وإلا رسوم الدّار قفرا كأنّها ... كتاب محاه الباهليّ بن أصمعا
وقرأ بعضهم: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ [طه: ٦٣] اعتبارا بقراءة أبيّ لأنها في مصحفه:
«إن ذان إلا ساحران» وفي مصحف عبد الله: (وأسرّوا النّجوى أن هذان ساحران) منصوبة بالألف يجعل إِنْ هذانِ تبيينا للنجوى.
وقالوا في قوله ﵎: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ [المائدة:
٦٩] رفع (الصابئين) لأنه ردّ على موضع إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وموضعه رفع، لأن (إنّ) مبتدأة وليست تحدث في الكلام معنى كما تحدث أخواتها. ألا ترى أنك تقول: زيد قائم، ثم تقول: إن زيدا قائم، ولا يكون بين الكلامين فرق في المعنى. وتقول: زيد قائم، ثم تقول: ليت زيدا قائم، فتحدث في الكلام معنى الشك. وتقول: زيد قائم، ثم تقول: ليت زيدا قائم، فتحدث في الكلام معنى التمني، ويدلّك على ذلك قولهم: إن عبد الله قائم وزيد، فترفع زيدا، كأنك قلت: عبد الله قائم وزيد، وتقول: لعل عبد الله قائم وزيدا، فتنصب مع (لعلّ) وترفع مع (إن) لما أحدثته (لعلّ) من معنى الشك في الكلام، ولأنّ (إنّ) لم تحدث شيئا. وكان الكسائي «١» يجيز: أن عبد الله وزيد قائمان، وإنّ عبد الله وزيد قائم. والبصريون يجيزونه، ويحكون: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [الأحزاب: ٥٦] وينشدون «٢» :
стр. 37
فمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإنّي وقيّار بها لغريب
وقالوا في نصب (المقيمين) بأقاويل: قال بعضهم: أراد بما أنزل إليك وإلى المقيمين. وقال بعضهم: وما أنزل من قبلك ومن قبل المقيمين، وكان الكسائي يرده إلى قوله: يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ [البقرة: ٤] أي: ويؤمنون بالمقيمين، واعتبره بقوله في موضع آخر: يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ أي بالمؤمنين. وقال بعضهم: هو نصب على المدح. قال أبو عبيدة «١» : هو نصب على تطاول الكلام بالنّسق، وأنشد للخرنق بنت هفّان «٢» :
لا يبعدن قومي الذين هم ... سمّ العداة وآفة الجزر
النازلين بكلّ معترك ... والطيّبون معاقد الأزر
ومما يشبه هذه الحروف- ولم يذكروه- قوله في سورة البقرة: وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ [البقرة: ١٧٧] . والقرّاء جميعا على نصب الصابرين إلا عاصما الجحدري فإنه كان يرفع الحرف إذا قرأه، وينصبه إذا كتبه، للعلّة التي تقدم ذكرها.
واعتل أصحاب النحو للحرف، فقال بعضهم: هو نصب على المدح، والعرب تنصب على المدح والذم، كأنهم ينوون إفراد الممدوح بمدح مجدّد غير متبع لأوّل
стр. 38
الكلام، كذلك قال الفرّاء «١» .
وقال بعضهم: أراد: وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السّبيل والسائلين والصابرين في البأساء والضّرّاء.
وهذا وجه حسن، لأنّ البأساء: الفقر، ومنه قول الله : وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ [الحج: ٢٨] .
والضّرّاء: البلاء في البدن، من الزّمانة والعلّة. فكأنه قال: وآتى المال على حبّه السائلين الطّوّافين، والصابرين على الفقر والضرّ الذين لا يسألون ولا يشكون، وجعل الموفين وسطا بين المعطين نسقا على من آمن بالله.
ومن ذلك قوله في سورة الأنبياء: وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [الأنبياء: ٨٨] كتبت في المصاحف بنون واحدة، وقرأها القرّاء جميعا ننجي بنونين إلا عاصم بن أبي النّجود «٢» فإنه كان يقرؤها بنون واحدة، ويخالف القرّاء جميعا، ويرسل الياء فيها على مثال (فعل) .
فأما من قرأها بنونين، وخالف الكتاب، فإنه اعتل بأن النون تخفى عند الجيم، فأسقطها كاتب المصحف لخفائها، ونيّته إثباتها.
واعتلّ بعض النحويين لعاصم فقالوا: أضمر المصدر، كأنه قال: نجّي النجاء المؤمنين، كما تقول: ضرب الضرب زيدا، ثم تضمر الضّرب، فتقول: ضرب زيدا.
وكان أبو عبيد «٣» يختار في هذا الحرف مذهب عاصم كراهية أن يخالف الكتاب،
стр. 39
ويستشهد عليه حرفا في سورة الجاثية، كان يقرأ به أبو جعفر المدني «١» ، وهو قوله:
لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ [الجاثية: ١٤] أي ليجزى الجزاء قوما.
وأنشدني بعض النحويين «٢» :
ولو ولدت فقيرة جرو كلب ... لسبّ بذلك الجرو الكلابا
ومن ذلك: فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ [المنافقون: ١٠] أكثر القرّاء يقرؤون فأصدق أكن بغير واو. واعتلّ بعض النحويين في ذلك بأنها محمولة على موضع فأصّدّق، لو لم يكن فيه الفاء، وموضعه جزم، وأنشد «٣» :
فأبلوني بليّتكم لعلّي ... أصالحكم وأستدرج نويّا
فجزم وأستدرج، وحمله على موضع أصالحكم لو لم يكن قبلها: لعلّي كأنه قال:
فأبلوني بليتكم أصالحكم وأستدرج.
وكان أبو عمرو بن العلاء «٤» يقرأ: فأصدق وأكون بالنصب، ويذهب إلى أن الكاتب أسقط الواو، كما تسقط حروف المد واللين في (كلمون) وأشباه ذلك.
وليست تخلو هذه الحروف من أن تكون على مذهب من مذاهب أهل الإعراب فيها، أو أن تكون غلطا من الكاتب، كما ذكرت عائشة ﵂.
فإن كانت على مذاهب النحويين فليس هاهنا لحن بحمد الله.
وإن كانت خطأ في الكتاب، فليس على رسوله، ﵌، جناية الكاتب في الخط.
ولو كان هذا عيبا يرجع على القرآن، لرجع عليه كل خطأ وقع في كتابة المصحف من طريق التّهجّي:
стр. 40
فقد كتب في الإمام: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ بحذف ألف التثنية.
وكذلك ألف التثنية تحذف في هجاء هذا المصحف في كل مكان، مثل: قال رجلن وفَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما [المائدة: ١٠٧] وكتبت كتّاب المصحف: الصلاة والزكوة والحيوة، بالواو، واتّبعناهم في هذه الحروف خاصة على التّيمّن بهم، ونحن لا نكتب: (القطاة والقناة والفلاة) إلا بالألف، ولا فرق بين تلك الحروف وبين هذه.
وكتبوا (الربو) بالواو، وكتبوا: فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا [المعارج: ٣٦] فمال بلام منفردة.
وكتبوا: وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ [الأنعام: ٣٤] بالياء أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [الشورى: ٥١] بالياء في الحرفين جميعا، كأنهما مضافان، ولا ياء فيهما، إنما هي مكسورة.
وكتبوا: أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ [القلم: ٤١] وفَقالَ الضُّعَفاءُ [إبراهيم: ٢١] بواو، ولا ألف قبلها.
وكتبوا: أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا [هود: ٧٧] بواو بعد الألف، وفي موضع آخر ما نَشاءُ [الإسراء: ١٨، والحج: ٥] بغير واو، ولا فرق بينهما.
وكتبوا: أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ [النمل: ٣١] بزيادة ألف.
وكذلك وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ [التوبة: ٤٧] بزيادة ألف بعد لام ألف.
وهذا أكثر في المصحف من أن نستقصيه.
وكذلك لحن اللاحنين من القرّاء المتأخرين، لا يجعل حجّة على الكتاب.
وقد كان الناس قديما يقرؤون بلغاتهم كما أعلمتك.
ثم خلف قوم بعد قوم من أهل الأمصار وأبناء العجم ليس لهم طبع اللغة، ولا علم التكلّف، فهفوا في كثير من الحروف وزلّوا وقرؤوا بالشاذ وأخلّوا.
منهم رجل ستر الله عليه عند العوام بالصلاح، وقرّبه من القلوب بالدين.
لم أر فيمن تتبعت وجوه قراءته أكثر تخليطا، ولا أشد اضطرابا منه، لأنه يستعمل في الحرف ما يدعه في نظيره، ثم يؤصّل أصلا ويخالف إلى غيره لغير ما علّة. ويختار في كثير من الحروف ما لا مخرج له إلا على طلب الحيلة الضعيفة.
