Полный текст (3 362 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
ألم تر أن الله أوحى لمريم ... وهزي إليك الجذع يساقط الرطب
ولو شاء أحنى الجذع من غير هزّه ... إليها ولكن كل شيء له سبب
«فَكُلِي» من هذا الثمر «وَاشْرَبِي» من الماء الموجود هناك وهذا ما حدا ببعض المفسرين على تفسير السريّ بالنهر كما أشرنا إليه آنفا «وَقَرِّي عَيْناً» طيبي نفسا، والعرب تكنى بقرة العين أي بردها عند السرور والفرح وسخنها عند الغم والحزن، راجع تفسير الآية ٧٤ من سورة الفرقان المارة تجد هذا مفصلا بما يكفيك عن مراجعة غيره، هذا وعلى ما جرينا عليه يكون المعنى إجمالا:
لا تحزنى وافرحي بولدك لأنك جئت بما يرضيك، واتركي الحزن فإن الله قد أظهر لك ما يبرىء ساحنك مما كنت تتوهمينه قالا وحالا. يؤيد هذا ما روي عن ابن زيد قال قال عيسى ﵇ لها لا تحزني، فقالت كيف لا أحزن وأنت معي ولست ذات زوج ولا مملوكة، فأي شيء عذري عند الناس؟ ليتني متّ قبل هذا، فقال لها ﵇ أنا أكفيك الكلام، قال تعالى (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً) عند ذهابك لأهلك وقريتك وأراد أحدا أن يتكلم معك في هذا الشأن «فَقُولِي» لهم «إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً» عن الكلام لدلالة المقام عليه، وكان صوم الصمت عن الكلام عندهم معروفا ومن جملة العبادات لدى الإسرائيليين، وهو حتى الآن كذلك، وإنما أمرها بالصمت ليتكلم هو عنها ولئلا تجادل السفهاء بنفسها لأنها مهما قالت لهم لا يصدقوها، لأنه أمر لم يقع وهو فوق العقل، فكان سكوتها واجبا لحفظ كرامتها. ثم فسر الصوم بقوله قولي «فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا» ٢٦ وإنما أناجي ربي وأكلم الملك وابني هذا، أي قولي لهم هذا الكلام واسكتي. فطاب خاطرها وعلمت حجة قول ابنها، لأن تكليمه إياها فوق العقل أيضا، وإذ حصل لها اطمئنان بما سمعت من ابنها، عنّ لها أن ترجع إلى قريتها قال تعالى «فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ» إلى بلدتها النّاصرة، فلما رأوها حزنوا لما يعلمون من صلاحها وطهارتها وأصلها، لأنها من قوم صالحين، وكان رجوعها إليهم حال كونها حاملة ولدها، قالوا وكان رجوعها
стр. 632
إليهم بعد الولادة بأربعين يوما لا من غيابها لأنها تركت قريتها الناصرة بعد أن ظهر حملها وذهبت إلى بيت لحم خوفا من كلام السفهاء إلى محل لا يرونها لبعده إذ ذاك، لأنه لا يوجد وسيلة للنقل وركوب الإبل وغيرها من الحيوان، وبقيت هناك حتى ولدت وانقضت مدة نفاسها على أصح الأقوال المعول عليها «قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا» ٢٧ منكرا عظيما وأمرا بديعا تحتجين به، مع ما أنت عليه من الصلاح وكريم المحتد «يا أُخْتَ هارُونَ» يا شبيهته في العفة والتقوى والورع والصلاح وطيب العنصر، لا في النسب لأنها من نسل داود واسمها مريم واسم أبيها عمران، وهرون أخو موسى اسم أخته مريم أيضا، وأبوه عمران وهو من بيت الصلاح، فمن هنا جاءت النسبة، والعرب تقول أخو تميم وأخو تغلب لرجل منهم، روى مسلم عن المغيرة بن شعبة قال: لما قدمت خراسان سألوني فقالوا لي إنكم تقرءون يا أخت هارون وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ فلما قدمت على رسول الله ﷺ سألته عن ذلك فقال إنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم والصالحين قبلهم، ولذلك شبهوها به. وما قيل إن هرون آخر كان في بني إسرائيل فاسقا فشبهوها به قول باطل ينافيه سياق الكلام ومبناه لا مستند له ولا مناسبة، ومن تتمة خطابهم لها ما ذكره الله عز ذكره «ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ» شقيا ولا زانيا «وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا» ٢٨ بل كانا عفيفين طاهرين منزهين، وكان اسم أمها حنّة، مشهورة بالطهارة ومن بيت العفة، والأجدر أن يتبع الفرع أصله، فلماذا جئت على خلاف ضئضئك ومن أين أتاك هذا الولد؟ وهنا انتهى كلامهم لها فكان جوابها لهم ما ذكره الله عز ذكره «فَأَشارَتْ إِلَيْهِ» بأن كلموه هو وأشارت إلى عيسى ليكلمهم فظنوا أنها تهزأ بهم وتسخر عليهم فغضبوا وخاطبوها بعنف «قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا» ٢٩ ولم تجر العادة أن يكلم مثله أو يتكلم، ولا يرد على هذا أن كل إنسان كان في المهد صبيا ثم كبر وتكلم، لأنه كان لإيقاع مضمون الجملة في زمان ماض مبهم يصلح للقريب والبعيد، وهو
стр. 633
هنا للقريب خاصة، لأن الكلام مسوق للتعجب، وكلام الكبير الذي كان في المهد قبل سنين لا يتعجب منه، فهو إيراد تافه، كما أن القول بأن كان زائدة واه إذ لا زائد في القرآن، وهي هنا تامة. ولما سمع كلامهم مع أمه التفت إليهم ﵇ وقطع رضاعه وأقبل عليهم بوجهه واتكأ على يساره وأشار بسبابته على ما قالوا فقال لهم «قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ» الإنجيل لأنذركم به «وَجَعَلَنِي نَبِيًّا» ٣٠ حال صباي وإن معجزتي كلامي معكم وأنا طفل.
قال الحسن كان في المهد صبيا وكلامه معجزة له. وقال أكثر المفسرين إنه أتي الإنجيل وهو صغير، وكان يعقل عقل الكمل وعبر بالماضي عن المستقبل، إما باعتبار ما سبق في أزله تعالى أو باعتبار المحقق وقوعه كالواقع. وقيل معناه سيؤتيني الكتاب ويجعلني نبيا، وهو إخبار عما كتب له في اللوح. كما قبل لحضرة الرسول محمد ﷺ متى كنت نبيا قال: كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن أنس أن عيسى ﵇ درس الإنجيل وأحكمه في بطن أمه. وروي عن الحسن أنه ألهم التوراة وهو في بطن أمه، وهما كما ترى. وبعد أن أخبر الله بأنه أعطاه الكتاب فلا حاجة للجنوح إلى ما جاء في الحديثين بل علينا أن نعتقد أنه كما ولد بأمر الله من غير أب وأنطقه وهو طفل أعطاه الكتاب وعلمه إياه بإلهام منه وهو طفل أيضا. ومن عرف الله بأنه الفعال لما يريد القادر على كل شيء لا يحتاج إلى التأويل والتفسير، وعلى العاقل أن يصدق بكل ما جاء من عنده، وهذا طريق السلام،
قال ﵇ «وَجَعَلَنِي مُبارَكاً» نفاعا قاضيا للحوائج آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، أبرىء الأكمه والأبرص وأشفي المرضى بإذن الله وهذا هو المبارك ولا أعظم بركة من هذه البركة التي شرفه الله بها، فالإله الذي يعطيه ذلك ويعطيه إحياء الموتى أيضا وخلق الطير أفلا يعطيه الإنجيل ويحفظه إياه؟
بلى وهو على كل شيء قدير «أَيْنَ ما كُنْتُ» ليس في أرضكم وبلدكم هذه فقط بل في كل مكان حللت فيه وزمان وجدت فيه أكون هكذا معلما للخير مباركا نفاعا «وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا» ٣١ في الدنيا لأن الآخرة
стр. 634
لا عبادة فيها، والصلاة والزكاة عبادة تنقطع بالموت، لذلك جعل نهايتها الحياة وهذان الفرضان تعبّد الله بهما كل أنبيائه وأممهم وكذلك الصوم والقصاص إلا أنها كانت مفرقة على الأنبياء على غير هذه الصفة والقدر المبين في شريعتنا، لأن نبينا ﷺ جاء بشريعة جامعة لما تشتت من شرائع الأنبياء قبله، ولم تجمع الصلوات الخمس إلا له ولأمته، فالصلاة والزكاة من حيث الأصل فرضت على جميع الأنبياء وأممهم كما يفهم من الآية ١٨٣ من سورة البقرة في ج ٣، ولكن تختلف في الكيفية والكمية عما فرض علينا «وَبَرًّا بِوالِدَتِي» أوقرها وأكرمها وأعظمها على سائر الناس، وفي تخصيص برّه بوالدته اشعار صريح بأنه لا والد له وإيذان ببراعتها مما رموها به، وإشارة بطهارتها وعفافها، ولهذا استحقت البر منه «وَلَمْ يَجْعَلْنِي» ربي الذي منّ علي بما ذكرته لكم «جَبَّاراً شَقِيًّا» ٣٢ متكبرا عاقا عاصيا، وفي قوله جبارا إعلام بنزاهة أمه أيضا مما وصمت به بسببه، قال بعض العلماء لا تجد العلق أي ابن الزنا إلا جبارا. ولهذا نفى عنه ﵇ هذه الصفة الخبيثة «وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا» ٣٣ تقدم تفسير مثلها في الآية ١٥ المارة، وقد أخبر بهذه الآية قومه بأنه ﵇ آمن عند ربه في هذه المواطن الثلاثة التي قل من يأمن منها، وفي بدء جوابه ﵇ لقومه اعتراف على نفسه بالعبودية لله، كأنه نفت في روعه أن من الناس من يتخذه إلها فنبّه قومه مقدما بأنه عبد الله من جملة عيده تبرأ مما سيقوله المتوغلون في حبه واعتذارا مقدما إلى ربه ليكون حجة له عنده وحجة على الذين يتخذونه إلها فمن قومه من قنع وصدق، ومنهم من استعظم وكذب، ونشأ ﷺ على أكمل الأوصاف في غاية من التواضع ونهاية في الأدب يأكل الشجر ويلبس الشعر ويجلس على التراب ولم يتخذ مسكنا له ويتصدر لقومه ويقول سلوني عن أموركم فإني لين القلب صغير النفس، ولهذا البحث صلة في تفسير الآية ٤٥ فما بعدها من آل عمران في ج ٣، قال تعالى «ذلِكَ» الذي خلقناه من روحنا على الوجه المار ذكره والذي وصف نفسه بتلك الصفات هو «عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ» نبيّنا
стр. 635
ورسولنا وعبدنا لا إله ولا جزء من الإله ولا شريك معه، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. أقول لكم هذا أيها الناس «قَوْلَ الْحَقِّ» على قراءة النصب وهي الواردة في القرآن، وعلى قراءة الرفع يكون المعنى ان هذا الذي قلته في عيسى عبدي هو قول الحق الصدق «الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ» ٣٤ يشكون ويختلفون فيقولون الأقاويل الكاذبة فيه وهو عبد الله ورسوله ولد من مريم بلا أب على الوجه المار ذكره والصفة المبينة، لا مرية فيه أبدا، وعليه فإن ما تقوله اليهود بأنه ساحر وما يرمونه به كذب محض، وما تقوله النصارى من أنه ابن الله افتراء بحت، وما يقوله الغير من وصم أمه الطاهرة الزّكية بهت ظاهر، وقد بين الله كذبهم كلهم بما تقدّم من الآيات وما سيأتي في الآيات المبينة آنفا وغيرها، وحققه بقوله جل قوله «ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ» البتة لعدم الحاجة إليه وقد نزه نفسه عنه بسورة الإخلاص المارة وفي الآية الأخيرة من سورة الإسراء الآتية وغيرها «سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً» كهذا وغيره مهما كبر وعظم عند خلقه إذ لا يعظم عنده شيء «فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» ٣٥ حالا لا محالة وهاتان الآيتان من ذلك إلى هنا من كلام الرب جاءتا اعتراضا بين قوله على لسان عيسى قبلها وبين قوله:
«وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ» وحده لا تشركوا به شيئا.
