← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23599

تفسير آيات الأحكام - السايس

محمد علي السايس

Полный текст (820 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

متى شاء، ويحل، واختلفوا في هدي الإحصار في الحج، فقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: له أن يذبحه متى شاء ويحل. وقال أبو يوسف والثوري ومحمد: لا يذبحه قبل يوم النحر. وجه الأولين أن قوله: فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ عام في كل الأوقات متى حصل الإحصار، فتخصيصه بوقت إخراج للعام عن عمومه من غير دليل، وأيضا فإن الاتفاق حاصل بين الجميع أن حكم الإحصار بالعمرة لا توقيت فيه، وهو مستفاد من قوله: وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ وهذا دم إحصار وذلك دم إحصار الفرق تحكّم. على أن المعقول في دم الإحصار أن لا يتوقت بزمن غير زمن الإحصار لما قد ينشأ عن بقاء الإحرام- حتى يجيء يوم النحر- من الضرر. نعم قد يعقل أن يختص ذبح دم الإحصار بالمكان لمعنى في المكان: كسد حاجة فقراء الحرم، أو ما شاكل ذلك، ولا نجد هذا المعنى في التخصيص بالزمان بعد وجود الإحصار وعدم التمكن من الوصول إلى الحرم. فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ، المراد بالمرض هنا أدنى ما يصدق عليه اسم المرض. لأنّ المرض الشديد الذي يمنع من تمام النسك يثبت به الإحصار عند الحنفية، وهذا أحد الشبه التي للشافعية أن يستدلوا بها على أن المرض لا يثبت به الإحصار، لأنّه قد بيّن حكمه، هنا، وإن كان للحنفية أن يقولوا: إنّ وجود الصوم بين هذه الأشياء التي جبر فيها دالّ على أن هذا حكم المرض اليسير الذي يقدر صاحبه على الصوم معه، وهذا لا نقول له تحلل بالهدي، بل عليه إتمام النسك، ثم إن قوله: أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ مشير إليه. وفي الآية حذف تقديره: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فحلق فالواجب فدية، وكأنّ هذا استثناء من قوله: وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ، وعلى كل حال- فالمراد: بالمرض والأذى ما يحتاج معه إلى أن يفعل شيئا من محظورات الإحرام: كلبس المخيط، أو تغطية الرأس، أو الحلق. ولم تبين الآية مقدار الصيام، ولا مقدار الصدقة، ولا مقدار النسك. وإنّما ذلك نجده في السّنّة وكتب الفقه. وقد ذهب الجمهور إلى أن الصوم ثلاثة أيام، وهو قول جماعة السلف: إلا ما يروى عن الحسن، وعكرمة: أن الصيام عشرة أيام كصوم التمتع، والعمدة في هذا الباب حديث كعب بن عجرة، وهو ما روي عن عبد الله بن مغفّل أن كعب بن عجرة حدّثه «أنه خرج مع النبيّ ﷺ محرما فقمّل رأسه ولحيته، فبلغ ذلك النبيّ ﷺ فدعا بحلاق فحلق رأسه» ، وقال: «هل تجد نسكا» ؟ فقال: ما أقدر عليه، فأمره أن يصوم ثلاثة أيام، أو أن يطعم ستّة مساكين، لكل مسكين صاعا «١» .

стр. 107

واختلفت الروايات عنه في الصدقة، فمرّة روي عنه الصدقة بستة صيعان كما رأيت، على ستة مساكين، ومرة بثلاثة آصع «١» ، على ستة مساكين، فاضطر الجمهور إلى الجمع بينهما، فحملوا رواية الثلاثة آصع، على طعام القمح، لأنه المعهود فيه في سائر الصدقات، وحملوا رواية الستة آصع على التمر، وأما النسك فلا خلاف أنه تجزئ فيه الشاة، وقد ورد في أخبار كعب بعضها: أنسك نسيكة، وبعضها: شاة، فهو إن شاء ذبح شاة وإن شاء ذبح بدنة. ولا خلاف أنه مخيّر بين فعل أي واحد من الثلاثة، يفعل أيها شاء. لأنّ هذا ما تقضيه (أو) من التخيير. فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ. بهذه تعلّق الشافعية أيضا فيما ذهبوا إليه من الإحصار هو من العدو فحسب، وقال الحنفية: إن الأمن كما يكون من العدو يكون من غيره، ثم إنّ قوله: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ينتظم معنيين: أحدهما: الإحلال، والمتعة بالنساء. والآخر: جمع الحج والعمرة في أشهر الحج، ومعناه حينئذ: الارتفاق بهما، وترك إنشاء سفرين لهما. وقد كانت العرب تكره العمرة في أشهر الحج، وتعدّها من أفجر الفجور. روي عن ابن عباس أنه قال: كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، ويجعلون المحرم صفر. ويقولون: إذا برأ الدّبر وعفى الأثر، وانسلخ صفر، حلّت العمرة لمن اعتمر «٢» . فالمتعة بالحج تحتمل المعنيين: استباحة التمتع بالنساء بالإحلال، والمعنى الثاني: الارتفاق بجمعهما في أشهر الحج، بعد أن كان ذلك ممنوعا. وقد اختلف في قوله تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ. فقال ابن مسعود وعلقمة «٣» : هو عطف على قوله: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ

стр. 108

والمعنى: أنّ الحاجّ إذا أحصر فحلّ من إحرامه بهدي يذبحه: فعليه قضاء عمرة وحجة، فإن هو تمتع بهما، وجمع بينهما في أشهر الحج في سفر واحد: فعليه دم آخر للتمتع. وإن اعتمر في أشهر الحج، ثم رجع إلى أهله. ثم حجّ من عامه، فلا دم عليه للتمتع. قال عبد الله بن مسعود: هديان وسفر أو سفران وهدي، يعني أن من جمع بينهما في سفر واحد بعد الإحصار فعليه هديان: هدي الإحصار، وهدي التمتع، وإن فعلهما في سفرين فليس عليه إلا هدي الإحصار. ويرى ابن عباس أنّ الآية تشمل كلّ جمع بينهما في سفر واحد. سواء أكان محصرا. أم لا. ويرى ابن مسعود أن الآية في المحصرين فقط. لمكان العطف، وإن كان الحكم واحدا فيمن جمع بينهما الإحصار، أو لغير الإحصار. وقد روي عن أصحاب النبي ﷺ روايات ظاهرها اختلاف في إباحة التمتع، بمعنى جمع العمرة والحج في أشهر الحج: فمن روي عنه النهي عمر بن الخطاب ﵁، وعثمان بن عفان ﵁. وروي أن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل حدّث أنه سمع سعد بن أبي وقاص والضحّاك بن قيس عام حج معاوية وهما يتذاكران التمتع بالعمرة إلى الحج. فقال الضحاك: لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله تعالى. قال سعد: بئسما قلت يا ابن أخي! فقال الضحّاك: فإن عمر قد نهى عنه. قال سعد: صنعها رسول الله ﷺ وصنعناها معه. وروي عن قتادة أنه قال سمعت جريّر بن كليب يقول: رأيت عثمان ينهى عن المتعة «١» . وعلي يأمر بها، فأتيت عليّا، فقلت: إن بينكما لشرّا، أنت تأمر بها، وعثمان ينهى عنها! فقال: ما بيننا إلا خير. ولكن خيرنا أتبعنا لهذا الدين «٢» . وقد روي عن عثمان وعمر- أنهما ما كانا يقصدان النهي، وإنما كانا يقصدان تفريق النسكين، من أجل أن تستمر عمارة البلد الحرام في غير أشهر الحج، وأن يدوم نفع الفقراء طول العام باختلاف الناس إلى الحرم في أشهر الحج بالحج، وفي غيرها بالعمرة.

стр. 109

ولقد روي عن عمر ﵁ اختيار المتعة على غيرها، فدلّ ذلك على أن النهي إنما كان لمعنى، خاصّ، لا لعدم الجواز. فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ. أي: فمن لم يجد الهدي- إما لعدم المال، أو لعدم الحيوان- صام ثلاثة أيام في الحج: وهي من عند شروعه في الإحرام إلى يوم النحر، وقيل: يصوم قبل يوم التروية يوما، ويوم التروية، ويوم عرفة. وقيل: ما بين أن يحرم إلى يوم عرفة. وقيل: يصومها من أول عشر ذي الحجة، وقيل: ما دام بمكة، وقيل: غير ذلك. وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ المراد بالرجوع الرجوع إلى الأهل، وقال أحمد، وإسحاق: يجزئه أن يصوم في الطريق، ولا يتضيّق عليه الوجوب إلا بالرجوع إلى الوطن، وهو مذهب الشافعي. وقال مالك: إذا رجع إلى منى فلا بأس أن يصوم. وقال الشوكاني: والأول أرجح، فقد ثبت في «الصحيح» «١» من حديث ابن عمر أنه ﷺ قال: «فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيّام في الحجّ وسبعة إذا رجع إلى أهله» . وإنما قال سبحانه: تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ مع أنّ كلّ أحد يعلم أنّ الثلاثة والسبعة عشرة كاملة لدفع أن يتوهم متوهم أنه مخيّر بين الثلاثة في الحج، وبين السبعة إذا رجع إلى أهله، قاله الزجّاج. وقال المبرد: إنما قال ذلك ليدلّ على انقضاء العدد، حتى لا يتوهّم بقاء شيء وراء السبعة، وقيل: هو توكيد، كما تقول كتبت بيدي، وقد جاء مثل هذا في كلام العرب، قال الشاعر «٢» : ثلاث واثنتان فهنّ خمس ... وسادسة تميل إلى شمام وكذا قول الآخر: ثلاث بالغداء وذاك حسبي ... وستّ حين يدركني العشاء فذلك تسعة في اليوم ريّي ... وشرب المرء فوق الريّ داء وقوله: كامِلَةٌ توكيد آخر، لزيادة العناية بشأنها، حتى لا ينقص منها شيء.

стр. 110

ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ قيل: الإشارة إلى التمتع، وعلى ذلك فلا تمتع للمكيّ، وإن فعل فعليه دم جناية لا يأكل منه، وهو منقول عن الحنفية. وقيل الإشارة إلى حكم الصوم، وما إليه، وعلى هذا يكون للمكيّ تمتع، ولا يكون منه إلا الهدي، ونقل عن الشافعي. والمراد بمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام: من لم يكن ساكنا في الحرم، ومن لم يكن ساكنا في المواقيت فما دونها فيه خلاف. قال عطاء ومكحول: حاضر المسجد الحرام هم من دون المواقيت إلى مكة، وهو مذهب الحنفية غير أنهم جعلوا من في المواقيت بمنزلة من دونها. وقال ابن عباس، ومجاهد: هم أهل الحرم. وقال الحسن، وطاوس «١» ، ونافع، وعبد الرحمن الأعرج «٢» : هم أهل مكة. وهو قول مالك. وقال الشافعي فيما رواه الجصاص عنه: هم من كان أهلهم دون ليلتين، وهم حينئذ أقرب إلى المواقيت، والأدلة تعرف في الفروع. وَاتَّقُوا اللَّهَ فيما فرضه عليكم في هذه الأحكام. وقيل: هو أمر بعموم التقوى، وتحذير من شدة عقاب الله سبحانه أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ. قال الله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ (١٩٧) . الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فيه حذف تقديره: وقت الحج أشهر معلومات، أي وقت أعمال الحج. وقيل: التقدير: الحج في أشهر معلومات، قال الشوكاني: وفيه أنه كان يلزم نصب الأشهر على نزع الخافض. وقال الفراء: الْأَشْهُرُ رفع لأنّ معناه وقت الحج أشهر معلومات، وقيل: التقدير الحجّ حجّ أشهر معلومات. وقد اختلف في الأشهر المعلومات، فقال ابن مسعود، وابن عمر، وعطاء، والربيع، ومجاهد، والزهري: هي شوال وذو القعدة وذو الحجة كله، وبه قال مالك. وقال ابن عباس، والسدي، والشعبي، والنخعي هي: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وغيرهم، وروي أيضا عن مالك.

