← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23596

تأويل مشكل القرآن

ابن قتيبة

Полный текст (307 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

تقديم تاويل مشكل القران بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحبه الكرام المنتجبين. وبعد، يقول الله تعالى في كتابه العزيز: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (٩) [الإسراء: ٩] ، ويقول تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً (٨٢) [الإسراء: ٨٢] ، ويقول تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (٨٨) [الإسراء: ٨٨] ، ويقول تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧) [القمر: ١٧، ٢٢، ٣٢، ٤٠] . للقرآن الكريم أكبر شأن في أمر الإسلام والمسلمين، فهو هديهم في شريعتهم، وهو المنار الذي يستضاء به في أساليب البلاغة العربية، بل هو المنبع الصافي الذي ينهلون منه فلسفتهم الروحية والخلقية، وهو بالجملة الموجّه لهم في الحياة والمعاملات وشتى مظاهر الحياة. فلا عجب أن يكون القرآن الكريم موضع عناية المسلمين منذ القدم، فقد تتابعت أنواع التآليف في أحكامه وفي تفسيره وفي بلاغته وفي لغته وفي إعرابه، حتى لقد ازدهرت في الثقافة الإسلامية ضروب من العلوم والفنون حول القرآن الكريم وتحت رايته. هذا كتاب «تأويل مشكل القرآن» للإمام أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، المتوفى سنة ٢٧٦ هـ. وهو كتاب فريد في بابه ويعتبر من أوائل الكتب

стр. 2

التي بحثت في مشكل القرآن الكريم، والشكوك التي تثار حوله، والمطاعن التي تسدد نحوه. يقول ابن قتيبة: «قد اعترض كتاب الله بالطعن ملحدون، ولغوا فيه وهجروا، واتبعوا ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ بأفهام كليلة، وأبصار عليلة، ونظر مدخول، فحرّفوا الكلام عن مواضعه، وعدلوه عن سبله، ثم قضوا عليه بالتناقض، والاستحالة في اللحن، وفساد النظم، والاختلاف، وأدلوا في ذلك بعلل ربما أمالت الضعيف الغمر، والحدث الغر، واعترضت بالشبه في القلوب، وقدحت بالشكوك في الصدور ... فأحببت أن أنضح عن كتاب الله، وأرمي من ورائه بالحجج النيرة، والبراهين البينة، وأكشف للناس ما يلبسون، فألّفت هذا الكتاب جامعا لتأويل مشكل القرآن، مستنبطا ذلك من التفسير بزيادة في الشرح والإيضاح، وحاملا ما أعلم فيه مقالا لإمام مطلع على لغات العرب، لأري المعاند موضع المجاز، وطريق الإمكان، من غير أن أحكم فيه برأي، أو أقضي عليه بتأويل، ولم يجز لي أن أنص بالإسناد إلى من له أصل التفسير، إذ كنت لم أقتصر على وحي القوم حتى كشفته. وعلى إيمائهم حتى أوضحته، وزدت في الألفاظ ونقصت، وقدّمت وأخّرت، وضربت لذلك الأمثال والأشكال، حتى يستوي في فهمه السامعون» . أما عملنا في هذا الكتاب فهو: أولا: وضع ترجمة وافية للمؤلف. ثانيا: حرصنا بقدر الطاقة على تنقية النص من الأخطاء المطبعية. ثالثا: شرحنا في حواشي الكتاب ما في متنه من غريب اللغة أو صعب المتناول منها، وذلك استنادا إلى المعاجم اللغوية المشهورة. رابعا: وضعنا في حواشي الكتاب تعريفا وافيا- مع ذكر المراجع- لجميع الأعلام، وما أهملناه من ذلك إما معروف مشهور، ولم نجد ضرورة لنافل القول فيه، وإما لم نهتد إليه فيما بين أيدينا من المصادر والمراجع. وقد أشرنا إلى ذلك أيضا. خامسا: خرّجنا جميع الأحاديث النبوية والآثار تخريجا وافيا، وضبطنا نص الحديث استنادا إلى كتب الحديث المعتبرة. سادسا: خرّجنا جميع الشواهد الشعرية في مظانها.

стр. 3

سابعا: خرّجنا جميع الأمثال في مظانها. ثامنا: خرّجنا جميع الآيات القرآنية الكريمة على المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم. وأخيرا، نرجو أن يكون عملنا هذا خالصا لوجهه تعالى، ولله الكمال وحده، وهو ولي التوفيق. إبراهيم شمس الدين

стр. 4

ترجمة ابن قتيبة الدينوري «١» هو أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة بن مسلم، المروزي الدينوري، أصله من أسرة فارسية كانت تقطن مدينة «مرو» ، ولد سنة ٢١٣ هـ. في أواخر خلافة المأمون، ونشأ في بغداد، وتتلمذ على يد عدد كبير من العلماء وأعلام عصره، منهم: ١- أحمد بن سعيد اللحياني. ٢- أبو عبد الله، محمد بن سلّام الجمحي البصري، المتوفى سنة ٢٣١ هـ. ٣- أبو يعقوب، إسحاق بن إبراهيم، المعروف بابن راهويه المتوفى سنة ٢٣٨ هـ. ٤- حرملة بن يحيى التجيبي، المتوفى سنة ٢٤٣ هـ. ٥- القاضي يحيى بن أكتم المتوفى سنة ٢٤٢ هـ. ٦- أبو عبد الله، الحسين بن الحسين بن حرب السلمي المروزي المتوفى سنة ٢٤٦ هـ. ٧- دعبل بن علي الخزاعي، المتوفى سنة ٢٤٦ هـ. ٨- أبو عبد الله، محمد بن محمد بن مرزوق بن بكير بن البهلول الباهلي البصري، المتوفى سنة ٢٤٨ هـ. ٩- أبو إسحاق إبراهيم بن سفيان الزيادي، المتوفى سنة ٢٤٩ هـ. ١٠- أبو حاتم، سهل بن محمد السجستاني، المتوفى سنة ٢٤٨ هـ.

стр. 5

١١- محمد بن زياد بن عبيد الله الزيادي البصري، المقلب ببؤبؤ، المتوفى سنة ٢٥٢ هـ. ١٢- أبو يعقوب، إسحاق بن إبراهيم بن محمد الصواف الباهلي البصري، المتوفى سنة ٢٥٣ هـ. ١٣- أبو عثمان الجاحظ، عمرو بن بحر بن محبوب، المتوفى سنة ٢٥٤ هـ. ١٤- أبو طالب، زيد بن أخزم الطائي البصري، المتوفى سنة ٢٥٧ هـ. ١٥- أبو الفضل، العباس بن الفرج الرياشي، المتوفى سنة ٢٥٧ هـ. ١٦- أبو سهل الصفار، عبدة بن عبد الله الخزاعي، المتوفى سنة ٢٥٨ هـ. وقد تتلمذ على يدي ابن قتيبة عدد كبير من العلماء، منهم: ١- ابنه أحمد، أبو جعفر أحمد بن عبد الله بن مسلم الدينوري، المتوفى سنة ٣٢٢ هـ. ٢- أحمد بن مروان المالكي، المتوفى سنة ٢٩٨ هـ. ٣- أبو بكر محمد بن خلف بن المرزبان، المتوفى سنة ٣٠٩ هـ. ٤- أبو القاسم إبراهيم بن محمد بن أيوب بن بشير الصائغ، المتوفى سنة ٣١٣ هـ. ٥- أبو محمد، عبيد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عيسى السكري، المتوفى سنة ٣٢٣ هـ. ٦- أبو القاسم، عبيد الله بن أحمد بن عبد الله بن بكير التميمي، المتوفى سنة ٣٣٤ هـ. ٧- الهيثم بن كليب الشامي، المتوفى سنة ٣٣٥ هـ. ٨- قاسم بن أصبغ الأندلسي، المتوفى سنة ٣٤٠ هـ. ٩- عبد الله بن جعفر بن درستويه الفسوي، المتوفى سنة ٣٥٥ هـ. ١٠- أبو القاسم، عبيد الله بن محمد بن جعفر بن محمد الأزدي، المتوفى سنة ٣٤٨ هـ. ١١- أبو بكر، أحمد بن الحسين بن إبراهيم الدينوري.

стр. 6

١٢- أبو العباس محمد بن علي بن أحمد الكرجي، المتوفى سنة ٣٤٣ هـ. ١٣- أبو رجاء، محمد بن حامد بن الحارث البغدادي، المتوفى سنة ٣٤٣ هـ. مؤلفات ابن قتيبة ذكر أصحاب كتب التراجم لابن قتيبة الكثير من المصنفات، وهي: ١- آداب العشرة. ٢- آداب القراءة. ٣- أدب الكاتب. ٤- اختلاف الحديث. ٥- استماع الغناء بالألحان. ٦- إصلاح غلط أبي عبيدة. ٧- إعراب القرآن. ٨- تأويل الرؤيا. ٩- تأويل مختلف الحديث. ١٠- تأويل مشكل القرآن (وهو الكتاب الذي بين أيدينا) . ١١- تقويم اللسان. ١٢- تفسير القرآن. ١٣- جامع الفقه. ١٤- جامع النحو الكبير. ١٥- جامع النحو الصغير. ١٦- الجوابات الحاضرة. ١٧- حكم الأمثال. ١٨- خلق الإنسان. ١٩- دلائل النبوّة.

