تبدوا كواكبه والشمس طالعة ... لا النّور نور ولا الإظلام إظلام
ونحوه قول طرفة في وصف امرأة «١» :
إن تنوّله فقد تمنعه ... وتريه النّجم يجري بالظّهر
يقول: تشقّ عليه حتى يظلم نهاره فيرى الكواكب ظهرا.
والعامة تقول: أراني فلانّ الكواكب بالنّهار، إذا برّح به.
وقال الأعشى «٢» :
رجعت لما رمت مستحسرا ... ترى للكواكب ظهرا وبيصا
أي: رجعت كئيبا حسيرا، قد أظلم عليك نهارك، فأنت ترى الكواكب تعالي النّهار بريقا.
وقد اختلف الناس في قول الله : فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ [الدخان: ٢٩] .
فذهب به قوم مذاهب العرب في قولهم: بكته الريح والبرق. كأنه يريد أنّ الله حين أهلك فرعون وقومه وغرّقهم وأورث منازلهم وجنّاتهم غيرهم- لم يبك عليهم باك، ولم يجزع جازع، ولم يوجد لهم فقد.
وقال آخرون: أراد: فما بكى عليهم أهل السماء ولا أهل الأرض. فأقام السماء والأرض مقام أهلهما، كما قال تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] ، أراد أهل القرية.
وقال: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها [محمد: ٤] ، أي يضع أهل الحرب السّلاح.
وقال ابن عباس: لكل مؤمن باب في السماء يصعد فيه عمله، وينزل منه رزقه، فإذا مات بكى عليه الباب، وبكت عليه آثاره في الأرض ومصلّاه. والكافر لا يصعد له عمل، ولا يبكي له باب في السماء ولا أثره في الأرض.
ومن هذا الباب قول الله : وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ [القلم: ٥١] يريد أنهم ينظرون إليك بالعداوة نظرا شديدا يكاد يزلقك من شدّته، أي يسقطك.
стр. 107
ومثله قول الشاعر «١» :
يتقارضون إذا التقوا في موطن ... نظرا يزيل مواطىء الأقدام
أي ينظر بعضهم إلى بعض نظرا شديدا بالعداوة والبغضاء، يزيل الأقدام عن مواطئها.
فتفهّم قول الله : وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ أي يقاربون أن يفعلوا ذلك، ولم يفعلوا. وتفهّم قول الشاعر: (نظرا يزيل) ولم يقل: يكاد يزيل، لأنه نواها في نفسه.
وكذلك قول الله : تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠) [مريم: ٩٠] إعظاما لقولهم.
وقوله جل وعز: وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ [إبراهيم: ٤٦] .
إكبارا لمكرهم. وقرأها بعضهم: وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ [إبراهيم: ٤٦] .
وأكثر ما في القرآن من مثل هذا فإنه يأتي بكاد، فما لم يأت بكاد ففيه إضمارها، كقوله: وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ [الأحزاب: ١٠] ، وأي كادت من شدّة الخوف تبلغ الحلوق:.
وقد يجوز أن يكون أراد: أنها ترجف من شدّة الفزع وتجف ويتصل وجيفها «٢» بالحلوق، فكأنها بلغت الحلوق بالوجيب. وهم يصفون القلوب بالخفقان، والنّزو عند المخافة والذّعر.
قال الشاعر في وصف مفازة تنزو من مخافتها قلوب الأدلّاء «٣» :
كأنّ قلوب أدلّائها ... معلّقة بقرون الظّباء
وهذا مثل قوله امرئ القيس «٤» :
стр. 108
ولا مثل يوم في قدار ظللته ... كأنّي وأصحابي على قرن أعفرا
أي كأنّا من القلق على قرن ظبي، فنحن لا نستقر ولا نسكن.
وكان بعض أهل اللغة يأخذ على الشعراء أشياء من هذا الفنّ، وينسبها فيه إلى الإفراط وتجاوز المقدار. وما أرى ذلك إلا جائزا حسنا على ما بيّنّاه من مذاهبهم..
كقول النابغة في وصف سيوف «١» :
تقدّ السّلوقيّ المضاعف نسجه ... وتوقد بالصّفاح نار الحباحب
ذكر أنها تقطع الدّروع التي هذه حالها، والفارس حتى تبلغ الأرض فتورى النار إذا أصابت الحجارة.
وقول النّمر بن تولب في صفة سيف «٢» :
تظلّ تحفر عنه إن ضربت به ... بعد الذراعين والسّاقين والهادي
يقول: رسب في الأرض بعد أن قطع ما ذكر، واحتاج أن يحفر عنه ليستخرجه من الأرض.
ومثله قوله مهلهل «٣» :
ولولا الرّيح أسمع أهل حجر ... صليل البيض تقرع بالذّكور
стр. 109
وقال قيس بن الخطيم يصف طعنة «١» :
ملكت بها كفّي فأنهرت فتقها ... يرى قائم من دونها ما وراءها
وقال أيضا «٢» :
لو أنّك تلقي حنظلا فوق بيضنا ... تدحرج عن ذي سامة المتقارب
يقول: تراصّ القوم في القتال حتى لو أن ملقيا ألقى على بيضهم حنظلا لجرى عليها كما يجري على الأرض ولم يسقط لشدّة تراصفهم.
و (عن) بمعنى (على) .
وذو سامه: بيضه المذهب. والسّام: عروق الذّهب.
وقول عنترة «٣» :
وأنا المنيّة في المواطن كلها ... والطّعن منّي سابق الآجال
وقال بشار «٤» :
إذا ما غضبنا غضبة مضريّة ... هتكنا حجاب الشّمس أو قطرت دما
وقال طريح الثقفي «٥» :
لو قلت للسّيل: دع طريقك وال ... موج عليه بالهضب يعتلج
стр. 110
لارتدّ أوساخ أو لكان له ... في سائر الأرض عنك منعرج
وقال ابن ميّادة «١» :
ولو أنّ قيسا قيس عيلان أقسمت ... على الشّمس لم تطلع عليك حجابها
وقال الطرمّاح «٢» :
ولو أنّ حرقوصا على ظهر قملة ... يكرّ على صفّي تميم لولّت
وقال آخر بذكر حديث امرأة «٣» :
حديث لو أنّ اللّحم يصلى بحرّه ... غريضا أتى أصحابه وهو منضج
وقال أبو النجم يذكر سيلا «٤» :
كأنّ فوق الأكم من غثائه ... قطائف الشّام على عبائه
والشّيح يهديه إلى طحمائه يقول: صار الجبل والسهل واحدا، وصار الغثاء على رؤوس الأكم.
