكز، راجع الآية ١٥ من سورة القصص الآتية «ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ ١٦» أي صاحبها موصوف بهذه الصفات الخسيسة، ويشمل هذا كل من يعمل عمل أبي جهل، قال ابن عباس: لما نهى أبو جهل حضرة الرسول عن الصلاة انتهره، فقال: أتنهرني والله لأملأن عليك هذا الوادي خيلا جردا ورجالا مردا وإنك لتعلم ما بها ناد أكثر مني. فأنزل الله جل شأنه ما به يتحداه فقال: «فَلْيَدْعُ نادِيَهُ ١٧» اي أهل ناديه من اطلاق المحل وإرادة الحال فيه مثل «وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ» الآية ٨٢ من سورة يوسف في ج ٢، أي فليدع أهله وعشيرته ومن يضمه مجلسه.
مطلب معرفة بعض الألفاظ.
واعلم أن المجلس لا يسمى مجلسا إلا وفيه ناس وإلا فهو بيت، كما لا تسمى المائدة مائدة إلا وعليها الطعام وإلا فهي خوان، والكأس لا تسمى كأسا إلا وفيها الشراب وإلا فهي زجاجة، والقلم لا يسمى قلما إلا وهو مبري وإلا فهو قصبة، هذا، ويطلق الأخذ بالناصية على الأخذ بمقدم شعر الرأس، قال عمرو بن معديكرب:
قوم إذا كثر الصياح رأيتهم ... ما بين ملجم مهره أو سافع
стр. 72
ثم هدده بقوله: «سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ ١٨» إذا دعوت قومك، ومن في ناديك على رسولنا. والزبانية الملائكة الغلاظ الشداد، الموكلون بدفع أهل النار، وسيأتي وصفهم في تفسير الآية ٣٠ من سورة المدثر، والآية ٢٣ من سورة التكوير الآتيتين، والآية ٧ من سورة التحريم في ج ٣) فيدفعونك معهم ويزجونك في النار، والزّبن الدفع بشدة اهانة للمدفوع، إذ لا يتركونهم يدخلون على هينتهم، وهو لفظ خاص بالأعوان: كالشرطة والدرك والحوذية وما شابههم، ويطلق على كل من اشتد بطشه وإن لم يكن من أعوان السلطان والولاة وفيه قيل:
مطاعم في القصوى مطاعين في الوغى ... زبانية غلب عظام حلومها
وقال جرير:
لهم مجلس مهب السبال ادلة ... سواسية امراؤها وعبيدها
وقال زهير:
وفيهم مقامات حسان وجوههم ... وأندية ينتابها القول والفعل
وقال ابن عباس: والله لو دعا ناديه لأخذته زبانية الله، أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، ثم كرر الله عليه الردع والزجر بقوله: «كلا» تحقيرا لشأنه، وتثبيتا وتأييدا لنبيه المخاطب بقوله عز قوله: «لا تُطِعْهُ» في ترك الصلاة ولا تلتفت إلى ما تفوّه به، ودم على ما أنت عليه من العبادة، فإنا حافظوك منه وكافوك شره وناصروك عليه، «وَاسْجُدْ» لعظمتي وكبريائي يا حبيبي «وَاقْتَرِبْ ١٩» من جلالي وبهائي بكثرة الصلاة ذات الركوع والسجود، ولا تكترث بذلك الخبيث واستمر على خلافه.
مطلب الحكم الشرعي في سجود التلاوة الحكم الشرعي: وجوب السجود عند تلاوة كل سجدة من سجدات القرآن الأربع عشرة فورا امتثالا لأمر الله، ويسن عند تلاوة آية السجدة آخر سورة الحج في ج ٣ خروجا من الخلاف، وتجب على السامع ولو من وراء جدار ولو بسماعها
стр. 73
من المذياع «الراديو» لأن المسموع منه- معين لا يكون بتسجيلا- صوت القارئ نفسه لا صداه، ولذلك لا يجب لسماعها من الصندوق «فوتو غراف» لأنه صدى الصوت نفسه كما يسمع من الدار والجبل كما أوضحه الفقهاء. وهي سجدة واحدة يسبح فيها تسبيحات سجود الصلاة ويسن أن يزيد عليها (سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته، اللهم اكتب لي بها أجرا، وضع عني بها وزرا، واجعلها لي عندك ذخرا، وتقبلها مني كما تقبلتها من نبيك داود ﵇ .
وإذا كان عند التلاوة أو السماع غير متوضئ فليقل «سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ» ، الآية ٢٨٥ من البقرة ج ٣، ثم يقضيها بعد، فإذا سمعها وهو في الصلاة نواها في ركوعه أو سجوده. روى مسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا من الدعاء، أي في السجود، وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال: سجدنا مع رسول الله ﷺ في (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) و (إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ) ، وجاء في صحيح مسلم من حديث لثوبان مرفوعا: عليك بكثرة السجود، فإنه لا تسجد لله سجدة إلا ورفعك بها درجة وحط عنك بها خطيئة. ولهذا البحث صلة في سجدة سورة مريم الآتية. واعلم انه إذا لم يرد بالصلاة هذه المبينة في الآية ١٧ المارة الصلاة المفروضة على فرض نزول هذه الآية قبل فرض الصلاة على النبي وأمته فيكون المراد بها في هذه الآية وما بعدها من السور الآتية إلى نزول سورة الإسراء صلاة الركعتين التي فرضها الله تعالى عليه خاصة وتابعه بعض من أسلم معه عليها تطوعا، إلا أن القول المعتمد ان المراد بها الصلاة المفروضة على القول بأنها نزلت بعد فرض الصلاة كما علمت مما ذكرناه آنفا وقول القائل يتجه في غير هذه الآية من الآيات الأخر الوارد فيها لفظ الصلاة النازلة قبل فرضها اتفاقا. هذا، والله أعلم. واستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 74
تفسير سورة القلم عدد ٢- ٦٨ وتسمى سورة نون
نزلت بمكة بعد سورة العلق عدا الآيات من ١٧ الى ٣٣ و ٤٨ الى ٥٠ فإنها نزلت بالمدينة، وهي اثنتان وخمسون آية وثلاثمائة كلمة، والف ومائتان وستة وخمسون حرفا.
ولا يوجد في القرآن سورة مبدوءة بما بدأت به. لا ناسخ ولا منسوخ فيها. ومثلها في عدد الآي (الحاقة) (وابراهيم) فقط.
بسم الله الرحمن الرحيم «ن» هو حرف من حروف الهجاء المعجمة والله أعلم بمراده فيه وقد ذكرنا ما يتعلق فيه في بحث الإرهاص في المطلب الثاني عشر المار وسنبحث في المراد منه على ما يتوصل إليه عقل البشر في سورة ق الآتية إذ لا يوجد في القرآن غير هاتين السورتين سورة بدئت بحرف معجم واسم للحوت الذي بلع سيدنا يونس ﵇ ولهذا سمي ذا النون، ويأتي بمعنى الدواة قال الشاعر:
إذا ما الشوق برّح بي إليهم ... الفت النون بالدمع السجام
وقال ابن عباس هو حرف من حروف الرحمن وأول أسماء الله نافع وناصر ونصير واسم للسورة. ويوقف عليه بالقراءة ومع السكون ويجوز إدغامها بواو.
مطلب في القلم وما جرى به وأحاديث قيمة «وَالْقَلَمِ» الذي كتب الذكر في اللوح المحفوظ والله أعلم بصفته ولا داعي لبيانه. قيل أول ما خلق الله القلم فنظر اليه فانشق لهيبته نصفين ثم قال له اجر بما هو كائن إلى يوم القيامة فجرى بذلك على اللوح. والناس يجرون على أمر قد فرغ منه.
وروي عن عبد الله بن عباس قال: كنت خلف النبي ﷺ يوما فقال يا غلام إني أعلمك كلمات (وفي رواية مسلم زيادة ينفعك الله بهن) : احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم ان الأمة لو اجتمعت
стр. 75
على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف. وفي رواية: احفظ الله تجده أمامك تعرف إلى الله بالرخاء يعرفك بالشدة واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك واعلم أن النصر مع الصبر وان الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا. ولهذا البحث صلة في الآية ١٧ من سورة الأنعام ج ٢.
وفي الآية ٤١ من سورة الرعد ج ٣. فراجعها. وبعد أن ابتدأ جل ثناؤه في هذه السورة بهذا الحرف الذي هو رمز بينه وبين حبيبه أقسم فقال «وَالْقَلَمِ» الجاري بما كان وما يكون «وَما» وأقسم ايضا بالذي «يَسْطُرُونَ ١» أي تسطره، حفظته من أعمال الخلق ويدونونه بكتبهم، أو باللوح الذي سطرت عليه أعمالهم إذا كان الضمير عائدا إلى القلم وجمع الضمير تعظيما لشأنه وعبر عنه بضمير العقلاء لقيامه مقامهم ولذا جعله فاعلا «ما أنت» يا أكمل الرسل «بِنِعْمَةِ رَبِّكَ» التي منّ بها عليك وهي النبوة والرسالة «بِمَجْنُونٍ ٢» بطائش كما يزعم جهلة قومك فاشكر هذه النعمة ولا تكدر جنانك بما يقولون وعاملهم بما أنت عليه، وهذه الجملة جواب القسم وفيها تنبيه على كذب قومه فيما رموه به من الجنّة لأنهم لا يعقلون ان من أكرمه الله بالنبوة لا يكون إلا كاملا في جميع الأوصاف فكيف يكون مجنونا «وَإِنَّ لَكَ» عندنا «لأجرا» عظيما لا يقدر البشر قدره «غَيْرَ مَمْنُونٍ ٣» به عليك والمنة لا تكدره كامل غير منقوص دائم غير مقطوع وقد زيدت اللام في (لأجرا) تأكيدا بتحققه كما زيدت الباء في (بمجنون) تأكيدا للنفي أي فاستمر على تحمل أذاهم وجفاهم واصبر على طعنهم وتحقيرهم واجر على الحق الذي أنت عليه ولا يمنعك ما يفترون به عليك من جراء تبليغ الرسالة لأنه كذب محض وافتراء ومنشؤه الحسد على ما منّ به عليك ربك دونهم «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ٤» لا أعظم منه بدليل التنكير والوصف يسع جهلهم وغيرهم وهو خير ما أوتي الرجل، لأن حسن الخلق جامع لمحاسن الأفعال، قالت عائشة ﵂ وعن أبيها: ما كان
стр. 76
أحد أحسن خلقا من رسول الله، ما دعاه أحد إلا قال لبيك فأنزل الله عليه هذه الآية وكان متحليا بأحمد الأخلاق وأرضى الأفعال وأكمل الآداب.