стр. 7

٢٠- ديوان الكتاب. ٢١- طبقات الشعراء. ٢٢- عيون الأخبار، في الأدب والمحاضرات. ٢٣- عيون الشعر، يحتوي على عشرة كتب. ٢٤- غريب الحديث. ٢٥- غريب القرآن. ٢٦- فرائد الدرر. ٢٧- كتاب آلة الكتابة. ٢٨- كتاب الاختلاف في اللفظ. ٢٩- كتاب الأشربة. ٣٠- كتاب الأنواء. ٣١- كتاب الحكاية والمحكي. ٣٢- كتاب التسوية بين العرب والعجم. ٣٣- كتاب التفقيه. ٣٤- كتاب الجراثيم. ٣٥- كتاب الخيل. ٣٦- كتاب الرد على المشبهة. ٣٧- كتاب الرد على القائل بخلق القرآن. ٣٨- كتاب صناعة الكتابة. ٣٩- كتاب الشعر والشعراء. ٤٠- كتاب الصيام. ٤١- كتاب العلم. ٤٢- كتاب فضل العرب والتنبيه على علومها. ٤٣- كتاب القراءات.

стр. 8

٤٤- كتاب المراتب والمناقب من عيون الشعر. ٤٥- كتاب المسائل والأجوبة. ٤٦- كتاب المعارف، في التاريخ. ٤٧- كتاب الميسر والقداح. ٤٨- كتاب الوحش. ٤٩- كتاب الوزراء. ٥٠- مختلف الحديث. ٥١- مشكلات القرآن. ٥٢- معاني الشعر، يحتوي اثني عشر كتابا، ٥٣- معجزات النبي ﵌. توفي ابن قتيبة، فيما يقول تلميذه أبو القاسم إبراهيم الصائغ: أنه أكل هريسة، فأصاب حرارة، ثم صاح صيحة شديدة، ثم أغمي عليه إلى وقت صلاة الظهر، ثم اضطرب ساعة، ثم هدأ، فما زال يتشّهد إلى وقت السحر، ثم مات، وذلك أول ليلة من رجب سنة ٢٧٦ هـ.

стр. 9

مقدمه المؤلف بسم الله الرّحمن الرّحيم قال عبد الله بن مسلم بن قتيبة: الحمد لله الذي نهج لنا سبل الرّشاد، وهدانا بنور الكتاب، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً [الكهف: ١] بل نزّله قيّما مفصّلا بيّنا لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) [فصلت: ٤٢] وشرّفه، وكرّمه، ورفعه وعظّمه، وسماه روحا ورحمة، وشفاء وهدى، ونورا. وقطع منه بمعجز التّأليف أطماع الكائدين، وأبانه بعجيب النّظم عن حيل المتكلّفين، وجعله متلوّا لا يملّ على طول التّلاوة، ومسموعا لا تمجّه الآذان، وغضّا لا يخلق على كثرة الرد، وعجيبا. لا تنقضي عجائبه، ومفيدا لا تنقطع فوائده، ونسخ به سالف الكتب. وجمع الكثير من معانيه في القليل من لفظه، وذلك معنى قول رسول الله، ﵌: «أوتيت جوامع الكلم» «١» . فإن شئت أن تعرف ذلك فتدبر قوله سبحانه: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩) [الأعراف: ١٩٩] كيف جمع له بهذا الكلام كل خلق عظيم، لأن في (أخذ

стр. 10

العفو) : صلة القاطعين، والصفح عن الظالمين، وإعطاء المانعين. وفي (الأمر بالعرف) : تقوى الله وصلة الأرحام، وصون اللّسان عن الكذب، وغضّ الطّرف عن الحرمات. وإنما سمّي هذا وما أشبهه (عرفا) و (معروفا) ، لأن كل نفس تعرفه، وكل قلب يطمئنّ إليه. وفي (الإعراض عن الجاهلين) : الصبر، والحلم، وتنزيه النفس عن مماراة السّفيه، ومنازعة اللّجوج. وقوله تعالى: إذ ذكر الأرض فقال: أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها (٣١) [النازعات: ٣١] كيف دلّ بشيئين على جميع ما أخرجه من الأرض قوتا ومتاعا للأنام، من العشب والشجر، والحب والثمر والحطب، والعصف واللّباس، والنّار والملح، لأن النار من العيدان، والملح من الماء. وينبئك أنه أراد ذلك قوله: مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٣) [النازعات: ٣٣] . وفكّر في قوله تعالى حين ذكر جنات الأرض فقال: يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ [الرعد: ٤] كيف دلّ على نفسه ولطفه، ووحدانيته، وهدّى للحجّة على من ضلّ عنه، لأنه لو كان ظهور الثمرة بالماء والتّربة، لوجب في القياس ألا تختلف الطعوم، ولا يقع التّفاضل في الجنس الواحد، إذا نبت في مغرس واحد، وسقي بماء واحد، ولكنّه صنع اللطيف الخبير. ونحو قوله: وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ [الروم: ٢٢] يريد اختلاف، اللّغات، والمناظر، والهيئات. وفي قوله تعالى: وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ [النمل: ٨٨] يريد: أنها تجمع وتسيّر، فهي لكثرتها كأنها جامدة واقفة في رأي العين، وهي تسير سير السحاب. وكل جيش غصّ الفضاء به، لكثرته، وبعد ما بين أطرافه، فقصر عنه البصر- فكأنه في حسبان الناظر واقف وهو يسير. وإلى هذا المعنى ذهب الجعديّ في وصف جيش فقال «١» :

стр. 11

بأرعن مثل الطّود تحسب أنهم ... وقوف لحاج والرّكاب تهملج وفي قوله جلّ ذكره: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ [البقرة: ١٧٩] يريد أن سافك الدّم إذا أقيد منه ارتدع من كان يهمّ بالقتل، فكان في القصاص له حياة وهو قتل. وأخذه الشاعر فقال «١» : أبلغ أبا مالك عنّي مغلغلة ... وفي العتاب حياة بين أقوام يريد أنهم إذا تعاتبوا أصلح ما بينهم العتاب فكفّوا عن القتل، فكان في ذلك حياة. وأخذه المتمثّلون فقالوا: «بعض القتل إحياء للجميع» «٢» . وقالوا: «القتل أقلّ للقتل» «٣» . وتبيّن قوله في وصف خمر أهل الجنة: لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (١٩) [الواقعة: ١٩] كيف نفى عنها بهذين اللفظين جميع عيوب الخمر، وجمع بقوله: (ولا ينزفون) عدم العقل، وذهاب المال، ونفاد الشراب. وقوله: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ (٤٢) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ (٤٣) [يونس: ٤٢، ٤٣] كيف دلّ على فضل السّمع على البصر، حين جعل مع الصمم فقدان العقل، ولم يجعل مع العمى إلا فقدان النظر. وقوله: إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ [النساء: ١٤٥، ١٤٦] فدلّ على أن المنافقين شرّ من كفر به، وأولاهم بمقته، وأبعدهم من الإنابة إليه، لأنه شرط عليهم في التوبة: الإصلاح والاعتصام، ولم يشرط ذلك على غيرهم. ثم شرط الإخلاص، لأن النّفاق ذنب القلب، والإخلاص توبة القلب.