والطّحماء: شجر ينبت في الجبال.
والشّيح ينبت في السّهول، فأراد أنّه حمل نبت السهل إلى الجبل.
وقال وذكر ظليما يعدو ويطير «٥» :
هاو تضلّ الطّير في خوائه والخواء: ما بين قوائمه وبطنه، وبين الأرض إذا عدا وطار. يريد أن الطير يطير بينه وبين الأرض حتى يضلّ.
وقد يروى «٦» :
стр. 111
تضلّ الرّيح في خوائه وقال الكميت وذكر الرّياح «١» :
ترامى بكذّان الإكام ومروها ... ترامي ولدان الأصارم بالخشل
أراد أن الرياح ترامى بالحجارة الكبار، كما يترامى الصّبيان بنوى المقل.
وقال آخر «٢» :
زعمت غدانة أنّ فيها سيّدا ... ضخما يوازنه جناح الجندب
يرويه ما يروي الذّباب فيتتشي ... سكرا وتشبعه كراع الأرنب
هذه الأبيات التي ذكرناها ومثلها في الشعر كثير.
والعرب تقول: له الطّمّ والرّمّ، إذا أرادوا تكثير ماله.
والطمّ: البحر، والرّم: الثرى. وهذا لا يملكه إلا الله تعالى.
ويقولون: (فلان دون نائله العيّوق) ويقولون: (له الضّحّ والرّيح) يريدون ما طلعت عليه الشمس، وجرت عليه الرّيح.
ويقولون: (فلان يثير الكلاب عن مرابضها) يريدون أنه لشرهه ولؤمه- يثيرها عن مواضعها، يطلب تحتها شيئا فاضلا من طعمها ليأكله. وهذا ما لا يفعله بشر.
وقال الشاعر «٣» :
تركوا جارهم يأكله ... ضبع الوادي ويرميه الشّجر
والشجر لا يرمي أحدا.
стр. 112
وهذا كله على المبالغة في الوصف، وينوون في جميعه يكاد يفعل، وكلهم يعلم المراد به.
وقال آخر «١» :
إذا رأيت أنجما من الأسد ... جبهته أو الخراة والكتد
بال سهيل في الفضيخ ففسد ... وطاب ألبان اللّقاح فبرد
وهذا وقت يذهب فيه الفضيخ، لأنّه يكون من البسر، والبسر يصير عند طلوع هذه الأنجم رطبا، فلما كان فساده عن طلوع سهيل، وكان الشراب يفسد بأن يبال فيه- جعل سهيلا كأنه بال فيه لمّا أفسده وقت طلوعه.
وقال دكين «٢» :
وقد تعاللت ذميل العنس ... بالسّوط في ديمومة كالتّرس
إذ عرّج الليل بروح الشمس فجعل الشمس روحا عرّج بها الليل.
والأصل في هذا كله: أن كلّ حيوان يموت تقبض روحه، فلما أبطل الليل الشمس جعله كأنه قبض لها روحا.
وقال ذو الرّمّة يصف إبلا في مسيرها «٣» :
إذا اغتبطت نجما فغار تسخّرت ... علالة نجم آخر الليل طالع
يقول: تهتدي بكوكب طلع أوّل الليل، حتى إذا غاب اهتدت بكوكب آخر طالع في السّحر، ولم يردها، وإنما أراد ركبانها فجعلها تغتبق النّجم، وتتسحّر بالنّجم.
стр. 113
وقال مزرّد «١» :
ولو أنّ شيخا ذا بنين كأنّما ... على رأسه من شامل الشّيب قونس
تبيّت فيه العنكبوت بناتها ... نواشىء حتّى شبن أو هنّ عنّس
وإنما أراد طول مكث العناكب في رأسه، فجعلهنّ قد شبن وعنّسن.
وأصل هذا: أنّ المرأة إذا طال مكثها في بيت أبيها لا تزوّج عنّست وشابت، فاستعار الشيب والتّعنيس مثلا لطول مكث العناكب.
وقال المسيّب بن علس «٢» :
دعا شجر الأرض داعيهم ... لينصره السّدر والأثأب
أراد أنه دعا عليهم الخلق يستنصرهم، فضرب الشجر مثلا لكثرة الناس والعوام تقول: جاءنا بالشّوك والشجر. إذا جاء في جيش عظيم.
ومنه قوله سبحانه: وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً [يوسف: ٣١] أي طعاما، يقال: اتّكأنا عند فلان، أي طعمنا.
وقال جميل «٣» :
فظللنا بنعمة واتّكأنا ... وشربنا الحلال من قلله
والأصل: أن من دعوته ليطعم أعددت له التكأة للمقام والطمأنينة فسمّى الطعام متّكئا على الاستعارة.
ومنه قوله تعالى: ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها [هود: ٥٦] أي يقهرها ويذلّها بالملك والسّلطان. وأصل هذا: أن من أخذت بناصيته فقد قهرته وأذللته، ومنه قيل في الدعاء: ناصيتي بيدك. أي أنت مالك لي وقاهر.
ومنه قوله : إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً [آل عمران: ٧٥] أي مواظبا بالاقتضاء والمطالبة. وأصله أن المطالب بالشيء يقوم فيه ويتصرّف، والتارك له يقعد عنه.
стр. 114
قال الأعشى «١» :
يقوم على الوغم في قومه ... فيعفو إذا شاء أو ينتقم
أي يطالب بالذّحل «٢» ولا يقعد عنه.
وقال: لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ [آل عمران: ١١٣] أي عاملة غير تاركة.
وقال: أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ [الرعد: ٣٣] أي آخذ لها بما كسبت.
ومنه قوله تعالى حكاية عن المنافقين: وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ [التوبة: ٦١] أي يقبل كلّ ما بلغه. والأصل: أن الأذن هي السامعة، فقيل لكل من صدّق بكلّ خبر يسمعه:
أذن، ومنه يقال: آذنتك بالأمر فأذنت، كما تقول: أعلمتك فعلمت، إنما هو أوقعته في أذنك. يقول الله : فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة: ٢٧٩] أي اعلموا، ومن قرأها (فآذنوا) أراد فأعلموا.
ومنه ما قالت الشعراء «٣» :
آذنتنا ببينها أسماء ومنه الأذان إنما هو إعلام الناس وقت الصلاة.
وقوله: وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [التوبة: ٣] أي إعلام.
