Полный текст (3 362 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
والمعوّل على الأول. والإثارة خاصة بالرياح «فَأَحْيَيْنا بِهِ» أي الغيث الناشئ عن السحاب المثار، وعبر عن الميّت بقوله «الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها» بالنبات الناشئ عن هطول الغيث عليها «كَذلِكَ» مثل هذا الإحياء للأرض يكون «النُّشُورُ» ٩ للأموات من البشر حين يقومون من قبورهم فكيف يجحدون البعث بعد أن شاهدوا ما هو من نوعه؟ روى ابن الجوزي عن أبي رزين العقيلي قال قلت يا رسول الله كيف يحيي الله الموتى وما آية ذلك في خلقه؟ قال هل مررت بواد أهلك محلا، ثم مررت به يهتزّ خضرا؟ قلت نعم قال كذلك يحيي الله الموتى وتلك آيته في خلقه. قال تعالى «مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ» فليطلبها من الله لا من غيره «فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً» فليعتزّ بطاعته من يربدها وليمتنع بمنعته لا بالأصنام التي يبتغي الكافرون الشرف بها، لأن الآية نزلت فيهم قال تعالى: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا) الآية ٩١ من سورة مريم الآتية وقال في حق قليلي الإيمان (أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً) الآية ١٣٨ من سورة النساء في ج ٣ ولا ينافي هذا التأكيد قوله تعالى (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) الآية ٩ من سورة المنافقين في ج ٣ لأنها لله بالذات ولرسوله بواسطة قربه منه وللمؤمنين بواسطة قربهم من حضرة الرسول واتباعهم سنّته، ولهذه الإشارة (أعيد الجار وكرر) جاء في مجمع البيان أن أنسا ﵁ روى عن النبي ﷺ أنه قال: إن ربكم يقول كل يوم أنا العزيز فمن أراد عزّ الدارين فليطع العزيز، ومن قدر فليطلبها من الله تعالى، فإن الطلب منه إنما يكون بالطاعة والانقياد. وقد تكون بالشجاعة والكرم والعلم، فهذه الثلاثة هي مصدر العزة، إلا أنه إذا لم يقصدها بتقوى الله فلا خير فيها، إذ تكون عزّة دنيوية موقتة مصيرها إلى الذلّ الدائم في الآخرة إذا لم تنزع منه في الدنيا. وجدير بأن ينزعها الله منه، فاذا نزعت يجتمع عليه ذلان، ولهذا قال تعالى قوله «إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ» بجمع أنواعه صعودا حقيقا سرا كان أو جهرا قولا أو فعلا، لأن له جل شأنه تجسيد المعاني وكيفية صعوده من
стр. 597
المتشابه المفوض تأويله إلى الله، وقدمنا ما يتعلق فيه عند تفسير الآية ٣٠ من سورة ق المارة، وسنوضحه ونسهب البحث فيه في تفسير الآية ٨ من آل عمران ج ٣ إن شاء الله، وإن هذا الصعود على تأويل الخلف مجاز مرسل عن قبوله بعلاقة اللزوم، أو استعارة تشبيهية أي تشبيه القبول بالصعود، وعلى طريقة السلف صعود يعلم كيفية هو، وعلينا الإيمان به «وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ» إليه ويقبله جل شأنه، وأعاد بعض المفسرين ضمير يرفعه إلى الكلم الطيب، وضمير النصب الذي هو الهاء إلى العمل الصالح أي يرفع الكلم الطيب العمل الصالح.
ومنهم من أعاد ضمير يرفعه إلى العمل الصالح، وضمير المفعول منه إلى الكلم الطيب وعليه يكون المعنى والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب وما جرينا عليه أولى. قال تعالى «وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ» يعملونها قصدا لأن مكر لازم لا يتعدى إلا ضمن معنى القصد أو العمل أو الكسب «لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ» بسبب مكرهم ذلك «وَمَكْرُ أُولئِكَ» الماكرين «هُوَ يَبُورُ» ١٠ في الدنيا، ويبطل مفعوله مهما كان، وإذا كان كذلك ففي الآخرة فساد محقق، أما مكر الله فيهم فهو ثابت لا يزول، وقد مكر بهم إذ أخرجهم من مكة بواقعة بدر فأرداهم وطرحهم في قليب بدر وسيعذبهم في الآخرة عذابا عظيما. وأصل البوار فرط الكساد، قال ﷺ : اللهم إني أعوذ بك من بوار الأيّم (كالكيس هي من لا زوج لها بكرا أو ثيبا ومن لا مرأة له كذلك) وما قيل إن هذه الآية نزلت في الذين اجتمعوا في دار الندوة لتداول المكر به ﷺ من قتل أو حبس أو نفي، لا صحة له، لأنه لم يحن بعد وقت التداول فيها، لأنها وقعت قبل الهجرة في آخر نزول القسم المكي من القرآن كما سنبينه آخر سورة العنكبوت في ج ٢ إن شاء الله والحق أن هذه الآية عامة في كل ماكر سيء، وسنبيّن تفصيل حادثة الندوة في تفسير الآية ٣٠ من سورة الأنفال في ج ٣ إن شاء الله إذ ذكر فيها هذه الحادثة صراحة، وقد ألمع إليها قبل وقوعها بثلاث سنين في سورة الإسراء الآتية في الآية ٧٦ كما ستطلع إن شاء الله.
ثم ذكر دليلا آخر
стр. 598
على صحة البعث والنشور فقال «وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ» أي خلق أصلكم آدم ﵇ بدليل قوله «مِنْ تُرابٍ ثُمَّ» خلقكم أنتم يا ذرية آدم «مِنْ نُطْفَةٍ» مكونة من ماءي الرجل والمرأة.
مطلب لكل حظّه من خلق آدم وأن العمر يزيد وينقص:
وقد شمل ضمير خلقكم في هذه الآية ذرية آدم مع أنهم لم يخلقوا في التراب باعتبار ابتداء الخلق منه في ضمن خلق آدم خلقا إجماليا، لأن كلمتي مستقر ومستودع الواردة بعد قوله (أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ) في الآية ٩٨ من سورة الأنعام في ج ٢، والملمع إليها في الآية ١٨٩ من سورة الأعراف المارة، تشعر بذلك، وعلى هذا يكون بطريق التسلسل لكل إنسان حظّ من خلق آدم كما سيأتي تفصيله هناك إن شاء الله «ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً» ذكرانا وإناثا، وزوج بعضكم بعضا لتوالدوا فتكثروا فيباهي بكم الأمم «وَ» اعلموا أيها الناس أنه «ما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ» ما تحمله أو تسقطه قبل تمام أجله «إِلَّا بِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ» يمد في عمره ويطيله «وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ» من سنين وشهور وأيام وساعات ودقائق وثوان ولحظات «إِلَّا فِي كِتابٍ» مدوّن مثبت عند الله في لوحه المحفوظ الحاوي على أعمال العباد وتقلّباتهم في أصغر من الذرة إلى ما شاء الله من الكبر «إِنَّ ذلِكَ» الذي تزعمونه أيها الناس من كتابة أعماركم وآجالكم وأحوالكم ومعرفة ما يزيد منها وما ينقص وما يبدل أو يغير منها جدا عليكم صعب، لا تتمكنون من إجرائه ولكنه «عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ» ١١ سهل لأن الكون بما فيه بمثابة شيء واحد عند الله القائل (ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ) الآية ٣٨ من سورة لقمان في ج ٢ واعلم أن زيادة العمر ونقصه يكون بالنسبة لأسباب مختلفة لا تعلم إلا عند وقوعها، وهي ثابتة عند الله فلا تكون إلا بعلمه وتقديره، مثلا جاء في الحديث الصحيح أن الصدقة تزيد في العمر وأن الصدقة والصلة تعمران الديار وتزيدان في الأعمار، وقال كعب لو أن عمر ﵁ دعا الله تعالى آخر أجله.
стр. 599
أي لزاد له فيه لما يعلم من أنه مجاب الدعوة، وأن وجوده يعلي شرف الإسلام، إلا أن هذا لا يلزم منه تغيير التقدير الأزلي، لأن في تقديره تعالى تعليق أيضا، وإن كان ما في علمه الأزلي وقضائه المبرم لا يعتريه محو، فلو شاء لم يوفق المتصدق للتصدق وصلة الرحم وسائر الأعمال التي ورد في الأحاديث أنها تزيد في العمر، على أن الأجل ينقص شيئا فشيئا من حيث لا يحس به، لأن الإنسان لا يعلم أمده حتى يحسب ما مضى من عمره، وقيل في المعنى:
حياتك أنفاس تعد فكلما ... مضى نفس منها انتقصت به جزءا
والعادّ لها هو الله وسنوفي هذا البحث في تفسير الآية ٣٩ من سورة الرعد في ج ٣ إن شاء الله تعالى في بيان ما يمحوه الله من أعمال وأعمار العباد وأقوالهم وأرزاقهم وما يثبته، وأسباب ذلك ومستنداته. قال تعالى «وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ» هنيء مريء يرطب القلب، ويشرح الصدر، وتستريح له الجوارح ويصلح للنبات كله «وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ» قريب إلى المرارة يحرق القلب، ويقطب الريق، وتعافه النفس، وتنفر منه، عديم الإرواء والإنبات، ضار غير نافع شربه للخلق والنبات، وحتى أنه يضر في مواد البناه، هذا مثل ضربه الله إلى المؤمن والكافر، من أنهما وإن اشتركا في بعض صفات الخلقة فإنهما لا يستويان عند الله وكل منهما نسبة ما شبه به «وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا» من أنواع حيواناته غضا جديدا خلقه لكم أيها الناس، وقد سماه الله لحما، والسمك بالعرف ليس بلحم ولهذا قال الفقهاء من حلف لا يأكل لحما فأكل سمكا لا يحنث لعدم إطلاق اسم اللحم عليه عرفا، كما لو حلف لا يركب دابة فركب إنسانا لا يحنث مع أن الإنسان داخل في معنى الدواب لغة، قال تعالى (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ) الآية ١٣ من سورة الأنفال في ج ٣ وقال (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا) الآية ٥٧ منها أيضا إلا أنه لا يسمى دابة عرفا ولا يخفى أن الأيمان مبناها على العرف، لذلك لا يحنث، وقد سموه الآن اللحم الأبيض وأدخلوه مع الطيور لخفته، وقال مالك
стр. 600
والنووي الحالف بالأول يحنث لظاهر الآية، والفتوى على الأول، لأن الحالف حينما يحلف على عدم أكل اللحم يتصور لحوم الأنعام فقط، كما أن الحالف في الركوب لا يتصور ركوب الإنسان بل ما يطلق عليه اسم دابة حقيقة «وَتَسْتَخْرِجُونَ» من البحرين المذكورين كما هو ظاهر العطف «حِلْيَةً تَلْبَسُونَها» فمن الملح اللؤلؤ والمرجان واليسر وغيرها، ومن الحلو الصدف وعظام السمك التي يصنع منها قبضات السيوف والخناجر وأزرة الألبسة وغيرها، وقد يوجد في بعض الصخور التي في مجاري المياه ماس، قال تعالى (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ) الآية ٢٢ من سورة الرحمن في ج ٣، ولا يبعد أن يوجد شيء من ذلك في النهر العذب، لأنه قد يوجد في البحر الملح عيون عذبة تخرج فيه، فيكون منها اللؤلؤ، ومن هذا ما هو موجود الآن في البحرين حيث يوجد فمن البحر كما صرح به الشيخ محمد خليفة في تاريخه لجزيرة العرب في ص ٢٤٠ عدة عيون ماء حلو يذهب إليها بالقوارب ويستقى منها كما ذكرناه في تفسير الآية ٥٢ من سورة الفرقان المارة وقد أخبرني السيد كامل العاص الرجل الصالح الكريم من أهالي جباة الزيت التابعة لقضاء القنيطرة (من أعمال دمشق) إذ كنت فيها، أنه أثناء وجوده في أمريكا شاهد زمن سيره في البحر ماء حلوا منسابا فيه ويمتاز على ماء البحر بلونه فماء البحر في ذلك المكان يضرب إلى الزرقة بل إلى السواد لشدة عمقه، والماء الحلو المنساب فيه التابع منه يضرب إلى البياض، وهو رجل صادق والله لا يعجزه شيء وهو على كل شيء قدير. وقال بعض المفسرين إن الحلية لا تكون إلا من الماء المالح، وأن ما جاء في آية الرحمن المارة هو على طريق التغليب وإسناد ما للبعض إلى الكل وهو غير وجيه لمخالفة ظاهر الآية وحملها على التأويل دون ضرورة، ولأنه لو فرض أنه لم يخرج من الماء الحلو إلا الصدف لكفى، لأنه حلية من وجه داخلة في قوله تعالى تلبسونها «وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ» أي ماءي الحلو والمالح، كما هو مشاهد، فلا يقال إنها خاصة بالملح أيضا إلا أن الكبار العظام خاصة في البحر والصغار منها فيه وفي الأنهر «مَواخِرَ» تمخر أي
стр. 601