стр. 111

وفائدة الخلاف تظهر فيمن أوقع شيئا من أعمال الحج بعد يوم النحر، فمن قال: إن ذا الحجة كله من أشهر الحج. قال: تم حجه، ولا يلزمه دم بالتأخير. ومن قال: إلى عشر ذي الحجة. قال: يلزمه دم بالتأخير. ذكره الشوكاني. وقال أبو بكر الرازي: وقال قائلون: وجائز ألا يكون ذلك اختلافا في الحقيقة، وأن يكون مراد من قال: وذو الحجة أنه بعضه، لأنّ الحج لا محالة في بعض الأشهر، لا في جميعها، لأنّه لا خلاف أنه ليس يبقى بعد أيام منى شيء من مناسك الحج. وقالوا: ويحتمل أن يكون من تأوّله على ذي الحجة كله مراده أنّها لما كانت هذه هي أشهر الحج كان الاختيار عنده ألا يؤتى بالعمرة فيها، كما روي عن عمر وغيره من استحبابهم لفعل العمرة في غير أشهر الحج كما قدّمنا. هذا وقد حكى الحسن بن أبي مالك عن أبي يوسف قال: شوال، وذو القعدة، وعشر ليال من ذي الحجة، لأنّ من لم يدرك عرفة حتى طلع فجر يوم النحر فقد فات حجّه. بقي أنه كيف يقال للشهرين وبعض الثالث: إنها أشهر؟ نقول: إن اللغة لا تمنع من ذلك. وقد قال ﷺ : «أيام منى ثلاثة» وهي اثنان وبعض الثالث، ويقال: حججت عام كذا، والمراد بعضه. وقال أبو بكر الرازي: ولقول من يقول: إنها شوال، وذو القعدة، وذو الحجة وجه آخر، وهو ينتظم القولين جميعا، وهو أنّ الآية سيقت لبيان أنّ هذه هي الأشهر التي يكون فيها الحج دون تبديل ولا تغيير، على نحو ما كان يفعله أهل الجاهلية من التغيير والتبديل. فكانوا يغيرون في أشهر الحج، فمعنى قوله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ أن أعمال الحج تقع في هذه الأشهر، على مقتضى بيان السنة، دون ما كان يفعله أهل الجاهلية من تبديل الشهور وتأخير الحج، وتقديمه. وقد اختلف السلف في إيقاع الإحرام بالحج قبل أشهر الحج، فروى مقسم عن ابن عباس أنه قال: من سنة الحج ألا يحرم بالحج قبل أشهر الحج. وروي عن جابر أنه قال: لا يحرم الرجل بالحج قبل أشهر الحج، وروي مثله عن طاوس وعطاء، ومجاهد، وغيرهم، وقال عطاء: من أحرم بالحج قبل أشهر الحج فليجعلها عمرة. وفي مقابل ذلك روي عن علي كرم الله وجهه أنه قال في قوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ. وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ: إن إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك. وروي عن إبراهيم النخعي وأبي نعيم جواز الإحرام بالحج قبل أشهر الحج، وهو قول الحنفية، ومالك والثوري، والليث بن سعد. وقال الحسن بن صالح بن يحيّى «١» : إذا أحرم بالحج قبل أشهر الحج

стр. 112

يجعلها عمرة، وإذا أدركته أشهر الحج قبل أن يجعلها عمرة مضى في الحج وأجزأه. وقال الشافعي: لا يجوز لأحد أن يهلّ بالحج قبل أشهر الحج، وهو قول أحمد والآية بظاهرها تشهد له، لأنّها قد جعلت وقت الحج هذه الأشهر المعلومات، والإحرام للعبادة عنه. فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ المعنى: فمن ألزم نفسه الحجّ بأن يحرم به. وقد اختلف الفقهاء في العمل الذي يصير به المحرم محرما، فقال الشافعي: إنه يصير محرما بمجرد النية. وقال الحنفية: لا يكون محرما حتى يلبّي. أو يسوق الهدي. وإثبات هذا أو هذا إنما يكون من السنّة، لأنّ الآية ليس فيها أزيد من أنّ من ألزم نفسه الحجّ فليترك الرفث والفسوق والجدال أما أن الإلزام يكون بماذا؟ فلم تتعرّض له الآية، فليلتمس بيانه من السنّة. فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ. الرفث: تقدّم بيانه في آية الصوم والفسوق، والفسق: مصدران بمعنى واحد، وهو الخروج عن طاعة الله إلى المعصية، وهو وإن كان قد أطلق في بعض المواضع مرادا منه نوع خاص، إلا أنه اسم عامّ يجب أن يبقى على عمومه، لا يخرج منه شيء إلا ما يخرجه الدليل. والدليل هنا غير موجود. والجدال «١» فعال من المجادلة، وأصله من الجدل الذي هو الفتل، يقال: زمام مجدول، مفتول، والجديل: الزمام، لأنه لا يكون إلا مفتولا، وسمّيت المخاصمة جدالا، لأنّ كلا من الخصمين يودّ لو يقدر على فتل صاحبه، وقد ذكر المفسّرون وجوها كثيرة في تفسير هذه الكلمات، وكلها تخرجها عن عمومها، وخيرها ما ذكره القاضي من أن المراد من الآية الحثّ والترغيب على الأخلاق الفاضلة، فهي خبر لفظا، نهي معنى، ويراد من الرفث: الجماع ومقدماته، وقول الفحش. ومن الفسوق جميع أنواع المعاصي، ومن الجدال جميع أنواع الخصام. وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ أعدوا عدتكم بسفركم لملاقاة ربّكم يوم العرض عليه، وتزوّدوا من التقوى، فإنّها خير زاد يبلغ بكم السلامة والعافية. قال الأعشى: إذا أنت لم ترحل بزاد من التّقى ... ولا قيت بعد الموت من قد تزوّدا

стр. 113

ندمت على ألا تكون كمثله ... وأنّك لم ترصد لما كان أرصدا وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ فإنّ الجدير بأصحاب العقول أن يتسلّحوا بالتقوى من مفرّهم إلى مقرّهم. قال الله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩) لما كان الله تعالى قد منع الجدال في الحجّ، وكانت المعاملات التجارية تفضي إلى الجدال والمخاصمة، فكانت التجارة مظنّة المنع، وأيضا لما حظر لبس المخيط، والإنسان قد يكون شديد الحاجة، وكانت التجارة مظنّة الحظر، فمن أجل ذلك قال الله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ. وقد روى عطاء أن ابن مسعود وابن الزبير كانا يقرءان (أن تبتغوا فضلا من ربّكم في مواسم الحجّ) ومن هنا قال بعض المفسرين: الفضل هنا التجارة، ونظيره قوله تعالى: وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [المزمل: ٢٠] . وقد روي في سبب النزول عن ابن عباس «١» أنه قال: كان ناس من العرب يحترزون من التجارة في أيام الحج، وإذا دخل العشر بالغوا في ترك البيع والشراء بالكلية. وبالغوا في الاحتراز من الأعمال، إلى أن امتنعوا من إغاثة الملهوف، فأزال الله هذا الوهم، وبيّن أن لا جناح في التجارة. هذا هو الذي حمل جمهور المفسرين على أن يذهبوا إلى أنّ المراد التجارة في أيام الحج. وذهب أبو مسلم إلى أن المراد التجارة بعد انقضاء أعمال الحج، والتقدير عنده: فاتقون في كلّ أعمال الحج، ثم بعد ذلك لا جناح عليكم، وهو نظير قوله تعالى: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة: ١٠] . وظاهر الآية يأبى هذا، فإنه قال بعد هذه الآية: فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ بالفاء، وهو يدل على أن ابتغاء الفضل سابق على ذلك، وقبل عرفات لم يتم الحجّ. ثم إنهم اتفقوا على أن التجارة المباحة هي التي لا يترتب عليها نقصان في الطاعة ولا تشغله عن أعمال الحج. وأما تلك فهي غير مباحة.

стр. 114

فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ. الإفاضة: الاندفاع في السير بكثرة، منه: أفاض البعير بجرّته: ألقاها منبثة، وأفاض الأقداح في الميسر: جمعها، ثم ألقاها متفرقة. وإفاضة الماء من هذا. والإفاضة في الحديث: الاندفاع فيه بكثرة، وتصرّف في وجوهه. فمعنى قوله: فَإِذا أَفَضْتُمْ دفعتم أنفسكم بكثرة مِنْ عَرَفاتٍ جمع عرفة، هي اسم لموضع واحد، ولكنه لسعته، ووقوف الناس فيه جماعات وأفرادا، وموضع كل فرد وجماعة منه بالنسبة إليها في حجها عرفة، قيل له عرفات من أجل ذلك. واليوم التاسع من ذي الحجة يقال له: يوم عرفة، لأنه يوم الوقوف بعرفة. والوقوف بعرفة ركن، لا يدرك الحجّ إلا من أدركه، ولا نعلم خلافا بين العلماء في ذلك، إلا ما روي عن الحسن أنه قال: إنه واجب، من أدركه فقد أدّاه، ومن لا، فيكفيه الوقوف بجمع. وفي الآية دلالة على أنّ الوقوف بعرفة لا بدّ منه، لأنه قد رتّب عليه الأمر بالذكر عند المشعر الحرام، وهو واجب مشروط بالإفاضة من عرفات، والإفاضة من عرفات تستدعي الوجود في عرفات، وما لا يتمّ الواجب ألا بوجوده فهو واجب، والمشعر الحرام المراد منه: المزدلفة. والوقوف بها قيل: سنة، وقيل: واجب. وعن علقمة وقتادة أنهما قالا: إن الوقوف بها ركن. وقد اختلف في الذكر المطلوب عند المشعر الحرام، فقال بعضهم: المراد منه الجمع بين صلاة المغرب، وصلاة العشاء بمزدلفة، ولعل في قوله ﷺ لمن سأله أن يصلّي في الطريق «الصلاة أمامك» «١» إشارة إليه. وقال بعضهم: بل المراد الذكر باللسان: من التسبيح، والتحميد، والتهليل والتلبية، وقد ورد عن ابن عباس أنه نظر إلى الناس وقال: كان الناس في هذه الليلة لا ينامون. وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ أي واذكروه لهدايته إياكم، على حدّ قوله: كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ. وقد قيل: إنه كرّر الأمر بذكر الله لأنّ الأمر الأوّل ذكر لساني، والآخر قلبي، ويحتمل أنه كرّر الأمر بالذكر للحث على مواصلة الذكر، كأنه قيل: واذكروه واذكروه، أي اذكروه ذكرا بعد ذكر، ويرجع في المعنى إلى قوله تعالى:

стр. 115

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (٤١) [الأحزاب: ٤١] وقد قيل: إن المراد بالهداية: هدايتهم إلى سنة إبراهيم، وقيل: بل هي عامة. ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩) الجمهور على أنّ المراد من هذه الإفاضة الإفاضة من عرفات، ويؤيدهم ما روي في أسباب النزول: من أنّ الآية أمر لقبيلة قريش، ومن دان دينها وهم الحمس، كانوا لا يتجاوزون المزدلفة، لأنّها من الحرم «١» ، وعرفة في الحل، والحرم معظّم عندهم، وقصر الوقوف على عرفة ربما أشعر بمزيتها على الحرم، فأنزل الله هذه الآية ليقفوا حيث يقف الناس، ويفيضوا من حيث يفيضون، لا يشذّون عنهم. وذهب الضّحاك إلى أن المأمور به هنا هو الإفاضة من المزدلفة إلى منى يوم النحر قبل طلوع الشمس للرمي والنحر. وقد استشكل الفخر الرازي كلا من القولين: أما الأول: فلأنّ قوله تعالى: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ يدل بظاهره على إفاضة غير الإفاضة المذكورة في قوله: فَإِذا أَفَضْتُمْ لأنها معطوفة عليها بثمّ، هي للترتيب، ولو كانت هي للعطف، لكان ذلك عطفا للشيء على نفسه. وقد أجيب عنه بأجوبة كثيرة: منها أن ثمّ بمعنى الواو. ومنها أن ثمّ للترتيب الذكري. ومنها أن ثُمَّ أَفِيضُوا معطوف على قوله: وَاتَّقُونِ، وقد أجاز بعضهم أن تكون هذه الآية متقدمة على تلك. ولكنه مجرد احتمال. واستشكل قول الضحّاك بأن الذي ذهب إليه يتمشى إذا أريد بقوله: مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ الزمان الذي يفيضون فيه، مِنْ حَيْثُ يأبى هذا، لأنها للمكان لا للزمان. وقد أجاب عنه بأن التوقيت بالزمان كالتوقيت بالمكان، فلا يبعد استعارة اللفظ الدالّ على أحدهما للدلالة على الآخر وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. قال الله تعالى: فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (٢٠٠)