مطلب أخلاق الرسول ﷺ كيف لا وقد تأدب بتأديب الله المبين بقوله الكريم (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ) الآية ١٩٨ من الأعراف الآتية ولهذا فإنه كان متحليا بكثير من صفاته تعالى كالحلم والعفو والرأفة والرحمة والكرم والعلم وغيرها جاء في حديث مسلم وأبي داود والنسائي والإمام أحمد وغيرهم عن سعد بن هشام قال: قلت لعائشة يا أم المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول الله قالت ألست تقرأ القرآن؟ قلت بلى. قالت: فإن خلق نبي الله كان القرآن. وفي رواية ابن المنذر وغيره عن أبي الدرداء أنه سألها عن خلقه ﷺ فقالت كان خلقه القرآن يرضى لرضاه ويسخط لسخطه. قال العارف بالله المرصفي أرادت تخلقه بأخلاق الله لكنها لم تصرح تأدبا. وروى البخاري ومسلم عن البراء قال كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وجها وأحسنهم خلقا ليس بالطويل ولا بالقصير. ورويا عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال ان رسول الله لم يكن فاحشا ولا متفحشا وكان يقول خياركم أحاسنكم أخلاقا. ورويا عن أنس قال: خدمت النبي ﷺ عشر سنين والله ما قال لي أف قط ولا قال لشيء فعلته لم فعلت كذا وهلا فعلت كذا زاد الترمذي وكان ﷺ من أحسن الناس خلقا وما مسست خزا ولا حريرا ولا شيئا كان ألين من كف رسول الله، ولا شمت مسكا قط ولا عطرا كان أطيب من عرف رسول الله ﷺ ، وروى مسلم عن النواس بن سمعان قال: سألت رسول الله عن البر والإثم فقال: البر حسن الخلق والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس. ولقد قالوا الإثم خراز القلوب لأن الإنسان إذا فعل شيئا غير مشروع لا بد وأن يتردد ذلك في صدره المرة بعد الأخرى حتى يعرف ماهيته، فاذا منّ الله عليه رجع عما فعل واستغفر الله، وإذا أراد أن يستدرجه والعياذ بالله سلط على قلبه الشيطان فحسنه له فطبع على قلبه. حفظنا
стр. 77
الله وأجارنا من ذلك. وروى البخاري عن أنس قال: ان كانت الأمة لنأخذ بيد رسول الله فتنطلق به حيث شاءت أي ليقضي لها ما تريده في الحوائج، فاذا كان مع الأمة هكذا فكيف هو مع الغير؟ وفقنا الله لاتباعه وطبعنا بطباعه، كيف لا وقد قال تعالى (فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ) الآية ١٩٥ من آل عمران في ج ٣. وفي رواية زيادة:
ويجيب إذا دعي. وعنه قال. كان رسول الله إذا استقبله الرجل فخافه لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل ينزع يده ولا يصرف وجهه عن وجهه حتى يكون الرجل هو الذي يصرفه ولم ير مقدما ركبتيه بين يدي جليس. أخرجه الترمذي. وروى مسلم عن الأسود قال: سألت عائشة ما كان رسول الله يفعل في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة (خدمة) ، أهله فإذا حضرت الصلاة يتوضأ ويخرج إلى الصلاة. ورويا عن أنس قال كنت أمشي مع رسول الله وعليه برد نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي فجبذه جبذة (جذبه جذبة) شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته ثم قال يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت اليه وضحك وأمر له بعطاء ورويا عنه قال: كان ﷺ أحسن الناس خلقا ووجها وكان لي أخ يقال له أبو عمير وكان فطيما كان إذا جاءنا قال يا أبا عمير ما فعل النغير لنغير كان يلعب به (طائر صغير يشبه العصفور إلا أن منقاره أحمر) ورويا عن عائشة قالت ما خيّر رسول الله بين أمرين قط الا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما فان كان إثما كان أبعد الناس عنه، وما انتقم لنفسه من شيء قط إلا أن تنتهك حرمة الله.
(أي لله) زاد مسلم: وما ضرب رسول الله شيئا بيده ولا امرأة ولا خادما إلا أن يجاهد في سبيل الله. وفي متن الشمائل للحافظ الترمذي ... عن عائشة قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ منتصرا من مظلمة ظلمها قط ما لم ينتهك من محارم الله شيء ...
. وروى جابر أن النبي ﷺ قال ان الله بعثني لتمام مكارم الأخلاق وتمام محاسن الأفعال. وعن عائشة قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول: ان المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم. أخرجه أبو داود. وعنها قالت قال ﷺ ان من أكمل الناس إيمانا أحسنهم خلقا وألطفهم بأهله. أخرجه الترمذي. وعن أبي الدرداء أن رسول
стр. 78
الله قال ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيمة من خلق حسن، وان الله تعالى يبغض الفاحش البذيء. أخرجه الترمذي أيضا. وله عن جابر أن رسول الله قال ان من أحبكم إلى الله وأقربكم مني مجلسا يوم القيمة أحاسنكم أخلاقا. ولهذا كان ﷺ إذا أمر أمر بمعروف وإذا نهى نهى بمعروف راجع قوله تعالى (ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) إلى آخر الآيات في سورة النحل في ج ٢. تجد ما يتعلق في هذا البحث وبه كفاية والا لو كتبت لآخر حياتي عن أخلاقه ما وفيت بها قال تعالى «فَسَتُبْصِرُ» يا محمد ظهورك ونصرتك عليهم «وَيُبْصِرُونَ ٥» أي يرى مكذبوك خذلانهم وإنزال العذاب بهم وإذ ذاك يعلمون «بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ ٦» المجنون الطائش هم أم أنت وهذا من الأخبار بالغيب الذي حققه الله له فيهم في واقعة بدر، وكانوا لوثوقهم بصدقه فيما بينهم إذا سمعوا منه شيئا يرسخ في قلوبهم ويخافون عاقبته فاذا أوعدهم أو وعدهم لا يزالون يرتقبون وقوعه ولكن عنادهم وحسدهم وتعاظمهم عليه حال دون طاعتهم له «إِنَّ رَبَّكَ» يا حبيبي «هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ» المستقيم الحق من كفار مكة واضرابهم الضالين «وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ٧» من خلقه أنت وأمثالك وأتباعك «فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ ٨» لك الذين يدعون إلى دين آبائهم الفاسد. نزلت هذه الآية حينما كلفه كفار مكة عبادة أصنامهم ليكفوا عن أذاه فقال له ربه «وَدُّوا» هؤلاء الكفار «لَوْ تُدْهِنُ» تلين لهم في قولك وفعلك وتوافقهم على طلبهم من داهن الرجل في دينه وأمره إذا خان فأظهر خلاف ما يبطن كالمنأفق «فَيُدْهِنُونَ ٩» يلينون لك ويصيرون معك فيصافونك ويتقربون إليك، فإياك إياك يا حبيبي احذرهم.
مطلب في الأوصاف الذميمة والنميمة.
«وَلا تُطِعْ» منهم (كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ ١٠» حقير ذليل كذاب ولا تطع الآخرين أمثالهم أيضا لأنهم لا يريدون لك مثل ما تريد لهم من الخير، والمهانة تعتري الإنسان من قلة الرأي والتمييز وكثرة الكذب وعدم المبالاة بما يقع منه
стр. 79
وعليه، والمراد به والله أعلم الوليد بن المغيرة لقول ابن قتيبة: لا نعلم أن الله وصف أحدا ولا ذكر من عيوبه مثل ما ذكر من عيوب الوليد بن المغيرة فألحق به عارا لا يفارقه في الدنيا والآخرة. يريد ما وصفه الله به في هذه الآية، وقيل هو الأسود ابن يغوت أو الأخنس بن شريق والأول أولى وكلهم يستحق ذلك
«همّاز» عياب طعان يغمز على إخوانه في المجلس وسيأتي تفسير هذه اللفظة بأوسع مما هنا في تفسير سورة الهمزة الآتية «مشّاء» كثير المشي «بِنَمِيمٍ ١١» أي نقّال للحديث السّيء، راجع الآية/ ١١/ من سورة الحجرات في ج ٣، تجد ما يتعلق بهذا البحث. تراه دائما يسعى بالنميمة ليفسد بين الناس ويبلغهم طعن الغير بهم ويعيبهم ليفسد بينهم وهو مع هذا كله «منّاع» كثير المنع «للخير» لا يفعله ولا يترك الغير يفعله «معتد» على الناس مجاوز في الظلم حده «أثيم ١٢» كثير الإثم عظيم الوزر فاجر باغ طاغ عات بخيل، يمنع نفسه وولده وعشيرته من أفعال الخير، ومن الإسلام والإيمان، ويهددهم ان دخلوا فيهما، ويندد لهم بعدم لفظه، وبأن ما يخبرهم به الرسول من الحشر والنشر لا حقيقة له. قاتله الله، وأطلقوا لفظ الإثم على الخمر بعد الإسلام لما فيه من الضرر، قال ابن الفارض:
وقالوا شربت الإثم كلا وإنما ... شربت التي في تركها عندي الإثم
إلا أن هذا الإطلاق لم يعرف قبل الإسلام البتة فلا يستدل، على أنه في معانيها أو من سماتها كما نوضحه في تفسير الآية ٣٢ من الأعراف الآتية «عتل» غليظ جاف فاحش سيىء الخلق، شديد الخصومة في الكفر وهو «بعد ذلك» الذي وصف به من المثالب والمعايب «زَنِيمٍ ١٣» دعيّ ملصق في قريش إذ ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة سنة من عمره وكانت له زنمة «قطعة لحم زائدة معلقة» في عنقه، وتطلق هذه اللفظة على ابن الزنا، قال حسان رضي الله:
زنيم تداعته الرجال زيادة ... كما زيد في عرض الأديم الأكارع
وقال عكرمه:
زنيم ليس يعرف من أبوه ... بغي الأم ذو حسب لئيم
стр. 80
وهذا الخبيث إنما حدا به ذلك بسبب «أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ ١٤» غرورا منه فأعرض يا حبيبي عنه ولا تركن اليه، فإن كثرة ماله وولده لا تغني عنه من الله شيئا، وان الله كافيك شره وولده ومغنيك عن ماله ونسبه، ولهذا تراه «إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا» المنزلة عليك «قال» هي «أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ١٥» خرافاتهم وأقاويلهم وانا «سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ ١٦» الأنف منه وهذا أعيب ما يكون عند العرب حتى انهم إذا هددوا رجلا يقولون: (لنقطعن أنفك) وقد نهى عنه ﷺ في الحيوانات ولعن فاعله فكيف بالإنسان وبأكرم موضع منه لأنه تمام الحسن وقيل فيه:
وحسن الفتى في الأنف والأنف عاطل ... فكيف إذا ما الخال كان له حليا
وهو مكان العزة والأنفة قال جرير:
لما وضعت على الفرزدق ميسمي ... وعلى البعيث جدعت أنف الأخطل
ويقولون فلان شامخ الأنف عالي العرنين، وفي الذليل جدع أنفه رغم أنفه، والوسم الكي بالنار إذ لا يذهب أثره على مر السنين، وهذا أول الآيات المدنيات من ١٧ الى ٣٣ كما حكاه السخاوي في جمال القراء وهي عبارة عن قصة قصها الله على رسوله عظة لقومه قال تعالى «إِنَّا بَلَوْناهُمْ» أي أهل مكة اختبرناهم بالقحط والجوع امتحانا لهم علّهم يؤمنون حتى أكلوا الجيف والجلود وذلك بسبب دعائك عليهم إذ قال، اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف، وذلك بعد أن أنعم عليهم بكثرة الأموال والأولاد وجمع كلمتهم بوجوده فيهم وعزّز نعمهم بإرساله إليهم وهي أكبر نعمة لو قدروها كما سيأتي في تفسير الآية ٢٨ من سورة ابراهيم في ج ٢ فبدل أن يشكروا ذلك كفروا وتمادوا بالكفر والأذى لحضرته فكأنه قال تعالى لقد كان ابتلاؤنا لهم «كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ» أي كامتحاننا واختبارنا أهل البستان المسمى القروان دون صنعاء بفرسخين وهم جماعة مصلّون قيل انهم من ثقيف وقيل من بني إسرائيل بعد رفع المسيح ت (٦)
стр. 81
عليه السلام، وكانت هذه القصة معروفة عندهم يتناقلها الخلف عن السلف بدليل التعريف فيها المعهود ذهنا، وكانت لأبيهم وكان يأخذ منها قوت سنة ويتصدق بالباقي على الفقراء فلما انتقلت إليهم بعد موته قالوا إن فعلنا مثل أبينا ضاق علينا الأمر لأنا أولو عيال، فحكى الله عنهم ما تذاكروا به بينهم بقوله جل قوله:
«إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها» يقطعون ثمرها «مُصْبِحِينَ ١٧» قبل خروج الناس من بيوتهم حتى لا يراهم أحد يستعطيهم منها «وَلا يَسْتَثْنُونَ» أي لم يقولوا إن شاء الله أيضا «فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ» أي طرأ عليها طارئ ليلا لأن الطائف كالطارق لا يكون إلا ليلا، وهذا الطائف لا يرد لأنه «مِنْ رَبِّكَ» يا رسولي ولا رادّ لما أريده، وذلك بأن أرسل عليها نارا أحاطت بها فأحرقتها كلها «وَهُمْ نائِمُونَ ١٩» قبل أن يفيقوا ويأتوا إليها «فَأَصْبَحَتْ» تلك البستان الغزيرة بالأشجار والثمار «كَالصَّرِيمِ ٢» أي كالرماد الأسود على لغة خزيمة ومن كثرة الدخان كالليل المظلم، والصريم كناية عن البستان الذي صرمت أي فطعت أثماره كلها بحيث لم يبق فيها شيء. ورملة باليمن معروفة لا تنبت شيئا أي كأنها لم يكن فيها شيء من نبات ما، قال تعالى واصفا حالهم فيما جاؤوا إليها
«فَتَنادَوْا» نادى بعضهم بعضا بعد أن أفاقوا من نومهم «مُصْبِحِينَ ٢١» صبحة الليلة التي تحالفوا فيها قائلين لبعضهم «أَنِ اغْدُوا» اخرجوا غدوة «عَلى حَرْثِكُمْ» جنتكم لقطع ثمارها وقسمتها بينكم «إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ ٢٢» عازمين على ما تقاولتم عليه من قصد قطف ثماركم قبل أن يحضركم أحد «فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ ٢٣» يتسارون همسا لئلا يحس بهم أحد قائلين بعضهم لبعض امضوا أو اجزموا على «أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ) ٢٤» أبدا فيسألكم منها كما كان الحال زمن أبيكم فيأخذوا ما يفضل عن قوت سنتكم «وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ ٢٥» بزعمهم على ما صمموا عليه من القصد والمنع على اجرائه وان لا يحول بينهم حائل عنه ولم بزالوا سائرين حتى قاربوها «فَلَمَّا رَأَوْها» أرضا سوداء رمداء لا شجر
стр. 82
ولا نبات فيها ولا ماء «قالوا» بعضهم لبعض «إِنَّا لَضَالُّونَ ٢٦» طريقها مخطئونه فليست هي هنا فلما تحققوا قالوا لا بل هي نفسها «بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ٢٧» ثمرها وخيرها ونفعها لتصميمنا على منع المساكين ما كانوا يأخذونه زمن أبينا ولعدم استثنائنا في حلفنا أي لم نقل إن شاء الله متصلا بكلامنا ذاك ولما رأوا ان سقط في أيديهم «قال أوسطهم» أعقلهم وأفضلهم واعدلهم لأن الأوسط خيار في كل شيء «ألم أقل لكم» يا اخوتي هلا «لَوْلا تُسَبِّحُونَ ٢٨» أي تستثنون في حلفكم وقد سمى الاستثناء تسبيحا لأنه تعظيم للإله واقرار بأن أحدا لا يقدر أن يفعل شيئا دون مشيئنه «قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ ٢٩» أنفسنا بمنعنا حق الفقراء وعدم سلوكنا ما كان يسلكه أبونا من القناعة بمؤنة السنة وانفاق الباقي لوجهه «فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ ٣٠» على ما وقع منهم نادمين على فعلهم
ثم دعوا على أنفسهم «قالُوا يا وَيْلَنا» يا هلاكنا «إِنَّا كُنَّا طاغِينَ ٣١» في ذلك القصد السيء ومخالفتنا عمل أبينا الحسن وحرماننا من جنتنا لتصميمنا على حرمان الفقراء منها. ثم تراجعوا إلى أنفسهم بعد أن عنف بعضهم بعضا وسألوا الله تعالى بقولهم «عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ ٣٢» طالبون الخير منه راجعون لعفوه، قال مجاهد تابوا فأبدلوا خيرا منها، وقال ابن مسعود بلغني أن القوم أخلصوا لله فأعطوا جنة تسمى الحيوان فيها عنب يحمل البغل عنقودا واحدا منه، قال تعالى «كَذلِكَ الْعَذابُ» الذي نفعله بمن تعدى حدودنا وخالف أمرنا بمن تقدم من الأمم نفعله بكم يا أمة محمد إذا لم ترجعوا عن غيكم فإنا نحرمكم من النعم في الدنيا «وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ» الموعودون به «أَكْبَرُ» من هذا لأنه فان منقطع وذاك باق دائم «لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ٣٣» ما هو لأنه فوق ما تتصوره عقولهم. هذا آخر الآيات المدنيات وقد نزلت بالمدينة بمناسبة ذكر قريش وما كانوا يفعلونه بالرسول الأعظم، واعلم على سبيل الفرض والتقدير بأنك إذا طويتها وقرأت ما بعدها متصلا بما قبلها لاستقام النظم لأن هذه
стр. 83
القصة كالمعترض التي يؤتى بها استطرادا بين كلامين غير أنه لا يجوز طي حرف واحد من القرآن أبدا، وهكذا كل الآيات المدنيات في السور المكية كالآيات المكيات في السور المدنية، فتدبر هذا الكتاب العظيم وانظر مغزى قوله تعالى:
(وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) الآية ٨٢ من سورة النساء في ج ٣. وسبب نزولها أن أبا جهل قال يوم بدر لأصحابه خذوا أصحاب محمد فاربطوهم بالحبال ولا تقتلوا منهم أحدا يقول الله تعالى ان ما صوره من قدرتهم عليهم كما صور أهل الجنة اقتدارهم على قطف ثمارها توبيخا لهم قال تعالى «إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ٣٤» جزاء عملهم بالدنيا. ولما سمع المشركون هذه الآية قالوا سنعطى في الآخرة إن كان هناك آخرة أفضل مما يعطى أصحاب محمد فكذبهم الله بقوله «أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ٣٥» استفهام انكاري أي لا نفعل ذلك لأن التسوية بينهم غير جائزة فكيف يعطون أفضل وكيف نحيف بالحكم ونحن أعدل الحاكمين ونأمر عبادنا بالعدل. ثم قال استنكارا واستبعادا لحكمهم المعوج «ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ٣٦» وهذا استفهام آخر بمعنى التعجب من قولهم الناشئ عن فساد رأيهم وضلال فكرهم لأن حكمهم هذا لا يصدر عن عاقل قال تعالى «أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ ٣٧» تقرءون فتعلمون منه «إِنَّ لَكُمْ فِيهِ» أي الكتاب «لَما تَخَيَّرُونَ ٣٨» من مأربكم وتشتهونه من آمالكم «أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ» موثقة بالعهود ومؤكدة بالحلف عاهدناكم بها على ان نعطيكم ما ذكرتم فاستوثقتم بها «إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ» لا تقطع أبدا «إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ ٣٩» لأنفسكم في هذا الميثاق من الخير والكرامة ثم خاطب نبيه بقوله «سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ ٤٠» كفيل بأن لهم ما للمسلمين في الآخرة
«أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ» يشاركونهم في هذا القول ويذهبون مذهبهم منه أم لهم شهداء يشهدون بصدق دعواهم هذه فاذا كان لديهم شيء من ذلك «فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ» الذين يزعمون أن لهم تلك القدرة على ما يقولونه
стр. 84
«إِنْ كانُوا صادِقِينَ ٤١» في زعمهم والمعنى لا يسلم لهم أحد هذا القول ولا يساعدهم عليه أحد كما أنه لا كتاب لهم ينطق به ولا عهد ولا كفيل وإذا كان عندهم شيء من ذلك فليحضروه «يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ» عن أمر فظيع يوم يشتد الكرب ويصعب الأمر وقد كنّى بالساق عن يوم القيامة لشدة هولها.
مطلب معنى الساق:
وقال بعض المفسرين إن الساق في السريانية الهزل ونقل بعضهم أنها عربية في هذا المعنى أيضا إلا أن معنى الآية لا ينطبق عليه وما جرينا عليه في تفسير الساق أولى من غيره لأن ابن عباس لما سئل عن معنى هذه الآية قال هو يوم كرب وشدة وإذا أخفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر فإنه ديوان العرب، أما سمعتم قول الشاعر:
سنّ لنا قومك ضرب الأعناق ... وقامت الحرب بنا على ساق
فان العرب لتقول عند الشدائد شمر عن ساقك، وقال ابو عبيدة لقيس بن زهير:
فإن شمرت لك عن ساقها ... فدتها ربيع ولا تسأم
وقال جرير:
ألا ربّ ساهي الطرف من آل مازن ... إذا شمرت عن ساقها الحرب شمّوا
وكثر هذا المثل عند العرب حتى صار كالمثل السائر للأمر العظيم قال تعالى:
«وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ» الذي أمروا به في الدنيا (في ذلك اليوم المهول) ولم يفعلوه مع قدرتهم عليه «فَلا يَسْتَطِيعُونَ ٤٢» عليه إذ تصير أصلابهم كصياصي (قرون) البقر لا تثنى عند الخفض والرفع فيعجزون عنه ولا يقدرون عليه «خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ» مطرقة إلى الأرض من شدة الخوف المحيط بهم أمره وإذ ذاك «تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ» تغشاهم حينما تسود وجوههم وتستنير وجوه المؤمنين «وَقَدْ كانُوا» في الدنيا «يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ» فيسمعون داعي الله إلى
стр. 85
الصلاة ولا يجيبونه ليركعوا ويسجدوا له «وَهُمْ سالِمُونَ ٤٣» أصحّاء قادرون عليه ولا يفعلونه فلذلك منعوا منه في الآخرة لأنها ليست محلا للعبادة «فَذَرْنِي» يا حبيبي «وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ» القرآن الذي نطرفك به آونة بعد أخرى وسمي حديثا بالنسبة لحدوث انزاله وإلا فهو قديم أزلي، أي دعني وهذا المكذب، كله إليّ فأنا أكفيكه ولا تشغل قلبك بشأنه وتوكل علي بالانتقام منه، وهذا تسلية لحضرة الرسول وتطمينا لضميره وتطبيبا لخاطره الشريف وتهديدا للمكذبين العائد لهم ضمير «سَنَسْتَدْرِجُهُمْ» نستدنيهم للعذاب درجة درجة ونستنزلهم له أولا بأول حتى نورطهم فتوقعهم فيه بما كسبت أيديهم وذلك ان الله تعالى يرزق العصاة أحيانا ويكثر نعمه عليهم فيجعلون هذه ذريعة لارتكاب المعاصي ويغفلون عما يراد بهم فيأخذهم على غرة «مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ٤٤» أن الله لهم بالمرصاد لأنهم كلما ازدادوا من الذنوب جدّد لهم النعم فيغروا بها فينسون التوبة والاستغفار والشكر ويحسبون ذلك تفضيلا لهم على المؤمنين فيسبب هلاكهم، قال ﵊: (إذا رأيت الله ينعم على عبد وهو مقيم على معصيته فاعلم أنه مستدرج) وتلا هذه الآية.
مطلب النسخ لا يدخل الأخبار والوعد والوعيد:
ولا معنى للقول بنسخها بآية السيف وكذلك آية (واصبر) الآتية لأنهما من الأخبار والأخبار لا يدخلها النسخ وكذلك الآيات المشتملة على الوعد والوعيد وما فيه معنى التعجيل كقوله تعالى (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا) الآية ١٠٩ من سورة البقرة في ج ٣ بإجماع علماء التفسير قال تعالى «وَأُمْلِي لَهُمْ» فأمتعهم بالنعم وأطيل أعمارهم وامهلهم فلا أعجّل عليهم «إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ٤٥» قوي جدا لا يقدر الخلق على نقضه وليعلم ان ما جاء في القرآن من ألفاظ الكيد والمكر والخداع والنسيان من قبل الله تعالى هي على سبيل المقابلة لأن ذاته تعالى منزهة عنها وقد أجريتها علي ظاهرها لمعلوميتها وقد آتي بما يراد منها لفظا أو معنى تقريبا لفهم القارئ
стр. 86
قال تعالى «أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً» على تبليغ الرسالة لهم وإرشادك إياهم «فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ٤٦» لا يستطيعون حمل تلك الغرامة المالية حتى يمتنعوا من الإيمان بك ويعرضوا عنك كلا لا تطلب منهم شيئا، فكان اعراضهم عنك عنادا وتكبرا ليس إلا، وهذه الجملة معطوفة على جملة (أم لهم شركاء) المارة «أم عندهم الغيب» بما هو باللوح المحفوظ لدينا «فَهُمْ يَكْتُبُونَ ٤٧» منه ما يحكمون به ويستغنون عن علمك، وهذا الاستفهام على طريق الإنكار أي ليس لهم ولا عندهم شيء من ذلك. وهذه الآيات المدنيات الأخيرة من ٤٨ إلى ٥٠ النازلة في واقعة أحد مع الآيات ١٢٢ فما بعدها من آل عمران فى ج ٣ كما سنبينه هناك، قال تعالى «فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ» على أذى قومك وامهلهم «وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ» السيد يونس ﵇ في الضجر والعجلة فتبتلى كما ابتليناه.
