← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23596

تأويل مشكل القرآن

ابن قتيبة

Полный текст (307 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو ضربوا رأسي لديك وأوصالي وقال آخر «١» : فلا وأبي دهماء زالت عزيزة ... على قومها ما فتّل الزّند قادح ومنه قوله: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النساء: ١٧٦] ، أي: لئلا تضلوا. وإِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا [فاطر: ٤١] ، أي: لئلا تزولا. وقوله: كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ [الحجرات: ٢] ، أي: لا تحبط أعمالكم. ومن الاختصار أن تضمر لغير مذكور. كقوله جل وعز: حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ [ص: ٣٢] يعني: الشمس، ولم يذكرها قبل ذلك. وقوله: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ [فاطر: ٤٥] ، يريد: على الأرض. وقال: فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (٤) [العاديات: ٤] ، يعني: بالوادي. وقال: إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ [القصص: ١٠] ، أي بموسى: أنه ابنها. وقال: وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها (٣) [الشمس: ٣] ، يعني: الدنيا أو الأرض. وكذلك قوله: وَلا يَخافُ عُقْباها (١٥) [الشمس: ١٥] ، أي: عقبى هذه الفعلة. وقال: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) [القدر: ١] ، يعني: القرآن. فكنى في أوّل السّورة. قال حميد بن ثور في أوّل قصيدة «٢» :

стр. 142

وصهباء منها كالسّفينة نضّجت ... به الحمل حتّى زاد شهرا عديدها أراد: وصهباء من الإبل. وقال حاتم «١» : أماويّ ما يغني الثّراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصّدر يعني النفس. وقال لبيد «٢» : حتى إذا ألقت يدا في كافر ... وأجنّ عورات الثّغور ظلامها يعني الشمس بدأت في المغيب. وقال طرفة «٣» : ألا ليتني أفديك منها وأفتدي يعني: من الفلاة. وأنشد الفرّاء «٤» : إذا نهي السّفيه جرى إليه ... وخالف، والسّفيه إلى خلاف

стр. 143

أراد: جرى إلى السّفه. وقال الله في أول سورة الرحمن: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٣) [الرحمن: ١٣] ، ولم يذكر قبل ذلك إلا الإنسان، ثم خاطب الجانّ معه لأنّه ذكرهم بعد، وقال: وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ (١٥) [الرحمن: ١٥] . قال الفراء: ومثله قول المثقّب العبدي «١» : فما أدري إذا يمّمت أرضا ... أريد الخير: أيّهما يليني؟ أالخير الّذي أنا أبتغيه؟ ... أم الشرّ الّذي هو يبتغيني؟ فكنى عن الشر وقرنه في الكتابة بالخير قبل أن يذكره، ثم أتى به بعد ذلك. ومن ذلك حذف الصفات. كقول الله سبحانه: وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) [المطففين: ٣] أي: كالوا لهم أو وزنوا لهم. وقوله: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا [الأعراف: ١٥٥] . أي اختار منهم. وقال العجّاج «٢» : تحت الذي اختار له الله الشّجر أي اختار له من الشجر: وكقوله: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ [الحج: ٤١] أي: مكنّا لهم. والعرب تقول: عددتك مائة، أي عددت لك، وأستغفر الله ذنبي. قال الشاعر «٣» :

стр. 144

أستغفر الله ذنبا لست محصيه ... ربّ العباد إليه الوجه والعمل وشبعت خبزا ولحما، وشربت ورويت ماء ولبنا وتعرّضت معروفك، ونزلتك ونأيتك، وبتّ القوم، وغاليت السلعة، وثويت البصرة وسرقتك مالا، وسعيت القوم، واستجبتك. قال الشاعر «١» : وداع دعا يا من يجيب إلي النّدى ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب وقوله جل وعزّ: إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا [الإسراء: ٣٤] . أي: مسؤولا عنه. قال أبو عبيدة: يقال: (لتسألنّ عهدي) أي عن عهدي. ومن الاختصار قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) [النساء: ٤٤] . أراد: يشترون الضلالة بالهدى، فحذف (الهدى) أي يستبدلون هذا بهذا. ومثله: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى [البقرة: ١٦] . ومن الاختصار قوله: وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) [البقرة: ١٠٨] . أي: أبقينا له ذكرا حسنا في الآخرين، كأنه قال: تركنا عليه ثناء حسنا، فحذف الثناء الحسن لعلم المخاطب بما أراد. ومن الاختصار قوله: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ [النساء: ١٦٦] . لأنه لما أنزل عليه: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [النساء: ١٦٣] قال المشركون: ما نشهد لك بهذا، فمن يشهد لك به؟ فترك ذكر قولهم

стр. 145

وأنزل: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ [النساء: ١٦٦] . يدلك على هذا أن (لكن) إنما تجيء بعد نفي لشيء فيوجب ذلك الشيء بها. ومن الاختصار قوله: فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ [المائدة: ٣١] . أراد: فبعث الله غرابا يبحث التراب على غراب ميّت ليواريه، لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ [المائدة: ٣١] . ومنه قوله: فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ [المائدة: ٥٢] أي في مرضاتهم.

стр. 146

باب تكرار الكلام والزّيادة فيه وأما تكرار الأنباء والقصص، فإنّ الله ﵎ أنزل القرآن نجوما في ثلاث وعشرين سنة، بفرض بعد فرض: تيسيرا منه على العباد، وتدريجا لهم إلى كمال دينه، ووعظ بعد وعظ: تنبيها لهم من سنة الغفلة، وشحذا لقلوبهم بمتجدّد الموعظة، وناسخ بعد منسوخ: استعبادا له واختبارا لبصائرهم. يقول الله : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا (٣٢) [الفرقان: ٣٢] . الخطاب للنبي، ﷺ ، والمراد بالتثبيت هو والمؤمنون. وكان رسول الله، ﷺ ، يتخوّل أصحابه بالموعظة مخافة السآمة عليهم «١» ، أي يتعهّدهم بها عند الغفلة ودثور القلوب. ولو أتاهم القرآن نجما واحدا لسبق حدوث الأسباب التي أنزله الله بها، ولثقلت جملة الفرائض على المسلمين، وعلى من أراد الدخول في الدين، ولبطل معنى التنبيه، وفسد معنى النسخ، لأن المنسوخ يعمل به مدة ثم يعمل بناسخه بعده. وكيف يجوز أن ينزل القرآن في وقت واحد: افعلوا كذا ولا تفعلوه؟. ولم يفرض الله على عباده أن يحفظوا القرآن كلّه، ولا أن يختموه في التعلم، وإنما أنزله ليعملوا بمحكمه، ويؤمنوا بمتشابهه، ويأتمروا بأمره. وينتهوا بزجره: ويحفظوا للصلاة مقدار الطاقة، ويقرؤوا فيها الميسور. قال الحسن: نزل القرآن ليعمل به، فاتخذ الناس تلاوته عملا. وكان أصحاب رسول الله، ﷺ ، ورضي عنهم- وهم مصابيح الأرض وقادة الأنام ومنتهى العلم- إنما يقرأ الرّجل منهم السورتين، والثلاث، والأربع، والبعض والشّطر

