← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23599

تفسير آيات الأحكام - السايس

محمد علي السايس

Полный текст (820 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

قال الله تعالى: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧) يُؤْلُونَ: يقسمون، والأليّة: الحلف، يقال: آلى يولي إيلاء وأليّة، قال كثيّر: قليل الألايا حافظ ليمينه ... فإن سبقت منه الأليّة برّت وإنّما عدّيت يؤلون بمن، وهي إنما تعدّى بعلى: إما لأنه ضمّن يؤلون معنى يعتزلون، وإمّا لأنّ في الكلام حذفا، وتقديره: للّذين يؤلون أن يعتزلوا من نسائهم، فترك ذكر يعتزلون اكتفاء بدلالة ما ظهر من الكلام عليه. التربص: النظر، أو التوقف. فاؤُ رجعوا، من الفيء بمعنى الرجوع من حال إلى حال، ومنه قوله تعالى: حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ [الحجرات: ٩] وقول الشاعر: ففاءت ولم تقض الّذي أقبلت له ... ومن حاجة الإنسان ما ليس قاضيا ويقال للظّل بعد الزّوال: فيء، لأنّه رجع بعد أن تقلّص، وهاتان الآيتان في حكم الإيلاء، وهو أن يقسم الرجل على أن يعتزل امرأته، وذلك إضرار بالمرأة، لأنه يتركها معلقة، فلا هي مطلقة يجوز لها أن تجد زوجا، ولا هي ذات بعل تجد منه ما تجد النساء من بعولتهن. وقد اختلف أهل التأويل في صفة اليمين التي يكون المرء بها موليا، فقال بعضهم: لا يكون موليا إلا إذا حلف على ترك غشيانها إضرارا بها، أما إذا حلف لا على وجه الإضرار فلا يكون موليا، ونسب هذا إلى علي ﵁، وابن عباس، وابن شهاب. أخرج ابن جرير «١» عن أبي عطية أنه توفي أخوه، وترك ابنا له صغيرا، فقال أبو عطية لامرأته: أرضعيه، فقالت: إني أخشى أن تغيلهما. فحلف ألا يقربها حتى تفطمهما، ففعل حتى فطمتهما، فخرج ابن أخي أبي عطية إلى المجلس، فقالوا: لحسن ما غذّي أبو عطية ابن أخيه، قال: كلا، زعمت أم عطية أني أغيلهما، فحلفت ألا أقربها حتى تفطمهما، فقالوا له: قد حرّمت عليك امرأتك، فذكرت ذلك لعلي ﵁ فقال علي: إنما أردت الخير، وإنما الإيلاء في الغضب. وقال آخرون: إنه يكون موليا سواء أحلف على ترك غشيانها إضرارا بها، أم لمصلحة. قال الشعبي: كلّ يمين منعت جماعا حتى تمضي أربعة أشهر، فهي إيلاء.

стр. 142

أخرج ابن جرير «١» عن القعقاع قال: سألت الحسن عن رجل ترضع امرأته صبيا، فحلف ألا يطأها حتى تفطم ولدها، قال: ما أرى هذا بغضب، إنما الإيلاء في الغضب. قال: وقال ابن سيرين: ما أدري ما هذا الذي يحدّثون، إنما قال الله: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ... إلى فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ إذا مضت أربعة أشهر فليخطبها إن رغب فيها، فحجتهم أن الله قال: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ.. ولم يخصّص. وحجة الأولين أنّ الله جعل مدّة الإيلاء مخرجا من سوء عشرة الرجل ومضارته، فإذا لم يكن الامتناع عن مضارة، بل عن قصد الصلاح والخير، لم يكن بذلك موليا، فلا يكون هناك معنى لضرب الأجل، فتخرج من مساءته، إذ لا مساءة، وذهب قوم إلى أن يمين الإيلاء ليست مقصورة على الحلف بترك الوطء، بل تكون بالحلف على غيره أيضا، كأن يحلف ليغضبنّها، أو ليسوءنّها، أو ليحرمنّها أو ليخاصمنّها: كل ذلك إيلاء. أخرج ابن جرير «٢» عن أبي ذئب العامري أن رجلا من أهله قال لامرأته: إن كلمتك سنة فأنت طالق، واستفتى القاسم وسالما فقالا: إن كلمتها قبل سنة فهي طالق، وإن لم تكلمّها فهي طالق إذا مضت أربعة أشهر، ونقل ذلك عن الشعبي أيضا. وحجة هؤلاء أن الله جعل مدة الإيلاء مخرجا للمرأة من سوء عشرة الرجل، وليست اليمين على ترك الوطء بأولى أن تكون من معاني سوء العشرة من اليمين على أن يضربها، أو لا يكلمها، لأنّ كل ذلك ضرر عليها وسوء عشرة. وظاهر هذه الأقوال كلها أن الإيلاء لا بدّ فيه من اليمين، وقالت المالكية: إذا امتنع الرجل من الوطء قصد الإضرار من غير عذر، ولم يحلف، كان حكمه حكم المولي، لأنّ الإيلاء لم يرد لعينه، وإنما أريد لمعنى سوء العشرة والضرر، وهذا حاصل إذا ضارّها دون يمين. وقد اختلف الفقهاء في الفيء الذي عناه الله بقوله: فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فقال بعضهم: هو غشيان المرأة الذي امتنع عنه، لا فيئة له إلا ذلك، وإذا عرض عذر من مرض أو سفر، فلم يغش لذلك، ومضت مدة الإيلاء، بانت منه.. وقال آخرون: هو المراجعة باللسان، أو القلب في حال العذر، وفي غير حال العذر الغشيان. وقال آخرون: هو المراجعة باللسان مقام الغشيان في حالة العذر، لأنّه لا يصير مضارا بترك الشيء إلا إذا كان قادرا على الإتيان به وتركه طواعية.

стр. 143

وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧) اختلف الصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون في الطلاق الذي يكون عن ترك الفيء في الإيلاء، فقال بعضهم، وهو مذهب أبي حنيفة: إذا مضت الأربعة أشهر دون فيئة وقع الطلاق. وقال آخرون وهو مذهب مالك: إن مضى الأجل لا يقع به طلاق، وإنما تقفه بعد أمام الحاكم: فإما فاء وإما طلق. ومنشأ هذا الخلاف اختلافهم في تأويل الآية، فتأويلها عند الأولين لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ بترك الفيئة ... فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. وتأويلها عند الآخرين لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ.. بعد انقضائها.. فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧) . وقد شبّه الأولون مدة الإيلاء بالعدة الرجعية، وشبهوا الإيلاء بالطلاق الرجعي، وقد نقلوا أن الإيلاء كان طلاقا في الجاهلية، فأقره الشرع طلاقا، وزاد فيه الأجل. وشبه الآخرون أجل الإيلاء بالأجل الذي يضرب في العنة، لأن اليمين على ترك الوطء ضرر حادث بالزوجة، فضرب للزوج مدة في رفعه، فإن رفعه وإلا رفعه الشرع عنها بالطلاق، كما يكون ذلك في كل ضرر يتعلّق بالوطء، كالعنة. قال الله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨) ذكر الله تعالى أحكام عدة الطلاق: أولها: وجوب العدة، وإنما وجبت العدة ليستدلّ بها على براءة الرحم من الولد، فيؤمن اختلاط الأنساب، والعدة للمطلقة ثلاثة قروء. وقد أخرج من حكم الآية المطلقات اللائي طلّقن قبل الدخول، فلم يجعل عليهنّ عدّة، قال الله تعالى: إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها [الأحزاب: ٤٩] والحوامل، فجعلت عدتهنّ وضع حملهن، قال: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق: ٤] . وكذلك أخرج اللاتي يئسن من المحيض لصغر أو كبر، فجعلت عدتهن ثلاثة أشهر، قال: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ [الطلاق: ٤] فصارت العدة المذكورة في الآية التي هنا للنساء غير الحوامل المدخول بهن الممكنات المحيض.

стр. 144

والقروء: جمع قرء، ويطلق في كلام العرب على الطهر وعلى الحيض حقيقة، فهو من الأضداد. وأصل القرء الاجتماع، وسمّي الحيض قرءا لاجتماع الدم في الرحم، وسمّي الطهر قرءا لاجتماع الدم في البدن. وقد يطلق القرء أيضا على الوقت، لمجيء الشيء المعتاد مجيئة لوقت معلوم، ولإدبار الشيء المعتاد إدباره لوقت معلوم. يقال: أقرأت حاجة فلان عندي، أي: جاء وقت قضائها، وأقرأ النجم، إذا جاء وقت أفوله، وأقرأت الريح: إذا هبت لوقتها، قال الهذلي «١» : إذا هبّت لقارئها الرّياح أي هبت لوقتها، ولمّا كان الحيض معتادا مجيئه في وقت معلوم، سمّت العرب وقت مجيئة قرءا، ومن مجيء القرء بمعنى الحيض قوله ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش «دعي الصّلاة أيام أقرائك» «٢» . ومن مجيئه بمعنى الطهر قول الأعشى: وفي كلّ عام أنت جاشم عزوة ... تشدّ لأقصاها عزيم عزائكا مورّثة مجدا وفي الذّكر رفعة ... لما ضاع فيها من قروء نسائكا وقد اختلف في المراد من القروء في الآية، فذهب مالك والشافعي وابن عمر وزيد وعائشة والفقهاء السبعة «٣» ، وربيعة وأحمد إلى أنها الأطهار. وذهب علي وعمر وابن مسعود وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي: وابن أبي ليلى وابن شبرمة إلى أنّها الحيض. وفائدة الخلاف أنه إذا طلّقها في طهر خرجت عن عدتها عند الأولين بمجيء الحيضة الثالثة، لأنّها يحتسب لها الطهر الذي طلقت فيه، ولا تخرج من عدتها إلا بانقضاء الحيضة الثانية عند الآخرين، وقد روي عن عمر بن الخطاب وعلي أنهما قالا: لا تحل لزوجها الرجعة إليها حتى تغتسل من الحيضة الثالثة. وقد احتجوا لترجيح المذهب الأول بأمور منها: أنه أثبت التاء في العدد (ثلاثة) فدل ذلك على أن المعدود مذكّر، وهو لا يكون مذكّرا إلا إذا كان المراد الطهر، وإذا كان المراد الحيضة كان مؤنثا. ومنها قوله تعالى: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق: ١] ومعناه: في وقت عدتهن، ولكنّ الطلاق في زمان الحيض منهيّ عنه، فوجب أن يكون زمان العدة غير زمان الحيض.