مطلب معنى الكيد والمكر والآيات المدنيات الأخر:
واذكر «إِذْ نادى» ربه وهو في بطن الحوت الذي ابتلعه عقوبة استعجاله أمر ربه باهلاك قومه وغضبه لرفع العذاب عنهم وقد تركهم وذهب «وَهُوَ مَكْظُومٌ ٤٨» ممتلىء غيظا واعلم أنه «لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ» بإلهامه التوبة والندم واجابة دعائه الذي الهمناه إياه وهو في بطن الحوت كما سيأتي في الآية ٨٨ من سورة الأنبياء ج ٢ وقبول عذره الذي اعتذر به الآتي أيضا هناك «لَنُبِذَ بِالْعَراءِ» بفضاء من الأرض ولم ننبت عليه ما يقيه من الشمس والهواء مع ما هو عليه من الضعف الذي لحقه في بطن الحوت «وَهُوَ مَذْمُومٌ ٤٩» على ما وقع منه معاتب بما فعله مؤاخذ بزلّته، ولكن تداركته الرحمة فأنبت عليه ما أظله ووقاه، وحميته من كافة الهوام والوحوش كما حميته في بطن الحوت ولهذا فلم ينبذ مذموما، واعلم أن ما وقع منه يعد ذنبا بالنسبة لمقامه على حد حسنات الأبرار سيئات المقربين وإلا فهو بالنسبة لغيره عبارة عن خلاف الأولى وليس بذنب
стр. 87
ويماثل هذه الآية الآية ٢٤ من سورة يوسف في ج ٢ وهي: (لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ) أي لهمّ ولكنه لم يهم لوجود البرهان كما سيأتي تفصيله هناك، ولهذا البحث صلة في تفسير الآية ١٤٦ من سورة الصافات في ج ٢ فراجعه، قال تعالى «فَاجْتَباهُ» اصطفاه واختاره «ربّه» ورد عليه حالته الأولى من الصحة والعافية والنبوة والرسالة «فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ٥٠» الكاملين في الصلاح ومحى زلته وما قيل أن هذه الحادثة كانت قبل النبوة مردود بقوله تعالى في الآية ١٤٠ من سورة الصافات المذكورة «وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ»
وهذه آخر الآيات المدنيات وسبب نزولها أن حضرة الرسول أراد أن يدعو على الذين انهزموا في واقعة أحد السنة الثالثة من الهجرة في شهر شوال سنة ٥٦ من الولادة الشريفة إذ اشتد بالمسلمين الأمر فنزلت تذكيرا لحضرته بما وقع للسيد يونس عليهما الصلاة والسلام وهي أيضا كالمعترضة كما ذكرناه في تفسير الآية ٣٣ المارة فراجعها،
قال تعالى «وَإِنْ» مخففة من الثقيلة والفرق بينها وبين أن النافية أنّ أن النافية لا يعقبها اللام والمخففة لا بد أن يعقبها ولذلك يسمونها اللام الفارقة «يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ» بضم الياء وفتحها أي يزلّون قدمك ليرموك وقرأ بن عباس والأعمش وعيسى ليزهقونك أي يهلكونك وهي كالتفسير وليست من القرآن كما ذكرنا لك في المطلب العاشر في بحث القراءات «بأبصارهم» بشدة نظرهم إليك بها سزرا بعين العداوة فيكادون يصيبونك بأعينهم، روي أن بني أسد كانوا عيّانين حتى أن الناقة أو البقرة إذا مرت بهم يعاينونها ثم يقولون لجارتهم خذي المكتل والدراهم وآتينا بلحم منها فما تبرح حتى تقع فتنكسر أو ترض فتذبح، وكان الرجل منهم يتجوع يومين أو ثلاثة فلا يمر به شيء إلا ويقول لم أر مثله ليعيبه فيهلك، فكلفوا هذا الرجل أن يصيب الرسول بالعين وصارت قريش تقول كلما مر الرسول ما رأينا مثله قط بذلك القصد وليصرفوه عن القيام بما أمره به ربه فعصمه الله منهم ولم يستطيعوا بوجه من الوجه أن يصرفوه عن تبليغ رسالته وانزل هذه الآية
стр. 88
«لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ» القرآن العظيم لكرامتهم إياه «وَيَقُولُونَ» عند سماعه منه «إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ ٥١» لجهلهم حقيقته ولتنفير الناس عنه فرد الله عليهم بقوله الأزلي «وَما هُوَ» الذي تصفون به رسولي بالجنة لقراءته لكم إن هو «إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ٥٢» أجمع يتذكرون به ما وقع على الأمم السابقة ويتعظون بأوامره ونواهيه فليس بخرافات الأولين ولا سحر ولا كهانة ولا شعر بل هو كلام الله الأزلي المشتمل على ما كان وما يكون من أمر الدنيا والآخرة فمن وفقه الله لفهمه شرح صدره، ومن خذله جعله ضيقا حرجا لا يعيه ولا يفهمه، راجع تفسير الآية ١٢٥ من سورة الأنعام في ج ٢. ترشد إلى هذا. قال ابن عباس وقال الحسن دواء إصابة العين قراءة هذه الآية. وروى البخاري ومسلم عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال العين حق.
وزاد البخاري ونهى عن الوشم، وروى مسلم عن أبي عباس أن رسول الله قال العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين وإذا استغسلتم فاغتسلوا. وعن عبد الله بن رفاعه الرزقي أن أسماء بنت عميس كانت تقول يا رسول الله إن ولد جعفر تسرع إليهم العين أفأسترقي لهم قال نعم، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين.
أخرجه الترمذي. وجاء في روح البيان قد صح من طرق عديدة أن العين تدخل الرجل القبر والجمل القدر، وعن أبي ذر مرفوعا أن العين لتولع بالرجل بإذن الله تعالى جى يصعد حالقا (الجبل الشامخ) ثم يتردى منه. فيفهم من هذا الخبر ان المعان تعتربه حالة الجنون لذلك تسوقه إلى طرح نفسه إرادة قتلها، هذا وقد أنكر المبتدعة هذه الأحاديث التي أخذ بها جماهير العلماء ويرد قولهم ويدحض انكار (القاعدة) وهي أن كل معنى ليس مخالفا في نفسه ولا يؤدي إلى قلب حقيقة ولا إفساد دليل فانه جائز عقلا فإذا أخبر الشارع بوقوعه وجب اعتقاده ولا يجوز تكذيبه كهذا فان مذهب أهل السنة والجماعة ان العين إنما تفسد وتهلك عند مقابلة الشخص العاين بشخص آخر فتؤثر فيه بقدرة الله تعالى وفعله وقوله ﷺ (ولو كان شيء سابق لقدر لسبقته العين) فيه اثبات القدر وانه حق ومعناه أن الأشياء كلها
стр. 89
بقدر الله ولا يقع شىء على أحد إلا بحسب ما قدره وسبق به علمه راجع الآية ٧٨ من سورة النساء في ج ٣ فما بعدها، هذا ولا يقع ضرر العين من خير أو شر إلا بقدرة الله وفيه حجة اثبات المعين وانها قوية الضرر إذا وافقها القدر وليعلم أن العين من خصائص بعض النفوس ولله أن يخص من شاء بما شاء، ويعطي بعض الحواس قوة لا تكون في العين وذلك من عجائب قدرته وعظائم صنعه لأنه تعالى طوى في هذه النفس اسرارا تتحير منها العقول ولا ينكرها إلا الجهول ولهذا البحث صلة في الآية ٦٧ من سورة يوسف في ج ٢ (ومن باب التأثير) التأثير بالقوة الكهربائية فقد شوهد أن بعض الناس يكرر النظر إلى بعض الأشخاص من فرقه إلى قدمه فيصرعه كالمغشي عليه وقد يوجه نفسه إليه فيضعف قواه فيغشاه النوم ويتكلم بالعجائب.
الحكم الشرعي: لا يسع العاقل انكار تأثير العين بالصورة التي وصفناها لكثرة الأحاديث الواردة فيها ومشاهدة آثارها قديما وحديثا، وقد تقع من النفوس الزكية عند استحسان بعض الأشياء كما تقع من النفوس الخبيثة عند كراهتها إياه وعلى المعاين أن يجتنب ذلك ويعتزل الناس وإلا فعلى الامام حبسه ومنعه من مخالطتهم كفا لضرره وينفق عليه من بيت المال، وان لم يفعل، فعلى الأمة أن تطالبه بذلك.
هذا ويوجد أربع سور في القرآن مختومة بما ختمت به هذه السورة، هذه والتكوير والصافات والزمر، والله أعلم، واستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة المزمل عدد ٣- ٧٢ أو قيام الليل
نزلت بمكة بعد القلم عدا الآيات ١٠ و ١١ و ٢٠ فإنها نزلت بالمدينة، وهي عشرون آية ومائتان وخمس وثمانون كلمة وثمانمئة وثلاثون حرفا ومثلها في عدد الآية سورة البلد.
стр. 90
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال تعالى: «يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ١» بفراشه الملتف به كان ﷺ في بدء نبوته يقول عند انفصام الوحي عنه زمّلوني أي لفوني فرقا من شدة الوحي وعظم رؤية ملكه، فخاطبه الله تعالى بالحالة التي هو فيها إذ كان يتزمّل في ثيابه، ويوجد في القرآن عشر سور مبدوءة بلفظ يا أيها هذه والنساء والمائدة والحج والأحزاب والحجرات والممتحنة والمدثر والطلاق والتحريم.
هذا وبعد أن ناداه ربه أمر بقوله «قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ٢» منه وهذا الأمر للوجوب راجع ما فيه في الخاتمة المارة، ثم بين هذا القليل المستثنى من الكل بقوله «نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ٣» أي السدس بأن تقوم الثلث «أَوْ زِدْ عَلَيْهِ» سدسا بأن يبلغ النصف إلى الثلثين فكان ﷺ يقوم من كل ليل تلك المقادير امتثالا للآمر وأصحابه يقومون معه تهجدا نفلا لأنه لم يفرض عليهم.
مطلب ما يجب على القارئ عند التلاوة:
وكان القيام في بداية الإسلام فريضة عليه، سنة على الأصحاب «وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ» يا حبيبي عند قراءته «تَرْتِيلًا ٤» تبيينا فصيحا على تؤدة وتأن وتفكر يثير حضور القلب بمعانيه ولذيذ النّفس بمبانيه واشتغل بعبادتي تحظ بعبوديتي. يفيد هذا الأمر وجوب الاعتناء بقراءة القرآن يعضده قوله ﷺ (أعربوا القرآن واعرفوا غرائبه) إذ بالعجلة تفوت الغرض المطلوب منه فعلى القارئ أن يستشعر بعظمة القرآن وهيبة منزله عند ذكره والرجاء عند ذكر الوعد والخوف عند الوعيد والعبرة عند القصص والذكرى عند الأمثال ليستنير قلبه بنور كلام الله ويوقر في صدره مغزى معناه ومبناه وليخذن من الاسراع المخل والتطويل الممل ففيهما الحرمة والاساءة. روى البخاري ومسلم عن قتادة قال: سئل كيف كانت قراءة رسول الله فقال كانت مدا ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم ويمد الرحمن ويمد الرحيم، وروى البخاري ومسلم عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: جاء رجل إلى ابن مسعود وقال إني
стр. 91
لا قرأ المفصل في ركعة قال عبد الله هذّ كهذا الشعر أي صرعة وعجلة مخلّين بأصوله لا ثواب بقراءته كما يفهم من تتمة الحديث وهي: إن أقواما يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم (العظام التي بين النحر والعاتق) ولكن إذا وقع في القلب فرسخ، يقع منه موقعا ينيره فيخضع له الجسد وتخشع الجوارح كلها إن أفضل الصلاة الركوع والسجود إني لأعرف النظائر التي كان رسول الله يقرن بينهن سورتين من كل ركعة) فظهر أن المقصود من الترتيل حضور القلب وكمال المعرفة لأن النّفس تبتهج بذكر الأمور الإلهية الروحانية والسرعة تنافي الحضور والعجلة تباين المعرفة، وفي رواية فذكر عشرين سورة من المفصل وهو من الحجرات إلى الناس بحسب ترتيب القرآن وسمي مفصلا لكثرة الفصل بين سوره بالبسملة وقصر أكثر آياته، قال تعالى «إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ» يا أكمل الرسل «قَوْلًا ثَقِيلًا ٥» ايحاءه شاق تلقّيه صعب تحمله لأن كلام العظيم عظيم في مبناه رزين في معناه لما فيه من الأوامر والنواهي التي فيها صعوبة وكلفة على النفس وليس ذلك بالخفيف الهين.
مطلب في صفة الوحي وحالاته:
روى البخاري ومسلم عن عبادة بن الصامت قال: كان ﷺ إذا نزل عليه الوحي كرب وتربد له وجهه. وفي رواية كان إذا نزل عليه الوحي عرفنا ذلك في فيه وغمض عينيه وتربد وجهه (الربدة غبرة مع سواد) وفي رواية فما من مرة يوحى إليّ إلا ظننت أن نفسي تقبض، وروى البخاري ومسلم عن عائشة أن الحارث بن هشام سأل رسول الله فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟
فقال أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرص (أي كالصوت الشديد الصلب الحاصل من الأشياء الصلبة كالجرص) وهذا أشده علي فيفصم عني (أي يفارقني) وقد وعيت ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول. قالت عائشة ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وان جبينه ليتفصد عرقا
стр. 92
(أي يجري عرقه كما يجري الدم من الفاصد) ، وأخرج أحمد وعيد بن حميد وابن جرير وابن نصر والحكم وصححه عن عائشة أن النبي ﷺ كان إذا أوحي إليه وهو على ناقة وضعت جرانها (أي مقدم عنقها من مذبحها إلى نحرها جمعه جرن) فما تستطيع أن تتحرك حتى يسرى عنه. وكان يوحى إليه ورأسه على فخذ زيد بن ثابت وكان يحس بثقله حتى كأن فخذه كادت ترضّ من شدة ثقل رأس رسول الله.