стр. 147

من القرآن، إلا نفرا منهم وفقهم الله لجمعه، وسهّل عليهم حفظه. قال أنس بن مالك: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جدّ فينا. أي جلّ في عيوننا، وعظم في صدورنا. قال الشّعبي: توفى أبو بكر، وعمر، وعلي، ﵏، ولم يجمعوا القرآن. وقال: لم يختمه أحد من الخلفاء غير عثمان. وروي عن شريك، عن إسماعيل بن أبي خالد أنه قال: سمعت الشّعبي يحلف بالله، ، لقد دخل عليّ حفرته وما حفظ القرآن. وكانت وفود العرب ترد على رسول الله، ﷺ للإسلام، فيقرئهم المسلمون شيئا من القرآن، فيكون ذلك كافيا لهم. وكان يبعث إلى القبائل المتفرّقة بالسّور المختلفة، فلو لم تكن الأنباء والقصص مثنّاة ومكرّرة لوقعت قصّة موسى إلى قوم، وقصة عيسى إلى قوم، وقصة نوح إلى قوم، وقصة لوط إلى قوم. فأراد الله، بلطفه ورحمته، أن يشهر هذه القصص في أطراف الأرض ويلقيها في كل سمع، ويثبتها في كل قلب، ويزيد الحاضرين في الإفهام والتحذير. وليست القصص كالفروض، لأنّ كتب رسول الله، ﷺ كانت تنفذ إلى كل قوم بما فرضه الله عليهم من الصلاة، وعددها وأوقاتها، والزّكاة وسنتها، وصوم شهر رمضان، وحجّ البيت. وهذا ما لا تعرف كيفيته من الكتاب، ولم تكن تنفذ بقصة موسى وعيسى ونوح وغيرهم من الأنبياء. وكان هذا في صدر الإسلام قبل إكمال الله الدين، فلما نشره الله في كل قطر، وبثّه في آفاق الأرض، وعلم الأكابر الأصاغر، وجمع القرآن بين الدّفّتين-: زال هذا المعنى، واجتمعت الأنباء في كل مصر وعند كل قوم. وأما تكرار الكلام من جنس واحد وبعضه يجزىء عن بعض، كتكراره في: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) [الكافرون: ١] وفي سورة الرحمن بقوله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٣) [الرحمن: ١٣] فقد أعلمتك أنّ القرآن نزل بلسان القوم، وعلى مذاهبهم. ومن مذاهبهم التكرار: إرادة التوكيد والإفهام، كما أن من مذاهبهم الاختصار: إرادة التخفيف والإيجاز، لأن افتتان المتكلم والخطيب في الفنون، وخروجه عن شيء إلى شيء- أحسن من اقتصاره في المقام على فنّ واحد.

стр. 148

وقد يقول القائل في كلامه: والله لا أفعله، ثم والله لا أفعله. إذا أراد التوكيد وحسم الأطماع من أن يفعله. كما يقول: والله أفعله، بإضمار (لا) إذا أراد الاختصار. قال الله : كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) [التكاثر: ٣، ٤] . وقال: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٦) [الشرح: ٥، ٦] . وقال: أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٤) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٥) [القيامة: ٣٤، ٣٥] . وقال: وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٨) [الانفطار: ١٧، ١٨] كلّ هذا يراد به التأكيد للمعنى الذي كرّر به اللفظ. وقد يقول القائل للرجل: اعجل اعجل، وللرامي: ارم ارم. وقال الشاعر «١» : كم نعمة كانت لكم كم كم وكم وقال الآخر «٢» : هلّا سألت جموع كن ... دة يوم ولّوا أين أينا وقال عوف بن الخرع «٣» : وكادت فزارة تصلي بنا ... فأولى فزارة أولى فزارا وربما جاءت الصفة فأرادوا توكيدها، واستوحشوا من إعادتها ثانية لأنها كلمة واحد، فغيّروا منها حرفا، ثم أتبعوها الأولى. كقولهم: (عطشان نطشان) كرهوا أن يقولوا: عطشان عطشان، فأبدلو من العين نونا. وكذلك قولهم: (حسن بسن) كرهوا أن يقولوا: حسن حسن، فأبدلوا من الحاء باء. و (شيطن ليطان) في أشباه له كثيرة.

стр. 149

ولا موضع أولى بالتكرار للتوكيد من السبب الذي أنزلت فيه: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) [الكافرون: ١] لأنهم أرادوه على أن يعبد ما يعبدون، ليعبدوا ما يعبد، وأبدؤوا في ذلك وأعادوا، فأراد الله، ، حسم أطماعهم وإكذاب ظنونهم، فأبدأ وأعاد في الجواب. وهو معنى قوله: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) [القلم: ٩] أي تلين لهم في دينك فيلينون في أديانهم. وفيه وجه آخر، وهو: أن القرآن كان ينزل شيئا بعد شيء وآية بعد آية، حتى لربما نزل الحرفان والثلاثة. قال زيد بن ثابت: كنت أكتب لرسول الله ﷺ : لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله. فجاء عبد الله ابن أمّ مكتوم فقال: يا رسول الله إني أحب الجهاد في سبيل الله، ولكن بي من الضرر ما ترى. قال زيد: فثقلت فخذ رسول الله، ﷺ ، على فخذي حتى خشيت أن ترضّها، ثم قال: اكتب: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النساء: ٩٥] . وروى عبد الرّزاق، عن معمر، عن قتادة، عن الحسن أنه قال في قول الله : وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا [الفرقان: ٣٢] قال: كان ينزل آية وآيتين وآيات، جوابا لهم عما يسألون وردّا على النبي. وكذلك معنى قوله سبحانه: وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا [الإسراء: ١٠٦] شيئا بعد شيء. فكأن المشركين قالوا له: أسلم ببعض آلهتنا حتى نؤمن بإلهك، فأنزل الله: لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٣) [الكافرون: ٢، ٣] . يريد إن لم تؤمنوا حتى أفعل ذلك. ثم غبروا مدّة من المدد وقالوا: تعبد آلهتنا يوما أو شهرا أو حولا، ونعبد إلهك يوما أو شهرا أو حولا، فأنزل الله تعالى: وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (٤) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٥) [الكافرون: ٤، ٥] . على شريطة أن تؤمنوا به في وقت وتشركوا به في وقت. قال أبو محمد: وهذا تمثيل أردت أن أريك به موضع الإمكان. وأما تكرار فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٣) [الرحمن: ١٣] فإنه عدّد في هذه السورة نعماءه، وأذكر عباده آلاءه، ونبههم على قدرته ولطفه بخلفه، ثم أتبع ذكر كل خلّة وصفها بهذه الآية، وجعلها فاصلة بين كل نعمتين، ليفهّمهم النّعم ويقرّرهم بها، وهذا كقولك للرجل أجل أحسنت إليه دهرك وتابعت عنده الأيادي، وهو في ذلك