مطلب وصية عيسى ﵇ وما يقوله فيه قومه:
وفي قوله هذا وقول ربه المار ذكره ردّ صريح على من قال إنه إله أو ابن الإله «هذا» الذي أخبرتكم به أيها الناس من براءة أمي وتبرؤ مما سيقال في، وإني عبد الله ورسوله وإن الله ربي وربكم ورب العالم أجمع لا شريك له ولا وزير ولا صاحبة ولا ولد «صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ» ٣٦ فاسلكوه وتمسكوا به لئلا تضلوا فتهلكوا لأنه الطريق السوي الموصل إلى الخير في الدنيا والآخرة، فمن قال بعد هذا إن عيسى ابن الله أو إله أو ثالث ثلاثة أو شريك مع الإله أو إن أمه لم تحمل به على الصورة المذكورة، فقد افترى على الله وعلى رسوله عيسى وعلى أمه مريم
стр. 636
وأبهتهم باختلاق أقوال كاذبة انتحلها من نفسه. فمن أذعن وصدق فقد فاز ونجا، ومن جادل وكذب فقد هلك وخسر. قال تعالى «فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ» بدل أن يتفقوا بعد هذا البيان الكافي في وصيته ﵇ لهم، وهذا الاختلاف حدث «مِنْ بَيْنِهِمْ» من بين قوم الموصي لهم بالاتفاق على وصيته على أقوال اتبع كل فرقة ما سوّلت لهم أنفسهم، فقالت النسطورية هو ابن الله أظهره ثم رفعه، وقالت اليعقوبية هو الله هبط إلى الأرض ثم صعد إلى السماء، وقالت الملكانية هو عبد الله ونبيه. ولهذا قال تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ) الآيات ١٩/ ٧٥ و ٧٦ من المائدة والآية ١٧٠ من النساء في ج ٣ وسيأتي تفسيرها فيها إن شاء، إذ كان في عهد نزول القرآن من لا يقول هذا وإلا لما خصص هذين الأمرين، ويوشك أن يكون الآن ممن لا يقول بهما ويعيب على من يقول بهما حتى الآن. وقالت اليهود ليس بنبي إنما هو رجل تعلم السّحر ويزعم أنه ملك اليهود، ولذلك صاروا فرقا وأحزابا كما ذكر الله «فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا» به وقالوا ما قالوا وماتوا على كفرهم «مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ» ٣٧ مهول مخوف وهو يوم الحساب والجزاء لأنهم لا يسمعون نصائح الرسل سماع قبول، وستراهم يوم القيامة يا أكرم الرسل في ذلك الموقف أكثر سماعا من غيرهم وأحد نظرا «أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ» هاتان كلمتان تعجب من جودة سمعهم وحدة بصرهم (والله تعالى لا يوصف بالتعجب) والمراد منه أن أبصارهم وأسماعهم «يَوْمَ يَأْتُونَنا» في الآخرة جدير بأن يتعجب منهما لما هم عليه إذ ذاك من قوة السمع والبصر بخلاف ما كانوا عليه في الدنيا من الصمم عن سماع ذكرنا والعمى عن أبصار آياتنا «لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ» في هذه الدنيا مغرورون تائهون وخاصة بعض المسيحيين فيما يعتقدونه في عيسى ﵇، فهم «فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» ٣٨ خطأ ظاهر غدا في الآخرة بل وقبلها يوم ينزل من السماء كما سيأتي في الآية ٦٠ من سورة الزخرف في ج ٢ فيعترفون بالحق الذي أنكروه الآن ويندمون على ما وقع منهم.
стр. 637
مطلب يوم الحسرة وذبح الموت:
فعظهم يا أكمل الرسل «وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ» ذلك يوم الخسران والندامة، إذ يتحسر المسيء على ما وقع منه في الدنيا ويتحسر المؤمن على تقصيره فيها أيضا لما يرى من عظيم ثواب غيره. روى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: ما من أحد يموت إلا يندم. قالوا ما ندمه يا رسوله؟ قال إن كان محسنا ندم أن لا يكون ازداد، وإن كان مسيئا ندم أن لا يكون نزع- أخرجه الترمذي- وقال أكثر المفسرين إن يوم الحسرة يوم من أيام القيامة يذبح فيه الموت استنادا على ما رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : يؤتى بالموت على هيئة كبش أملح (مختلط سواده ببياضه والموت لا يذبح لأنه عرض والذبح للأجسام، إلا أن الله تعالى يجسمه بصورة كبش فيذبح على مشهد الخلائق فيموت ولا يرجى له حياة ولا وجود، وكذلك حال أهل الجنة وأهلّ النار لا زوال لهما ولا انتقاص) فينادي مناد: يا أهل الجنة! فيشرفون وينظرون، فيقول هل تعرفون هذا؟ فيقولون نعم هذا الموت وكلهم قد رآه، ثم ينادي مناد: يا أهل النار! فيشرفون وينظرون، فيقول هل تعرفون هذا؟ فيقولون نعم هذا الموت، وكلهم قد رآه. فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقول: يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت، ثم قرأ: وأنذرهم يوم الحسرة «إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ» فرغ من الحساب وأدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار وذبح الموت «وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ» عما يراد بهم بالآخرة لشدة انهماكهم في الدنيا، والواو في هذه الجملة وفي قوله جل قوله «وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ» ٣٩ للحال، أي والحال أنهم لا يصدقون أن الأمر قد فرغ منه، وأشار بيده إلى الدنيا. زاد الترمذي فيه: فلو أن أحدا مات فرحا لمات أهل الجنة، ولو أن أحدا مات حزنا لمات أهل النار.
لزيادة ما يرى الأول من النعيم والسرور، والآخر من العذاب والحزن، ويعلم كل منهم أنه خالد فيما صار إليه. ورويا عن ابن عمر أيضا قال: قال رسول الله ﷺ : إذا صار أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار جيء بالموت حتى
стр. 638
يجعل بين الجنة والنار، فيذبح ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت، فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم. وأخرج البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا يدخل الجنة أحد إلا أري مقعده من النار لو أساء ليزداد شكرا، ولا يدخل النار أحد إلا أري مقعده من الجنة لو أحسن فيكون عليه حسرة. فعلى هذا قد ثبت أن يوم الحسرة هو يوم ذبح الموت على الوجه الذي بيناه، إذ يتحسر فيه الظالمون على ما فرط منهم، والمنقون على تفريطهم بعدم ازدياد العمل الصالح، فما قيل إنه يوم يقال لهم (اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ) الآية ١٠٧ من سورة المؤمنين في ج ٢، أو يوم يقال لهم (وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ) الآية ٩٠ من سورة يس المارة، أو يوم (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ) الآية ٩١ من سورة الشعراء الآتية، أو يوم يسدّ باب التوبة حين تطلع الشمس من مغربها ليس لها ما يؤيدها بمقابلة الأحاديث الصحيحة التي أوردناها أعلاه، وذلك لأن قوله تعالى اخسئوا بعد دخول النار، وقوله وامتازوا قبل دخولها ويوم تبرز الجحيم يكون بعد الامتياز، ويوم طلوع الشمس من أيام الدنيا لا من أيام الآخرة، والأمل بعد باق للعاصين، أما يوم ذبح الموت فتنقطع فيه الآمال، ولذلك سمي يوم الحسرة إذ لم يبق أمل لأهل النار بالخروج منها، ولذلك يتحسرون الحسرة إثر الحسرة، وليس بنافع، أجارنا الله تعالى القائل «إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها» في ذلك اليوم إذ لا يبقى ملك لملك، بل يكون الملك كله لله، ويرجع الملوك الغاشمون أذلاء خاضعين إليه كآحاد الناس، بل هم أدنى لما يعلمون ما كانوا عليه في الدنيا إلا من ﵀ منهم «وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ» ٤٠ ملوكهم ومملوكوهم انسهم وجنهم وطيرهم وحيتانهم، ومنهم قومك يا محمد، فيجازى كل بعمله. وقرىء ترجعون بالتاء على الخطاب والأول أولى بنسق الآية،
قال تعالى «وَاذْكُرْ» لقومك يا سيد الرسل «فِي الْكِتابِ» المنزل عليك جدك وجد الأنبياء من قبلك «إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً» كثير الصدق ملازما له في أقواله وأفعاله لم يكذب
стр. 639
قط «نَبِيًّا» ٤١ مرسلا بدليل قوله بعد (قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ) الآية الآتية، ثم بين قصته مع أبيه فقال «إِذْ قالَ لِأَبِيهِ»
آزر وكان من عبدة الأوثان «يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ»
نداءك إذا استغثت به «وَلا يُبْصِرُ»
شخصك حين تعبده فلا يقدر خضوعك إليه وخشوعك منه «وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً»
من الأشياء البتة «يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ» والمعرفة بالله المستحق للعبادة الذي يجيب دعاء المضطرين ويرى خضوع الخاشعين، يثيب الطائع ويعذّب العاصي. واعلم يا أبت أن الله ربي وربك ورب الخلق أجمع أعطاني شيئا عظيما «ما لَمْ يَأْتِكَ» ولا غيرك شيء منه «فَاتَّبِعْنِي» واترك ما أنت عليه من عبادة الأوثان «أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا» ٤٣ عدلا مستقيما يوصلك إلى النجاة ويخلّصك من الضلال المؤدي بك إلى مهاوي العطب «يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ» وتطيعه فيما يزين لك من زخارف الدنيا ويوسوس في قلبك الانقياد لعبادته ويحبذ لك ما أنت عليه «إِنَّ الشَّيْطانَ» الذي ديدنه الخبث «كانَ» ولم يزل من حين امتناعه من السجود لأبينا آدم صار «لِلرَّحْمنِ» الواجب طاعته على خلقه «عَصِيًّا ٤٤» ومن يعصه أحق أن يعصى ويلعن لا أن يطاع ويعبد، لأن طاعة العاصي عصيان والعاصي جدير بأن تسلب منه نعم ربه انتقاما منه «يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ» إن بقيت مصرّا على عصيانك إياه وعبادة غيره «فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا» ٤٥ يلي أمرك ويتسلط عليك، ومن ولي أمره الشيطان تبرأ الله منه، ومن يتبرأ الله منه فمأواه جهنم. هذا وقد تأدب ﵇ مع أبيه غاية الأدب وسلك بخطابه طريق الاحترام، واستعمل بدعوته ونصحه نهاية التعظيم، وجامله مجاملة ما عليها من مزيد، حتى إنه لم يسمه باسمه ولم يسمه بالجهل، مع ما هو عليه من الكفر، ولم يصف نفسه بالعلم مع ما هو عليه من النبوة، هضما لنفسه وإكراما لأبيه، واكتفى ببيان أن عنده من العلم ما ليس عند أبيه شيء منه، لشدة تعلق قلبه بصلاح أبيه أداء لحق الأبوة ورفقا به خوفا عليه من الله، وهذا نهاية ما يطلب من المرشد الحريص على هداية الناس المقدر
стр. 640
من مخاطبتهم باللين واللطف وعدم تغليظ القول، وضرب الأمثال بهم ليقبل ويؤخذ به، وإلا عاد عليه نصحه شرا، وعلى غيره خسرا، وكسب عداوتهم من مودتهم.