والحالة الثالثة هو أن ينفث في روعه الكلام نفثا لقوله ﷺ إن روح القدس نفث في روعي وجلّ القرآن من هذه الأنواع الثلاث راجع مطلب الوحي تجد الفرق بين الوحي والإلهام.
الرابعة أن يأتيه الملك في النوم وما يعبه عنه لا يعد قرآنا كما نوهنا به قبلا وذكرنا أن من قال بأن سورة الكوثر نزلت فيه لا عبرة، وأن الصحيح أنها أنزلت عليه يقظة وبما أنه عند نزول الوحي تتغير حالته كما علمت فيظن من لم يعلم منه ذلك أنه يتيقظ من نوم، ولهذا تسمى هذه الحالة برحاء الوحي أي ثقله فيحمل الحديث الذي رواه مسلم بشأن سورة الكوثر على هذه الحالة، وإن ما يراه نوما معتبر لأن رؤيا الأنبياء صادقة ولكن لا يكون قرآنا كالأحاديث القدسية فإنها معتبرة ولكنها ليست بقرآن ولعله رأى الكوثر في نومه أو خطرت له السورة عند تيقظه من النوم فذكرها لمن كان عنده وهو الأشبه ويسمى ما يراه في النوم الوحي النومي.
الخامسة أن يكلمه الله يقظة كما كان في ليلة الإسراء راجع قصة المعراج الآتية في أوائل سورة الإسراء آخر هذا الجزء، أو في النوم كما في حديث معاذ (أتاني ربي فقال فيم يختصم الملأ الأعلى) الحديث، وليس في القرآن شيء من هذا النوع البتة أما الحديث الذي رواه عدي بن ثابت وخرّجه ابن أبي حاتم على فرض صحته فإن ما جاء فيه ليس من ألفاظ القرآن والله أعلم، قال تعالى «إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ» أي القومة بعد النوم وكل ما حدث وبدأ ليلا فهو ناشئة وكل ساعة في الليل ناشئة لأنها تنشأ عن الأخرى، فإذا قام من نومه ونهض لعبادة ربه فقد أنشأ أي أحدث
стр. 93
وأبدى عبادة أخرى جديدة «هي أشدّ» أقوى وأصعب على المصلي من غيرها وتختلف باختلاف المصلين إذ تكون لذيذة على البعض ثقيلة على الغير «وطأ» أي موافقة يتواطأ فيها القلب واللسان لانقطاع رؤية الخلائق فيها وانصراف المصلي بكليته إلى ربه «وَأَقْوَمُ قِيلًا ٦» أثبت قراءة واركن للسّماع لهذه الأصوات، فتكون عبادة الليل أكثر نشاطا للراغب فيها وأتم إخلاصا وأبلغ تأثيرا وأعظم توبة وأبعد عن الرياء وأدخل حلاوة في القلب «إنّ لك» يا حبيبي ويشمل هذا الخطاب من تبعه من أمته لأن مخاطبته مخاطبة لأتباعه أجمع «فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا ٧» يكفي لإشغالك ففرغ نفسك في الليل لعبادة ربك، وأصل السبح المر السريع في الماء ثم استعير للذهاب مطلقا وفيه قيل:
أباحوا لكم شرق البلاد وغربها ... ففيها لكم يا صاح سبح من السبح
«وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ» ليل نهار بالتسبيح والتهليل والصلاة والقراءة دواما «وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا ٨» انقطع إلى عبادته وحده (ولم تكرر هذه الجملة في القرآن) وارفض ما سواه طلبا لما عنده المرة بعد المرة لأنه هو «رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» وما بينهما من مخلوقات علوية وسفلية، مائية وهوائية، نارية وترابية، روحية ونورية، فهو الإله الذي «لا إِلهَ إِلَّا هُوَ» وحده المستحق للعبودية «فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا ٩» لك وفوض أمرك إليه وحده لأن التبتل لا يليق إلا إليه وهو كفيل بما وعدك به من النصر ورفع الكلمة، وتعقيب التوكيل يدل على أن مقامه ﷺ فوق مقام التبتّل لما فيه من رفع الاختبار، وفيه دلالة على غاية الحب أيضا وقيل في المعنى:
هواي له فرض تعطّف أو جفا ... ومنهله عذب تكدر أم صفا
وكلت إلى المعشوق أمري كله ... فإن شاء أحياني وإن شاء أتلفا
قال تعالى «وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ» كفرة قومك من تكذيبك ورميك بما لا يليق «وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا ١٠» لا حقد فيه بأن تجتنبهم وتداويهم بإرشادك
стр. 94
ولا تكافئهم على ما يقع منهم. وهذه أولى الآيتين المدنيتين والأخرى التي تليها كان نزولها قبل الأمر بالقتال ولا معنى لقول من قال إنهما منسوختان بآية السيف لأن بداية الرسالة وطنّت على الرفق واللين والترغيب والوعد لا على الشدة والقسوة وما وقع من التهديد والترهيب والوعيد إنما هو لاستمالتهم والقائل بالنسخ يزعم أنهما مكيتان وليس كذلك وكان نزولهما قبل حادثة بدر وحديث عائشة هو في الآية الأخيرة من هذه السورة كما سيأتي، فيا حبيبي الأمين اعتزل هؤلاء الكفار
«وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ» هي غضاضة العيش وكثرة المال والولد وهي بالفتح بمعنى التنعّم وبالكسر بمعنى الانعام وبالضم المسرة، أي خل بيني وبينهم وكل أمرهم إليّ فان فيّ ما يفرغ بالك ويجلي همك فلا تستعجل عليهم «وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا ١١» كي يؤمن مؤمنهم ويصر كافرهم وإني سأكفيكهم. انتهت الآيتان المدنيتان، وقد نزلتا في صناديد قريش وقيل في المطعمين الذين تعهدوا بإطعام الجيش عند تأهبهم لغزوة بدر فكان جزاؤهم بالدنيا أن قتلوا فيها أما جزاؤهم في الآخرة فهو ما قال تعالى «إِنَّ لَدَيْنا» لأمثالهم «أنكالا» قيودا ثقالا وسلاسل طوالا ننكّلهم بها «وَجَحِيماً ١٢» نارا محرقة سوداء لشدة اتقادها نحرقهم بها «وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ» ينشب بالحلق ولا يساغ كالزّقوم والضريع (وهي لم تكرر في القرآن) «وَعَذاباً أَلِيماً ١٣» لا تطيقه أجسامهم نذيقهم إياه في ذلك اليوم العظيم «يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ» تضطرب لشدة الهول «وَالْجِبالُ» تتزلزل منه «وَكانَتِ الْجِبالُ» «كثيبا» رملّا مجتمعا «مَهِيلًا ١٤» رخوا سائلا بحيث إذا أخذت منه شيئا تبعك ما بعده بخلاف حالتها اليوم فاعتبروا أيها الناس فان هذه الآية من أعظم الآيات المرهبات، أخرج الإمام أحمد في الزهد وأبو داود في الشريعة والبيهقي في الشعب وابن عدي في الكامل من طريق حمران بن أعين عن أبي حرب بن الأسود أن رسول الله ﷺ سمع رجلا يقرؤها فصعق. وفي رواية أنه ﷺ قرأها نفسه فصعق، وقال خالد بن حسان أمسى عندنا الحسن وهو صائم
стр. 95
فأتيته بطعام فعرضت له هذه الآية فقال ارفعه وهكذا ثلاث ليال ولم يزالوا به حتى شرب شربة من سويق. وفي هذا عذر واضح للصوفية المخلصين الذين يقع منهم الصعق عن غير اختيار عند سماع بعض الآيات. ولهذا البحث صلة في تفسير الآية ١٤٧ من الأعراف الآتية وفي الآية ٢٢ من سورة الزمر في ج ٢ فراجعهما، قال تعالى يا أيها الناس «إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شاهِداً عَلَيْكُمْ» بايمان من آمن وكفر من كفر وهو محمد ﷺ الذي بلغكم أمرنا «كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا ١٥» شاهدا على قومه القبط وعلى بني إسرائيل وهو موسى ﵊ وخص بالذكر دون سائر الأنبياء لأن القبط كذبوه وبني إسرائيل آذوه وازدروه كما فعلت قريش بمحمد من الإيذاء والإهانة «فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ» ولم يمتثل أمره وقاومه وتحداه بسحرته فأخسأه الله ووفق السحرة للإيمان به وآب هو وقومه بالإصرار على الكفر «فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلًا ١٦» شديدا غليظا لا رحمة فيه بأن أغرقه وقومه، وهذا تخويف لكفار مكة بأنهم إذا لم يذعنوا لنبيهم يوقع بهم عذابا مماثلا بعذابهم في الدنيا وأما في الأخرى فانظر ما هو «فَكَيْفَ تَتَّقُونَ» العذاب الأكبر الدائم «إِنْ كَفَرْتُمْ» وبقيتم على كفركم «يوما» مهولا عظيما «يجعل» يصيّر فيه «الولدان» لشدة هوله «شِيباً ١٧» شيوخا شمطاء أي لو فرض لكان لأن الآخرة لا شيب، فيها وإنما هو مثل ضربه الله لشدة الغمّ والكرب والهم، قال المتنبي:
والهم يخترم الجيم نحافة ... ويشيب ناصية الفتي ويهرم
وقال حسان بن ثابت:
إذا والله نوميهم بحرب ... يشيب الطفل من قبل المشيب
وذلك أن كل ما يخاف منه يورث الهم والهرم والمشيب أي إن كنتم لا تخافون أن تؤخذوا بالدنيا كأخذ فرعون ألا تخافون هول اليوم الآخر الذي يصيّر الشباب شيبا وكلكم صائر إليه وذلك حين يقول الله تعالى لآدم قم فابعث بعث النار من
стр. 96
ذريتك كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري قال: قال ﷺ : يقول الله يا آدم، فيقول لبيك وسعديك والخير في يديك، فينادى بصوت عال إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعث النار (أي أهلها المخلوقين لها ازلا من بين الخلائق الموجودين في المحشر) راجع تفسير الآية ٣٨ من سورة مريم الآتية وذلك بعد الحساب وقبل أن يقول الله تعالى (وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ) الآية ٥٩ من سورة يس الآتية بدليل قوله (قال يا رب وما بعث النار؟ قال من كل ألف تسعمائة وتسع وتسعون) فحينئذ تضع الحامل حملها ويشيب الوليد وترى الناس سكارى راجع الآية الأولى من سورة الحج في ج ٣، فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم قالوا يا رسول الله أيّنا ذلك الرجل؟
فقال: أبشروا فإن من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعا وتسعين ومنكم واحد، ثم قال: أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود، وفي رواية كالرخمة (الأثرة بباطن عضد الحمار) في ذراع الحمار، وإني لأرجو أن تكونوا رباع أهل الجنة فكبّرنا ثم قال ثلاث أهل الجنة فكبّرنا ثم قال شطر أهل الجنة فكبّرنا، وفائدة هذا التدريج من الربع إلى الثلاث إلى الشطر المبالغة في الإكرام وهو أوقع في النفس من الإعطاء دفعة واحدة، وفي تكرير البشارة حملهم على الشكر مرة بعد أخرى، وما قيل إن هذا اليوم عند زلزلة الساعة قبل خروجهم من الدنيا جريا على ظاهر الآية المارة حقيقة وان إجراءها على يوم القيامة مجاز بعيد عن السياق فإن ظاهر الآية وحقيقتها هو ما ذكر والله أعلم بالواقع يؤيده قوله تعالى «السَّماءُ» هذه التي تشاهدونها الآن مع عظمتها «مُنْفَطِرٌ بِهِ» منشقة في ذلك اليوم من شدة الهول فما بالك بغيرها وهل يكون انفطارها إلا في يوم القيامة وهذا وعد حق من الله «كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا» واقع لا محالة إن الله لا يخلف وعده «إِنَّ هذِهِ» الآيات المنزلة عليك يا سيد الرسل «تذكرة» عظات وعبرا لقومك «فَمَنْ شاءَ» منهم قبل حلوله «اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا ١٩» طريقا للخلاص من هوله بالإيمان والطاعة لما أمر به ونهي ت (٧)
стр. 97