стр. 150

ينكرك ويكفرك: ألم أبوّئك منزلا وأنت طريد؟ أفتنكر هذا؟ و: ألم أحملك وأنت راجل؟ ألم أحج بك وأنت صرورة؟ أفتنكر هذا؟. ومثل ذلك تكرار فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر: ١٥، ١٧، ٢٢، ٣٢، ٤٠، ٥١] في سورة (اقتربت الساعة) أي: هل من معتبر ومتّعظ؟. وأما تكرار المعنى بلفظين مختلفين، فلإشباع المعنى والاتساع في الألفاظ. وذلك كقول القائل: آمرك بالوفاء، وأنهاك عن الغدر. والأمر بالوفاء هو النّهي عن الغدر. و: آمركم بالتّواصل، وأنهاكم عن التّقاطع. والأمر بالتواصل هو النهي عن التّقاطع. وكقوله سبحانه: فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) [الرحمن: ٦٨] . والنخل والرّمان من الفاكهة، فأفردهما عن الجملة التي أدخلهما فيها، لفضلهما وحسن موقعهما. وقوله سبحانه: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى [البقرة: ٢٣٨] وهي منها، فأفردها بالذّكر ترغيبا فيها، وتشديدا لأمرها، كما تقول: إيتني كل يوم، ويوم الجمعة خاصّة. وقال سبحانه: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ [الزخرف: ٨٠] والنّجوى هو السر. وقد يجوز أن يكون أراد بالسرّ: ما أسرّوه في أنفسهم، وبالنّجوى: ما تسارّوا به. وقال ذو الرّمة «١» : لمياء في شفتيها حوّة لعس ... وفي اللّثات وفي أنيابها شنب واللّعس هو: حوّة، فكرّر لما اختلف اللفظان. ويمكن أن يكون لما ذكر الحوّة، خشي أن يتوهّم السامع سوادا قبيحا، فبيّن أنه لعس، واللعس يستحسن في الشّفاه. وأمّا الزيادة في التوكيد فكقوله سبحانه: يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [آل عمران: ١٦٧] لأن الرجل قد يقول بالمجاز: كلمت فلانا، وإنما كان ذلك كتابا أو إشارة على لسان غيره، فأعلمنا أنهم يقولون بألسنتهم.

стр. 151

وكذلك قوله: يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ [البقرة: ٧٩] لأن الرجل قد يكتب بالمجاز، وغيره الكاتب عنه. ويقول الأمّي: كتبت إليك، وهذا كتابي إليك. وكلّ فعل أمرت به فأنت الفاعل له، وإن وليه غيرك. قال الله : في التابوت: تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ [البقرة: ٢٤٨] . قال ابن عباس ﵁ في رواية أبي صالح عنه: هذا كما تقول: حملت إلى بلد كذا وكذا برّا وقمحا، وإنما تريد أمرت بحمله. فأعلمنا أنهم يكتبونه بأيديهم ويقولون: هو من عند الله. وقد علموا يقينا- إذ كتبوه بأيديهم- أنه ليس من عند الله. وقال تعالى: فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ (٩٣) [الصافات: ٩٣] لأن في اليمين القوة وشدّة البطش، فأخبرنا عن شدة ضربه بها. وقال الشّمّاخ «١» : إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقّاها عرابة باليمين أي أخذها بقوة ونشاط. وقوله سبحانه: وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ [الأنعام: ٣٨] . كما تقول رأي عيني وسمع أذني نفسي التي بين جنبيّ. وقوله: وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: ٤٦] . كما تقول: نفسي التي بين جنبيّ. وقال: فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ [البقرة: ١٩٦] . أراد توكيد ما أوجبه عليه من الصيام بجمع العددين وذكره مجملا، كما قال الشاعر «٢» :

стр. 152

ثلاث واثنتان فهنّ خمس ... وسادسة تميل إلى شمام وقد تزاد (لا) في الكلام والمعنى: طرحها لإباء في الكلام أو جحد. كقول الله : ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ [الأعراف: ١٢] . أي ما منعك أن تسجد. فزاد في الكلام (لا) لأنه لم يسجد. وقوله سبحانه: وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ [الأنعام: ١٠٩] يريد وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون، فزاد (لا) لأنهم لا يؤمنون إذا جاءت. ومن قرأها بكسر إنّ، فإنه يجعل الكلام تاما عند قوله: وَما يُشْعِرُكُمْ ثم يبتدىء فيقول: أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ. وقوله سبحانه: وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ (٩٥) [الأنبياء: ٩٥] . يريد أنهم يرجعون، فزاد (لا) : لأنهم لا يرجعون. وقوله سبحانه: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الحديد: ٢٩] . يريد ليعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون، فزاد (لا) في أول الكلام، لأن في آخر الكلام جحدا. وكذلك قوله أبي النجم «١» : فما ألوم البيض ألا تسخرا أي أن تسخرا، فزاد (لا) في آخر الكلام، للجعد في أوله. وقول العجّاج «٢» :

стр. 153

في بئر لا حور سرى وما شعر فزاده (لا) في أول الكلام، لأن في آخره جحدا. وأما زيادة (لا) في قوله: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (١) وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) [القيامة: ١، ٢] . وقوله: فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) [الانشقاق: ١٦] . و: لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) [البلد: ١]-: فإنها زيدت في الكلام على نية الرّد على المكذبين، كما تقول في الكلام: لا والله ما ذاك كما تقول. لو قلت: والله ما ذاك كما تقول، لكان جائزا، غير أن إدخالك (لا) في الكلام أوّلا، أبلغ في الرّدّ. وكان بعض النحويين يجعلها صلة. ولو جاز هذا لم يكن بين خبر فيه الجحد، وخبر فيه الإقرار- فرق. و (ألا) تزاد في الكلام للتنبيه. كقوله: أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثيابهم [هود: ٥] و: أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ [هود: ٨] . وقال الشاعر «١» : ألا أيّهذا الرّاجزي أحضر الوغى ... وأن أشهد اللّذّات: هل أنت مخلدي أراد أيّها الزاجري أن أحضر الوغى فزاد (ألا) وحذف (أن) . والباء تزاد في الكلام، والمعنى إلقاؤها. كقوله سبحانه: تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ [المؤمنون: ٢٠] . وقوله: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: ١] أي اسم ربك.

стр. 154

وعَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ [الإنسان: ٦] أي يشربها. وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ [مريم: ٢٥] أي هزّي جذع. وقال فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) [القلم: ٥، ٦] أي أيكم المفتون. وقال الأعشى «١» : ضمنت برزق عيالنا أرماحنا وقال الآخر «٢» : نضرب بالسّيف ونرجو بالفرج وقال امرؤ القيس «٣» : هصرت بغصن ذي شماريخ ميّال أي: غصنا.

стр. 155

وقال أمية بن أبي الصّلت «١» : إذ يسفّون بالدقيق وكانوا ... قبل لا يأكلون شيئا فطيرا وقال: تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ [الممتحنة: ١] . وقوله: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ [الحج: ٢٥] . و (من) قد تزاد في الكلام أيضا، كقوله: ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ [الذاريات: ٥٧] أي: ما أريد منهم رزقا. وتقول: ما أتاني من أحد، أي أحد. و (اللام) قد تزاد، كقوله سبحانه: لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ [الأعراف: ١٥٤] . و (الكاف) قد تزاد، كقوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] . و (على) قد تزاد. قال حميد بن ثور «٢» : أبى الله إلا أنّ سرحة مالك ... على كلّ أفنان العضاه تروق أراد: تروق كلّ أفنان. و (عن) تزاد قال تعالى: يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ [النور: ٦٣] . و (إنّ الثقيلة) تزاد كقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠) [الكهف: ٣٠] . وكذلك قوله: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ [الجمعة: ٨] . وقال الشاعر «٣» : إنّ الخليفة إنّ الله سربله ... سربال ملك به ترجى الخواتيم و (إن الخفيفة) تزاد، كقول الشاعر «٤» :