وكان المنافقون يقولون: إن محمدا أذن فقولوا ما شئتم، فإنا متى أتيناه فاعتذرنا إليه صدّقّنا. فأنزل الله ﵎: قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ [التوبة: ٦١] أي كان الأمر
стр. 115
كما تذكرون، ولكنه إنّما يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ [التوبة: ٦١] أي يصدّق الله ويصدّق المؤمنين، لا أنتم، (والباء) و (اللام) زائدتان.
ومنه قوله: فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ [الأحزاب: ٢٣] أي قتل والنّحب: النّذر.
وأصل هذا: أنّ رجالا من أصحاب رسول الله، ﷺ ، نذروا إن لقوا العدوّ ليصدقنّ القتال أو ليقتلنّ، هذا أو نحوه، فقتلوا، فقيل لمن قتل: قضى نحبه. واستعير النّحب مكان الأجل، لأن الأجل وقع بالنّحب وكان النّحب له سببا.
ومنه قيل للعطية: المنّ، لأنّ من أعطى فقد منّ. قال الله تعالى: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) [المدثر: ٦] أي لا تعط لتأخذ أكثر مما أعطيت.
وقال: هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ [ص: ٣٩] ، أي فأعط أو أمسك.
وقوله: بِغَيْرِ حِسابٍ [ص: ٣٩] مردود إلى قوله: هذا عَطاؤُنا بغير حساب.
стр. 116
باب المقلوب
ومن المقلوب: أن يوصف الشيء بضدّ صفته للتطيّر والتفاؤل، كقولهم للّديغ:
سليم، تطيّرا من السّقم، وتفاؤلا بالسّلامة. وللعطشان: ناهل أي سينهل. يعنون:
يروى. وللفلاة: مفازة. أي منجاة، وهي مهلكة.
وللمبالغة في الوصف، كقولهم للشمس: جونة، لشدّة ضوئها. وللغراب: أعور، لحدّة بصره.
وللاستهزاء، كقولهم للحبشيّ: أبو البيضاء. وللأبيض: أبو الجون.
ومن هذا قول قوم شعيب: إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ [هود: ٨٧] .
كما تقول للرجل تستجهله: يا عاقل، وتستخفه: يا حليم.
قال الشاعر «١» :
فقلت لسيّدنا: يا حلي ... م إنّك لم تأس أسوا رفيقا
قال قتادة: ومن الاستهزاء قول الله تعالى: فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ (١٢) لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ (١٣) [الأنبياء: ١٢، ١٣] .
وفي قول عبيد بن الأبرص لكندة- طرف من هذا المعنى «٢» :
هلا سألت جموع كن ... دة يوم ولّوا: أين أينا؟
يستهزىء بهم حين انهزموا، يريد أين تذهبون؟ ارجعوا.
стр. 117
وأما قول الله سبحانه: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) [الدخان: ٤٩] .
فبعض الناس يذهب به هذا المذهب، أي أنت الذليل المهان.
وبعضهم يريد: أنت العزيز الكريم عند نفسك. وهو معنى تفسير ابن عباس لأن أبا جهل قال: ما بين جبليها أعزّ مني ولا أكرم، فقيل له: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) [الدخان: ٤٩] .
ومن ذلك أن يسمّى المتضادّان باسم واحد، والأصل واحد.
فيقال للصبح: صريم، ولليل: صريم. قال الله سبحانه: فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) [القلم: ٢٠] ، أي سوداء كالليل، لأنّ الليل ينصرم عن النّهار، والنهار ينصرم عن الليل.
وللظّلمة: سدفة. وللضوء: سدفة. وأصل السّدفة: السّترة، فكأن الظلام إذا أقبل ستر للضّوء، والضوء إذا أقبل ستر للظلام.
وللمستغيث: صارخ. وللمغيث: صارخ، لأن المستغيث يصرخ في استغاثته، والمغيث يصرخ في إجابته.
ولليقين: ظنّ، لأنّ في الظن طرفا من اليقين. قال الله : قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ [البقرة: ٢٤٩] ، أي يستيقنون. وكذلك: إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ (٢٠) [الحاقة: ٢٠] ، وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها [الكهف: ٥٣] ، وإِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ [البقرة: ٢٣٠] ، هذا كلّه في معنى (اليقين) .
قال دريد بن الصّمة «١» :
فقلت لهم: ظنّوا بألفي مدجّح ... سراتهم في الفارسيّ المسرّد
أي تيقنوا بإتيانهم إيّاكم.
وكذلك جعلوا (عسى) شكّا ويقينا، (ولعلّ) شكّا ويقينا. كقوله: فِجاجاً سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ [الأنبياء: ٣١] ، أي ليهتدوا.
стр. 118
وللمشتري: شار، وللبائع: شار، لأنّ كلّ واحد منهما اشترى.
وكذلك قولهم لكل واحد منهما: (بائع) لأنه باع وأخذ عوضا مما دفع، فهو (شار) و (بائع) .
قال الله : وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ [يوسف: ٢٠] ، أي باعوه. وقال:
وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ [البقرة: ١٠٢] .
وقال ابن مفرّغ «١» :
وشريت بردا ليتني ... من بعد برد كنت هامه
(وبرد) : غلام كان له فباعه وندم على بيعه.
و (وراء) تكون بمعنى (خلف) وبمعنى (قدّام) .
ومنها المواراة والتّواري. فكلّ ما غاب عن عينك فهو وراء، كان قدّامك أو خلفك.
قال الله : وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً [الكهف: ٧٩] ، أي أمامهم.
وقال: مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ [الجاثية: ١٠] ، أي أمامهم.
وقال: وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ [إبراهيم: ١٧] .
وقالوا للكبير: (جلل) ، وللصغير: (جلل) ، لأنّ الصغير قد يكون كبيرا عند ما هو أصغر منه، والكبير يكون صغيرا عند ما هو أكبر منه، فكلّ واحد منهما صغير كبير.
ولهذا جعلت (بعض) بمعنى (كلّ) ، لأنّ الشيء يكون كلّه بعضا لشيء، فهو بعض وكلّ.
وقال : وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ [الزخرف: ٦٣] (وكلّ) بمعنى (بعض) ، كقوله: وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [النمل: ٢٣] ، ويَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ [النحل: ١١٢] ، وقال: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها [الأحقاف: ٢٥] .
وجعلت (فوق) بمعنى (دون) في قول الله :
стр. 119
إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها [البقرة: ٢٦] ، أي فما دونها، لأن (فوق) قد تكون (دون) عند ما هو فوقها، و (دون) قد تكون (فوق) عند ما هو دونها.