стр. 145

وأجيب بأن معنى الآية: مستقبلات لعدتهن. وقد احتجوا لترجيح المذهب الثاني بأمور: منها: أننا أجمعنا على أن الاستبراء في شراء الجواري يكون بالحيضة، فكذا العدة تكون بالحيضة، لأن الغرض منها واحد. ومنها أن العدة شرعت لبراءة الرحم، والذي يدل على براءة الرحم إنّما هو الحيض لا الطهر. ومنها قوله ﷺ : «طلاق الأمة تطليقتان، وعدّتها حيضتان» «١» ومن المعلوم أنّ عدة الأمة نصف عدة الحرة، فإذا اعتبرت عدّة الأمة بالحيض، كانت عدة الحرة كذلك. والمسألة كما ترى محتملة، ولكنّ مذهب الفريق الثاني أرجح من جهة المعنى. وقد زعم بعضهم أنّ قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ خبر في معنى الأمر، لئلا يلزم الكذب في خبره تعالى إذا لم تتربص بعض المطلقات. وهذا غير لازم، لأنّ الله أخبر عن حكم الشرع، فإن وجدت امرأة لا تتربّص لم يكن ذلك حكما شرعيا. وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. قيل: المراد بما خلق الله في أرحامهن الحيض، وقيل: الحمل. وقيل: هما معا. وهذا دليل على أن المرأة مؤتمنة على ما في رحمها، يقبل قولها فيه، لأنّه لا يعلم إلا من قبلها، وإنّما حرّم الله أن يكتمن ما في أرحامهنّ، لأنّه يتعلق بذلك حق الرجعة للرّجل، وعدم اختلاط الأنساب، وإذا لم تحافظ المرأة على ذلك، فربما حرمت الرجل من حقّه في الرجعة، وربما ادّعت انقضاء العدة وهي مشغولة الرّحم بالحمل من المطلّق، ثم تزوجت، فأدّى ذلك إلى اختلاط الأنساب. ولعل قائلا يقول: إنّ ظاهر الآية أنّ الله شرط عدم حلّ الكتمان بكونهنّ يؤمنّ بالله واليوم الآخر، فإذا لم يكنّ كذلك، فهل يجوز لهنّ أن يكتمن؟ فنقول: إنّ هذا كقول القائل: إن كنت مؤمنا فلا تظلم، على معنى: إن كنت مؤمنا فإيماك يمنعك من الظلم. وكذلك هنا: إن الإيمان بالله واليوم الآخر ينبغي أن يمنع كتمانهنّ ما في أرحامهنّ، وهذا وعيد شديد. والآية تدل على أن من ائتمن على شيء فلا يحلّ له أن يخون فيه، وهذا مقتضى الإيمان بالله واليوم الآخر.

стр. 146

وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً. هذا هو الحكم الثاني من أحكام الطلاق، وهو ارتجاع الرجل المرأة ما دامت في عدتها. وبعولة: جمع (بعل) وهو الزوج، ويطلق على المرأة: بعلة، وهما: بعلان، وهو في الأصل بمعنى السيد المالك، يقال: من بعل هذه الناقة؟ أي من ربّها؟ المعنى: وأزواج المطلقات أحق برجعتهن في مدة التربص إن أرادوا إصلاحا، لا مضارّة المرأة، وظاهر الآية أن الله يشترط في الرجعة إرادة الإصلاح، فإذا أراد المضارّة فليس له حقّ الرجعة، والأمر كذلك، ولكن لما كانت هذه الإرادة لا اطلاع لنا عليها عاملناه بظاهر أمره، وجعل الله ثلاث التطليقات علما عليها، ولو تحققنا من ذلك لطلقنا عليه. وفيما بينه وبين نفسه لا يجوز له أن يراجع إن قصد الضرر لا الإصلاح. وحق الرجعة مقصور على المطلقة طلاقا رجعيا. واختلف العلماء فيها في مدة التربّص: أحكمها حكم الزوجة، أم ليست كذلك؟ فذهب أبو حنيفة إلى أنها حكمها حكم الزوجة، وذهب مالك إلى أنها ليست كالزوجة، وابتني على هذا الخلاف أنّ أبا حنيفة يجيز مباشرتها مدّة التربص، ومالك يمنعه قبل الرجعة. ويظهر أن منشأ الخلاف اختلاف الفهم في هذه الآية، فقد سمّاه الله بعولة، وهذا يقتضي أنهن زوجات، وقال: أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ وهذا يقتضي أنهن لسن بزوجات، إذ الردّ إنما يكون لشيء قد انفصم، فذهب الحنفية والحنابلة إلى أن الرجعية زوجة، وفائدة الطلاق نقص العدد، وأولوا قوله: أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فقالوا: إنّهن كن سائرات في طريق لو وصلن إلى نهايته لخرجن عن الزوجية، فالارتجاع ردّ لهنّ عن التمادي في ذلك الطريق. والمالكية أوّلوا قوله: وَبُعُولَتُهُنَّ فقالوا: سماهم بعولة باعتبار ما كان ومعنى أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ردهن إلى الزوجية. وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ. هذه كلمة وجيزة بيّنت نظر الشارع إلى عقد الزواج، فليس الزواج في الشريعة الإسلامية عقد استرقاق وتمليك، إنما هو عقد يوجب على الزوج حقوقا للمرأة. كما يوجب على المرأة حقوقا للزوج، فما من حقّ للزوج على المرأة إلا وفي نظيره حق لها عليه، وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ والمعروف ضد المنكر. ثم قال: وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ والدرجة المنزلة، وأصلها من درجت الشيء أي طويته، والدرجة قارعة الطريق، لأنّها تطوي منزلا بعد منزل، والدرجة المنزلة من منازل الطريق، ومنه

стр. 147

الدرجة التي يرتقى فيها، وهذه الدرجة التي جعلها الله للرجال على النساء هي ما أشار إليها بقوله: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ [النساء: ٣٤] . ونحن نعلم أن كثيرا من الزنادقة الذين يريدون أن يفتنوا النساء عن دينهن، يأتون إليهن من جهة أن الإسلام غمط حقوقهنّ، وجعلهنّ إماء عند الرجال، ولو تأمّل نساء الإسلام في هذه الآية لرأين هذه المنزلة التي رفعهنّ الله إليها، ولم ترفعهن إليها الحضارات القديمة، ولا الحضارات الحديثة، ولعلمن أنّ هؤلاء مخادعون، يبغّضونهنّ في شريعة كانت شفيقة بالمرأة، بارّة بها، أعتقتها من رق العبودية، وفكّت عنها الأغلال والقيود التي كانت ترسف فيها في القديم، وأنّ شريعة هذا نظرها إلى المرأة لجديرة بأن تحترم وتقدّس من النساء جميعا، وإنما ذكر الله هنا أنّ لهن مثل الذي عليهنّ بالمعروف، وللرّجال عليهن درجة، ليبيّن أنه شرط في الرّجعة إرادة الإصلاح، لأنّ للمرأة حقوقا مثل ما عليها، وجعل للرّجل حقّ الرجعة لأنه يزيد عليها درجة. ثم قال: وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فلا يغالبه من فرّط في حقوق الزواج، وهو حكيم فيما شرع، يعلم المصلحة، ويضع الأشياء في مواضعها. قال الله تعالى: الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) أخرج ابن جرير الطبري «١» ، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: كان الرجل يطلّق ما شاء، ثم إن راجع امرأته قبل أن تنقضي عدتّها كانت امرأته، فغضب رجل من الأنصار على امرأته، فقال لها: لا أقربك ولا تحلين مني، قالت له: كيف؟ قال: أطلقك، حتى إذا دنا أجلك راجعتك، ثم أطلقك، فإذا دنا أجلك راجعتك. قال: فنقلت ذلك إلى النبي ﷺ ، فنزل الله تعالى ذكره: الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ الآية . فعلى هذا تكون الآية نزلت لبيان عدد الطلاق الذي للرجل فيه الرجعة، والعدد الذي إذا انتهى إليه فلا رجعة له عليها، وقد كان أهل الجاهلية وأهل الإسلام قبل نزول هذه الآية لا حدّ للطلاق عندهم، وكان ذلك قد يؤدي إلى الإضرار بالمرأة، فتترك لا هي بذات زوج، ولا هي خليّة تحلّ للأزواج. وقال آخرون: نزلت هذه الآية لتعريف الناس سنّة طلاقهم، وكيف يطلّقون.