стр. 12

ثم قال: فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [النساء: ١٤٦] ولم يقل: فأولئك هم المؤمنون. ثم قال: وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً [النساء: ١٤٦] ولم يقل وسوف يؤتيهم الله، بغضا لهم، وإعراضا عنهم، وحيدا بالكلام عن ذكرهم. وقوله في المنافقين: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ [المنافقون: ٤] فدلّ على جبنهم، واستشرافهم لكل ناعر، ومرهج على الإسلام وأهله. وأخذه الشاعر- وأنّى له هذا الاختصار- فقال «١» : ولو أنّها عصفورة لحسبتها ... مسوّمة تدعو عبيدا وأزنما يقول: لو طارت عصفورة لحسبتها من جبنك خيلا تدعو هاتين القبيلتين. وقال الآخر «٢» : ما زلت تحسب كل شيء بعدهم ... خيلا تكرّ عليكم ورجالا وهذا في القرآن أكثر من أن نستقصيه. وقد قال قوم بقصور العلم وسوء النظر في قوله تعالى: وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ [الكهف: ١٧] : وما في هذا الكلام من الفائدة؟. وما في الشمس إذا مالت بالغداة والعشيّ عن الكهف من الخبر؟. ونحن نقول: وأيّ شيء أولى بأن يكون فائدة من هذا الخبر؟ وأيّ معنى ألطف مما أودع الله هذا الكلام؟. وإنما أراد : أن يعرّفنا لطفه للفتية، وحفظه إياهم في المهجع، واختياره لهم أصلح المواضع للرّقود، فأعلمنا أنه بوّأهم كهفا في مقنأة الجبل «٣» ، مستقبلا بنات

стр. 13

نعش، فالشمس تزورّ عنه وتستدبره: طالعة، وجارية، وغاربة. ولا تدخل عليهم فتؤذيهم بحرّها وتلفحهم بسمومها، وتغيّر ألوانهم، وتبلي ثيابهم. وأنهم كانوا في فجوة من الكهف- أي متّسع منه- ينالهم فيه نسيم الريح وبردها، وينفي عنهم غمّة الغار وكربه. وليس جهلهم بما في هذه الآية من لطيف المعنى، بأعجب من هذا جهلهم بمعنى قوله: وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ [الحج: ٤٥] حتى أبدأوا في التعجّب منه وأعادوا، حتى ضربه بعض المجّان لبارد شعره مثلا. وهل شيء أبلغ في العبرة والعظة من هذه الآية؟ لأنه أراد: أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها، أو آذان يسمعون بها، فينظروا إلى آثار قوم أهلكهم الله بالعتوّ، وأبادهم بالمعصية، فيروا من تلك الآثار بيوتا خاوية قد سقطت على عروشها، وبئرا كانت لشرب أهلها قد عطّل رشاؤها، وغار معينها، وقصرا بناه ملكه بالشّيد «١» قد خلا من السّكن، وتداعى بالخراب، فيتعظوا بذلك، ويخافوا من عقوبة الله وبأسه، مثل الذي نزل بهم. ونحوه قوله: فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ [الأحقاف: ٢٥] : ولم يزل الصالحون يعتبرون بمثل هذا، ويذكرونه في خطبهم ومقاماتهم: فكان سليمان ﵌، إذا مرّ بخراب قال: يا خرب الخربين أين أهلك الأوّلون؟. وقال: أبو بكر ﵁، في بعض خطبه: أين بانو المدائن ومحصّنوها بالحوائط؟ أين مشيّدو القصور، وعامروها؟ أين جاعلو العجب فيها لمن بعدهم؟ تلك منازلهم خالية، وهذه منازلهم في القبور خاوية، هل تحسّ منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا؟. وهذا الأسود بن يعفر يقول» :

стр. 14

ماذا أؤمّل بعد آل محرّق ... تركوا منازلهم وبعد إياد أهل الخورنق والسّدير وبارق ... والقصر ذي الشّرفات من سنداد نزلوا بأنقرة يسيل عليهم ... ماء الفرات يجيء من أطواد أرض تخيّرها لطيب مقيظها ... كعب بن مامة وابن أم دؤاد جرت الرياح على محلّ ديارهم ... فكأنهم كانوا على ميعاد فأرى النعيم وكلّ ما يلهى به ... يوما يصير إلى بلىّ ونفاد وهذه الشّعراء تبكي الديار، وتصف الآثار، وإنما تسمعهم يذكرون دمنا وأوتادا، وأثافيّ ورمادا، فكيف لم يعجبوا من تذكّرهم أهل الديار بمثل هذه الآثار، وعجبوا من ذكر الله، سبحانه أحسن ما يذكر منها وأولاه بالصّفة، وأبلغه في الموعظة؟.

стр. 15

باب ذكر العرب وما خصّهم الله به من العارضة والبيان واتّساع المجاز وإنما يعرف فضل القرآن من كثر نظره، واتسع علمه، وفهم مذاهب العرب وافتنانها في الأساليب، وما خصّ الله به لغتها دون جميع اللغات، فإنه ليس في جميع الأمم أمّة أوتيت من العارضة، والبيان، واتساع المجال، ما أوتيته العرب خصّيصى من الله، لما أرهصه في الرسول، وأراده من إقامة الدليل على نبوّته بالكتاب، فجعله علمه، كما جعل علم كل نبي من المرسلين من أشبه الأمور بما في زمانه المبعوث فيه: فكان لموسى فلق البحر، واليد، والعصا، وتفجّر الحجر في التّيه بالماء الرّواء، إلى سائر أعلامه زمن السّحر. وكان لعيسى إحياء الموتى، وخلق الطير من الطين، وإبراء الأكمه والأبرص، إلى سائر أعلامه زمن الطب. وكان لمحمد ﵌، الكتاب الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله، لم يأتوا به، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، إلى سائر أعلامه زمن البيان. فالخطيب من العرب، إذا ارتجل كلاما في نكاح، أو حمالة، أو تحضيض، أو صلح، أو ما أشبه ذلك- لم يأت به من واد واحد، بل يفتنّ: فيختصر تارة إرادة التخفيف، ويطيل تارة إرادة الإفهام، ويكرّر تارة إرادة التوكيد، ويخفي بعض معانيه حتى يغمض على أكثر السامعين، ويكشف بعضها حتى يفهمه بعض الأعجميين، ويشير إلى الشيء ويكني عن الشيء. وتكون عنايته بالكلام على حسب الحال، وقدر الحفل، وكثرة الحشد، وجلالة المقام. ثمّ لا يأتي بالكلام كلّه، مهذّبا كلّ التّهذيب، ومصفّى كلّ التّصفية، بل تجده يمزج ويشوب، ليدل بالنّاقص على الوافر، وبالغثّ على السمين. ولو جعله كلّه

стр. 16

نجرا «١» واحدا، لبخسه بهاءه، وسلبه ماءه. ومثل ذلك الشّهاب من القبس نبرزه للشّعاع، والكوكبان يقترنان، فينقص النّوران، والسّخاب «٢» ينظم بالياقوت والمرجان والعقيق والعقيان، ولا يجعل كلّه جنسا واحدا من الرفيع الثّمين، ولا النّفيس المصون. وألفاظ العرب مبنية على ثمانية وعشرين حرفا، وهي أقصى طوق اللّسان. وألفاظ جميع الأمم قاصرة عن ثمانية وعشرين ولست واجدا في شيء من كلامهم حرفا ليس في حرفنا إلا معدولا عن مخرجه شيئا، مثل الحرف المتوسط مخرجي القاف والكاف، والحرف المتوسط مخرجي الفاء والباء. فهذه حال العرب في مباني ألفاظها. ولها الإعراب الذي جعله الله وشيا لكلامها، وحلية لنظامها، وفارقا في بعض الأحوال بين الكلامين المتكافئين، والمعنيين المختلفين كالفاعل والمفعول، لا يفرّق بينهما، إذا تساوت حالاهما في إمكان الفعل أن يكون لكلّ واحد منهما- إلا بالإعراب. ولو أن قائلا قال: هذا قاتل أخي بالتنوين، وقال آخر: هذا قاتل أخي بالإضافة- لدّل التنوين على أنه لم يقتله، ودلّ حذف التنوين على أنه قد قتله. ولو أن قارئا قرأ: فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٦) [يس: ٧٦] وترك طريق الابتداء بإنّا، وأعمل القول فيها بالنصب على مذهب من ينصب (أنّ) بالقول كما ينصبها بالظن- لقلب المعنى عن جهته، وأزاله عن طريقته، وجعل النبيّ، ﵇، محزونا لقولهم: إنّ الله يعلم ما يسرّون وما يعلنون. وهذا كفر ممن تعمّده، وضرب من اللحن لا تجوز الصلاة به، ولا يجوز للمأموين أن يتجوّزوا فيه. وقد قال رسول الله ﵌: «لا يقتل قرشي صبرا بعد اليوم» «٣» . فيمن رواه «حزما» أوجب ظاهر الكلام للقرشي ألا تقتل إن ارتد، ولا يقتصّ منه إن قتل.