стр. 116

وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ (٢٠١) أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٢٠٢) لما كانت أعمال الحج كثيرة، وهي لا تخلو عن تقصير، أمرهم بالاستغفار، وقد يكون فيه إشارة إلى ترجيح أن الإفاضة المأمور بها هي من عرفات، على نحو ما ورد في سبب النزول، فكأنّ ما وقع من الحمس يؤاخذ عليه، فلذلك طلب منهم الاستغفار. فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً. روى ابن عباس أنّ العرب كانوا عند الفراغ من حجتهم يعدّ الواحد منهم أيام آبائه في السماحة والحماسة وصلة الرحم ويتناشدون فيها الأشعار. فلما أنعم الله عليهم بنعمة الإسلام أمرهم بأن يذكروه كذكرهم لآبائهم. وروى القفال عن ابن عمر قال: طاف رسول الله ﷺ على راحلته القصواء يوم الفتح، يستلم الركن بمحجنه «١» ، ثم حمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد أيها الناس! إنّ الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وتعاظمها بآبائها! إنما النّاس رجلان: برّ تقي كريم على الله، وفاجر شقي هيّن على الله، والنّاس بنو آدم، وخلق الله آدم من تراب، ثم تلا: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ.. [الحجرات: ١٣] ثم قال: «أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم» «٢» . والمراد من قضاء المناسك الفراغ منها، والمناسك جمع منسك، وهو مصدر، بمعنى النسك، أي العبادة، والمعنى فإذا فرغتم من عبادتكم التي أمرتم بها في الحج فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً. اختلفوا في هذا الذكر المأمور به، فمنهم من حمله على الذكر على الذبيحة، ومنهم من حمله على الذكر الذي هو التكبير بعد الصّلاة في يوم النحر وأيام التشريق، لأنّه لم يعرف في هذه الأيام ذكر خاص إلا هذا الذكر. وقيل: بل كان القوم في الجاهلية اعتادوا ذكر مفاخرهم، وتعداد مناقبهم، وآبائهم، فأمرهم الله هذا ليحوّلهم عن هذه العادة القبيحة، وقيل غير هذا. كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً معناه: أنّ الأجدر بكم، وقد أنعم الله عليكم بشهود الحجّ أن تشتغلوا بذكر الله، لا بذكر آبائكم، يعني تتوفّروا على ذكره، كما كنتم تتوفرّون على ذكرهم، بل هذا أولى، لأن ذكركم وثناءكم على آبائكم قد يكون كذبا.

стр. 117

وذهب أبو مسلم إلى أنه مثل في المداومة على ذكر الله، لأنه قد تركز في طبيعة الإنسان أن يذكر آباءه ولا ينساهم، وقوله: أَوْ أَشَدَّ معناه بل أشد. فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ (٢٠١) أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٢٠٢) . لما أمر الله تعالى بالذكر ذكر عقبه ما يكون من الناس في الدعاء، ليأخذوا بأحسن الأحوال، ويتركوا غيره، فقال: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ.. الآية فقسّم الناس في الدعاء إلى قسمين: قسم يقصر دعاءه على أمور الدنيا، والاستزادة من خيراتها، ويسكت عن الآخرة، وكأنّها لا تخطر له على بال، ولا يعنيه من أمورها شيء، ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ الخلاق: النصيب. وقسم يحرص على طلب خيرى الدنيا والآخرة، وهؤلاء سيؤتيهم الله نصيبهم غير منقوص أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا. وقد قيل: إن الإشارة في قوله: أُولئِكَ راجع إلى الفريقين: يعني الذين طلبوا الدنيا فقط، والذين طلبوهما معا. وقيل: بل هو راجع للقسم الثاني فقط، والدليل عليه أن الله ذكر حكم الفريق الأول بقوله: ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ. قد يقال: كيف رجع قوله تعالى: أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا إلى الفريق الثاني، مع أنه مشعر بتحقير الجزاء؟ ويجاب عنه بأنّ المراد: لهم نصيب في الدنيا والآخرة يبتدئ من كسبهم، فمن لابتداء الغاية، لا للتبعيض، والكسب يطلق على ما يناله المرء بعمله، وقد يكون نفعا، وقد يكون ضررا، وقد اختلف في المراد بالفريق المقصود بقوله: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ فقيل: هم الكفار، كانوا يقولون إذا وقفوا: اللهم ارزقنا إبلا وبقرا وغنما وعبيدا، وما كانوا يطلبون التوبة والمغفرة، فأخبر الله أن من كان من هذا القبيل فلا خلاق له في الآخرة. وقيل: هؤلاء قد يكونون مؤمنين، ولكنهم يسألون الله لدنياهم لا لأخراهم، وهو سؤال يعدّ ذنبا في هذه المواقف العظيمة، حيث يسألون فيها حطام الدنيا، ويعرضون عن سؤال النعيم الدائم في الآخرة. قيل: الحسنة في الدنيا عبارة عن: الصحة والأمن والكفاية والولد الصالح

стр. 118

والزوج الصالحة والنصرة على الأعداء. وأما الحسنة في الآخرة فهي: الفوز بالثواب، والخلاص من العقاب. وبالجملة، فقوله: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً كلمة جامعة لجميع مطالب الدنيا والآخرة: وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ حساب الله آت لا محالة، وما دام محقق الوقوع، فهو قريب سريع. قال الله تعالى: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣) وقد ورد الذكر في الحج في الأيام مرتين، فمرة في سورة البقرة بلفظ المعدودات، وهي الآية التي معنا وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ ومرة في سورة الحج بلفظ معلومات في قوله: لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ [الحج: ٢٨] فذهب الشافعيّ ﵁ إلى أنّ المعلومات هي العشرة الأوائل من ذي الحجة، آخرها النحر، وأما المعدودات فهي ثلاثة بعد يوم النحر، وهي أيام التشريق. وقد أكد القفّال هذا بما رواه في تفسيره أن النبيّ ﷺ أمر مناديا ينادي: «الحجّ عرفة، من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحجّ. وأيام منى ثلاثة أيام، فمن تعجّل في يومين فلا إثم عليه» «١» وهذا يدل على أن الأيام المعدودات هي: أيام التشريق. قال الواحدي «٢» : أيام التشريق ثلاثة أيام بعد يوم النحر، وهذه الأيّام الثلاثة مع يوم النحر كلّها أيام نحر، وأيام رمي الجمار هذه الأيام الأربعة، وهي مع يوم عرفة أيام التكبير عقيب الصلوات على ما سنذكره، ثم إن المراد بالذكر في هذه الأيام الذكر عند الجمرات، والذكر أدبار الصلوات، لم يخالف أحد في ذلك، إنما الخلاف في بدء هذه الصلوات وانتهائها. فقيل: إنها تبدأ من ظهر يوم النحر إلى ما بعد الصبح من آخر أيام التشريق، فتكون الصلوات التي يكبّر عقبها خمس عشرة صلاة، وهو قول ابن عباس، وابن عمر، وبه قال مالك، والشافعي في أحد قوليه. وعن الشافعي: أنه يبدأ بالتكبير من صلاة المغرب ليلة النحر، وعنه أنّه يبدأ به من صلاة الفجر يوم عرفة، ويقطع بعد صلاة العصر من يوم النحر، وهي رواية عن أبي حنيفة.

стр. 119

وعن الشافعي أيضا: أنه يبدأ التكبير من صلاة الفجر يوم عرفة، وينقطع بعد صلاة العصر من آخر أيام التشريق، فتكون الصلوات ثلاثا وعشرين صلاة، وهو قول أكابر الصحابة: كعلي وعمر وابن مسعود، وابن عباس ومن الفقهاء: الثوري وأبو يوسف، ومحمد وأحمد وإسحاق، والمزني، وابن سريج «١» ، وعليه عمل الناس في البلدان. وروى جابر عن النبي ﷺ : أنه صلّى الصّبح يوم عرفة، ثم أقبل علينا فقال: «الله أكبر» ومدّ التكبير إلى العصر من آخر أيام التشريق. وأمّا عدد التكبيرات فيعرف في الفقه فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى. معناه: من تعجّل في الإتيان بالمطلوب في الثلاثة، بأن جعله في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخّر بأن أوقعهن في الثلاثة، بأن ترك رخصة التعجل، فلا إثم عليه. وقيل: إن المعنى فَمَنْ تَعَجَّلَ بأن نفر من منى في اليوم الثاني فلا إثم عليه، ومن تأخر عن الثلاثة بأن بقي إلى الرابع فلا إثم عليه، وقد قيل غير هذا، فارجع إليه في الفقه إن شئت. لِمَنِ اتَّقى المعنى: أنّ هذه المغفرة إنما تكون للمتقين الذين لم يلبسوا حجهم بالمظالم والمآثم، كما قال الله تعالى: إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة: ٢٧] . وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ تأكيد للأمر بالتقوى، وحمل على التشديد فيه، والحشر: اسم يقع على ابتداء خروجهم من الأجداث إلى انتهاء الموقف. وذلك يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩) [الانفطار: ١٩] . قال الله تعالى: يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥) خَيْرٍ: المراد به هنا المال. اليتيم: من فقد والده وهو صغير، فإذا بلغ زال عنه اسم اليتم. المسكين: من عجز عن كسب ما يكفيه، وسكن إلى الرضا بالقليل. ابن السبيل: المسافر، وسمّي به لملازمته إياه، كما يقال للرجل الذي أتت عليه الدهور: ابن الأيام والليالي. يقول الله تعالى: يسألك أصحابك يا محمد أي شيء ينفقونه من أموالهم في الصدقة؟ وعلى من ينفقون؟

стр. 120

فقل لهم: ما أنفقتم من أموالكم فاجعلوه لآبائكم، وأمهاتكم وأقربائكم واليتامى منكم، الذين مات كافلهم، والمساكين الذين عجزوا عن الكسب والمسافرين الذين انقطعت بهم السبل وما تأتوا من خير فإنّ الله به عليم، فيجازيكم عليه. وقد اختلف في هذه الآية. ١- فقيل: إنها منسوخة بآية الزكاة إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ [التوبة: ٦٠] . ٢- وقيل: إنها غير منسوخة، وهو الأولى وهي لبيان صدقة التطوع، فإنّه متى أمكن الجمع فلا نسخ. وقد بينت الآية أنّ صدقة التطوع في الوالدين والأقربين أفضل، ويدل على ذلك ما روي عن صدقة النبي ﷺ قال: «يا معشر النّساء، تصدّقن ولو من حليّكنّ» . فقالت زينب امرأة عبد الله بن مسعود لزوجها: أراك خفيف ذات اليد فإن أجزأت عنّي فيك صرفتها إليك، فأتت النبيّ ﷺ فسألته فقالت: أتجزئ الصدقة على زوجي وأيتام في حجري؟ فقال لها النبيّ ﷺ : «نعم، ولك أجران: أجر الصدقة وأجر القرابة» «١» . وفي رواية: «زوجك وولدك أحقّ من تصدّقت عليه» «٢» . وروى النّسائي وغيره أنّ النبي ﷺ قال: «يد المعطي العليا. أباك، وأمّك وأختك، وأخاك، وأدناك أدناك» «٣» . وروى مسلم عن جابر أن النبي ﷺ قال: «ابدأ بنفسك فتصدّق عليها» «٤» . قال قيل: إنهم سألوا عن المنفق، وأجيبوا ببيان المنفق عليهم، فلم يتطابقا؟ قيل: إن ذلك على أسلوب الحكيم. فقد سألوا عن شيء، وأجابهم عما هو أهم منه، وهو بيان مواطن الإنفاق، لأنّ الإنفاق لا يحدث الخير الذي يؤدي إليه حتى يصادف موقعه. قال الشاعر: إنّ الصّنيعة لا تكون صنيعة ... حتّى يصاب بها طريق المصنع