طلب الفرق بين نور الإيمان وظلمة الكفر في خطاب ابراهيم وجواب أبيه:
كأن قائلا يقول ماذا قال آزر لابنه عند سماعه هذه النصائح الواجبة القبول؟
أصر على عناده، وقابل ذلك الاستعطاف واللطف بالفظاظة والغلظة بقوله له أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ» استفهام انكار على نوع من التعجب، أنف عن عبادتها وسماه باسمه احتقارا ولم يقابله بالمثل، فيقول يا ولدي حنانا بل هدده بقوله مقسما بآلهته «لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ» عما صدر منك «لَأَرْجُمَنَّكَ» بالحجارة حتى تموت وأقول لك من الآن اذهب عني «وَاهْجُرْنِي» لا تأت إلي ولا أراك واتركني على ما أنا عليه ولا تدعني إلى ما ذكرت هجرا «مَلِيًّا» ٤٦ طويلا أبدا، مأخوذ من الإملاء أي الإمداد، وكذا الملاءة بتثليث الميم ومن هذا الملوان الليل والنهار، يريد عدم تكليمه له مادام حيا، ونصب الظرفية كما في قول المهلهل:
فتصدعت صم الجبال لموته ... وبكت عليه المرملات مليا
فانظر يا رعاك الله إلى الكلام الصادر عن نور المعرفة، وإلى الكلام الناشئ عن الكفر، وتفكر في رقة الإيمان كيف تخاطب غلظة الكفر، وقساوة الشرك كيف تقابل لين الإيمان، وأنعم نظرك في جواب العارف بعد تهديده من ذلك وقد طرده طردا أبديا مع تهديده بالقتل «قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ» يا أبت هنا تعلم (الدّن ينضح بما فيه) وقول عيسى ﵇ (كل ينفق ما عنده) السلام هنا والمباركة كالذي أشرنا إليه في تفسير الآية ٦٣ من سورة الفرقان، وبعد هذا كله لم يقطع أمله من إيمانه بسائق الرأفة عليه من عذاب الله امّا لحق التربية وجزاء لواجب الأبوّة فقال ﵇ «سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي»
стр. 641
عما وقع منك تجاهه لقاء نصحي، وأسأله أن يرزقك الإيمان به وحده وترك الشرك الذي أنت عليه «إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا» ٤٧ بليغا بالبر والإكرام إذ أنقذني من ظلمة الكفر وهداني إلى نور الإيمان، وجعلني نذيرا لعباده من عذابه، وبشيرا لهم بثوابه وصيّرني بهم رءرفا رحيما وعودني أن يجيب دعائي بجزيل كرمه وأفضاله علي (يقال احتفى بالرجل إذا بالغ في إكرامه واعتنى به) راجع الآيتين ٩٥ و ١٨٧ من سورة الأعراف المارة، ثم قال مجيبا لزجر أبيه وتحذيره من البقاء معه «وَأَعْتَزِلُكُمْ» على جهة التعظيم لأن المخاطب واحد، وفيه إشارة إلى أنه لم يزل محافظا على أدبه معه مراعيا حقه وان ما صدر منه عليه لم يؤثر في قلبه الطاهر، وهكذا الأنبياء العارفون لا يمنعهم من القيام بالإرشاد تعدي الناس عليهم «وَ» أعتزل أيضا «ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ» لأنها أوثان لا تضر ولا تنفع «وَأَدْعُوا رَبِّي» وحده لأن يوفقي إلى مهاجر أجد فيه من يسمع نصحي ويجيب دعوتي ويؤمن بربي «عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي» خلقه إلى عبادته «شَقِيًّا» ٤٨ خائبا ضائعا مخذولا، بل موفقا واجدا أهلا لعبادته، وفيه تعريض بأنهم يدعون غير الله وأنهم يشقون بذلك. واعلم أن الدعاء هنا بمعنى العبادة بدليل الآية بعدها لأنها كالمفسّرة لها، ويجوز أن يكون على ظاهره، لأن الدعاء من العبادة، والعبادة مشتملة على الدعاء، وفي تصدير الكلام بما ذكر نهاية في إظهار التواضع ومراعاة لحسن الأدب، وتنبيه على أن الإثابة والإجابة بطريق التفضل من الله لا بطريق الوجوب، وأن العبرة بالخاتمة وهي من الأمور الغيبية المختصة بعالم الغيب، ثم هاجر ﵇ إلى الشام فإلى بيت المقدس، قال تعالى «فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ» بعد أن سمع من أبيه ما سمع وأيس من إيمانه وقومه وخاف على نفسه من القتل «وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا» ٤٩ وهذا من ألطاف الله بأنبيائه وعنايته بهم وعطفه على خلّص عباده وعطائه لهم، إذ أنه ﵇ هاجر إلى ربه طريدا فوفقه من هاجر إليه إلى زوجة صالحة ورزقه أولادا وجعلهم أنبياء مثله، وأنعم عليهم بما
стр. 642
أنعم عليه، وآنسه برفقتهم، وعوّضه عن أبيه وقومه خيرا «وَوَهَبْنا لَهُمْ» ولولديه الكريمين «مِنْ رَحْمَتِنا» أموالا وأولاد «وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ» ثناء حسنا «عَلِيًّا» ٥٠ رفيعا مشهورا في جميع الأديان مستمرا إلى أبد الدوران، إذ ما من أمة إلا وتلهج بالثناء على ابراهيم وولده، فانظر عطاء الله إلى أوليائه كيف يكون بغير قدر ولا حساب، أللهم اجعلنا من أتباعهم.
ستأتي بقية قصته مع أبيه وقومه في الآية ٥١ فما بعدها من سورة الأنبياء في ج ٢
وَاذْكُرْ» يا سيد الرسل لقومك «فِي الْكِتابِ» أيضا قصة «مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً» أخلصه الله واصطفاه بعد أن استخلفه. هذا على فتح اللام، وعلى كسرها أخلص عبادته لله فلم يراء بها «وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا» ٥١ جمع له الوصفين الشريفين وكل رسول نبي ولا عكس «وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ» من ناحيته التي تلي يمين موسى إذ لا يمين للجبل ولا شمال بل يكون باعتبار من هو عليه «وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا» ٥٢ تقريب منزلة ومكانة حتى شرفناه بمناجاتنا وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا» ٥٣ إجابة لدعائه، وكان كبر منه سنا إذ ولد قبل أمر فرعون بذبح الأولاد من بني إسرائيل ليؤازره يعاضده في امر دعوته لقومه
مطلب في انجاز الوعد وبحث بالوعيد:
«وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ» مع أبيه بأن انقاد لذبحه ووعده أن يصبر على الذبح وبرّ بوعده تنفيذا لأمر الله الذي تبلغه على لسان أبيه- كما سيأتي في الآية ١٤٣ من سورة الصافات في ج ٢- قال مقاتل وعد الحسن رجلا أن يقيم مكانه حتى يرجع إليه، فأقام ثلاثة أيام حتى رجع إليه وقال الكلبي انتظره حولا. وسأل بعضهم الشعبي عن مثل هذا فقال إن وعده نهارا فكل النهار، وإن ليلا فكل الليل، وان لوقت ينتظره لوقت صلاة أخرى بعدها.
واعلم أن الخلف بالوعد مذموم وفي الوعيد ممدوح، وقد جاء في الحديث: من وعد لأحد على عمله ثوابا فهو منجز له، ومن أوعد على عمله عقابا فهو بالخيار،
стр. 643
والعرب لا تعد الخلف في الوعيد عيبا بل مكرمة وعطفا، وتعد الخلف بالوعد مذمة ونقصانا، قال قائلهم:
وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف ايعادي ومنجز موعدي
وقال آخر:
إذا وعد السراء أنجز وعده ... وإن أوعد الضراء فالعقل مانعه
ومن هنا يفهم أن وعد وأوعد بمعنى واحد إذا صرح بالموعود به، وإلا فإن وعد للخير، وأوعد للشر. ويجوز خلف الوعيد على الله تعالى أيضا لأنه من محض الفضل، قال يحيى بن معاذ: الوعد حق العباد على من ضمن لهم إذا فعلوا ذلك أن يعطيهم، ومن أولى بالوفاء من الله وهو الآمر به؟ والوعيد حق الله على العباد فإن شاء عفا وإن شاء وأخذ. والعفو من أسمائه تعالى وقد حبّذه لخلقه وهو العفو الرحيم، وأولى الأمرين العفو، ويأبى كرمه إلا أحسنهما لخلقه اه من شرح العقد للجلال الدواني مع تصرف- «وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا» ٥٤ مخبرا عن الله فيما يأمر وينهى، وقد أرسله إلى جرهم قبيلة من عرب اليمن من قحطان بن عامر بن سائح كما سيأتي في الآية ١٣٤ من سورة البقرة في ج ٣، وقحطان أبو قبائل اليمن كلها «وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ» التي تزوجها من جرهم كما يأمر قبيلتها الذين نزلوا عليه في مكة وأباح لهم الشرب من زمزم التي أنبعها الله كرامة له وهو رضيع حين ضاق ذرع أمه مما لحقه من العطش بعد أن كبر وشرفه الله بالنبوة والرسالة «بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ» بمقتضى شريعته التي تلقاها عن أبيه ابراهيم من الصحف التي أنزلها الله عليه، وبما أوحاه له من الشريعة أيضا «وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا» ٥٥ عنه وقرىء (مرضوّوا) فقلبت الواو ياء لتطرفها بعد الواو الساكنة، فاجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء بالياء وقلبت الضمة كسرة لمناسبة الياء.
مطلب أول من اخترع المهن وقصة إدريس ﵇:
«وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ» أخنوخ بن يرد بن مهلاييل بن أنوش بن خيتان بن شيث بن آدم ﵈، وبينه وبين نوح ألف سنة تقريبا، وسمي
стр. 644
إدريسا لدراسة الصحف المنزلة على آدم فمن بعده، وهو أول مرسل بعده، وأول من خط بالقلم ولم تكن قبله كتابة، وقد أنزل عليه ثلاثون صحيفة، وهو أول من خاط اللباس وكان الناس من قبله يرتدون جلود الحيوانات ويخللونها عليهم، وأول من نظر في علم النجوم والحساب، قال ابن الأثير في تاريخه: إن إدريس (أخنوخ) كان خوّاء ينظر بالنجوم وأطلعه الله على كون طوفان يعم الأرض، فبنى الأهرامات في مصر ليتحصن فيها من يكون زمن هذا الطوفان، قالوا وكان بناؤها بتخلية الهواء من حجر فقط بلا كلس ولا طين ولا غيره، وهو أول من اتخذ الموازين والمكاييل والأسلحة، وأول من قاتل بني قابيل، لأن قابيل ابن آدم لما قتل أخاه هابيل خرج عن طاعة أبيه وانفرد بعصيانه وأخذ أخته وهاجر عنه، فنشأ أولاده على المعصية، فلما بعث الله إدريس وجعله خلفا لآدم غزاهم واسترقهم. فادريس ﵇ أول مؤسس لهذه المهن المارّة، وأول من سن الجهاد واسترقاق المغلوبين، وستأتي قصة قابيل معه في الآية ٣٠ من سورة المائدة في ج ٣ إن شاء الله «إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا» ٥٦ تقدم تفسير مثله «وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا» ٥٧ بتشريفه بالنبوة والرسالة وتقريبه من الله برفعه إلى السماء الرابعة. روى أنس بن مالك بن صعصعة عن النبي ﷺ أنه رأى إدريس في السماء الرابعة ليلة المعراج- متفق عليه- واختلف في حياته وموته، واتفق الجمهور على أنه حي، وقالوا أربعة من الأنبياء أحياء اثنان في الأرض الخضر وإلياس، وثنان في السماء إدريس وعيسى اه- من بحر العلوم- على أن الخضر مختلف في نبوته، وأكثر العلماء على أنه ولي، ولهذا البحث صلة تأتي في الآية ١٦ من سورة الكهف في ج ٢ إن شاء الله تعالى. وخلاصة قصته ﵇ أنه حببّ إلى الملائكة لكثرة عبادته، فقال لملك الموت أذقني الموت يهن علي ففعل بإذن الله، ثم أحياه الله، ثم قال لمالك خازن النار، أدخلني النار أزدد رهبة من الله، فأدخله فيها بإذن الله، ثم أخرجه منها، ثم قال إلى رضوان خازن الجنة أدخلني الجنة أزدد رغبة في عبادة الله، فأدخله فيها بإذن الله، ولما أراد أن يخرجه أبى فتلاحيا بينهما، فبعث الله
стр. 645
ملكا ليتحاكما إليه، فقال الملك بعد أن أخذ ادعاء المدعي رضوان ودفاع المدعى عليه إدريس لإدريس: لم لم تخرج بأمره بعد أن أدخلك بأمره وأنت تعترف بأنك استأذنته بالدخول وأنه أمرك بالخروج فلم تفعل؟ قال لأن الله قضى على كل نفس بالموت بقوله: (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ) الآية ٣٦ من سورة الأنبياء في ج ٢ وقد متّ، وقضى على كل نفس بورود جهنم بقوله: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها) الآية ٧٤ الآتية وقد وردتها، وقضى على كل من دخل الجنة أن لا يخرج منها بقوله: (وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ) الآية ٤٩ من سورة الحجر في ج ٢، ولذلك فإني لا أخرج. فأوحى الله إلى الملك بأمري دخل وبأمري لا يخرج. وجاء هذا في حديث طويل أخرجه ابن المنذر عن عمر مولى عفرة يرفعه إلى النبي ﷺ ، والله أعلم بذلك، ولا يقال إن هذه الآيات المحتج بها نزلت على محمد ولم تكن في زمنه، لأن الله قادر على إلهامه إياها، لأنها مدونة في لوحه، وقد يجوز أنه أشار إليها في الصحف التي أنزلها عليه. هذا، وان الرفعة بالمكان كما جاء في هذه الآية لا تكون معنوية بل حسية، وظاهرها لا يحتاج إلى التأويل فيكون، والله أعلم، أن سيدنا إدريس حي خالد في جنة ربه، نسأل الله أن يدخلنا فيها ونراه إن شاء الله، وهذه الآية المدنية من هذه السورة المتأخر نزولها عنها. قال تعالى «أُولئِكَ» اشارة الى الأنبياء المذكورين في هذه السورة كلهم، وما في هذه الكلمة من معنى البعد يؤيد أن نزولها كان متأخرا إذ كان بعد بضع سنين، وفيها إشارة اخرى الى علو منزلة المشار إليهم ولارتفاع شأنهم عنده «الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ» أي إدريس ونوح ومن تقدمه من الأنبياء ومن حملهم في سفينته وذريتهم ومنهم ابراهيم لأنه