عنه وإلا فلا مناص عن الهلاك فيه والوقوع في شره، وهذه الآية المدنية الأخيرة قال تعالى «إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَ» يعلم أنك تقوم «نِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ» لعلمه أنهم يقومون أيضا مثل قيامه «والله» المطلع عليكم هو «يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ» لا يفوته علم ما تفعلونه فيه أنتم وسائر مخلوقاته ولكنه جلّت قدرته «عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ» ولن تستطيعوا ضبط ساعاته ولا يتأتى لكم حسابها على النحو المطلوب منكم بالتعديل والتسوية. ولما كان في ذلك مشقة عليكم وكلفة «فَتابَ عَلَيْكُمْ» ورفع التبعة عنكم ورخص لكم ترك قيامه كله وأسقطه عنكم تخفيفا عليكم بعفوه ولطفه وذلك أن الأصحاب كانوا يقومون الليل كله مخافة أن لا يصيبوا القدر الذي أمروا به لأنهم لا يدرون متى الثلث والنصف والثلثان على الضبط فاشتد ذلك عليهم حتى تورمت أقدامهم فأنزل الله «فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ» أي جزءا من أجزائه حسب استطاعتكم. هذا، وما قيل إنه كان بين نزول الآيات أول السورة وهذه الآية سنة وستة عشر شهرا لأن فرض القيام كان قبل فرض الصلاة، يردّه ما يأتي آخر هذه الآية على أن فرضيته قبل فرض الصلاة على فرض صحتها لا تدل على أنه كان بعد تلك المدة وإنما كان قيام الليل بالمقدار الأول الوارد أول السورة فرضا كما ذكر آنفا فخففه الله في هذه الآية إلى النقل وكان بمقدار معين فجعله الله بشيء يسير منه وبمطلق قراءة آية ما بين المغرب والصبح حسب الاستطاعة. والصحيح ان قيام الليل بقي ما يقارب عشر سنين فرضا على حضرة الرسول نفلا على من تبعه ممن آمن به من أمته، ثم خففت فرضيته في حقه وبقي سنة في حق أمته بدليل قوله تعالى (فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ) الآية ٧٩ من سورة الإسراء الآتية كما سنبينه في تفسيرها إن شاء الله. وتقدم في مطلب الناسخ والمنسوخ التوجيه بين هذه الآية والآيات التي في صدر هذه السورة فراجعه ومنه تعلم أن لا ناسخ ولا منسوخ هنا خلافا لما قاله بعض المفسرين بل أكثرهم بأن الآيات الأول منسوخة في هذه الآية الأخيرة، روى مسلم عن سعيد بن هشام قال: انطلقت إلى عائشة فقلت
стр. 98
يا أم المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول الله، قالت الست تقرأ القرآن؟ قلت بلى، قالت فإن خلق رسول الله القرآن، قلت فقيام رسول الله يا أم المؤمنين؟
قالت ألست تقرأ المزّمل؟ قلت بلى، قالت فإن الله افترض القيام أول هذه السورة فقام رسول الله وأصحابه حولا حتى انتفخت أقدامهم وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرا في السماء ثم أنزل التخفيف في آخر هذه السورة فصار قيام الليل تطوعا بغير فريضة. وهذا إذا صح يكون التخفيف نزل بمكة أيضا إلا أن السياق ينافيه ولأن الزكاة لم تفرض إذ ذاك كما أن الصلاة لم تفرض أيضا، ولأن هذه السورة نزلت بعد فترة الوحي إلا أن يقال أن تلك المدة المذكورة في الحديث بالنسبة إلى وجود حضرة الرسول بالمدينة وإعلانه وأصحابه أمر القيام ومداومتهم عليه لأنهم كانوا لا يقدرون على إعلان العبادة في مكة، وروى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ألم أخبر أنك تقوم الدهر وتقرأ القرآن كل ليلة؟ قلت بلى يا رسول الله ولم أرد بذلك إلا الخير، قال: نعم فصم صوم داود [كان ﵇ يصوم يوما ويفطر يوما] وكان أعبد الناس في زمانه، واقرأ القرآن في كل شهر مرة، قال: قلت يا رسول الله إني أطيق أفضل من ذلك، قال فاقرأ في كل عشر، قال: قلت يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك.، قال فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك.
مطلب تخفيف قيام الليل ونقل الكسب والصدقة:
ثم ذكر الله حكمة التخفيف المعبر عنه بالنسخ في أغلب كتب المفسرين فقال:
«عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى» يشق عليهم القيام أو يزيد في مرضهم أو يسبب لهم مرضا آخر إذا بقوا على حالتهم الأولى بدليل الحديث المتقدم ذكره إذ جاء فيه ان انتفخت أقدامهم وهذه حكمة أخرى غير حكمة عسرة الإحصاء تقدير الأوقات مقتضية للتخفيف «وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ» يسافرون للتجارة والزيارة والعمل وغيره «يَبْتَغُونَ» الربح «مِنْ فَضْلِ اللَّهِ» وطلب العلم وصلة الرحم وأداء الفرض والسنة من حج وعمرة طلبا للأجر، وهذه حكمة ثالثة
стр. 99
في التخفيف، والحكمة الرابعة هي «وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» غزاة مجاهدين أو مرابطين وهؤلاء لا يتمكنون من قيام الليل لأنهم في مشقة فلا يتحملون مشقة أخرى فوقها، وقد سوى ﷻ بين المكتسب والمجاهد، لأن كسب الحلال جهاد أيضا. روي عن أبن مسعود قال: أيما رجل جلب شيئا إلى مدينة من مدائن المسلمين صابرا محتسبا فباعه بعد يوم كان عند الله بمنزلة الشهداء، ثم قرأ «وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ» . الآية وقال ابن عمر ﵄: ما خلق الله موتة أموتها بعد القتل في سبيل الله، أحب إلي من أن أموت بين شعبتي رحل أضرب في الأرض، أبتغي من فضل الله. وأخرج سعيد بن منصور البيهقي في شعب الإيمان، وغيرهما عن ابن عمر قال: ما من حال يأتيني عليه الموت بعد الجهاد في سبيل الله أحب إليّ من أن يأتيني وأنا بين شعبتي جبل التمس من فضل الله، وتلا هذه الآية، قال تعالى: «فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ» أي القرآن، وأعاده تأكيدا على كفاية قراءة جزء يسير منه وحصول المقصود فيه في الصلاة بقوله تعالى: «وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ» المفروضة بما تيسر لكم من قراءته. واستدل أبو حنيفة ومن رأى رأيه في هذه الآية على أن المفروض في الصلاة هو قراءة مطلق آية منه مثل «ثُمَّ نَظَرَ» الآية ٢١ من المدثر الآتية. وقال مالك والشافعي ومن رأى رأيهما أن ما تيسر هو الفاتحة، ولكل وجهه، قال تعالى: «وَآتُوا الزَّكاةَ» الواجبة عليكم المعلومة في كتب الفقه، وسنين ما يتعلق بها في تفسير الآية (٢٦٠) من البقرة والآية ٦٠ من سورة التوبة في ج ٣، قال تعالى: «وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً» بأداء زكاة أموالكم المفروضة عليكم لأربابها، وفي وصف القرض بالحين تنبيه على إعطائها كاملة عن طيب قلب، ولأجل أن يطمئن المتصدق على ذلك ينبغي أن يتصدق زيادة على الفرض كصدقه التطوع وصلة الرحم وقرى الضيف والتصدق على أهل الذّمة المعدمين وعلى الحيوان، فإن في كل كبد حرّاء أجرا، ويخص الأقرب فالأقرب ويدل قوله تعالى «حَسَناً» على أن يكون المتصدّق به من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب، وتدل إضافة القرض لذاته الكريمة على عدم المنّ على
стр. 100
الفقير بما يعطيه لأنه معاون له على الأجر، فالمنة لله وحده، وأن تكون من وسط الأموال ان لم تكن من أحسنها كما سيأتي في الآية ٢٦٧ من البقرة أيضا، ولهذا يقول تعالى قوله: «وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ» أيها المؤمنون «مِنْ خَيْرٍ» ما ولو قليلا جدا، فإنكم «تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ» في اليوم الآخر هو «خيرا» من الذي ادخرتموه «وَأَعْظَمَ أَجْراً» من الذي قضيتم فيه مصالحكم، وقرىء خير بالرفع على لغة تميم الذين يرفعون الفاصلة، فيقولون: كان زيد هو العاقل.
روى البغوي بسنده عن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ : أيكم ماله أحب اليه من مال وارثه؟ قالوا: يا رسول الله ما منا أحد إلا وماله أحب اليه من مال وارثه، قال: اعلموا ما تقولون، قالوا ما نعلم الّا ذلك يا رسول الله، قال: ما منكم رجل إلا مال وارثه أحبّ اليه من ماله، قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: إنما مال أحدكم ما قدّم، ومال وارثه ما أخر، هذا «وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ» في تقصيركم فيما فرضه الله عليكم من الصلاة والزكاة. ولذلك شرعت الواجبات إكمالا للفرائض والسنن إكمالا للواجبات. لأنه إذا اقتصر على الفرض، فلو بما أن يكون قصّر فيه فيكون في شكّ في إتمام ما أمر به «إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ» لما وقع منكم من التقصير، دون علم وتعمد في هذين الفرضين وغيرهما «رَحِيمٌ ٢٠» بعباده لا يؤاخذهم على الخطأ والنسيان فيما أمرهم به ونهاهم عنه. والدليل على نزول هذه الآية بالمدينة الأمر فيها بإقامة الصلاة حيث فرضت ليلة الإسراء ٢٧ رجب سنة ٥١ السنة العاشرة من البعثة بمكة ولم تكن إقامتها علنا إلا بالمدينة.
مطلب فرض الزكاة والصلاة وتاريخهما ومحلهما أما الزكاة فقد فرضت في السنة الثانية من الهجرة سنة ٥٥ من ميلاده، فيكون بين آيات القيام المبينة أول السورة وبين آية التخفيف فيه، هذه ما يقارب عشر سنين، وعليه يكون نزول هذه السورة سنة ٤٥ من ميلاده الشريف الرابعة من البعثة، ثم فتر الوحي بعد هذه السورة وما قيل ان آية (وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا) المارة نسخت بآية (ذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ) المارة بعدها، وكذلك آية «فَمَنْ شاءَ
стр. 101
اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا»
بآية «وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ» المارة بعدها، أو بآية السيف لا وجه له كما سيأتي. واعلم أن هذه الآية عدا آية المداينة ٢٨٠ والآيتين من سورة البقرة ١٠١ و ٢٥٨ والآيتين من النساء ٤٤ و ٩١ والآية من المائدة ١٠٩ في ج ٣ تعد من أطول آي القرآن مما يدل على مدنيتها أيضا، لما ذكرناه في بحث مميزات المكي والمدني بأن غالب آيات المدني طوال والمكي قصار.
مطلب لا محل للبحث في ترتيب الآيات والسور وتدل أيضا على أن ترتيب الآيات مع سورها توقيفي كما ذكر قبلا في بحث وضع السور والآيات، وانه أمر من حضرة الرسول ولا دخل لأحد من الأصحاب في ذلك، وهو موافق لما في لوح الله المحفوظ ولا يعلم الحكمة في هذا الترتيب إلا الله والمنزل عليه، ولذلك فإن العلماء تحاشوا البحث فيه، وإنما أشاروا الى بعض المناسبات مما في السورة الأولى للتي تليها. إذن لا مجال للقول والتقول في هذا الشأن البتة. تأمل وحسن نيتك وعقيدتك تفز وتنجح ويفتح عليك هذا والله أعلم، وأستغفر الله ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم صلاة وسلاما دائمين متلازمين الى يوم الدين والحمد لله رب العالمين.
تفسير سورة المدّثر عدد ٤- ٧٤
نزلت بمكة بعد فترة الوحي، وبعد سورة المزمل بثلاث سنين أو ثلاثين شهرا، وهي ست وخمسون آية، ومائتان وخمس وخمسون كلمة، وألف وعشرة أحرف.