تشق المياه شقا يجريها فيها مقبلة ومدبرة وذلك «لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ» الربح بالتجارات وتزوروا البلدان الناثية والجزر وغيرها، ولتطلعوا على مصنوعات ربكم فيها «وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» ١٢ نعمه عليكم في ذلك كله. واعلموا أن هذا الإله العظيم «يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ» يدخل أحدهما بالآخر حتى يصير أحدهما بقطرنا مزائدا على الآخر أربع ساعات وكسور بصورة تدريجية، فيبلغ النهار بالصيف أربعة عشرة ساعة ونصف تقريبا، والليل تسعة ونصف، وعلى العكس بالشتاء
ثم يتساويان شيئا فشيئا، وهكذا بعيد الكرة أحدهما على الآخر إلى أن يأذن الله لهذا النظام البديع بالانقراض. وفي بعض الأقطار أكثر من قطرنا وأنقص حتى يبلغ كل منهما اثنين وعشرين ساعة تقريبا «وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ» منهما «يَجْرِي» في محوره المخصوص ومسافته المقدرة له، وهكذا يستمران بسيرهما «لِأَجَلٍ مُسَمًّى» عند الله لا يعلم غيره «ذلِكُمُ» أيها الناس الإله العظيم القادر المبدع «رَبُّكُمْ» الحق لا البشر والملائكة ولا النجوم والحيوان ولا الجماد والأوثان فهو وحده «لَهُ الْمُلْكُ» يتصرف فيه كيف يشاء «وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ» من الآلهة «ما يَمْلِكُونَ» من هذا الملك وما فيه وفوقه وتحته «مِنْ قِطْمِيرٍ» ١٣ قدر لفافة النواة ولا أقل منه وإنما مثل به لأن كل تافه يقال له قطمير قال الشاعر:
وأبوك يخصف نعله متوركا ... ما يملك المسكين من قطمير
وهو على حد الذرة والنقير والفتيل وأف وما ضاهاها ونظير صور هذه الآية ٢٩ من سورة لقمان في ج ٢ والآية ٢٧ من سورة آل عمران والآية ٦ من سورة الحديد والآية ٦١ من سورة الحج في ج ٣، وقدمنا في الآية ٤٧ من سورة يس ما يتعلق بزيادة الليل والنهار وقصرهما بصورة مسهبة، قال تعالى مندّدا بأوثانهم «إِنْ تَدْعُوهُمْ» أيها المشركون «لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ» لأنها جماد «وَلَوْ سَمِعُوا» على سبيل الفرض والتقدير أو الذين من أهل السمع منهم «مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ» دعاءكم لأنهم عاجزون ومملوكون لله الذي خلقكم
стр. 602
وخلقهم، فكيف يقدرون على شيء مما في ملكه أو يشاركونه في شيء منه في هذه الدنيا، كلا لا يقدرون البتة «وَيَوْمَ الْقِيامَةِ» ترونهم «يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ» فيجحدونه ولا يعترضون به حيث يضع الله فيها قوة التكلم تبكيتا لعابديها، فتتبرأ منهم ومن عبادتهم «وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ» ١٤ يعني نفسه المقدسة جلت وعظمت، أي لا يخبرك أيها السامع بحقيقة الأمر مثلي، أنا الله الذي لا يخفى عليّ شيء في سمواتي وأرضي، ومن أصدق من الله راجع الآية ٥٦ من سورة الفرقان المارة «يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ» في جميع أموركم الظّاهرة والباطنة وأنتم محتاجون إليه فيها «وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ» عنكم وعن أعمالكم وعن كل ما في كونه «الْحَمِيدُ» ١٥ المستحق الحمد بإنعامه عليكم، فاحمدوه واشكروه وحسن ذكر الحميد بعد الغنى لمناسبة ذكره بعد الفقر إذ الغنيّ لا ينفع الفقير إلا إذا كان جوادا منعما، وهو كالتكميل لما قبله وعليه قول كعب الغنوي:
حليم إذا ما الحلم زيّن أهله ... مع الحلم في عين العدو مهيب
وذلك الإله الغنى الحميد «إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ» أيها الناس فيفنيكم بلحظة واحدة «وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ» ١٦ غيركم بلحظة أيضا يعبدونه لا يشركون به شيئا «وَما ذلِكَ» الإذهاب والإتيان «عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ» ١٧ صعب أو ممتنع بل هين جدا. وفي هذه الآية إشارة إلى أن ما يأتي به من الخلق أبدع مما هو موجود الآن وهو كذلك لأن القادر المبدع لا يعجزه شيء ولا يرد على هذا قول حجة الإسلام (ليس في الإمكان أبدع مما كان) لان ذلك على فرض وقوعه داخل في حيز ما كان وهو مع هذا العالم كبعض أجزاء هذا العالم مع بعض أو بأن الأبدعية في كلام ذلك الحجة بمعنى آخر تصورة بفكره الثاقب ولم يبيّنه أو لم نقف عليه ولسنا من رجاله لنرد عليه، وسيأتي توضيح أكثر لتفسير هذه الآية عند تفسير نظيرتها الآية ٢٧ من سورة إبراهيم في ج ٢.
مطلب لا تزر وازرة وزر أخرى:
стр. 603
قال تعالى «وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى» أي لا تحمل كل نفس إلّا وزرها وقد مر تفسيرها في الآية ٣٨ من سورة والنجم المارة، وهاتان الآيتان لا يتنافيان مع الآية ٨٨ من سورة النمل والآية ١٤ من سورة العنكبوت في ج ٢ وهي (لَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ) لأن هذه في الظالمين المضلين لانهم يحملون إثمهم وإثم من يضلونهم «وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ» بالأوزار في ذلك اليوم الذي يفر فيه الأخ من أخيه والأب من ابنه والزوجة من زوجها «إِلى حِمْلِها» الذي أثقلها ليحملوا منه شيئا يخففون به عنها مما جنته من الذنوب في الدنيا «لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ» إذ لم يجبها أحد ممن تستنجد به وتستغيث، لان كلا مشغول برزره حائر في أمره «وَلَوْ كانَ» من تدعوه أو ترجوه «ذا قُرْبى» منه، فإنه لا يجيب دعاءه ولا يحمل عنه شيئا. قال ابن عباس يعلق الأب والأم بالابن فيقول (كل منها) يا بني احمل عني بعض ذنوبي، فيقول لا أستطيع حسبي ما عليّ. وظاهر الآية نص في الحمل الاختياري فيكون ردا لقول المضلين ولتحمل خطاياكم، يؤيده سبب النزول وهو كما روى عن الوليد بن المغيرة قال لقوم من المؤمنين اكفروا بمحمد وعليّ وزركم فنزلت هذه الآية، إلا أن المنفي عام وعمومه ينافي اختصاصه بالاختيار، لأنه يعم أقسام الحمل، جبرا أو اختيارا. قال تعالى يا أكرم الرسل «إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ» من حيث لم يروه فهم الذين تنفعهم الذكرى بوعظك وإنذارك لاولئك المشركين «وَأَقامُوا الصَّلاةَ» معك ابتغاء مرضات الله فيصلون معك من غير أن أفرضها عليهم اقتداء بك ونأسيا بأفعالك، وذلك أن الركعتين اللتين فرضهما الله على رسوله كانتا خاصتين به يؤديهما في الغداة والعشية ولم يأمر أحدا من أصحابه بفعلها لان الله لم يأمره بذلك وكان بعض أصحابه يفعلونها تأسيا بفعله ليس إلا، وهذا المراد والله أعلم من هذه الصلاة لان الصلاة المكتوبة لم تفرض بعد كما نوهنا به غير مرة عند كل ذكر لفظ الصلاة «وَمَنْ تَزَكَّى» من أوزار المعاصي بفعل الطاعات والقربات وصلى معك هذه الصلاة من غير أن تفرض عليه قصد
стр. 604
التطهير لنفسه وتزكيتها «فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ» خاصة لأنه هو المنتفع بها.
وقرأ ابن مسعود وطلحة (أزكى) بإدغام التاء في الزاي واجتلاب همزة الوصل في ابتداء، وهي قراءة شاذة لا عبرة بها لما ذكرنا غير مرة أن كل قراءة فيها زيادة حرف أو نقصه أو تبديله لا قيمة لقول من يقول بها «وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ» ١٨ لا إلى غيره فيجازى الدنس على رجسه والمتزكي على طهارته، ثم ضرب الله مثالا آخر للجاهل والمؤمن فقال «وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ» ١٩ وللكافر والمؤمن بقوله «وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ» ٢٠
وللجنة والنار بقوله «وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ» ٢١ ولمن ينتفع بدعوة الرسل ومن لا ينتفع بها بقوله «وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ»
مطلب في إسماع الموتى:
وختم هذه الآية العظيمة وكل آيات الله عظيمة، بجملة فعلية تعود لكل من هؤلاء وهي «إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ» إسماعه سماع قبول فيتعظ بما يسمع ويهتدي به، أما الذين لم يشأ إسماعهم فلا تقدر يا أكمل الرسل على إرشادهم لأنهم في حكم الأموات ولذلك قطع رجاءه منهم بقوله «وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ» ٢٢ فكما أن الموتى لا يجيبون الدعوة فكذلك هؤلاء، وهذه الجملة ترشيح للمصرين على الكفر. ولهذا فيكون المعنى لا تحرص يا حبيبي وتجهد نفسك على دعوة قوم مخذولين، قد سبق لهم الشقاء في علم الله «إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ» ٢٣ لهم ومبلغ لا مجبر ولا مسيطر عليهم، فمن سمع منك إنذارك سماع قبول انتفع به وأرشد، ومن أعرض عنه فقد هلك وفسد فاتركه لا تأسف عليه. ولا يرد على هذه مخاطبة الرسول ﷺ قتلى بدر في القليب، لأن المراد نفي الإسماع بطريق العادة، وذلك على طريق المعجزة وهي خارقة للعادة، وما يدريك أن الله تعالى هو الذي أمره بخطابهم على حجة التبكيت والتوبيخ والتقريع بهم، وبأمثالهم إذ ذاك، لأنه لا ينطق عن الهوى، وما يدريك أن الله أسمعهم كلامه أيضا وأعطاهم قوة الرد عليه وإسماعه جوابهم وهو على كل شيء قدير «إِنَّا أَرْسَلْناكَ» يا سيد الرسل لهؤلاء وغيرهم «بِالْحَقِّ بَشِيراً» بالوعد وإنجازه للطائعين «وَنَذِيراً» بالوعيد
стр. 605
وتنفيذه للعاصين «وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ» ٢٤ من نبي أو رسول أو خليفة لهما، وهذا عموم خص منه العرب ما بين إسماعيل ومحمد عليهما الصلاة والسلام، إذ لم يرسل إليهم رسول ولا خليفة رسول ولم يترك لهم كتاب، كما سنبينه في تفسير الآية الأولى من سورة السجدة والآية ٤٤ من سورة سبأ في ج ٢، وقد مرّ شيء عنه في تفسير الآية ١٦ من سورة يس المارة.
مطلب عدم انقطاع آثار الأنبياء وعدم تكفير فاعل الكبيرة:
ولا يقال إن أكثر الأمم بين إبراهيم وموسى، وموسى وعيسى، وعيسى ومحمد ﷺ ومن قبلهم لم يسلف فيها نذير وقد خلت من النبوة، لأن آثار الأنبياء فيهم باقية، وما وقع من العذاب على الكافرين منهم تنافله الخلق عن السلف، ولم ينقطع التعبد بصحف إبراهيم وإرشاده إلى زمن موسى، ولا بالتوراة إلى زمن عيسي، ولا بالإنجيل إلى زمن محمد بالنسبة لأهل الكتاب، وكذلك من قبلهم إذ دامت وصايا الأنبياء فيهم بالتناقل، وعلى هذا لم يخل وجه الأرض من آثار النبوة إذ كلما اندرست تعاليم نبي أعقبه الآخر فيحدد عهده وينشر أوامر ربه فيهم، وهكذا محمد ﷺ ، فإنه بعث قبل تمام اندراس أحكام التوراة والإنجيل، فجدد ما اندرس من ذلك شأن الأنبياء قبله وبعد أن آتاه القرآن عمم أحكامه وأمر برفض ما يخالفه، لأنه الحكم الأخير القاطع الساري على أهل الأرض إلى وقت إبادتهم، فهو خاتم الكتب السماوية، كما أنه خاتم الرسل والأنبياء، وآثار إنذاره وإرشاده الحسي والمعنوي مما جاء به من عند ربه، وما سنّه لأمته باق بتمامه إلى اليوم وبعده وإلى أن يرث الأرض ومن عليها بارئها، وقد تعهد الله له بحفظ كتابه إلى اندراس هذا الكون وحتى لا يبقى من يقول لا إله إلّا الله. قال ﵊: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرة على الحق- وفي رواية لا يضرهم من خالفهم- حتى يأتي أمر الله القائل:
(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) الآية ١٠ من سورة الحجر في ج ٢، حتى إذا جاء أمره بخراب هذا الكون رفعه بموت أهله وعدم تعلمه، واكتفى بهذه الآية بذكر النذير عن البشير في آخر الآية بعد ذكرها مقرونين في أولها، لأن
стр. 606
النذارة مشفوعة بالبشارة فدل ذكرها عليها، قال بعضهم: إن عموم هذه الآية وقوله تعالى: (وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ) الآية ٢٩ من سورة الانعام في ج ٢، يفيد أن في البهائم وسائر الحيوانات أنبياء أو علماء ينذرونهم. وهو قول باطل لا تخفى سماجته على البهائم أمثال هذا القائل.