стр. 148

أخرج ابن جرير «١» عن عبد الله في قوله: الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ قال: يطلقها بعد ما تطهر، من قبل جماع، ثم يدعها حتى تطهر مرة أخرى، ثم يطلقها إن شاء ثم إن أراد أن يراجعها راجعها، ثم إن شاء طلقها، وإلا تركها حتى تتمّ ثلاث حيض، وتبين منه به. وعلى هذا يكون قد بيّن الله سنّة الطلاق في هذه الآية، وبين أنّ من سنته تفريق الطلاق ومنع الاجتماع، ولأنّه قال: الطَّلاقُ مَرَّتانِ وهذا يقتضي أن يكون طلقتين مفرّقتين، لأنّها إن كانتا مجتمعتين، لم يكن مرتين. ويدل عليه أن الشارع قد طلب أن يسبّح المرء ويحمد ويكبر دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، ولا ينفعه إلا أن يفعل ذلك ثلاثا وثلاثين مرّة، ولا يكفيه أن يقول: سبحان الله ويتبعها بلفظ ثلاثا وثلاثين، وأنه إذا فعل ذلك يكون مسبحا مرة واحدة لا ثلاثا وثلاثين. وقد ثبت أن الآية دلت على طلب التفريق في إيقاع الطلاق، فإذا خالف المطلّق وجمع الثلاث في لفظ واحد، فقد اختلف العلماء في ذلك، فقال بعضهم: إنه لا يقع إلّا واحدة، قال الفخر الرازي: وهو الأقيس، لأن النهي يدلّ على اشتمال المنهي عنه على مفسدة راجحة، والقول بالوقوع سعي في إدخال تلك المفسدة في الوجود، وهذا غير جائز، فوجب أن يحكم بعدم الوقوع. وقالت الأئمة الأربعة وغيرهم: تقع الثلاثة إما مع الحرمة، وإما مع الكراهة، على حسب اختلافهم في ذلك. وقد استدلّ الأولون من السنة بما رواه أحمد ومسلم «٢» من حديث طاوس عن ابن عباس قال: كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر: إنّ الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم، قالوا: وإمضاء الثلاث إبطال للرخصة الشرعية والرفق المشار إليه بقوله تعالى: لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً [الطلاق: ١] . وللأئمة أحاديث أخرى ذكرت في كتب السنة، واستقصاء الخلاف والأدلة في هذه المسألة يطلب من «نيل الأوطار» «٣» «وإعلام الموقعين» «٤» لابن القيم. ومنشأ الخلاف في الطلاق- ما ذكرناه وما لم نذكره- الاختلاف في أسباب النزول وفي الآية هل هي متعلقة بما قبلها، أم مستقلة عنها؟ ونحن نجمل ذلك

стр. 149

فنقول: إن الله قد عرّف الطلاق بأل، فذهب بعضهم إلى أن التعريف للعهد، أي الطلاق المشروع مرتان، فما جاء على غير هذا فليس بمشروع، وهذا مروي عن الرافضة والحجاج بن أرطاة «١» ، وعلى هذا تكون الآية مستقلة عما قبلها. وقال بعضهم: معناه أنّ الطلاق الذي فيه الرجعة مرتان، فتكون الآية مرتبطة بما قبلها، فالله لما ذكر أنّ بعولتهنّ أحقّ بردهنّ أراد أن يبيّن الطلاق الذي فيه الرجعة، وقال بعضهم: معناه الطلاق المسنون مرتان، وهذا مذهب مالك، وقال بعضهم: معناه الطلاق الجائز مرتان، وهذا مذهب أبي حنيفة. والقول الأول يناسبه في سبب النزول ما روي عن عروة، وبقية الأقوال يناسبها في سبب النزول ما روي عن عبد الله. ونحن نرى أن الطلاق هدم للأسرة، وتمزيق للمنزل، وضرره يتعدى إلى الأولاد. فإنّ الأولاد في حضن أمهاتهم يكونون موضعا للرعاية وحسن التربية. بخلاف ما إذا كانوا في حضن أجنبية عنهم، والشريعة تنظر إليه هذا النظر. ويدل على هذا قوله ﷺ : «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» «٢» والشريعة أجازته مع هذا الضرر لدفع ضرر أشد، وتحصيل مصلحة أكثر. وهي التفريق بين متباغضين ليس من المصلحة الجمع بينهما، وقد أراد الشارع ألا يفرّق بالطّلاق بين متحابين من الخير أن يجتمعا، وألا يفرق به إلا بين متباغضين من الخير أن يفترقا، فجعل الطلاق المشروع مرتين متفرقتين في طهرين كما دلت على ذلك السنة، فإن شاء أمسك، وإن شاء طلّق، وأمضى الطلاق، فيكون الزوج على بينة مما يأتي وما يذر، ولن يتفرق بالطلاق بعد هذه الروية وهذه الأناة إلا متفرّقان طبعا، من الخير ألا يجتمعا. وإذا كانت حكمة الطلاق ما ذكرناه سقط قول الناقمين على الشريعة من أنها لم تحترم عقد الزوجية، وتعطه ما يجب له من الحيطة والرعاية. وليس عندنا من المراجع ما نعلم منه حقيقة مذهب الحجاج والرافضة. ونتبين أنهم يرون الذي سار في الطلاق على هذا السنن وطلق اثنتين، ثم لم يطلق الثالثة، وعاشر بإحسان قد بقيت له واحدة فقط، فإذا أراد أن يطلق لم تكن له إلا واحدة أم هم يرون أنّه قد هدم الطلاق، وإذا أراد أن يطلّق كان له الثلاث من جديد، وأنّ هذا شرع الطلاق، فلا يطلق إلا بهذه الصفة. فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ. الإمساك خلاف الإطلاق، والتسريح الإرسال، وسرّح الماشية تسريحا إذا

стр. 150

أرسلها إمساك بمعروف، إن وجد نفسه لا تطيق فراقها، أو رأى المصلحة في بقائها زوجة، وإما تسريح بإحسان إن أعطته تجربة هذه المرأة أنه لم يتعلّق بها قلبه، ورأى الفراق خيرا له، وتلك هي حكمة الرجعة، وجعل الطلاق مرتين، فإنّ الأشياء تعرف بأضدادها، ولا يجد المرء لذة النعمة حتى يذوق طعم النّقمة، وما دام مع صاحبه لا يدري أتشقّ عليه الفرقة أم لا؟ فجعل الطلاق مرتين، وجعل له حق الرجعة، ليعلم أتشقّ عليه فرقتها أم لا؟ ولو جعل الطلاق مرّة واحدة لا رجعة فيها لوقع الناس في بلاء عظيم. ومعنى الإمساك بمعروف أن يراجعها قصد المعاشرة الحسنة، لا قصد المضارّة، والتسريح بإحسان ألا يذكر عيوبها، وأن يحسن فراقها. وقد اختلف في المراد بالتسريح، فقيل: هو أن يتركها دون مراجعة حتى تنقضي عدتها. وقيل: هو أن يطلّقها الثالثة. وقد رجّح الأول بأنّ حمل الآية عليه يجعلها مستوفية للأقسام، لأنّ المطلّق اثنتين: إما أن يراجع، وهو الإمساك بمعروف، وإما أن يطلق الثالثة وهو قوله: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ..: وإما أن يسكت فلا يطلّق الثالثة. ولا يراجع، وهو التسريح بإحسان. ورجّح الثاني بما روي أنه لما نزل قوله تعالى: الطَّلاقُ مَرَّتانِ قيل له ﷺ فأين الثالثة؟ فقال ﷺ : هو قوله: أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ : ويكون قوله: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ إن طلقها الطلقة الثالثة المذكورة في قوله: أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ. قال الله تعالى: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ. طلب الله عند تسريح المرأة أن يكون بإحسان، ونهى أن يأخذوا شيئا مما آتوهن من المهر أو غيره، ثم بيّن أنه لا يحل الأخذ إلا في حالة الخوف ألا يقيما حدود الله، فإذا حصل الخوف جاز للمرأة أن تفتدي، وجاز للرجل أن يأخذ، وطلاق المرأة على هذا الوجه هو المعروف عند العلماء بالخلع. ذكر ابن جرير «١» أن ابن عباس قال: إنّ أول خلع كان في الإسلام أخت عبد الله بن أبي، أنّها أتت رسول الله ﷺ . فقالت: يا رسول الله! لا يجمع رأسي ورأسه شيء أبدا. إني رفعت جانب الخباء، فرأيته أقبل في عدة، فإذا هو أشدّهم سوادا، وأقصرهم قامة، وأقبحهم وجها.