стр. 121

ومن نظر إلى أحوال مصر وجد الإحسان فيها فوضى، وما أحوجها إلى عمل ينتظم به الإحسان، ليقع موقعه، ويصيب أهله. قال الله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢١٦) . كتب: فرض. الكره بالضم: ما حمل الرجل نفسه عليه من غير إكراه أحد إياه عليه. والكره بالفتح: ما حمله عليه غيره، قال معاذ بن مسلم «١» الكره: المشقة، والكره: الإجبار، وقال بعضهم: الكره والكره لغتان بمعنى واحد، كالغسل والغسل، والضعف والضعف، وقيل: هو بفتح الكاف اسم، وبالضم مصدر. وهو إما على حذف مضاف. أي ذو كره، أو من باب الوصف بالمصدر مبالغة كقولها: فإنّما هي إقبال وإدبار وقيل: إن المصدر أقيم مقام اسم المفعول. المعنى: فرض عليكم أيها المسلمون قتال الكفار، وهو كره لكم، ولعلّكم تكرهون شيئا وهو خير لكم، ولعلكم تحبون شيئا وهو شرّ لكم، إذ هم يكرهون القتال وفيه الفتح والغنيمة والشهادة والقوة. ويحبون القعود، وفيه الذلّ والاستعباد، والله يعلم ما هو خير لكم مما هو شر لكم. فلا تكرهوا ما فرض عليكم من القتال. فإنّه يعلم أنه خير لكم في عاجلكم، ولا تحبوا القعود، فإنّه شر لكم، فإنّ الدنيا بنيت على التدافع، وأنتم لا تعلمون ما يعلمه الله، وقد اختلف في الذين كتب عليهم القتال في هذه الآية: ١- قال الأوزاعي: نزلت في الصحابة، فهم الذين كتب عليهم الجهاد، وبه قال عطاء. ٢- وقال غيرهما: إنّ القتال قد كتب على جميع المسلمين، لكن تختلف الحال، فإن كان الإسلام ظاهرا فهو فرض على الكفاية، وإن كان العدو ظاهرا فهو فرض على الأعيان، حتّى يكشف الله ما بهم، وهذا هو الظاهر. وقد روى البخاري عن مجاشع: قال أتيت النبي ﷺ أنا وأخي، فقلت: بايعني على الهجرة، فقال: «مضت الهجرة لأهلها» «٢» . قلت: علام تبايعنا؟

стр. 122

قال: على الإسلام، والجهاد. وقد روي أنّ النبي ﷺ قال: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونيّة، وإذا استنفرتم فانفروا» «١» . قال الله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢١٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨) . قِتالٍ بدل من الشهر. كَبِيرٌ عظيم. وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مبتدأ وخبره أكبر عند الله. وَكُفْرٌ بِهِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ عطف عليه. وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ عطف على سبيل الله. وَالْفِتْنَةُ الشرك. يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ يرجع عنه. حَبِطَتْ بطلت، وبطلانها ذهاب ثوابها. ذكر في أسباب نزول هذه الآية أن رسول الله ﷺ بعث عبد الله بن جحش- وهو ابن عمته- في ثمانية من المهاجرين في رجب، مقفله من بدر الأولى، ليأتوه بأخبار قريش، ولم يأمرهم بقتال، فمضوا، حتى كانوا بنجران، فأضلّ سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا يعتقبانه، فتخلّفا يطلبانه، ومضى القوم حتّى نزلوا نخلة، فبينما هم كذلك إذ مرت بهم عير لقريش فيهم عمرو بن الحضرمي، والحكم بن كيسان، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، وأخوه نوفل. وأشرف لهم عكّاشة بن محصن من أصحاب عبد الله بن جحش، وكان قد حلق رأسه، فلما رأوه حليقا قالوا: عمّار فليس عليكم منهم بأس، وأتمر بهم أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: لئن قتلتموهم لنقتلنهم في الشهر الحرام، ولئن تركتموهم ليدخلنّ في هذه الليلة الحرم، فليمتنعنّ منكم، فأجمع القوم على قتلهم، فرمى واقد بن عبد الملك التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان والحكم بن كيسان، وأفلت نوفل،

стр. 123

واستاقوا العير، فقدموا بها على رسول الله ﷺ ، فقال لهم: «ما أمرتكم بالقتال في الشّهر الحرام» فوقّف رسول الله الأسيرين والعير، فسقط في أيديهم، وظنّوا أن قد هلكوا، وقالت قريش: قد سفك محمد الدم الحرام، وأخذ المال، وأسر الرّجال، واستحلّ الشهر الحرام، فنزل قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ الآية، فأخذ النبي العير، وفدى الأسيرين «١» . وفي بعض الروايات أن قريشا لما بلغهم الخبر أرسلوا وفدا إلى النبي ﷺ فقالوا: أيحلّ القتال في الشهر الحرام فنزلت. وقال بعض المسلمين: إن لم يكونوا أصابوا وزرا فليس لهم أجر، فأنزل الله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا.. الآية. المعنى: يسألك يا محمد أصحابك عن القتال في الشهر الحرام، وهو رجب، قل: قتال فيه إثم كبير وصدّ قريش عن سبيل الله وعن المسجد الحرام، وكفرهم بالله، وإخراجكم من المسجد الحرام وأنتم أهله، كلّ أولئك أكبر إثما عند الله من قتل من قتلتم منهم وقد كانوا يفتنون المسلم عن دينه، حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه، وذلك أكبر عند الله من القتل، أي أنكم أيها المسلمون ترتكبون أخفّ الضررين، وأهون الشرين، وتزيلون إثما كبيرا بما هو أقلّ منه. وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا أي: هم مقيمون على الشر والمنكر، ومن يرجع منكم عن دينه، فيمت وهو كافر قبل أن يتوب، فهم الذين بطلت أعمالهم، وذهب ثوابها والأجر عليها، وهم أهل النار المخلّدون فيها، الماكثون فيها من غير أمد ولا نهاية. إنّ الّذين صدّقوا بالله، والذين هاجروا مساكنة المشركين فيها في ديارهم، وكرهوا سلطان المشركين، فتحوّلوا عنه خوفا من أن يفتنهم المشركون، وحاربوهم في دين الله، أولئك يطمعون في رحمة الله، والله ساتر ذنوب عباده، ورحيم بهم، ومن المهاجرين عبد الله بن جحش وأصحابه، فنزلت هذه لتطمينهم. وعلى الرواية الثانية- وهي أنّ وفدا من المشركين سأل النبي ﷺ عن القتال في الشهر الحرام- يكون المعنى: إن المشركين متناقضون، يتمسّكون بحرمة الشهر الحرام، ويفعلون ما هو أكبر من ذلك: من الصد عن سبيل الله، ومع الكفر به، والمسجد الحرام وإخراج أهله منه والفتنة التي فتنوا بها بعض المسلمين عن دينهم أكبر إثما عند الله، فهم كمن يبصر القذاة في عين أخيه، ويغفل عن الخشبة المعترضة في عينه.

стр. 124

الأحكام دلت هذه الآية على حرمة القتال في الشهر الحرام، وهل بقيت الحرمة أم نسخت؟ اختلف في ذلك المفسّرون: فذهب عطاء إلى أن هذه الآية لم تنسخ، وكان يحلف على ذلك، ولعلّ ذلك لأنّ الآية التي تأمر بالقتال عامة في الأزمنة، وهذه خاصة، والعام لا ينسخ الخاصّ. وقال سائر العلماء: إنها منسوخة. وقد اختلف في الناسخ، فقيل: هو وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [التوبة: ٣٦] وقيل: هو: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ [التوبة: ٢٩] . وإنما ذهب العلماء إلى نسخها، لأنّ رسول الله ﷺ غزا هوازن بحنين، وثقيفا بالطائف، وأرسل أبا عامر إلى أوطاس ليحارب من فيها من المشركين، وكان ذلك في بعض الأشهر الحرم، ولو كان القتال فيهن حراما لما فعله النبي ﷺ قال ابن العربي: والصحيح أن هذه الآية ردّ على المشركين حين أعظموا على النبي القتال في الشهر الحرام. فقال تعالى: وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ وهي الكفر في الشهر الحرام أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ فإذا فعلتم ذلك كله في الشهر الحرام تعيّن قتالكم فيه. المرتد وأخذ الشافعي من قوله تعالى: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ أن إحباط الردة العمل مشروط بالوفاة كافرا، وذهب مالك إلى أن الردة نفسها محبطة للعمل اعتمادا على قوله: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: ٦٥] . ويظهر أثر الخلاف فيمن حجّ مسلما، ثم ارتد، ثم أسلم، فقال مالك: عليه الحجّ، لأنّ ردته أحبطت حجّه، وقال الشافعي: لا حجّ عليه، لأنّ حجه قد سبق، والردة لا تحبطه إلا إذا مات على كفره. وقد رأى المالكية أنّ هذه الآية رتبت حكمين: الحبوط. الخلود في النار، ومن شرط الخلود أن يموت على كفره، ولذلك شرطه. أما آية لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ فهي في الردة فقط، وقد علّق الحبوط بمجرد الشرك، والخطاب وإن كان للنبي ﷺ فهو مراد به أمته، لاستحالة الشرك عليه. أما الشافعية فيرون أن آية لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ من باب التغليظ على النبي صلّى الله عليه وسلّم

стр. 125

كما غلظ على نسائه في قوله: يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ [الأحزاب: ٣٠] . قال الله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) . الخمر: مادة (خ م ر) تدل على الستر، ومنه خمار المرأة، لأنّه يستر رأسها. وقولهم للضبع: خامري أم عامر: أي استتري. وسميت الخمر خمرا لأنها تستر العقل، وهي ما أسكر من عصير العنب، أو ما أسكر من عصير العنب ومن غيره على الخلاف في ذلك. الميسر: مفعل. من يسرت الشيء إذا جزّأته، ويطلق على الجزور، لأنّه موضع التجزئة، ويقال للجازر: ياسر، ويسر. ويقال للضاربين بالقداح المتقامرين على الجزور: يأسرون، لأنّهم أيضا جازرون إذا كانوا سببا لذلك، والميسر الذي ذكره الله وحرّمه هو ضرب القداح على أجزاء الجزور قمارا، ثم قد يقال للنّرد ميسر على طريق التشبيه، لأنّه يضرب عليها بفصين، كما يضرب على الجزور بالقداح، ولأنّه قمار، كما أن الميسر قمار، قال مجاهد: كل القمار من الميسر، حتى لعب الصبيان بالخرز. الإثم: الذنب، وقد أثم بالكسر إثما. ومأثما، إذا وقع في الإثم، فهو آثم، وأثيم، وأثوم، المراد به هنا: كل ما ينقص من الدين عند من يشربها، وما فيها من إلقاء العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله. المعنى: يسألك أصحابك يا محمد عن شرب الخمر، ولعب الميسر. قل: فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ أما إثم الخمر، فإنّ الجماعة تشرب فتسكر، فتؤذي الناس، وتقع العداوة والبغضاء، أما إثم الميسر، فهو أن يقامر الرجل فيمنع الحقّ، ويظلم، فتقع العداوة والبغضاء. وفيهما منافع للناس، أما منفعة الخمر، فهي الاتجار بها، وما يصلون إليه من اللذة والنشوة، وبسط يد البخيل، وتقوية قلب الجبان، كما قال حسان: ونشربها فتتركنا ملوكا ... وأسدا ما ينهنهنا اللّقاء ومنفعة الميسر ما يصيبهم من أنصباء الجزور. وذلك أنهم كانوا يياسرون على الجزور، إذا فلج الرجل منهم صاحبه نحره، ثم اقتسموه أعشارا على عدد القداح. وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما لأنهم كانوا إذا سكروا وثب بعضهم على بعض، وقاتل بعضهم بعضا، وإذا قامروا وقع بينهم الشر، كما قال تعالى:

стр. 126

إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) [المائدة: ٩١] . سبب نزول هذه الآية: اختلف العلماء في سبب نزولها، فروى الترمذي «١» أن عمر ﵁ قال: اللهمّ بيّن لنا في الخمر بيان شفاء، فنزلت الآية التي في البقرة يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ.. الآية فدعي عمر فقرئت عليه. فقال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيان شفاء، فنزلت التي في النساء يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى [النساء: ٤٣] فدعي عمر ﵁ فقرئت عليه، ثم قال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيان شفاء. فنزلت التي في المائدة إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ فدعي عمر ﵁ فقرئت عليه، فقال: انتهينا انتهينا. وروى ابن جرير «٢» عن زيد بن علي قال: أنزل الله في الخمر ثلاث مرات، فأول ما أنزل قال الله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما قال: فشربها من المسلمين من شاء الله منهم على ذلك، حتى شرب رجلان، فدخلا في الصلاة، فجعلا يهجران كلاما، لا يدري عوف ما هو. فأنزل الله فيهما: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ فشربها من شربها منهم وجعلوا يتقونها عند الصلاة، حتى شربها فيما زعم أبو القموص فجعل ينوح على قتلى بدر بأبيات منها: تحيّي بالسّلامة أمّ عمرو وهل لك بعد رهطك من سلام ذريني أصطبح بكرا فإني رأيت الموت نقّب عن هشام وودّ بنو المغيرة لو فدوه بألف من رجال أو سوام قال: فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فجاء فزعا يجر رداءه من الفزع، حتى انتهى إليه، فلما عاينه الرجل، رفع رسول الله ﷺ شيئا كان بيده ليضربه قال: أعوذ بالله من غضب الله ورسوله، والله لا أطعمها أبدا، فأنزل الله تحريمها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ [المائدة: ٩٠] إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ فقال عمر بن الخطاب: انتهينا، انتهينا. وقد ذهب بعض العلماء إلى أن آية البقرة لا تقتضي التحريم، ولذلك شربها بعض الصحابة بعد نزولها، كما هو ظاهر الروايات.