стр. 156

ما إن رأيت ولا سمعت به ... كاليوم هانىء أينق جرب وقال : وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ [الأحقاف: ٢٦] . وقال بعضهم: أراد فيما مكّنّاكم فيه، و (إن) زائدة. وقال بعضهم: هي بمعنى مكّنّاهم فيما لم نمكنكم فيه. و (إذ) قد تزاد، كقوله: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ [البقرة: ٣٠] . وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ [لقمان: ١٣] . أي: وقال. وقال ابن ميّادة «١» : إذ لا يزال قائل: أبن أبن و (ما) قد تزاد، كقوله: قالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ (٤٠) [المؤمنون: ٤٠] وأَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى [الإسراء: ١١٠] . و (واو النّسق) قد تزاد حتى يكون الكلام كأنه لا جواب له، كقوله: حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها [الزمر: ٧٣] . والمعنى: قال لهم خزنتها. وقوله: فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ [يوسف: ١٥] . وقوله سبحانه: فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنادَيْناهُ [الصافات: ١٠٣، ١٠٤] . وكقوله: حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ [الأنبياء: ٩٦، ٩٧] . وقوله: اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ [العنكبوت: ١٢] أي: لنحمل خطاياكم عنكم. قال امرؤ القيس «٢» :

стр. 157

فلما أجزنا ساحة الحيّ وانتحى بنا ... بطن خبت ذي قفاف عقنقل أراد انتحى. وقال آخر «١» : حتّى إذا قملت بطونكم ... ورأيتم أبناءكم شبّوا وقلبتم ظهر المجنّ لنا ... إن اللّئيم العاجز الخبّ أراد: قلبتم. ومما يزاد في الكلام: (الوجه) ، يقول الله : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الأنعام: ٥٢] . أي: يريدونه بالدعاء. وكُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص: ٨٨] أي: إلا هو. وفَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة: ١١٥] أي: فثمّ الله. وإِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ [الإنسان: ٩] . أي: لله. و (الاسم) يزاد، قال: أبو عبيدة: بِسْمِ اللَّهِ إنما هو بالله، وأنشد للبيد «٢» : إلى الحول ثمّ السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر أي: السلام عليكما. وتَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ [الرّحمن: ٧٨] ، أي: تبارك ربّك.

стр. 158

باب الكناية والتّعريض الكناية أنواع، ولها مواضع : فمنها أن تكنى عن اسم الرجل بالأبوّة، لتزيد في الدّلالة عليه إذا أنت راسلته أو كتبت إليه، إذ كانت الأسماء قد تتّفق. أو لتعظّمه في المخاطبة بالكنية، لأنها تدلّ على الحنكة وتخبر عن الاكتهال. وقد ذهب هؤلاء إلى أنّ الكنية كذب ما لم يكن الولد مسمّى بالاسم الذي كني به عن الأب، وتقع للرجل بعد الولادة. وقالوا: إن كانت الكناية للتعظيم فما باله كنى أبا لهب وهو عدوّه، وسمّي محمدا، ﷺ ، وهو وليّه ونبيّه. والجواب عن هذا: أن العرب كانت ربّما جعلت اسم الرجل كنيته، فكانت الكنية هي الاسم. قال أبو محمد: خبّرني غير واحد عن الأصمعي: أن أبا عمرو بن العلاء، وأبا سفيان بن العلاء أسماؤها كناهما. وربما كان للرجل الاسم والكنية، فغلبت الكنية على الاسم، فلم يعرف إلا بها، كأبي سفيان، وأبي طالب، وأبي ذرّ، وأبي هريرة. ولذلك كانوا يكتبون: علي بن أبو طالب ومعاوية بن أبو سفيان، لأن الكنية بكمالها صارت اسما، وحظّ كلّ حرف الرفع ما لم ينصبه أو يجرّه حرف من الأدوات أو الأفعال. فكأنه حين كنّي قيل: أبو طالب، ثم ترك ذلك كهيئته، وجعل الاسمان واحدا. وقد روي في الحديث أن اسم أبي لهب عبد العزّى، فإن كان هذا صحيحا فكيف يذكره رسول الله بهذا الاسم، وفيه معنى الشرك والكذب، لأن الناس جميعا عبيد الله؟. وقال المفسرون في قول الله : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ

стр. 159

وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) [الأعراف: ١٨٩]-: إن حوّاء لما أثقلت أتاها إبليس في صورة رجل فقال لها: ما هذا الذي في بطنك؟ وذلك أول حملها، فقالت: ما أدري، فقال لها: أرأيت إن دعوت ربي فولدته إنسانا أتسمّينه بي؟ فقالت: نعم. وقالت هي وآدم: لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ أي: لئن خلقته بشرا مثلنا ولم تجعله بهيمة. فلما ولدته أتاها إبليس ليسألها الوفاء، فقالت: ما اسمك؟ قال: الحارث، فتسمى بغير اسمه، ولو تسمى باسمه لعرفته، فسمته عبد الحارث، فعاش أياما ثم مات، فقال الله تعالى: فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما [الأعراف: ١٩٠] ، وإنما جعلا له الشرك بالتسمية لا بالنية والعقد، وانتهى الكلام في قصة آدم وحواء، ثم ذكر من أشرك به بالعقد والنّية من ذرّيتهما، فقال: فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [الأعراف: ١٩٠] ولو كان أراد آدم وحواء لقال: عما يشركان. فهذا يدلّك على العموم. وإن كان اسم أبي لهب كنيته فإنما ذكره بما لا يعرف إلا به، والاسم والكنية علمان يميّزان بين الأعيان والأشخاص، ولا يقعان لعلة في المسمى كما تقع الأوصاف، فبأيّ شيء عرف الرجل، جاز أن تذكره به غير أن تكذب في ذلك. ولو كان من دعا أبا القاسم بأبي القاسم ولا قاسم له، كان كاذبا- لكان من دعا المسمى بكلب وقرد وغراب وذباب- كاذبا، لأنه ليس كما ذكر. وقد طعنت الشّعوبية على العرب بأمثال هذه الأسماء، ونسبوهم إلى سوء الاختيار، وجهلوا معانيهم فيها. وكان القوم يتفاءلون ويتطيّرون، فمن تسمى منهم بالأسماء الحسنى أراد أن يكثر له الفأل بالحسن، ومن تسمّى بقبيح الأسماء أراد صرف الشرّ عن نفسه. وذلك أن العرب كانت إذا خرجت للمغار قالوا: إلى من تقصد؟ فتطيروا من كلب وجعل وقرد ونمر وأسد، وقالوا: ميلوا بنا إلى بني سعد وإلى غنم وما أشبه ذلك. ومن الكناية قول الله : يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا (٢٨) [الفرقان: ٢٨] . ذهب هؤلاء وفريق من المتسمّين بالمسلمين إلى أنه رجل بعينه. وقالوا: لم كنى عنه؟ وإنما يكني هذه الكناية من يخاف المباداة، ويحتاج إلى المداجاة.