وما نقل عن الشيخ محي الدين قدّس سره في هذا المعنى لا يكاد يصح، وإذا كان موجودا في كتبه فهو من جملة ما دس فيها عليه من الجمل التي يبعد أن تصدر عن مثله. قال محمود الآلوسي في تفسيره رأيت في بعض الكتب أن القول بذلك كفر وأنا أقول إذا لم يكن كفرا فهو قريب منه، والأولى أن لا يكون كفرا لاحتمال التأويل في ذلك وكل ما احتمل فيه التأويل لا يكفر به، وعلى فرض أنها كبيرة ففاعلها لا يكفر راجع تفسير الآية ٧٦ من سورة يس والآية ١٩ من سورة الفرقان المارتين، قال تعالى «وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ» يا سيد الرسل «فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ» أنبياءهم وآذوهم كما فعل بك قومك وقد «جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ» الواضحات مثل ما جئتهم به «وَبِالزُّبُرِ» الصحف المكتوبة على الألواح المنزلة من لدنا على أنبيائهم السابقين «وَبِالْكِتابِ» الذي أنزلناه جملة واحدة كالتوراة والإنجيل والزبور «الْمُنِيرِ» ٢٥ كل منها بأوضح وأفصح الدلائل على توحيدنا ومع ذلك لم يؤمنوا، فلا تذهب نفسك حسرات عليهم. وفي هذه الآية تسلية لحضرة الرسول مما يلاقي من نكد قومه ليخفف عنه بعض همه عليهم واهتمامه بهم، لاستعجال إيمانهم، وإن شأنه شأن من قبله من الأنبياء مع أقوامهم، وان له أسوة بهم في عدم قبول الدعوة وتحمل الأذى «ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا» بهم وبكتبهم بعقوبات متنوعة بعد إمهالهم مددا يتذكر فيها من يتذكر «فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ» ٢٦ عليهم وتعذيبي لهم إنه كان شيئا عظيما لم يتصوروه، ولم يقدر على إنزال مثله غيري أنا الإله المنتقم ممن كفر بي، وفي هذه الآية تهديد لقريش قوم محمد ﷺ بأنهم إذا لم يؤمنوا يحل بهم ما حلّ بغيرهم من النكال «أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها» في الخضرة والحمرة والصفرة
стр. 607
وغيرها مما لا يحصر لونا وجنسا وشكلا ونوعا، مع أنها تخرج من أرض واحدة وتسقى بماء واحد، وتتفاوت بالنمو وتختلف بالحجم والطعم، وتنضج بسبب واحد، وتختلف بذلك كله، فسبحان البالغ بالقدرة والصنع «وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ» طرق جمع جادة، ويأتي بمعنى النهر وطريقه، وخطط مختلفة اللون أيضا منها «بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها» لأن كل طريق على لون أرضه، وكل لون يتشعب منه ألوان كثيرة من الزرقة والصّفرة «وَغَرابِيبُ سُودٌ» ٢٧ يقال أسود حالك لشديد السواد تشبيها بالغراب، كما يقال أبيض ناصع وأحمر قاني، وما أشبه ذلك، والغربيب أبعد لون في السواد، وجاء في الحديث: إن الله يبغض الشيخ الغريب الذي يخضب شعره بالسواد ويتمادى في السّفه أو الذي لا يشيب لسفاهته وعدم اهتمامه بآخرته، وفي مثله يقول الشاعر:
العين طامحة واليد شامخة ... والرجل لائحة والوجه غربيب
يريد أن شعره أسود حالك وكلمة سود بالآية بدل من غربيب المعطوفة على بيض، وهي لم تتكرر بالقرآن «وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ» أيضا لأنها كلها من الأرض، والأرض متنوعة فتتبع أصلها «كَذلِكَ» كاختلاف الأثمار والجبال. وهنا تم الكلام فيما يتعلق بذلك.
مطلب خشية الله تعالى:
ثم يبدأ بقوله «إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ» قال ابن عباس: إنما يخافني من علم جبروتي وعزتي وسلطاني. وقال مقاتل: أشد الناس خشية لله أعلمهم به. وقال الربيع بن أنس: من لم يخش الله ليس بعالم. روى البخاري ومسلم عن عائشة قالت: صنع رسول الله شيئا فرخص فيه فتنزه عنه قوم، فبلغ رسول الله ﷺ فخطب فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه؟! فو الله إني لأعلمهم به وأشدهم له خشية (ومعنى ترخّص أي لم يشدد فيه، وتنزه تباعد عنه وكرهه) ورويا عن أنس قال: خطب رسول الله ﷺ خطبة ما سمعت مثلها قط فقال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم
стр. 608
كثيرا، فغطى أصحاب رسول الله وجوههم لهم خنين (بكاء مع غنة) والمراد بالعلماء هنا المخلصون العارفون بالله العالمون بما يليق به من صفات وأفعال حق العلم والمعرفة، لا العالمون بالمنطق واللغة والهندسة والرياضيات والكيمياء والسحر وغيرها، لأن هذه وإن كانت علوما يطلب تعليمها لمصالح الدنيا، إلا أنها لا تكون مدارا لخشية الله المنوه بها في الآية التي كلما ازداد بها العالم معرفة ازداد معرفة بالله، وكان أكثر خشية له من غيره. نعم إن في علم الطب وتشريح الأعضاء والوقوف على كامل خلق الله ما يوجب الخشية لله والرجوع إليه، وجدير بالكافر أن يؤمن إيمانا كاملا لما يرى من بديع صنع الله في خلقه، ولكن قليل ما هم أولئك الذين يتفكرون في ذلك. روى الدارمي عن عطاء قال: قال موسى ﵇: يا رب أي عبادك أحكم؟ قال الذي يحكم للناس كما يحكم لنفسه. قال يا رب أي عبادك أغنى؟
قال أرضاهم بما قسمت له. قال يا رب أي عبادك أخشى؟ قال أعلمهم بي.
وصح عنه ﷺ أنه قال: أنا أخشاكم لله وأتقاكم له. وقرأ بعضهم برفع لفظ الجلالة ونصب العلماء، وأول يخشى بيعظم، وليست بشيء لأن يخشى لا يأتي بمعنى يعظم من حيث اللغة فضلا عن انها قراءة بخلاف الظاهر، ولذلك لا عبرة بها، وإن كان المعنى صحيحا لما فيها من التكليف دون حاجة، والتأويل دون مستند ومعناها على الوجه الذي ذكرناه أولى وأليق «إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ» غالب كامل القدرة على الانتقام ممن لا يخشاه «غَفُورٌ» ٢٨ لمن خشيه وأناب إليه. واعلم أنه لا يوصف بالمغفرة والرحمة إلا القادر على العقوبة، ومن كان كذلك فحقه أن يخشى، قالوا أنزلت هذه الآية في أبي بكر ﵁ إذ ظهرت عليه خشية الله حتى عرفت فيه، وهو أحق وأولى أن تنزل فيه الآيات، إلا أن الآية عامة، ولا دليل يخصصها بأحد فيدخل فيها أبو بكر دخولا أوليا، وكل من يخشى الله إلى يوم القيامة خشية حقيقية قال تعالى «إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ» مع حضرة الرسول قبل أن تفرض عليهم تأسيا به «وَأَنْفَقُوا» تطوعا على الفقراء والمساكين من قراباتهم وغيرهم في سبيل الله ابتغاء مرضاته «مِمَّا
стр. 609
رَزَقْناهُمْ»
من فضلنا مما هو فاضل عن كفايتهم «سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ» بذلك الإنفاق «تِجارَةً» مع الله تعالى فقد نيل ثوابه «لَنْ تَبُورَ» ٢٩ تكسد بل تتداول دائما، وقد تعهد الله لمثل هؤلاء على لسان رسوله بقوله واعدا مؤكدا «لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ» كاملة على أعمالهم هذه «وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ» زيادة عظيمة، وما بالك بزيادة الله أيها القارئ فهي وهو أعلم كما قال ابن عباس مما لم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم تخطر على قلب بشر «إِنَّهُ غَفُورٌ» كثير المغفرة لذنوب عباده المنفقين في سبيله «شَكُورٌ» ٣٠ لعملهم هذا
«وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ» يا سيد الرسل «مِنَ الْكِتابِ» هو من كلامنا الأزلى ليس بسحر ولا كهانه ولا شعر، وإنما «هُوَ الْحَقُّ» الذي لا مرية فيه وقد أنزلناه «مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ» من الكتب المتقدمة لاشتماله عليها وزيادة كثيرة لم تذكر فيها ولم تنزل على أحد قبلك، لأنه خاتمة الكتب أنك خاتم الرسل وهو ناسخ لكل ما يخالفه مما في الكتب القديمة «إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ» ٣١ ببواطن الأمور وظواهرها، يحيط بهم لا يخفى عليه شيء من أمرهم «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ» القرآن المنزل عليك يا سيد الرسل «الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا» أمتك المخلصين الجارين على طريقك، لأننا اصطفيناهم لك من بعدهم كما اصطفيناك لهم من بعد الرسل، قال ابن عباس يريد أمة محمد ﷺ ، لأنه اصطفاهم على سائر الأمم، واختصّهم بكرامته، بأن جعلهم اتباع سيد الرسل، وخصّهم بأفضل الكتب، وجعلهم خير الأمم ثم قسمهم جل شأنه أقساما ثلاثة فقال «فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ» وهم المرجون لأمر الله مثل الآتي ذكرهم في الآية ١٠٨ من سورة التوبة في ج ٣ فهؤلاء إن شاء عذّبهم بعدله، وإن شاء عفا عنهم بفضله «وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ» خلط عملا صالحا وآخر سيئا وهؤلاء مقطوع لهم بالنتيجة بأنهم من أهل الجنة، لقوله تعالى «عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ» الآية ١٠٤ من سورة التوبة لأن عسى فيها للتحقيق وهكذا كل عسى بالبينة لله تعالى «وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ» وهؤلاء يدخلون الجنة بغير
стр. 610
حساب، المرادون في قوله تعالى (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ) الآية ١٠٢ من التوبة أيضا، كما سنبين هذا كله في محله في تفسير هذه الآيات وآخر سورة الواقعة الآتية إن شاء الله تعالى قال عمر ﵁ على المنبر بعد تلاوة هذه الآية، قال رسول الله ﷺ : سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له، وجاء أيضا عنه ﷺ : السابق يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد يحاسب حسابا يسيرا ثم يدخل الجنة، وأما الظالم فيحبس حتى يظن أنه لا ينجو، ثم تناله الرحمة فيدخل الجنة- رواه أبو الدرداء- وقال ابن عباس: السابق المخلص، والمقتصد المرائي، والظالم الكافر بالنعمة غير الجاحد لها. وقال الربيع بن أنس: الظالم صاحب الكبائر، والمقتصد صاحب الصغائر، والسابق المجتنب لهما. فوافق هذا التأويل القرآن والحديث والأثر وقول السلف الصالح، فتدبر وانظر لنفسك أي الدار تختار.