стр. 127

وقال بعضهم: إنها تقتضي التحريم، لأنّ الله قال: فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ: وقد حرم الله الإثم بقوله: إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ [الأعراف: ٣٣] وإنما شربها من شربها متأوّلا. ما هي الخمر ؟ اختلف العلماء فيما هي الخمر، فذهب مالك والشافعي، وأحمد، وأهل الحجاز وجمهور المحدّثين إلى أنها الشراب المسكر من عصير العنب وغيره، فالشراب المسكر من عصير التمر، والشعير، والبرّ خمر. وقال العراقيون: أبو حنيفة، وإبراهيم النخعي، وسفيان الثوري، وابن أبي ليلى «١» ، وشريك وابن شبرمة: الخمر من الشراب المسكر من عصير العنب فقط، أما المسكر من غيره كالشراب من التمر أو الشعير فلا يسمّى خمرا، بل يسمّى نبيذا. ولمّا ذهب الحجازيون إلى أن الخمر اسم لكل ما أسكر- سواء أكان من عصير العنب أم من التمر، أم من الشعير أم من غيره- كانت هذه كلّها حراما، بالآيات التي وردت في تحريم الخمر. وكانت كلّها سواء في التحريم، قليلها وكثيرها. ولمّا ذهب الكوفيون إلى أن الخمر اسم لما اتّخذ من عصير العنب فقط- كان المحرم بالآيات ما يطلق عليه اسم الخمر، وهو المسكر من عصير العنب، أما ما اتخذ من غيرها- وهو المسمى نبيذا- فليس بداخل عندهم في تحريم الخمر، وقد بحثوا له عن حكم في السنة، فوجدوا أنّ القليل الذي لا يسكر من الأنبذة حلال، وأنّ المسكر منها هو الثالث دون الكأسين. وقد استدل الحجازيون لمذهبهم بأنّ اللغة والشرع يدلّان على أنّ المسكر من الأنبذة يسمّى خمرا، أما اللغة فلأنّ الاشتقاق اللغوي يرجّحه. وهو أنها سمّيت خمرا لمخامرتها العقل، وهذه الأنبذة تخامر العقل، وهذا ضعيف، لأن اللغة لا تثبت قياسا. وأما الشرع فقد روى مسلم عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «كلّ مسكر خمر، وكلّ مسكر حرام» «٢» .

стр. 128

وروي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «الخمر من هاتين الشّجرتين: النخلة والعنبة» «١» . وروي عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ من العنب خمرا، وإنّ من العسل خمرا، ومن الزّبيب خمرا، ومن الحنطة خمرا، وأنا أنهاكم عن كلّ مسكر» «٢» . فذلك جميعه يدل على أن الأنبذة تسمّى خمرا فتكون حراما، ويدل على حرمتها- قليلها وكثيرها- ما روي عن عائشة أنها قالت: سئل رسول الله ﷺ عن البتع وعن نبيذ العسل فقال ﷺ : «كلّ شراب أسكر فهو حرام» «٣» أخرجه البخاري ، وما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما أسكر كثيره فقليله حرام» «٤» . وقد احتجّ العراقيون على أنّ الأنبذة لا تسمّى خمرا، ولا يسمّى خمرا إلا الشيء المشتدّ من ماء العنب باللغة وبالسنة أيضا. أما السنة فما روي عن أبي سعيد الخدري قال: أتي النبيّ ﷺ بنشوان فقال له: «أشربت خمرا؟» فقال: ما شربتها منذ حرّمها الله ورسوله. قال: «فما شربت؟» قال: الخليطين. قال: فحرّم رسول الله الخليطين «٥» . فنفى الشارب اسم الخمر عن الخليطين بحضرة النبي ﷺ ، ولم ينكره عليه. قالوا: ولو كان ذلك يسمّى خمرا لما أقرّه عليه، إذ كان في نفي الاسم الذي علّق به حكم نفي الحكم، والنبي ﷺ لا يقرّ أحدا على حظر مباح، أو إباحة محظور. وقد روي عن أنس بن مالك يحدّث عن رسول الله ﷺ قال: «الخمر بعينها حرام، والسّكر من كلّ شراب» «٦» . وأما اللغة فقول أبي الأسود الدؤلي وهو حجة في اللغة: دع الخمر تشربها الغواة فإنّني ... رأيت أخاها مغنيا بمكانها

стр. 129

فإن لا تكنه أو يكنها فإنّه ... أخوها غذته أمّه بلبانها وقد ضعّفوا بعض أحاديث الحجازيين، وحملوا الأخرى على أنّ الأنبذة سمّيت خمرا فيها مجازا. قالوا: يدلّ على أنه لا يحرم من الأنبذة إلا ما أسكر ما أخرجه الطحاوي عن أبي موسى قال: بعثني رسول الله ﷺ أنا ومعاذ إلى اليمن، فقلنا: يا رسول الله، إنّ بها شرابين يصنعان من البرّ والشّعير أحدهما يقال له: المزّ، والآخر يقال له: البتع فما نشرب؟ فقال ﵊: «اشربا ولا تسكرا» «١» . قالوا: ويدلّ من جهة النظر لما ذكرناه من أن قليل الأنبذة ليس بحرام أنّ الله ذكر في علّة تحريم الخمر قوله: إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فوجب لهذه العلة ألا يحرم من المسكرات إلا القدر المسكر، لأنه هو الذي توجد فيه هذه العلة، ولكن انعقد الإجماع على تحريم قليل الخمر وكثيرها، فوجب أن يبقى قليل الأنبذة على الإباحة. ونحن إذا تأملنا في أدلّة الفريقين ما ذكر منها وما لم يذكر ترجّح عندنا قول الحجازيين، لأنّ الصحابة لمّا سمعوا تحريم الخمر فهموا منه تحريم الأنبذة، وهم كانوا أعرف الناس بلغة العرب ومراد الشّارع. وقد ثبت ذلك من حديث أنس «٢» قال: كنت ساقي القوم حين حرّمت الخمر في منزل أبي طلحة، وما كان خمرنا يومئذ إلا الفضيخ، فحين سمعوا تحريم الخمر أهرقوا الأواني وكسّروها، والفضيخ نقيع البسر. وقد اتفقوا مع الحجازيين على أنّ الله حرم من عصير العنب الكثير للسّكر، والقليل، لأنّه ذريعة إلى الكثير، فوجب أن يكون كذلك في سائر الأنبذة، حيث لا فارق. تحريم الميسر قد ذكر الله الميسر مع الخمر هنا، كما ذكره معها في آية المائدة [٩٠] ، فما قلناه في دلالة الآية على تحريم الخمر يقال أيضا في الميسر. وقد ذكرنا أصل الميسر واشتقاقه، وأنه كان يطلق على ضرب القداح على أجزاء الجزور قمارا، ثم أطلق على النرد وكل ما فيه قمار. ونريد هنا أن نبيّن صفة الميسر عند العرب باختصار.

стр. 130

قد كانت للقداح التي يضربونها على الجزور عشرة، ذوات الحظوظ منها سبعة: أسماؤها: الفذّ، التّوأم، الرّقيب، الحلس، النافس، المسبل، المعلّى. والأغفال التي لا حظّ لها ثلاثة، وأسماؤها: السّفيح، المنيح، الوغد. وكانت القداح ذوات الحظوظ مختلفة الحظوظ، فكان للفذ منها نصيب، وللتوأم نصيبان، وهكذا إلى السابع المعلّى، فله سبعة أنصباء وكانت على كل قدح منها علامة تدلّ عليه وعلى حظه، فعلى الفذّ فرض، وعلى التوأم فرضان، وهكذا. والفرض: الحز. وكان الأيسار سبعة على عدد القداح، لكلّ واحد قدح، وكانوا يضعون القداح في خريطة، ويجلجلونها فيها حتى تختلط، ثم يخرج واحد من فم الخريطة، فإن كان الذي خرج الفذّ فلصاحبه نصيب واحد يأخذه، ويعتزل القوم. ثم يجيل ثانية، حتّى منتهى أقسام الجزور. فالفائزون هم من خرجت قداحهم. والغارمون من لم تخرج قداحهم، وهم يغرّمون ثمن البعير على حسب نصيب القداح، وقد حرم الله ذلك. وحرّم النرد وسائر أنواع القمار لما فيها من أكل أموال الناس بالباطل، ومن جلب العداوة والبغضاء، ومن تعويد المقامرين على الكسل. وانتظار الربح من القمار دون كدّ وعمل، ولأنّ المقامرين في قمارهم ليسوا ينتجون للأمة شيئا، فليس ربح الفائز منهم في مقابلة إخراج الموادّ الأولية، ولا صنعها، ولا نقلها، ولا توزيعها، ولا تأدية عمل من الأعمال التي تحتاج إليها الأمة وتستفيد منها، فهم حيوانات طفيلية تستفيد من دم المجموع ولا تفيده. ولسنا ندري: أكان العرب في زمن التنزيل لا يطلقون اسم الميسر إلا على ما ذكرناه من ضرب القداح على أجزاء الجزور؟ فتكون الآية في ذلك فقط، ويكون تحريم ضروب القمار بالقياس. أم كان اسم الميسر يطلق على ذلك وعلى سائر ضروب القمار؟ فيكون تحريم ضروب القمار بالآيات التي حرّمت الميسر، وأيا ما كان فقد اتفق العلماء على تحريم ضروب القمار. وقد روي عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: «اجتنبوا هذه الكعاب الموسومة التي يزجر بها زجرا، فإنّها من الميسر» «١» . وروي عن النبي ﷺ قال: «من لعب بالنّرد فقد عصى الله ورسوله» «٢» . وذكر العلماء أنّ المخاطرة من القمار، قال ابن عباس: المخاطرة قمار، وأنّ أهل