و (خشيت) بمعنى: (علمت) . قال : فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً [الكهف: ٨٠] ، أي علمنا. وفي قراءة أبيّ: فخاف ربك.
ومثله: إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ [البقرة: ٢٢٩] . وقوله: فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً [البقرة: ١٨٢] ، أي علم.
وقوله: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ [الأنعام: ٥١] ، لأنّ في الخشية والمخافة طرفا من العلم.
و (رجوت) بمعنى: (خفت) . قال الله سبحانه: ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً (١٣) [نوح: ١٣] ، أي: لا تخافون لله عظمته، لأن الرّاجي ليس بمستيقن، ومعه طرف من المخافة.
قال الهذلي «١» :
إذا لسعته النّحل لم يرج لسعها ... وحالفها في بيت نوب عوامل
أي: لم يخفها.
و (يئست) بمعنى: (علمت) من قول الله تعالى: أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً [الرعد: ٣١] ، لأنّ في علمك الشيء وتيقّنك له يأسك من غيره.
قال لبيد «٢» :
стр. 120
حتّى إذا يئس الرّماة فأرسلوا ... غضفا دواجن قافلا أعصامها
أي: علموا ما ظهر لهم فيئسوا من غيره.
وقال آخر «١» :
أقول لهم بالشّعب إذ يأسرونني ... : ألم تيئسوا أنّي ابن فارس زهدم
أي: ألم تعلموا.
ومن المقلوب: أن يقدّم ما يوضّحه التأخير، ويؤخّر ما يوضحه التقديم.
كقول الله تعالى: فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ [إبراهيم: ٤٧] ، أي مخلف رسله وعده، لأنّ الإخلاف قد يقع بالوعد كما يقع بالرّسل، فتقول: أخلفت الوعد، وأخلفت الرّسل، وكذلك قوله سبحانه: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ (٧٧) [الشعراء: ٧٧] أي:
فإنّي عدوّ لهم، لأنّ كل من عاديته عاداك.
وكذلك قوله: ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (٨) [النجم: ٨] أي: تدلى فدنا، لأنّه تدلّى للدّنوّ، ودنا بالتّدلّي.
ومنه قوله سبحانه: بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤)
[القيامة: ١٤] أي: بل على الإنسان من نفسه بصيرة. يريد شهادة جوارحه عليه، لأنها منه، فأقامه مقامها.
قال الشاعر «٢» :
ترى الثّور فيها مدخل الظلّ رأسه ... وسائره باد إلى الشمس أجمع
أراد (مدخل رأسه الظلّ) فقلب، لأن الظلّ التبس برأسه فصار كل واحد منهما داخلا في صاحبه. والعرب تقول: (اعرض النّاقة على الحوض) تريد: اعرض الحوض على الناقة، لأنك إذا أوردتها الحوض: اعترضت بكل واحد صاحبه.
стр. 121
وقال الحطيئة «١» :
فلما خشيت الهون والعير ممسك ... على رغمه ما أمسك الحبل حافره
وكان الوجه أن يقول: (ما أمسك حافره الحبل) فقلب، لأنّ ما أمسكته فقد أمسكك، والحافر ممسك للحبل لا يفارقه ما دام به مربوطا، والحبل ممسك للحافر.
وقال الأخطل «٢» :
على العيارات هدّاجون قد بلغت ... نجران أو بلغت سوآتهم هجر
وكان الوجه أن يقول: (سوآتهم- بالرفع- نجران وهجر) فقلب، لأن ما بلغته فقد بلغك.
قال الله تعالى: وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ [آل عمران: ٤٠] أي بلغته.
وقال آخر «٣» :
قد سالم الحيات منه القدما ... الأفعوان والشجاع الشّجعما
(فنصب) الأفعوان والشجاع، وكان الوجه أن يرفعهما، لأن ما حالفته فقد حالفك، فهما فاعلان ومفعولان.
وقال الشمّاخ يذكر أباه «٤» :
منه ولدت ولم يؤشب به حسبي ... لمّا، كما عصب العلباء بالعود
وكان الوجه أن يقول: (كما عصب العود بالعلباء) فقلب، لأنك قد تقول:
عصبت العباء على العود، كما تقول: عصبت العود بالعلباء.
стр. 122
وقال ذو الرّمّة «١» :
وتكسو المجنّ الرّخو خصرا كأنه ... إهان ذوى عن صفرة فهو أخلق
وكان الوجه أن يقول: (وتكسو الخصر مجنا) فقلب، لأنّ كسوت يقع على الثوب، وعلى الخصر، وعلى القميص ولابسه، تقول: كسوت الثوب عبد الله، وكسوت عبد الله الثوب.
وقال أبو النّجم «٢» :
قبل دنوّ الأفق من جوزائه وكان الوجه أن يقول: (قبل دنوّ الجوزاء من الأفق) فقلب، لأن كل شيء دنا منك فقد دنوت منه.
وقال الرّاعي يصف ثورا «٣» :
فصبّحته كلاب الغوث يوسدها ... مستوضحون يرون العين كالأثر
وكان الوجه أن يقول: (يرون الأثر كالعين) لعلمهم بالصيد وآثاره فقلب، لأنهم إذا رأوا الأثر كالعين، فقد رأوا العين كالأثر.
وقال النابغة «٤» :
وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي ... على وعل في ذي المطارة عاقل
وكان الوجه أن يقول: (حتى ما تزيد مخافة وعل على مخافتي) فقلب، لأن المخافتين استوتا.
стр. 123
وقال رؤبة بن العجّاج «١» :
ومهمه مغبرّة أرجاؤه ... كأنّ لون أرضه سماؤه
وكان الوجه أن يقول: (كأن لون سمائه من غبرتها لون أرضه) فقلب، لأن اللونين استويا.
وقال الآخر «٢» :
وصار الجمر مثل ترابها أي صار ترابها مثل الجمر.
وقال : خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ [الأنبياء: ٣٧] أي خلق العجل من الإنسان، يعني العجلة. كذلك قال أبو عبيدة.
ومن المقلوب ما قلب على الغلط:
كقول خداش بن زهير «٣» :
وتركب خيل لا هوادة بينها ... وتعصى الرّماح بالضّياطرة الحمر
стр. 124
أي: (تعصي الضياطرة بالرّماح) وهذا ما لا يقع فيه التّأويل، لأن الرماح لا تعصى بالضّياطرة وإنما يعصى الرجال بها، أي يطعنون.