واعلم أن المتلبس بإحدى هذه الخصال الثلاث، ما كان تلبسه إلا «بِإِذْنِ اللَّهِ» وأمره وإرادته وتوفيقه وقضائه وقدره «ذلِكَ» إيراث الكتب والاصطفاء لمحمد ﷺ وأمته «هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ» ٣٢ الذي لا أكبر منه، إذ لم يعطه أحدا قبلهم، فكل الأمم لم تختص بما خصت به هذه الأمة كما أن رسولها خص بأشياء لم تختص بها الأنبياء قبله، راجع تفسير الآية ١٥٨ من سورة الأعراف المارة، وأي فضل أعظم من هذا، لأن السابقين منهم يدخلون الجنة فور خروجهم من قبورهم، والمقتصدين بعد الحساب، والظالمين بعد العذاب. ثم بين جل بيانه بعض ذلك بقوله «جَنَّاتُ عَدْنٍ» إقامة دائمة «يَدْخُلُونَها» بمحض الفضل لا دخل للكسب فيها «يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً» مرصعا فيها، ومن هنا تعلم أهل الدنيا ترصيع الذهب بالأحجار الكريمة «وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ» ٢٣ ناعم زيادة في التنعم والترف، ولما رأى أهل الجنة ما غمرهم به الله من فضله شكروه «وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ» الذي كنا نكابده في الدنيا خوف عاقبة هذا اليوم في عدم قبول الأعمال والمؤاخذة على ما صدر منّا. روى البغوي عن أبي عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ : ليس
стр. 611
على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا في نشورهم، وكأني بأهل لا إله إلا الله ينفضون التراب عن رءوسهم، يقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن «إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ» ٣٤ ومن فضله وكرمه لعباده أنه يغفر الذنب العظيم ويشكر العمل القليل «الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ» وهي الجنة لأنها دائمة لا يبرح عنها أهلها ولا يفارقونها عطاء «مِنْ فَضْلِهِ» ولطفه وعطفه، لأن العمل مهما كان كثيرا لا يؤهل صاحبه ما ذكره الله له هنا. ومن تمام النعمة أنه «لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ» تعب ولا مشقة «وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ» ٣٥ كلال وملالة ولا فتور وإعياء، ولم تكرر هذه الكلمة إلا في الآية ٢٨ من سورة ق المارة وهذه الأحوال لا تحصل إلا بنتيجة العناء، وهذا من جملة ما من الله به على عباده المؤمنين. هذا أيها الناس حال أهل الجنة جعلنا الله من أهلها، أما حال أهل النار فانظروا ماذا يحلّ بهم من المنتقم الجبار واسألوا الله العافية.
مطلب نذر الموت ومعنى الغيب:
«وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ» بعذابها «فَيَمُوتُوا» مرة ثانية ويستريحوا منه «وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها» فيها بل يبقى مشتدا عليهم «كَذلِكَ» مثل هذا الجزاء الفظيع الذي لا تقواه القوى «نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ» ٣٦ لآياتنا جحود لنعمنا، مكذب لرسلنا، ثم بين حالهم فيها أجارنا الله منها بقوله «وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها» يتصايحون من شدّة الألم ودوامه بأصوات عالية، ولما لم ينفعهم ولما يرد عليهم، يعودون فيستغيثون قائلين «رَبَّنا أَخْرِجْنا» من هذا العذاب وأعدنا إلى الدنيا «نَعْمَلْ صالِحاً» كما تحب وترضى فنطيع الرسل، ونصدق الكتب، ونؤمن باليوم الآخر، ونعترف لك بالوحدانية الفردة، ونعمل يا ربنا «غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ» في الدنيا قبلا من التكذيب والجحود والإشراك، فيوبخهم الله تعالى بقوله «أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ» في الدنيا «ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ» لو أردتم ذلك لأنا أمهلناكم مدة كافية ما بين الخامسة عشرة من أعماركم إلى الستين، فأكثر وأقل، ولم يجدر
стр. 612
بكم ذلك الإمهال. وقيل المراد بهذا العمر هو سن البلوغ الثامنة عشرة سنة فقط، أو سن الكمال الأربعون سنة، أو سن الانتهاء الستون فما فوق، وقد ذكّرناكم على لسان رسلنا وخوفناكم سوء العاقبة فلم تتذكروا ورفضتم كتبي ورسلي وأنكرتم وحدانيتي «وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ» من قبل فأبيتم قبول إرشاده، ولم تعتبروا بما جرى على من قبلكم، ولم يؤثر فيكم ما ترون من علامات الموت، وأصررتم على ظلمكم «فَذُوقُوا» عذاب النار التي كنتم تكذبون بها لأنكم ظلمة «فَما لِلظَّالِمِينَ» اليوم لدينا «مِنْ نَصِيرٍ» ٣٧ يخلصهم مما هم فيه. هذه الآية جواب من الله للظالمين وتوبيخ لهم على عدم رجوعهم إلى الله في الدنيا مع تمكنهم منه خلال المدة التي عاشوها فيها. أخرج الإمام أحمد والبخاري عن أبي هريرة والنسائي وغيره عن سهل بن سعد قال قال رسول الله ﷺ أعذر الله تعالى إلى امرئ أخر عمره حتى بلغ ستين سنة. وعنه بإسناد الثعلبي قال قال رسول الله ﷺ أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين. والنذير في الآية يطلق على النبي فكل نبي نذير لأمته من بين يدي عذاب أليم ويطلق على القرآن لأن فيه من التحذير والأمر والنهي ما يكفي لمن كان له قلب، ويطلق على الشيب لأنه نذير الموت فقد جاء في الأثر: ما من شعرة تبيضّ إلا قالت لأختها استعدي للموت. ويطلق على كلّ واعظ آمر بالمعروف ناه عن المنكر. ونذر الموت غير الشيب كثيرة، منها المرض والحمى وموت الأقران والأقارب وبلوغ سن الهرم وقيل فيه:
رأيت الشيب من نذر المنايا ... لصاحبه وحسبك من نذير
وقائلة تخضّب يا حبيبي ... وسود شيب شعرك بالعبير
فقلت لها المشيب نذير عمري ... ولست مسودا وجه النذير
قال تعالى «إِنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ»
مع خفائه ودقته فعلم كل شيء في العالم داخل في هذا العلم، لأنه ظاهر بالنسبة لذلك، لأن السرّ والعلن عنده سواء، وهذا الغيب هو بالنسبة للملائكة والجن، وإلا فلا غيب عليه البتة راجع الآية ٢٦ من سورة الجن المارة «إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ»
٣٨
стр. 613
والذي يعلم خفايا القلوب، لا يخفى عليه علم غيرها وذات الصدور مضمراتها وهي تأنيث ذي الموضوع لمعنى الصحبة، أي فمن جملة علمه تعالى يعلم أنهم بعد اعترافهم بهذا العذاب (وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ) من الإنكار والجحود والتكذيب- راجع تفسير الآية ٢٩ من سورة الأنعام في ج ٢ قال تعالى «هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ» يخلف بعضكم بعضا «فِي الْأَرْضِ» كلما انقرض جيل خلفه غيره، فالأحرى أن تعتبروا بمن سلف من الأمم الخالية، لأن مصيركم سيكون مثلهم، فمن آمن فله ثواب إيمانه، وكذلك «فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ» يعاقب بمقتضاه «وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتاً» بغضا وكرها شديدا في الدنيا، واحتقارا وذلا وحرمانا من كل خير «وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَساراً» ٣٩ في الآخرة، وذلك هو الخسران المبين وكرر الجملة تأكيدا وإيذانا بأن مصير الكفر اقتضاءان قبيحان مرّ ان: المقت في الدنيا والخسارة في الآخرة، فلو لم يكن الكفر مستوجبا غير هذين لكفى به شرا، فكيف إذا كان يستوجب أشياء أخر؟ «قُلْ» يا سيّد الرسل لهم هذا لعلّهم يرجعون إليّ قبل أن يمتنع عليهم لا يمكنهم الرجوع، ثم يقول لهم جل قوله تبكينا وتقريعا مما يزيد في أسفهم «أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ» من جميع الأوثان النامية والجامدة «أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ» حتى يكونوا شركاء فيها، أروني أي جزء من أجزائها خلقوه حتى جعلتموهم شركائي في العبادة وصيّرتموهم آلهة وعبدتموهم: فإذا كانوا لم يخلقوا شيئا منها فأخبروني «أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ» معي وهل خلقوا منها شيئا، وهل يعلمون ما فيها وما مصيرها؟ وإذا لم يكن لهم شيء من ذلك أيضا، فأعلموني «أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً» ذكر فيه أن لهم شيئا من ذلك «فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ» حتى يظنّوا بأن لهم علاقة في خلق السموات والأرض أو شركة فيها «بَلْ» ليس لهم شيء فيها أصلا ولا علم لهم بما فيهما، وان ما اتخذوه من تلقاء أنفسهم جمادا عنادا، وما انتحلوه من عبادة الملائكة وغيرهم
стр. 614
زورا لأنهم، لا يقدرون على شيء من ذلك، ولا على حفظ أنفسهم من التعدّي ولكن ما «إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً» من نفع وضرّ وخير وشر وقوة وضعف «إِلَّا غُرُوراً» ٤٠ وخداعا في قولهم بعضهم لبعض إنها شفعاؤهم عند الله، وغير ذلك.
مطلب الأرض عائمة كالسماء:
«إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا» فيمنعهما من الوقوع بإمساكه إياهما إمساكا قويا لا يقدر عليه الثقلان، ولا تنصوره العقول، ولا يكيف كيفيته أحد. وهذه الآية الجليلة تدل على أن الأرض كالسماء غير مستقرة على شيء بل هي طائفة عائمة في الفضاء، وأنه تعالى كما أنه يمنع السماء المبنية على غير عمد أو على عمد غير مرئية كما يأتي في الآية ١٠ من سورة لقمان ج ٢ والآية ٢ من سورة الرعد في ج ٣، من أن تسقط أو تنخفض أو ترتفع بسبب إمساكه إياها، فكذلك يمنع الأرض من أن تميد أو تتحرك أو تنخفض عن مستواها أو ترتفع عن مستقرها بسبب ذلك الإمساك المحكم أيضا «وَلَئِنْ زالَتا إِنْ» ما «أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ» أي لا يمسكهما أحد سواه البتة، وتفيد أيضا بأن الأرض كبقية الأجرام السماوية لا عمد تقلها ولا دسار ينظمها كما ثبت أخيرا عند علماء الفلك، وإن زوال جرم ما من هذه الأجرام من مركزه يفضي إلى تهافتها كلّها وعدم رجوعها إلى مركزها لاستحالة تأثير قوى التجاذب فيها بعد اختلاف موازنتها وفك ارتباط بعضها عن بعض. وسيأتي هذا اليوم لا محالة وهو الملمع إليه بقوله تعالى (إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ) ، الآية ١ من سورة الانفطار (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) ، الآية ١ من سورة التكوير، (يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ) الآية ٨ من سورة المعارج، (يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً، وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً) الآيتان من سورة الطور، وهذه وما قبلها وبعدها من الآيات القاطعات المشعرة بخراب هذا الكون وانقراض أجزائه، وهذا من الأمور الغيبية التي لم يعلمها في عهد نزول القرآن أحد إلا مكوّنها، وكم من علوم مكنونة فيه لم يطلع
стр. 615
عليها أحد «إِنَّهُ كانَ» ولم يزل «حَلِيماً» لا يعجل العقوبة على عباده علهم يرجعوا إليه رحمة بهم «غَفُوراً» ٤١ لما سبق منهم إذا تابوا وأتابوا، وتشير هذه الآية العظيمة إلى أن كفر هؤلاء يكاد تهد السموات وتغور الأرض منه، لعظمته عند الله لولا أن قدرته البالغة ممسكة لها قال تعالى (تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا) الآية ٨٢ من سورة مريم الآتية، أي أن ما هم عليه من الشرك والكفر يكاد يسبب ذلك لولا عظمة الله الحائلة دونه.