стр. 131

الجاهلية كانوا يخاطرون على المال والزوجة، وقد كان ذلك مباحا، إلى أن ورد تحريمه، وقد خاطر أبو بكر المشركين حين نزلت الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) [الروم: ١، ٢] وقال النبي ﷺ : «زد في الخطر وأبعد في الأجل» «١» . ثم حظر ذلك، ونسخ بتحريم القمار. وقد رخّص في السبق في الدواب والنصال بشروط تطلب من كتب الفروع. وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ. الْعَفْوَ في كلام العرب: الزيادة. ومن ذلك قوله تعالى: حَتَّى عَفَوْا [الأعراف: ٩٥] زادوا، ومنه قول الشاعر «٢» : ولكنّا نعضّ السيف منّا ... بأسوق عافيات الشحم كوم أي كثيرات الشحوم، والمراد بالعفو هنا: الفضل، أي ما فضل وزاد عن الحاجة، كقولهم: خذ ما عفا لك من أخيك، أي ما فضل عن جهده. قال ابن عباس: العفو: ما فضل عن أهلك، ونقل عن قتادة وعطاء وابن زيد. المعنى: يسألك أصحابك: ماذا ينفقون؟ قل: أنفقوا ما فضل عن حاجتكم كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، بهذا البيان العجيب الذي تقدّم من أول السورة من حججه، وبيناته، وفرائضه، وحدوده، وما فيه نجاتكم من عذابه: يبين لكم في سائر كتابه: آياته، وحججه، لتتفكّروا في الدنيا والآخرة، فتعلموا زوال الأولى وحقارتها، وبقاء الثانية وجلالها. وقد ورد في معنى الآية أحاديث كثيرة: روى ابن جرير عن جابر بن عبد الله قال: أتى رسول الله ﷺ رجل ببيضة من ذهب أصابها في بعض المعادن، فقال يا رسول الله: خذ هذه مني صدقة، فو الله ما أصبحت أملك غيرها، فأعرض عنه، فأتاه من ركنه الأيمن، فقال له مثل ذلك، فأعرض عنه، ثم قال مثل ذلك، فأعرض عنه، ثم قال مثل ذلك، فقال: «هاتها» مغضبا، فأخذها فحذفه بها حذفة لو أصابه شجه أو عقره، ثم قال: «يجيء أحدكم بماله كلّه يتصدّق به، ويجلس يتكفّف الناس إنّما الصّدقة عن ظهر غنى» «٣» . وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «ارضخ من الفضل، وابدأ بمن تعول، ولا تلام على كفاف» «٤» . وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كان أحدكم

стр. 132

فقيرا فليبدأ بنفسه، فإن كان له فضل فليبدأ مع نفسه بمن يعول، ثم إن وجد فضلا بعد ذلك فليتصدّق على غيره» «١» . وقد زعم أناس أن هذه الآية منسوخة، نسختها الزكاة المفروضة، وكأنّهم ظنّوا أنّ الآية تدلّ على وجوب إنفاق ما فضل عن الأهل. والظاهر ما قاله الآخرون من أنها ثابتة الحكم، وليس في الآية ما يدل على وجوب إنفاق الفضل، بل الآية نزلت جوابا لمن سألوا ماذا ينفقون، فبيّن لهم فيه ما فيه لله رضا من الصدقات، وذكر لهم أنه لا يلزمهم أن ينفقوا الجهد في الصدقة. قال الله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠) العنت: المشقة. عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ [التوبة: ١٢٨] ما شق عليكم. وأعنته: أي صيّره ذا مشقة. روي في سبب نزول الآية أنّه لما نزلت إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً [النساء: ١٠] ، تحرّج النّاس عن مخالطتهم في الأموال، واعتزلوهم. فأنزل الله هذه الآية. المعنى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ «٢» . يعني قصد إصلاح أموالهم خير من اعتزالهم، وإن تخالطوهم ولم تجانبوهم فهم إخوانكم في الدين، والأخ يخالط أخاه ويداخله، ولا حرج في ذلك، فكانت هذه الآية إذنا في المخالطة مع صحة القصد، لا مع قصد أن ينفع نفسه بهذه الخلطة، ويضرّ باليتيم، ولا تجعلوا مخالطتكم إياهم ذريعة إلى أكل أموالهم بغير حق، فالله يعلم من خالطهم بقصد أكل أموالهم، وإفسادها عليهم ممن خالطهم، وكان قصده إصلاح أموالهم وتثميرها، ولو شاء الله لحرّم ما أحلّه لكم من مخالطة أموالكم بأموال اليتامى، فجهدكم وشقّ عليكم إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ غالب يقدر أن يشقّ على عباده ويحرجهم حَكِيمٌ ولكنه لا يكلفهم إلا ما فيه طاقتهم. الاحكام دلت هذه الآية على جواز التصرف في أموال اليتامى على وجه الإصلاح، فيجوز لولي اليتيم أن يبيع ماله، وأن يشتري له، وأن يقسم له، وأن يدفع مالا له لمن

стр. 133

يعمل فيه قراضا ومضاربة، وأن يعمل فيه الوليّ نفسه قراضا، وأن يخلط ماله بماله إذا كان ذلك صلاحا. قال أبو بكر الرازي «١» : وقوله: وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ يدل على أن لولي اليتيم أن يخالط اليتيم بنفسه في الصهر والمناكحة، وأن يزوّجه بنته، أو يزوج اليتيمة بعض ولده، فيكون قد خلط اليتامى بنفسه وعياله، واختلط هو بهم. وإذا كانت الآية قد دلّت على جواز خلط مال اليتيم بماله في مقدار ما يظن أن اليتيم يأكله على ما روي عن ابن عباس: فقد دلّت على جواز المناهدة التي يفعلها الناس في الأسفار، فيخرج كلّ واحد منهم شيئا معلوما فيخلطونه ثم ينفقونه، وقد يختلف أكل الناس. وقد دل قوله: إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ على أن التجارة في مال اليتيم وتزويجه ليس بواجب على الوصي، لأنّ ظاهر اللفظ يدلّ على أنّ مراده الندب والإرشاد. قال الله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١) المعنى: ولا تتزوجوا أيها المؤمنون المشركات حتى يؤمن بالله وباليوم الآخر، ولأمة مؤمنة بالله ورسوله أفضل من حرّة مشركة وإن كرم أصلها، وإن أعجبتكم المشركة في الجمال والحسب والمال. ولا تزوّجوا المشركين من نسائكم المؤمنات حتى يؤمنوا بالله ورسوله، ولأن تزوجوهنّ من عبد مؤمن بالله ورسوله خير لكم من أن تزوجوهنّ من حر مشرك وإن أعجبكم في الحسب والنسب والشرف. هؤلاء الذين حرّمت عليكم مناكحتهم من الرجال المشركين والنساء المشركات يدعونكم إلى العمل بما يودّي بكم إلى النار، فلا تخالطوهم، ولا تصاهروهم، إذ المصاهرة توجب المداخلة والنصيحة، وهؤلاء لا يألونكم خبالا، والله يدعو إلى العمل الذي يوجب الجنة وستر الذنوب بإعلامه إياكم السبيل الحق، ويوضّح حججه وأدلته للناس ليتذكّروا فيميّزوا بين الخير والشر. وقد اختلف العلماء في هذه الآية، فذهب بعضهم إلى أن لفظ المشركات يعمّ كلّ مشركة، سواء أكانت وثنية أم يهودية أم نصرانية، ولم ينسخ أو يخصّ منها شيء، فيكنّ جميعا قد حرّم على المسلم زواجهنّ. وذهب بعضهم على أن المراد بالمشركات من لا كتاب لهنّ من المجوس

стр. 134

والعرب دون الكتابيات، وذهب بعضهم إلى أن المراد بالمشركات عامّ في جميع من ذكرن، إلا أنه نسخ بقوله: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [المائدة: ٥] . وسبب الخلاف أنّ كلّ كافر بالحقيقة مشرك، ولذلك يروى عن ابن عمر ﵄ أنه كره نكاح اليهودية والنصرانية، وقال: أيّ شرك أعظم ممّن يقول: عيسى الله، أو ولد الله؟ تعالى الله عمّا يقولون علوا كبيرا. والعرف قد خصص المشرك بمن لا كتاب له من الوثنيين والمجوس. وقال الله: ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وقال: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ [البينة: ١] وقد ورد في سورة المائدة وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [المائدة: ٥] فبعضهم حمل لفظ المشركات على عمومه، فحرّم كلّ مشركة ولو كتابية. وزعم أنّ قوله تعالى: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ مقيّد بقيد وهو إذا آمنّ، وبعضهم حمل المشركات على عمومه وقال: آية المائدة مخصّصة، وقال بعضهم: هي ناسخة، لأنّها أخرجت الكتابيات من الحرمة. وبعضهم حمله على العرف الخاص، فقال: لا نسخ ولا تخصيص. وهذه الآية أفادت حكما، وهو حرمة نكاح الوثنيات والمجوسيات، وآية المائدة أفادت حكما آخر، وهو حلّ نكاح الكتابيات، فلم تتعارضا. وممّن روي عنه القول بحرمة الكتابيات عمر بن الخطاب. فقد أخرج ابن جرير «١» عن شهر بن حوشب. قال: سمعت عبد الله بن عباس يقول: نهى رسول الله ﷺ عن أصناف النساء إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات كل ذات دين غير الإسلام . وقال الله تعالى: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ [المائدة: ٥] . وقد نكح طلحة بن عبيد الله يهودية، ونكح حذيفة بن اليمان نصرانية، فغضب عمر بن الخطاب غضبا شديدا، حتى همّ بأن يسطو عليهما، فقالا: نحن نطلّق يا أمير المؤمنين، ولا تغضب، فقال: لئن حلّ طلاقهنّ لقد حلّ نكاحهنّ، ولكن أنتزعن عنكما حقرة «٢» قمئة. وقد قال ابن جرير بعد ذلك: وأما القول الذي روى شهر بن حوشب عن ابن عباس عن عمر ﵁ من تفريقه بين طلحة وحذيفة وامرأتيهما اللتين

стр. 135

كانتا كتابيتين فقول لا معنى له، لمخالفته ما الأمة مجمعة على تحليله بكتاب الله- تعالى ذكره- وخبر رسول الله ﷺ وقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ من القول بخلاف ذلك ما هو أصحّ منه إسنادا، وروى بسنده عن عمر: المسلم يتزوج المسلمة، وإنما كره عمر لطلحة وحذيفة ﵄، نكاح اليهودية والنصرانية حذرا من أن يقتدي بهما الناس، فيزهدوا في المسلمات. أو غير ذلك من المعاني. ورحم الله عمر بن الخطاب. فقد كان ينظر إلى مصالح المسلمين، نسائهم ورجالهم، ويسوسهم بالنظر والمصلحة، وما أحوجنا إلى مثل هذه السياسة، فإنّ كثيرا من الشباب المسلمين في مصر رغبوا عن الزواج من المحصنات المسلمات إلى الزواج بالكتابيات الأجنبيات. قال الله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) المحيض: هنا الحيض، كالمعيش: أي العيش. قال رؤبة: إليك أشكو شدّة المعيش ... ومرّ أعوام نتفن ريشي أَذىً الأذى ما يؤذي به من مكروه فيه، وسمي المحيض أذى لنتنه وقذره ونجاسته، وقال السدي وقتادة: أذى قذر. سبب نزول هذه الآية: قال قتادة: إنّ أهل الجاهلية كانوا لا تساكنهم حائض في بيت، ولا تؤاكلهم في إناء، فسألوا النبي ﷺ ، فنزلت هذه الآية ، فحرّم فرجها ما دامت حائضا، وأحلّ ما سوى ذلك أن تصبغ رأسك. وتؤاكلك، وأن تضاجعك في فراشك إذا كان عليها إزار محتجزة به دونك «١» . فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ اختلف أهل العلم فيما يجب على الرجل اعتزاله من المرأة وهي حائض على أقوال: ١- إن الذي يجب اعتزاله جميع بدن المرأة، وحجتهم في ذلك أن الله أمر باعتزال النساء، ولم يخصّص من ذلك شيئا دون شيء. ٢- الذي يجب اعتزاله موضع الأذى، وذلك مخرج الدم. أخرج ابن جرير «٢» عن مسروق بن الأجدع قال: قلت لعائشة: ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضا؟ قالت: كلّ شيء إلا فرجها، وحجتها ما ثبت في الأخبار