هذا إلى نبذه في قراءته مذاهب العرب وأهل الحجاز، فإفراطه في المد والهمزة
стр. 41
والإشباع، وإفحاشه في الإضجاع والإدغام، وحمله المتعلمين على المركب الصعب، وتعسيره على الأمة ما يسره الله، وتضييقه ما فسحه.
ومن العجب أنه يقرىء الناس بهذه المذاهب، ويكره الصلاة بها! ففي أي موضع تستعمل هذه القراءة إن كانت الصلاة لا تجوز بها؟! وكان ابن عيينة «١» يرى لمن قرأ في صلاته بحرفه، أو ائتم بقراءته: أن يعيد، ووافقه على ذلك كثير من خيار المسلمين منهم بشر بن الحارث «٢» وأحمد بن حنبل.
وقد شغف بقراءته عوامّ الناس وسوقهم، وليس ذلك إلا لما يرونه من مشقتها وصعوبتها، وطول اختلاف المتعلم إلى المقرئ فيها، فإذا رأوه قد اختلف في أمّ الكتاب عشرا، وفي مائة آية شهرا، وفي السبع الطّول حولا، ورأوه عند قراءته مائل الشّدقين، دارّ الوريدين، راشح الجبينين- توهّموا أن ذلك لفضيلة في القراءة وحذق بها.
وليس هكذا كانت قراءة رسول الله ﵌، ولا خيار السلف ولا التابعين، ولا القرّاء العالمين، بل كانت قراءتهم سهلة رسلة. وهكذا نختار لقراء القرآن في أورادهم ومحاربهم. فإما الغلام الرّيّض والمستأنف للتعلّم، فنختار له أن يؤخذ بالتحقيق عليه، من غير إفحاش في مدّ أو همز أو إدغام، لأن في ذلك تذليلا للّسان، وإطلاقا من الحبسة، وحلّا للعقدة.
وما أقلّ من سلم من هذه الطبقة في حرفه من الغلط والوهم:
فقد قرأ بعض المتقدمين: ما تلوته عليكم ولا أدرأتكم به [يونس: ١٦] فهمز، وإنما هو من دربت بكذا وكذا.
وقرأ: وما تنزلت به الشياطون [الشعراء: ٢١٠] توهم أنه جمع بالواو والنون.
وقرأ آخر: فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ [الأعراف: ١٥٠] بفتح التاء، وكسر الميم، ونصب الأعداء. وإنما هو من: أشمت الله العدوّ فهو يشمته، ولا يقال: شمت الله العدوّ.
стр. 42
وقال: الأعمش «١» قرأت عند إبراهيم «٢» وطلحة بن مصرّف «٣» : قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) [الشعراء: ٢٥] ، فقال: إبراهيم ما تزال تأتينا بحرف أشنع! إنما هو (لمن حوله) واستشهد طلحة فقال مثل قوله. قال الأعمش: فقلت لهما: لحنتما، لا أقاعدكما اليوم.
وقرأ يحيى بن وثّاب «٤» : وإن تلوا أو تعرضوا [النساء: ١٣٥] من الولاية. ولا وجه للولاية هاهنا، إنما هي تلووا- بواوين- من ليّك في الشهادة وميلك إلى أحد الخصمين عن الآخر. قال الله : يلون ألسنتهم بالكتاب [آل عمران: ٧٨] واتبعه على هذه القراءة الأعمش وحمزة «٥» .
وقرأ الأعمش: وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ [إبراهيم: ٢٢] بكسر الياء، كأنه ظن أن الباء تخفض الحرف كله، واتّبعه على ذلك (حمزة) .
وقرأ حمزة: وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر: ٤٣] فجزم الحرف الأوّل، والجزم لا يدخل الأسماء، وأعرب الآخر وهو مثله.
وقرأ نافع «٦» : فَبِمَ تُبَشِّرُونَ [الحجر: ٥٤] بكسر النون. ولو أريد بها الوجه الذي ذهب إليه، لكانت (فبم تبشّرونني) بنونين، لأنها في موضع رفع.
стр. 43
وقرأ حمزة. وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (٥٩) [الأنفال: ٥٩] بالياء. ولو أريد بها الوجه الذي ذهب إليه لكانت (ولا يحسبنّ الّذين كفروا أنهم سبقوا، إنهم لا يعجزون) .
وهذا يكثر. ولم يكن القصد في هذا الكتاب له، وستراه كله في كتابنا المؤلف في وجوه القراءات إن شاء الله تعالى.
стр. 44
باب التناقض والاختلاف
قال أبو محمد: عبد الله بن مسلم بن قتيبة:
فأما ما نخلوه من التناقض في مثل قوله تعالى: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ (٣٩) [الرحمن: ٣٩] . وهو يقول في موضع آخر: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣) [الحجر: ٩٢، ٩٣] .
فالجواب في ذلك: أن يوم القيامة يكون كما قال الله تعالى: مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج: ٤] ، ففي مثل هذا اليوم يسألون وفيه لا يسألون، لأنهم حين يعرضون يوقفون على الذنوب ويحاسبون، فإذا انتهت المسألة ووجبت الحجة: انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ [الرحمن: ٣٧] وانقطع الكلام، وذهب الخصام، واسودّت وجوه قوم، وابيضت وجوه آخرين، وعرف الفريقان بسيماهم، وتطايرت الصحف من الأيدي: فآخذ ذات اليمين إلى الجنة، وآخذ ذات الشمال إلى النار.
وكذلك قال ابن عباس ﵁ في قوله: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ (٣٩) [الرحمن: ٣٩] قال: هو موطن لا يسألون فيه.
ومثله: وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ [القصص: ٧٨] .
وقوله: لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ [ق: ٢٨] وقوله: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) [المرسلات: ٣٥، ٣٦] ، وهو يقول في موضع آخر: ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١) [الزمر: ٣١] ويقول: هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [البقرة: ١١١، والنمل: ٦٤] .
والجواب عن هذا كله نحو جوابنا الأول، لأنهم يختصمون ويدعي المظلومون على الظالمين، ففي تلك الحال يختصمون، فإذا وقع القصاص وثبت الحكم قيل لهم:
لا تختصموا ولا تنطقوا، ولا تعتذروا، فليس ذلك بمغن عنكم ولا نافع لكم، فيخسؤون.
стр. 45
روى عبد الرزّاق «١» عن معمر «٢» ، عن قتادة «٣» : أن رجلا جاء إلى عكرمة «٤» فقال: أرأيت قول الله تعالى: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ، وقوله: ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ فقال: إنها مواقف، فأما موقف منها: فتكلموا واختصموا، ثم ختم الله على أفواههم فتكلّمت أيديهم وأرجلهم، فحينئذ لا يتكلمون.
وقوله: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٥) [الطور: ٢٥] ، وهو يقول في موضع آخر: فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ [المؤمنون: ١٠١] ، فإنه إذا نفخ في الصور نفخة واحدة، تقطّعت الأرحام، وبطلت الأنساب، وشغلوا بأنفسهم عن التّسآل وفَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ [الزمر: ٦٨] . فإذا نفخ فيه أخرى: قاموا ينظرون وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٧) [الصافات: ٢٧] وقالوا: مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ [يس: ٥٢] . وهو معنى قول ابن عباس.
وقوله: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (١١) [فصلت: ٩، ١١] فدلّت هذه الآيات على أنه خلق الأرض قبل السماء.
وقال في موضع آخر: أَمِ السَّماءُ بَناها (٢٧) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها [النازعات: ٢٧، ٣٠] .
فدلّت هذه الآية على أنه خلق السماء قبل الأرض.
وليس على كتاب الله تحريف الجاهلين، وغلط المتأوّلين. وإنما كان يجد الطاعن
стр. 46
متعلّقا ومقالا لو قال: والأرض بعد ذلك خلقها أو ابتدأها أو أنشأها، وإنما قال:
دَحاها فابتدأ الخلق للأرض على ما في الآي الأول في يومين، ثم خلق السموات وكانت دخانا في يومين، ثم دحا بعد ذلك الأرض، أي بسطها ومدّها، وكانت ربوة مجتمعة، وأرساها بالجبال، وأنبت فيها النبات في يومين، فتلك ستة أيام سواء للسائلين، وهو معنى قول ابن عباس.
وقال مجاهد «١» : بعد ذلك في هذا الموضع، بمعنى (مع ذلك) ، و (مع) و (بعد) في كلام العرب سواء.
وقوله: لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) [الغاشية: ٦] ، وهو يقول في موضع آخر: فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ (٣٥) وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) [الحاقة: ٣٥، ٣٦] ، فإن النار دركات، والجنة درجات، وعلى قدر الذنوب والحسنات تقع العقوبات والمثوبات، فمن أهل النار من طعامه الزّقّوم، ومنهم من طعامه غسلين، ومنهم من شرابه الحميم، ومنهم من شرابه الصّديد.