ومنه قول الآخر «١» :
أسلمته في دمشق كما ... أسلمت وحشيّة وهقا
أراد: (كما أسلم وحشية وهق) فقلب على الغلط.
وقال آخر «٢» :
كانت فريضة ما تقول كما ... كان الزّناء فريضة الرجم
أراد (كما كان الرجم فريضة الزنى) .
وكان بعض أصحاب اللغة يذهب في قول الله تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً [البقرة: ١٧١] إلى مثل هذا في القلب، ويقول: وقع التشبيه بالراعي في ظاهر الكلام، والمعنى للمنعوق به وهو الغنم. وكذلك قوله سبحانه: ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ [القصص: ٧٦] أي: تنهض بها وهي مثقلة.
وقال آخر في قوله سبحانه: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) [العاديات: ٨] أي: وإن حبّه للخير لشديد.
وفي قوله سبحانه: وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً [الفرقان: ٧٤] أي: اجعل المتّقين لنا إماما في الخير.
وهذا ما لا يجوز لأحد أن يحكم به على كتاب الله لو لم يجد له مذهبا، لأنّ الشعراء تقلب اللفظ، وتزيل الكلام على الغلط، أو على طريق الضرورة للقافية، أو لاستقامة وزن البيت.
стр. 125
فمن ذلك قول لبيد «١» :
نحن بنو أمّ البنين الأربعة قال ابن الكلبي: هم خمسة، فجعلهم للقافية أربعة.
وقال آخر يصف إبلا «٢» :
صبّحن من كاظمة الخصّ الخرب ... يحملن عبّاس بن عبد المطّلب
أراد: (عبد الله بن عباس) فذكر أباه مكانه.
وقال الصّلتان «٣» :
أرى الخطفي بذّ الفرزدق شعره ... ولكنّ خيرا من كليب مجاشع
أراد: «أرى جريرا بذ الفرزدق شعره» فلم يمكنه فذكر جدّه.
وقال ذو الرّمة «٤» :
عشيّة فرّ الحارثيّون بعد ما ... قضى نحبه في ملتقى القوم هوبر
قال ابن الكلبي: هو (يزيد بن هوبر) فاضطرّ.
وقال (أوس) «٥» :
стр. 126
فهل لكم فيها إليّ فإنّني ... طبيب بما أعيا النّطاسيّ حذيما
أراد: (ابن حذيم) وهو طبيب كان في الجاهلية:
وقال ابن ميّادة وذكر بعيرا «١» :
كأنّ حيث تلتقي منه المحل ... من جانبيه وعلين ووعل
أراد: وعلين من كل جانب، فلم يمكنه فقال: ووعل.
وقال أبو النجم «٢» :
ظلّت وورد صادق من بالها ... وظلّ يوفي الأكم ابن خالها
أراد: فحلها: فجعله ابن خالها.
وقال آخر «٣» :
مثل النصارى قتلوا المسيح أراد: اليهود:
وقال آخر «٤» :
ومحور أخلص من ماء اليلب واليلب: سيور تجعل تحت البيض، فتوهّمه حديدا.
стр. 127
وقال رؤبة «١» :
أو فضّة أو ذهب كبريت وقال أبو النجم «٢» :
كلمعة البرق ببرق خلّبه أراد: بخلّب برقه، فقلب.
وقال آخر «٣» :
إنّ الكريم وأبيك يعتمل ... إن لم يجد يوما على من يتّكل
أراد: إن لم يجد يوما من يتكل عليه.
في أشباه لهذا كثيرة يطول باستقصائها الكتاب.
والله تعالى لا يغلط ولا يضطرّ، وإنما أراد: ومثل الذين كفروا ومثلنا في وعظهم كمثل الناعق بما لا يسمع، فاقتصر على قوله: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا [البقرة: ١٧١] ، وحذف ومثلنا، لأنّ الكلام يدل عليه. ومثل هذا كثير في الاختصار.
وقال الفراء «٤» :
أراد: ومثل واعظ الذين كفروا، فحذف، كما قال: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها [يوسف: ٨٢] ، أي: أهلها.
стр. 128
وأراد بقوله: ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ [القصص: ٧٦] ، أي: تميلها من ثقلها.
قال الفراء أنشدني بعض العرب «١» :
حتى إذا ما التأمت مفاصله ... وناء في شقّ الشّمال كاهله
يريد: أنه لما أخذ القوس ونزع، مال عليها.
قال: ونرى قولهم: (ما ساءك وناءك) ، من هذا. وكان الأصل (أناءك) فألقي الألف لما اتبعه (ساءك) كما قالوا: (هنأني ومرأني) ، فاتبع مرأني هنأني. ولو أفرد لقال: أمرأني.
وأراد بقوله: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) [العاديات: ٨] ، أي: وإنه لحبّ المال لبخيل، والشدة: البخل هاهنا، يقال: رجل شديد ومتشدّد.
وقوله سبحانه: وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً [الفرقان: ٧٤] ، يريد: اجعلنا أئمة في الخير يقتدي بنا المؤمنون، كما قال في موضع آخر: وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا [السجدة: ٢٤] ، أي: قادة، كذلك قال المفسّرون.
وروي عن بعض خيار السلف: أنه كان يدعو الله أن يحتمل عنه الحديث، فحمل عنه.
وقال بعض المفسرين في قوله: وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً [الفرقان: ٧٤] ، أي:
اجعلنا نقتدي بمن قبلنا حتى يقتدي بنا من بعدنا. فهم على هذا التأويل متّبعون ومتّبعون.
ومن المقدّم والمؤخّر قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (١) قَيِّماً [الكهف: ١، ٢] أراد: أنزل الكتاب قيّما ولم يجعل له عوجا.
وقوله: فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ [هود: ٧١] ، أي: بشرناها بإسحاق فضحكت.
وقوله: فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها [الشمس: ١٤] ، أي: فعقروها فكذّبوه بالعقر.
стр. 129
وقد يجوز أن يكون أراد: فكذّبوا قوله: إنها ناقة الله، فعقروها.
قال الأعشى «١» :
لقد كان في حول ثواء ثويته ... تقضّي لبانات ويسأم سائم
أراد: لقد كان في ثواء حول ثويته.
وقال ذو الرّمّة يصف الدّار «٢» :
فأضحت مباديها قفارا رسومها ... كأن لم سوى أهل من الوحش توهل
أراد: كأن توهل سوى أهل من الوحش.
وقد كان بعض القراءة يقرأ: وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ [الأنعام: ١٣٧] ، أي: قتل شركائهم أولادهم.