стр. 136

أن رسول الله ﷺ كان يباشر نساءه وهنّ حيّض «١» . فعلم من ذلك أن الذي طلب اعتزاله بعض جسدها دون بعض. ولما أجمعوا على حرمة الجماع، واختلفوا في غيره، أخذوا بالمجمع عليه، وتركوا المختلف فيه. ٣- إن الذي أمر باعتزاله ما بين السرة إلى الركبة، وله ما فوق ذلك ودونه. وحجتهم ما ثبت عن عائشة قالت: كانت إحدانا إذا كانت حائضا أمرها النبي ﷺ أن تأتزر، ثم يباشرها «٢» . وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ في هذه المسألة ثلاثة أقوال: ١- قال أبو حنيفة: يجب أن تؤتى المرأة إذا انقطع دم الحيض ولو لم تغتسل بالماء. إلا أنه إذا انقطع دمها لأكثر الحيض حلّت حينئذ، وإن انقطع دمها لأقل الحيض لم تحل حتّى يمضي وقت صلاة كامل. ٢- قال مالك، والزهري، والليث، وربيعة، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور: لا تحل حتى ينقطع الحيض، وتغتسل بالماء غسل الجنابة. ٣- يكفي في حلها أن تتوضأ للصّلاة. قاله طاوس، ومجاهد. وسبب الخلاف بين الأولين أن الله قال: حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ الأولى بالتخفيف، والثانية بالتشديد، وطهر يستعمل فيما لا كسب فيه للإنسان، وهو انقطاع دم الحيض. وأما تطهّر فيستعمل فيما يكتسبه الإنسان، وهو الاغتسال بالماء. فحمل أبو حنيفة وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ على انقطاع دم الحيض، وقوله: فَإِذا تَطَهَّرْنَ على معنى: فإذا انقطع دم الحيض، فاستعمل المشدّد بمعنى المخفف. وقالت المالكية بالعكس، إنه استعمل المخفّف بمعنى المشدّد، والمراد: ولا تقربوهن حتى يغتسلن بالماء، فإذا اغتسلن فأتوهنّ، بدليل قراءة بعضهم حَتَّى يَطْهُرْنَ بالتشديد، وبدليل قوله: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ أو يستعمل كل واحدة في معناها، ويؤخذ من مجموع الكلامين أنّ الله علّق الحلّ على شيئين: انقطاع الدم. والتطهر بالماء، كقوله: وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ [النساء: ٦]

стр. 137

فعلّق الحكم وهو جواز دفع المال على شرطين: أحدهما: بلوغ النكاح. والثاني: إيناس الرشد. ورجع الحنفية ما ذهبوا إليه بأنّ استعمال المشدّد بمعنى المخفّف لا يحتاج إلى إضمار شيء. أما مذهب المالكية فيحتاج إلى إضمار (بالماء) . وقالوا على الثاني: إنّ ما ذهبتم إليه يخل بحكم الغاية، أمّا ما ذهبنا إليه فيحفظ حكم الغاية، ويقرها على أصلها، ويوافق ما يفهمه العرب من مثله، فإذا قلت: لا تعط زيدا حتى يدخل الدار، فإذا دخل الدار فأعطه درهما. كان المفهوم منه أن ما ذكر في الشرط هو المذكور في الغاية، وليس ذلك تجديد شرط زائد. فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ بالنكاح لا بالسفاح، وقيل: من حيث أحلّ لكم الإتيان لا صائمات ولا محرمات ولا معتكفات. وقيل: من حيث أمركم الله باعتزالهن، وهذا الأمر للإباحة. لا للوجوب، لأنّه بعد الحظر، وقد اختلف فيه، والحق أنه لا يقتضي الوجوب، وذهب ابن حزم إلى أنه يجب غشيانهن بعد الطهر. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ. محبة الله: هي إرادته ثواب العبد. والتوبة: هي رجوع العبد عن حالة المعصية عن إتيان النساء في غير موضع الحرث، وقيل: هم الذين لا ينقضون التوبة، طهّروا أنفسهم بعدم الرّجوع إلى المعصية، والأول هو المنعطف على سابق الآية. المنتظم معها. قال الله تعالى: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣) حَرْثٌ: الحرث في اللغة الزرع. وهو على حذف مضاف، أي موضع حرثكم، أو الحرث بمعنى المحترث والمزدرع وإنما كانت النساء محترثا ومزدرعا، لأنّهنّ مكان نبات الولد. المعنى: نساؤكم مزدرع لكم، تثمر لكم الأولاد، فأتوا هذا المزدرع، أَنَّى شِئْتُمْ على أي وجه شئتم مقبلة، أو مدبرة مضطجعة أو قائمة أو منحرفة، بعد أن يكون المأتى في موضع الحرث. وقد روى مجاهد قال: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته، أو قفه عند كل آية، وأسأله عنها، حتى انتهى إلى هذه الآية نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ فقال ابن عباس: إنّ هذا الحيّ من قريش كانوا

стр. 138

يشرحون النساء بمكة، ويتلذذون بهنّ مقبلات ومدبرات. فلما قدموا المدينة تزوّجوا في الأنصار، فذهبوا يفعلون بهنّ كما كانوا يفعلون بالنساء بمكة، فأنكرن ذلك، وقلن: هذا شيء لم نكن نؤتى عليه: فانتشر الحديث حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ ، فأنزل في ذلك نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ إن شئت فمقبلة، وإن شئت فمدبرة، وإن شئت فباركة، وإنما يعني بذلك موضع الولد للحرث، يقول: ائت الحرث حيث شئت «١» . و (أنّى) في كلام العرب للسؤال عن الوجوه والمذاهب، يقال: أنّى لك هذا المال، أي من أيّ الوجوه والمذاهب؟ فيقال: من وجه كذا وكذا، قال الله تعالى: أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [آل عمران: ٣٧] . وقال الشاعر: أنّى ومن أين نابك الطّرب ... من حيث لا صبوة ولا ريب وقد تجرّد عن معنى الاستفهام ككيف، ويبقى لها معنى الوجوه والمذاهب، ولا يصحّ أن يفهم غير هذا، وقد وردت أحاديث تؤيّد هذا الفهم، وتبطل ما عداه، فقد ورد عن عكرمة قال: جاء رجل إلى ابن عباس، وقال: كنت آتي امرأتي في دبرها، وسمعت قول الله: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ فظننت أنّ ذلك لي حلال؟ فقال: يا لكع وإنما قوله: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ قائمة وقاعدة ومقبلة ومدبرة، في أقبالهن. لا تعدو ذلك إلى غيره «٢» . وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «الذي يأتي المرأة في دبرها هي اللوطية الصغرى» «٣» . وروى الإمام أحمد وأهل «السنن» أيضا عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من أتى حائضا، أو امرأة في دبرها، أو كاهنا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمّد» «٤» . وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ الخير، والصالح من الأعمال، عدّة لكم يوم الحساب

стр. 139

وَاتَّقُوا اللَّهَ في معاصيه أن تقربوها، وفي حدوده أن تضيّعوها، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ فيجازي المحسن بإحسانه. والمسيء بإساءته وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بالفوز والكرامة في الدنيا والآخرة. قال الله تعالى: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) عُرْضَةً- ع ر ض- يتصرّف على معان مرجعها إلى المنع، لأنّ كل شيء اعترض فقد منع. ويقال للحساب: عارض، لأنه منع من رؤية السماء والقمرين والكواكب. وقد يقال: هذا عرضة لك، أي: عدّة، فتبتذله في كل ما يعنّ لك. قال الشاعر: ولا تجعلوني عرضة للّوائم وكان الرجل يحلف على أن لا يفعل بعض الخير: من صلة رحم، أو إصلاح بين الناس، أو إحسان، أو عبادة. ثم يقول: أخاف الله إن حنثت في يميني، فقيل: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أي لا تجعلوا الله مجازا ومانعا لما حلفتم عليه من البر والتقوى والإصلاح بين الناس، فيكون المراد بالأيمان المحلوف عليه، وسمّي يمينا لتلبّسه باليمين، ويكون أَنْ تَبَرُّوا بدلا من أيمانكم، ويكون حاصل المعنى: ولا تجعلوا الله مانعا من البر والتقوى إذا حلفتم به. بل افعلوا البر والتقوى، وكفّروا عن أيمانكم ويكون هذا في معنى قوله ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة: «إذا حلفت على يمين، ورأيت غيرها خيرا منها، فأت الذي هو خير، وكفّر عن يمينك» «١» . ومعنى الآية على المعنى الآخر (لعرضة) : ولا تجعلوا الله معرضا لأيمانكم، تبتذلونه بكثرة الحلف به. ويكون أَنْ تَبَرُّوا علة للنهي، أي إرادة أن تبروا وتتقوا وتصلحوا، لأنّ الحلّاف مجترئ على الله، غير معظّم له، فلا يكون برا متقيا، ولا يثق به الناس، فلا يدخلونه في وساطتهم، وإصلاح ذات بينهم، ويكون ذلك نهيا عن كثرة الحلف بالله، وابتذاله في الأيمان، قال الله تعالى: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) [القلم: ١٠] فذمّ كثرة الحلف. قال الله تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥) (اللغو) الساقط الذي لا يعتدّ به: كلاما كان أو غيره، أما وروده في الساقط من

стр. 140

الكلام فكقوله تعالى: وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ [القصص: ٥٥] وقوله: لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً (٢٥) [الواقعة: ٢٥] وقوله: لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (١١) [الغاشية: ١١] . وأما وروده في الساقط من غير الكلام فكقول جرير: يعدّ الناسبون بني تميم ... بيوت المجد أربعة كبارا ويخرج منهم المرئي لغوا ... كما ألغيت في الدّية الحوارا وكانوا يقولون لما لا يعتدّ به من أولاد الإبل: لغو. وقد اختلف أهل التأويل في المراد من لغو اليمين الذي ذكر الله أنه لا يؤاخذنا به وما هي المؤاخذة، على أقوال: ١- إن اللغو في اليمين: ما يجري به اللسان من غير قصد الحلف، كقول القائل: لا والله، بلى والله، وإن عدم المؤاخذة به هو عدم إيجاب الكفارة به، وهو قول: عائشة، والشعبي، وعكرمة، والشافعي، وأحمد. ٢- إن لغو اليمين هو أن يحلف على شيء أنه كان فيظهر أنه لم يكن، أو شيء يعتقد أنه لم يكن فيظهر أنه كان. ومعنى عدم المؤاخذة به أنه لا يجب تكفيره، وهو قول ابن عباس، والحسن، ومجاهد، والنخعي، والزهري، وأبي حنيفة، ومالك. وهؤلاء لا يوجبون الكفارة في اليمين التي يحلفها صاحبها على ظنّ فيتبين خلافه، ويوجبون الكفارة فيما يجري على اللسان من غير قصد، وأصحاب القول الأول بالعكس. ٣- أنه يمين الغضب. ٤- أنه اليمين على المعصية. ٥- أن دعاء الإنسان على نفسه كقوله: إن لم أفعل كذا فأصاب بكذا. ٦- أنه اليمين المكفرة. ٧- أنه يمين الناسي. وهي كلها محتملة، ولعلّ أظهر الأقوال ما ذهب إليه الأولون، والحجة فيه: أن الله قسّم اليمين إلى قسمين: ما كسبه القلب، واللغو. وما كسب القلب: هو ما قصد إليه. وحيث جعل اللغو مقابله. فيعلم أنه هو الذي لم يقصد إليه وذلك هو ما قلناه من أنه هو ما يجري به اللسان من غير قصد إليه. المعنى: لا يؤاخذكم الله بالأيمان التي تجري على ألسنتكم من غير قصد الحلف، ولكن يؤاخذكم بما قصدتم إليه، وعقدتم القلب عليه من الأيمان وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ولذلك لم يؤاخذهم بلغو اليمين، ولو شاء لآخذهم بها.