والضّريع: نبت يكون بالحجاز، يقال لرطبه: الشّبرق، لا يسمن ولا يشبع، قال امرؤ القيس «٢» :
فأتبعتهم طرفي وقد حال دونهم ... غوارب رمل ذي ألاء وشبرق
والعرب تصفه بذلك.
وغسلين: فعلين من غسلت، كأنه الغسالة، قال بعض المفسرين: هو ما يسيل من أجساد المعذّبين.
وهذا نحو قوله: سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ [إبراهيم: ٥٠] وسرابيلهم من قطر آن قراءة عكرمة ومن تابعه.
والقطر: النّحاس. والآن: الذي قد بلغ منتهى حرّه. كأن قوما يسربلون هذا،
стр. 47
وقوما يسربلون هذا، ويلبسون هذا تارة، وهذا تارة.
وأما قولهم: (كيف يكون في النار نبت وشجر، والنار تأكلهما؟) فإنه لم يرد فيما يرى أهل النظر- والله أعلم- أن الضريع بعينه ينبت في النار، ولا أنهم يأكلونه.
والضريع من أقوات الأنعام لا من أقوات الناس، وإذا وقعت فيه الإبل لم تشبع وهلكت هزلا.
قال الهذليّ يذكر إبلا وسوء مرعاها «١» :
وحبسن في هزم الضريع فكلّها ... حدباء دامية اليدين حرود
فأراد أن هؤلاء قوم يقتاتون ما لا يشبعهم، وضرب الضريع لهم مثلا. أو يعذّبون بالجوع كما يعذب من قوته الضريع.
وكان ما أراد الله بهذا معلوما عندهم مفهوما، ولو لم يكن كذلك لأنكروه كما أنكروا قوله: إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (٦٥) [الصافات: ٦٤، ٦٥] وقالوا: كيف تكون في النار شجرة والنار تأكل الشجر؟
فأنزل الله: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ [الإسراء: ٦٠] ، يعني بالرؤيا: ما رآه ليلة أسري به وأخبر عنه، فارتد لذلك قوم، وزاد الله في بصائر قوم. وأراد بالشجرة الملعونة: شجرة الزّقّوم. فهذا وجه.
وقد يكون الضريع وشجرة الزّقّوم: نبتين من النار، أو من جوهر لا تأكله النار.
وكذلك سلاسل النار وأغلالها، وأنكالها وعقاربها وحيّاتها- لو كانت على ما نعلم، لم تبق على النار، وإنما دلّنا الله سبحانه على الغائب عنده بالحاضر عندنا، فالأسماء متفقة للدلالة، والمعاني مختلفة.
وما في الجنة من شجرها وثمرها وفرشها، وجميع آلاتها- على مثل ذلك.
قال ابن عباس: نخل الجنة، جذوعها من زمرّد أخضر، وكربها من ذهب أحمر، وسعفها كسوة لأهل الجنة، منها مقطّعاتهم وحللهم وتمرها أمثال القلال والدّلاء، أشدّ
стр. 48
بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، وألين من الزبد، ليس له عجم.
وقوله: وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ، [الأنفال: ٣٣] ثم قال على إثر ذلك: وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ [الأنفال: ٣٤] فإن النّضر بن الحارث قال: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ [الأنفال: ٣٢] يريد أهلكنا ومحمدا ومن معه عامة. فأنزل الله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ، [الأنفال: ٣٣] أي وفيهم قوم يستغفرون، يعني المسلمين.
يدلّك على ذلك قول الله ﵎: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) [الأنفال: ٣٣] ، ثم قال: وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ خاصة وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ [الأنفال: ٣٤] يعني المسلمين، فعذّبهم الله بالسيف بعد خروج النبي ﵌ عنهم، وفي ذلك نزلت: سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ (١) ، [المعارج: ١] أي دعا داع بعذاب واقع، يعني النضر بن الحارث لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ (٢) [المعارج: ٢] يقول: هو للكافرين خاصة دون المؤمنين، وهو معنى قول ابن عباس.
وقال (مجاهد) في قوله: وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ: علم أن في أصلابهم من سيستغفر.
وأما قولهم: أين قوله: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى من قوله: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ [النساء: ٣] ، فهل شيء أشبه بشيء أليق به من أحد الكلامين بالآخر؟!.
والمعنى: أن الله تعالى قصر الرجال على أربع نسوة وحرّم عليهم أن ينكحوا أكثر منهن، لأنه لو أباح لهم أن ينكحوا من الحرائر ما أباح من ملك اليمن لم يستطيعوا العدل عليهن بالتّسوية بينهن، فقال لنا: فكما تخافون ألا تعدلوا بين اليتامى إذا كفلتموهم، فخافوا أيضا ألا تعدلوا بين النساء إذا نكحتموهن، فانكحوا اثنتين وثلاثا وأربعا، ولا تتجاوزوا ذلك فتعجزوا عن العدل.
ثم قال: فإن خفتم أيضا ألا تعدلوا بين الثلاث والأربع، فانكحوا واحدة، أو اقتصروا على ما ملكت أيمانكم من الإماء، ذلك أدنى ألا تعولوا، أي لا تجوروا وتميلوا.
وقال ابن عباس: قصر الرجال على أربع من أجل اليتامى.
يقول: لما كان النساء مكفولات بمنزلة اليتامى، وكان العدل على اليتامى شديدا
стр. 49
على كافلهم- قصر الرجال على ما بين الواحدة إلى الأربع من النساء، ولم يطلق لهم ما فوق ذلك، لئلا يميلوا.
وقولهم: أين قوله: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ من قوله: ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المائدة: ٩٧] ؟.
وتأويل هذا: أن أهل الجاهلية كانوا يتغاورون ويسفكون الدماء بغير حقها، ويأخذون الأموال بغير حلّها، ويخيفون السّبل، ويطلب الرجل منهم الثأر فيقتل غير قاتله، ويصيب غير الجاني عليه، ولا يبالي من كان بعد أن يراه كفأ لوليّه ويسمّيه: الثأر المنيم، وربما قتل أحدهم حميمه بحميمه.
قال ابن مضرّس وقتل خاله بأخيه «١» :
بكت جزعا أمّي رميلة أن رأت ... دما من أخيها بالمهنّد باقيا
فقلت لها: لا تجزعي إنّ طارقا ... خليلي الذي كان الخليل المصافيا
وما كنت لو أعطيت ألفي نجيبة ... وأولادها لغوا وستين راعيا
لأقبلها من طارق دون أن أرى ... دما من بني حصن على السيف جاريا
وما كان في عوف قتيل علمته ... ليوفيني من طارق غير خاليا
وربما أسرف في القتل فقتل بالواحد ثلاثة وأربعة وأكثر.
وقال الشاعر «٢» :
هم قتلوا منكم بظنّة واحد ... ثمانية ثم استمرّوا فأرتعوا
يقول: إنهم اتهموكم بقتل رجل منهم، فقتلوا منكم ثمانية به.
فجعل الله الكعبة البيت الحرام وما حولها من الحرم، والشهر الحرام، والهدي، والقلائد- قواما للناس. أي أمنا لهم، فكان الرجل إذا خاف على نفسه لجأ إلى الحرم فأمن. يقول الله جل وعز: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [العنكبوت: ٦٧] .
стр. 50
وإذا دخل الشهر الحرام تقسّمتهم الرّحل، وتوزّعتهم النّخع، وانبسطوا في متاجرهم، وأمنوا على أموالهم وأنفسهم.
وإذا أهدى الرجل منهم هديا، أو قلّد بعيره من لحاء شجر الحرم- أمن كيف تصرّف وحيث سلك.
ولو ترك الناس على جاهليتهم وتغاورهم في كل موضع وكل شهر- لفسدت الأرض، وفني الناس، وتقطّعت السّبل، وبطلت المتاجر. ففعل الله ذلك لعلمه بما فيه من صلاح شؤونهم، وليعلموا كما علم ما فيه من الخير لهم- أنه يعلم أيضا ما في السّموات وما في الأرض من مصالح العباد ومرافقهم، وأنه بكل شيء عليم.
وقولهم: وأين قوله: أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ من قوله: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [لقمان: ٣١] .
ولم يرد الله في هذا الموضع معنى الصبر والشكر خاصة، وإنما أراد: إن في ذلك لآيات لكل مؤمن. والصبر والشكر أفضل ما في المؤمن من خلال الخير، فذكره الله في هذا الموضع بأفضل صفاته. وقال في موضع آخر: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) [الحجر: ٧٧] . وفي موضع آخر: لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [النحل: ٦٩] ولِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [النحل: ٦٧] وإِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ [الرعد: ١٩] يعني المؤمنين.
ومثله قوله تعالى في قصة سبإ: وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [سبأ: ١٩] . وهذا كما تقول: أن في ذلك لآية لكل موحّد مصلّ، ولكلّ فاصل تقيّ. وإنما تريد المسلمين.