بسم الله الرحمن الرحيم،
قال تعالى «يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ» بدثار النبوة تنبّه لما يلقى عليك من الوحي. وإنما خاطبه ربه بذلك لأنه كان يقول بعد نزول الوحي عليه:
دثروني دثروني، ثم صار يخاطبه مرة بيا أيها النبي، وأخرى يا أيها الرسول وتارة يكنى عنه بالضمير، وطورا يسميه باسمه، وقد أمره جل شأنه في هذه السورة بما يجب عليه من أمر الرسالة التي شرفه بها بعد أمره قبلا بالقراءة، وهو أول أمر من نوعه فقال: «قم» من دثارك «فأنذر» قومك وحذّرهم عذاب ربك،
стр. 102
وقد ذكرنا أن هذه السورة أول سورة نزلت بعد فترة الوحي لانه بدأ بأول العلق ثم بسورة القلم ثم المزمل عدا الآيات المستثنيات منها كما أشرنا إليها في مواضعها، ثم فتر الوحي ثلاث سنين أو ثلاثين شهرا على اختلاف في ذلك لم ينزل فيها على النبي شيء من القرآن، ولم يتل على الناس غير السور الثلاث المذكورات، ولم يدعهم إلى شيء، ثم نزلت المدثر كما ذكرناه في حديث جابر المتقدم في مطلب فترة الوحي المارّ الذي رواه الشيخان إذ قال فيه: (سمعت رسول الله ﷺ يحدث عن فترة الوحي) ويدل أيضا قوله فيه: (فإذا الملك الذي جاء بحراء) وتقدم تفصيله هناك، وعقبه بقوله وأنزل الله يا أيها المدثر.
هذا، ومن قال إن المدثر أول سورة نزلت أراد أنه بعد فترة الوحي أولية اضافية لا مطلقة، ومن أراد الأولية المطلقة لا برهان له بها، وقد صرح الزهري بضعفه وعدم الاعتداد به، وقد وقعت فترات أخرى كالفترة التي وقعت بعد سورة الفجر وهي خمسة عشر يوما، وقد ظن البعض وتبعهم (درمنغام) المار ذكره في المقدمة، في بحث الشهادة في مدح الكتب الأربعة في مطلب الناسخ والمنسوخ
مطلب أول سورة نزلت وفترة الوحي وسببها
إن الضحى نزلت بعد فترة الوحي وهي أول ما نزل والحال قد نزل قبلها بضع سور كما ستعلم، وان الذي نزل أولا هو المدثر كما ذكرنا.
وسبب الفترة الأولى هو تحريك قوى الرسول الى اشتياق نسمات الوحي القدسية، فيذهب عنه ما كان يجده من الرعب والخوف، ويتلقّى الوحي بقبول وشوق وتعطش وانشراح صدر، وأ تزداد رغبته فيه.
وأما الفترة الثانية فقد جاء في الصحيحين عن جندب بن سليمان، أن النبي ﷺ اشتكى (توجع) فلم يقم ليلتين أو ثلاثا الى تهجده وتلاوته فقالت امرأة: (هي أم جميل بنت أبي سفيان زوجة أبي لهب) يا محمد إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، فلم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث، فأنزل الله «وَالضُّحى» كما رواه الحاكم عن زيد بن أرقم أيضا. وكان هذا بعد نزول «تَبَّتْ يَدا» . وروى ابن
стр. 103
جرير من طريقين مرسلين أن جبريل أبطأ على النبي ﷺ ، فجزع جزعا شديدا فقالت خديجة: إني أرى ربك قد قلاك مما يرى من جزعك، فنزلت. ومعارضة رواية الصحيحين بهذه الرواية المرسلة تسقط اعتبارها. وقد جمع الحافظ ابن حجر بينهما بأن خديجة قالت ما قالت توجعا عليه ﷺ ، وحمّالة الحطب قالت ما قالت شماتة به، من الوحي المحمدي ص ١٠٠ من باب فترة الوحي، وأول ما نزل بتصرف، وما ذكرناه هو المعتمد عند المحدثين في أول ما نزل من القرآن، وفي مدة الفترة وأول ما نزل بعدها، وفي فترة سورة الضحى، وقد غلط مجاهد في قوله: «ن وَالْقَلَمِ» أول ما نزل هذا، وما روي عن علي ﵇، إن أول سورة نزلت هي الفاتحة واعتمدها الإمام محمد عبده، فإذا صحت هذه الرواية يكون المراد منها أنها أول سورة تامة نزلت بعد بدء الوحي بالتمهيد الكوني ثم بالأمر بالتبليغ الإجمالي، وتلاها فرض الصلاة وآية المزمل، أو نزلتا في زمن واحد. وقد ذكرت آخر (العلق) المارة أن المراد بالصلاة الواردة بالآيات المكية من بدء نزول الوحي إلى نزول سورة الإسراء الآتية هي الركعتان اللّتان فرضها الله على الرسول ﷺ وحده التي لم يزل يعمل بها هو ويعفي أصحابه من غير أن تفرض عليهم حتى فرضت الصلوات الخمس. قال تعالى: «وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ٣» عظمه ونزهه عن عبادة الأوثان التي انكب عليها قومك «وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ٤» عن كل مستقذر لان قومك يجرّون ثيابهم في الأرض تكبرا وخيلاء ولا يحترزون من النجاسة ٨ وطهر نفسك مما هم عليه من القبائح، وقد كشنى بالثياب عن الجسد لاشتمالها عليه، وقد جاء بمثله عنترة في قوله:
وشككت بالرمح الأصم ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمحرّم
أراد نفسه وجسمه، والعرب تعبّر بطهارة الثوب عن وصف صاحبه بالصدق والوفاء والعفاف. ولما كان الثوب ملازما للانسان كنّوا به عنه يقال: الكريم في ثوبه، والعفة في إزاره، كما يقال للغادر خبيث الرداء دنس الثياب، وحيث وإن كانت الطهارة مطلوبة فى الثوب والجسد فالأمر هنا يشملهما معا «وَالرُّجْزَ»
стр. 104
الذي يعبده قومك من دون الله «فَاهْجُرْ ٥» ولا تقربه أبدا «وَلا تَمْنُنْ» بما أعطاك الله في الرسالة والذكر على قومك وغيرهم «تَسْتَكْثِرُ ٦» به في طلب الأجر منهم ولا تقل دعوتهم فلم يقبلوا مني، بل عد عليهم المرة بعد الأخرى وادعهم الى عبادة الله ولا تستكثر تكرار دعوتك لهم، فإن لك الأجر العظيم بذلك، وقال بعض المفسرين لا تعط مالك وترى ما تعطيه كثيرا أو تطلب أكثر منه بناء على ما اعتاد قومه من العادات غير المرضية، انهم كانوا يعطون الهدية بقصد أن يهدى لهم أكثر منها، ومن أمثالهم، الهدية تأتي على حمار، وترجع على جمل، حثا للمهدي على إهداء الكثير، فنهى رسوله عن ذلك تنزيها لمنصب النبوة لأنه مأمور بأجل الأخلاق وأشرف الآداب ويدل على ما جرينا عليه قوله تعالى: «وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ٧» لأن المعنى الذي ذكروه لا يحتاج إلى الصبر حتى يأمر به، ولأن من أعطى شيئا لغيره طلبا للزيادة لا بد وأن يتواضع الذي أعطاه، ومنصب النبوة يجل عن ذلك كيف وهي تعلم الناس الإباء عن كل ما يخل بالاحترام ومكارم الأخلاق، وقيل هما رباءان حلال كالهدية الكثيرة لمن أهدى أقل منها وحرام لمن أعطى شيئا بأكثر منه، وقد استدلوا بالآية ٣٨ من سورة الروم ج ٢ وهي (وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ) . وهو لعمري بعيد لأن الظاهر يأباه والمعنى لا ينطبق عليه وتفسيرها بالصورة التي ذكرناها أوّلا أولى وأوفق كما لا يخفى على بصير، وسيأتي لهذا البحث تفصيل في تفسيرها إن شاء الله، وعلى كل يقول الله جل قوله فاصبر يا أكمل الرسل على أذاهم كيفما كان، فكل مصبور عليه مصبور عنه، واصبر على العمل بأوامر ربك ونواهيه فالدنيا كلها فانية «فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ ٨» أي نفخ إسرافيل في البوق النفخة الأولى «فَذلِكَ» يوم النفخ «يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ ٩» شديد هوله «عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ١٠» بل عسير جدا، وهي بلفظ يسير لتكرار التأكيد، وفي تخصيصه بالكافرين دلالة على أنه هين على المؤمنين إن شاء الله.
стр. 105
مطلب ما نزل في الوليد بن المغيرة ثم في خبث أبي جهل
«ذَرْنِي» خل بيني «و» بين «مَنْ خَلَقْتُ» في بطن أمه «وَحِيداً ١١» لا مال له ولا ولد ولم يشاركني في خلقه أحد، فدعه وكله لي فأنا أكفيكه «وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً ١٢» كثيرا غير منقطع إنماؤه، وكان له أرض بالطائف لا ينقطع ثمرها ومن النقد تسعة آلاف مثقال وإبل وخيل وغنم وعبيد وجوار كثيرة وكان قبل لا شيء عنده كما ذكر ابن عباس «وَبَنِينَ شُهُوداً ١٣» لا يغيبون عنه ولا يضعفون صيفا ولا شتاء لغنائهم ويحضرون معه المحافل ليعتزبهم وهم عشرة أسلم منهم خالد وهشام وعمارة فقط «وَمَهَّدْتُ» بسطت له من العيش وكل ما يحتاجه «تَمْهِيداً ١٤» مع الرئاسة على قومه وطول العمر، وكان يدعى ريحانة قريش. والمراد به من هذه الآيات من ذرني فما بعد الوليد بن المغيرة المخزومي إن كان بدأ البعثة فقيرا لاسعة له في المال والولد، وكان عليه بعد أن منّ الله عليه بتلك السعة أن يؤمن بحضرة الرسول لا أن يكفر به حتى اقتضى نزول هذه الآيات فيه. ومن هذا يستدل على أن هذه السورة لم تنزل جملة واحدة بل نزل القسم الأول منها، ثم نزل ما هو بحق الوليد بعد حيث لم تنزل سورة بتمامها قبل الفاتحة كما ذكرنا آنفا انه كانت تنزل الآية والآيتان والجملة والجملتان على حضرة الرسول ليتمّرن على تلقي كلام ربه، وما قيل ان هذه الآية منسوخة بآية السيف لا وجه له لأنها من الأخبار وقد ذكرنا قبلا أن الأخبار لا يدخلها النسخ في الآية/ ٤٤/ من سورة القلم المارة قال تعالى: «ثُمَّ يَطْمَعُ» يرجو مع كفره وتكبره وعدم شكره وإيمانه «أَنْ أَزِيدَ ١٥» له مالا وبسطة وولدا «كلا» لا يطمع ولا يرجو فلا أفعل له ذلك مادام على ما هو عليه «إِنَّهُ كانَ» ولا يزال «لِآياتِنا» المنزلة على رسولنا «عَنِيداً ١٦» عاتيا لا يميل لدلائل توحيدنا منكرا لا يصدق رسولنا جاحدا النبوة واليوم الآخر والتوحيد قال مقاتل ما زال الوليد بعد نزول هذه الآية في نقص من المال والولد والرفعة والجاه حتى هلك وكان كفره عنادا وهو أفحش انواع الكفر الأربعة المبينة في الآية ٤ من سورة البروج
стр. 106
الآتية في ج ٢ «سَأُرْهِقُهُ» ألجئه وأضايقه بشدة وقسر أن يصعد «صَعُوداً ١٧» جبلا شامحا في جهنم زيادة في مشقة العذاب لاراحة له معها، عن أبي سعيد الخدري قال: قال ﷺ الصعود عقبة في النار يتصعد فيها الكافر سبعين خريفا ثم يهوي بها سبعين خريفا فهو كذلك أبدا! أخرجه الترمذي بلفظ غريب وهو ما رآه راء قط وسيأتي له بحث في تفسير الآية ٨ من سورة الإسراء الآتية- وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ في قوله: (سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً) قال هو جبل من نار يكلف أن يصعده. فإذا وضع يده ذابت، فإذا رفعها عادت يؤيده قوله تعالى: «كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها» الآية ٥٦ من سورة النساء في ج ٣، ثم عدد مثالب الوليد الأخرى زيادة على ما بينه قبلا وفي الآية ٩ فما بعدها في سورة القلم المارة فقال جل قوله: «إِنَّهُ» عند سماع القرآن «فكّر» ماذا يقول فيه «وَقَدَّرَ ١٨» هيأ كلاما في نفسه وذلك لما أنزل الله سورة حم الجاثية وقيل فصلت، وكان يصلي في المسجد، كان الوليد بن المغيرة قريبا منه يسمع قراءته ففطن له النبي ﷺ فأعاد قراءة الآية فانطلق الوليد حتى أتى مجلس قومه من بني مخزوم فقال: والله لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، والله إنّ له لحلاوة «وان عليه لطلاوة، وإن عليه لثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يعلى عليه، ثم انصرف إلى منزله فقالت قريش: صبأ والله الوليد ولتصبون قريش كلها، فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه فانطلق حتى جلس إلى جنب الوليد حزينا، فقال له ما لي أراك حزينا يا ابن أخي فأجابه الخبيث: وما يمنعني أن لا أحزن وهذه قريش يجمعون لك نفقة ليعينوك بها على كبر سنك، ويزعمونك أنك زيّنت كلام محمد وأنك تدخل على ابن أبي كبشة وابن أبي قحافة لتنال من فضل طعامهما، فغضب الوليد وقال: ألم تعلم قريش أني من أكثرهم مالا وولدا، وهل شبع محمد من الطعام حتى يكون له
فضل؟ ثم قام مع أبي جهل حتى أتى مجلس قومه فقال لهم: تزعمون أن محمدا مجنون فهل رأيتموه يحنق قط؟ قالوا: اللهم لا، قال: تزعمون أنه كاهن فهل
стр. 107
رأيتموه تكهّن قط؟ قالوا: اللهم لا، قال تزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه ينطق بالشعر قط؟ قالوا اللهم لا، قال تزعمون أنه كذاب فهل جربتم عليه شيئا من الكذب قط؟ قالوا: اللهم لا، وكان يسمى الأمين قبل النبوة لصدقه، فقالت قريش للوليد:
فما هو إذن؟ فتفكر في نفسه ثم قال: ما هو إلا ساحر، أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه فهو ساحر، وما يقوله ما هو إلا سحر يؤثر، فذلك قوله «فَكَّرَ وَقَدَّرَ» وهذا مما يدل أيضا على أن هذه السورة لم تنزل دفعة واحدة، فإن الآيات من ذرني إلى آخرها متأخرة في النزول عنها، لأن سورة حم هذه لم تنزل بعد والحواميم كلها نزلت متتابعة كما سيأتي في الجزء الثاني.