стр. 151

قال زوجها: يا رسول الله! إني أعطيتها أفضل مالي حديقة، فلترد عليّ حديقتي. قال ﷺ : «ما تقولين؟» قالت: نعم، وإن شاء زدته. قال: ففرّق بينهما . وقيل: إن هذه الآية نزلت في شأنهما. وقد ذهب جماعة من العلماء إلى أنه لا يجوز أخذ الفداء إلا إذا كان النشوز من قبلها. وذهب آخرون إلى أن الذي يبيح أخذ الفداء أن يكون خوف ألا يقيما حدود الله منهما جميعا، لكراهة كلّ منهما صحبة الآخر، والظاهر أنّ نشوزها كاف في جواز أخذ الفداء. فإن قيل: إنّ الله علّق ذلك على خوف ألا يقيما حدود الله. قيل: إنها إذا نشزت خيف أن يعاملها الرجل بقسوة، فلا يقيم هو أيضا حدود الله. وقد ذهب أكثر الأئمة إلى أن الخلع جائز، سواء كان في حالة الخوف أم في غير حالة الخوف، وظاهر الآية يعضّد مذهب غير الجمهور. وحجة الجمهور قوله تعالى: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً [النساء: ٤] فإذا جاز لها أن تهب مهرها من غير أن تحصّل لنفسها طلاقا، فلأن يجوز ذلك لتملك أمر نفسها أولى. وللأولين أن يقولوا: إن هذه الآية محمولة على البذل في حال العشرة، وأما البذل للطلاق فقد منعته الآية التي نحن بصددها إلا بشرط. والآية تدلّ على أن الخلع إنما هو فيما أعطى، لا في أزيد منه، لأنّ الآية في صدد الأخذ مما أعطى الرجال النساء. ثم قال: فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ أي مما آتيتموهنّ، وهو مذهب الشعبي، والزهري، والحسن البصري. وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يجوز الخلع بأزيد مما أعطاها، لأنّه عقد معاوضة يوجب ألا يتقيّد بمقدار معين. ولكن يعارض هذا أنه استباحها بما أعطاها من مهر، فلو أخذ منها أزيد لكان إجحافا بها. وقد ذهب جماعة إلى أن الخلع فسخ لاطلاق، لأنّ الله قال: الطَّلاقُ مَرَّتانِ ثم ذكر الخلع، ثم قال: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ فلو كان طلاقا لكان ذلك يدلّ على أن للرجل أربع تطليقات. ونحن نرى أنه لا حجة في هذا، لأنّ الله قال: الطَّلاقُ مَرَّتانِ ثم بيّن أنه لا يجوز أخذ مال على الطلاق إلا في الحال التي ذكرنا، وسواء كان ذلك عند الطلقة الأولى أم الثانية أم الثالثة؟

стр. 152

ثم بيّن الطلقة الثالثة بقوله: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ الآية، وقد استدلوا أيضا بما روى أبو داود «١» في «سننه» عن عكرمة عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس لما اختلعت منه جعل النبيّ ﷺ عدتها حيضة، ولو كان طلاقا لكانت عدتها كما قال الله: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ. وذهب الجمهور إلى أنّ الخلع طلاق، وحجتهم أن الخلع: إما فسخ، أو طلاق، وقد أبطلوا كونه فسخا، بأنّه لو كان فسخا لما جاز بأكثر من المهر، كالإقالة في البيع، مع أنه يجوز بالأكثر، وإذا بطل كونه فسخا، تعيّن كونه طلاقا، وقد علمت ما فيه. واستدلوا أيضا بما ورد عن ابن عباس في امرأة ثابت بن قيس أن رسول الله ﷺ قال له: «اقبل الحديقة، وطلّقها طلقة واحدة» أخرجه بهذا اللفظ البخاري، وأبو داود والنسائي «٢» . يَخافا الخوف: الإشفاق مما يكره وقوعه، ويمكن أن يراد منه هنا- الظنّ، لأنّ الخوف حالة نفسية، وسبب حصولها ظنّ أن سيحصل مكروه، فيطلق المسبب على السبب. قال الشاعر: إذا متّ فادفني إلى جنب كرمة ... تروّي عظامي بعد موتي عروقها ولا تدفننّي في الفلاة فإنّني ... أخاف إذا ما متّ ألا أذوقها قال الرازي «٣» : فإن قيل: لمن الخطاب في قوله: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا.. فإن كان للأزواج لم يطابقه قوله: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وإن قلت: للأئمة والحكام، فهؤلاء لا يأخذون منهن شيئا؟ قلنا: الأمران جائزان، فيجوز أن يكون أول الآية خطابا للأزواج، وآخرها خطابا للأئمة والحكام، وذلك غير غريب في «القرآن» ويجوز أن يكون الخطاب كلّه للأئمة والحكام، لأنّهم الذين يأمرون بالأخذ والإيتاء عند الترافع إليهم، فكأنّهم هم الآخذون والمؤتون. قال الله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠) . يعلمون الحقائق. ويعلمون المصالح المترتبة على العمل بها.

стр. 153

وقد اختلف في ذلك النكاح الذي اشترط لحل المطلقة ثلاثا، فذهب سعيد بن المسيب إلى أنه العقد، فتحل المطلقة ثلاثا للأوّل بمجرد العقد على الثاني. وذهب سائر العلماء إلى أن المراد به الوطء، واحتجوا بأن النكاح قد ورد في القرآن بالمعنيين، واحتمل أن يكون المراد هنا العقد أو الوطء، فجاءت السنة، وبينت أن المراد به الوطء وذلك ما رواه ابن جرير «١» عن عائشة، قالت: جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله ﷺ ، قالت: كنت عند رفاعة، فطلقني، فبتّ طلاقي، فتزوجت عبد الرحمن بن الزبير، وإن ما معه مثل هدبة الثّوب. فقال: «لعلّك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتّى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» «٢» وقال بعضهم: إن الآية نفسها فيها دلالة على أن المراد به الوطء، وبيانه أنّ أبا الفتح عثمان بن جني قال: سألت أبا علي الفارسي عن قولهم: نكح المرأة، فقال: فرّقت العرب بالاستعمال، فإذا قالوا: نكح فلان فلانة. أرادوا أنّه عقد عليها، وإذا قالوا نكح امرأته أو زوجته، أرادوا به المجامعة. وهنا قد قال الله: حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فالمراد منه المجامعة. وقد اختلف النّاس في نكاح المحلّل، وهو الذي يتزوّج المبتوتة بقصد أن يحلها للزوج الأول، فذهب مالك، وأحمد، والثوري، وأهل الظاهر، وغيرهم: إلى أنّ ذلك النكاح باطل، لا تحلّ به للأوّل ولا للثاني، ولا تحلّ حتى ينكحها الثاني نكاح رغبة يقصد به ما يقصد من كل نكاح من الدوام والبقاء، ودليلهم ما روي عن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ألا أخبركم بالتّيس المستعار؟» . قالوا: بلى يا رسول الله قال: «هو المحلّل، لعن الله المحلّل والمحلّل له» «٣» . قال الترمذي «٤» : والعمل على ذلك عند أهل العلم، منهم: عمر، وابنه، وعثمان ﵃، وهو قول الفقهاء من التابعين. وروى أبو إسحاق الجوزجاني عن ابن عباس ﵄ قال: سئل رسول الله ﷺ عن المحلّل، فقال: «لا: إلا نكاح رغبة، لا دلسة ولا استهزاء بكتاب الله ثم تذوق العسيلة» . وروى ابن المنذر وابن أبي شيبة عن عمر ﵁: لا أوتى بمحلّل ولا

стр. 154

بمحلّل له إلا رجمتهما، فسئل ابنه عن ذلك قال: كلاهما زان، وسئل ابن عباس عمّن طلّق امرأته ثلاثا ثم ندم، فقال: هو رجل عصى الله فأندمه، وأطاع الشيطان فلم يجعل له مخرجا، فقيل له: فكيف ترى في رجل يحلّها له؟ فقال: من يخادع الله يخدعه. هذا وفي التحليل مفاسد كثيرة عقد ابن القيم في «إعلام الموقعين» «١» فصولا في بيانها. وقد طعن قوم في الشريعة الإسلامية لأنّها أجازته، وقد علمت ما قاله النبي ﷺ فيه، وعلمت رأي الصحابة والتابعين فيه. فالصواب ألا ينسب إليها حلّه. قال الله تعالى: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١) الأجل يطلق على المدة كلها، وعلى آخرها، يقال لعمر الإنسان أجل، وللموت الذي ينتهي به أجل. والمراد هنا: آخر عدتهن، ومعنى بلغن أجلهنّ- هنا- شارفن منتهاها، لأنّه يتجوّز في البلوغ. فيقال: بلغ البلد إذا شارفه وداناه، وإنما حملناه على المجاز، لأن الله قال: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وهي إذا انقضت عدتها فلا سبيل له عليها. فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ: إما أن يراجعها من غير طلب ضرر بالمراجعة، وإما أن يتركها حتّى تنقضي عدتها من غير إضرار بها وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا لتظلموهنّ. عن السدي قال: نزلت في رجل من الأنصار يدعى ثابت بن يسار طلّق امرأته، حتى إذا انقضت عدتها إلا يومين أو ثلاثة راجعها، ثم طلقها، ففعل بها ذلك حتى مضت لها تسعة أشهر: مضارّة يضارها، فأنزل الله تعالى ذكره: وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ «٢» أي إمساك المرأة ضرارا فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ إذ عرضها لعذاب الله. وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً أي جدوا في الأخذ بها، والعمل بما فيها، وإن لم تفعلوا فقد اتخذتموها هزوا، ويقال لمن لم يجد في الأمر: إنما أنت هازل. وقال الحسن: كان الناس على عهد رسول الله ﷺ يطلّق الرجل أو يعتق فيقال: ما صنعت؟ فيقول: إنما كنت لا عبا، قال رسول الله ﷺ : «من طلّق لاعبا أو أعتق