ومن المقدّم والمؤخّر قوله سبحانه: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ [التوبة: ٥٥] .
وقال ابن عباس في رواية الكلبي: أراد: ولا تعجبك أموالهم وأولادهم في الدنيا، إنما يريد الله أن يعذّبهم في الآخرة.
ومنه قوله سبحانه: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩) [طه:
١٢٩] ، أي: ولولا كلمة سبقت وأجل مسمّى، لكان العذاب لزاما.
ومنه قوله سبحانه: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء:
٨٣] ، أراد: لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا قليلا، ولولا فضل الله عليكم ورحمته،
стр. 130
لاتبعتم الشيطان.
قال الشاعر «١» :
فاوردتها ماء كأنّ جمامه ... من الأجنّ حناء معا وصبيب
أي: فأوردتها ماء كأنّ جمامه حنّاء وصبيب معا.
стр. 131
باب الحذف والاختصار
من ذلك: أن تحذف المضاف وتقيم المضاف إليه مقامه وتجعل الفعل له.
كقوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها [يوسف: ٨٢] أي سل أهلها.
وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ [البقرة: ٩٣] أي حبّه.
والْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ [البقرة: ١٩٧] أي وقت الحج.
وكقوله: إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ-[الإسراء: ٧٥] أي ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات.
وقوله سبحانه: لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ [الحج: ٤٠] فالصلوات لا تهدّم، وإنما أراد بيوت الصلوات.
قال المفسرون: الصوامع للصّابئين، والبيع للنّصارى، والصلوات: كنائس اليهود، والمساجد للمسلمين.
وقوله: مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ [محمد: ١٣] أي أخرجك أهلها.
وقوله: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ [سبأ: ٣٣] أي مكركم في الليل والنهار.
وقوله: أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ [التوبة: ١٩] ؟ أي:
أجعلتم صاحب سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، كمن آمن؟! ويكون يريد:
أجعلتم سقاية الحاج كإيمان من آمن بالله وجهاده؟ كما قال: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ [البقرة: ١٧٧] .
قال الهذلي «١» :
стр. 132
يمشّي بيننا حانوت خمر ... من الخرس الصّراصرة القطاط
أراد صاحب حانوت خمر، فأقام الحانوت مقامه.
وكذلك قول أبي ذؤيب في صفة الخمر»
:
توصّل بالرّكبان حينا وتولف ال ... جوار ويغشيها الأمان ربابها
اللفظ للخمر والمعنى للخمّار، أي يتوصّل الخمار بالركب ليسير معهم ويأمن بهم. وكذلك قوله «٢» :
أتوها بربح حاولته فأصبحت ... تكفّت قد حلّت وساغ شرابها
يريد: أتوا صاحبها بربح، فأقامها مقامه.
وقال كثير يذكر الأظعان «٣» :
حزيت لي بحزم فيدة تحدى ... كاليهوديّ من نطاة الرّقال
أراد كنخل اليهوديّ من خيبر، فأقامه مقامها.
ومثله قوله تعالى: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) [العلق: ١٧] أي: أهله.
وقال الشاعر «٤» :
لهم مجلس صهب السبال أذلّة ... سواسية أحرارها وعبيدها
ومن ذلك أن توقع الفعل على شيئين وهو لأحدهما، وتضمر للآخر فعله.
كقوله سبحانه: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) [الواقعة: ١٨] .
стр. 133
ثم قال: وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) [الواقعة:
٢٠، ٢١] والفاكهة واللحم والحور العين لا يطاف بها، وإنما أراد: ويؤتون بلحم طير.
ومثله قوله: فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ [يونس: ٧١] أي: وادعوا شركاءكم، وكذلك هو في مصحف عبد الله.
قال الشاعر «١» :
تراه كأنّ الله يجدع أنفه ... وعينيه إن مولاه ثاب له وفر
أي يجدع أنفه، ويفقأ عينيه.
وأنشد الفراء «٢» :
علفتها تبنا وماء باردا ... حتى شتت همّالة عيناها
أي علفتها تبنا، وسقيتها ماء باردا.
وقال آخر «٣» :
إذا ما الغانيات برزن يوما ... وزجّجن الحواجب والعيونا
стр. 134
والعيون لا تزجّج، وإنما أراد: وزجّجن الحواجب، وكحّلن العيون. وقال الآخر «١» :
ورأيت زوجك في الوغى ... متقلّدا سيفا ورمحا
أي متقلدا سيفا، وحاملا رمحا.
ومن ذلك: أن يأتي بالكلام مبنيّا على أنّ له جوابا، فيحذف الجواب اختصارا لعلم المخاطب به.
كقوله سبحانه: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً [الرعد: ٣١] أراد: لكان هذا القرآن، فحذف.
وكذلك قوله: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (٢٠) [النور:
٢٠] أراد: لعذّبكم فحذف.
قال الشاعر «٢» :
فأقسم لو شيء أتانا رسوله ... سواك، ولكن لم نجد لك مدفعا
أي لرددناه.
وقال الله : لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) [آل عمران: ١١٣] . فذكر أمّة واحدة ولم يذكر بعدها أخرى.
وسواء تأتي للمعادلة بين اثنين فما زاد.
وقال: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً [الزمر: ٩] ولم يذكر ضدّ هذا، لأن
стр. 135
في قوله: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ [الزمر: ٩] دليلا على ما أراد.
وقال الشاعر «١» :
أراك فما أدري أهمّ هممته ... وذو الهمّ قدما خاشع متضائل
ولم يأت بالأمر الآخر.
وقال أبو ذؤيب «٢» :
عصيت إليها القلب إنّي لأمره ... سميع، فما أدري أرشد طلابها؟
أراد: أرشد هو أم غيّ؟ فحذف.
ومن ذلك: حذف الكلمة والكلمتين.
كقوله: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ. [آل عمران: ١٠٦] والمعنى فيقال لهم:
أكفرتم؟ وقوله: وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا [السجدة: ١٢] والمعنى يقولون: ربنا أبصرنا.
وقوله: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا [البقرة: ١٢٧] .
والمعنى يقولان: ربنا تقبّل منا.
وقال ذو الرّمة يصف حميرا «٣» :
فلمّا لبسن اللّيل أو حين نصّبت ... له من خذا آذانها وهو جانح
أراد أو حين أقبل الليل نصّبت. وقال «٤» :
стр. 136
وقد بدا لذي نهية أن لا إلى أمّ سالم أراد: أن لا سبيل إلى أم سالم.