وقوله: كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ [الحديد: ٢٠] فإنما يريد بالكفار هاهنا:
الزّرّاع، واحدهم كافر. وإنما سمّي كافرا لأنه إذا ألقى البذر في الأرض كفره، أي غطّاه، وكل شيء، غطّيته فقد كفرته، ومنه قيل: تكفّر فلان في السّلاح: إذا تغطّى.
ومنه قيل للّيل كافر، لأنه يستر بظلمته كل شيء. ومنه قول الشاعر «١» :
يعلو طريقة متنها متواترا ... في ليلة كفر النّجوم غمامها
стр. 51
أي غطاها. وهذا مثل قوله تعالى: يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [الفتح: ٢٩] .
وأما قوله: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ [هود: ١٠٧] ، فإن للعرب في معنى (الأبد) ألفاظا يستعملونها في كلامهم، يقولون: لا أفعل ذلك ما اختلف الليل والنهار، وما طمى البحر، أي ارتفع، وما أقام الجبل، وما دامت السموات والأرض، في أشباه لهذا كثيرة، يريدون لا أفعله أبدا، لأن هذه المعاني عندهم لا تتغير عن أحوالها أبدا، فخاطبهم الله بما يستعملونه فقال: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أي مقدار دوامهما، وذلك مدة العالم. وللسماء وللأرض وقت يتغيّران فيه عن هيئتهما، يقول الله تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ [إبراهيم: ٤٨] ، ويقول: يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ [الأنبياء: ١٠٤] .
أراد أنهم خالدون فيها مدة العالم، سوى ما شاء الله أن يزيدهم من الخلود على مدة العالم. ثم قال: عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود: ١٠٨] أي غير مقطوع.
و (إلّا) في هذا الموضع بمعنى (سوى) ومثله من الكلام: لأسكننّ في هذه الدار حولا إلا ما شئت. تريد سوى ما شئت أن أزيد على الحول.
هذا وجه. وفيه (قول آخر) ، وهو: أن يجعل دوام السماء والأرض بمعنى الأبد، على ما تعرف العرب وتستعمل، وإن كانتا قد تتغيّران، وتستثنى المشيئة من دوامهما، لأن أهل الجنة وأهل النار قد كانوا في وقت من أوقات دوام السماء والأرض في الدنيا لا في الجنة، فكأنه قال: خالدين في الجنة وخالدين في النار دوام السماء والأرض، إلا ما شاء ربك من تعميرهم في الدنيا قبل ذلك.
وفيه (وجه ثالث) : وهو أن يكون الاستثناء من الخلود مكث أهل الذنوب من المسلمين في النار حتى تلحقهم رحمة الله، وشفاعة رسوله، فيخرجوا منها إلى الجنة.
فكأنه قال سبحانه: خالدين في النار ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك من إخراج المذنبين من المسلمين إلى الجنة، وخالدين في الجنة ما دامت السموات والأرض، إلا ما شاء ربك من إدخال المذنبين النار مدة من المدد، ثم يصيرون إلى الجنة.
وأما قوله: لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى [الدخان: ٥٦] ، فإن (إلّا) في هذا الموضع أيضا بمعنى (سوى) . ومثله: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ [النساء: ٢٢] يريد سوى ما سلف في الجاهلية قبل النهي.
стр. 52
وإنما استثنى الموتة الأولى وهي في الدنيا، لأن السّعداء حين يموتون يصيرون بما شاء الله من لطفه وقدرته، إلى أسباب من أسباب الجنة، ويتفاضلون أيضا في تلك الأسباب على قدر منازلهم عند الله: فمنهم من يلقّى بالرّوح والرّيحان، ومنهم من يفتح له باب إلى الجنة، ومنهم الشهداء أرواحهم في حواصل طير خضر تعلق في الجنة. أي تأكل، قال الشاعر «١» :
إن تدن من فنن الألاءة تعلق وجعفر بن أبي طالب ذو الجناحين يطير مع الملائكة في الجنة.
والله يقول: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) [آل عمران: ١٦٩] .
أفما ترى أنهم عندنا موتى وهم في الجنة متّصلون بأسبابها؟ فكيف لا يجوز أن يستثنى من مكثهم فيها الموتة الأولى؟.
وأما قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (٩٦) [مريم: ٩٦] ، فإنه ليس على تأوّلهم، وإنما أراد أنه يجعل لهم في قلوب العباد محبّة.
فأنت ترى المخلص المجتهد محبّبا إلى البرّ والفاجر، مهيبا مذكورا بالجميل. ونحوه قول الله سبحانه في قصة موسى ﷺ : وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي [طه: ٣٩] ، ولم يرد في هذا الموضع أني أحببتك، وإن كان يحبه، وإنما أراد أنه حبّبه إلى القلوب، وقرّبه من النفوس، فكان ذلك سببا لنجاته من فرعون، حتى استحياه في السّنة التي كان يقتل فيها الولدان.
وأما قوله: وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً (٩) [النبأ: ٩] ، فليس السّبات هاهنا: النوم، فيكون معناه: وجعلنا نومكم نوما. ولكن السّبات الراحة: أي جعلنا النوم راحة لأبدانكم. ومنه قيل: يوم السبت، لأن الخلق اجتمع في يوم الجمعة، وكان الفراغ منه يوم السبت، فقيل لبني إسرائيل: استريحوا في هذا اليوم، ولا تعملوا شيئا، فسمّي يوم السبت، أي يوم الراحة. وأصل السبت: التّمدّد، ومن تمدّد استراح. ومنه قيل: رجل مسبوت، ويقال: سبتت المرأة شعرها: إذا نقضته من العقص وأرسلته. قال أبو وجزة السّعدي «٢» :
стр. 53
وإن سبّتته مال جثلا كأنّه ... سدى وأثلاث من نواسج خثعما
ثم قد يسمى النوم سباتا، لأنه بالتمدّد يكون. ومثل هذا كثير، وستراه في (باب المجاز) إن شاء الله.
وأما قوله: وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا (١٥) قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ [الإنسان:
١٥، ١٦] ، فقد أعلمتك أن كل ما في الجنة من آلتها وسررها وفرشها وأكوابها- مخالف لما في الدنيا من صنعة العباد، وإنما دلّنا الله بما أراناه من هذا الحاضر على ما عنده من الغائب. وقال ابن عباس: ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء. والأكواب:
كيزان لا عرى لها، وهي في الدنيا قد تكون من فضة، وتكون من قوارير.
فأعلمنا أن هناك أكوابا لها بياض الفضّة وصفاء القوارير، وهذا على التشبيه، أراد قوارير كأنها من فضة، كما تقول: أتانا بشراب من نور، أي كأنه نور.
وقال قتادة في قول الله : كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ (٥٨) [الرحمن: ٥٨] أي لهنّ صفاء الياقوت وبياض المرجان.
وأما قوله: حِجارَةً مِنْ طِينٍ [الذاريات: ٣٣] ، فإن ابن عباس، ﵁، ذكر أنها آجرّ. والآجرّ: حجارة الطين، لأنه في صلابة الحجارة.
وقرأت في التّوراة بعد ذكر أنساب ولد نوح ﷺ : أنهم تفرّقوا في كل أرض، وكانت الأرض لسانا واحدا، فلما ارتحلوا من المشرق وجدوا بقعة في الأرض اسمها (سعير) فحلّوا بها، ثم جعل الرجل منهم يقول لصاحبه: هلمّ فلنلبّن لبنا فنحرّقه بالنار فيكون اللّبن حجارة، ونبني مجدلا «١» رأسه في السماء.
وذكر بعض من رأى هذه الحجارة أنها حمر مختّمة. وقال آخرون: مخطّطة، وذلك تسويمها، ولهذا ذهب قوم في تفسير (سجّيل) إلى سنك وكل. أي حجر وطين.
وأما قوله: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ [يونس: ٩٤] ، فإن المخاطبة لرسول الله ﷺ ، والمراد غيره من الشّكاك، لأن القرآن نزل عليه بمذاهب العرب كلّها، وهم قد يخاطبون الرجل بالشيء ويريدون غيره.
والجواب عن هذا مستقصى في (باب الكناية والتعريض) فكرهت إعادته في هذا الموضع.
стр. 54
وأما قوله: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا [مريم: ٦٢] ، فإن الناس يختلفون في مطاعمهم: فمنهم من يأكل الوجبة، ومنهم من عادته الغداء والعشاء، ومنهم من يزيد عليهما، ومنهم من يأكل متى وجد لغير وقت ولا عدد. فأعدل هذه الأحوال للطّاعم وأنفعها، وأبعدها من البشم «١» والطّوى «٢» على العموم- الغداء والعشاء. والعرب تكره الوجبة، وتستحبّ العشاء، وتقول: ترك العشاء مهرمة، وترك العشاء يذهب بلحم الكاذة «٣» .
وقد بيّنت معناهم في هذا القول في كتاب (غريب الحديث) .