стр. 155

لاعبا فقد جاز عليه» «١» قال الحسن: وفيه نزلت وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً. وروى أبو موسى الأشعري عن النبي ﷺ أنّه قال: «لم يقول أحدكم لامرأته: قد طلّقتك، قد راجعتك، ليس هذا بطلاق المسلمين، طلّقوا المرأة قبل عدّتها» . وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ. وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بالإسلام وسائر نعمه، واذكروا ما أنزل عليكم من الْكِتابِ القرآن يَعِظُكُمْ ووَ الْحِكْمَةِ السنن التي علمكموها رسول الله ﷺ : يَعِظُكُمْ بِهِ أي بما أنزل عليكم وَاتَّقُوا اللَّهَ أي خافوه وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فيعلم ما علمتم من تعدّي حدوده، وتضييع أوامره، فيجازيكم على ما عملتم. قال الله تعالى: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢٣٢) فَلا تَعْضُلُوهُنَّ العضل: الحبس والتضييق، ومنه عضلت الدجاجة إذا نشب بيضها فلم يخرج، ومنه قول عمر: وقد أعضل في أهل العراق، لا يرضون عن وال ولا يرضى عنهم وال، يعني بذلك، حملوني على أمر ضيّق شديد. قال أوس «٢» : وليس أخوك الدائم العهد بالّذي ... يذمّك إن ولّى ويرضيك مقبلا ولكنّه النّائي إذا كنت آمنا ... وصاحبك الأدنى إذا الأمر أعضلا وبلوغ الأجل هنا على الحقيقة، قال الشافعي: دل سياق الكلامين على افتراق البلوغين. وهذه الآية نهت أولياء المرأة على أن يعضلوها. أي يمنعوها حقّ الزواج إذا خطبها الكفء، وتراضت المرأة والخاطب به. نزلت في معقل بن يسار. روى ابن جرير «٣» عن الحسن، عن معقل بن يسار أن أخته طلّقها زوجها، ثم أراد أن يراجعها، فمنعها معقل، فأنزل الله تعالى ذكره: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ. وفي هذه الآية دلالة على صحة قول من قال: لا نكاح إلا بولي، لأنه لو كان

стр. 156

للمرأة أن تتزوج دون رضى وليها، ولم يكن للولي شأن لما كان معنى لنهي الأولياء عن أن يعضلوا النساء. كان مقتضى الظاهر أن يقال: (ذلكم يوعظ به) ، لأنه يخاطب الجماعة، وإنما قال: ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ لكثرة جري ذلك على ألسن العرب في منطقها وكلامها، حتى صارت الكاف بمنزلة حرف من حروف الكلمة. أي ما ذكرته من نهي الأولياء عن عضل النساء عظة مني لمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ من أدناس الآثام. وقيل: أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ: أفضل وأطيب، وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما في ذلك من الزكاة والطّهر وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ. قال الله تعالى: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣) لما ذكر الله الطلاق، وبيّن أن به الفراق، ولما كانت المطلّقات قد يكون لهن أولاد رضّع، وربما ضاعوا بين كراهة الأزواج وعنت المطلقات، احتاط الله للأولاد فأوصى بهم الوالدات، فجعلهنّ يرضعنهنّ حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة، وجعل على الآباء كسوة الوالدات ونفقتهنّ مدّة الرضاع بالمعروف لا يكلف الآباء إلا وسعهم، ونهى أن تضارّ الوالدة الوالد بسبب ولدها، وهو أن تعنته به، وتطلب منه ما ليس من النفقة والكسوة، وأن تشغل قلبه بالتفريط في شأن الولد، وأن تقول بعد ما ألفها الصبيّ: اطلب له ظئرا «١» ، وما إلى ذلك. ونهى أيضا أن يضارّ الوالد الوالدة بسبب ولده، وذلك أن يمنعها شيئا مما وجب عليه من رزقها وكسوتها، وأن يأخذه منها، وهي تريد إرضاعه، وأن يكرهها على الإرضاع. واحتاط، فجعل أقرباء الصبي يقومون مقام الوالد عند فقد الوالد في العناية بشأن الصبي. ثم بيّن أنّ الوالدين إن أرادا فطام الصبي قبل العامين عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما، بعد أن يكون ذلك نظرا لمصلحة الصبي. ثم أجاز أن يسترضعوا أولادهم المرضعات، ولما كانت حالة الفراق مع وجود الأولاد الرضّع حالة يكثر فيها النزاع والشقاق، أمر بتقوى الله، وأعلمهم أنّ الله بصير بما يعملون، فيجازيهم عليهم. وهذا كله نظر من الله للصبيّ، لأنه عاجز عن تحصيل النفع لنفسه، ودفع الضرر عنها. وهذا من تمام لطف الله ورحمته، وقد اخترنا أن تكون الوالدات مرادا بهن

стр. 157

المطلقات، لأن الله قال: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ ولو كانت الزوجية باقية لوجب على الزوج ذلك بالزوجية لا بالرضاع، وأيضا فهذه الآية ذكرت عقب آيات الطلاق، فهي من تتمتها. وذكر بعضهم أن المراد بالوالدات كل والدة مطلّقة أو زوجة، وقد تعلّق بعموم اللفظ، وذهب الواحديّ إلى أن المراد بهنّ الزوجات، لأنّه جعل لهنّ رزقهنّ وكسوتهنّ، ولو كنّ مطلقات لكان لهن أجرة. واختلف العلماء في قوله: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ أذلك حقّ لها أم حقّ عليها؟ والآية محتملة. وذهب مالك إلى أنه حقّ عليها إذا كانت زوجة أو إذا لم يقبل الصبي ثدي غيرها، أو إذا عدم الأب، واستثنوا من ذلك الشريفة، فلم يجعلوه حقا عليها، فكأنهنّ فهموا من الوالدات كلّ والدة زوجة أو غيرها، وجعلوه حقا عليها، واستثنوا من ذلك الشريفة بالعرف. وذهب كثير إلى أن ذلك مندوب، إلا عند الضرورة، إلا أن يقبل غيرها، بدليل قوله تعالى في آية أخرى: وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى [الطلاق: ٦] وإنما ندب ذلك، لأن لبن الأم أصلح للطفل، وشفقة الأم عليه أكثر. والحول: من حال الشيء يحول: إذا انقلب، فالحول من الوقت الأول إلى الثاني، وإنّما قال الله: حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لئلا يتوهّم أنّه أراد حولا وبعض الثاني، فقد يقولون يومين، وهم يريدون ذلك توسّعا والمقصود من تحديد مدّة الرضاع بحولين كاملين ليس وجوب ذلك، لأنه قال: فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وإنّما المقصود بيان المدة التي يرجعان إليها عند الاختلاف. وقد أخذ الشافعيّ وأحمد من ذلك أن مدّة الرضاع التي يحرّم الرضاع فيها هي حولان. فالرضاع ما لم يقع فيهما لا يحرّم. وذهب أبو حنيفة «١» إلى أن مدة الرضاع ثلاثون شهرا، وقال زفر: ثلاث سنين، وذهب المالكية إلى أن ذلك كله تحكّم، وأن الصحيح أن ما قرب من زمن الفطام عرفا لحق به، وما بعد عنه خرج عنه، من غير تقدير. فلم يعتبروا هم ولا الحنفية أنّ الآية جاءت لتحديد مدة الرضاع المحرّم. وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ أي على قدر حال الأب من السّعة والضيق،

стр. 158

كما قال تعالى: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ [الطلاق: ٧] وأخذ من ذلك وجوب نفقة الولد على الوالد، لأنّ الله أوجب نفقة المطلّقة على الوالد في زمن الرضاع لأجل الولد، وإنما وجبت لضعف الولد واحتياجه، والوالد أقرب الناس إليه. لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ يحتمل أن يكون كلا الفعلين مبنيا للفاعل، ومبنيا للمفعول، والمعنى قريب بعضه من بعض وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ المراد بالوارث وارث الأب، وعليه مثل ذلك من رزقهن وكسوتهن وترك الضرار، وفي ذلك دليل على أنّ أقارب الصبي تجب عليهم نفقته عند عدم الوالد، وهو أصل في وجوب نفقة الأقارب بعضهم على بعض، وهو مذهب أبي حنيفة. أما مالك والشافعيّ، فيريان أنّ نفقة الولد على أبيه، فإن مات، ففي مال الصبي إن كان له مال، وإلا فعلى الأم، وليسا يوجبان نفقة إلا على الوالدين، والآية ترد عليهما. إلا أن يحمل وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ على ترك الإضرار فقط، أو يريدان من الوارث الولد نفسه، وقد ذهب إلى ذلك بعض المفسّرين فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما. الفصل: الفطام، وسمي بذلك لأن الولد ينفصل عن الاغتذاء بلبن أمه إلى غيره من الأقوات. التّشاور: استجماع الرأي، وقد أجاز الله أن يفطم الصبيّ قبل الحولين إن اتفقا على ذلك، وشاورا أهل المعرفة فيه، ولم يكن في ذلك ضرر بالصبي وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ. استرضع: قال الزمخشري: فعل، من أرضع. يقال أرضعت المرأة الصبيّ واسترضعتها الصبيّ. فتعديه إلى مفعولين كما تقول: أنجح الحاجة. واستنجحه الحاجة. والمعنى: أن تسترضعوا المراضع أولادكم، حذف أحد المفعولين، للاستغناء عنه: كما نقول: استنجحت الحاجة، ولا تذكر من استنجحته، وكذلك حكم كل مفعولين لم يكن أحدهما عبارة عن الأول. وقد أجاز الله أن يسترضع الآباء المراضع أولادهم. وهذا عند أبي حنيفة لخوف الضيعة على الولد عند الأم، والتقصير أو الإضرار بالوالد في اشتغال الأم عن حقه بولدها، أو الإضرار بالولد في الغيل ونحوه. فإن اختلفوا- نظر للصبيّ: فإن أوجب أن يسترضع له استرضع. وقوله: إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ أي ما أردتم إيتاءه، وليس هذا شرطا لجواز الاسترضاع، وإنما هو ندب إلى الأولى، لتكون المرضع طيبة النفس راضية، فيعود ذلك على الصبي بالنفع. وبقوله: بِالْمَعْرُوفِ متعلق بسلمتم: أمروا بأن يكونوا عند