стр. 160

وقال آخرون: بل كان هذا الرجل مسمّى في هذا الموضع، فغيّر وكني عنه. وذهبوا إلى أنه عمر، وتأوّلوا الآية فقالوا: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ [الفرقان: ٢٧] يعني أبا بكر ﵁. يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا [الفرقان: ٢٧] يعني محمدا ﷺ . يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا (٢٨) يعني عمر ﵁. لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي [الفرقان: ٢٩] يعني عليا. قال أبو محمد: ونقول في الرد على (أولئك) إذ كان غلطهم من وجهة قد يغلظ في مثلها من رق علمه. فأما هؤلاء ففي قولهم ما أنبأ عن نفسه، ودلّ على جهل متأوّله كيف يكون عليّ رحمة الله عليه، ذكرا؟. وهل قال أحد: إن أبا بكر لم يسلم، ولم يتخذ بإسلامه مع الرسول سبيلا؟. وليس هذا التفسير بنكر من تفسيرهم وما يدّعونه من علم الباطن كادّعائهم في الجبت والطّاغوت أنهما رجلان. وأن الخمر والميسر رجلان آخران. وأن العنكبوت غير العنكبوت والنحل غير النحل. في أشباه كثيرة من سخفهم وجهالاتهم. وقال ابن عباس في تفسير هذه الآية: إنّ عقبة بن أبي معيط صنع طعاما ودعا أشراف أهل مكة، فكان رسول الله، ﷺ فيهم، فامتنع من أن يطعم أو يشهد عقبة بشهادة الحقّ، ففعل ذلك، فأتاه أبيّ بن خلف، وكان خليله، فقال: صبأت؟ فقال: لا ولكن دخل عليّ رجل من قريش فاستحييت من أن يخرج من منزلي ولم يطعم. فقال: ما كنت لأرضى حتى تبصق في وجهه وتفعل به وتفعل، ففعل ذلك، فأنزل الله هذه الآية عامة، وهذان الرجلان سبب نزولها. كما أنه قد كانت الآية، والآي، تنزل في القصة تقع: وهي لجماعة الناس. والمفسرون على أن هذه الآية نزلت في هذين الرجلين، وإنما يختلفون في ألفاظ القصة. فأراد الله سبحانه ب الظالم كل ظالم في العالم، وأراد بفلان كل من أطيع بمعصية

стр. 161

الله وأرضي بإسخاط الله. ولو نزلت هذه الآية على تقديرهم فقال: ويوم يعضّ الظالم- قارون وهامان، وعقبة بن أبي معيط، وأبيّ بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والمغيرة، وفلان وفلان، بالأسماء- على أيديهم يقولون: يا ليتنا لم نتخذ فرعون، ونمرود، وعقبة بن أبي معيط، وأبا جهل، والأسود، وفلانا، وفلانا بالأسماء- لطال هذا وكثر وثقل، ولم يدخل فيه من تأخّر بعد نزول القرآن من هذا الصّنف، وخرج عن مذاهب العرب، بل عن مذاهب الناس جميعا في كلامهم. فكان (فلان) كناية عن جماعة هذه الأسماء. وقد يقول القائل: ما جاءك إلا فلان بن فلان، يريد أشراف الناس المعروفين، والشاعر يقول «١» : في لجّة أمسك فلانا عن فل يريد: أمسك فلانا عن فلان، ولم يرد رجلين بأعيانهما، وإنما أراد أنهم في غمرة الشّر وضحجّته، فالحجزة تقول لهذا: أمسك، ولهذ: كفّ. والظالم دليل على جماعة الظالمين كقوله: يَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً [النبأ: ٤٠] يريد جماعة الكافرين. ومن هذا الباب (التعريض) . والعرب تستعمله في كلامها كثيرا، فتبلغ إرادتها بوجه هو ألطف وأحسن من الكشف والتصريح، ويعيبون الرجل إذا كان يكاشف في كل شيء ويقولون «٢» :

стр. 162

لا يحسن التّعريض إلّا ثلبا وقد جعله الله في خطبة النساء في عدّتهنّ جائزا فقال: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ [البقرة: ٢٣٥] ولم يجز التصريح. والتعريض في الخطبة: أن يقول الرجل للمرأة: والله إنك لجميلة، ولعل الله أن يرزقك بعلا صالحا، وإن النساء لمن حاجتني، هذا وأشباهه من الكلام. وروى بعض أصحاب اللغة أن قوما من الأعراب خرجوا يمتارون فلما صدروا خالف رجل في بعض الليل إلى عكم «١» صاحبه فأخذ منه برّا وجعله في عكمه، فلما أراد الرحلة قاما يتعاكمان فرأى عكمه يشول وعكم صاحبه يثقل، فأنشأ يقول «٢» : عكم تغشّى بعض أعكام القوم ... لم أر عكما سارقا قبل اليوم فخوّن صاحبه بوجه هو ألطف من التصريح. وروي في بعض الحديث: أن رجلا كتب إلى عمر بن الخطاب ﵁، من مغزّى كان فيه «٣» : ألا أبلغ أبا حفص رسولا ... فدىّ لك- من أخي ثقة- إزاري قلائصنا هداك الله إنا ... شغلنا عنكم زمن الحصار فما قلص وجدن معقّلات ... قفا سلع بمختلف النّجار يعقّلهنّ جعد شيظميّ ... وبئس معقّل الذّود الظّؤار

стр. 163

قال أبو محمد: وقد ذكرت الحديث والتفسير وطريقه في كتاب (غريب الحديث) . وإنما كنى بالقلص- وهي: النّوق الشّوابّ- عن النساء وعرّض برجل يقال له: جعدة كان يخالف إلى المغيّبات من النساء، ففهم عمر، ﵁ ما أراد، وجلد جعدة ونفاه. وقال عنترة «١» : يا شاة ما قنص لمن حلّت له ... حرمت عليّ وليتها لم تحرم يعرّض بجارية، يقول: أيّ صيد أنت لمن حلّ له أن يصيدك، فأمّا أنا فإنّ حرمة الجوار قد حرّمتك عليّ. وقد جاء في القرآن التعريض: فمن ذلك ما خبّر الله سبحانه من نبإ الخصم إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ [ص: ٢٢] . ثم قال: إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ (٢٣) [ص: ٢٣] . إنما هو مثل ضربه الله سبحانه له، ونبهه على خطيئته به. وورّى عن النساء بذكر النّعاج، كما كنى الشاعر عن جارية بشاة، وكنى الآخر عن النساء بالقلص. وروى المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قول الله سبحانه، حكاية عن موسى ﷺ : لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ [الكهف: ٧٣] : لم ينس ولكنها من معاريض الكلام. أراد ابن عباس أنه لم يقل: إني نسيت فيكون كاذبا، ولكنه قال: لا تؤاخذني بما نسيت، فأوهمه النسيان، ولم ينس ولم يكذب. ولهذا قيل: إن في المعاريض عن الكذب لمندوحة «٢» .

стр. 164

ومنه قول إبراهيم ﷺ : إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩] أي سأسقم، لأن من كتب عليه الموت، فلا بد من أن يسقم. ومنه قوله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) [الزمر: ٣٠] أي: ستموت ويموتون. فأوهمهم إبراهيم بمعاريض الكلام أنه سقيم عليل، ولم يكن عليلا سقيما، ولا كاذبا. وكذلك ما روي في الحديث من قوله حين خاف على نفسه وامرأته: (إنها أختي) لأن بني آدم يرجعون إلى أبوين، فهم إخوة، ولأن المؤمنين إخوة، قال الله : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: ١٠] . وكذلك قوله: قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) [الأنبياء: ٦٣] . أراد: بل فعله الكبير، إن كانوا ينطقون فسلوهم، فجعل النطق شرطا للفعل، أي إن كانوا ينطقون فقد فعله، وهو لا يعقل ولا ينطق. وقد روي عن النبي، ﷺ : (إنّ إبراهيم كذب ثلاث كذبات ما منها واحدة إلا وهو يماحل بها عن الإسلام) «١» . فسمّاها كذبات، لأنها شاكهت «٢» الكذب وضارعته. ولذلك قال بعض أهل السلف لابنه: (يا بني لا تكذبن ولا تشبّهن بالكذب) . فنهاه عن المعاريض، لئلا يجري على اعتيادها، فيتجاوزها إلى الكذب، وأحبّ أن يكون حاجزا من الحلال بينه وبين الحرام. ومن هذا الباب قول الله : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [سبأ: ٢٤] . والمعنى: إنّا لضالّون أو مهتدون، وإنكم أيضا لضالون، أو