هذا، ولما جاهر مشركو العرب بقولهم لعن الله اليهود والنصارى كيف أتتهم رسل الله فكذبوهم وحلفوا لو جاءهم رسول لاتبعوه، فأنزل الله «وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ» نبي يرشدهم إلى السداد «لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ» يعني اليهود أو النصارى أو الصابئة لانهم من أهل الكتاب أيضا ثم اختلفوا بعضهم مع بعض في التحليل والتحريم وقولهم هذا كناية عن شدة التمسك بما يدعوهم إليه ذلك النذير الذي تمنوه قال تعالى مكذبا لهم «فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ» وأي نذير كريم أمين خطير منهم معروف لديهم بالصدق، لأنهم خلقوا قبل مبعثه «ما زادَهُمْ» مجيئه إليهم وهديه لهم وجهده عليهم لإنقاذهم مما هم فيه من الشرك والكفر «إِلَّا نُفُوراً» ٤٢ عنه وتباعدا عن رشده، وإيذاء له فوق ذلك، لا لأنه لم يكن نبيا وصادقا في دعواه، بل كان نفورهم منه «اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ» طلبا للكبرياء فيها فتعاظموا عن قبول الإيمان به عنادا لمرسله وحسدا له على ما خصّه الله به من بينهم، ولامر آخر وهو «وَمَكْرَ السَّيِّئِ» أي عملهم القبيح الذي هو اجتماعهم على الكفر والإشراك بالله واتفاقهم على تكذيب رسوله وخداعهم له وتحين المكر فيه «وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ» فيونعهم فيه سوء عاقبته. وجاء في المثل من حفر لأخيه جبّا وقع فيه مكبا، فيا ترى هل أرادوا بمكرهم هذا أن جحودهم لما جاءهم به من عند ربه خيرا لأنفسهم؟ كلّا بل شر وأي شر لقوله تعالى «فَهَلْ يَنْظُرُونَ» هؤلاء المخالفون لرسولنا محمدا «إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ» وهي أن كل أمة كذبت
стр. 616
رسولها حاق بها عذاب الاستئصال، ولا محيص لها من الخلاص عنه «فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ» التي أمضاها على خلقه بقضائه وقدره «تَبْدِيلًا» عن مجراها الطبيعي أبدا ولا تغييرا، وهؤلاء قومك يا سيد الرسل إذا أصرّوا على كفرهم نزل بهم العذاب لا محالة «وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا» ٤٣ عن وقتها المقدر لها في الإهلاك وغيره، بل تقع حتما فيه وقد نال بعض هؤلاء الكفرة يوم بدر ما نالهم من العذاب قتلا وأسرا ونشريدا، وهذا عذابهم الأدنى وسينالهم العذاب الأكبر في الآخرة راجع الآية ٢١ من سورة السجدة في ج ٢ قال تعالى «أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ» فيعتبروا بأخبارهم وآثارهم وكيفية إعلاكهم وأسباب تدميرهم؟ وهذه الآية كالاستشهاد والاستدلال على جريان سنة الله المبينة في الآية قبلها، والاستفهام إنكاري، أي لم يسيروا وينظروا أو يسمعوا بهم، «وَكانُوا» أولئك المهلكون من الأمم قبلهم «أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً» وأعظم بأسا وأجساما، وأكثر أموالا وأولادا، فلا يغتر قومك يا حبيبي بقوتهم وأموالهم وأولادهم، فهم دونهم بكثير، راجع الآية ٢١ من سورة غافر، والآية ٣٥ من سورة سبأ في ج ٢، والآية ٧٠ من سورة التوبة في ج ٣، ومهما كانت قوتهم فليست عند الله بشيء «وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ» مهما كان عظيما مما كان «فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ» لأنهما وما فيهما من خلق الله، ومن خلق شيئا لا يعجزه إبادته، ولا يصعب عليه كيف يسوقه إلى قبضته «إِنَّهُ كانَ» ولا يزال «عَلِيماً» بذلك كله لا يحتاج الدلالة والاعانة من أحد «قَدِيراً» ٤٤ على خلقه وجميع مكوناته، لا يفلت أحد من قبضته، كيف وقد قال جل قوله: (وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) الآية ٦٧ من سورة الزمر في ج ٢، ومن كان كذلك فلا يعجزه شيء. قال تعالى «وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا» من الآثام والمعاصي والمخالفات «ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها» أي الأرض التي يوقعون فيها المنهيات كلها من الإنس والجن وغيرهما
стр. 617
«مِنْ دَابَّةٍ» تدب عليها بما يشمل الإنسان والحيوان والحوت والطير وغيرها «وَلكِنْ» يحلم عليهم فيمهلهم علهم يتوبوا فيغفر لهم ولذلك «يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى» عنده لا يطلع عليه غيره «فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ» المحتوم ولم يرجعوا إليه وبقوا مصرين على ما هم عليه، أوقع بهم عذابه جزاء أعمالهم الخبيثة، وإذ ذاك «فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ» في ذلك اليوم كما هو الآن وقبل وبعد «بَصِيراً» ٤٥ بمن يستحق العقوبة ممن يستحق الكرامة، لم تخف عليه حقيقة أحد منهم.
هذا، ولا يوجد سورة في القرآن مختومة بمثل هذه الكلمة غير هذه والله أعلم، وأستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
تفسير سورة مريم عدد ٤٤- ١٩
نزلت بمكة بعد سورة فاطر عدا الآيتين ٥٨ و ٧١، وتسمى سورة كهيعص، ولا يوجد في القرآن سورة مبدوءة بما بدئت به، وهي ثمان وتسعون آية، وسبعمائة وثمانون كلمة، وثلاثة آلاف وسبعمائة حرف.
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)
قال تعالى «كهيعص» ١ كلمة مؤلفة من مبادئ أسماء الله تعالى الحسنى كريم وكبير، وهاد، ورحيم، وعليم، وصادق، وصبور، ولا يعلم معناها الحقيقي إلا الله والمنزل عليه هذا القرآن، راجع تفسير المص تجد ما يتعلق بها، وهذا الذي نتلوه عليك يا أكرم الرسل «ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا» ٢ حينما دعا ربه بطلب الولد وأنعم عليه به بعد كبر سنه وعقر زوجته وكبرها على عقمها، فاذكر لقومك معجزة ربهم لرسوله زكريا كيف رحمه وأجاب دعاءه «إِذْ نادى رَبَّهُ» سأله واستغاث به «نِداءً خَفِيًّا» ٣ سرا بينه وبين ربه، لأنه أبعد عن الرياء وأدخل في الإخلاص، ولئلا يلومه قومه إذا سمعوا منه طلب الولد من ربه مع شيخوخته وعقم زوجته، لأنهم يرون ذلك طلبا تافها عقيما محالا، ولا ينبغي لمثله وهو على ما هو عليه من المركز بينهم أن
стр. 618
يفعل ذلك، لعدم معرفتهم بقدرة الله الذي له خرق العادات لضعف إيمانهم، ثم ذكر صفة دعائه بقوله عز قوله «قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ» دق وضعف من الكبر «الْعَظْمُ مِنِّي» وإذا كان العظم صار كذلك، فما بالك باللحم وغيره من قوام وجوده؟ وزاد لفظة (مني) مع أنه لو قال عظمي لكفى بالمقصود، لأنه أحوج في الدلالة على الجنسية المقصودة هنا وهي أفصح ما يمكن أن يقال في هذا المقام وقد أخذ ابن دريد قوله:
واشتعل المبيّض في مسودّه ... مثل اشتعال النار في جمر الغضا
في قوله «وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً» ٣ تمييز محول عن الفاعل، أي اشتعل شيب الرأس، شبه ﵇ كثرة الشيب في رأسه في البياض والإنارة بشواظ النار وانتشاره في الشعر، وفشوّه فيه وأخذه منه كل مأخذ باشتعالها، ثم أخرجه مخرج الاستعارة، ففي الكلام استعارتان: تصريحية تبعية في اشتعل ومكنية في الشيب، وأسند الاشتعال إلى محل الشعر ومنبته وأخرج مخرج التمييز للمبالغة وإفادة الشمول، وإن إسناد معنى إلى ظرف ما اتصف به زمانيا أو مكانيا يفيد عموم معناه لكل ما فيه في عرف المخاطب، فقولك اشتعل نارا يفيد احتراق جميع ما فيه، دون اشتعل نار بيته، تأمل. وما قيل إن شيبا مصدر لاشتعل لأنه بمعنى شاب، أو حال بمعنى شائب، غير سديد كما لا يخفى. ثم قال ﵇ فيما يحكيه ربه عنه «وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا» ٤ بعدم الإجابة لدعوتي هذه، بل كنت سعيدا لأني كنت مستجاب الدعوة عندك مقبولا، فلا تخيبني الآن بما دعوتك به حسبما عودتني قبلا فأشقى، وحاشاك إلا إدامة كرمك على عبدك. ثم بين سبب طلبه بقوله «وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ» يريد أخواته وبني عمه إذ كانوا أشرارا لا يصلحون للخلافة بعده على إقامة دين الله، وخاف ﵇ إن استولوا بعده على الخلافة أن يغيروا معالم الدين ويبدلوا ما كان عليه. واعلم أن كل من يلي أمر الرجل من قرابته وذويه يطلق عليه لفظ مولى، ويطلق على السيد والعبد أيضا، ويعرف بالقرينة والخطاب قال:
стр. 619
ولن يتساوى سادة وعبيدهم ... على أن أسماء الجميع موالي
وحيث أن زكريا ﵇ كان أمينا على إقامة الدين حال وجوده بما أعطاه الله من ملكة قال «مِنْ وَرائِي» أي بعد موتي «وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً» فضلا عن أنها عجوز «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا» ٥ يلي أمر الناس من بعدي لإقامة دينك ممن يرضون بحكمه لأنه «يَرِثُنِي» النبوة التي شرفتني بها «وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» النبوة والعلم والحكمة لأنه ﵇ بن آزر وقيل بن برخيا من أولاد هارون أخي موسى ﵉ وهما من سبط يهوذا أولاد يعقوب والنبوة في عقبه لأنه إسرائيل الله صفوته من عباده وزوجته ايساع أخت مريم بنت عمران من ذرية داود ﵈، وبما أن النبوة والملك محصوران في أولاد يعقوب، أراد أن يكون ابنه الذي سيمنّ عليه به ربه وارثا للجهتين النبوة والملك لأن زكريا كان نبيا ورسولا لا ملكا، ومن قال إنه أراد وراثة المال فقد أخطأ وعن الحقيقة مال، لأن الأنبياء لا يورثون، قال ﵊ نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة. ومن البعد بمكان أن يشفق نبي من أنبياء الله على مال الدنيا، وكذلك القول بأن المراد أن يلي الخلافة بعده أي شخص كان فقد زل لأنه ﵇ أراد ولدا ذكرا من صلبه، يؤيد هذا قوله تعالى (قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً) الآية ٣٨ من آل عمران في ج ٣ «وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا» ٦ برا تقيا أرضاه وترضاه ويرضاه خاصة خلقك، وهذا أيضا يؤيد أن المراد بالولي ولدا صلبيا، ومما يؤكد هذا استجابة دعوته ومناداته له على الفور من قبل ربه
مطلب في الأسماء وما يستحب منها ويجوز ويحرم:
«يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى» وهو أسم خصصناه به «لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ» في الدهور الماضية «سَمِيًّا» ٧ قط تشريفا له وفيه إعلام بأن الغريب جدير بالأثرة وكان ذلك لأنه لم يكن له مثل في أنه يعص الله قط ولم يهمّ بمعصية قط، وانه ولد بين شخصين هرمين، وأنه كان حصور لا يأتي النساء مع القدرة، لأن الأنبياء كاملين لا يعتريهم خلل، ولم يشرب الخمر
стр. 620
مع أنه غير محرم عليه، ولم يلعب مع الصبيان. قالوا كانت العرب تسمي بالأسماء النادرة لهذه الغاية، قال بعضهم في مدح قوم:
شنع الأسامي مسبلي أزر ... حمر تمس الأرض أهدابها
وقيل للصلت بن عطاء: كيف تقدمت عند البرامكة وعندهم من هو آدب منك؟
فقال: لأني غريب الدار غريب الاسم خفيف الجرم. وكانت تختار الأسماء التي يتفاءل بها بعيدهم: كسعد وسعيد ومبارك ورزق ومرزوق ومسعود ومهنأ وبشير وشبهها، ويختارون الأسماء الدالة على الغلظة والشر لأنفسهم: كغضبان وعذاب وجدعان ومرار وذباح وهامة ونمر وفهد وما أشبه ذلك. ولما قيل لهم في ذلك قالوا إن اسماء عبيدنا لنا فنختار الأحسن، وأسماؤنا لأعدائنا فنختار لهم ما يوقع مهابتنا فيهم، مثل الضاري والسبع والهيثم والعادي، أما الأسماء المطلوبة في الإسلام فهي كما قال ﵊: خير الأسماء ما عبد وحمد كعبد الله وعبد الرحمن وعبد اللطيف ومحمد وأحمد ومحمود وما أشبه ذلك، وكرهوا اسم نافع ورابح وخير وشبهها لتفاؤل الشر بنفيها من قولهم لا نافع ولا رابح ولا خير في الدار إلى غير ذلك، وحرموا التسمية بعبد الحارث وعبد العزى وعبد الدار وغيرها من اسماء الجاهلية لما فيها من نسبة العبودية لغير الله تعالى «قالَ رَبِّ أَنَّى» كيف «يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا» ٨ يبسا وعساوة في المفاصل والعظام وصرت في حالة يأس، وهذا الاستفهام منه ﵇ ليس على طريق الاستبعاد، وسيأتي توضيحه في تفسير الآية ٤٠ من آل عمران في ج ٣ إن شاء الله فراجعه، إذ جاءت هذه القصة فيها أوضح من غيرها في سائر السور، وهكذا نؤخر بيان القصص إلى السور التي هي فيها أوسع لأنها أوفى بالمقصود منها «قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ» مثل هذا الأمر الذي ترونه صعبا أولا يكون «هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ» ليس بشيء كيف «وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ» يحيى يا رسولي «وَلَمْ تَكُ شَيْئاً» ٩ موجودا أو خلقت أباك آدم من العدم، أفلا أخلق لك ولدا من أبوين مهما كانا
стр. 621
في الهرم؟ وفي هذه الآية دلالة كافية على أن المعدوم ليس بشيء كما هو معتقد أهل السنة والجماعة قال في بدء الأمالي:
وما المعدوم مرثيا وشيئا ... لفقه لاح في بمن الهلال
فما قاله الغير من أن المعدوم شيء لا قيمة له لمخالفته الإجماع. ومفهوم هذه الآية كما قال بعض المحققين. المراد، ابتداء خلق البشر إذ هو واقع إثر العدم المحض المستفاد من قوله (وَلَمْ تَكُ شَيْئاً) لأن ما كان بعد ذلك كان بطريق التوالد المعتاد، فكأنه قيل وقد خلقتك من قبل في تضاعيف خلق آدم، ولم تك إذ ذاك شيئا أصلا، بل كنت عدما بحتا. وهذا المعنى مستفاد من قوله تعالى (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ) وقد المعنا إليه في تفسير الآية ١٠ من سورة فاطر المارة، وسنأتي على توضيحه في تفسير الآية ٤٩ من سورة الأنعام في ج ٢ إن شاء الله، وإنما لم يقل وقد خلقنا أباك آدم من قبل ولم يك شيئا مع كفايته في إزالة الاستبعاد لقياس حال ما بشر به على حاله ﵇، لتأكيد الاحتجاج وتوضيح منهاج القياس من حيث نبّه على أن كل فرد من أفراد البشر له حظ من إنشائه ﵇ من العدم، لأنه أبدع أنموذج طوي على سائر آحاد جنسه، فكان إبداعه على ذلك الوجه إبداعا لكل أحد من فروعه إلى آخر الدوران، ولما كان خلقه ﵇ على هذا النمط المساوي إلى جميع ذريته أبدع من أن يكون مقصودا على نفسه كما هو المفهوم من نسبة الخلق المذكور إليه، وأدلّ على عظيم قدرته تعالى وكمال علمه وحكمته، وكان عدم زكريا حينئذ أظهر عنده، وكان حاله أولى بأن يكون معيارا لحال ما بشّر به لينسب الخلق المذكور إليه، كما نسب الخلق المذكور إليه، كما نسب الخلق والتصوير إلى المخاطبين في قوله تعالى (وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ) الآية ١٠ من سورة الأعراف المارة توفية لمقام الامتنان في حقه، وقرأ الكسائي وغيره خلقناك على التعظيم، وإنما جوز هذه القراءة لما يقصد فيها من تعظيم العظيم ليس إلا، وإلا فالقياس عدم جوازها لما فيها من تغيير التاء بالنون وزيادة الألف، والشرط
стр. 622
في القراءات عدم الزيادة والنقص والتغيير كما أوضحناه في بحث القراءة في المقدمة وفي مواقع أخر ستمر عليك «قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً» على حمل زوجتي بما بشرتني به «قالَ آيَتُكَ» على ذلك «أَلَّا» تستطيع ولا تقدر بحسب الطبع أن «تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا» ١٠ كاملات متتابعات، وجاء في آل عمران (ثلاثة أيام) الآية ٤١ في ج ٣ وعدم استطاعتك على تكليم الناس خلال هذه المدة من غير بأس فيك كخرس أو مرض أو غيره حال كونك سوى الخلق سليم الجوارح. روى عن أبي زيد أنه لما حملت زوجته ﵇ أصبح لا يستطيع أن يكلم أحدا مع أنه يقرأ التوراة، حتى إنه إذا أراد مناداة أحد لم يطق.