стр. 159

تسليم الأجرة مستبشري الوجوه، ناطقين بالقول الجميل، حتى يؤمن تفريطهنّ. قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤) ذكر وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ وترك الخبر عنهم إلى الخبر عن أزواجهم، فقال: يَتَرَبَّصْنَ وقد اختلف في توجيه ذلك، فذهب ابن جرير «١» إلى أن ذلك جائز، لأنه لم يقصد الخبر عنهم، وإنما يقصد الخبر عن الواجب على المعتدّات، فصرف الخبر عن الذين ابتدأ بذكرهم إلى أزواجهن كقول الشاعر: لعلّي إن مالت بي الرّيح ميلة ... على ابن أبي زيّان أن يتندّما فقال: لعلي، ثم صرف الخبر عن نفسه إلى ابن أبي زيان فقال: أن يتندما. وقال الزمخشري: إنه حذف المضاف، والأصل: وزوجات الذين يتوفون منكم يتربصن، أو أراد يتربصن بعدهم، كقولهم: السمن منوان بدرهم. أي منه، وقال: وَعَشْراً والمراد: الأيام، ذهابا إلى الليالي، والأيام داخلة، قال الزمخشري: ولا تراهم قط يستعملون التذكير فيه ذاهبين إلى الأيام. تقول: صمت عشرا. ولو ذكرت خرجت من كلامهم: ومن البين فيه قوله تعالى: إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً [طه: ١٠٣] ثم إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً [طه: ١٠٤] بيّن الله هنا عدّة المتوفى عنها زوجها، وهي تربّص أربعة أشهر وعشر، إلا أن تكون حاملا، فعدتها وضع حملها، كما قال تعالى: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق: ٤] فآية الحمل مخصّصة لهذه الآية. وقد اختلف العلماء في الذي يتربّص عنه هذه المدة، فقال بعضهم: يتربصن عن النكاح، والطيب والزينة والنقلة من المسكن الذي كن يسكنّه مع أزواجهن. أخرج ابن جرير «٢» عن أم سلمة أنّ امرأة توفي عنها زوجها، واشتكت عينها، فأتت النبيّ ﷺ تستفتيه في الكحل، فقال: «لقد كانت إحداكنّ تكون في الجاهلية في شرّ أحلاسها فتمكث في بيتها حولا إذا توفّي عنها زوجها، فيمرّ عليها الكلب فترميه بالبعرة، أفلا أربعة أشهر وعشرا» . وروي عن حفصة بنت عمر زوج النبي ﷺ تحدّث عن النبي قال: «لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ فوق ثلاث إلا على زوج، فإنّها تحدّ عليه أربعة أشهر وعشرا» «٣» .

стр. 160

قال يحيى: والإحداد عندنا ألا تتطيب، ولا تلبس ثوبا مصبوغا بورس ولا زعفران، ولا تكتحل ولا تتزيّن. وأخرج ابن جرير «١» عن الفريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري قالت، قتل زوجي وأنا في داره، فاستأذنت رسول الله في النّقلة فأذن لي، ثم ناداني بعد أن توليت، فرجعت إليه فقال: «يا فريعة حتّى يبلغ الكتاب أجله» . فحجتهم أن الله ذكر التربص، والرسول بيّن ما يتربّص عنه. وقال آخرون: إنما عدّة المتوفى عنها زوجها أن تتربص بنفسها عن الأزواج خاصة، فأما عن الطيب والزينة والنقلة من المنزل، فلم تنه عن ذلك. واحتجوا بما روي عن أسماء بنت عميس قالت: لمّا أصيب جعفر قال لي رسول الله ﷺ : «تسلّبي ثلاثا. ثم اصنعي ما شئت» «٢» وليس في هذا الحديث حجة لهم، إذ يحتمل أن يكون أمرها بالتسلّب ثلاثا، ثم لبس ما شاءت من الثياب التي يجوز للمعتدّة لبسها، مما لم يكن زينة ولا تطيبا، لأنه قد يكون من الثياب ما ليس بزينة ولا ثياب تسلب. والحكمة في هذه العدة استبراء الرّحم من ماء الزوج المتوفّى، فمنع نكاح المعتدّة حتى تمضي مدة تتبيّن فيها: أحامل هي، فيلحق ولدها بالزّوج المتوفى؟ أو حائل، فإذا تزوّجت وولدت، ألحق الولد بالزّوج الثاني؟ ومنعت الطّيب والزينة لأنّها من دواعيه والذرائع إليه ومنعت الخروج من البيت الذي كانت تسكنه، لأن هذه الرقابة أدعى إلى الصيانة، ومنع العقد عليها، والخطبة في العدة، لأنّ ذلك ذريعة، ورخّص في التعريض فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ أي: فإذا انقضت عدّتهنّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أيها الأولياء فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ من اختيار الأزواج، وتقدير الصداق، وقوله: بِالْمَعْرُوفِ معناه على ما أذن الله لهنّ فيه وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فيعلم من يعضل النساء فيجازيه. قال الله تعالى: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)

стр. 161

عَرَّضْتُمْ التعريض: هو القول المفهم للمقصود، وليس بنص فيه. أَكْنَنْتُمْ سترتم. سِرًّا السرّ: الوطء، قال الأعشى: ولا تقربنّ جارة إنّ سرّها ... عليك حرام فانكحن أو تأبّدا منع الله من خطبة المرأة صريحا في العدة، وأجاز التعريض بالخطبة لها أو لوليها في العدة، كأن يقول: إنك لجميلة، أو عسى أن ييسرّ الله لي امرأة صالحة، أو نحو ذلك، حتى تحبس نفسها عليه إن رغبت فيه، ولا يصرّح بالخطبة. أخرج ابن جرير «١» عن سكينة بنت حنظلة بن عبد الله بن حنظلة قالت: دخل علي أبو جعفر محمد بن علي وأنا في عدتي، فقال: يا ابنة حنظلة أنا من علمت قرابتي من رسول الله ﷺ ، وحق جدي عليّ، وقدمي في الإسلام، فقلت: غفر الله لك يا أبا جعفر! أتخطبني في عدتي، وأنت يؤخذ عنك؟ فقال: أو قد فعلت؟ إنما أخبرتك بقرابتي برسول الله ﷺ وموضعي، قد دخل رسول الله ﷺ على أمّ سلمة، وكانت عند ابن عمها أبي سلمة فتوفّي عنها، فلم يزل رسول الله ﷺ يذكر لها منزلته من الله، وهو متحامل على يده حتى أثّر الحصير في يده من شدة تحامله على يده، فما كانت تلك خطبة. أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ أي سترتم، وأضمرتم في أنفسكم فلم تذكروه تصريحا عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ فاذكروهن، ولكن لا تواعدوهنّ سرّا، اختار ابن جرير «٢» أن السر هنا هو الزنى، فالمعنى لا توعدوهنّ فاحشة، وقيل: إنّ المراد به العقد، والسرّ في الأصل يطلق على الوطء، فأطلق على العقد الذي هو سببه. إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً بالتعريض دون التصريح، أي: لا تواعدوهنّ إلا لتقولوا قولا معروفا، أي: لا تواعدوهنّ إلا بالتعريض. وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ نهى عن العزم مبالغة في النهي عن عقد النكاح، لأنه إذا نهى عن العزم على العقد، كان عن العقد أشدّ نهيا، وقيل: معناه لا تقطعوا عقد عقدة النكاح، لأنّ العزم القطع حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ أي المكتوب والمفروض من العدّة. وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ من العزم على ما لا يجوز فَاحْذَرُوهُ بالكفّ