стр. 165

مهتدون، وهو جل وعز يعلم أن رسوله المهتدي وأن مخالفه الضالّ، وهذا كما تقول للرّجل يكذبك ويخالفك: إنّ أحدنا لكاذب. وأنت تعنيه، فكذّبته من وجه هو أحسن من التصريح، كذلك قال الفرّاء. وأما قوله سبحانه: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ [يونس: ٩٤] ففيه تأويلان: أحدهما: أن تكون المخاطبة لرسول الله، ﷺ ، والمراد غيره من الشّكّاك، لأنّ القرآن نزل عليه بمذاهب العرب كلهم، وهم قد يخاطبون الرّجل بالشيء ويريدون غيره، ولذلك يقول متمثّلهم: «إيّاك أعني واسمعي يا جارة» «١» . ومثله قوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (١) [الأحزاب: ١] . الخطاب للنبي، ﷺ ، والمراد بالوصية والعظة المؤمنون، يدلك على ذلك أنه قال: وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٢) [الأحزاب: ٢] . ولم يقل بما تعمل خبيرا. ومثل هذه الآية قوله: وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥) [الزخرف: ٤٥] ، أي سل من أرسلنا إليه من قبلك رسلا من رسلنا، يعني أهل الكتاب، فالخطاب للنبي ﷺ والمراد المشركون. ومثل هذا قول الكميت في مدح رسول الله، ﷺ «٢» : إلى السّراج المنير أحمد لا ... يعدلني رغبة ولا رهب عنه إلى غيره ولو رفع النّ ... اس إليّ العيون وارتقبوا وقيل: أفرطت، بل قصدت ولو ... عنّفني القائلون أو ثلبوا لجّ بتفضيلك اللّسان ولو ... أكثر فيك اللّجاج واللّجب أنت المصفّى المحض المهذّب في النّس ... بة إن نصّ قومك النّسب

стр. 166

فالخطاب للنبي ﷺ ، والمراد أهل بيته، فورّى عن ذكرهم به، وأراد بالعائبين واللائمين بني أمية. وليس يجوز أن يكون هذا للنبي، ﷺ ، لأنه ليس أحد من المسلمين يسوءه مدح رسول الله ﷺ ، ولا يعنّف قائلا عليه، ومن ذا يساوى به، ويفضّل عليه، حتى يكثر في مدحه الضّجاج واللّجب؟. وإن الشعراء ليمدحون الرجل من أوساط الناس فيفرطون ويفرّطون فيغلون وما يرفع الناس إليهم العيون ولا يرتقبون، فكيف يلام هذا على الاقتصاد في مدح من الإفراط في مدحه غير تفريط، ولكنه أراد أهل بيته. والتأويل الآخر: أن الناس كانوا في عصر النبي ﷺ أصنافا: منهم كافر به مكذّب، لا يرى إلا أن ما جاء به الباطل. وآخر: مؤمن به مصدّق يعلم أن ما جاء به الحق. وشاك في الأمر لا يدري كيف هو، فهو يقدّم رجلا ويؤخّر أخرى. فخاطب الله سبحانه هذا الصّنف من الناس فقال: فإن كنت أيها الإنسان في شك مما أنزلنا إليك من الهدى على لسان محمد ﷺ فسل الأكابر من أهل الكتاب والعلماء الذين يقرؤون الكتاب من قبلك، مثل: عبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، وتميم الدّاري وأشباههم، ولم يرد المعاندين منهم فيشهدون على صدقه، ويخبرونك بنبوّته، وما قدّمه الله في الكتب من ذكره فقال: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ [الزمر: ٢] ، وهو يريد غير النبي، ﷺ . كما قال في موضع آخر: لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ [الأنبياء: ١٠] . وحّد وهو يريد الجمع، كما قال: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) [الانفطار: ٦] . ويا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ (٦) [الانشقاق: ٦] . وقال: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ [الزمر: ٨] . ولم يرد في جميع هذا إنسانا بعينه، إنما هو لجماعة الناس. ومثله قول الشاعر «١» :

стр. 167

إذا كنت متّخذا صاحبا ... فلا تصحبنّ فتى دارميّا لم يرد بالخطاب رجلا بعينه، إنما أراد: من كان متّخذا صاحبا فلا يجعله من دارم. وهذا، وإن كان جائزا حسنا، فإنّ المذهب الأول أعجب إليّ، لأنّ الكلام اتصل حتى قال: أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [يونس: ٩٩] . وهذا لا يجوز أن يكون إلّا لرسول الله، ﷺ .

стр. 168

باب مخالفة ظاهر اللفظ معناه من ذلك الدعاء على جهة الذم لا يراد به الوقوع: كقول الله : قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) [الذاريات: ١٠] ، وقُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (١٧) [عبس: ١٧] ، وقاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [التوبة: ٣٠] وأشباه ذلك. ومنه قول رسول الله ﷺ ، للمرأة: «عقرى حلقى» «١» ، أي عقرها الله، وأصابها بوجع في حلقها. وقد يراد بهذا أيضا التعجب من إصابة الرجل في منطقه، أو في شعره، أو رميه، فيقال: قاتله الله ما أحسن ما قال، وأخزاه الله ما أشعره، ولله درّه ما أحسن ما احتج به. ومن هذا قول امرئ القيس في وصف رام أصاب «٢» : فهو لا تنمي رميّته ... ما له لا عدّ من نفره يقول: إذا عدّ نفره- أي قومه- لم يعدّ معهم، كأنه قال: قاتله الله، أماته الله. وكذلك قولهم: هوت أمّه، وهبلته، وثكلته. قال كعب بن سعد الغنوي «٣» : هوت أمّه ما يبعث الصّبح غاديا ... وماذا يؤدّي اللّيل حين يؤوب

стр. 169

ومن ذلك الجزاء عن الفعل بمثل لفظه والمعنيان مختلفان: نحو قول الله تعالى: إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [البقرة: ١٤، ١٥] ، أي يجازيهم جزاء الاستهزاء. وكذلك: سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ [التوبة: ٧٩] ، وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ [آل عمران: ٥٤] ، وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشورى: ٤٠] ، هي من المبتدئ سيئة، ومن الله، جل وعز، جزاء. وقوله: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ [البقرة: ١٩٤] : فالعدوان الأول: ظلم، والثاني: جزاء، والجزاء لا يكون ظلما، وإن كان لفظه كلفظ الأول. ومنه (قول النبي) ﷺ : «اللهم إنّ فلانا هجاني، وهو يعلم أني لست بشاعر، اللهم والعنه عدد ما هجاني، أو مكان ما هجاني» «١» ، أي جازه جزاء الهجاء. وكذلك قوله: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة: ٦٧] . ومنه أن يأتي الكلام على مذهب الاستفهام وهو تقرير: كقوله سبحانه: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [المائدة: ١١٦] ، وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (١٧) [طه: ١٧] ، وماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [القصص: ٦٥] ، قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ [الأنبياء: ٤٢] . ومنه أن يأتي على مذهب الاستفهام وهو تعجب: كقوله: عَمَّ يَتَساءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) [النبأ: ١، ٢] ، كأنه قال: عمّ يتساءلون يا محمد؟ ثم قال: عن النبأ العظيم يتساءلون. وقوله: لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) [المرسلات: ١٢] على التعجب، ثم قال: لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) [المرسلات: ١٣] أجّلت.