ونحن لا نعرف دهرا لا يختلف له وقت، ولا يرى فيه ظلام ولا شمس، فأراد الله جل وعز أن يعرّفنا من حيث نفهم ونعلم، أحوال أهل الجنة في مأكلهم، واعتدال أوقات مطاعمهم، فضرب لنا البكرة والعشيّ مثلا، إذ كانا يدلّان على العشاء والغداء.
وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، أنه قال: كانت العرب إذا أصاب أحدهم الغداء والعشاء أعجبه ذلك. فأخبرهم الله ﵎ أن لهم في الجنة هذه الحال التي تعجبهم في الدنيا.
وأما قوله: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا [غافر: ٤٦] ، فإنه لم يرد أن ذلك يكون في الآخرة، وإنما أراد أنهم يعرضون عليها بعد مماتهم في القبور.
وهذا شاهد من كتاب الله لعذاب القبر، يدلّك على ذلك قوله: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ، [غافر: ٤٦] فهم في البرزخ يعرضون على النار غدوّا وعشيّا، وفي القيامة يدخلون أشد العذاب.
وأما قوله: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ [الرعد: ٣٥] ، ولم يأت بالشيء الذي جعل له الجنة مثلا- فإن أصل المثل ما ذهبوا إليه من معنى المثل، تقول: هذا مثل الشيء ومثله، كما تقول: هذا شبه الشيء وشبهه.
ثم قد يصير المثل بمعنى الشيء وصفته، وكذلك المثال والتّمثال، يقال للمرأة الرّائقة: كأنها مثال، وكأنها تمثال، أي صورة، كما يقال: كأنها دمية، أي صورة، وإنما هي مثل، وقد مثّلت لك كذا، أي صوّرته ووصفته.
فأراد الله بقوله: مَثَلُ الْجَنَّةِ، أي صورتها وصفتها.
стр. 55
وروي أن عليّا ﵀ كان يقرأ: مثال الجنة أو أمثال الجنة
، وهو بمنزلة مثل، إلا أنه أوضح وأقرب في أفهام الناس إلى المعنى الذي تأوّلناه في مثل.
ونحوه قوله: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ، ثم قال: ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ [الفتح: ٢٩] أي ذلك وصفهم، لأنه لم يضرب لهم مثلا في أوّل الكلام، فيقول: ذلِكَ مَثَلُهُمْ وإنما وصفهم وحلّاهم، ثم قال: ذلِكَ مَثَلُهُمْ أي وصفهم.
وقوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ، ثم قال: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ [الحج: ٧٣] ، ولم يأت بالمثل، لأن في الكلام معناه، كأنه قال: يا أيها الناس، مثلكم مثل من عبد آلهة اجتمعت لأن تخلق ذبابا لم تقدر عليه، وسلبها الذباب شيئا فلم تستنقذه منه.
ومثل هذا في القرآن وكلام العرب أشياء قد اقتصصناها في (أبواب المجاز) .
وأما قوله: وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ (٤٠) [الرعد: ٤٠] . فإنه لم يرد أن عليك البلاغ بعد الوفاة كما ظنّوا، وإنما أراد:
إن أريناك بعض الذي نعدهم في حياتك، أو توفيناك قبل أن نريك ذلك- فليس عليك إلا أن تبلّغ، وعلينا أن نجازي.
ومثل هذا: رجل بعثته واليا وقلت له: سر إلى بلد كذا فادعهم، فإن استجابوا لك فأحسن فيهم السيرة، وابسط المعدلة، وإن عصوك فعظهم وحذّرهم عقاب المعصية، فإن أقاموا على الغواية أعلمتني ليأتيهم النّكير. فصار إليهم فمانعوه، ووعظهم فخالفوه، وأقام حينا مستبطئا ما أوعدتهم به، فقلت: إن أريناك ما وعدناهم من العقوبة أو عزلناك قبل أن نريك ذلك- فليس لك أن تستبطئنا، إنما عليك التّبليغ والعظة، وعلينا الجزاء والمكافأة.
وأما قوله: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ [النحل: ١١٢] .
وقوله: وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ [الأحزاب: ١٠] .
وقوله: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ [الأنفال: ٥] .
وقوله: سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦) [القلم: ١٦] .
فقد ذكرنا الجواب عن ذلك في (باب المجاز) ، وكرهنا إعادته في هذا الموضع وستراه هناك كافيا، إن شاء الله.
стр. 56
باب المتشابه
وأما قولهم: ماذا أراد بإنزال المتشابه في القرآن، من أراد بالقرآن لعباده الهدى والتّبيان؟.
- فالجواب عنه: أن القرآن نزل بألفاظ العرب ومعانيها، ومذاهبها في الإيجاز والاختصار، والإطالة والتوكيد، والإشارة إلى الشيء، وإغماض بعض المعاني حتى لا يظهر عليه إلا اللّقن «١» ، وإظهار بعضها، وضرب الأمثال لما خفي.
ولو كان القرآن كله ظاهرا مكشوفا حتى يستوي في معرفته العالم والجاهل، لبطل التفاضل بين الناس، وسقطت المحنة، وماتت الخواطر.
ومع الحاجة تقع الفكرة والحيلة، ومع الكفاية يقع العجز والبلادة.
وقالوا: عيب الغنى أنه يورث البله، وفضيلة الفقر أنه يبعث الحيلة.
وقال: أكثم بن صيفيّ: ما يسرّني أني مكفيّ كلّ أمر الدنيا. قيل له: ولم؟ قال:
أكره عادة العجز.
وكل باب من أبواب العلم: من الفقه والحساب والفرائض والنحو، فمنه ما يجلّ، ومنه ما يدقّ، ليرتقي المتعلم فيه رتبة بعد رتبة، حتى يبلغ منتهاه، ويدرك أقصاه ولتكون للعالم فضيلة النظر، وحسن الاستخراج، ولتقع المثوبة من الله على حسن العناية.
ولو كان كل فن من العلوم شيئا واحدا: لم يكن عالم ولا متعلم، ولا خفيّ ولا جليّ لأن فضائل الأشياء تعرف بأضدادها، فالخير يعرف بالشر، والنفع بالضرّ، والحلو بالمر، والقليل بالكثير، والصغير بالكبير، والباطن بالظاهر.
وعلى هذا المثال كلام رسول الله ﷺ ، وكلام صحابته والتابعين، وأشعار الشعراء، وكلام الخطباء- ليس منه شيء إلا وقد يأتي فيه المعنى اللطيف الذي يتخيّر فيه
стр. 57
العالم المتقدّم، ويقرّ بالقصور عنه النّقّاب المبرّز.
قال رسول الله، ﷺ : «تجدون الناس كإبل مائة ليس فيها راحلة» «١» .
وقال: «لا تستضيئوا بنار المشركين» «٢» .
وقال: «إنّ ممّا ينبت الرّبيع ما يقتل حبطا أو يلمّ» «٣» .
وقال للضحّاك بن سفيان حين بعثه إلى قومه: «إذا أتيتهم فاربض في دارهم ظبيا» «٤» .
وقال: «الكاسيات العاريات لا يدخلن الجنة» «٥» .
وكتب في كتاب صلح: «وإن بيننا وبينكم عيبة مكفوفة» «٦» .
وقال: «أجد نفس ربّكم من قبل اليمن» «٧» .
стр. 58
وقال أبو بكر الصديق: نحن حفنة من حفنات الله «١» .
وقال عمر بن الخطاب للعريف الذي أتاه بالمنبوذ: عسى الغوير أبؤسا «٢» .
وقال عليّ بن أبي طالب: من يطل هن أبيه ينتطق به «٣» .
وحدّثت عن الأصمعي أنه قال: أعياني أن أعلم معنى قول عمر: أيما رجل بايع عن غير مشاورة، فلا يؤمّر واحد منهما تغرّة أن يقتلا «٤» .
وقال المازنيّ «٥» : سألت الأخفش «٦» عن حرف رواه سيبويه «٧» عن الخليل «٨» في
стр. 59
(باب من الابتداء يضمر فيه ما بني على الابتداء) وهو قوله: ما أغفله عنك شيئا، أي دع الشّكّ: ما معناه؟.
قال الأخفش: أنا مذ ولدت أسأل عن هذا.
وقال المازنيّ: سألت الأصمعي «١» وأبا زيد «٢» ، وأبا مالك «٣» عنه، فقالوا: ما ندري ما هو.
والعرب تقول:
(حور في محارة) «٤» .
و (جري المذكّيات غلاب) «٥» .
و (عيل ما هو عائله) «٦» .
و (إنّه لشرّاب بأنقع) «٧» .
و (عاط بغير أنواط) «٨» .
و (إلّا ده فلا ده) «٩» .
و (النّفاض يقطّر الجلب) «١٠» .
стр. 60
و (به داء ظبي) «١» .
و (أراك بشر ما أحار مشفر) «٢» .
و (أفلت فلان بجريعة الذّقن) «٣» .
و (غبار ذيل المرأة الفاجرة يورث السّلّ) «٤» .