стр. 162

عن ذلك وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ فلا يعجّل العقوبة، فلا تغترّوا بإمهاله. وإذا عقد عليها في العدة، وبنى بها، فسخ النكاح، لنهي الله عنه، وتأبد تحريمها عليه، فلا يحلّ نكاحها أبدا عند مالك وأحمد والشافعي وبه قضى عمر، لأنه استحل ما لا يحلّ، فعوقب بحرمانه، كالقاتل يعاقب بحرمانه ميراث من قتله. وقال غيرهم: يفسخ النكاح، فإذا خرجت من العدة كان خاطبا من الخطاب، ولم يتأبدّ التحريم، لأنّ الأصل أنها لا تحرم، إلا أن يقوم دليل على الحرمة من كتاب أو سنة أو إجماع من الأمة، وليس في المسألة شيء من هذا، ورأي الصحابيّ ليس حجة، وهناك إنكار من عليّ على عمر في هذا القضاء، وروي أنّ عمر رجع عنه. قال الله تعالى: لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦) المس هنا كناية عن الجماع أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً الفرض في اللغة التقدير، والمراد: أو تقدروا لها مقدارا من المهر يوجبه على نفسه. وظاهر الآية يفيد أنّ رفع الجناح مشروط بعدم المسيس، وهو مشكل عند الفقهاء، لأنّه لا جناح عليه في الطلاق بعد المسيس أيضا، ولذلك أجابوا بجملة أجوبة ليس منها التزام هذا الحكم، وأقرب هذه الأجوية أن المراد: لا تبعة عليكم من إيجاب مهر إن طلقتم النساء ما لم تمسوهنّ، ولا شك أنّ رفع المهر عنه مشروط بعدم المسيس، وعدم فرض مهر لها. قالوا: والدليل على أن الجناح هنا تبعة المهر قوله تعالى: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ فأوجب نصف المهر في مقابله، وقوله: أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً بمعنى إلا أن تفرضوا، أو حتّى تفرضوا، وقال بعضهم: إن (أو) بمعنى الواو، وبالجملة فإنّ الآية رفعت المهر عمّن طلّق قبل الدخول وقبل: تسمية المهر، وطلبت المتعة لها. وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ وأعطوهن ما يتمتعن به من أموالكم على أقداركم، ومنازلكم من الغنى والإقتار. والموسع: الذي له سعة. والمقتر: الضيق الحال. وقدره: مقداره الذي يطيقه، وكان ابن عباس يقول: متعة الطلاق أعلاها الخادم، ودون ذلك الورق، ودون ذلك الكسوة. وقد اختلف في هذه المتعة المطلوبة للمطلّقة قبل المسيس وقبل الفرض: أواجبة

стр. 163

هي أم غير واجبة؟ فذهب قوم منهم أبو حنيفة «١» إلى أنها واجبة، لظاهر قوله: وَمَتِّعُوهُنَّ، وقوله: حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ. وذهب مالك إلى أنها مستحبة، لأنّ الله قال: حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ، ولو كانت واجبة لكانت حقا على الخلق أجمعين، والظاهر القول بالوجوب لظاهر الأمر، وكأنّ الله جعل لها المتعة في مقابل ما جعل للمسمّى لها من نصف الصّداق، وأما قوله: حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ فليبيّن أن مقتضى الإحسان يوجب ذلك. مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ مصدر مؤكّد لمتعوهنّ، أي متعوهن تمتيعا بالمعروف بالوجه الذي يحسن في الشرع والمروءة حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ حقّ ذلك حقا على المحسنين. قال الله تعالى: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧) هذا هو القسم الثاني، لأنّ المطلقة قبل المسيس: إما أن لا يكون قد فرض لها مهر، أو يكون قد فرض. الأولى: لم يجعل الله لها شيئا من المهر، وجعل لها المتعة. والثانية: جعل لها نصف الصّداق. وقد بقيت المطلّقة بعد الدخول، وهذه فيها قسمان، لأنها: إما أن يكون قد سمّي لها مهر، أو لا يكون، وللأولى جميع المسمّى، وللثانية مهر مثلها. وقوله: إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أي المطلقات أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ أي الولي، وقيل: هو الزوج ويكون المعنى على المعنى الأول إلا أن تسقط المطلقات ما وجب لهن من نصف الصداق، إن كنّ مالكات لأنفسهن، أو يسقط الولي إن لم يكنّ كذلك: وذلك الأب في ابنته البكر، أو السيد في أمته، وعلى الثاني إلا أن تعفو المطلقات، أو يعفو الزوج عن نصف الصّداق فيجعل المهر كله لها. وإلى الأوّل ذهب ابن عباس والحسن وعكرمة وطاوس وعطاء وزيد بن أسلم وربيعة وهو مذهب مالك. وإلى الثاني ذهب علي، وشريح «٢» وسعيد بن المسيب وجبير بن مطعم ومجاهد والثوري. واختاره أبو حنيفة والشافعي في أصح قوليه.

стр. 164

وحجة القائلين بأنه الزوج أنّ الله قال: وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ وليس إعطاء المرء مال غيره فضلا، فلا ينطبق على الولي. وحجة من قال: إنه الولي، أنّ الخطاب في أول الآية للأزواج، فلو أراد الزوج لقال: أن يعفو، ولا موجب لمخالفة مقتضى الظاهر. وثانيا: أن يَعْفُونَ بمعنى يسقطن، والثاني أن يَعْفُوَا الثانية بمعنى يسقط أيضا، ولا يكون كذلك إلا إذا كان الذي بيده عقدة النكاح هو الولي، أما إذا كان هو الزوج فيكون بمعنى يعطي. ومذهب أبي حنيفة، وأحمد أن المهر جميعه يتقرّر بالخلوة الصحيحة، ومشهور مذهب مالك أنه لا يتقرر المهر بالخلوة، إلا إذا اقترن بها مسيس، وظاهر القرآن يعضده. ويؤخذ من تقسيم الله المطلقة إلى قسمين- مطلقة لم يفرض لها، ومطلقة فرض لها- أن نكاح التفويض جائز، وهو كل نكاح عقد من غير ذكر الصّداق، ولا خلاف فيه. ويفرض بعد ذلك الصّداق، فإن فرض بعد العقد وقبل الطلاق فهل تكون من المسمّى لها فيكون لها نصف المسمّى. أو ممن لم يسمّ لها فلا يكون لها النصف؟ ذهب مالك ألى الأول. فألحق من سمّي لها بعد العقد بمن سمّي لها في العقد. وذهب أبو حنيفة إلى الثاني نظرا إلى أنها لم يسمّ لها في العقد. وإذا مات الزوج قبل أن يفرض لها: أفيكون حكمها حكم المطلقة، فلا صداق لها؟ أم لا يكون، فيكون لها الصداق؟ ذهب مالك إلى الأول، وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى الثاني. وحجة مالك أنّه فراق في نكاح قبل الفرض، فلم يجب فيه صداق أصله الطلاق. وحجة الشافعي وأبي حنيفة ما رواه النسائي وأبو داود أنّ النبي ﷺ قضى في بروع بنت واشق وقد مات زوجها قبل أن يفرض لها بالمهر والميراث والعدة «١» . وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ قيل: المخاطبون بذلك الأزواج والزوجات جميعا، أي: وأن تعفوا- أيها الناس- بعضكم عما وجب له قبل حاجته من الصداق أقرب له إلى تقوى الله، وقيل: المخاطبون بذلك الأزواج خاصّة، فتكون الآية انتظمت عفو الزوجات، والولي، والزوج وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ولا تغفلوا أيها الناس التفضل بينكم فتتركوه وتستقصوا إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فيعلم من عفا وعامل بالإحسان، ومن لم يفعل ذلك، ويحصيه. ويجازي عليه.

стр. 165

قال الله تعالى: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (٢٣٨) حافِظُوا المحافظة هي المداومة على الشيء والمواظبة، ومعنى المحافظة على الصلوات المواظبة عليها، وعدم تضييعها. وَالصَّلاةِ الْوُسْطى الوسطى من الوسط، وهو العدل والخيار والفضل وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً أي خيارا وعدولا، فالصلاة الوسطى أي الفضلى، ويحتمل أنها وسط في العدد. لأنّها خمس صلوات، تكتنفها اثنتان من كل جهة، وقيل: إنها وسط من الوقت. روى القاسم عن مالك أنّ الصبح هي الوسطى لأن الظهر والعصر في النهار، والمغرب والعشاء في الليل، والصبح فيما بين ذلك. وقد اختلف في الصلاة الوسطى: ما هي؟ على سبعة أقوال: فما من صلاة إلا قيل إنها الوسطى، فتلك خمسة. وقيل: إنها الجمعة، وقيل: إنها غير معروفة. وقد أبهمها الله ليحافظ على الصلوات كلّها طلبا للصلاة الوسطى، وهذا هو الظاهر. وكل دليل قام على تعيينها لا يخلو من ضعف «١» . والصلاة الوسطى داخلة في الصلوات. وإنما خصّها بالذكر تنبيها على شرفها في جنسها، كما قال تعالى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (٩٨) . وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ قال ابن عباس: القنوت الطاعة، وقال ابن عمر: هو القيام، واستدل عليه بقوله ﷺ : «أفضل الصلاة طول القنوت» «٢» قال مجاهد: إنّه السكوت. وفي «الصحيح» «٣» قال زيد بن أرقم: كنا نتكلّم في الصلاة حتى نزلت هذه الآية وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ فأمرنا بالسكوت. وقيل: هو الخشوع، والصحيح ما قاله مجاهد، بدليل ما رواه زيد، ويبعد جدا أن يراد به القيام هنا لأنه لا يصحّ (وقوموا لله قائمين) . وإذا كان المراد بالقنوت السكوت هنا كانت الآية آمرة بالسكوت في الصلاة، وقد ذكرت المالكية أنّ من تكلّم في الصلاة، إما أن يكون ساهيا أو عامدا، والعامد: إما أن يتكلّم لإصلاحها، أو عبثا، وقالوا: إنّ من تكلّم ساهيا لا تبطل صلاته، لأنّ السهو لا يدخل تحت التكليف، ومن تكلّم لإصلاحها لا تبطل صلاته خلافا للشافعية والحنابلة.