مطلب ذكر الليالي دون الأيام:
وكلمة سويا تفيد معنى آخر وهو ما ذكرناه من أن الليالي مع أيامها كاملات والعرب تتجوز أي تكتفي بذكر أحدهما عن الآخر ولهذا جاء هنا ليالي وفي آل عمران أيام، والنكتة في ذكر الليالي هنا والأيام هناك، أن هذه السورة مكّيّة سابقة النزول، وتلك مدنية متأخرة النزول، والليالي عندهم سابقات الأيام لأن شهورهم وسنيهم قمرية تعرف بالأهلّة، ولذلك اعتبروها بالتاريخ. وقال تعالى (وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ) الآية ٦٠ من سورة يس المارة، فأعطى السابق للسابق، لأن هذه الآية تفيد أن الليل لا يسبق النهار من جهة لحوقه به وعدم إدراك أحدهما الآخر، إذ يقول في صدر الآية (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ) فلا حجة في الآية على نفي ذلك، لأنه متعارف مشهور حتى إنك تقول ليلة كذا ولا تقول نهار كذا، وتريد فيه الليل الذي يليه بخلاف ذلك. والليالي جمع ليل على غير قياس كأهل وأهالي، أو جمع ليلاة وتجمع على لياليل.
قال تعالى «فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ» موضع خلوته وتعبده «فَأَوْحى إِلَيْهِمْ» أشار إليهم بأصابعه لعدم قدرته على تكليمهم وقيل كتب لهم ذلك إذا
стр. 623
يطلق الوحي على الكتابة عند العرب قال عنترة:
كوحي صحائف من عهد كسرى ... فأهداها لأعجم طمطميس
وقد فسر ما أشار به إليهم بقوله «أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا» ١١ أي نزهوا ربكم عما هو من شأن كافة الحوادث صباح مساء، ففعلوا، قالوا فكان الحمل وكانت الولادة عند تمام مدتها، وقال تعالى مخاطبا لذلك المولود المبارك عند ولادته «يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ» التوراة، لأنه لم ينزل بعد موسى كتاب فيه أحكام غيرها، أما الزبور الذي أنزل على داود فيه أذكار وأمثال، وأما الإنجيل فلم ينزل بعد حيث أنزل على ابن خالته عيسى ﵇ الذي بعده بستة أشهر، أي خذه أخذا «بِقُوَّةٍ» جد وحزم وعزم، واجتهد أن تعمل به وتأمر قومك بالعمل به، قال تعالى «وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا» ١٢ أي النبوة التي لم تعط لمثله قبله قط ولا بعده إلا لعيسى ﵇، لانها مبنية على خرق العادة، ولله أن يعطيها من يشاء من خلّص من عباده بمحض الفضل، فإذا ثبت هذا وهو ثابت محقق فلا يمنع صيرورة الصبي نبيا لان نبوته على صغره أمر خارق للعادة أيضا ولا شك أن الله تعالى أحكم عقله وأهله لوحيه. روى عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال في ذلك إنه أعطي الفهم والعبادة وهو ابن سبع سنين. وجاء في رواية أخرى عنه مرفوعا أنه قال قال العلمان ليحيى بن زكريا ﵉ اذهب بنا نلعب، فقال اللّعب خلقنا؟ اذهبوا نصلي فهو قوله تعالى (وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) وأكثر المفسرين على أن الحكم الذي أعطاه الله إياه هو النبوة، وما ذكر أنه الفهم بسبب قراءته التوراة وهو صغير مستدلا يقول بعض السلف: من قرأ القرآن قبل أن يبلغ فقد أوتي الحكم، ليس بشيء. قال تعالى «وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا» أعطيناه أيضا رحمة ورأفة وشفقة على أبويه وغيرهما، لأنه نبي مرسل وهذه الصفات من مقتضيات النبوّة. قال الحطيئة يخاطب عمر ﵁
تحنن عليّ هداك المليك ... فإن لكل مقام مقالا
أي ترحم. ويطلق الحنان على الله جل شأنه، ولا وجه لمن منع إطلاقه عليه
стр. 624
لوروده في بعض أدعيته ﷺ حتى عده بعضهم في الأسماء الحسنى، ولكنه بالتشديد ليس بالتخفيف كما هنا ليدل على التكثير وبعضهم لم يعده قال المنذر بن درهم الكلبي
وأحدث عهد من أمينة نظرة ... على جانب العلياء إذ أنا واقف
تقول حنان ما أتى بك هاهنا ... أذو نسب، أم أنت بالحي عارف
وقال طرفة:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشرّ أهون من بعض
فكل هذا مما يؤيد أن الحنان بالتخفيف بمعنى الرحمة، وقيل مأخوذ في الأصل من حنّ بالتشديد بمعنى اشتاق وارتاح «وَزَكاةً» أعطيناه أيضا طهارة من مقارفة الذنوب ومقاربة العيوب، وقيل بركة، أي جعلناه نفاعا مباركا معلما للخير.
وجاء في الإنجيل ما لفظه مبارك من الرب وخمرا ومسكرا لا يشرب. وفيه يقول السيد عيسى ﵇ لم يقم أحد من بين المولودين أعظم من يوحنّا المعمدان.
ويحيى ﵇ المعمدان لأنه كان يعمد الذين يسلمون على يده وأولادهم بأن يأمرهم بالاغتسال. وهو عمّد أي غسل السيد عيسى ﵉. والتعميد بمعنى التغسيل لعة متعارفة عند النصارى «وَكانَ تَقِيًّا» ١٣ مطيعا مخلصا متجنبا كل ما يلهي عن الله، وهذه الصفات التي أخبر الله بها تؤيد تشريفه بالنبوة حال صباه، لانه لا يتحلى بها إلا الكاملون «وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ»
لأنه علم بتعليم الله إياه أن لا عبادة بعد تعظيم الله تعالى أعظم من برّ الوالدين. قال تعالى (وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً) الآية ٢١ من سورة الإسراء الآتية، ثم نفى الله عنه ما قاله بعض قومه أنه خرج على غير طريقهم تجبرا عليهم وعصيانا لهم، فقال جل قوله «وَلَمْ يَكُنْ»
ممن تحلى بهذه الصفات الحميدة الجليلة «جَبَّاراً عَصِيًّا»
١٤ بل كان متواضعا لين الجانب سهل المأخذ يسر المخاطبة كثير الطاعة لوالديه، لأن نفي الصنفين الكائنين بلفظ المبالغة يثبت عكسهما له ﵇ بلفظ المبالغة أيضا «وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا»
١٥ وهذا كله باق دائم له من جانب ربه في أحواله
стр. 625
الثلاث المهمة، أي أنه لم ينله الشيطان يوم ولادته، وإنه يحميه من فتاني القبر إذا مات، ومن الفزع الأكبر والعذاب حين ينشر من قبره، وهذه المواطن الثلاث أوحش ما يلاقيه الإنسان، يوم يولد يرى نفسه خارجا مكرها من مقره فيسقط باكيا، ويوم الموت يرى من الأشباح والآلام ما ترتعد له الفرائص وترتج لهوله القلوب، ويوم البعث يرى مشهدا لا يوصف ما فيه من الشدة والكرب، راجع تفسير الآية الأولى من سورة الحج في ج ٣، وهذه البشارة الواردة في القرآن العظيم خصّت به وبالسيد عيسى ﵉، ولا أعظم منها بشارة «وَاذْكُرْ»
يا محمد لقومك وغيرهم قصة مريم بعد قصة يحيى العجيبتين «فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ»
بنت عمران التي قصتها أعجب من قصة ابن أختها يحيى «إِذِ انْتَبَذَتْ»
اعتزلت وتنحت، وأصل النبذ إلقاء الشيء وطرحه لقلة الاعتداد به، أي أنها لم تبال بنفسها حيث انفردت وتباعدت «مِنْ أَهْلِها»
ومن الناس أجمع «مَكاناً شَرْقِيًّا»
١٦ من دار أهلها وقريتها لتغتسل وتتخلى للعبادة، وقيل قعدت في مشرفة لتغتسل من الحيض، ويؤيد هذا القيل معنى قوله تعالى «فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً»
ساترا لها لئلا يراها أحد حين اغتسالها على القول بأن ابتعادها لهذه الغاية، أو حائطا أو جبلا على القول بأن اعتزالها كان لمحض العبادة، ولكن لفظ الاتخاذ يؤيد الأول ويؤكده قوله تعالى «فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا»
جبريل ﵇، وإنما سمي روحا لأن الدين يوحى به، لأنه واسطة الوحي وتبليغه للرسل، والإضافة للتشريف، أو لأنه محبوب الله ومقربه وأمين وحيه، كما تقول لحبيبك أنت روحي لفرط محبتك له، وقرىء روحنا بفتح الراء، وإنما سمي به لانه سبب الروح للعبادة، ولأنه من جملة المقرّبين الموعودين بالروح في قوله تعالى: (فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ) الآية ٤٠ من سورة الواقعة الآتية، وقرىء روحنّا بتشديد النون اسم ملك، وليست بشيء، ولا وجه لمن قال إن المراد بروحنا عيسى ﵇ محتجا بقوله تعالى (وَرُوحٌ مِنْهُ) الآية ١٧٠ من سورة النساء في ج ٣، لأنه لم يكن بعد فكيف يرسله، وينافيه قوله تعالى «فَتَمَثَّلَ لَها»
ذلك الملك
стр. 626
المسمى بالروح فكيف يتصور أنه عيسى ولم يخلق بعد؟ وما قيل إن ضمير تمثل يعود إلى ملك غير مذكور يأباه سياق النظم الكريم، فكان ﵇ حينما تمثل لها «بَشَراً سَوِيًّا»
١٧ كامل الخلق لئلا تنفر منه ولتستأنس بكلامه، لأنه لو جاءها بصورته الحقيقة لما استطاعت النظر إليه لما أعطاه الله من بداعة الخلق والهيبة والصفة العجيبة- راجع تفسير الآية ٢١ من سورة التكوير المارة- وما قيل إنه تمثل لها بصورة البشر لتهيج شهوتها قيل خاطئ تتنزه عنه السيدة مريم ويكذبه قولها حين رأته أقبل عليها وهو «قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا»
١٨ تخاف الله فتباعد عني ولا تقربني، فهذا شاهد عدل على أنه لم يخطر ببالها شائبة ميل ما البتة، وقولها هذا غاية في كمال عفتها ونزاهتها ﵍، مع أنه إذ ذاك كان غير محذور اختلاط النساء بالرجال ومكالمتهم فلا مانع ولا شبهة فيه، ولم يحرم النظر على الأجنبية إلا زمن عيسى ﵇، كما جاء في الاصحاح ٥ من إنجيل متى، وسنبينه في تفسير الآية
٢٩ من سورة النور في ج ٣ إن شاء الله.