стр. 141

قال الله تعالى: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧) يُؤْلُونَ: يقسمون، والأليّة: الحلف، يقال: آلى يولي إيلاء وأليّة، قال كثيّر: قليل الألايا حافظ ليمينه ... فإن سبقت منه الأليّة برّت وإنّما عدّيت يؤلون بمن، وهي إنما تعدّى بعلى: إما لأنه ضمّن يؤلون معنى يعتزلون، وإمّا لأنّ في الكلام حذفا، وتقديره: للّذين يؤلون أن يعتزلوا من نسائهم، فترك ذكر يعتزلون اكتفاء بدلالة ما ظهر من الكلام عليه. التربص: النظر، أو التوقف. فاؤُ رجعوا، من الفيء بمعنى الرجوع من حال إلى حال، ومنه قوله تعالى: حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ [الحجرات: ٩] وقول الشاعر: ففاءت ولم تقض الّذي أقبلت له ... ومن حاجة الإنسان ما ليس قاضيا ويقال للظّل بعد الزّوال: فيء، لأنّه رجع بعد أن تقلّص، وهاتان الآيتان في حكم الإيلاء، وهو أن يقسم الرجل على أن يعتزل امرأته، وذلك إضرار بالمرأة، لأنه يتركها معلقة، فلا هي مطلقة يجوز لها أن تجد زوجا، ولا هي ذات بعل تجد منه ما تجد النساء من بعولتهن. وقد اختلف أهل التأويل في صفة اليمين التي يكون المرء بها موليا، فقال بعضهم: لا يكون موليا إلا إذا حلف على ترك غشيانها إضرارا بها، أما إذا حلف لا على وجه الإضرار فلا يكون موليا، ونسب هذا إلى علي ﵁، وابن عباس، وابن شهاب. أخرج ابن جرير «١» عن أبي عطية أنه توفي أخوه، وترك ابنا له صغيرا، فقال أبو عطية لامرأته: أرضعيه، فقالت: إني أخشى أن تغيلهما. فحلف ألا يقربها حتى تفطمهما، ففعل حتى فطمتهما، فخرج ابن أخي أبي عطية إلى المجلس، فقالوا: لحسن ما غذّي أبو عطية ابن أخيه، قال: كلا، زعمت أم عطية أني أغيلهما، فحلفت ألا أقربها حتى تفطمهما، فقالوا له: قد حرّمت عليك امرأتك، فذكرت ذلك لعلي ﵁ فقال علي: إنما أردت الخير، وإنما الإيلاء في الغضب. وقال آخرون: إنه يكون موليا سواء أحلف على ترك غشيانها إضرارا بها، أم لمصلحة. قال الشعبي: كلّ يمين منعت جماعا حتى تمضي أربعة أشهر، فهي إيلاء.

стр. 142

أخرج ابن جرير «١» عن القعقاع قال: سألت الحسن عن رجل ترضع امرأته صبيا، فحلف ألا يطأها حتى تفطم ولدها، قال: ما أرى هذا بغضب، إنما الإيلاء في الغضب. قال: وقال ابن سيرين: ما أدري ما هذا الذي يحدّثون، إنما قال الله: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ... إلى فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ إذا مضت أربعة أشهر فليخطبها إن رغب فيها، فحجتهم أن الله قال: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ.. ولم يخصّص. وحجة الأولين أنّ الله جعل مدّة الإيلاء مخرجا من سوء عشرة الرجل ومضارته، فإذا لم يكن الامتناع عن مضارة، بل عن قصد الصلاح والخير، لم يكن بذلك موليا، فلا يكون هناك معنى لضرب الأجل، فتخرج من مساءته، إذ لا مساءة، وذهب قوم إلى أن يمين الإيلاء ليست مقصورة على الحلف بترك الوطء، بل تكون بالحلف على غيره أيضا، كأن يحلف ليغضبنّها، أو ليسوءنّها، أو ليحرمنّها أو ليخاصمنّها: كل ذلك إيلاء. أخرج ابن جرير «٢» عن أبي ذئب العامري أن رجلا من أهله قال لامرأته: إن كلمتك سنة فأنت طالق، واستفتى القاسم وسالما فقالا: إن كلمتها قبل سنة فهي طالق، وإن لم تكلمّها فهي طالق إذا مضت أربعة أشهر، ونقل ذلك عن الشعبي أيضا. وحجة هؤلاء أن الله جعل مدة الإيلاء مخرجا للمرأة من سوء عشرة الرجل، وليست اليمين على ترك الوطء بأولى أن تكون من معاني سوء العشرة من اليمين على أن يضربها، أو لا يكلمها، لأنّ كل ذلك ضرر عليها وسوء عشرة. وظاهر هذه الأقوال كلها أن الإيلاء لا بدّ فيه من اليمين، وقالت المالكية: إذا امتنع الرجل من الوطء قصد الإضرار من غير عذر، ولم يحلف، كان حكمه حكم المولي، لأنّ الإيلاء لم يرد لعينه، وإنما أريد لمعنى سوء العشرة والضرر، وهذا حاصل إذا ضارّها دون يمين. وقد اختلف الفقهاء في الفيء الذي عناه الله بقوله: فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فقال بعضهم: هو غشيان المرأة الذي امتنع عنه، لا فيئة له إلا ذلك، وإذا عرض عذر من مرض أو سفر، فلم يغش لذلك، ومضت مدة الإيلاء، بانت منه.. وقال آخرون: هو المراجعة باللسان، أو القلب في حال العذر، وفي غير حال العذر الغشيان. وقال آخرون: هو المراجعة باللسان مقام الغشيان في حالة العذر، لأنّه لا يصير مضارا بترك الشيء إلا إذا كان قادرا على الإتيان به وتركه طواعية.

стр. 143

وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧) اختلف الصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون في الطلاق الذي يكون عن ترك الفيء في الإيلاء، فقال بعضهم، وهو مذهب أبي حنيفة: إذا مضت الأربعة أشهر دون فيئة وقع الطلاق. وقال آخرون وهو مذهب مالك: إن مضى الأجل لا يقع به طلاق، وإنما تقفه بعد أمام الحاكم: فإما فاء وإما طلق. ومنشأ هذا الخلاف اختلافهم في تأويل الآية، فتأويلها عند الأولين لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ بترك الفيئة ... فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. وتأويلها عند الآخرين لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ.. بعد انقضائها.. فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧) . وقد شبّه الأولون مدة الإيلاء بالعدة الرجعية، وشبهوا الإيلاء بالطلاق الرجعي، وقد نقلوا أن الإيلاء كان طلاقا في الجاهلية، فأقره الشرع طلاقا، وزاد فيه الأجل. وشبه الآخرون أجل الإيلاء بالأجل الذي يضرب في العنة، لأن اليمين على ترك الوطء ضرر حادث بالزوجة، فضرب للزوج مدة في رفعه، فإن رفعه وإلا رفعه الشرع عنها بالطلاق، كما يكون ذلك في كل ضرر يتعلّق بالوطء، كالعنة. قال الله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨) ذكر الله تعالى أحكام عدة الطلاق: أولها: وجوب العدة، وإنما وجبت العدة ليستدلّ بها على براءة الرحم من الولد، فيؤمن اختلاط الأنساب، والعدة للمطلقة ثلاثة قروء. وقد أخرج من حكم الآية المطلقات اللائي طلّقن قبل الدخول، فلم يجعل عليهنّ عدّة، قال الله تعالى: إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها [الأحزاب: ٤٩] والحوامل، فجعلت عدتهنّ وضع حملهن، قال: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق: ٤] . وكذلك أخرج اللاتي يئسن من المحيض لصغر أو كبر، فجعلت عدتهن ثلاثة أشهر، قال: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ [الطلاق: ٤] فصارت العدة المذكورة في الآية التي هنا للنساء غير الحوامل المدخول بهن الممكنات المحيض.

стр. 144

والقروء: جمع قرء، ويطلق في كلام العرب على الطهر وعلى الحيض حقيقة، فهو من الأضداد. وأصل القرء الاجتماع، وسمّي الحيض قرءا لاجتماع الدم في الرحم، وسمّي الطهر قرءا لاجتماع الدم في البدن. وقد يطلق القرء أيضا على الوقت، لمجيء الشيء المعتاد مجيئة لوقت معلوم، ولإدبار الشيء المعتاد إدباره لوقت معلوم. يقال: أقرأت حاجة فلان عندي، أي: جاء وقت قضائها، وأقرأ النجم، إذا جاء وقت أفوله، وأقرأت الريح: إذا هبت لوقتها، قال الهذلي «١» : إذا هبّت لقارئها الرّياح أي هبت لوقتها، ولمّا كان الحيض معتادا مجيئه في وقت معلوم، سمّت العرب وقت مجيئة قرءا، ومن مجيء القرء بمعنى الحيض قوله ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش «دعي الصّلاة أيام أقرائك» «٢» . ومن مجيئه بمعنى الطهر قول الأعشى: وفي كلّ عام أنت جاشم عزوة ... تشدّ لأقصاها عزيم عزائكا مورّثة مجدا وفي الذّكر رفعة ... لما ضاع فيها من قروء نسائكا وقد اختلف في المراد من القروء في الآية، فذهب مالك والشافعي وابن عمر وزيد وعائشة والفقهاء السبعة «٣» ، وربيعة وأحمد إلى أنها الأطهار. وذهب علي وعمر وابن مسعود وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي: وابن أبي ليلى وابن شبرمة إلى أنّها الحيض. وفائدة الخلاف أنه إذا طلّقها في طهر خرجت عن عدتها عند الأولين بمجيء الحيضة الثالثة، لأنّها يحتسب لها الطهر الذي طلقت فيه، ولا تخرج من عدتها إلا بانقضاء الحيضة الثانية عند الآخرين، وقد روي عن عمر بن الخطاب وعلي أنهما قالا: لا تحل لزوجها الرجعة إليها حتى تغتسل من الحيضة الثالثة. وقد احتجوا لترجيح المذهب الأول بأمور منها: أنه أثبت التاء في العدد (ثلاثة) فدل ذلك على أن المعدود مذكّر، وهو لا يكون مذكّرا إلا إذا كان المراد الطهر، وإذا كان المراد الحيضة كان مؤنثا. ومنها قوله تعالى: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق: ١] ومعناه: في وقت عدتهن، ولكنّ الطلاق في زمان الحيض منهيّ عنه، فوجب أن يكون زمان العدة غير زمان الحيض.

стр. 145

وأجيب بأن معنى الآية: مستقبلات لعدتهن. وقد احتجوا لترجيح المذهب الثاني بأمور: منها: أننا أجمعنا على أن الاستبراء في شراء الجواري يكون بالحيضة، فكذا العدة تكون بالحيضة، لأن الغرض منها واحد. ومنها أن العدة شرعت لبراءة الرحم، والذي يدل على براءة الرحم إنّما هو الحيض لا الطهر. ومنها قوله ﷺ : «طلاق الأمة تطليقتان، وعدّتها حيضتان» «١» ومن المعلوم أنّ عدة الأمة نصف عدة الحرة، فإذا اعتبرت عدّة الأمة بالحيض، كانت عدة الحرة كذلك. والمسألة كما ترى محتملة، ولكنّ مذهب الفريق الثاني أرجح من جهة المعنى. وقد زعم بعضهم أنّ قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ خبر في معنى الأمر، لئلا يلزم الكذب في خبره تعالى إذا لم تتربص بعض المطلقات. وهذا غير لازم، لأنّ الله أخبر عن حكم الشرع، فإن وجدت امرأة لا تتربّص لم يكن ذلك حكما شرعيا. وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. قيل: المراد بما خلق الله في أرحامهن الحيض، وقيل: الحمل. وقيل: هما معا. وهذا دليل على أن المرأة مؤتمنة على ما في رحمها، يقبل قولها فيه، لأنّه لا يعلم إلا من قبلها، وإنّما حرّم الله أن يكتمن ما في أرحامهنّ، لأنّه يتعلق بذلك حق الرجعة للرّجل، وعدم اختلاط الأنساب، وإذا لم تحافظ المرأة على ذلك، فربما حرمت الرجل من حقّه في الرجعة، وربما ادّعت انقضاء العدة وهي مشغولة الرّحم بالحمل من المطلّق، ثم تزوجت، فأدّى ذلك إلى اختلاط الأنساب. ولعل قائلا يقول: إنّ ظاهر الآية أنّ الله شرط عدم حلّ الكتمان بكونهنّ يؤمنّ بالله واليوم الآخر، فإذا لم يكنّ كذلك، فهل يجوز لهنّ أن يكتمن؟ فنقول: إنّ هذا كقول القائل: إن كنت مؤمنا فلا تظلم، على معنى: إن كنت مؤمنا فإيماك يمنعك من الظلم. وكذلك هنا: إن الإيمان بالله واليوم الآخر ينبغي أن يمنع كتمانهنّ ما في أرحامهنّ، وهذا وعيد شديد. والآية تدل على أن من ائتمن على شيء فلا يحلّ له أن يخون فيه، وهذا مقتضى الإيمان بالله واليوم الآخر.
следующие страницы →