стр. 170

وأن يأتي على مذهب الاستفهام وهو توبيخ: كقوله: أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ (١٦٥) [الشعراء: ١٦٥] . ومنه أن يأتي الكلام على لفظ الأمر وهو تهديد: كقوله: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ [فصلت: ٤٠] . وأن يأتي على لفظ الأمر وهو تأديب: كقوله: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق: ٢] ، وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ [النساء: ٣٤] . وعلى لفظ الأمر وهو إباحة: كقوله: فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً [النور: ٣٣] ، فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ [الجمعة: ١٠] . وعلى لفظ الأمر وهو فرض: كقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ [البقرة: ٢٨٢] ، وأَقِيمُوا الصَّلاةَ [الأنعام: ٧٢] ، ووَ آتُوا الزَّكاةَ [البقرة: ٤٣] . ومنه عام يراد به خاص: كقوله سبحانه حكاية عن النبي، ﷺ : وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام: ١٦٣] ، وحكاية عن موسى: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ [الأعراف: ١٤٣] ولم يرد كل المسلمين والمؤمنين، لأن الأنبياء قبلهما كانوا مؤمنين ومسلمين، وإنما أراد مؤمني زمانه ومسلميه. وكقوله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٣) [آل عمران: ٣٣] ، ولم يصطفهم على، محمد ﷺ ، ولا أممهم على أمّته، ألا تراه يقول: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران: ١١٠] ، وإنما أراد عالمي أزمنتهم. وكقوله سبحانه: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا [الحجرات: ١٤] ، وإنما قاله فريق من الأعراب. وقوله: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤) [الشعراء: ٢٢٤] ولم يرد كل الشعراء. ومنه قوله سبحانه: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ [آل عمران: ١٧٣] ، وإنما قاله نعيم بن مسعود لأصحاب محمد، ﷺ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ، يعني: أبا سفيان، وعيينة بن حصن، ومالك بن عوف.

стр. 171

وقوله: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) [الذاريات: ٥٦] ، يريد المؤمنين منهم. يدلك على ذلك قوله في موضع آخر: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [الأعراف: ١٧٩] ، أي خلقنا. وقوله: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً [المؤمنون: ٥١] ، يريد النبي، ﷺ ، وحده. ومنه جمع يراد به واحد واثنان: كقوله: وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النور: ٢] : واحد واثنان فما فوق. وقال قتادة في قوله تعالى: إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ [التوبة: ٦٦]-: كان رجل من القوم لا يمالئهم على أقاويلهم في النبي ﷺ ، ويسير مجانبا لهم، فسماه الله طائفة وهو واحد. وكان «قتادة» يقول في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ [الحجرات: ٤] : هو رجل واحد ناداه: يا محمد، إنّ مدحي زين، وإنّ شتمي شين. فخرج إليه النبي، ﷺ فقال: «ويلك، ذاك الله جل وعز» ونزلت الآية «١» . وقوله سبحانه: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ [النساء: ١١] ، أي أخوان فصاعدا. قوله سبحانه: وَأَلْقَى الْأَلْواحَ [الأعراف: ١٥٠] ، جاء في التفسير: أنهما لوحان. وقوله: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [التحريم: ٤] ، وهما قلبان. وقوله: أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ [النور: ٢٦] ، يعني عائشة وصفوان بن المعطّل. وقال: بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ [النمل: ٣٥] ، وهو واحد، يدلك على ذلك قوله: ارْجِعْ إِلَيْهِمْ [النمل: ٣٧] . ومنه واحد يراد به جميع: كقوله: هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ [الحجر: ٦٨] ، وقوله: نَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ [الشعراء: ١٦] . وقوله: نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا [الحج: ٥] .

стр. 172

وقوله: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [البقرة: ٢٨٥] والتفريق لا يكون إلا بين اثنين فصاعدا. وقوله: فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (٤٧) [الحاقة: ٤٧] . والعرب تقول: فلان كثير الدرهم والدينار، يريدون الدراهم والدنانير. وقال الشاعر «١» : هم المولى وإن جنفوا علينا ... وإنّا من لقائهم لزور وقال الله : هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ [المنافقون: ٤] ، أي الأعداء، وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً [النساء: ٦٩] ، أي رفقاء. وقال الشاعر «٢» : فقلنا: أسلموا إنّا أخوكم ... وقد برئت من الإحن الصّدور ومنه أن تصف الجميع صفة الواحد: نحو قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا [المائدة: ٦] . وقوله: وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ [التحريم: ٤] . وتقول: قوم عدل. قال زهير «٣» : من يشتجر قوم يقل سرواتهم: ... هم بيننا فهم رضا وهم عدل وقال الشاعر «٤» :

стр. 173

إنّ العواذل ليس لي بأمير وقال آخر «١» : المال هدي والنّساء طوالق ومنه أن يوصف الواحد بالجمع: نحو قولهم: برمة أعشار وثوب أهدام وأسمال، ونعل أسماط، أي غير مطبقة. قال الشاعر «٢» : جاء الشّتاء وقميصي أخلاق ومنه أن يجتمع شيئان ولأحدهما فعل فيجعل الفعل لهما: كقوله سبحانه: فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما [الكهف: ٦١] . روي في التفسير: أن النّاسي كان يوشع بن نون ويدلّك قوله لموسى، ﷺ : فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ [الكهف: ٦٣] . وقوله: امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ [الأنعام: ١٣٠] والرسل من الإنس دون الجن. وقوله: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (١٩) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (٢٠) [الرحمن: ١٩، ٢٠] ثم قال: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (٢٢) [الرحمن: ٢٢] . واللؤلؤ والمرجان إنما يخرجان من الماء الملح لا من العذب. وكذلك قوله: وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها [فاطر: ١٢] . وقد غلط في هذا المعنى أبو ذؤيب الهذليّ ولا أدري أمن جهة هذه الآيات غلط

стр. 174

أم من غيرها؟ قال يذكر الدّرّة «١» : فجاء بها ما شئت من لطميّة ... يدوم الفرات فوقها ويموج والفرات لا يدوم فوقها وإنما يدوم الأجاج. ومنه أن يجتمع شيئان فيجعل الفعل لأحدهما، أو تنسبه إلى أحدهما وهو لهما: كقوله: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها [الجمعة: ١١] . وقوله: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [التوبة: ٦٢] . وقوله: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ (٤٥) [البقرة: ٤٥] . وقال: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ [ق: ١٧] أراد: عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد. وقال الشاعر «٢» : إنّ شرخ الشّباب والشّعر ... الأسود ما لم يعاص كان جنونا وقال آخر «٣» :

стр. 175

نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف ومنه أن تخاطب الشاهد بشيء ثم تجعل الخطاب له على لفظ الغائب: كقوله : حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها [يونس: ٢٢] . وقوله: وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩) [الروم: ٣٩] . وقوله: وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: ٧] ثم قال: أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ [الحجرات: ٧] . قال الشاعر «١» : يا دار ميّة بالعلياء فالسّند ... أقوت وطال عليها سالف الأبد وكذلك أيضا تجعل خطاب الغائب للشاهد: كقول الهذليّ «٢» : يا ويح نفسي كان جدّة خالد ... وبياض وجهك للتّراب الأعفر ومنه أن يخاطب الرجل بشيء ثم يجعل الخطاب لغيره: كقوله: فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ [هود: ١٤] ، الخطاب للنبي، ﷺ ، ثم قال للكفار: فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [هود: ١٤] يدلك على ذلك قوله:

стр. 176

فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [هود: ١٤] . وقال: فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى؟ [طه: ٤٩] . وقال: فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى [طه: ١١٧] . وقال: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٨) [الفتح: ٨] ، ثم قال: لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ [الفتح: ٩] . وقال: إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ [النجم: ٣٢] ، يريد أباكم آدم، ﷺ . ومنه أن تأمر الواحد والاثنين والثلاثة فما فوق أمرك الاثنين: فتقول: افعلا. قال الله تعالى: أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) [ق: ٢٤] ، والخطاب لخزنة جهنم، أو زبانيتها. قال الفراء: والعرب تقول: ويلك ارحلاها وازجراها، وأنشد لبعضهم «١» : فقلت لصاحبي لا تحبسانا ... بنزع أصوله واجتزّ شيحا قال الشاعر «٢» : فإن تزجراني يا ابن عفّان أنزجر ... وإن تدعاني أحم عرضا ممنّعا قال الفراء: ونرى أصل ذلك أنّ الرّفقة أدنى ما تكون: ثلاثة نفر، فجرى كلام الواحد على صاحبيه، ألا ترى أنّ الشعراء أكثر شيء قيلا: يا صاحبيّ، ويا خليليّ. وقال غير الفراء: قال النبي، ﷺ : «الواحد شيطان والاثنان شيطانان، والثلاثة ركب» «٣» .

стр. 177

وتوعّد معاوية روح بن زنباع فاعتذر روح فقال معاوية خلّيا عنه «١» : إذا الله سنّى عقد شيء تيسّرا وقوله: سنّى: أي فتح. قالوا: وأدنى ما يكون الآمر والنّاهي بين الأعوان اثنان، فجرى كلامهم على ذلك، ووكّل الله، ، بكل عبد ملكين، وأمر في الشهادة بشاهدين. ومنه أن يخاطب الواحد بلفظ الجميع: كقوله سبحانه: قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ [المؤمنون: ٩٩] ، وأكثر من يخاطب بهذا الملوك، لأنّ من مذاهبهم أن يقولوا: نحن فعلنا. بقوله الواحد منهم يعني نفسه، فخوطبوا بمثل ألفاظهم. يقول الله : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [يوسف: ٣] ، وإِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (٤٩) [القمر: ٤٩] . ومن هذا قوله : عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ [يونس: ٨٣] ، وقوله: فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ [هود: ١٤] ، وقوله: فَأْتُوا بِآبائِنا [الدخان: ٣٦] . ومنه أن يتصل الكلام بما قبله حتى يكون كأنه قول واحد وهو قولان: نحو قوله: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً، ثم قال: وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ [النمل: ٣٤] ، وليس هذا من قولها، وانقطع الكلام عند قوله: أَذِلَّةً، ثم قال الله تعالى: وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ. وقوله: الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ [يوسف: ٥١] ، هذا قول المرأة، ثم قال يوسف: ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ [يوسف: ٥٢] ، أي ليعلم الملك أني لم أخن العزيز بالغيب. وقوله: يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا، وانقطع الكلام، ثم قالت الملائكة: هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ [يس: ٥٢] .

стр. 178

قوله حكاية عن ملأ فرعون: يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ، هذا قول الملأ، ثم قال فرعون: فَماذا تَأْمُرُونَ [الأعراف: ١١٠] . ومنه أن يأتي الفعل على بنية الماضي وهو دائم، أو مستقبل: كقوله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران: ١١٠] ، أي أنتم خير أمّة. وقوله: وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [المائدة: ١١٦] ، أي وإذ يقول الله يوم القيامة. يدلك على ذلك قوله سبحانه: هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ [المائدة: ١١٩] . وقوله: أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل: ١] ، يريد يوم القيامة. أي سيأتي قريبا فلا تستعجلوه. وقوله: قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا [مريم: ٢٩] ، أي من هو صبيّ في المهد. وكذلك قوله: وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً [النساء: ١٣٤] ، وكذلك قوله: وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً [الأحزاب: ٢٧] . إنما هو: الله سميع بصير، والله على كل شيء قدير. وقوله: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ [فاطر: ٩] ، أي فنسوقه. في أشباه لهذا كثيرة في القرآن. ومنه أن يجيء المفعول به على لفظ الفاعل: كقوله سبحانه: لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ [هود: ٤٣] ، أي لا معصوم من أمره. وقوله: خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) [الطارق: ٦] ، أي مدفوق. وقوله: فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ [الحاقة: ٢١] ، أي مرضيّ بها. وقوله: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً [العنكبوت: ٦٧] ، أي مأمونا فيه. وقوله: وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً [الإسراء: ١٢] ، أي مبصرا بها. والعرب تقول: ليل نائم، وسرّ كاتم، قال وعلة الجرميّ «١» :

стр. 179

ولما رأيت الخيل تترى أثايجا ... علمت بأنّ اليوم أحمس فاجر أي يوم صعب مفجور فيه. وأن يأتي فعيل بمعنى مفعل: نحو قوله: بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [البقرة: ١١٧] ، أي مبدعها. وكذلك: عَذابٌ أَلِيمٌ [البقرة: ١٠] ، أي مؤلم. وقال عمرو بن معديكرب «١» : أمن ريحانة الدّاعي السميع ... يؤرّقني وأصحابي هجوع؟ يريد الداعي المسمع. وفعيل، يراد به فاعل: نحو: حفيظ، وقدير، وسميع، وبصير، وعليم، ومجيد، وبديء الخلق، أي بادئه، من قولك: بدأ الله الخلق. وبصير في هذا المعنى من بصر، وإن لم يستعمل منه فاعل إلا في موضع واحد، وهو قولهم: أريته لمحا باصرا. أي نظرا شديدا باستقصاء وتحديق. ومنه أن يأتي الفاعل على لفظ المفعول به، وهو قليل: كقوله: إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا [مريم: ٦١] ، أي آتيا.

стр. 180

باب تأويل الحروف التي ادّعى على القرآن بها الاستحالة وفساد النظم من ذلك (الحروف المقطّعة) . قد اختلف المفسرون في الحروف المقطّعة: فكان بعضهم يجعلها أسماء للسور، تعرف كل سورة بما افتتحت به منها. وكان بعضهم يجعلها أقساما. وكان (بعضهم) يجعلها حروفا مأخوذة من صفات الله تعالى، يجتمع بها في المفتتح الواحد صفات كثيرة، كقول ابن عباس: في كهيعص (١) [مريم: ١] : إنّ (الكاف) من كاف، و (الهاء) من هاد، و (الياء) من حكيم، و (العين) من عليم، و (الصاد) من صادق. وقال الكلبيّ «١» هو: كتاب كاف، هاد، حكيم، عالم، صادق. ولكل مذهب من هذه المذاهب وجه حسن، ونرجو ألا يكون ما أريد بالحروف خارجا منها، إن شاء الله. فإن كانت أسماء للسور، فهي أعلام تدل على ما تدل عليه الأسماء من أعيان الأشياء وتفرق بينها. فإذا قال القائل: قرأت المص أو قرأت ص أو ن- دلّ بذاك على ما قرأ، كما تقول: لقيت محمدا وكلمت عبد الله، فهي تدل بالاسمين على
следующие страницы →