و (هو كبارح الأرويّ) «٥» .
و (عبد وخلى في يديه) «٦» .
و (رمّدت الضأن فربّق ربّق، ورمّدت المعزى فرنّق رنّق) «٧» .
و (أفواهها مجاسّها) «٨» .
و (نجارها نارها) «٩» .
في أشباه لهذا كثيرة، لولا العلماء المنقّبون في البلاد، المنقّرون عن الخبء، الناظرون للخلوف، الطالبون أعقاب الأحاديث، ولسان الصّدق في الباقين- لطال علينا أن نطلع على خفيّاتها، أو نظهر مستورها.
وإن آثرت أن تعرف معانيها التمستها في كتابنا المؤلف في (تفسير غريب الحديث) فإنك واجدها أو أكثرها هناك، إن شاء الله تعالى.
وحدثني أبو حاتم «١٠» ، عن الأصمعي أنه قال: سألت عيسى بن عمر «١١» عن قول أمية بن أبي الصّلت «١٢» :
стр. 61
والأرض نوّخها الإله طروقة ... للماء حتّى كلّ زند مسفد
فقال: لا أعرفه، وقد سألت عنه فلم أجد من يعرفه.
فهذا الأصمعي، وعيسى بن عمر، ومن سأله عيسى من أهل اللّغة، لم يعرفوا هذا البيت، وفسّره من دونهم فقال: معناه: أن الله جعل الأرض كالأنثى للماء، وجل الماء كالذكر للأرض، فإذا مطرت أنبتت.
ثم قال: وهكذا كل شيء حتى الزّنود، فإن على الزّندين ذكر، والأسفل أنثى، والنار لهما كالولد.
و (مسفد) بمعنى: منكح. تقول: سفد الذكر الأنثى، والله أسفده، كما تقول:
نكح والله أنكحه.
ومثل هذا قول ذي الرّمة «١» .
وسقط كعين الدّيك عاورت صحبتي ... أباها وهيّأنا لموقعها وكرا
مشهّرة لا تمكن الفحل أمّها ... إذا هي لم تمسك بأطرافها قسرا
أراد بالسّقط: النار، وأراد بالأب: الزّند الأعلى، وبالأمّ: الزند الأسفل.
وحدثني أبو حاتم عن الأصمعي أيضا، عن عيسى بن عمر، أنه قال: لا أدري ما معنى قول أميّة بن أبي الصّلت الثّقفي، ولا رأيت أحدا يحسنه «٢» :
عسل ما ومثله عشر ما ... عائل ما وعالت البيقورا
هكذا رواه عسل ما وإنما هو: سلع ما.
стр. 62
ومعنى البيت: أنهم كانوا يستمطرون بالسّلع والعشر، وهما ضربان من الشجر، فيعقدونهما في أذناب البقر، ويضرمون فيهما النار.
وقوله: (وعالت البيقورا) يعني: سنة الجدب أثقلت البقر بما حمّلت من الشجر والنار فيها والعائل: الفقير.
والدليل على أنّ الرّواية (سلع ما) قول الآخر «١» :
أجاعل أنت بيقورا مسلّمة ... ذريعة لك بين الله والمطر
وحدثني أيضا أبو حاتم، عن الأصمعي، أنه قال في بيت امرئ القيس «٢» :
نطعنهم سلكى ومخلوجة ... كرّك لأمين على نابل
ذهب من يحسن هذا الكلام.
وقال مثل ذلك في بيت الحارث بن حلّزة «٣» :
زعموا أنّ كلّ من ضرب العي ... ر موال لنا وأنّا الولاء
وفسّره الأصمعيّ فقال: أراد نطعنهم طعنة سلكى، أي مستوية، ومخلوجة: عادلة ذات اليمين وذات الشمال، كما تردّ سهمين على صاحب سهام قد دفعهما إليك لتنظر
стр. 63
إليهما، وإذا أنت ألقيتهما إليه: لم يقعا جميعا مستويين على جهة واحدة، ولكن أحدهما يعوجّ، ويستوي الآخر. فشبّه جهتي الطعنتين، بجهتي هذين السهمين.
وقال الزّيادي «١» : كان زيد بن كثوة العنبريّ يقول: الناس يغلطون في لفظ هذا البيت ومعناه، وإنما هو: كرّ كلامين على نابل. أي: نطعن طعنتين متواليتين لا نفصل بينهما، كما تقول للرامي: ارم ارم، فهذان كلامان لا فصل بينهما، شبّه بهما الطعنتين في موالاته بينهما. وكان يستحسن هذا المعنى.
وأما (العير) فقد اختلفوا فيه: فكان بعضهم يجعله الوتد، سمّاه عيرا لنتوئه مثل عير نصل السّهم، وهو الناتئ وسطه. يريد: أن كل من ضرب خباء من أهل العمد، فضرب له وتدا- رمونا بذنبه.
وقال بعضهم: هو كليب وائل، والعير: سيّد القوم، سمّي بذلك لأنّ العير أكبر الوحش، ولذلك
قال رسول الله، ﷺ ، لأبي سفيان: «كلّ الصّيد في جوف العير» «٢» .
وقال آخر: العير جبل بالمدينة، ومنه: أنّ رسول الله ﷺ حرّم ما بين عير إلى ثور «٣» . يرد كلّ من ضرب إلى ذلك الموضع وبلغه.
وقال آخر: هو الحمار نفسه، يريد أنفسهم يضيفون إلينا ذنوب كلّ من ساق حمارا.
ومعنى هذا كله: أنهم يلزموننا بذنوب الناس جميعا، ويجعلوننا أولياءهم.
وقال الأصمعي: لا أدري ما معنى قول رؤبة «٤» :
يغمسن من غمسنه في الأهيغ ثم قال بعده: يوهم أنّ ثمّ ماء.
وقال ابن الأعرابي «٥» : يقال: فلان منغمس في الأهيغين، يراد: الأكل والنّكاح.
стр. 64
ونحو منه: ذهب منه الأطيبان، يراد: الأكل والنكاح.
وقال أيضا: لا أدري ما معنى قول رؤبة في صفة الثور «١» :
كأنه حامل جنب أخذعا وقال ابن الأعرابي: أراد: كأنه ضرب بالسيف ضربة فتعلّقت جنبه وهو حاملها، وذلك لميله من بغيه على أحد جانبيه. والخذع: الميل.
ومثل هذا كثير، وفيما ذكرنا منه ما أقنع ودلّ على ما أردناه، إن شاء الله تعالى.
ولسنا ممن يزعم: أنّ المتشابه في القرآن لا يعلمه الراسخون في العلم.
وهذا غلط من متأوّليه على اللّغة والمعنى.
ولم ينزل الله شيئا من القرآن إلا لينفع به عباده، ويدلّ به على معنى أراده.
فلو كان المتشابه لا يعلمه غيره للزمنا للطّاعن مقال، وتعلّق علينا بعلّة.
وهل يجوز لأحد أن يقول: إن رسول، الله ﷺ ، لم يكن يعرف المتشابه؟!.
وإذا جاز أن يعرفه مع قول الله تعالى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران: ٧] جاز أن يعرفه الرّبّانيون من صحابته، فقد علّم عليّا التفسير.
ودعا لابن عباس فقال: «اللهم علّمه التأويل، وفقّهه في الدين» «٢» .
وروى عبد الرّزّاق «٣» ، عن إسرائيل»
، عن سماك بن حرب «٥» ، عن عكرمة،
стр. 65
عن ابن عباس أنه قال: كلّ القرآن أعلم إلا أربعا: غسلين، وحنانا، والأوّاه، والرّقيم.
وكان هذا من قول ابن عباس في وقت، ثمّ علم ذلك بعد.
حدثني محمد بن عبد العزيز، عن موسى بن مسعود، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: تعلمونه وتقولون: آمنا به.
ولو لم يكن للراسخين في العلم حظ في المتشابه إلا أن يقولوا: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا [آل عمران: ٧]- لم يكن للراسخين فضل على المتعلمين، بل على جهلة المسلمين، لأنهم جميعا يقولون: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا.
وبعد:
فإنّا لم نر المفسرين توقّفوا عن شيء من القرآن فقالوا: هذا متشابه لا يعلمه إلا الله، بل أمرّوه كلّه على التفسير، حتى فسروا (الحروف المقطّعة) في أوائل السّور، مثل: الر، وحم، وطه، وأشباه ذلك. وسترى ذلك في الحروف المشكلة، إن شاء الله.
فإن قال قائل: كيف يجوز في اللغة أن يعلمه الراسخون في العلم، والله تعالى يقول: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ، [آل عمران: ٧] وأنت إذا أشركت الراسخين في العلم انقطعوا عن (يقولون) ، وليست هاهنا واو نسق توجب للراسخين فعلين. وهذا مذهب كثير من النحويين في هذه الآية، ومن جهته غلط قوم من المتأوّلين؟.