стр. 17

ومن رواه «رفعا» انصرف التأويل إلى الخبر عن قريش: أنه لا يرتدّ منها أحد عن الإسلام فيستحقّ القتل. أفما ترى الإعراب كيف فرق بين هذين المعنيين. وقد يفرقون بحركة البناء في الحرف الواحد بين المعنيين. فيقولون: رجل لعنة، إذا كان يلعنه الناس. فإن كان هو الذي يلعن الناس، قالوا: رجل لعنة فحركوا العين بالفتح. ورجل سبّة إذا كان يسبه الناس، فإن كان هو يسبّ الناس قالوا: رجل سببة. وكذلك: هزأة، وهزأة وسخرة، وسخرة وضحكة، وضحكة وخدعة، وخدعة. وقد يفرقون بين المعنيين المتقاربين بتغيير حرف في الكلمة حتى يكون تقارب ما بين اللفظين، كتقارب ما بين المعنيين. كقولهم للماء الملح الذي لا يشرب إلا عند الضرورة: شروب، ولما كان دونه مما قد يتجوّز به: شريب. وكقولهم لما ارفضّ على الثوب من البول إذ كان مثل رؤوس الإبر: نضح، ورشّ الماء عليه يجزىء من الغسل، فإن زاد على ذلك قليلا قيل له: نضخ ولم يجزىء فيه إلا الغسل. وكقولهم للقبض بأطراف الأصابع: قبض وبالكف: قبض وللأكل بأطراف الأسنان: قضم وبالفم: خضم. ولما ارتفع من الأرض: حزن فإن زاد قليلا قيل: حزم. وللذي يجد البرد: خصر فإن كان مع ذلك جوع قيل: خرص. وللنار إذا طفئت: هامدة فإن سكن اللهب وبقي من جمرها شيء قيل: خامدة. وللقائم من الخبل: صائم فإن كان ذلك من حفىّ أو وجى، قيل: صائن. وللعطاء: شكد فإن كان مكافأة قيل: شكم. وللخطأ من غير التعمد: غلط فإن كان في الحساب قيل: غلت. وللضيق في العين: خوص فإن كان ذلك في مؤخّرها قيل: حوص.

стр. 18

وقد يكتنف الشيء معان فيشتقّ لكل معنى منها اسم من اسم ذلك الشيء، كاشتقاقهم من البطن للخميص: مبطّن وللعظيم البطن إذا كان خلقة: بطين فإذا كان من كثرة الأكل قيل مبطان وللمنهوم: بطن وللعليل البطن: مبطون. ويقولون: وجدت الضّالة ووجدت في الغضب، ووجدت في الحزن، ووجدت في الاستغناء. ثم يجعلون الاسم الضّالة: وجودا ووجدانا وفي الحزن وجدا وفي الغضب موجدة وفي الاستغناء وجدا. في أشياء كثيرة، ليس لاستقصاء ذكرها في كتابنا هذا، وجه. وللعرب الشّعر الذي أقامه الله تعالى لها مقام الكتاب لغيرها، وجعله لعلومها مستودعا، ولآدابها حافظا، ولأنسابها مقيّدا، ولأخبارها ديوانا لا يرثّ على الدّهر، ولا يبيد على مرّ الزّمان. وحرسه بالوزن، والقوافي، وحسن النّظم، وجودة التخيير- من التدليس والتّغيير، فمن أراد أن يحدث فيه شيئا عسر ذلك عليه، ولم يخف له كما يخفى في الكلام المنثور. وقد تجد الشاعر منهم ربما زال عن سننهم شيئا، فيقولون له: ساندت، وأقويت، وأكفأت، وأوطأت. وإنما خالف في السّناد بين ردفين، أو حرفين قبل ردفين، كقول عمرو بن كلثوم «١» : ألا هبّي بصحنك فاصبحينا ... ولا تبقي خمور الأندرينا وقال في بيت آخر «٢» : كأن متونهنّ متون غدر ... تصفّقها الرياح إذا جرينا فالحاء من فأصبحينا (ردف) وهي مكسورة، والراء من جرينا (ردف) وهي مفتوحة.

стр. 19

وخالف في (الإقواء) بحرف نقصه من شطر البيت الأول، كقول الآخر «١» : جنّت نوار ولات هنّا حنّت ... وبدا الذي كانت نوار أجنّت لمّا رأت ماء السّلا مشروبا ... والفرث يعصر في الإناء أرنّت وكقول حميد بن ثور «٢» : إني كبرت وإنّ كلّ كبير ... ممّا يظنّ به يملّ ويفتر وخالف في الإكفاء بأن رفع قافية وخفض أخرى. وخالف في الإبطاء بأن أعاد قافية مرتين. وقال ابن الرّقاع يذكر تنقيحه شعره «٣» : وقصيدة قد بتّ أجمع بينها ... حتى أقوّم ميلها وسنادها نظر المثقّف في كعوب قناته ... حتى يقيم ثقافه منآدها وقال ذو الرّمّة «٤» : وشعر قد أرقت له غريب ... أجانبه المساند والمحالا هذا قول أبي عبيدة.

стр. 20

وبعضهم يجعل الإقواء رفع قافية وجرّ أخرى. وقول أبي عبيدة أجود عندي لأن الإقواء من القوّة، والقوّة: طاقة من الحبل، يقال: ذهبت قوّة من الحبل، إذا ذهبت منه طاقة، وكذلك إذا ذهب جزء من البيت، وهو الذي يسمى المزاحف. فقد ذهبت منه قوة، كما ذهب قوة من الحبل، كما قال ذلك «١» : لما رأت ماء السلا مشروبا فقد ذهب منه شيء، فلو قال: (مشروبة) لكان مستويا. وللعرب المجازات في الكلام، ومعناها: طرق القول ومآخذه. ففيها الاستعارة: والتمثيل، والقلب، والتقديم، والتأخير، والحذف، والتكرار، والإخفاء، والإظهار، والتعريض، والإفصاح، والكناية، والإيضاح، ومخاطبة الواحد مخاطبة الجميع، والجميع خطاب الواحد، والواحد والجميع خطاب الاثنين، والقصد بلفظ الخصوص لمعنى العموم، وبلفظ العموم لمعنى الخصوص مع أشياء كثيرة ستراها في أبواب المجاز إن شاء الله تعالى. وبكل هذه المذاهب نزل القرآن ولذلك لا يقدر أحد من التراجم على أن ينقله إلى شيء من الألسنة، كما نقل الإنجيل عن السّريانية إلى الحبشيّة والرّومية، وترجمت التوراة والزبور، وسائر كتب الله تعالى بالعربية لأن العجم لم تتّسع في المجاز اتّساع العرب. ألا ترى أنك لو أردت أن تنقل قوله تعالى: وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ [الأنفال: ٥٨]- لم تستطع أن تأتي بهذه الألفاظ مؤدية عن المعنى الذي أودعته حتى تبسط مجموعها، وتصل مقطوعها وتظهر مستورها، فتقول: إن كان بينك وبين قوم هدنة وعهد، فخفت منهم خيانة ونقضا، فأعلمهم أنك قد نقضت ما شرطت لهم، وآذنهم بالحرب لتكون أنت وهم في العلم بالنّقض على استواء. وكذلك قوله تعالى: فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً (١١) [الكهف: ١١] إن أردت أن تنقله بلفظه، لم يفهمه المنقول إليه، فإن قلت: أنمناهم سنين عددا،

стр. 21

لكنت مترجما للمعنى دون اللفظ. وكذلك قوله تعالى: وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً (٧٣) [الفرقان: ٧٣] إن ترجمته بمثل لفظه استغلق، وإن قلت: لم يتغافلوا أدّيت المعنى بلفظ آخر. وقد اعترض كتاب الله بالطعن ملحدون ولغوا فيه وهجروا، واتبعوا ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ [آل عمران: ٧] بأفهام كليلة، وأبصار عليلة، ونظر مدخول، فحرّفوا الكلام عن مواضعه، وعدلوه عن سبله. ثم قضوا عليه بالتّناقض، والاستحالة، واللّحن، وفساد النّظم، والاختلاف. وأدلوا في ذلك بعلل ربما أمالت الضّعيف الغمر، والحدث الغرّ، واعترضت بالشبه في القلوب، وقدحت بالشكوك في الصدور. ولو كان ما نحلوا إليه على تقريرهم وتأوّلهم- لسبق إلى الطعن به من لم يزل رسول الله، ﵌، يحتجّ عليه بالقرآن، ويجعله العلم لنبوّته، والدليل على صدقه، ويتحداه في موطن بعد موطن، على أن يأتي بسورة من مثله. وهم الفصحاء والبلغاء، والخطباء والشعراء، والمخصوصون من بين جميع الأنام بالألسنة الحداد، واللّدد، في الخصام، مع اللّب والنّهى، وأصالة الرّأي. وقد وصفهم الله بذلك في غير موضع من الكتاب، وكانوا مرّة يقولون: هو سحر، ومرة يقولون: هو قول الكهنة، ومرة: أساطير الأولين. ولم يحك الله تعالى عنهم، ولا بلغنا في شيء من الروايات- أنهم جدبوه من الجهة التي جدبه منها الطاعنون. فأحببت أن أنضح عن كتاب الله، وأرمي من ورائه بالحجج النيّرة، والبراهين البيّنة، وأكشف للناس ما يلبسون. فألفت هذا الكتاب، جامعا لتأويل مشكل القرآن، مستنبطا ذلك من التفسير بزيادة في الشرح والإيضاح، وحاملا ما لم أعلم فيه مقالا لإمام مطّلع- على لغات العرب لأري به المعاند موضع المجاز، وطريق الإمكان، من غير أن أحكم فيه برأي، أو أقضي عليه بتأويل. ولم يجز لي أن أنص بالإسناد إلى من له أصل التفسير إذ كنت لم أقتصر على وحي القوم حتى كشفته، وعلى إيمائهم حتى أوضحته، وردت في الألفاظ ونقصت،