من ولد سام بن نوح «وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ» اسحق وإسماعيل ويعقوب المعني بقوله «وَإِسْرائِيلَ» ومن ذرية موسى وهرون وزكريا ويحيى وعيسى المار ذكرهم، عليهم جميعا صلوات الله وسلامه، لأنهم كما شرفوا بالنبوة شرفوا بالنسب الطاهر «وَ» هؤلاء المحترمون الأكارم «مِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا» من خلقنا إلى الإيمان بنا والدعوة لخلقنا لتوحيدنا
стр. 646
ورفض ما سوانا «إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ» المتضمنة الأمر لهم بالسجود لنا والخضوع لعظمتنا والخشوع لقدرتنا «خَرُّوا» سقطوا على وجوههم إلى الأرض «سُجَّداً» لإلهيّتنا وحدها «وَبُكِيًّا» ٥٨ خوفا منا وطمعا برحمتنا. وقيل في المعنى
ونبكي إن نأوا شوقا إليهم ... ونبكي إن دنوا خوف الفراق
مطلب في السجود وما يقول فيه وكلمة خلف:
وهذه السجدة من عظائم السجود أيضا، أخرج ابن ابي الدنيا في (البكاء) وابن جرير وابن ابي حاتم والبيهقي في (الشعب) عن عمر ﵁ أنه قرأ سورة مريم فسجد ثم قال: هذا السجود فأين البكاء؟ وأخرج ابن ماجه واسحق بن راهويه والبزار في مسنديهما من حديث سعد بن ابي وقاص مرفوعا: اتلوا القرآن وابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا. وقال العلماء: ينبغي للساجد أن يدعو في كل سجدة بما يناسبها، فهنا يقول اللهم اجعلني من عبادك المنعم عليهم المهتدين الساجدين لك الباكين عند تلاوة آياتك، وفي آية الإسراء الآتية يقول اللهم اجعلني من الباكين إليك الخاشعين لك، وفي آية السجدة في ج ٢ اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك ورحمتك، وأعوذ بك من المتكبرين عن أمرك. وهكذا، راجع بحث السجود في آخر الأعراف المارة، وما ترشدك إليه، قال تعالى «فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ» جاء بعدهم عقب سيء، وكلمة (خلف) لا توجد في القرآن إلا هنا وفي الآية ١٦٨ من سورة الأعراف المارة، وتقرأ بفتح اللام في غير هذا الموضع، ويكون معناها أتوا بأولاد سوء، وعلى القراءة بإسكانها كما هنا أتوا قوم سوء. قال النضر بن شميل الخلف بالتحريك والإسكان القرن السوء، أما الصالح فبالتحريك فقط. وقال ابن جرير بالمدح بفتح اللام وبالذّم بتسكينها على الأكثر، لذلك فالقراءة هنا بالتسكين لأن معناه الرّديء وعليه المثل (سكت ألفا ونطق خلفا) وبالفتح إذا قام مقام أهله، ومن هذا القبيل النصب بالفتح التعب، وبالسكون الشر، والشق بالفتح الصدع في عود أو زجاجة، وبالكسر نصف الشيء، والسّداد بالفتح الإصابة، وبالكسر كل شيء سددت به من قارورة وغيرها. ولهذا البحث
стр. 647
صلة في الآية ٥٦ من سورة المؤمن في ج ٢، وتقدم في الآية ١٧ من سورة الفرقان المارة مثله وفي الآية ١٧ المارة أيضا فراجعها، «أَضاعُوا الصَّلاةَ» تركوها وقرىء الفعل بالجمع وفاقا لقوله «وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ» آثروها على طاعة الله وانهمكوا فيها «فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا» ٥٩ واديا في جهنم يرونه، هذا الخلف السيء ويدخلونه. أخرج ابن جرير والطبراني وغيرهما من حديث أبي أمامة مرفوعا أنه نهر في أسفل جهنم يسيل فيه صديد أهل النار. وأخرج جماعة عن ابن مسعود أنه قال الغيّ نهر أو واد في جهنم من فيح بعيد القعر خبيث الطعم يقذف فيه الذين يتبعون الشهوات. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة أن الغيّ السوء وعليه قول مرقش الأصغر:
ومن يلق خيرا يحمد الناس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغي لاثما
أي سيء. وقال ابن عباس هو واد في جهنم تستغيث وتستعيذ منه أودية جهنم كلها أعد للزاني المصرّ وللشارب المدمن ولآكل الربى المصمم عليه، ولأهل العقوق وشهود الزور، والزور تحسين الشيء ووصفه بغير صفته، فهو عبارة عن تمويه الباطل وتزخرفه بما يوهم أنه حق، ويطلق على اللهو والعناء، قال ابن مسعود ﵁: الغناء ينبت النفاق بالقلب كما ينبت الماء الزرع- راجع بقية هذا البحث في الآية ٧٢ من سورة الفرقان المارة- قال تعالى «إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً» تأييدا لصحة إيمانه وتثبيتا لتوبته «فَأُولئِكَ» التائبون الموصلون توبتهم بالإيمان والعمل الصالح حتى الممات، فإنهم «يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ» جزاء ثوابهم وعملهم الصالح «وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً» ٦٠ من اجزاء أعمالهم الحسنة التي عملوها قبل توبتهم فإنها تحسب لهم ويتقاضون أجرها تماما، فكما أن الكفر يحبط الأعمال فالتوبة تعيد ثوابه،
ثم ذكر صفة أهل الجنة التي يدخلها التائبون وليست بواحدة بدليل قوله جل قوله «جَنَّاتِ عَدْنٍ» إقامة دائمة بدل من الجنة المقدمة التي لامها للجنس الدالة على الكثرة وهي «الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ» عنهم فلم يشاهدوها قبل وقد هيئت لهم من حيث لا يعلمون «إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا» ٦١
стр. 648
حاصلا وأصلا لمن وعده به جزما لا خلف فيه (وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ) الآية ١١١ من سورة التوبة في ج ٣، ومن صفة هذه الجنّة أن أهلها «لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً» من فضول الكلام وما لا ينبغي أن يقال وما لا يعني القائل والسامع «إِلَّا» لكنهم يسمعون فيها «سَلاماً» من الله ﷻ وملائكته عليهم ومن بعضهم أيضا، وهذا سلام تحية وإكرام وإجلال.
مطلب في الأكل المسنون وإرث الجنة:
قال تعالى «وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا» ٦٢ بمقدار طرفي النهار بالنسبة لأيام الدنيا، إذ لا ليل ولا نهار فيها فهم في النور أبدا دائما ويعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب والنهار برفعها من قبل الملائكة الموكلين بذلك، وأفضل العيش عند العرب ما كان في هذين الوقتين، وكانت لهم أكلة واحدة في اليوم والليلة فمن أصاب منهم أكلتين فيها سموه الناعم فأنزل الله هذه الآية على عادة المتنعمين ترغيبا لعباده، وما جاء عنه ﷺ الأكل مرتين في اليوم من الإسراف محمول على أنهما غير العشاء، إذ به يصير ثلاث أكلات وهو من السرف، فلا يرد على ما جاء في هذه الآية، راجع الآية ٣١ من سورة الأعراف المارة «تِلْكَ الْجَنَّةُ» الموصوفة بما ذكر هي «الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا» ٦٣ نقيا مخلصا في عبادته منفقا من فضل ماله فيعطيها أمثاله عن ثمرة أعماله، وقيل إنهم يرثون أعمالهم الحسنة، وقيل إنهم يرثون مساكن أهل النار فيها لو كانوا آمنوا زيادة على مساكنهم، والسياق يناسبه راجع الآية ٤٠ المارة والآية ٤٣ من سورة الأعراف المارة تجد ما يتعلق بهذا، وقد روى البخاري ومسلم عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال:
قال يا جبريل ما يمنعك أن تزورنا فأنزل الله على لسانه قوله «وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ» يا أكرم الرسل ليس لنا من أمرنا شيء «لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا» لا نملك منهما شيئا ابدا «وَما بَيْنَ ذلِكَ» أيضا هو بيده وحده «وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا» ٦٤ غافلا عمّا يكون منا في جميع أحوالنا، وذلك المالك لأمرنا وأمر خلقه أجمع هو «رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما»
стр. 649
لا يجوز عليه السهو والنسيان والغفلة، كيف وهو مدبر الكون كله بما فيه فلا تقع حركة ولا سكون فيه إلا بعلمه وأمره وقضائه وقدره، ولذلك فلا نقدر أن نزورك إلا بالوقت الذي يأمرنا به «فَاعْبُدْهُ» يا أكرم الرسل حق عبادته جهد قدرتك «وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ» وتحمل مشاقها ومكارهها في القر والحر، والراحة والتعب، والضيق والسعة، والرضاء والغضب، والصحة والمرض حتى العطب، وأنظر «هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا» ٦٥ فيما سبق سمّي باسمه، كلا ولا يسمى بعد، والحمد لله الواحد الأحد الذي ليس كمثله شيء وهو الرب العظيم والإله الكبير المنفرد بأسمائه وصفاته، ويطلق السمي على الولد قال الشاعر:
أما السّميّ فأنت منه مكثر ... والمال مال يغتدى ويروح
وليس مرادا هنا لأن السّميّ غير المسمى قال تعالى «وَيَقُولُ الْإِنْسانُ» قيل المراد به أميّة ابن خلف الجمحي لأنه قال ما يأتي في هذه الآية استهزاء، واللفظ عام واللام للجنس، فيشمل كل من يقول هذا القول لأن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، ومقول القول «أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا» ٦٦ استفهام إنكار على طريق الاستبعاد للبعث الذي أخبر به الله وتكذيبا لرسوله الذي يهددهم به وسخرية بهما قال تعالى «أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ» المذكور آنفا «أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ» الحالة التي هو فيها «وَلَمْ يَكُ شَيْئاً» ٦٧ فيستدل هذا الخبيث بالخلق الأول على الثاني، لأن من قدر على الإيجاد أولا لا يعجز عن الإعادة لما أوجده ثانيا بل هي أيسر، ثم أقسم بنفسه عزت نفسه فقال «فَوَ رَبِّكَ» يا حبيبي لنحيينّهم مرة ثانية ثم «لَنَحْشُرَنَّهُمْ» والكافرين أمثالهم، وجملة الجاحدين لما أخبرنا به «وَالشَّياطِينَ» أيضا معهم لأن لكل كافر قرينا من الشياطين يحشر معه مقرونا به «ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا» ٦٨ قاعدين على ركبهم لشدة ما يدهمهم من هول المطلع وموقف الحساب، قال تعالى: (وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً الآية ٢٥ من سورة الجاثية في ج ٢) خائفة مترقبة ما يؤل إليه حالها ثم إن الكفرة يساقون على حالتهم تلك أذلاء مهانين لأن قعودهم على هذه الصفة دليل على
стр. 650
حقارتهم وهي بكسر الجيم والتاء ويجوز ضم الجيم «ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ» طائفة غارية من الكفار «أَيُّهُمْ» كان في الدنيا «أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا» ٦٩ جرأة وتمردا وفجورا فنطرحهم فيها الأعتى فالأعتى على الترتيب الأكبر جرما والأشد كفرا. وإنما خصّ اسم الرحمن دون سائر أسمائه الحسنى في هذه الآية والآيات المتقدمة إعلاما بأنه لا ينبغي أن يغرّ الكافر برحمته تعالى، لأن من حل عليه قضاؤه المبرم بالعذاب لا تشمله الرحمة. ومن درى أن الرحمة مقيدة بشروط والمغفرة أيضا كما هو مصرح في الآيات الكثيرة من هذا القرآن العظيم، إذ لا تجد رحمة أو مغفرة مطلقة من قيد أو شرط لم يغتر بذكرها، بل عكف على عبادة ربه وطاعته وجعل في قلبه معنى أسمائه المنتقم أيضا، والمذل المهيمن، الحكم العدل، الجبار القهار، قال تعالى «ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا» ٧٠ من غيرهم فقدمه على غيره بالإحراق فيها، وهذه الآية المدنية الثانية،
قال تعالى «وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها» وأصلها ومقرّب إليها.
مطلب معنى الورود وأن مرتكب الكبيرة لا يخلد بالنار:
واعلم أن الورود موافاة المكان، وقال أكثر المفسرين إنه بمعنى الدخول، وأنكره ابن الأزرق، وأقسم ابن عباس بأنّه سيدخلها هو وهذا المنكر، وقال أرجو أن يخرجني بتصديقي، وما أراه يخرجك بتكذيبك. واحتج بالآية ٩٨ من سورة الأنبياء في ج ٢ وهي (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) إلخ والآية ١٩ من سورة هود في ج ٢ أيضا وهي (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ) إلخ.