وقال الله : وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [الإسراء:
٢٣] . أي ووصّى بالوالدين.
وقال النّمر بن تولب «١» :
فإنّ المنبّه من يخشها ... فسوف تصادفه أينما
أراد أينما ذهب.
وقال الله : كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ [إبراهيم: ١٨] أراد: في يوم عاصف الرّيح، فحذف، لأنّ ذكر الرّيح قد تقدّم، فكان فيه دليل.
وقال تعالى: وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ [العنكبوت: ٢٢] . أراد:
ولا من في السماء بمعجز.
وقال تعالى: وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ [النمل: ١٢] . أراد في تسع آيات إلى هذه الآية، أي معها. ثم قال: إِلى فِرْعَوْنَ ولم يقل مرسلا ولا مبعوثا، لأن ذلك معروف.
ومثله: وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً [الأعراف: ٧٣] . أي: أرسلنا.
قال الشاعر «٢» :
رأتني بحبليها فصدّت مخافة ... وفي الحبل روعاء الفؤاد فروق
أراد مقبلا بحبليها.
وقال : فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ [الإسراء: ٧] . أراد:
стр. 137
يعثناهم ليسوءوا وجوهكم، فحذفها، لأنه قال قبل: فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا [الإسراء: ٥] . فاكتفى بالأول من الثاني، إذ كان يدل عليه.
وكذلك قوله: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ [ق: ١٧] . فاكتفى بذكر الثاني من الأول.
وقد يشكل الكلام ويغمض بالاختصار والإضمار.
كقوله: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ (٨) [فاطر: ٨] . والمعنى: أفمن زيّن له سوء عمله فرآه حسنا، ذهبت نفسك حسرة عليه؟! فلا تذهب نفسك عليهم حسرات فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء.
وكقوله سبحانه: إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١) [النمل: ١٠، ١١] لم يقع الاستثناء من المرسلين، وإنما وقع من معنى مضمر في الكلام، كأنه قال: لا يخاف لديّ المرسلون، بل غيرهم الخائف، إلا من ظلم ثم تاب فإنه لا يخاف.
وهذا قول الفراء، وهو يبعد: لأن العرب إنما تحذف من الكلام ما يدل عليه ما يظهر، وليس في ظاهر هذا الكلام- على هذا التأويل- دليل على باطنه.
قال أبو محمد: والذي عندي فيه، والله أعلم، أنّ موسى ﵇، لما خاف الثعبان وولّى ولم يعقّب، قال الله : يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ [النمل: ١٠] وعلم أن موسى مستشعر خيفة أخرى من ذنبه في الرّجل الّذي وكزه فقضى عليه، فقال: إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ [النمل: ١١] أي توبة وندما، فإنه يخاف، وإني غفور رحيم.
وبعض النحويين يحمل (إلّا من ظلم) بمعنى: ولا من ظلم، كقوله: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [البقرة: ١٥٠] . على مذهب من تأول هذا في (إلّا) : كقوله في سورة الأنفال، بعد وصف المؤمنين: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ [الأنفال: ٥] . ولم يشبّه قصة المؤمنين بإخراج الله إيّاه، ولكن الكلام مردود إلى معنى في أول السورة ومحمول عليه، وذلك: أن النبي ﷺ ، رأى يوم بدر قلّة المسلمين وكراهة كثير منهم للقتال، فنفّل كلّ امرئ منهم ما أصاب، وجعل لكل من قتل قتيلا كذا، ولمن أتى بأسير كذا، فكره ذلك قوم فتنازعوا واختلفوا وحاجّوا النبي، ﷺ ، وجادلوه، فأنزل الله سبحانه: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ: يجعلها لمن
стр. 138
يشاء فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ. أي فرّقوها بينكم على السواء وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ فيما بعد إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [الأنفال: ١] ، ووصف المؤمنين ثم قال: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (٥) [الأنفال: ٥] يزيد: أن كراهتهم لما فعلته في الغنائم ككراهتهم للخروج معك، كأنه قال: هذا من كراهيتهم كما أخرجك وإيّاهم ربّك وهم كارهون.
ومن تتبع هذا من كلام العرب وأشعارها وجده كثيرا.
قال الشاعر «١» :
فلا تدفنوني إنّ دفني محرّم ... عليكم، ولكن خامري أمّ عامر
يريد: لا تدفنوني ولكن دعوني للتي يقال لها إذا صيدت: خامري أمّ عامر، يعني الضّبع، لتأكلني.
وقال عنترة «٢» :
هل تبلغنّي دارها شدنيّة ... لعنت بمحروم الشّراب مصرّم
يريد: دعي عليها بأن يحرم ضرعها أن يدرّ فيه لبن، فاستجيب للداعي، فلم تحمل ولم ترضع.
ومثله قول الآخر «٣» :
стр. 139
ملعونة بعقر أو خادج أي: دعي عليها أن لا تحمل، وإن حملت: أن تلقي ولدها لغير تمام، فإذا لم تحمل الناقة ولم ترضع كان أقوى لها.
ومن أمثال العرب: (عسى الغوير أبؤسا) «١» أي: أن يأتينا من قبل الغوير بأس ومكروه. والغوير: ماء، ويقال: هو تصغير غار.
ومثله قوله سبحانه: قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ [الأعراف: ٣٢] .
أي هي للذين آمنوا- يعني في الدنيا- مشتركة، وفي الآخرة خالصة.
ومنه قوله: إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ [آل عمران: ١٧٥] . أي يخوّفكم بأوليائه، كما قال سبحانه: لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ [الكهف: ٢] أي لينذركم ببأس شديد.
وقوله: يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ [طه: ١٠٨] أي لا عوج لهم عنه.
وقوله: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً [فاطر: ١٠] . أي يعلم أنّ العزّة لمن هي.
وقوله: ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ [الذاريات: ٥٧] أي ما أريد أن يرزقوا أنفسهم. وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ [الذاريات: ٥٧] أي ما أريد أن يطعموا أحدا من خلقي.
وأصل هذا: أن البشر عباد الله وعياله فمن أطعم عيال رجل ورزقهم، فقد رزقه وأطعمه، إذ كان رزقهم عليه.
ومنه قوله سبحانه: أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ [النمل: ٢٥] أراد: ألا يا هؤلاء اسجدوا لله.
وقال الشاعر «٢» :
يا دار سلمى يا اسلمي ثم اسلمي
стр. 140
ومن الاختصار: القسم بلا جواب إذا كان في الكلام بعده ما يدلّ على الجواب.