قلنا له: إن (يقولون) هاهنا في معنى الحال، كأنه قال: الرّاسخون في العلم قائلين: آمنا به. ومثله في الكلام: لا يأتيك إلا عبد الله، وزيد يقول: أنا مسرور بزيارتك. يريد: لا يأتيك إلا عبد الله وزيد قائلا: أنا مسرور بزيارتك.
ومثله لابن مفرّغ الحميريّ يرثي رجلا في قصيدة أولها «١» :
أصرمت حبلك من أمامه ... من بعد أيّام برامه
والرّيح تبكي شجوها ... والبرق يلمع في غمامه
أراد: والبرق لا معا في غمامة تبكي شجوه أيضا، ولو لم يكن البرق يشرك الرّيح في البكاء، لم يكن لذكره البرق ولمعه معنى.
стр. 66
وأصل (التّشابه) : أن يشبه اللفظ اللفظ في الظاهر، والمعنيان مختلفان. قال الله جل وعز في وصف ثمر الجنة: وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً [البقرة: ٢٥] ، أي متّفق المناظر، مختلف الطّعوم. وقال: تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ [البقرة: ١١٨] أي يشبه بعضها بعضا في الكفر والقسوة.
ومنه يقال: اشتبه عليّ الأمر، إذا أشبه غيره فلم تكد تفرّق بينهما، وشبّهت عليّ:
إذا لبّست الحقّ بالباطل، ومنه قيل لأصحاب المخاريق أصحاب الشّبه، لأنهم يشبّهون الباطل بالحق.
ثم قد يقال لكلّ ما غمض ودقّ متشابه، وإن لم تقع الحيرة فيه من جهة الشّبه بغيره، ألا ترى أنه قد قيل للحروف المقطّعة في أوائل السّور: متشابه، وليس الشك فيها، والوقوف عندها لمشاكلتها غيرها، والتباسها بها.
ومثل المتشابه (المشكل) . وسمي مشكلا: لأنه أشكل، أي دخل في شكل غيره فأشبهه وشاكله.
ثم قد يقال لما غمض- وإن لم يكن غموضه من هذه الجهة-: مشكل.
وقد بيّنت ما غمض من معناه لا لتباسه بغيره، واستتار المعاني المختلفة تحت لفظه، وتفسير (المشكل) الذي ادّعي على القرآن فساد النّظم فيه.
وقدّمت قبل ذلك (أبواب المجاز) : إذ كان أكثر غلط المتأوّلين من جهته.
وأرجو أن يكون في ذلك ما شفي مرض القلوب، وهدى من الحيرة، إن شاء الله.
стр. 67
باب القول في المجاز
وأما (المجاز) فمن جهته غلط كثير من الناس في التأويل، وتشعّبت بهم الطرق، واختلفت النّحل: فالنصارى تذهب في قول المسيح ﵇ في الإنجيل: (أدعوا أبي، وأذهب إلى أبي) وأشباه هذا، إلى أبوّة الولادة.
ولو كان المسيح قال هذا في نفسه خاصة دون غيره، ما جاز لهم أن يتأوّلوه هذا التأويل في الله- ﵎ عما يقولون علوا كبيرا- مع سعة المجاز، فكيف وهو يقوله في كثير من المواضع لغيره؟ كقوله حين فتح فاه بالوحي: إذا تصدّقت فلا تعلم شمالك بما فعلت يمينك، فإنّ أباك الذي يرى الخفيّات يجزيك به علانية، وإذا صلّيتم فقولوا: يا أبانا الذي في السماء ليتقدّس اسمك، وإذا صمت فاغسل وجهك وادهن رأسك لئلا يعلم بذلك غير أبيك.
وقد قرؤوا في (الزّبور) أن الله ﵎ قال لداود ﵇: سيولد لك غلام يسمّى لي ابنا وأسمّى له أبا.
وفي (التّوراة) أنه قال ليعقوب ﵇: أنت بكري.
وتأويل هذا أنه في رحمته وبرّه وعطفه على عباده الصالحين، كالأب الرحيم لولده.
وكذلك قال المسيح للماء: (هذا أبي) ، وللخبز: (هذا أمي) ، لأنّ قوام الأبدان بهما، وبقاء الروح عليهما، فهما كالأبوين اللّذين منهما النّشأة، وبحضانتهما النّماء.
وكانت العرب تسمّي الأرض أمّا، لأنها مبتدأ الخلق، وإليها مرجعهم، ومنها أقواتهم، وفيها كفايتهم.
وقال أميّة بن أبي الصّلت «١» :
стр. 68
والأرض معقلنا وكانت أمّنا ... فيها مقابرنا وفيها نولد
وقال يذكرها «١» :
منها خلقنا وكانت أمّنا خلقت ... ونحن أبناؤها لو أننا شكر
هي القرار فما نبغي بها بدلا ... ما أرحم الأرض إلا أنّنا كفر
وقال الله تعالى في الكافر: فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩) [القارعة: ٩] لمّا كانت الأمّ كافلة الولد وغاذيته، ومأواه ومربّيته، وكانت النار للكافر كذلك- جعلها أمّه.
وقال في أزواج النبي، ﷺ : وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ [الأحزاب: ٦] ، أي: كأمهاتهم في الحرمات.
وفي (التوراة) (إنّ الله برّك اليوم السابع وطهّره، من أجل أنه استراح فيه من خليقته التي خلق) .
وأصل الاستراحة: أن تكون في معاناة شيء ينصبك ويتعبك، فتستريح.
ثم ينتقل ذلك فتصير الاستراحة بمعنى: الفراغ. تقول في الكلام: استرحنا من حاجتك وأمرنا بها. تريد فرغنا، والفراغ، أيضا يكون من الناس بعد شغل.
ثم قد ينتقل ذلك فيصير في معنى القصد للشيء، تقول: لئن فرغت لك، أي قصدت قصدك.
وقال الله تعالى: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ (٣١) [الرحمن: ٣١] . والله ﵎ لا يشغله شأن عن شأن. ومجازه: سنقصد لكم بعد طول التّرك والإمهال.
وقال قتادة: قد دنا من الله فراغ لخلقه. يريد: أن الساعة قد أزفت وجاء أشراطها.
وتأوّل قوم في قوله تعالى: فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ (٨) [الانفطار: ٨] معنى (التناسخ) . ولم يرد الله في هذا الخطاب إنسانا بعينه، وإنما خاطب به جميع الناس كما قال: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً [الانشقاق: ٦] كما يقول القائل: يا أيها الرجل، وكلّكم ذلك الرجل.
فأراد أنه صوّرهم وعدّلهم، في أيّ صورة شاء ركّبهم: من حسن وقبح، وبياض
стр. 69
وسواد، وأدمة وحمرة.
ونحوه قوله: وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ [الروم: ٢٢] .
وذهب قوم في قول الله وكلامه: إلى أنه ليس قولا ولا كلاما على الحقيقة، وإنما هو إيجاد للمعاني. وصرفوه في كثير من القرآن إلى المجاز، كقول القائل: قال الحائط فمال، وقل برأسك إليّ، يريد بذلك الميل خاصة، والقول فضل.
وقال بعضهم في قوله للملائكة: اسْجُدُوا لِآدَمَ [البقرة: ٣٤] : هو إلهام منه للملائكة، كقوله: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [النحل: ٦٨] أي ألهمها. وكقوله: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ، ما يَشاءُ [الشورى: ٥١] وذهبوا في الوحي هاهنا: إلى الإلهام.
وقالوا في قوله للنساء والأرض: ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [فصلت: ١١] :
لم يقل الله ولم يقولا، وكيف يخاطب معدوما؟ وإنما هذا عبارة: لكوّناهما فكانتا.
قال الشاعر حكاية عن ناقته «١» :
تقول إذا درأت لها وضيني: ... أهذا دينه أبدا وديني
أكلّ الدّهر حلّ وارتحال؟ ... أما يبقي عليّ ولا يقيني؟
وهي لم تقل شيئا من هذا، ولكنه رآها في حال من الجهد والكلال، فقضى عليها بأنها لو كانت ممن تقول لقالت مثل الذي ذكر.
وكقول الآخر «٢» :
شكا إليّ جملي طول السّرى
стр. 70
والجمل لم يشك، ولكنه خبّر عن كثرة أسفاره، وإتعابه جمله، وقضى على الجمل بأنه لو كان متكلما لا شتكى ما به.
وكقول عنترة في فرسه «١» :
فازورّ من وقع القنا بلبانه ... وشكا إليّ بعبرة وتحمحم.
لما كان الذي أصابه يشتكي مثله ويستعبر منه، جعله مشتكيا مستعبرا، وليس هناك شكوى ولا عبرة.
قالوا: ونحو هذا قوله تعالى: يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠) [ق: ٣٠] وليس يومئذ قول منه لجهنم، ولا قول من جهنم، وإنما هي عبارة عن سعتها.