وحجة ابن الأزرق بهاتين الآيتين أيضا، ولكن المتعارف أن الورود غير الدخول، قال في القاموس: الورود الإشراف على الماء دخله أو لم يدخله، ففارق معنى الدخول من الجهة الثانية «كانَ» ذلك الورود إلى جهنم لكل من البشر كما أقسم الله تعالى «عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا» ٧١ لازما مبرما حقا. قال بعض المفسرين إن في هذه الآية معنى القسم، وهي كذلك، ولكن بقطع النظر عما قبلها،
стр. 651
وإلا فهي قسم كالتي قبلها، أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا يموت لأحد ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلته القسم. وأراد به الآية المارة أي والله ما منكم من أحد إلا ويرد جهنم. وروى مسلم عن أم مبشر الأنصاري أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول عند حفصه: لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد، أو من الذين بايعوه تحتها الوارد ذكرهم في الآية ١٩ من سورة الفتح في ج ٣، قالت بلى يا رسول الله، فانتهرها لأنها لم تقل إن شاء الله، فقالت حفصة: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها) فقال ﷺ جوابا لها ما قاله ربه: «ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا» الأسباب الموجبة لدخولها من الكفر ودواعيه، ولم يصروا على ما فعلوه من المعاصي الكبيرة برحمتنا «وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا» ٧٢ بعدلنا لاختيارهم الكفر على الإيمان وإصرارهم عليه إلى الوفاة، ولا دليل في هذه الآية لمن يقول إن الفاسق وصاحب الكبيرة يخلد في النار، لأن المراد بالتقي المستثنى من الورود من اتقى الشرك، لأن من آمن بالله ورسوله يصح أن يقال له متق الشرك ولو كان مقترفا الكبائر من غير استحلال، لأن المستحل لها كافر، ومن صدق عليه أنه متق الشرك صح عنه أنه متق، لأن التقى جزء من التقى من الشرك، ومن صدق عليه المركب صدق عليه المفرد مثبت أن صاحب الكبيرة والفاسق متق، وإذا ثبت لك هذا وجب أن لا يخلد في النار وأنه يخرج منها لعموم هذه الآية، وعليه إجماع الأمة من علماء التوحيد، قال صاحب الشيبانية:
ولا يبقى في نار الجحيم موحّد ... ولو قتل النفس الحرام تعمدا
ويؤيد هذا ما رواه البخاري عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال:
يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برّة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير. وفي رواية من إيمان.
стр. 652
مطلب آخر الناس خروجا من النار وآخرهم دخولا في الجنة:
وما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن الناس قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال هل تمارون في القمر ليلة البدر وليس دونه سحاب؟ قالوا لا يا رسول الله، قال هل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا لا يا رسول الله، قال فإنكم ترونه كذلك، يحشر الناس يوم القيامة فيقول الله: من كان يعبد شيئا فليتبعه، فمنهم من يتبع الشمس، ومنهم من يتبع القمر، ومنهم يتبع الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيقولون هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربّنا عرفناه، فيأتيهم الله فيقول أنا ربكم، فيقولون أنت ربنا، فيدعوهم فيضرب الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، وكلام الرسل يومئذ: اللهم سلّم سلّم. وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم شوك السعدان؟ قالوا نعم. قال فإنها مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله تعالى، تخطف الناس بأعمالهم.
وهو نبت ذو شوك معقّف تأكله الإبل وهو من أجود مراعيها. والمراد أن كلاليب النار تقطعه حتى يلقيه بالنار فمنهم من يوبق بعمله ومنهم من ينجدل (أي يهلك وينصرع) ثم ينجو، حتى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار أمر الله الملائكة أن يخرجوا من كان يعبد الله، فيخرجونهم ويعرفونهم بآثار السجود، وحرم الله على النار أن تأكل أعضاء السجود، فيخرجون من النار وقد امتحشوا أي أحرقوا وأكلت جلودهم وبدت عظامهم، فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون كما تنبت الحبّة في حميل السيل (بكسر الحاء) وهي جميع البذور وحميل السيل هو الزبد وما يلقيه الماء على شاطئه، ثم يفرغ من القضاء بين العباد، ويبقى رجل بين الجنة والنار وهو آخر أهل النار دخولا الجنة، مقبل بوجهه قبل النار، فيقول يا رب اصرف وجهي عن النار فقد قشبني (آذاني وسمّني لأن القشب السم) ريحها وأحرقني ذكاؤها (اشتعالها ولهبها) فيقول هل عسيت أن أفعل ذلك بك، فتسأل غير ذلك؟ فيقول لا وعزتك، فيعطي الله ما شاء من عهد وميثاق، فيصرف الله وجهه
стр. 653
عن النار، فإذا أقبل به على الجنة رأى نكهتها وبهجتها (حسنها ونضارتها وزهرتها) سكت ما شاء الله أن يسكت، ثم يقول يا رب قسمني عند باب الجنة، فيقول الله أليس قد أعطيت المواثيق والعهود بأن لا تسأل غير الذي كنت سألت! فيقول يا رب لا أكون أشقى خلقك، فيقول فما عسيت إن أعطيتك ذلك أن لا تسأل غيره؟ فيقول وعزّتك لا أسأل غير ذلك، فيعطي ربه ما شاء من عهد وميثاق فيقدمه إلى باب الجنة، فإذا بلغ بابها رأى زهرتها وما فيها من النضرة والسرور، فيسكت ما شاء الله أن يسكت فيقول: يا رب أدخلني الجنة، فيقول الله ﵎ ويحك يا ابن آدم ما اغدرك، أليس قد أعطيت العهد والميثاق أن لا تسأل غير الذي أعطيت؟ فيقول يا رب لا تجعلني أشقى خلقك، فيضحك الله منه، ثم يؤذن له في دخول الجنة، فيقول تمنّ، حتى إذا انقطعت أمنيته، قال الله تمن كذا وكذا (أقبل يذكره ربه) حتى إذا انتهت به الأماني، قال الله:
لك ذلك ومثله معه. قال أبو سعيد الخدري لأبي هريرة وعشرة أمثاله؟ قال أبو هريرة لم أحفظ عن رسول الله ﷺ إلا قوله لك مثل ذلك ومثله معه. قال أبو سعيد ﵁ سمعته يقول لك ذلك وعشرة أمثاله. وهذا من لطف الله تعالى في هذا العبد لأنه يعلم في الأزل أنه أهل للجنة بشيء من عمله لا يعرفه هو.
أنظر قوله ﷺ : دخلت النار امرأة في هرة حبستها لا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض. وحديث البطاقة المار ذكره في الآية ٧ من الأعراف، وحديث من رأى كلبا يأكل الثرى من العطش فأسقاه. لأن الله تعالى لا يضيع الذرة لعباده بل ينميها له بواسع فضله وهو لا يشعر. وعن ابن مسعود قال:
قال ﷺ : إني لأعلم آخر أهل النار خروجا منها وآخر أهل الجنة دخولا فيها، رجل يخرج من النار حبوا، فيقول الله له اذهب فادخل الجنة، فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى، فيقول يا رب وجدتها ملأى، فيقول الله اذهب فادخل الجنة، قال فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى فيرجع، فيقول يا رب وجدتها ملأى، فيقول الله تعالى اذهب فادخل الجنة، فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها، أو إن لك مثل
стр. 654
عشرة أمثال الدنيا، فيقول تسخر بي وأنت المالك! فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه (أضراسة وأنيابه وهي آخر الأسنان) فكان يقال ذلك أدنى أهل الجنة منزلة اه. بلفظها حرفيا، فدلت الآية الأولى على أن الكل دخلوا النار، ودلت الثانية والأحاديث على أن الله أخرج منها المتقين والموحدين وترك فيها الظالمين المشركين فقط. وقد جاء في الحديث: تقول النار للمؤمن جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهي. وروي عن مجاهد في قوله تعالى: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها) إلخ قال من حم من المسلمين وردها، وفي الخبر: الحمى من قيح جهنم. وفي خبر آخر:
الحمى كير من جهنم وهي حظّ المؤمن من النار الآية ١٠٠ من سورة الأنبياء في ج ٢. وقال خالد ابن معدان يقول أهل الجنة ألم يعدنا أن نرد النار، فيقال:
بلى ولكنكم مررتم بها وهي خامدة. وروى مسلم والبخاري عن عائشة أن النبي ﷺ قال: الحمى من فيح جهنم (أي وهجها) فأبردوها بالماء. ولهذا فإن الطبّ الحديث يرى أن يغسل أطراف المحموم بالماء البارد، ومن كانت حمّاه برأسه يضعون على رأسه الثلج، وهذا من الطب النبوي المحتاج إلى عقيدة راسخة كما في الآية ٢٥ من سورة القلم، لأن من لم يعتقد بالقرآن لا ينتفع بما فيه، بل يكون عليه وبالا، وسيأتي لهذا البحث في تفسير الآية ٨٠ من سورة الإسراء الآتية بيان واضح واسع فراجعه. هذا، وإن مذهب أهل السنة والجماعة هو أن صاحب الكبيرة قد يعاقب بقدر ذنبه ثم ينجو لا محالة، ويجوز أن يعفو الله عنه، وهذه الطريقة يجب التمسك بها والجنوح إليها، فكل قول يخالف هذا باطل لا قيمة له إذ لا مستند له على الآيات الصريحة والأحاديث الصحيحة. أما أقوال المخالفين فهي كيفية لا عبرة بها وسنأتيك ببعضها، فمنهم المرجئة يقولون لا يعاقب المؤمن على ما يقترف من الذنوب كبائر كانت أو صغائر، لأن المعصية لا تضر مع الإيمان، قاتلهم الله.