كقوله: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذا مِتْنا [ق: ١، ٣] نبعث. ثم قالوا: ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ [ق: ٣] أي: لا يكون.
وكذا قوله : وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً (١) وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً (٢) وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً (٣) فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً (٤) فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً (٥) [النازعات: ١، ٥] . ثم قال: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) [النازعات: ٦] . ولم يأت الجواب لعلم السامع به، إذ كان فيما تأخّر من قوله دليل عليه، كأنّه قال: والنّازعات وكذا وكذا، لتبعثنّ، فقالوا: أَإِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً (١١) [النازعات: ١١] نبعث؟!.
ومن الاختصار قوله: إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ [الرعد: ١٤] أراد: كباسط كفيه إلى الماء ليقبض عليه فيبلّغه فاه.
قال ضابىء «١» :
فإنّي وإياكم وشوقا إليكم ... كقابض ماء لم تسقه أنامله
و (العرب) تقول لمن تعاطى ما لا يجد منه شيئا: هو كالقابض على الماء.
ومنه: أن تحذف (لا) من الكلام والمعنى إثباتها.
كقوله سبحانه: تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ [يوسف: ٨٥] أي لا تزال تذكر يوسف.
وهي تحذف مع اليمين كثيرا.
قال الشاعر «٢» :
стр. 141
فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو ضربوا رأسي لديك وأوصالي
وقال آخر «١» :
فلا وأبي دهماء زالت عزيزة ... على قومها ما فتّل الزّند قادح
ومنه قوله: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النساء: ١٧٦] ، أي: لئلا تضلوا. وإِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا [فاطر: ٤١] ، أي: لئلا تزولا.
وقوله: كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ [الحجرات: ٢] ، أي: لا تحبط أعمالكم.
ومن الاختصار أن تضمر لغير مذكور.
كقوله جل وعز: حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ [ص: ٣٢] يعني: الشمس، ولم يذكرها قبل ذلك.
وقوله: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ [فاطر: ٤٥] ، يريد: على الأرض.
وقال: فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (٤) [العاديات: ٤] ، يعني: بالوادي.
وقال: إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ [القصص: ١٠] ، أي بموسى: أنه ابنها.
وقال: وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها (٣) [الشمس: ٣] ، يعني: الدنيا أو الأرض.
وكذلك قوله: وَلا يَخافُ عُقْباها (١٥) [الشمس: ١٥] ، أي: عقبى هذه الفعلة.
وقال: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) [القدر: ١] ، يعني: القرآن. فكنى في أوّل السّورة.
قال حميد بن ثور في أوّل قصيدة «٢» :
стр. 142
وصهباء منها كالسّفينة نضّجت ... به الحمل حتّى زاد شهرا عديدها
أراد: وصهباء من الإبل.
وقال حاتم «١» :
أماويّ ما يغني الثّراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصّدر
يعني النفس.
وقال لبيد «٢» :
حتى إذا ألقت يدا في كافر ... وأجنّ عورات الثّغور ظلامها
يعني الشمس بدأت في المغيب.
وقال طرفة «٣» :
ألا ليتني أفديك منها وأفتدي يعني: من الفلاة.
وأنشد الفرّاء «٤» :
إذا نهي السّفيه جرى إليه ... وخالف، والسّفيه إلى خلاف
стр. 143
أراد: جرى إلى السّفه.
وقال الله في أول سورة الرحمن: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٣) [الرحمن: ١٣] ، ولم يذكر قبل ذلك إلا الإنسان، ثم خاطب الجانّ معه لأنّه ذكرهم بعد، وقال: وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ (١٥) [الرحمن: ١٥] .
قال الفراء: ومثله قول المثقّب العبدي «١» :
فما أدري إذا يمّمت أرضا ... أريد الخير: أيّهما يليني؟
أالخير الّذي أنا أبتغيه؟ ... أم الشرّ الّذي هو يبتغيني؟
فكنى عن الشر وقرنه في الكتابة بالخير قبل أن يذكره، ثم أتى به بعد ذلك.
ومن ذلك حذف الصفات.
كقول الله سبحانه: وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) [المطففين: ٣] أي: كالوا لهم أو وزنوا لهم.
وقوله: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا [الأعراف: ١٥٥] . أي اختار منهم.
وقال العجّاج «٢» :
تحت الذي اختار له الله الشّجر أي اختار له من الشجر:
وكقوله: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ [الحج: ٤١] أي: مكنّا لهم. والعرب تقول:
عددتك مائة، أي عددت لك، وأستغفر الله ذنبي.
قال الشاعر «٣» :
стр. 144
أستغفر الله ذنبا لست محصيه ... ربّ العباد إليه الوجه والعمل
وشبعت خبزا ولحما، وشربت ورويت ماء ولبنا وتعرّضت معروفك، ونزلتك ونأيتك، وبتّ القوم، وغاليت السلعة، وثويت البصرة وسرقتك مالا، وسعيت القوم، واستجبتك.
قال الشاعر «١» :
وداع دعا يا من يجيب إلي النّدى ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب
وقوله جل وعزّ: إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا [الإسراء: ٣٤] . أي: مسؤولا عنه.
قال أبو عبيدة: يقال: (لتسألنّ عهدي) أي عن عهدي.
ومن الاختصار قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) [النساء: ٤٤] . أراد: يشترون الضلالة بالهدى، فحذف (الهدى) أي يستبدلون هذا بهذا.
ومثله: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى [البقرة: ١٦] .
ومن الاختصار قوله: وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) [البقرة: ١٠٨] . أي: أبقينا له ذكرا حسنا في الآخرين، كأنه قال: تركنا عليه ثناء حسنا، فحذف الثناء الحسن لعلم المخاطب بما أراد.
ومن الاختصار قوله: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ [النساء:
١٦٦] . لأنه لما أنزل عليه: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [النساء: ١٦٣] قال المشركون: ما نشهد لك بهذا، فمن يشهد لك به؟ فترك ذكر قولهم
стр. 145
وأنزل: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ [النساء: ١٦٦] . يدلك على هذا أن (لكن) إنما تجيء بعد نفي لشيء فيوجب ذلك الشيء بها.
ومن الاختصار قوله: فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ [المائدة: ٣١] . أراد:
فبعث الله غرابا يبحث التراب على غراب ميّت ليواريه، لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ [المائدة: ٣١] .
ومنه قوله: فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ [المائدة: ٥٢] أي في مرضاتهم.