وفي قوله: تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) [المعارج: ١٧] يريد: أن مصير من أدبر وتولى إليها، فكأنها الداعية لهم، كما قال ذو الرّمة «٢» :
دعت ميّة الأعداد واستبدلت بها ... خناطيل آجال من العين خذّل
والأعداد: المياه، لما انتقلت ميّة إليها ورغبت عن مائها، كانت كأنها دعتها.
وكقول الآخر «٣» :
ولقد هبطت الواديين وواديا ... يدعو الأنيس به الغضيض الأبكم
والغضيض الأبكم: الذّباب، يريد: أنه يطنّ فيدل بطنينه على النبات والماء، فكأنه دعاء منه.
وقال أبو النجم يذكر نبتا «٤» :
стр. 71
مستأسدا ذبّانه في غيطل ... يقلن للرّائد: أعشبت انزل
ولم يقل الذباب شيئا من هذا، ولكنه دل على نفسه بطنينه، ودل مكانه على المرعى، لأنه لا يجتمع إلا في عشب، فكأنه قال للرائد: هذا عشب فأنزل.
وقال آخر يصف ذئبا «١» :
يستخبر الرّيح إذا لم يسمع ... بمثل مقراع الصّفا الموقّع
يريد: أنه يشتمم ثم يتّبع الرائحة بخطم كأنه الفأس التي يكسر بها الصخر، فجعل تشممه استخبارا.
قال أبو محمد:
وقد تبين لمن قد عرف اللغة، أن القول يقع فيه المجاز، فيقال: قال الحائط فمال، وقل برأسك إليّ، أي أمله، وقالت الناقة، وقال البعير.
ولا يقال في مثل هذا المعنى: تكلم، ولا يعقل الكلام إلا بالنطق بعينه، خلا موضع واحد وهو أن تتبين في شيء من الموات عبرة وموعظة فتقول خبّر وتكلم وذكّر، لأنه دلّك معنى فيه، فكأنه كلمك، وقال الشاعر «٢» :
وعظتك أجداث صمت ... ونعتك ألسنة خفت
وتكلمت عن أوجه ... تبلى وعن صور سبت
وأرتك قبرك في القبو ... ر وأنت حيّ لم تمت
وقال الكميت يمدح رجلا «٣» :
أخبرت عن فعاله الأرض واستن ... طق منها اليباب والمعمورا
стр. 72
أراد أنه حفر فيها الأنهار، وغرس الأشجار، وأثّر الآثار، فلما تبيّنت للناظر صارت كأنها مخبرة.
وقال عوف بن الخرع يذكر الدار «١» :
وقفت بها ما تبين الكلام ... لسائلها القول إلا سرارا
يقول: ليست تبين الكلام لمخاطبها، إلا أنّ ظاهر ما يرى دليل على الحال، فكأنه سرار من القول، ولهذا قالت الحكماء: كل صامت ناطق. يريدون أنّ أثر الصنعة فيه يدل على محدثه ومدبّره.
ومن هذا قول الله : أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥) [الروم: ٣٥] أي أنزلنا عليهم برهانا يستدلون به، فهو يدلهم.
ونبيّن له أيضا أن أفعال المجاز لا تخرج منها المصادر ولا توكّد بالتكرار، فتقول:
أراد الحائط أن يسقط، ولا تقول: أراد الحائط أن يسقط إرادة شديدة، وقالت الشجرة فمالت، ولا تقول: قالت الشجرة فمالت قولا شديدا. والله تعالى يقول: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً [النساء: ١٦٤] فوكّد بالمصدر معنى الكلام، ونفى عنه المجاز.
وقال: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠) [النحل: ٤٠] فوكّد القول بالتكرار، ووكّد المعنى بإنما.
وأما قول من قال منهم: إن قوله للملائكة: اسْجُدُوا لِآدَمَ [البقرة: ٣٤، والأعراف:
١١، والإسراء: ٦١، والكهف: ٥٠، وطه: ١١٦] إلهام، وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [الشورى: ٥١] أي إلهاما- فما ننكر أنّ القول قد يسمى وحيا، والإيماء وحيا، والرمز بالشفتين والحاجبين وحيا، والإلهام وحيا. وكل شيء دللت به فقد أوحيت به، غير أنّ إلهام النّحل تسخيرها لاتخاذ البيوت، وسلوك السّبل والأكل من كل الثمرات.
وقال العجّاج وذكر الأرض «٢» :
وحي لها القرار فاستقرّت أي: سخّرها لأن تستقر، فاستقرت:
стр. 73
وأما قوله: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ [الشورى: ٥١] فالوحي الأول: ما أراه الله تعالى الأنبياء في منامهم.
والكلام من وراء الحجاب: تكليمه موسى.
والكلام بالرسالة: إرساله الروح الأمين بالرّوح من أمره إلى من يشاء من عباده.
ولا يقال لمن ألهمه الله: كلّمه الله، لما أعلمتك من الفرق بين (الكلام) (والقول) .
ولا يجوز أن يكون قوله للملائكة وإبليس، وطول مراجعته إياه في السّجود، والخروج من الجنة، والنّظرة إلى يوم البعث- إلهاما. هذا ما لا يعقل. وإن كان ذلك تسخيرا فكيف يسخّر لشيء يمتنع منه؟.
وأما تأويلهم في قوله جل وعزّ للسّماء والأرض: ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [فصلت: ١١] : إنه عبارة عن تكوينه لهما. وقوله لجهنم: هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ [ق: ٣٠] إنه إخبار عن سعتها- فما يحوج إلى التّعسّف والتماس المخارج بالحيل الضعيفة؟ وما ينفع من وجود ذلك في الآية والآيتين والمعنى والمعنيين- وسائر ما جاء في كتاب الله من هذا الجنس، وفي حديث رسول الله ﷺ ممتنع عن مثل هذه التأويلات؟.
وما في نطق جهنم ونطق السماء والأرض من العجب؟ والله ﵎ ينطق الجلود، والأيدي، والأرجل، ويسخّر الجبال والطير، بالتّسبيح. فقال: إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) [ص: ١٩] وقال:
يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ [سبأ: ١٠] أي سبّحن معه. وقال: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً [الإسراء: ٤٤] .
وقال في جهنم: تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ [الملك: ٨] أي تنقطع غيظا عليهم كما تقول: فلان يكاد ينقدّ غيظا عليك، أي ينشق.
وقال: إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً (١٢) [الفرقان: ١٢] .
وروي في الحديث أنها تقول: (قط قط) «١» أي حسبي.
стр. 74
وهذا سليمان ﵇ يفهم منطق الطّير وقول النّمل، والنمل من الحكل، والحكل ما لا يسمع له صوت. قال رؤية «١» :
لو كنت قد أوتيت علم الحكل ... علم سليمان كلام النّمل
وقال العمانيّ يمدح رجلا «٢» :
ويفهم قول الحكل لو أنّ ذرّة ... تساود أخرى لم يفته سوادها
والسّواد: السّرار، جعل قولها سرارا، لأنها لا تصوّت.
وهذا رسول الله ﷺ ، تخبره الذّراع المسمومة «٣» ويخبره البعير أنّ أهله يجيعونه ويدئبونه «٤» .
стр. 75
في أشباه لهذا كثيرة.
وأنكروا مع هذا (السّحر) إلا من جهة الحيلة.
وقالوا: منه رقاة التّميمة يفرّق بها بين المرء وزوجه، والكذب تصرف به القلوب عن المحبة إلى البغضة، وعن البغضة إلى المحبة.
وقالوا: منه السّموم يسحر بها فتقطع عن النساء، وتحتّ الشّعر وتغيّر الخلق.
والله تعالى يقول: وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ (٥) [الفلق: ٤، ٥] فأعلمنا أنهن ينفثن- والنّفث كالتّفل- كما ينفث الرّاقي في عقد يعقدها.
قال الشاعر «١» :
يعقّد سحر البابليين طرفها ... مرارا ويسقينا سلافا من الخمر
فأراد أن طرفها يذهب بعقولنا كما يذهب السّحر والراح بالعقل.
وقد سحر رسول الله، ﷺ ، وجعل سحره في بئر ذي أروان، واستخرجه (عليّ) منها، وجعل يحلّه عقدة عقدة، فكلما حل عقدة وجد النبي، ﷺ راحة وخفّا، فلما فرغ من حلّه قام النبي، ﷺ ، كأنما أنشط من عقال «٢» .
وقال الله تعالى: يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ [البقرة: ١٠٢] .
أفتراهما كانا يعلّمان التّمائم، والكذب وسقي السّموم؟!.
وبمثل هذا النظر أنكروا عذاب القبر، ومساءلة الملكين، وحياة الشهداء عند ربهم يرزقون، وأنكروا إصابة العين ونفع الرّقي والعوذ، وعزيف الجنان، وتخبّط الشيطان، وتعوّل الغيلان.
فلما رأوا تواطؤ العرب على ذلك، وإكثار الشعراء فيه، كقول: ذي الرّمة «٣» :