وقالت فرقة أخرى إن المسلمين أهل الكبائر يكونون بمنزلة بين المنزلتين، أي لا يقال له مؤمن لعدم دخوله في عموم المتقين، ولا كافر لعدم دخوله في عموم الظالمين، فيكون بين بين، وهذا باطل أيضا إذ لا دار عند الله إلا الجنة أو النار، فمن نجا
стр. 655
من النار دخل الجنة والله أعلم. وهو القائل: (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ) الآية ١٨٥ من آل عمران في ج ٣، راجع تفسير الآيات ٧ و ٨ و ٣١ من سورة فاطر المارة والآية ١٩ من سورة الفرقان المارة فيما يتعلق بفاعل الكبائر، أما ما يتعلق بالرؤية المار بحثها فراجع الآية ١٤٦ من سورة الأعراف، والآية ٢٣ من سورة القيمة المارتين وما ترشدك إليه، قال تعالى «وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ» لا تحتاج إلى إثبات لأنها أعظم حجة وأدل دليل وأكبر برهان على قدرتنا وعجائب مخلوقاتنا ومبتدعات صنائعنا «قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً» منزلا ومكانا وموضعا بين الناس «وَأَحْسَنُ نَدِيًّا» ٧٣ مجلسا ومجتمعا، لأن النادي خصّ لمباحثات في الأمور العامة، أي إن هؤلاء الكفار عند ما تتبين لهم الدلائل وتظهر لهم البراهين على قدرتنا يعرضون عن التفكر بها والتدبر لمعانيها، ويقبلون على التفاخر والتكاثر بالأموال والأولاد والمساكن والمجالس والتفاضل على المؤمنين بزينتهم وزخارفهم الدنيوية، لأنهم يقولون لو كان المؤمنون على الحق لصار حالهم في الدنيا أحسن وأطيب من حالنا، إذ لا يليق بالحكيم أن يوقع أولياءه بالذل والحاجة ويجعل أعداءه بالعز والراحة، فيظهر من هذا أنا نحن على الحق بخلاف زعمهم، وهم على الباطل، ولهذا جعلنا أحسن منهم حالا ومكانة ومجلسا، فأنزل الله ما فيه إبطال قياسهم العقيم الناشئ عن رأيهم السقيم بقوله عز قوله «وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً» من هؤلاء المعجبين برياشهم وثروتهم ومجلسهم «وَرِءْياً» ٧٤ مرأى ومنظرا منهم مهما تزينوا بأنواع الألبسة وتعطروا بأصناف الطيب «قُلْ»
لهم يا أكرم الرسل إن هذه الأمتعة الدنيوية التي يعطيها الله تعالى بعض خلقه لا تدل على حسن الحال وارتفاع المقام وعلو المنزلة، لأن «مَنْ كانَ» مخلوقا للتوغل «فِي الضَّلالَةِ» واقتراف أنواع المعاصي الواردة عن طريق الهوى من الكفرة أمثالكم «فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا» يمهله كي يتمادى في طغيانه إمهالا كثيرا ويستدرجه بإكثار النعم استدراجا يظن معه أن الله أهمله والله لا يهمل بل يمهل العبد إلى أن ينتهي أمره ويبلغ الغاية
стр. 656
في انتهاك الحرمات وينسى صنع ربه فيه، فيأخذه بغتة ويقصفه على حين غفلة «حَتَّى إِذا رَأَوْا» هؤلاء المأخذون غرة «ما يُوعَدُونَ» على لسان رسلهم «إِمَّا الْعَذابَ» العاجل في الدنيا قتلا وأسرا وجلاء وذلا وموتا «وَإِمَّا السَّاعَةَ» القيامة التي عذابها أكبر وأدوم «فَسَيَعْلَمُونَ» حينذاك في إحدى الحالتين أو كلتيهما معا «مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً» هنا وعند الله «وَ» من هو «أَضْعَفُ جُنْداً» ٧٥ فئة وناصرا ومغيثا يوم القيامة أهم وهم في النار، أم نحن ونحن في الجنة، وفي الدنيا هم في حالة الغلب والمهانة، أم نحن في حالة النصر والعز، بل المؤمنون في الحالتين أحسن لأنهم هم المهتدون. قال تعالى «وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً» ونورا على هداهم، ويزيد الظالمين عمى وضلالا على ضلالهم «وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ» من الأعمال الحسنة التي تبقى فوائدها وتدوم عوائدها «خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً» من حطام الدنيا الذي يتفاخر به هؤلاء الكفرة على المؤمنين «وَخَيْرٌ مَرَدًّا» ٧٦ من ذلك، أي مرجعا وعاقبة، لأن عاقبة الكفر الحسرة الأبدية، وعاقبة الإيمان النعيم المقيم، راجع تفسير الآية ٣٩ المارة، وهذا الجواب من الأسلوب الحكيم وعليه معنى قول حسان:
أتهجوه ولست له بكفء ... فشرّ كما لخير كما الجزاء
وهو تهكم بالكفرة المذكورين القائلين أي الفريقين خير إلخ. وقرىء مقاما بالضم، والفرق بينهما أن المقام بالفتح موضع القيام سواء أقام فيه بنفسه أو أقام فيه غيره بطريق المكث فيه أولا، وبضم الميم موضع إقامة الغير إياه أو موضع قيامه بنفسه قياما ممتدا، وقد سئل أبو السعود ﵀ عن الفرق بينهما فقال:
يا وحيد الدهر شيخ الأنام ... نبتغي فرق المقام والمقام
فأجابه ﵀ بلفظ:
إن أقمت فيه فهو مقام ... وإن أقمت فيه فهو المقام
قال تعالى «أَفَرَأَيْتَ» يا حبيبي أعلمت هذا «الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ» وهو على كفره «لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً» ٧٧ ما أجهله يتمنى على الله الأماني وهو
стр. 657
لا يعبده ويشرك معه غيره «أَطَّلَعَ الْغَيْبَ» هذا الأحمق حتى يقول هذا الكلام ويقسم عليه «أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً» ٧٨ بأن يؤتيه ذلك «كَلَّا» لم بطلع على الغيب ولم يأخذ عهدا من الله، وإنما قال ذلك تكبرا وتجبرا وعتوا على الله القائل له ولأمثاله «سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ» من افتئاته علينا وتعاظمه «وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا» ٧٩ فنزيده عذابا فوق عذابه بسبب قوله هذا ونطيله عليه جزاء افترائه واجترائه حتى يظل معذبا دائما «وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ» بأن نهلكه ونجعل ماله وولده إرثا لغيره «وَيَأْتِينا يوم القيامة فَرْداً» ٨٠ لا مال له ولا ولد ولا قرابة ولا أصدقاء، راجع الآية ٤٨ من سورة الكهف والآية ٩٣ من سورة الأنعام في ج ٢. روى البخاري ومسلم عن خبّاب بن الأرت أن رجلا من الأزد قال كنت رجلا قينا في الجاهلية، وكان لي على العاص بن وائل السهمي دين، فأتيته أتقاضاه، وفي رواية فعلت للعاص بن وائل السهمي سيفا فجئته أتقاضاه، فقال لا أعطيك حتى تكفر بمحمد، قلت لا أكفر حتى يميتك الله تعالى ثم تبعث، قال وإني لميت ثم مبعوث؟ قلت بلى، قال دعني أموت وأبعث، فأوتى مالا وولدا فأقضيك، فأنزل الله فيه هذه الآية،
قال تعالى «وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا» ٨١ في الدنيا يعتزون بها ويمتنعون من العذاب في الآخرة على زعمهم الباطل، قال تعالى «كَلَّا» لا تفيدهم عزا في الدنيا ولا منعة في الآخرة وهذا زجر لهم ورد لكلامهم الكاذب.
مطلب تبرأ المعبودين من العابدين وأصناف الحشر:
ذلك لأن هذه الأوثان التي اتخذوها لذلك فإنّهم «سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ» يوم القيامة وينكرونها ويتبرأون منهم «وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا» ٨٢ حين ينطقهم الله ويسألهم عن ذلك فيقولون: يا ربنا عذّب هؤلاء الذين عبدونا من دونك، وإنا نتبرأ إليك من عبادتهم، راجع الآية ١٧ من سورة الفرقان المارة والآية ٤٢ من سورة سبأ الآتية في ج ٢ إذ يقولون: (ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ) بل كانوا يعبدون الجن، فيخيب ظنهم ويعود الأمر عليهم بالعكس، فيكون لهم الذل والهوان
стр. 658
والخزي والعار، وسيأتي لهذا البحث صلة في الآيتين ١٦٧ و ١٦٨ من سورة البقرة في ج ٣، قال تعالى «أَلَمْ تَرَ» يا أكمل الرسل فتخبر وتعلم «أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا» ٨٣ أي سلطنا الشياطين على الكافرين لتهيجهم وتزعجهم وتغريهم على ارتكاب المعاصي تستفزهم لاقترافها حتى يتوغلوا فيها «فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ» يا حبيبي بإنزال العذاب، ودعهم تحيق بهم المهالك من كل مكان حتى يأتي الأجل المعين في أزلنا لهلاكهم، وهو حتما نازل بهم، ولكنهم لم يستكملوا ما قدر لهم بعد «إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا» ٨٤ سنين وشهورا وأياما وساعات ودقائق وثواني ولحظات، قال السماك: عند ما قرأت هذه الآية بحضرة المأمون العباسي قال: إذا كانت الأنفاس بالعدد ولم يكن لها مدد فما أسرع ما تنفد وقيل في المعنى:
إن الحبيب من الأحباب مختلس ... لا يمنع الموت بواب ولا حرس
وكيف يفرح بالدنيا ولذتها ... فتى يعدّ عليه اللفظ والنفس
واعلم يا أكرم الرسل أنا سنوقع بهم ما أوعدناهم على لسانك وسيذكرون هذا «يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً» ٨٥ جماعات ركبانا معزّزين كما يفد رؤساء الأقوام على ملوكهم في الدنيا ليكرموهم بالخلع المعيّنة لهم والأوسمة الكريمة «وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ» المحكوم عليهم بالعذاب في ذلك اليوم الذي ينال فيه الأتقياء اعطياتهم العظيمة ويبلغون آمالهم من ملك الملوك «إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً» ٨٦ كما تساق الأنعام ليذوقوا وبال أعماهم، مشاة عطشا مهانين، فيروون النار بدل الماء.
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
محشر الناس يوم القيامة على ثلاث طرائق راغبين وراهبين، واحد على بعير واثنان على بعير وثلاثة على بعير وأربعة على بعير وعشرة على بعير، وتحشر معهم النار تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث بانوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، تمسي معهم حيث أمسوا. وأخرج الترمذي أن رسول الله ﷺ قال: يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: صنفا مشاة وصنفا ركبانا وصنفا على وجوههم،
стр. 659
قيل يا رسول الله كيف يمشون على وجوههم؟ قال الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم. راجع الآية ٣٤ من سورة الفرقان المارة، وللبحث صلة في الآية ٩٧ من سورة الإسراء الآتية.
مطلب الشفاعة ومحبة الله:
واعلم يا أكمل الرسل أن هؤلاء في ذلك اليوم العصيب «لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ» للعصاة لا هم ولا غيرهم «إِلَّا» لكن يملكها «مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً» ٨٧ بأن يشفع لمن يريده الله وهم المرتضون، قال تعالى (إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ) الآية ٣٧ من سورة الجن المارة، فهؤلاء يشفعون بإذن الله لمن قال لا إله إلا الله محمد رسول الله مخلصا ومات عليها. هذا، وقد أنكر المعتزلة جواز الشفاعة في دخول الجنة، مع أن الأخبار والأحاديث وظاهر الآيات تكذبهم، روي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : إن الرجل من أمتي يشفع للفئام من الناس فيدخلون الجنة بشفاعته، وإن الرجل ليشفع للرجل وأهل بيته فيدخلون الجنة بشفاعته، (ومعنى الفئام الجماعة) والأحاديث في هذا الباب كثيرة وسنأتي عليها في الآية ٨٩ من سورة الإسراء إن شاء الله، وان ما عليه أهل السنة والجماعة هو أن شفاعة الأنبياء والأولياء حق واجب مفيدة، قال في بدء الأمالي:
ومرجو شفاعة أهل خير ... لأصحاب الكبائر كالجبال
وقال في الشيبانية:
لكل نبي شافع ومشفع ... وكل ولي في جماعته غدا
وجزاء منكرها حرمانها «وَقالُوا» هؤلاء الكفرة بعد قولهم بالإشراك وانكارهم البعث والنبوة «اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً» ٨٨ وذلك أنهم يقولون الملائكة بنات الله كما تقول اليهود عزيز والنصارى المسيح أبناء الله، تعالى الله عن ذلك راجع الآية ٣١ من سورة التوبة في ج ٣، «لَقَدْ جِئْتُمْ» أيها الكفرة المغترون المبهتون بمقالتكم هذه «شَيْئاً إِدًّا» ٨٩ منكرا عظيما وقولا ثقيلا، وفعلا شديدا، وعظمتنا إن قولكم هذا «تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ» لشناعته وفظاعته
стр. 660
«وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ» من هوله فتخسف «وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا» ٩٠ لعظمته فتسقط عن موضعها عليهم
«أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً» ٩١ لما فيه من الافتئات على الله بما لا يليق بعظمته وجلاله، لأن مثل هذا الكلام ينفي ملاك الإيمان وأهم أركانه وقواعده، وأعظم أصوله وفروعه، ولا يقال كيف تؤثر هذه الكلمة في هذه الجمادات، لأن الله تعالى يقول كدت أن أفعل هذا بهذه الأجرام عند صدور هذه الكلمة غضبا مني على من تفوه بها لولا حلمي وإني لا أعجل بالعقوبة، والقادر قادر فكيف بغير الجماد، فإنه يذوب كما يذوب الملح بالماء، ثم نزه نفسه عن اتخاذ الولد ونفاه عن ذاته المقدسة فقال «وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً» ٩٢ ولا يليق بجنابه أن بوصف بذلك، لأن الولد قد يشبه أباه ويكون للحاجة والسرور والاستعانة والذكر، والله ليس كمثله شيء وغني عن كل شيء ومنزه عن كل شيء من سمات المخلوقين «إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً» ٩٣ أذلاء حاضعين مملوكين يأوون لحضرته بالعبودية ويستكينون لعظمته وينقادون لكبريائه، وفي هذه الآية إيذان بأن الوالد لا يملك ولده وأن الله مالك مطلق لجميع من في الكون يتصرف فيه كما يشاء ويختار، والله الذي لا إله إلا هو «لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا» ٩٤ حصرهم وأحاط بهم وعلم أنفاسهم وآثارهم بحيث لا يخرج أحد عن قبضته وقدرته، راجع قوله تعالى: (لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) في الآية ٥٤ من سورة الأعراف المارة وآية (وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ) ٨ من سورة الرعد في ج ٣، «وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً» ٩٥ لا مال ولا ولد معهم ولا خدم ولا حشم، مجردين عن كل شيء كما ولدوا، وهذه الآية مثل الآية ٨٠ المارة وسيأتي لهذا البحث صلة في الآية ٩٣ من الأنعام في ج ٢، فيأتونه وكلهم حاجة إلى رحمته فكيف ينسبون له الولد تعالى عن ذلك «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ» الذين نزهوا ربهم عن الشريك والولد وغيره ويعترفون بوحدانيته ونبوة أنبيائه واليوم الآخر «سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا» ٩٦ في الدنيا فيحببهم لخلقه ويحبب الخلق إليهم، روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة
стр. 661
عن النبي ﷺ أنه قال: إذا أحب الله عبدا دعا جبريل ﵇ فيقول له إن الله يحب فلانا فأحبّه فيحبه جبريل فينادي في أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض الله عبدا دعا جبريل فيقول له أنا أبغض فلانا فابغضه، فيبغضه جبريل ثم ينادي في أهل السماء إن الله يبغض فلانا فابغضوه، ثم يوضع له البغضاء في الأرض.