وعلى القول بأنها نزلت معها تكون من قبيل الإخبار بالغيب، وسنزيد هذا البحث بحثا عند تفسيرها إن شاء الله القائل «فَقُتِلَ» وعذّب وأهين «كَيْفَ قَدَّرَ ١٩» وهذا الاستفهام على طريق التعجب والإنكار والتوبيخ «ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ٢٠» كرره تأكيدا اشعارا بأن هذا دعاء عليه أبلغ من الأول
«ثُمَّ نَظَرَ ٢١» في وجوه الناس يبين لهم ما يدفع به القرآن ويردّه «ثُمَّ عَبَسَ» كلح وجهه واغبر «وَبَسَرَ ٢٢» تقطب وجهه واكفهر وزاد في التقبض، وأظهر العبوس قبل أو انه ومنه قيل لما لم ينضج من الثمر بسر. ويأتي بمعنى العبوس مطلقا، وعليه قول ثوبة:
لقد رابني منها صدود رأيته ... وإعراضها عن حاجتي وبسورها
قال تعالى: «ثُمَّ أَدْبَرَ» ولى بظهره عن الحق «وَاسْتَكْبَرَ ٢٣» عن الإيمان به واختلق ما افتراه «فَقالَ إِنْ» ما «هذا» الذي يتكلم به محمد «إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ٢٤» يروى عن السحرة إن «هذا» الذي يقوله محمد «إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ٢٥» يتلقاه عنهم ويحكيه لنا ما هو قول الله كما يزعم، قال تعالى: فدعه يا محمد وما يقول «سَأُصْلِيهِ» أحرقه وأدخله «سَقَرَ ٢٦» علم لجهنم لا ينصرف لعلتي التعريف والتأنيث «وَما أَدْراكَ» يا حبيبي «ما سَقَرُ ٢٧» صدر الجملة بالاستفهام على سبيل التهويل والتعظيم، أي ما أعلمك ماهي هي «لا تُبْقِي» لحما «وَلا تَذَرُ ٢٨» عظما فلا يلقى فيها شيء إلا أحرقته وأذابته «لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ ٢٩» مغيرة جلودهم
стр. 108
البيض سودا «عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ٣٠» ملكا هم خزنتها عدا مالك فإنه بوّابها، قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية قال أبو جهل لقريش ثكلتكم أمهاتكم اسمع من ابن أبي كبشة يخبر قومه، أن خزنة النار تسعة عشر وأنتم الدهم الشجعان أفيعجز كل عشرة منكم أن تبطش بواحد منهم، فقال أبو الأشعر بن أسيد بن كلدة بن خلف الجمحي: أنا أكفيكم سبعة عشر، عشرة على ظهري، وسبعة على بطني، واكفوني أنتم اثنين. ويروى عنه أنه قال: أنا أمشي بين أيديكم على الصراط فادفع عشرة بمنكبي الأيمن، وتسعة بمنكبي الأيسر في النار. ونمضي فندخل الجنة، فأنزل الله جل إنزاله
«وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ» خزنتها «إِلَّا مَلائِكَةً» لا رجالا فمن ذا يغلبهم، وإن واحدا منهم كاف لتعذيب الثقلين، وليس فيهم مظنة الرحمة والرأفة لأنهم ليسوا من جنس المعذّبين. راجع الآية ٦ من سورة التحريم في ج ٣، «وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً» امتحانا «لِلَّذِينَ كَفَرُوا» يقولوا ما قالوه وقد جئنا بهذا العدد «لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ» صحة ما أنزلناه على محمد لأن هذا العدد مكتوب في التوراة والإنجيل وليتيقنوا أن محمدا لم يقل شيئا من نفسه وان كل ما يقوله من عند الله تعالى مصدق لكتابهم.
مطلب الحواس الباطنة والظاهرة والأخبار بالغيب
وقيل المخصّص لهذا العدد اختلاف البشرية في النظر والعمل بسبب القوى الحيوانية الاثني عشر يعني الحواس الخمس الباطنة أو الخمس الظاهرة والقوة الباعثة كالغضبية والشهوية والقوة المحركة، فهذه اثنا عشرة، والطبيعيات السبع ثلاث منها مخدومة وهي النامية والغازية والمولدة، وأربع منها خادمة وهي الهاضمة والجاذبة والدافعة والماسكة، وهذا مع ابتنائه على الفلسفة لا يكاد يتم، كما لا يخفى على من وقف على كتبها، والحقيقة في حكمة هذا العدد لا يعلمها إلا الله القائل: «وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا» من أهل الكتابين والذين آمنوا بالقرآن «إِيماناً» تصديقا بمحمد وما أنزل عليه بأنه وحي سماوي لأنه أخبر به دون تعلم أو دراسة «وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ» في عددهم وليخالف حالهم حال المشركين والكفار
стр. 109
«وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ» نفاق وشك وريب «وَالْكافِرُونَ» من المشركين «ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا» أي ما معنى هذا العدد العجيب ولأي شيء اختاره على غيره، وهذه الآية من الإخبار بالغيب قبل الوقوع فهي من معجزاته ﷺ لأنه أعلم بإعلام الله إياه بأنه سيكون منافقون يرتابون في هذا القرآن، لأن هذه السورة مكية بالاتفاق ولا يوجد زمن نزولها منافقون، والنفاق ظهر بالمدينة، ولهذا جاء الفعل بلفظ المستقبل «كَذلِكَ» مثلما أضل الله منكري عدد الخزنة «يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ» من غيرهم ممن اقتفى آثار الكفر وأعرض عن الإيمان «وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ» ممن آمن به وصدق رسله «وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ» الذين من جملتهم خزنة جهنم «إِلَّا هُوَ» وحده لأن ملائكته لا يحصون وهذا كالجواب للخبيث أبي جهل لقوله: ما لمحمد أعوان إلا تسعة عشر، أي له أعوان كثيرون لا يعلمهم إلا الله، فكما أن مقدراته غير متناهية فكذلك جنوده، وإن الواحد منهم كاف لخراب الدنيا بما فيها، راجع الآية ٨١ من سورة هود في ج ٢ «وَما هِيَ» أي سقر الموصوفة آنفا «إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ ٣١» وموعظة وما مواعظ القرآن وآياته إلا عبرة للناس يتذكرون بها «كلّا» إن البشر لا يتعظون بها ولهذا فانه تعالى أقسم جل قسمه فقال «وَالْقَمَرِ ٣٢» الذي جعلته نورا لخلقي «وَاللَّيْلِ» الذي خلقته راحة لعبادي «إِذْ أَدْبَرَ ٣٣» ولّى وقرىء دبر بمعنى أدبر كقبيل بمعنى اقبل تقول دبرني فلان جاء خلفي والليل يأتي خلف النهار «وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ ٣٤» اعترض مضيئا بالأفق وقرىء سفر وقد أقسم الله بها لعظم منافعها كما لا يخفى وجوب القسم لهذه الأيمان الثلاث قوله جل قوله «إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ ٣٥» الأمور العظام لأنها احدى دركات النار السبعة وهي: ١ جهنم، ٢ والحطمة، ٣ لظى، ٤ السعير، ٥ سقر، ٦ الجحيم، ٧ الهاوية. وكل واحدة منها داهية دهماء عظيمة في البلاء جعلت «نَذِيراً لِلْبَشَرِ ٣٦» قال الحسن والله ما أنذر بشيء أدهى من النار وهذا النذير قد حصل للجميع «لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ» أيها الناس «أَنْ يَتَقَدَّمَ» للطاعة ويبادر لفعل الخير فينجو منها «أَوْ يَتَأَخَّرَ ٣٧»
стр. 110
عنها فيقع في الشر والمعصية فيهلك في تلك النار هذا ولا دلالة في هذه الآية لقول من قال إن العبد مجبر على الفعل ومتمكن من فعل نفسه لأن مشيئته تابعة لمشيئة الله وانها على حد قوله تعالى (فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ) الآية ٢٩ من الكهف في ج ٢ أي بعد أن بينا لكم أيها البشر طريقي الخير والشر وأمرناكم باتباع الخير والانكفاف عن الشر وهذا على حد قوله تعالى (اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ) الآية ٤٠ من سورة فصّلت في ج ٢ أي افعلوا ما شئتم فكل مجاز بعمله إن خيرا فخير وان شرا فشر قال «كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ» من الأعمال «رَهِينَةٌ ٣٨» عند ربها غير مفكوك عنها لأنها مأخوذة بعملها ورهينة اسم فعل بمعنى الرهن كالشتيمة بمعنى الشتم وليست بتأنيث رهين لأن فعيلا بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث مثل قتيل وجريح لتكون بمعني اسم الفاعل والمفعول بل هي واحد الرهائن، ثم استثنى الله تعالى من هذا العموم فقال «إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ ٣٩» الذين يعطون كتبهم بأيمانهم وهم المؤمنون المخلصون لأنهم فكوا رقابهم بالطاعة كما يفك الراهن رهنه بأداء ما عليه من الحق، وقد روي عن علي كرم الله وجهه انهم أطفال المؤمنين لأنهم لم يكتسبوا إثما يرتهنون فيه. وقال ابن عباس هم الملائكة. وقيل هم الذين كانوا على يمين آدم يوم أخذ الميثاق وحين قال تعالى هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي لأن
اللفظ عام لا يوجد ما يخصصه وهؤلاء الميامين المباركون «فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ ٤٠» فيما بينهم
«عَنِ الْمُجْرِمِينَ ٤١» فيقولون لهم على سبيل التوبيخ والتقريع «ما سَلَكَكُمْ» أدخلكم وأوصلكم ونفحكم فحبسكم «فِي سَقَرَ ٤٢ قالُوا» لهم زججنا فيها لأنا «لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ٤٣» في الدنيا ولم نعتد فرضيتها «وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ٤٤» في الدنيا بما تفضل الله به علينا ولم نتصدق عليه كما فعل المؤمنون الذين يؤثرون على أنفسهم ولم نكن معدمين لنعذر «و» مع هذا كله فإنا «كُنَّا نَخُوضُ» بالباطل وقول الزور في آيات الله «مَعَ الْخائِضِينَ ٤٥» في البهتان والافتراء والاختلاف «وَكُنَّا نُكَذِّبُ» ننكر أيضا ولا نصدق «بِيَوْمِ الدِّينِ ٤٦» يوم الجزاء والحساب وبقينا متمادين في ذلك كله «حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ ٤٧» الموت
следующие страницы →