стр. 22

وقدّمت وأخرت، وضربت لبعض ذلك الأمثال والأشكال، حتى يستوي في فهمه السامعون. وأسأل الله التجاوز عن الزّلة بحسن النية، فيما دللت عليه، وأجريت إليه، والتوفيق للصواب، وحسن الثواب. الحكاية عن الطاعنين وكان مما بلغنا عنهم: أن يحتجّون بقوله : وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء: ٨٢] وبقوله: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ [فصلت: ٤٢] . وقالوا: وجدنا الصحابة، ﵃، ومن بعدهم، يختلفون في الحرف: فابن عباس يقرأ: وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [يوسف: ٤٥] وغيره يقرأ: بَعْدَ أُمَّةٍ. و «عائشة» تقرأ: «إذ تلقونه» [النور: ١٥] وغيرها يقرأ: تَلَقَّوْنَهُ. وأبو بكر الصديق يقرأ وجاءت سكرة الحقّ بالموت والناس يقرؤون: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ [ق: ١٩] . وقرأ بعض القراء: وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وقرأ الناس: وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً [يوسف: ٣١] . وكان ابن مسعود يقرأ: إن كانت إلا زقية واحدة [يس: ٢٩] ويقرأ كالصوف المنفوش [القارعة: ٥] . مع أشباه لهذه كثيرة، يخالف فيها مصحفه المصاحف القديمة والحديثة. وكان يحذف من مصحفه أمّ الكتاب ويمحو المعوّذتين ويقول: لم تزيدون في كتاب الله ما ليس فيه؟. و (أبيّ) يقرأ: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها [طه: ١٥] من نفسي فكيف أظهركم عليها. ويزيد في مصحفه افتتاح (دعاء القنوت) إلى قول الداعي: (إن عذابك بالكافرين ملحق) ويعدّه سورتين من القرآن. و (القرّاء) يختلفون: فهذا يرفع ما ينصبه ذاك، وذاك يخفض ما يرفعه هذا. وأنتم تزعمون أن هذا كله كلام رب العالمين، فأيّ شيء بعد هذا الاختلاف تريدون؟ وأي باطل بعد الخطإ واللحن تبتغون؟. وقد رويتم من الطريق الذي ترتضون: روى أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن (عائشة) أنها قالت:

стр. 23

ثلاثة أحرف في كتاب الله هنّ خطأ من الكاتب: قوله: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ [طه: ٦٣] . وفي سورة المائدة: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ [المائدة: ٦٩] . وفي سورة النساء: لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ [النساء: ١٦٢] حدثناه إسحاق بن راهويه. قالوا: ورويتم عن عثمان أنه نظر في المصحف فقال: أرى فيه لحنا وستقيمه العرب بألسنتها. وقالوا: وهل التناقض إلا مثل قوله: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ (٣٩) [الرحمن: ٣٩] وهو يقول في موضع آخر: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣) [الحجر: ٩٢، ٩٣] . ومثل قوله: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) [المرسلات: ٣٥، ٣٦] . ويقول في موضع آخر: ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١) [الزمر: ٣١] . ويقول: هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [البقرة: ١١١] . ومثل قوله: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٥) [الطور: ٢٥، والصافات: ٢٧] . وهو يقول في موضع آخر: فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ [المؤمنون: ١٠١] . ومثل قوله: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ (٩) [فصلت: ٩] . وقال بعد ذلك: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (١١) فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ [فصلت: ١١، ١٢] فدلت هذه الآية على أنه خلق الأرض قبل السماء. وقال في موضع آخر: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها (٢٧) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها (٢٨) [النازعات: ٢٧، ٢٨] ثم قال: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) [النازعات: ٣٠] . فدلت هذه الآية على أنه خلق السماء قبل الأرض. ومثل قوله: لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) [الغاشية: ٦] . وهو يقول في موضع آخر: فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ (٣٥) وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦)

стр. 24

والضريع: نبت، فهل يجوز أن يكون في النار نبات وشجر، والنار تأكلهما؟. ومثل قوله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) [الأنفال: ٣٣] ، ثم قال على أثر ذلك: وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [الأنفال: ٣٤] . وقالوا: فأين قوله: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى، من قوله: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ [النساء: ٣] . وأين قوله: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ، من قوله: ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المائدة: ٩٧] . وأين قوله: أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ، من قوله: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [لقمان: ٣١] ، أو ليس هذا مما يستوي فيه الصبّار والشّكور وغير الصبّار والشّكور؟. وما معنى قوله: كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ [الحديد: ٢٠] ؟ ولم خص الكفار دون المؤمنين؟ أو ليس هذا مما يستوي فيه المؤمنون والكافرون، ولا ينقص إيمان المؤمنين إن أعجبهم؟. وقالوا في قوله : خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ [هود: ١٠٧] : استثناؤه المشيئة من الخلود، يدل على الزوال، وإلا فلا معنى للاستثناء. ثم قال: عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود: ١٠٨] ، أي غير مقطوع. وقالوا في قوله: لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى [الدخان: ٥٦] : كيف يستثنى موتا كان في الدنيا من مكثهم في الجنة؟ وهل يجوز أن يقال في الكلام: لا أعطيك اليوم درهما إلا ما أعطيتك أمس؟. وقالوا في قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (٩٦) [مريم: ٩٦] : هل يجوز أن يقال: فلان يجعل لك حبّا، أي يحبك؟. وفي قوله: وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً (٩) [النبأ: ٩] والسّبات هو: النوم، فكيف يجوز أن يجعل نومنا نوما؟. وفي قوله: وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا (١٥) قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ [الإنسان: ١٥، ١٦] وقوله: لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) [الذاريات: ٣٣] : كيف يكون زجاج من

стр. 25

فضة؟ وحجارة من طين؟. وقالوا في قوله: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ (٩٤) وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ (٩٥) [يونس: ٩٤، ٩٥] : هل كان النبي ﵌، يشك فيما يأتيه به جبريل؟ وكيف يدعو الشاكين من هو على مثل سبيلهم؟ وكيف يرتاب فيما يأتيه به الروح الأمين، ويأتيه الثّلج واليقين بخبر أهل الكتاب عنه أنه حق، وهم يكذبون ويحرّفون ويقولون على الله ما لا يعلمون؟. وقالوا في قوله: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا [مريم: ٦٢] : أنتم تزعمون أنه لا شمس هناك ولا ليل، وهذا يدل على أوقات مختلفة، وشمس وفيء، ونهار وليل، لأن البكرة تدل على أول النهار، والعشيّ يدل على آخره، وما كان له أول وآخر فله انصرام، وإذا انصرم عاقبه الليل والنهار. وقالوا في سورة الأنفال، حين ذكرها، ثم وصف المؤمنين فقال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) [الأنفال: ٢- ٤] ، ثم قال: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ [الأنفال: ٥] : و (كما) تأتي لتشبيه الشيء، ولم يتقدم من الكلام ما يشبّه به إخراج الله إياه. وقالوا في قوله: وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ (٤٠) [الرعد: ٤٠] كيف يكون عليه البلاغ بعد الوفاة؟. وقالوا: في قوله في الرعد: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ [الرعد: ٣٥] ، أين الشيء الذي جعلت له الجنة مثلا؟ وهل يجوز أن يقال: «مثل الدار التي وعدتك سكناها، يطّرد فيها نهر، وتظلك فيها، شجرة» . ويمسك القائل؟. قالوا: وقال في موضع آخر: يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ [الحج: ٧٣] ولم يأت به. وقالوا في قوله تعالى: وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ [الأحزاب: ١٠] : كيف تبلغ القلب الحلوق، والقلوب إن زال عن موضعه شيئا، مات صاحبه؟. وقالوا في قوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ [النحل: ١١٢] : كيف

стр. 26

يذاق اللباس؟ وإنما كان وجه الكلام: فألبسها الله لباس الجوع والخوف. أو غشّاها الله لباس الجوع والخوف. أو فأذاقها الله الجوع والخوف. ويحذف اللباس. وقالوا في قوله: سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦) [القلم: ١٦] : ما هذا من العقوبة؟ وفي أي الدّارين يسمه: أفي الدنيا أم في الآخرة؟. فإن كان في الدنيا، فإنه لم يبلغنا أن أحدا من المشركين، وسم على أنفه. وإن كان في النار، فما أعدّ للكافرين فيها من صنوف العذاب، أكثر من الوسم على الأنف. وقالوا: ماذا أراد بإنزال المتشابه في القرآن، من أراد لعباده الهدى والبيان؟. وتعلقوا بكثير منه لطف معناه: لما فيه من المجازات بمضمر لغير مذكور، أو محذوف من الكلام متروك، أو مزيد فيه يوضح معناه حذف الزيادة، أو مقدّم يوضح معناه التأخير، أو مؤخر يوضح معناه التقديم، أو مستعار، أو مقلوب. وتكلموا في الكناية، مثل قوله: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) [المسد: ١] ، ومثل قوله: لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا [الفرقان: ٢٨] . وفي تكرار الكلام في: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) [الكافرون: ١] ، وفي سورة الرحمن. وفي تكرار الأنباء والقصص، من غير زيادة ولا إفادة. وفي مخالفة معنى الكلام مخرجه. وقد ذكرت الحجّة عليهم في جميع ما ذكروا، وغيره مما تركوا، وهو يشبه ما أنكروا، ليكون الكتاب جامعا للفن الذي قصدت له. وأفردت للغريب كتابا، كي لا يطول هذا الكتاب، وليكون مقصورا على معناه، خفيفا على من قرأه إن شاء الله تعالى.