وسيأتي لهذا البحث صلة نفيسة في الآية ٦٨ من سورة الزخرف في ج ٢. قالوا إن هذه الآية نزلت في الذين هاجروا إلى الحبشة لأنهم كانوا ممقوتين بين الكفرة فوعدهم الله ذلك وأنجز لهم وعده، وسيأتي بيان ما وقع لهم مع ملك الحبشة في الآية ١٩٩ من آل عمران في ج ٣، وإليكم أن من يجمل الله له ودّا في الدنيا من أجل إيمانه وعمله الصالح فإنه يجعل له ودا في الآخرة من باب أولى لأن الدنيا مزرعة الآخرة وتوادّ الآخرة بين الله وبين عباده أكثر من توادهم بينهم، راجع الآية ٥٥ من سورة المائدة في ج ٢. قال تعالى «فَإِنَّما يَسَّرْناهُ» هذا القرآن العظيم «بِلِسانِكَ» يا سيد الرسل «لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ» بما لهم عند الله من الكرامة في الآخرة التي تضمحل عندها عزة الملوك، وأبن عطاء الملوك في الدنيا من إكرام ملك الملوك في الآخرة «وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا» ٩٧ شديدي الخصومة بالباطل ممتنعين عن الإيمان بالله لجاجا وعنادا لم يحسبوا لعاقبتهم أمرا ولا لحسابهم عذرا «وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ» من القرون الماضية بسبب إصرارهم على الكفر وفي هذه الجملة وعيد لقومه ووعد لرسوله ﷺ ضمن وعيدهم بالإهلاك وحثّ له على إدامة العمل بإنذارهم ولهذا التفت اليه وخاطبه عز خطابه بقوله وانظر يا حبيبي «هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ» من أولئك القرون الهالكة، أي تشعر كأنهم ما كانوا «أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً» ٩٨ أقل صوت، والركز هو الخفاء ومنه الركاز المال المدفون في الأرض، وركز الرمح إذا غيبت طرفه في الأرض، والمعنى أهلكناهم جميعا عن بكرة أبيهم، بحيث لا يرى منهم أحد، ولا يسمع لهم صوت، لأن الله أخذهم استئصالا فلم يبق منهم عين ولا أثر. ولا يوجد سورة مختومة بمثل هذه اللفظة. هذا، والله أعلم، وأستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله عليه وسلم على سيدنا محمد وآله.
стр. 662
تفسير سورة طه ٤٥- ٢٠
نزلت بمكة بعد سورة مريم عدا الآيتين ١٣٠ و ١٣١ فإنهما نزلنا بالمدينة، وهي مائة وخمس وثلاثون آية، والف وستماية واحدي وأربعون كلمة، وخمسة آلاف ومائتان واثنان وأربعون حرفا، لا يوجد سورة مبدوءة أو مختومة بما بدأت وختمت به (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)
قال تعالى «طه» اسم من أسمائه ﷺ كما مرّ في سورة يس، واسم للسورة، ومفتاح أسماء الله تعالى الهادي، هو الباسط المعطي، وقال بعض المفسرين ان معناه طأها أي الأرض، لأنه ﷺ كان يقوم إلى ربه على رجل واحدة في تهجده، وقيل أصله يا رجل بلغة عكّ، أو أصلها يا هذا، فتصرفوا فيها بالقلب والاختصار، مستدلين بقول القائل:
إن السفاهة طاها في خلائقكم ... لا قدس الله أخلاق الملاعين
أقول غير جدير بالقبول لعدم الاستناد فيها إلى شيء صحيح، وما ذكرناه هو الأولى والأنسب، لاستناده للحديث الذي أوردناه أول سورة يس، يؤيده الخطاب في قوله تعالى «ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى» في المبالغة في مكابدة العبادة قد يعتريك فيه التعب الشديد، أو في هلاك نفسك في محاورة العتاة ومجادلة الطغاة من قومك من فرط الأسى والتحسر على عدم إيمانهم «إِلَّا» أي ما أنزلناه عليك يا أكرم الرسل لشقائك به، ولكن «تَذْكِرَةً» تذكرهم به وعفة «لِمَنْ يَخْشى» ٣ الله ويتأثر بالإنذار به لرفة قلبه ولين عريكته لينتفع به، لا كما زعم المشركون، وذلك أن رسول الله ﷺ كان يجتهد في عبادة ربه في مكة حتى تورمت قدماه، فلما رأى ذلك منه المشركون قالوا ما أنزل الله عليه الوحي الذي يزعم إلا لشقائه، وكان ﷺ يجهد نفسه بالعبادة من جهة ومن أخرى بدعوة قومه إلى ربه ويلح على نفسه في هذين الأمرين، لأنهما غاية مطلبه ونهاية قصده في الدنيا، فأنزل الله عليه هذه الآية ليخفف عن نفسه الشريفة ما حملها من الأعباء، ويقتصد بالعبادة والدعوة
стр. 663
«تَنْزِيلًا» مفعول مطلق أي أن هذا القرآن نزل عليك يا محمد «مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى» ٤ كما يقوله كفرة قومك من كونه سحر أو كهانة أو من خرافات الأولين أو من تعليم الغير، بل هو من الله الخالق لهذين الحرمين العظيمين وهو «الرَّحْمنُ» الذي وسعت رحمته كل شيء عزت قدرته وجلت عظمته «عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى» ٥ استواء يليق بذاته ويراد ممنه الظهور والاستيلاء والتمكن.
مطلب العرش ومعنى الاستيلاء عليه:
والعرش لغة السرير ذو القوائم، أما عرش الرحمن فهو شيء يليق بذاته لا يعلم حقيقته على الحقيقة إلا الله، إلا أنه شيء يحمل لقوله تعالى (وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ) الآية ١٥ من سورة الحاقة- في ج ٢ وهذه الآية تدل على عظمته، لأن الملك الواحد يقوى على حمل الأرض بما فيها، فكيف إذا كانوا ثمانيه أملاك، ومن هاهنا تعلم عظمته، قالوا هو كالقبة فوق السموات له قوائم، بدليل ما رواه البخاري عن أبي سعيد، قال: جاء رجل من اليهود إلى النبي ﷺ قد لطم وجهه، فقال يا محمد رجل من أصحابك قد لطم وجهي! فقال ﷺ : أدعوه فقال لم لطمت وجهه؟ فقال يا رسول الله إني مررت بالسوق وهو يقول والذي اصطفى موسى على البشر، فقلت يا خبيث وعلى محمد ﷺ ، فأخذتني غضبة فلطمته. فقال ﷺ لا تميزوا بين الأنبياء، فان الناس يصعقون وأكون أول من يفيق، فإذا بموسى ﵇ أخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور. أي لم يصعق وهو فوق السموات بدليل ما رواه ابو داود عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده قال: أتي رسول الله ﷺ أعرابي فقال: يا رسول الله جهدت الأنفس، ونهكت الأموال، فاستق لنا، فإنا نستشفع بك إلى الله ونستشفع بالله تعالى عليك فقال ﷺ ويحك أتدري ما تقول؟ وسبّح رسول الله ﷺ فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجهه أصحابه، ثم قال ويحك انه لا يستشفع بالله تعالى على أحد من خلقه، شأن الله تعالى أعظم من ذلك، ويحك أتدري ما الله؟ إن الله تعالى فوق عرشه، وعرشه فوق سمواته
стр. 664
هكذا وقال بأصابعه مثل القبة، وانه ليئط به أطيط الرحل الجديد بالراكب، أي من عظمة الرّب جل وعلا وهيبته، وهو منزه عن الثقل والخفة وسائر أوصاف خلقه، وهذا مما يدل على عظمته ايضا. وقد روى أبو ذر عن النبي ﷺ انه سمعه يقول ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهراني فلاة من الأرض. وجاء في خبر آخر: إن أرضكم هذه بالنسبة لعرش الرحمن كحلقة ملقاة في فلاة، هذا وقد وصفه الله تعالى في قوله جل قوله (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ) الآية ٢٥٦ من البقرة في ج ٣، ووصفه بالمعظم في آيات، وناهيك بذلك. هذا، وقد روى عن أبي شيبة في كتاب صفة العرش، والحاكم في مستدركه، وقال على شرط الشيخين، عن سعد بن جبير عن ابن عباس قال: الكرسي موضع القدمين والعرش لا يقدر قدره الا الله، وبما أن من هذه من آيات الصفات التي جرى السلف على ظاهرها دون تأويل أو تفسير، ومشى الخلف على خلافه، فقال بعضهم إن العرش كناية عن ملك الله وسلطانه، وهو غير سديد لمنافاته ظاهر القرآن والحديث، لأنه إذا كان كما قيل فكيف نقنع بقول الله (وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ) إلخ الآية المذكورة آنفا، وقوله تعالى (يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ) الآية ١٨ من سورة المؤمن في ج ٢، أيقال يحملون ملكه وسلطانه؟
كلا، وهل كان موسى آخذا بقوائم الملك والسلطان في الحديث المار؟ كلا وما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم والبخاري عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ ﵁، فهل يقال اهتز ملكه وسلطانه؟ كلا لا يقال شيء من ذلك أصلا لأن ذلك أمر معنوي لا يحمل ولا يمسك ولا يهتز لذلك فلا يقوله من له أدنى مسكة من علم أو ذوق، فإن صاحب هذا القول على فرض صحته أراد به تنزيه الله تعالى على طريقة الخلف من كل ما يدل على المكان، لأنه جل ذكره لا يحويه مكان، ولكنه لم يصب الهدف، وإن ما قاله أهل الكلام من أنه مستدير محيط بالعالم، وأنه فلك من الأفلاك أو الفلك الأطلس أو الفلك التاسع، فليس بصحيح، لأن قولهم مبني على
стр. 665
الحدس والظن، كيف وقد ثبت أنه له قوائم وأنه محمول وممسوك، والفلك التاسع عندهم متحرك بحركة متشابهة وهو لا ثقيل ولا خفيف كما يزعمون، وقد جاء في صحيح مسلم في حديث جويرية بنت الحارث ما يدل على أن له زنة هي أثقل الأوزان، ولأن القرآن نزل بلغة العرب، والعرب لا تفهم منه الفلك وما جاء في خبر أبي ذر عن جبير بن مطعم المتقدم ذكره من أنه مثل القبة، لا يستلزم أن يكون مستديرا محيطا كما قالوا، وهؤلاء القوم مازالوا قبلا والى اليوم والى أن ينفخ في الصور لا يقدرون على حصر الأفلاك بأنها تسعة، وان التاسع أطلس ولا كوكب فيه، وانه غير الكرسي علمت قال امية بن الصلت:
مجّدوا الله فهو للمجد أهل ... ربنا في السماء أمسى كبيرا
بالبناء العالي الذي بهر النا ... س وسوى فوق السماء سريرا
شرجعا لايناله طرف عين ... وترى حوله الملائك صورا
جمع اصور وهو المائل العنق لنظره الى العلو، والشرجع العالي المفرط بعلوه، واستوى بمعنى استولى على اكثر أقوال المفسرين أوضحناه في الآية ٥٤ من الأعراف المارة، ودللنا عليه بشواهد كثيرة اتباعا لغيرنا، الا أنه مع شواهده لا يطمئن له الضمير، كما أن ما جاء أنه بمعنى العلو والارتفاع في رواية البخاري، أو أنه بمعنى الاستقرار كما في قوله تعالى: (وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ) الآية ٤٤ من سورة هود، وبقوله تعالى (لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ) الآية ١٣ من الزخرف في ج ٢، ممنوع، لأنه مستحيل على الله تعالى، وذلك لأن الاستيلاء معناه حصول الغلبة بعد العجز وهو محال في حقه تعالى، ولأنه لا يقال استولى على كذا إلا إذا كان له منازع فيه: وهذا في حقّه تعالى محال أيضا، وإنما يقال استولى إذا كان المستولى عليه موجودا قبل، والعرش إنما حدث بتخليقه تعالى وتكوينه له، وأيضا الاستيلاء واحد بالنسبة إلى كل المخلوقات، فلا يبقى إلى تخصيص العرش بالذكر فائدة، لذلك فالأولى أن يفسر بما فسرناه هنا من أنه استواء يليق بذاته كما هو الحال في آيات الصفات، من المجيء، واليد، والقبضة، وغيرها، لأن
стр. 666