أما الحجاب فلا ذكر له قبل عهد المصطفى محمد ﷺ ديانة وإن كان يستعمله أكابر الناس قبلا كما سنبينه في تفسير الآية ٥٨ من سورة الأحزاب في ج ٣ أيضا إن شاء الله بصورة كافية شافية. وما قيل إن (تقيا) اسم رجل شقي معروف عندهم في ذلك الزمن أو رجل صالح كيوسف النجار فغير صحيح، وهو من مخترعات القصاص وأخبار الأخباريين وأكاذيبهم، لأن الأول لا يجرؤ على الوصول لبنات الأنبياء والأعاظم كمريم ﵍، والثاني مشهور بالعفة يمنعه دينه من الوصول إليها وغيرها. فأجابها جبريل ﵇ «قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ»
ليس ممن يتوقع منه الشرّ الذي توهمينه حتى تستجيري بربك مني لأني رسول الذي استجرت به واستعذت أمرني أن آتيك «لِأَهَبَ لَكِ»
بإذنه تعالى الذي أرسلني إليك، إذ أمرني أن أنفخ في جيبك ليكون هذا النفخ سببا في حصول الولد الذي سيكون «غُلاماً زَكِيًّا»
١٩ طاهرا نقيا فطنا. وأسند ضمير أهب لنفسه، لأن الله أرسله بذلك، وفعل الرسول ينسب إلى المرسل «قالَتْ» متعجبة مما سمعته «أَنَّى
стр. 627
يَكُونُ لِي غُلامٌ»
كيف يتصور ذلك «وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا» ٢٠ لأن الولد لا يكون إلا بنكاح أو سفاح، وكلاهما لم يكن، وهذا استفهام تعجب. وهناك أي استفهام زكريا المار في الآية ٨ استفهام استطلاع عن الكيفية والتذاذ بسماع الجواب السّار
«قالَ كَذلِكِ» إن الأمر كما ذكرت لك، ولا أعلم غير ما أمرت به. ولكن «قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ» وإن كان مستحيلا عادة إتيان الولد من غير مس، لأن الله تعالى يأتي بالمستحيل من غير حاجة إلى الأسباب ألا تعلمين أنه خلق آدم من لا شيء وخلق حواء منه، فالذي يخلق من غير أم وأب ومن غير أم ألا يقدر أن يخلق من غير أب وهو الفعال لما يريد؟ بلى يسهل عليه ذلك، ثم قال لها وإن ربك قال «وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ» كما جعلنا آدم وحواء قبله آيتين للخلق في زمنهما من الملائكة والجنّ، كذلك نجعل الولد الذي سيكون منك آية لهم دالة على قدرة ربك البالغة «وَرَحْمَةً مِنَّا» لمن يؤمن به ويتبعه «وَكانَ» ابنك هذا مكتوبا في أزل ربك بأنه يكون من هذه النفخة بأمره «أَمْراً مَقْضِيًّا» ٢١ محكما مبرما لا يبدل ولا يرد. فلما سمعت هذا وعرفته أنه من الله سكتت، فتقدم جبريل ﵇ وأخذ درعها من الأرض ورفعه فنفخ فيه وأعطاه إياها، فلبسته بعد أن اطمأنت إليه «فَحَمَلَتْهُ» أحست بحمله حالا، ولما بدأ حملها خافت أن يعرف الناس ذلك وهي مشهورة بالعفّة والطهارة ومن بيتهما، وعرفت أنها إذا قالت من الله بواسطة الملك لا يصدقونها، فصمّمت على الخروج من القرية لترى ما يرى الله لها «فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا» ٢٢ بعيدا عن قربتها وأهلها لئلا يعيروها، والباء في (به) للمصاحبة والملابسة لأنه في بطنها كقوله تعالى (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ) الآية ٢٢ من سورة المؤمنين في ج ٢، وعليه قول المتنبي في وصف الخيل:
فمرت غير ناظرة عليهم ... تدوس الجماجم والرؤوسا
أي اعتزلتهم «فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ» الجأها أو فاجأها وجع الولادة المسمى طلقا بعرفتا «إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ» الكائن في بيت لحم في فلسطين وهو يبعد
стр. 628
عن قريتها الناصرة بأربعة مراحل تقريبا، ولذلك وصفته بالبعد في الآية لانه في ذلك الزمن يعد بعدا بعيدا، وكان الجذع بالبرية على مستوى من أرض بيت لحم يابسا، فاستندت إليه وتمسكت به عند شدة الطلق، ولما رأت وحدتها وما حل بها وتفكرت بما سيصمها به قومها «قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا» الأمر الذي حل بي الذي سيصيبني منه ما يصيبني «وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا» ٢٣ لم أذكر ولم أولد، فولدته عند ذلك، وقد سمع كلامها «فَناداها مِنْ تَحْتِها» قائلا لها يا أماه «لا تَحْزَنِي» على وحدتك وما سيتفوه به الناس فيك، وافرحي «قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا» ٢٤ عبدا شريفا رفيعا سيدا كريما، ومن تأت بمثل هذا ينبغي لها أن تفرح لا أن تحزن. وقال بعض المفسرين إن (سريا) جدول ماء جار هناك بمحل الولادة، ومعنى لا تحزني على الطعام والشراب معتدلا بالآية ٢٥ الآتية وهو بغير محله، ولا طائل تحته، إذ يبعد على مثلها أن تحزن على الطعام والشراب.
وأما الحديث الذي رواه الحاكم في مستدركه عن البراء من أنه سأل رسول الله ﷺ عن السريّ، فقال هو الجدول، وذكره البخاري تعليقا موقوفا عليه، فلم يصح، وإذ لم يصح لا يتخذ حجة لأن الدليل إذا طرقه الاحتمال أفقده الاستدلال وأسقط حجيته، وإن اطلاق السريّ على جدول الماء الجاري من حيث اللغة صحيح معروف، وجاء في قول لبيد:
فتوسطا عرض السريّ فصدعا ... مسجودة متجاوزا قلامها
يصف عيرا وأتانا. وأنشد ابن عباس:
سهل الخليقة ماجد ذو نائل ... مثل السري تمده الأنهار
إلا أنه غير مراد هنا وأراه غير موافق للواقع أيضا، إذ لا يوجد هناك في بيت لحم نهر جار البتة لا في محل الولادة ولا في غيرها، بل يوجد آبار ولعلها كانت قريبة التناول، وكانت عينّا معينا. أما ما جاء في الآية ٥٠ من سورة المؤمنين في ج ٢ وهي قوله تعالى (وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ) فهو غير مراد هنا بل هو في محل هجرة عيسى ﵇ مع أمه كما سيأتي توضيحه هناك،
стр. 629
حتى إن محل الولادة لا يوجد فيه ربوة وإنها الآن ينزل إليها بدرج تحت الأرض وقد شاهدته بعيني سنة ١٩٣٥ في شهر مايس عند زيارتي للقدس الشريف والخليل، وذلك المحل المبارك. وعلى هذا والله أعلم أنه لم يرد ذلك المعنى بالسريّ، وإنما معناه ما ذكرناه وهو الموافق للسياق والسباق. وإن استعمال السريّ بمعنى السيد الكريم هو من فصيح الكلام كما أن عود الضمير في ناداها إلى السيد عيسى كما جرينا عليه أوفق وأنسب للمعنى من قول إنه يعود إلى جبريل، لأن نطقه حال ولادته من معجزاته التي جاوبها، وعلى هذا جهابذة المفسرين كالحسن وابن زيد وأبي حيان والجبائي ومجاهد ووهب وابن جبير وابن جرير، ونقله الطبرسي عن الحسن يؤيده قراءة الأبوين والابنين عاصم والجحدري «من» بفتح الميم أي الذي تحتها، وروى أن الحسن وابن عباس قرأ كذلك، وفي الأسئلة النجمية كذلك أيضا، ومن قال على هذه القراءة يراد به جبريل لأنه كان تحت الرّبوة التي ولدت عليها لا دليل له على ذلك، ولا يساعده نظم التنزيل وظاهره ولا يعدل عن الظاهر إلا لأمر قسريّ، ولا يوجد، وأضعف من هذا قولهم إنه كان ﵇ تحتها يتلقى الولد، وهذا مما لا يليق بجنابه وأمانته على وحي ربه، وعفتها وطهارتها، ومما يتأدب عنه وعن القول به كل تقي، هذا، واختلف في سنّها عند الحمل وفي مدة الحمل وزمنه أيضا على أقوال، فقيل إن سنها كان يتراوح بين العشر سنين وخمس عشرة ومدة حملها ما بين ساعة وتسعة أشهر، والمشهور أنها ثمانية، لهذا قالوا لم يعش مولود على رأس الثمانية أشهر غير عيسى ﵇، وذلك أن جملة المنجمين يزعمون أن النطفة تقبل البرودة في الشهر الأول من زحل فتجمد، وتقبل القوة النامية في الثاني من المشتري فتأخذ في النمو، وتقبل في الثالث القوة الغضبية من المريخ، وفي الرابع قوة الحياة من الشمس، وفي الخامس قوة الشهوة من الزهرة، وفي السادس قوة النطق من عطارد، وفي السابع قوة الحركة من القمر، فتتم خلقة الجنين، فإن ولد في الثامن لم يعش لقبوله قوة الموت من زحل، فإن ولد في التاسع عاش، لأنه قبل قوة الحياة من المشتري، وذلك من الخرافات لأن هذه المكونات لا تأثير لها إلا
стр. 630
بإرادة الله تعالى، فمن قال هذا قبل قوله كقولهم إن الثمار تنضج بتأثير الشمس، وألوانها تكون بتأثير القمر، وأطعمتها تكون بتأثير النجوم. أما من نسب ذلك لها بقوة جعلها الله فيها وإرادته لذلك فلا بأس بقوله، لأن الله تعالى يضع ما يريده من قوى فيما يريده من مخلوقاته الجامدة والحساسة، كما يضع قوة الذبح في الموسى عند إرادة الذبح، وكما يخلق قوة الشبع والرّي عند الأكل والشرب، يفعل ما يشاء ويختار. ومن أسند هذه القوى لنفس النجوم فقوله مردود عليه ويخاف عليه من سلب الإيمان والعياذ بالله، وقد صرفنا النظر عن الأقوال الواردة في سن مريم ومدة حملها، إذ لا طائل تحتها، وأحسنها القول بأن سنها كان خمس عشرة سنه، ومدة الحمل تسعة أشهر، لأن القول بأن حملها وولادتها في ساعة واحدة يأباه نظم القرآن، إذ لو كان كذلك لما ذهبت من الناصرة إلى بيت لحم، بل وضعته حالا في مكانها، وهذا كاف لردّ هذا القول. وأما زمن الولادة فهو وقت الزوال على ما جاء في أحسن الأقوال، وما قيل إنه في منتصف الليل لم يثبت ولعلها أحست بالطلق في منتصف الليل وولدته وقت الزوال. ثم قال لها عيسى ﵇ «وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا» ٢٥ ناضجا حان قطافه، وهذه معجزة لسيدنا عيسى ﵇ إرهاصا لنبوته أو كرامة لأمه
لا معجزة لفقد شرطيها وهو النبوة والتحدي، ووجه كونها كرامة أو إرهاصا لسيدنا عيسى أو كرامة لأمّه ﵍ لأنها كانت يابسة والولادة كانت في موسم الشتاء (٢٥ كانون الأول سنة ٤٠٠٤) من ولادة آدم كما قيل، والشتاء ليس بموسم لقطف الثمر، وفيها إشارة إلى ما يؤول إليه حاله بأنه ﵇ (أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ) كما وصفت النخلة لأنه ولد في الأرض ورفع إلى السماء وأنه سيحيي الموتى بإذن الله كما أحييت النخلة الميتة، وفي الأمر بالهزّ دليل على وجوب السعي لتحصيل الرزق وإلا فالذي أحيا النخلة قادر على إسقاط ثمرها دون هزّ، وما أحسن ما قيل في هذا:
стр. 631
ألم تر أن الله أوحى لمريم ... وهزي إليك الجذع يساقط الرطب
ولو شاء أحنى الجذع من غير هزّه ... إليها ولكن كل شيء له سبب
«فَكُلِي» من هذا الثمر «وَاشْرَبِي» من الماء الموجود هناك وهذا ما حدا ببعض المفسرين على تفسير السريّ بالنهر كما أشرنا إليه آنفا «وَقَرِّي عَيْناً» طيبي نفسا، والعرب تكنى بقرة العين أي بردها عند السرور والفرح وسخنها عند الغم والحزن، راجع تفسير الآية ٧٤ من سورة الفرقان المارة تجد هذا مفصلا بما يكفيك عن مراجعة غيره، هذا وعلى ما جرينا عليه يكون المعنى إجمالا:
لا تحزنى وافرحي بولدك لأنك جئت بما يرضيك، واتركي الحزن فإن الله قد أظهر لك ما يبرىء ساحنك مما كنت تتوهمينه قالا وحالا. يؤيد هذا ما روي عن ابن زيد قال قال عيسى ﵇ لها لا تحزني، فقالت كيف لا أحزن وأنت معي ولست ذات زوج ولا مملوكة، فأي شيء عذري عند الناس؟ ليتني متّ قبل هذا، فقال لها ﵇ أنا أكفيك الكلام، قال تعالى (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً) عند ذهابك لأهلك وقريتك وأراد أحدا أن يتكلم معك في هذا الشأن «فَقُولِي» لهم «إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً» عن الكلام لدلالة المقام عليه، وكان صوم الصمت عن الكلام عندهم معروفا ومن جملة العبادات لدى الإسرائيليين، وهو حتى الآن كذلك، وإنما أمرها بالصمت ليتكلم هو عنها ولئلا تجادل السفهاء بنفسها لأنها مهما قالت لهم لا يصدقوها، لأنه أمر لم يقع وهو فوق العقل، فكان سكوتها واجبا لحفظ كرامتها. ثم فسر الصوم بقوله قولي «فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا» ٢٦ وإنما أناجي ربي وأكلم الملك وابني هذا، أي قولي لهم هذا الكلام واسكتي. فطاب خاطرها وعلمت حجة قول ابنها، لأن تكليمه إياها فوق العقل أيضا، وإذ حصل لها اطمئنان بما سمعت من ابنها، عنّ لها أن ترجع إلى قريتها قال تعالى «فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ» إلى بلدتها النّاصرة، فلما رأوها حزنوا لما يعلمون من صلاحها وطهارتها وأصلها، لأنها من قوم صالحين، وكان رجوعها إليهم حال كونها حاملة ولدها، قالوا وكان رجوعها
стр. 632
إليهم بعد الولادة بأربعين يوما لا من غيابها لأنها تركت قريتها الناصرة بعد أن ظهر حملها وذهبت إلى بيت لحم خوفا من كلام السفهاء إلى محل لا يرونها لبعده إذ ذاك، لأنه لا يوجد وسيلة للنقل وركوب الإبل وغيرها من الحيوان، وبقيت هناك حتى ولدت وانقضت مدة نفاسها على أصح الأقوال المعول عليها «قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا» ٢٧ منكرا عظيما وأمرا بديعا تحتجين به، مع ما أنت عليه من الصلاح وكريم المحتد «يا أُخْتَ هارُونَ» يا شبيهته في العفة والتقوى والورع والصلاح وطيب العنصر، لا في النسب لأنها من نسل داود واسمها مريم واسم أبيها عمران، وهرون أخو موسى اسم أخته مريم أيضا، وأبوه عمران وهو من بيت الصلاح، فمن هنا جاءت النسبة، والعرب تقول أخو تميم وأخو تغلب لرجل منهم، روى مسلم عن المغيرة بن شعبة قال: لما قدمت خراسان سألوني فقالوا لي إنكم تقرءون يا أخت هارون وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ فلما قدمت على رسول الله ﷺ سألته عن ذلك فقال إنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم والصالحين قبلهم، ولذلك شبهوها به. وما قيل إن هرون آخر كان في بني إسرائيل فاسقا فشبهوها به قول باطل ينافيه سياق الكلام ومبناه لا مستند له ولا مناسبة، ومن تتمة خطابهم لها ما ذكره الله عز ذكره «ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ» شقيا ولا زانيا «وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا» ٢٨ بل كانا عفيفين طاهرين منزهين، وكان اسم أمها حنّة، مشهورة بالطهارة ومن بيت العفة، والأجدر أن يتبع الفرع أصله، فلماذا جئت على خلاف ضئضئك ومن أين أتاك هذا الولد؟ وهنا انتهى كلامهم لها فكان جوابها لهم ما ذكره الله عز ذكره «فَأَشارَتْ إِلَيْهِ» بأن كلموه هو وأشارت إلى عيسى ليكلمهم فظنوا أنها تهزأ بهم وتسخر عليهم فغضبوا وخاطبوها بعنف «قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا» ٢٩ ولم تجر العادة أن يكلم مثله أو يتكلم، ولا يرد على هذا أن كل إنسان كان في المهد صبيا ثم كبر وتكلم، لأنه كان لإيقاع مضمون الجملة في زمان ماض مبهم يصلح للقريب والبعيد، وهو
стр. 633
هنا للقريب خاصة، لأن الكلام مسوق للتعجب، وكلام الكبير الذي كان في المهد قبل سنين لا يتعجب منه، فهو إيراد تافه، كما أن القول بأن كان زائدة واه إذ لا زائد في القرآن، وهي هنا تامة. ولما سمع كلامهم مع أمه التفت إليهم ﵇ وقطع رضاعه وأقبل عليهم بوجهه واتكأ على يساره وأشار بسبابته على ما قالوا فقال لهم «قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ» الإنجيل لأنذركم به «وَجَعَلَنِي نَبِيًّا» ٣٠ حال صباي وإن معجزتي كلامي معكم وأنا طفل.
قال الحسن كان في المهد صبيا وكلامه معجزة له. وقال أكثر المفسرين إنه أتي الإنجيل وهو صغير، وكان يعقل عقل الكمل وعبر بالماضي عن المستقبل، إما باعتبار ما سبق في أزله تعالى أو باعتبار المحقق وقوعه كالواقع. وقيل معناه سيؤتيني الكتاب ويجعلني نبيا، وهو إخبار عما كتب له في اللوح. كما قبل لحضرة الرسول محمد ﷺ متى كنت نبيا قال: كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن أنس أن عيسى ﵇ درس الإنجيل وأحكمه في بطن أمه. وروي عن الحسن أنه ألهم التوراة وهو في بطن أمه، وهما كما ترى. وبعد أن أخبر الله بأنه أعطاه الكتاب فلا حاجة للجنوح إلى ما جاء في الحديثين بل علينا أن نعتقد أنه كما ولد بأمر الله من غير أب وأنطقه وهو طفل أعطاه الكتاب وعلمه إياه بإلهام منه وهو طفل أيضا. ومن عرف الله بأنه الفعال لما يريد القادر على كل شيء لا يحتاج إلى التأويل والتفسير، وعلى العاقل أن يصدق بكل ما جاء من عنده، وهذا طريق السلام،
قال ﵇ «وَجَعَلَنِي مُبارَكاً» نفاعا قاضيا للحوائج آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، أبرىء الأكمه والأبرص وأشفي المرضى بإذن الله وهذا هو المبارك ولا أعظم بركة من هذه البركة التي شرفه الله بها، فالإله الذي يعطيه ذلك ويعطيه إحياء الموتى أيضا وخلق الطير أفلا يعطيه الإنجيل ويحفظه إياه؟
بلى وهو على كل شيء قدير «أَيْنَ ما كُنْتُ» ليس في أرضكم وبلدكم هذه فقط بل في كل مكان حللت فيه وزمان وجدت فيه أكون هكذا معلما للخير مباركا نفاعا «وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا» ٣١ في الدنيا لأن الآخرة
стр. 634
لا عبادة فيها، والصلاة والزكاة عبادة تنقطع بالموت، لذلك جعل نهايتها الحياة وهذان الفرضان تعبّد الله بهما كل أنبيائه وأممهم وكذلك الصوم والقصاص إلا أنها كانت مفرقة على الأنبياء على غير هذه الصفة والقدر المبين في شريعتنا، لأن نبينا ﷺ جاء بشريعة جامعة لما تشتت من شرائع الأنبياء قبله، ولم تجمع الصلوات الخمس إلا له ولأمته، فالصلاة والزكاة من حيث الأصل فرضت على جميع الأنبياء وأممهم كما يفهم من الآية ١٨٣ من سورة البقرة في ج ٣، ولكن تختلف في الكيفية والكمية عما فرض علينا «وَبَرًّا بِوالِدَتِي» أوقرها وأكرمها وأعظمها على سائر الناس، وفي تخصيص برّه بوالدته اشعار صريح بأنه لا والد له وإيذان ببراعتها مما رموها به، وإشارة بطهارتها وعفافها، ولهذا استحقت البر منه «وَلَمْ يَجْعَلْنِي» ربي الذي منّ علي بما ذكرته لكم «جَبَّاراً شَقِيًّا» ٣٢ متكبرا عاقا عاصيا، وفي قوله جبارا إعلام بنزاهة أمه أيضا مما وصمت به بسببه، قال بعض العلماء لا تجد العلق أي ابن الزنا إلا جبارا. ولهذا نفى عنه ﵇ هذه الصفة الخبيثة «وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا» ٣٣ تقدم تفسير مثلها في الآية ١٥ المارة، وقد أخبر بهذه الآية قومه بأنه ﵇ آمن عند ربه في هذه المواطن الثلاثة التي قل من يأمن منها، وفي بدء جوابه ﵇ لقومه اعتراف على نفسه بالعبودية لله، كأنه نفت في روعه أن من الناس من يتخذه إلها فنبّه قومه مقدما بأنه عبد الله من جملة عيده تبرأ مما سيقوله المتوغلون في حبه واعتذارا مقدما إلى ربه ليكون حجة له عنده وحجة على الذين يتخذونه إلها فمن قومه من قنع وصدق، ومنهم من استعظم وكذب، ونشأ ﷺ على أكمل الأوصاف في غاية من التواضع ونهاية في الأدب يأكل الشجر ويلبس الشعر ويجلس على التراب ولم يتخذ مسكنا له ويتصدر لقومه ويقول سلوني عن أموركم فإني لين القلب صغير النفس، ولهذا البحث صلة في تفسير الآية ٤٥ فما بعدها من آل عمران في ج ٣، قال تعالى «ذلِكَ» الذي خلقناه من روحنا على الوجه المار ذكره والذي وصف نفسه بتلك الصفات هو «عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ» نبيّنا
стр. 635
ورسولنا وعبدنا لا إله ولا جزء من الإله ولا شريك معه، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. أقول لكم هذا أيها الناس «قَوْلَ الْحَقِّ» على قراءة النصب وهي الواردة في القرآن، وعلى قراءة الرفع يكون المعنى ان هذا الذي قلته في عيسى عبدي هو قول الحق الصدق «الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ» ٣٤ يشكون ويختلفون فيقولون الأقاويل الكاذبة فيه وهو عبد الله ورسوله ولد من مريم بلا أب على الوجه المار ذكره والصفة المبينة، لا مرية فيه أبدا، وعليه فإن ما تقوله اليهود بأنه ساحر وما يرمونه به كذب محض، وما تقوله النصارى من أنه ابن الله افتراء بحت، وما يقوله الغير من وصم أمه الطاهرة الزّكية بهت ظاهر، وقد بين الله كذبهم كلهم بما تقدّم من الآيات وما سيأتي في الآيات المبينة آنفا وغيرها، وحققه بقوله جل قوله «ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ» البتة لعدم الحاجة إليه وقد نزه نفسه عنه بسورة الإخلاص المارة وفي الآية الأخيرة من سورة الإسراء الآتية وغيرها «سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً» كهذا وغيره مهما كبر وعظم عند خلقه إذ لا يعظم عنده شيء «فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» ٣٥ حالا لا محالة وهاتان الآيتان من ذلك إلى هنا من كلام الرب جاءتا اعتراضا بين قوله على لسان عيسى قبلها وبين قوله:
«وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ» وحده لا تشركوا به شيئا.
مطلب وصية عيسى ﵇ وما يقوله فيه قومه:
وفي قوله هذا وقول ربه المار ذكره ردّ صريح على من قال إنه إله أو ابن الإله «هذا» الذي أخبرتكم به أيها الناس من براءة أمي وتبرؤ مما سيقال في، وإني عبد الله ورسوله وإن الله ربي وربكم ورب العالم أجمع لا شريك له ولا وزير ولا صاحبة ولا ولد «صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ» ٣٦ فاسلكوه وتمسكوا به لئلا تضلوا فتهلكوا لأنه الطريق السوي الموصل إلى الخير في الدنيا والآخرة، فمن قال بعد هذا إن عيسى ابن الله أو إله أو ثالث ثلاثة أو شريك مع الإله أو إن أمه لم تحمل به على الصورة المذكورة، فقد افترى على الله وعلى رسوله عيسى وعلى أمه مريم
следующие страницы →