стр. 27

باب الرّد عليهم في وجوه القراءات أما ما اعتلوا به في وجوه القراءات من الاختلاف، فإنا نحتج عليهم فيه بقول النبي، ﵌: «نزل القرآن على سبعة أحرف، كلّها شاف كاف، فاقرؤوا كيف شئتم» «١» . وقد غلط في تأويل هذا الحديث قوم فقالوا: السبعة الأحرف: وعد، ووعيد، وحلال، وحرام، ومواعظ، وأمثال، واحتجاج. وقال آخرون: هي سبع لغات في الكلمة. وقال قوم: حلال، وحرام، وأمر، ونهي، وخبر ما كان قبل، وخبر ما هو كائن بعد، وأمثال. وليس شيء من هذه المذاهب لهذا الحديث بتأويل. ومن قال: فلان يقرأ بحرف أبي عمرو «٢» أو بحرف عاصم «٣» فإنه لا يريد شيئا

стр. 28

مما ذكروا. وليس يوجد في كتاب الله حرف قرىء على سبعة أوجه- يصح، فيما أعلم. وإنما تأويل قوله، ﵌: «نزل القرآن على سبعة أحرف» «١» : على سبعة أوجه من اللغات متفرّقة في القرآن، يدلّك على ذلك قول رسول الله، ﵌: «فاقرؤوا كيف شئتم» . وقال عمر: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها، وقد كان النبي ﵌ أقرأنيها، فأتيت به النبي ﵌، فأخبرته فقال له: اقرأ، فقرأ تلك القراءة، فقال: هكذا أنزلت. ثم قال لي: اقرأ، فقرأت، فقال: هكذا أنزلت. ثم قال: «إنّ هذا القرآن نزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا منه ما تيسّر» . فمن قرأه قراءة عبد الله «٢» فقد قرأ بحرفه، ومن قرأ قراءة أبيّ «٣» فقد قرأ بحرفه، ومن قرأ قراءة زيد «٤» فقد قرأ بحرفه. والحرف يقع على المثال المقطوع من حروف المعجم، وعلى الكلمة الواحدة، ويقع الحرف على الكلمة بأسرها، والخطبة كلها، والقصيدة بكمالها. ألا ترى أنهم يقولون: قال الشاعر كذا في كلمته، يعنون في قصيدته. والله جل

стр. 29

وعز يقول: وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ [التوبة: ٧٤] ، وقال: وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى [الفتح: ٢٦] ، وقال: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (١٧٣) [الصافات: ١٧١، ١٧٣] . وقال: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ [الحج: ١١] ، أراد : من الناس من يعبد الله على الخير يصيبه من تثمير المال، وعافية البدن، وإعطاء السّؤل، فهو مطمئن ما دام ذلك له. وإن امتحنه الله تعالى باللّأواء في عيشه، والضّراء في بدنه وماله، كفر به. فهذا عبد الله على وجه واحد، ومعنى متحد، ومذهب واحد، وهو معنى الحرف. ولو عبد الله على الشكر للنعمة، والصبر للمصيبة، والرّضا بالقضاء- لم يكن عبده على حرف. وقد تدبّرت وجوه الخلاف في القراءات فوجدتها سبعة أوجه : أولها: الاختلاف في إعراب الكلمة، أو في حركة بنائها بما لا يزيلها عن صورتها في الكتاب ولا يغيّر معناها نحو قوله تعالى: هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ [هود: ٧٨] وأطهر لكم وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ [سبأ: ١٧] وهل يجازى إلّا الكفور، وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ [النساء: ٣٧] وبالبخل، فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ [البقرة: ٢٨٠] وميسرة. والوجه الثاني: أن يكون الاختلاف في إعراب الكلمة وحركات بنائها بما يغيّر معناها، ولا يزيلها عن صورتها في الكتاب، نحو قوله تعالى: رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا [سبأ: ١٩] وربّنا باعد بين أسفارنا، وإِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ [النور: ١٥] وتلقونه، وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [يوسف: ٤٥] وبعد أمة. والوجه الثالث: أن يكون الاختلاف في حروف الكلمة دون إعرابها، بما يغيّر معناها ولا يزيل صورتها، نحو قوله: وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها [البقرة: ٢٥٩] وننشرها، ونحو قوله: حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ [سبأ: ٢٣] وفرّغ. والوجه الرابع: أن يكون الاختلاف في الكلمة بما يغيّر صورتها في الكتاب، ولا يغيّر معناها، نحو قوله: «إن كانت إلّا زقية» وصَيْحَةً [يس: ٢٩] و «كالصّوف المنفوش» ووَ تَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) [القارعة: ٥] . والوجه الخامس أن يكون الاختلاف في الكلمة بما يزيل صورتها ومعناها نحو قوله: «وطلع منضود» في موضع وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) [الواقعة: ٢٩] .

стр. 30

والوجه السادس: أن يكون الاختلاف بالتقديم والتأخير. نحو قوله: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ [ق: ١٩] ، وفي موضع آخر: «وجاءت سكرة الحقّ بالموت» . والوجه السابع: أن يكون الاختلاف بالزيادة والنقصان، نحو قوله تعالى: «وما عملت أيديهم» ، وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ [يس: ٣٥] ، ونحو قوله: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [لقمان: ٢٦] وإن الغني الحميد. وقرأ بعض السلف: إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً [ص: ٢٣] أنثى، وإِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها [طه: ١٥] من نفسي فكيف أظهركم عليها. فأما زيادة دعاء القنوت في مصحف أبيّ، ونقصان أمّ الكتاب والمعوّذتين من مصحف عبد الله، فليس من هذه الوجوه، وسنخبر بالسبب فيه، إن شاء الله. وكل هذه الحروف كلام الله تعالى نزل به الروح الأمين على رسوله ﵇ وذلك أنه كان يعارضه في كل شهر من شهور رمضان بما اجتمع عنده من القرآن فيحدث الله إليه من ذلك ما يشاء، وينسخ ما يشاء، وييسّر على عباده ما يشاء. فكان من تيسيره: أن أمره بأن يقرىء كل قوم بلغتهم وما جرت عليه عادتهم: فالهذليّ يقرأ «عتّى حين» يريد حَتَّى حِينٍ [المؤمنون: ٥٤] ، لأنه هكذا يلفظ بها ويستعملها. والأسديّ يقرأ: تعلمون وتعلم وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [آل عمران: ١٠٦] وأَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ [يس: ٦٠] . والتّميميّ يهمز. والقرشيّ لا يهمز. والآخر يقرأ وَإِذا قِيلَ لَهُمْ [البقرة: ١١] وَغِيضَ الْماءُ [هود: ٤٤] بإشمام الضم مع الكسر، وهذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا [يوسف: ٦٥] بإشمام الكسر مع الضم وما لَكَ لا تَأْمَنَّا [يوسف: ١١] بإشمام الضم مع الإدغام، وهذا ما لا يطوع به كل لسان. ولو أن كل فريق من هؤلاء، أمر أن يزول عن لغته، وما جرى عليه اعتياده طفلا وناشئا وكهلا- لاشتد ذلك عليه، وعظمت المحنة فيه، ولم يمكنه إلا بعد رياضة للنفس طويلة، وتذليل للّسان، وقطع للعادة. فأراد الله، برحمته ولطفه، أن يجعل لهم متّسعا في اللغات، ومتصرّفا في الحركات، كتيسيره عليهم في الدّين حين أجاز لهم على لسان رسوله، ﵌، أن يأخذوا باختلاف العلماء من صحابته في فرائضهم وأحكامهم، وصلاتهم وصيامهم، وزكاتهم وحجّهم، وطلاقهم وعتقهم، وسائر أمور دينهم.