القانون الصحيح وجوب حمل كل لفظ ورد في القرآن العظيم على ظاهره، إلا إذا قامت الأدلة القطعية على وجوب الانصراف عن الظاهر، ولا داعي للتأويل بما قد يوجب الوقوع في الخطأ وزلة القدم. وانظر ما قاله السلف الصالح في هذا الباب. روى البيهقي بسنده عن عبد الله بن وهب أنه قال كنا عند مالك بن أنس، فدخل رجل فقال يا أبا عبد الله قال تعالى: (الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى) فكيف استواؤه؟ قال فأطرق مالك وأخذته الرّحصاء (العرق الذي يحصل من أثر الحمى) ثم رفع رأسه فقال الرحمن على العرش استوى كما وصف نفسه، ولا يقال كيف، وكيف عنه مرفوع، وأنت رجل سوء صاحب بدعه، أخرجوه، فأخرج الرجل، وفي رواية سمي بن يحيى قال: كنا عند مالك بن أنس فجاء رجل فقال: يا أبا عبد الله، الرحمن على العرش استوى، فكيف استواؤه فأطرق مالك رأسه حتى علته الرحصاء ثم قال الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول والايمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعا فأمر به أن يخرج. وروي عن علي ﵇ أنه قال: الاستواء غير مجهول (لم يقل معلوما تأدبا، وكان مالك أخذ هذه الجملة عنه ﵁ إن لم نقل أنها من توارد الخاطر) والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
وأخرج اللالكائي في كتاب السنة عن طريق الحسن عن أمه عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها أنها قالت الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإقرار به ايمان، والجحود به كفر. وجاء من طريق ربيعة بن عبد الرحمن أنه سئل كيف استوى ربنا على العرش؟ فقال الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، وعلى الله تعالى إرساله، وعلى رسوله البلاغ، وعلينا التسليم، وروى البيهقي بسنده عن أبي عينية قال كل ما وصف الله تعالى به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عنه. قال البيهقي والآثار عن السلف في مثل هذا كثيرة واليه ذهب أبو حنيفة وأحمد بن حنبل والحسن بن الفضل الجبلي، ويدل عليه مذهب الشافعي ومشى عليه من المتأخرين أبو سليمان الخطابي، وأهل السنة يقولون في الاستواء على
стр. 667
العرش صفة لحمله بلا كيف، يجب على الرجل الايمان به ويكل العلم به الى الله، وروي عن سفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد وسفيان بن عيفية وعبد الله بن المبارك وغيرهم من علماء أهل السنة أن هذه الآيات التي فيها الصفات المتشابهة تقرأ كما جاءت بلا كيف، هذا والذي ذهب اليه الإمام الرازي أن الاستواء بمعنى الاستيلاء، والاستيلاء بمعنى الاقتدار، وهو كما ترى وأقوال السنة وبعض العلماء في هذا الباب لا تحصى، وقد قدمنا غير مرة بأن طريقتنا في هذا التفسير الجليل حمل كل لفظ ورد في القرآن العظيم على ظاهره، إلّا إذا لم نتوصل لفهمه وورود الدليل القاطع النقلي والعقلي يصرفه عن ظاهره، فإنما نعدل عنه ضرورة ونرجع الى التأويل بما نقتبسه أولا من القرآن لأن في بعضه تفسيرا لبعض، ثم في الحديث لأن قول الرسول شرح له، ثم إلى أقوال الأصحاب الكرام الخزامى الذين قال بحقهم ﷺ أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم. لأنهم يغرفون من مشكاة النبوة ثم لأقوال أتباعهم من السلف الصالح ولأقوال العلماء المفسرين له الأمناء عليه الأتقياء الذين نور الله قلوبهم بمعرفته قال تعالى (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ) الآية ٢٨٤ من سورة البقرة في ج ٣، وقال تعالى (إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً) الآية ١٩ من سورة الأنفال في ج ٣ أيضا وقال تعالى (وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً) الآية ٦٤ من سورة الكهف في ج ٢ وقال جل قوله (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً) الآية ٧٤ الآتية وهذا ما عليه السلف الصالح والخلف الناجح والاقتداء بهم أسلم، والأخذ بقولهم أحكم، والله أعلم الذي «لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى» ٦ التراب الرطب الذي يظهر بعد حفر وجه الأرض، فإن الله تعالى مالك لجميع ذلك وما فوق السموات أيضا، ومتصرف فيه كيف يشاء، ولم يبق غير ذلك الا المالك «وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ» يا سيد الرسل أو تسر به على حد سواء «فَإِنَّهُ» مولاك ومالك أمرك «يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى» ٧ منه مما يخطر ببالك أو تتصوره في قلبك فيما بعد قبل تخطره وتصوره لأن السر موجود في صدرك أو لأن السر ما تسره للغير حالا، وهذا
стр. 668
مما لا يعلمه غيرك، لأنه لم تتفوه به أو ما أسررته لنفسك، والأخص ما ستسره فيما بعد، ولا تعلمه الا بعد أن يحوك في صدرك، لأن الله يعلم أنه سيحدث في سرك قبل أن تحس به، والأول أولى. تشير هذه الآية بأن الجهر ليس لإسماعه تعالى بل لفرض آخر من تصوير النفس بالذكر، ومنعها من الاشتغال بغيره قطعا للوسوسة، وهذا أولى من قول من قال إنه نهى عن الجهر كقوله تعالى (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ) الآية ٢٠٤ من الأعراف المارة لان غايته الإرشاد وهضم النفس بالتضرع الى خالقها، وهذا المالك الجليل والعالم العظيم هو «اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى» ٨ الدالة على معنى التقديس والتحميد والتبجيل لتعظيم الربوبية والأفعال التي هي نهاية في الحسن من الأسماء التي فضلت على سائر الأسماء، والله تعالى واحد في ذاته وان افترقت عبارات صفاته، وفيها رد على قول الكفرة القائلين حينما سمعوا حضرة الرسول يقول يا رحمن. إنك تنهانا عن تعدد الآلهة وتدعو آلهة متعددة. فأجابهم بأن الإله واحد وهو المعني بقوله لا إله إلا هو وإن له أسماء أخر، هنّ صفاته جل شأنه وعظمت صفاته، قال ﷺ :
إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها وفي رواية من حفظها دخل الجنة وكلها موجودة في القرآن صراحة، ويوجد اسم آخر له مكنون في غيبه وعلمه يعلمه الراسخون في العلم وهو اسمه الأعظم الذي لا يرد من دعاه به، وهي هو الله لا إله إلا هو ١ الرحمن ٢ الرحيم ٣ الملك ٤ القدّوس ٥ السلام ٦ المؤمن ٧ المهيمن ٨ العزيز ٩ الجبار ١٠ المتكبر ١١ الخالق ١٢ البارئ ١٣ المصور ١٤ الغفار ١٥ القهار ١٦ الوهاب ١٧ الرزاق ١٨ الفتاح ١٩ العليم ٢٠ القابض ٢١ الباسط ٢٢ الخافض ٢٣ الرافع ٢٤ المعز ٢٥ المذل ٢٦ السميع ٢٧ البصير ٢٨ الحكم ٢٩ العدل ٣٠ اللطيف ٣١ الخبير ٣٢ الحليم ٣٣ العظيم ٣٤ الغفور ٣٥ الشكور ٣٦ العلي ٣٧ الكبير ٣٨ الحفيظ ٣٩ المغيث ٤٠ الحسيب ٤١ الجليل ٤٢ الكريم ٤٣ الرقيب ٤٤ المجيب ٤٥ الواسع ٤٦ الحكيم ٤٧ الودود ٤٨ المجيد ٤٩ الباعث ٥٠ الشهيد ٥١ الحق ٥٢ الوكيل ٥٣ القوي ٥٤ المتين ٥٥ الوليّ ٥٦
стр. 669
المجيد ٥٧ المحيي ٥٨ المميت ٥٩ المحصي ٦٠ المبدي ٦١ الباقي ٦٢ المعيد ٦٣ الحي ٦٤ القيوم ٦٥ الواجد ٦٦ الماجد ٦٧ الواحد ٦٨ الأحد ٦٩ الصمد ٧٠ المقتدر ٧١ القادر ٧٢ المقدم ٧٣ المؤخر ٧٤ الأول ٧٥ الآخر ٧٦ الظاهر ٧٧ الباطن ٧٨ الوالي ٧٩ المتعالي ٨٠ البر ٨١ التواب ٨٢ المنتقم ٨٣ العفو ٨٤ الرؤوف ٨٥ مالك الملك ٨٦ ذو الجلال والإكرام ٨٧ المقسط ٨٨ الجامع ٨٩ الغني ٩٠ المغني ٩١ المعطي ٩٢ المانع ٩٣ الضار ٩٤ النافع ٩٥ النور ٩٦ الهادي ٩٧ البديع ٩٨ الوارث ٩٩ الصبور ١٠٠ المرشد واعلم أن بعضهم لم يعد المعطى من الأسماء الحسنى، لذلك بلغت هنا ١٠٠ وبحذفه تبقى ٩٩ وسنأتي على معانيها في محالها كل في موضعه إن شاء الله من آيات الذكر الحكيم، فمن هذه الأسماء الدالة على المعاني الحسنة ما يستحقه الله تعالى بحقائقه كالقديم قبل كل شيء والباقي بعد كل شيء، والقادر على كل شيء، والعالم بكل شيء، والواحد الذي ليس كمثله شيء، ومنها ما تستحسنه الأنفس لآثارها، كالغفور والرحيم والشكور والحليم، ومنها ما يوجب التخلق به كالكرم والعفو والصبر والستر، ومنها ما يوجب مراقبة الأحوال كالسميع والبصير والمقتدر والرقيب، ومنها ما يوجب الإجلال كالعظيم والجبار والمتكبر والجليل. والله جل شأنه له أسماء غير هذه لا تعد ولا تحصى لأنه له في كل شيء اسم كما أن له في كل شيء آية على وحدانيته وعلى كل أحد حجة في معانيها، وقد سبق أن بينا في الآية ١٧٩ من سورة الأعراف المارة شيئا من هذا فراجعه. قال تعالى «وَهَلْ أَتاكَ» يا سيد الخلق «حَدِيثُ مُوسى» ٩ في بداية نبوته وما لاقاه من قومه عند إرساله إليهم.
مطلب فوائد تكرار القصص:
والقصد من تكرار هذه القصص ونحوها طورا باختصار، وتارة بإسهاب، ومرة بتوسط، أمور: (١) التفنن بالبلاغة لأن إفادة المعنى بالموجز منها بوجه أبلغ كإفادته بصورة مطنبة من نوع الإعجاز والتحدّي (٢) تسلية حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم
стр. 670
بإطلاعه على ما قاسته الأنبياء قبله من أقوامهم ليهون عليه ما يلاقيه من قومه (٣) أن تكون العاقبة بالنصر والظفر لحضرته كما كانت للأنبياء الذين يعلم بقصصهم على طريق البشارة (٤) إعلام قومه بأن ما يوحى اليه هو من الإخبار (بالغيب) وانه من الله حق لأنه أمي لا يقرأ ولا يكتب ولم يفارقهم ليظن به أنه تعلم أو سمعه من الغير (٥) أن يعلم حضرة الرسول أن الصبر على الشدائد وتحمل الأذى هو من شأن الأنبياء كلهم لا من خصائصه وحده. هذا، وقد سبق أن بيّنا فوائد التكرار وأسبابه في الآية ١٧ من الأعراف المارة فراجعها، واعلم أن قصة السيدين موسى وهرون مع قومهما وقصة آدم ﵇ وإبليس عليه اللعنة تكررت في المكي والمدني من القرآن العظيم، أما قصص سائر الأنبياء فلم تكرر إلا بالمكي منه على التفصيل وقد يأتي ذكرها في المدني في بعض السور إشارة وإلماعا بسائق تعداد ما وقع للأنبياء مع قومهم وسياق تعداد فضائلهم وما منحهم الله من الكرامات، وسنأتي على بيان هذا ان شاء الله عند ذكر كل قصة «إِذْ رَأى ناراً» حال مجيئه وأهله من مدين بلدة شعيب ﵇ وذهابه إلى مصر لزيارة أمه وأخيه «فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا» مكانكم هذا لا تبرحوه، وكان الوقت ليلا وشتاء باردا «إِنِّي آنَسْتُ» أبصرت ما يؤنس به ورأيت هناك «ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ» شعلة تستدنؤن بها، وقد جمع الضمير لأنه كان مع أهله ولد وخادم أو على طريق التفخيم كقوله:
وإن شئت حرمت النساء سواكم «أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً» ١٠ نهتدي به إلى الطريق لأنهم ضلّوه بسبب ظلمة الليل، وكأن الله تعالى أنطقه بهذا اللفظ إلى التوصل للهدى الحقيقي الذي هو سبب تشريفه بالنبوة العظمى والرسالة الكبرى، وكان كذلك لأنه ﵇ لما قضى الأجل إلى عمه السيد شعيب كما سيأتي ذكره في الآية ٤٩ من سورة القصص الآتية فما بعدها، وتزوج ابنته وبقي مدة بعد زواجه بها، استأذنه بالرجوع إلى مصر بلده ومسقط رأسه فخرج بأهله ونعمه، وأخذ يمشي بهم على غير الطريق المسلوكة ليلا لئلا يتعرضه أحد لعدم أمن الطريق، وكانت امرأته في شهرها
следующие страницы →