стр. 31

فإن قال قائل: هذا جائز في الألفاظ المختلفة إذا كان المعنى واحدا، فهل يجوز أيضا إذا اختلفت المعاني؟. قيل له: الاختلاف نوعان: اختلاف تغاير، واختلاف تضادّ. فاختلاف التّضاد لا يجوز، ولست واجده بحمد الله في شيء من القرآن إلا في الأمر والنهي من الناسخ والمنسوخ. (واختلاف التغاير جائز) ، وذلك مثل قوله: وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [يوسف: ٤٥] أي بعد حين، وبَعْدَ أُمَّةٍ أي بعد نسيان له، والمعنيان جميعا وإن اختلفا صحيحان، لأنه ذكر أمر يوسف بعد حين وبعد نسيان له، فأنزل الله على لسان نبيه ﵌، بالمعنيين جميعا في غرضين. وكقوله: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ [النور: ١٥] أي تقبلونه وتقولونه، و (تلقونه) من الولق، وهو الكذب، والمعنيان جميعا وإن اختلفا صحيحان، لأنهم قبلوه وقالوه، وهو كذب، فأنزل الله على نبيه بالمعنيين جميعا في غرضين. وكقوله: رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا [سبأ: ١٩] على طريق الدعاء والمسألة، و «ربّنا باعد بين أسفارنا» على جهة الخير، والمعنيان وإن اختلفا صحيحان، لأن أهل سبأ سألوا الله أن يفرّقهم في البلاد فقالوا: رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا فلما فرقهم الله في البلاد أيادي سبأ، وباعد بين أسفارهم، قالوا: ربّنا باعد بين أسفارنا وأجابنا إلى ما سألنا، فحكى الله سبحانه عنهم بالمعنيين في غرضين. وكذلك قوله: لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الإسراء: ١٠٢] ولَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ لأن فرعون قال لموسى إن آياتك التي أتيت بها سحر. فقال موسى مرّة: لقد علمت ما هي سحر ولكنها بصائر، وقال مرّة: لقد علمت أنت أيضا ما هي سحر، وما هي إلا بصائر. فأنزل الله المعنيين جميعا. وقوله: وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً [يوسف: ٣١] وهو الطعام، و (أعتدت لهن متكا) وهو الأترج، ويقال: الزّماورد، فدلت هذه القراءة على معنى ذلك الطعام، وأنزل الله بالمعنيين جميعا. وكذلك ننشرها و «ننشزها» [البقرة: ٢٥٩] ، لأن الإنشار: الإحياء، والإنشاز هو: التحريك للنقل، والحياة حركة، فلا فرق بينهما. وكذلك: فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ [سبأ: ٢٣] و (فرّغ) ، لأن فرّغ: خفف عنها الفزع، وفرّغ: فرّغ عنها الفزع.

стр. 32

وكل ما في القرآن من تقديم أو تأخير، أو زيادة أو نقصان- فعلى مثل هذه السبيل. فإن قال قائل: فهل يجوز لنا أن نقرأ بجميع هذه الوجوه؟. قيل له: كل ما كان منها موافقا لمصحفنا غير خارج من رسم كتابه- جاز لنا أن نقرأ به. وليس لنا ذلك فيما خالفه، لأن المتقدمين من الصحابة والتابعين، قرؤوا بلغاتهم، وجروا على عادتهم، وخلّوا أنفسهم وسوم طبائعهم، فكان ذلك جائزا لهم، ولقوم من القرّاء بعدهم مأمونين على التنزيل، عارفين بالتأويل، فأما نحن معشر المتكلفين، فقد جمعنا الله بحسن اختيار السلف لنا على مصحف هو آخر العرض، وليس لنا أن نعدوه، كما كان لهم أن يفسّروه، وليس لنا أن نفسّره. ولو جاز لنا أن نقرأه بخلاف ما ثبت في مصحفنا، لجاز أن نكتبه على الاختلاف والزيادة والنقصان والتقديم والتأخير، وهناك يقع ما كرهه لنا الأئمة الموفّقون، رحمة الله عليهم. وأما نقصان مصحف عبد الله بحذفه (أمّ الكتاب) و (المعوّذتين) ، وزيادة أبيّ بسورتي القنوت- فإنا لا نقول: إن عبد الله وو أبيّا أصابا وأخطأ المهاجرون والأنصار، ولكنّ (عبد الله) ذهب فيما يرى أهل النظر إلى أن (المعوذتين) كانتا كالعوذة والرّقية وغيرها، وكان يرى رسول الله، ﵌، يعوّذ بهما الحسن والحسين وغيرهما «١» ، كما كان يعوّذ بأعوذ بكلمات الله التّامة «٢» ، وغير ذلك، فظنّ أنهما ليستا من القرآن، وأقام على ظنّه ومخالفة الصحابة جميعا كما أقام على التّطبيق. وأقام غيره على الفتيا بالمتعة، والصّرف ورأى آخر أكل البرد وهو صائم. ورآى آخر أكل السّحور بعد طلوع الفجر الثاني. في أشباه لهذا كثيرة. وإلى نحو هذا ذهب أبيّ في (دعاء القنوت) ، لأنه رأى رسول الله، ﵌، يدعو به

стр. 33

في الصلاة دعاء دائما، فظن أنه من القرآن، وأقام على ظنه، ومخالفة الصحابة. وأما فاتحة الكتاب فإني أشك فيما روي عن عبد الله من تركه إثباتها في مصحفه، فإن كان هذا محفوظا فليس يجوز لمسلم أن يظنّ به الجهل بأنها من القرآن، وكيف يظنّ به ذلك وهو من أشد الصحابة عناية بالقرآن، وأحد الستة الذين الذين انتهى إليهم العلم، و (النبيّ) ﵌ يقول: «من أحبّ أن يقرأ القرآن غضّا. كما أنزل فليقرأه قراءة ابن أمّ عبد» «١» . وعمر يقول فيه: كنيف ملىء علما «٢» . وهو مع هذا متقدّم الإسلام بدريّ لم يزل يسمع رسول الله، ﵌ يؤمّ بها، وقال: «لا صلاة إلا بسورة الحمد» «٣» وهي السبع المثاني، وأم الكتاب، أي أعظمه، وأقدم ما نزل منه كما سميت مكة أم القرى لأنها أقدمها، قال الله : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً [آل عمران: ٩٦] . ولكنه ذهب، فيما يظنّ أهل النظر، إلى القرآن إنما كتب وجمع بين اللوحين مخافة الشك والنسيان، والزيادة والنقصان، ورأى ذلك لا يجوز على سورة الحمد لقصرها ولأنها تثنى في كل صلاة وكل ركعة، ولأنه لا يجوز لأحد من المسلمين ترك تعلّمها وحفظها، كما يجوز ترك تعلم غيرها وحفظه، إذ كانت لا صلاة إلا بها. فلما أمن عليها العلّة التي من أجلها كتب المصحف، ترك كتابتها وهو يعلم أنها من القرآن.

стр. 34

ولو أن رجلا كتب في المصحف سورا وترك سورا لم يكتبها، لم نر عليه في ذلك وكفا «١» إن شاء الله تعالى. باب ما ادّعي على القرآن من اللحن وأما ما تعلقوا به من حديث عائشة ﵂ في غلط الكاتب، وحديث عثمان ﵁: أرى فيه لحنا- فقد تكلم النحويون في هذه الحروف، واعتلوا لكل حرف منها، واستشهدوا الشعر: فقالوا: في قوله سبحانه: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ [طه: ٦٣] وهي لغة بلحرث بن كعب يقولون: مررت برجلان، وقبضت منه درهمان، وجلست بين يداه، وركبت علاه. وأنشدوا «٢» : تزوّد منّا بين أذناه ضربة ... دعته إلى هابي التّراب عقيم أي موضع كثير التراب لا ينبت. وأنشدوا «٣» : أيّ قلوص راكب تراها ... طاروا علاهنّ فطر علاها

стр. 35

على أن القراء قد اختلفوا في قراءة هذا الحرف: فقرأه أبو عمرو بن العلاء «١» ، وعيسى بن عمر «٢» : «إنّ هذين لساحران» وذهبا إلى أنه غلط من الكاتب كما قالت عائشة. وكان عاصم الجحدريّ «٣» يكتب هذه الأحرف الثلاثة في مصحفه على مثالها في الإمام، فإذا قرأها، قرأ: «إنّ هذين لساحران» ، وقرأ المقيمون الصلاة [النساء: ١٦٢] ، وقرأ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ [الحج: ١٧] . وكان يقرأ أيضا في سورة البقرة: والصابرون فى البأساء والضراء [البقرة: ١٧٧] ويكتبها: الصابرين. وإنما فرق بين القراءة والكتاب لقول عثمان رحمة الله: أرى فيه لحنا وستقيمه العرب بألسنتها فأقامه بلسانه، وترك الرسم على حاله. وكان الحجاج «٤» وكّل عاصما «٥» وناجية بن رمح وعليّ بن أصمع بتتبّع المصاحف، وأمرهم أن يقطعوا كل مصحف وجدوه مخالفا لمصحف عثمان، ويعطوا صاحبه ستين درهما. خبّرني بذلك أبو حاتم «٦» عن الأصمعي «٧» قال: وفي ذلك يقول الشاعر:

стр. 36

وإلا رسوم الدّار قفرا كأنّها ... كتاب محاه الباهليّ بن أصمعا وقرأ بعضهم: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ [طه: ٦٣] اعتبارا بقراءة أبيّ لأنها في مصحفه: «إن ذان إلا ساحران» وفي مصحف عبد الله: (وأسرّوا النّجوى أن هذان ساحران) منصوبة بالألف يجعل إِنْ هذانِ تبيينا للنجوى. وقالوا في قوله ﵎: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ [المائدة: ٦٩] رفع (الصابئين) لأنه ردّ على موضع إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وموضعه رفع، لأن (إنّ) مبتدأة وليست تحدث في الكلام معنى كما تحدث أخواتها. ألا ترى أنك تقول: زيد قائم، ثم تقول: إن زيدا قائم، ولا يكون بين الكلامين فرق في المعنى. وتقول: زيد قائم، ثم تقول: ليت زيدا قائم، فتحدث في الكلام معنى الشك. وتقول: زيد قائم، ثم تقول: ليت زيدا قائم، فتحدث في الكلام معنى التمني، ويدلّك على ذلك قولهم: إن عبد الله قائم وزيد، فترفع زيدا، كأنك قلت: عبد الله قائم وزيد، وتقول: لعل عبد الله قائم وزيدا، فتنصب مع (لعلّ) وترفع مع (إن) لما أحدثته (لعلّ) من معنى الشك في الكلام، ولأنّ (إنّ) لم تحدث شيئا. وكان الكسائي «١» يجيز: أن عبد الله وزيد قائمان، وإنّ عبد الله وزيد قائم. والبصريون يجيزونه، ويحكون: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [الأحزاب: ٥٦] وينشدون «٢» :

стр. 37

فمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإنّي وقيّار بها لغريب وقالوا في نصب (المقيمين) بأقاويل: قال بعضهم: أراد بما أنزل إليك وإلى المقيمين. وقال بعضهم: وما أنزل من قبلك ومن قبل المقيمين، وكان الكسائي يرده إلى قوله: يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ [البقرة: ٤] أي: ويؤمنون بالمقيمين، واعتبره بقوله في موضع آخر: يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ أي بالمؤمنين. وقال بعضهم: هو نصب على المدح. قال أبو عبيدة «١» : هو نصب على تطاول الكلام بالنّسق، وأنشد للخرنق بنت هفّان «٢» : لا يبعدن قومي الذين هم ... سمّ العداة وآفة الجزر النازلين بكلّ معترك ... والطيّبون معاقد الأزر ومما يشبه هذه الحروف- ولم يذكروه- قوله في سورة البقرة: وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ [البقرة: ١٧٧] . والقرّاء جميعا على نصب الصابرين إلا عاصما الجحدري فإنه كان يرفع الحرف إذا قرأه، وينصبه إذا كتبه، للعلّة التي تقدم ذكرها. واعتل أصحاب النحو للحرف، فقال بعضهم: هو نصب على المدح، والعرب تنصب على المدح والذم، كأنهم ينوون إفراد الممدوح بمدح مجدّد غير متبع لأوّل

стр. 38

الكلام، كذلك قال الفرّاء «١» . وقال بعضهم: أراد: وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السّبيل والسائلين والصابرين في البأساء والضّرّاء. وهذا وجه حسن، لأنّ البأساء: الفقر، ومنه قول الله : وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ [الحج: ٢٨] . والضّرّاء: البلاء في البدن، من الزّمانة والعلّة. فكأنه قال: وآتى المال على حبّه السائلين الطّوّافين، والصابرين على الفقر والضرّ الذين لا يسألون ولا يشكون، وجعل الموفين وسطا بين المعطين نسقا على من آمن بالله. ومن ذلك قوله في سورة الأنبياء: وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [الأنبياء: ٨٨] كتبت في المصاحف بنون واحدة، وقرأها القرّاء جميعا ننجي بنونين إلا عاصم بن أبي النّجود «٢» فإنه كان يقرؤها بنون واحدة، ويخالف القرّاء جميعا، ويرسل الياء فيها على مثال (فعل) . فأما من قرأها بنونين، وخالف الكتاب، فإنه اعتل بأن النون تخفى عند الجيم، فأسقطها كاتب المصحف لخفائها، ونيّته إثباتها. واعتلّ بعض النحويين لعاصم فقالوا: أضمر المصدر، كأنه قال: نجّي النجاء المؤمنين، كما تقول: ضرب الضرب زيدا، ثم تضمر الضّرب، فتقول: ضرب زيدا. وكان أبو عبيد «٣» يختار في هذا الحرف مذهب عاصم كراهية أن يخالف الكتاب،

стр. 39

ويستشهد عليه حرفا في سورة الجاثية، كان يقرأ به أبو جعفر المدني «١» ، وهو قوله: لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ [الجاثية: ١٤] أي ليجزى الجزاء قوما. وأنشدني بعض النحويين «٢» : ولو ولدت فقيرة جرو كلب ... لسبّ بذلك الجرو الكلابا ومن ذلك: فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ [المنافقون: ١٠] أكثر القرّاء يقرؤون فأصدق أكن بغير واو. واعتلّ بعض النحويين في ذلك بأنها محمولة على موضع فأصّدّق، لو لم يكن فيه الفاء، وموضعه جزم، وأنشد «٣» : فأبلوني بليّتكم لعلّي ... أصالحكم وأستدرج نويّا فجزم وأستدرج، وحمله على موضع أصالحكم لو لم يكن قبلها: لعلّي كأنه قال: فأبلوني بليتكم أصالحكم وأستدرج. وكان أبو عمرو بن العلاء «٤» يقرأ: فأصدق وأكون بالنصب، ويذهب إلى أن الكاتب أسقط الواو، كما تسقط حروف المد واللين في (كلمون) وأشباه ذلك. وليست تخلو هذه الحروف من أن تكون على مذهب من مذاهب أهل الإعراب فيها، أو أن تكون غلطا من الكاتب، كما ذكرت عائشة ﵂. فإن كانت على مذاهب النحويين فليس هاهنا لحن بحمد الله. وإن كانت خطأ في الكتاب، فليس على رسوله، ﵌، جناية الكاتب في الخط. ولو كان هذا عيبا يرجع على القرآن، لرجع عليه كل خطأ وقع في كتابة المصحف من طريق التّهجّي:

стр. 40

فقد كتب في الإمام: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ بحذف ألف التثنية. وكذلك ألف التثنية تحذف في هجاء هذا المصحف في كل مكان، مثل: قال رجلن وفَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما [المائدة: ١٠٧] وكتبت كتّاب المصحف: الصلاة والزكوة والحيوة، بالواو، واتّبعناهم في هذه الحروف خاصة على التّيمّن بهم، ونحن لا نكتب: (القطاة والقناة والفلاة) إلا بالألف، ولا فرق بين تلك الحروف وبين هذه. وكتبوا (الربو) بالواو، وكتبوا: فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا [المعارج: ٣٦] فمال بلام منفردة. وكتبوا: وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ [الأنعام: ٣٤] بالياء أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [الشورى: ٥١] بالياء في الحرفين جميعا، كأنهما مضافان، ولا ياء فيهما، إنما هي مكسورة. وكتبوا: أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ [القلم: ٤١] وفَقالَ الضُّعَفاءُ [إبراهيم: ٢١] بواو، ولا ألف قبلها. وكتبوا: أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا [هود: ٧٧] بواو بعد الألف، وفي موضع آخر ما نَشاءُ [الإسراء: ١٨، والحج: ٥] بغير واو، ولا فرق بينهما. وكتبوا: أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ [النمل: ٣١] بزيادة ألف. وكذلك وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ [التوبة: ٤٧] بزيادة ألف بعد لام ألف. وهذا أكثر في المصحف من أن نستقصيه. وكذلك لحن اللاحنين من القرّاء المتأخرين، لا يجعل حجّة على الكتاب. وقد كان الناس قديما يقرؤون بلغاتهم كما أعلمتك. ثم خلف قوم بعد قوم من أهل الأمصار وأبناء العجم ليس لهم طبع اللغة، ولا علم التكلّف، فهفوا في كثير من الحروف وزلّوا وقرؤوا بالشاذ وأخلّوا. منهم رجل ستر الله عليه عند العوام بالصلاح، وقرّبه من القلوب بالدين. لم أر فيمن تتبعت وجوه قراءته أكثر تخليطا، ولا أشد اضطرابا منه، لأنه يستعمل في الحرف ما يدعه في نظيره، ثم يؤصّل أصلا ويخالف إلى غيره لغير ما علّة. ويختار في كثير من الحروف ما لا مخرج له إلا على طلب الحيلة الضعيفة. هذا إلى نبذه في قراءته مذاهب العرب وأهل الحجاز، فإفراطه في المد والهمزة
следующие страницы →