стр. 166

واستدل المالكية بقصة ذي اليدين «١» وهي أنّ رسول الله ﷺ سلّم من ركعتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال: «كل ذلك لم يكن» فقال: بل بعض ذلك قد كان- فقال النبي: «أصحيح ما يقول ذو اليدين» قالوا: نعم. وأما إذا تكلم عابثا فتبطل صلاته. قال الله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩) فَرِجالًا جمع راجل، وهو خلاف الراكب، كقائم وقيام، أو جمع رجل، يقال: رجل رجل، أي راجل. المعنى: فإن كان بكم خوف من عدوّ أو غيره فصلوا رجالا أو ركبانا فَإِذا أَمِنْتُمْ أي زال الخوف عنكم فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ من صلاة الآمن، أو فإذا أمنتم فاذكروا الله واعبدوه كما أحسن إليكم بما علّمكم من الشرائع ما لم تكونوا تعلمون. وهذه الآية دلّت بظاهرها على جواز الصلاة حال القتال، راجلا أو راكبا ولا تبطل بالقتال، ويسقط استقبال القبلة، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد، وذهب أبو حنيفة إلى أن الصلاة تبطل بالقتال، وظاهر الآية حجة عليه. وقد أيد ما روي في «الصحيح» «٢» عن ابن عمر حال الخوف «فإن كان خوف هو أشدّ من ذلك صلوا رجالا قياما على أقدامهم أو ركبانا مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها. قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠) قرئ برفع الوصية ونصبها، فالرّفع على أنه مرفوع بفعل محذوف تقديره: كتبت والنصب على أنه مفعول لفعل محذوف تقديره. كتب، و (متاعا) نصب بالوصية، و (غير إخراج) نعت متاعا. أخرج ابن جرير «٣» عن همّام بن يحيى قال: سألت قتادة عن قوله:

стр. 167

وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فقال: كانت المرأة إذا توفّي عنها زوجها كان لها السكنى والنفقة حولا في مال زوجها، ما لم تخرج. ثم نسخ ذلك بعد في سورة النساء، فجعل لها فريضة معلومة: الثمن إن كان له ولد، والربع إن لم يكن له ولد، وعدتها أربعة أشهر وعشرا، فقال تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فنسخت هذه الآية ما كان قبلها من أمر الحول. وذهب بعضهم إلى أن هذه الآية ثابتة الحكم لم ينسخ منها شيء. روى ابن جرير «١» عن مجاهد في قوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً قال: كانت هذه للمعتدة، تعتدّ عند أهل زوجها واجبا ذلك عليها، فأنزل الله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ إلى قوله: مِنْ مَعْرُوفٍ قال: جعل الله لهم تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية، إن شاءت سكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت. وهو قول الله تعالى ذكره: غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ قال والعدة كما هي واجبة. وقد ذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يجب لها السكن في مال زوجها، وتعتد حيث شاءت. وذهب مالك إلى أن السكنى مدة العدة واجبة لها، لما يثبته حديث الفريعة المتقدم. فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ ما يفعلنه بأنفسهن من التزيّن للخطّاب من معروف لا ينكره الشرع وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة: ٢٤٠] . وَاللَّهُ عَزِيزٌ في انتقامه ممّن خالف أمره ونهيه ال حَكِيمٌ في قضاياه التي شرعها لكم. قال الله تعالى: وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) ذهب سعيد بن جبير إلى أنّ هذه الآية أثبتت المتعة لكل مطلّقة، سواء أكانت مدخولا بها، أو لم تكن مدخولا بها؟ فيكون قد ذكر أولا المتعة، وأثبتها لمن طلّقت قبل المسيس، وعمّ هنا المتعة لكلّ مطلقة، وقال ابن زيد: لما نزل قوله تعالى: وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ قال رجل: فإن أحسنت فعلت، وإن لم أرد ذلك لم أفعل، فأنزل الله تعالى: وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) «٢» . فتكون هذه الآية فيمن طلّقت قبل المسيس، ولم تعط حكما زائدا. وقيل: المراد بالمتعة متعة العدة.

стр. 168

قال الله تعالى: كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢) كما بينت لكم ما لكم على أزواجكم، وما لأزواجكم عليكم، كذلك أبيّن لكم سائر الأحكام، لتعقلوا حدودي وفرائضي، وتعلموا ما فيه الصلاح لكم من الأحكام. إنّ بعض الأزواج يطلّقون نساءهم ظلما منهم، أو مللا وسآمة، ولا يبالون بما يصيب المرأة من ضرر بهذا الطلاق، فتذهب أزواجهنّ إلى المحاكم الشرعية بمصر، يطلبن تعويضا، فلا تحكم لهنّ به، فيلجأن إلى المحاكم الأهلية فتحكم لهنّ بالتعويض، فلو أخذ بمذهب سعيد بن جبير في إثبات المتعة لكلّ مطلقة، ويكون بقدر حال الزوج من عسر ويسر، لكان في ذلك تعويض للمرأة عمّا فاتها بالطلاق من جهة، وتقليل للطلاق من جهة أخرى. لأنّ الزوج قد يكفّ عن الطلاق إذا علم أنّ وراءه متعة يغرّمها للزوجة. قال الله تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) لا يَقُومُونَ أكثر المفسرين على أن المراد: القيام يوم القيامة، وقال بعضهم: المراد القيام من القبر، والظاهر شموله للأمرين. يَتَخَبَّطُهُ التخبط الضرب على غير استواء، وتخبّطه الشيطان إذا مسه بخبل أو جنون. مِنَ الْمَسِّ المراد به الجنون، وأصل المس إلصاق اليد، ثم سمّي الجنون مسا، لأنّ الشيطان إذا مسه بيده اعتداء عليه أفقده أعظم قواه، وهو العقل. يَمْحَقُ المحق نقصان الشيء حالا بعد حال، ومنه المحاق في الهلال. الرِّبا في اللغة الزيادة، يقال: ربا الشيء يربو: أي يزيد، وفي الشريعة هو: فضل مال دون عوض، في معاوضة مال بمال. والربا قسمان: ربا النسيئة، وربا الفضل. فربا النسيئة: هو الذي كان معروفا بين العرب في الجاهلية، لا يعرفون غيره، وهو أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كلّ شهر قدرا معينا، فإذا حلّ الأجل طولب المدين برأس المال كاملا، فإن تعذّر الأداء زادوا في الحق والأجل. وربا الفضل أن يباع من الحنطة منّا بمنوين منها، أو درهما بدرهمين، أو دينارا بدينارين، أو رطلا من العسل برطلين.

стр. 169

وقد كان ابن عباس ﵄ لا يحرّم إلا القسم الأول، وكان يجوّز ربا الفضل، اعتمادا على ما روي أن النبي ﷺ قال: «إنما الرّبا في النّسيئة» «١» ولكن لما تواتر عنده الخبر بأن النبيّ ﷺ قال: «الحنطة بالحنطة مثلا بمثل، يدا بيد» وذكر الأصناف الستة كما رواه عبادة بن الصامت وغيره، رجع عن قوله. وأما قوله ﵊: «إنما الربا في النسيئة» فمحمول على اختلاف الجنس، فإنّ النسيئة حينئذ تحرم، ويباح التفاضل، كبيع الحنطة بالشعير: تحرم فيه النسيئة، ويباح التفاضل. ولذلك وقع الاتفاق على تحريم الربا في القسمين: أما الأول: فقد ثبت تحريمه بالقرآن. وأما الثاني: فقد ثبت تحريمه بالخبر الصحيح «٢» : كما روي عن عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الذّهب بالذّهب، والفضّة بالفضّة، والبرّ بالبرّ، والشّعير بالشّعير، والتّمر بالتّمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدا بيد» واشتهرت روايته هذه حتّى كانت مسلّمة عند الجميع. ثم اختلف العلماء بعد ذلك، فقال نفاة القياس: إنّ الحرمة مقصورة على هذه الأشياء الستة. وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي وأحمد وجمهور الفقهاء: إنّ الحرمة غير مقصورة على هذه الأشياء الستة، بل تتعداها إلى غيرها، وإنّ الحرمة ثبتت في هذه الستة لعلّة، فتتعدى الحرمة إلى كل ما توجد فيه العلّة. ثم اختلفوا في هذه العلة، فقال الحنفية «٣» : إنّ العلة هي اتحاد هذه الأشياء الستة في الجنس والقدر، أي الكيل والوزن، فمتى اتّحد البدلان في الجنس والقدر، حرم الربا بقسميه، كبيع الحنطة بالحنطة، وإذا عدما معا حلّ التفاضل والنسيئة: كبيع الحنطة بالدراهم إلى أجل، وإذا عدم القدر، واتحد الجنس حلّ الفضل دون النسيئة: كبيع عبد بعبدين، وإذا عدم الجنس واتحد القدر حلّ الفضل دون النسيئة أيضا: كبيع الحنطة بالشعير. وقال المالكية: إنّ العلّة هي اتحاد الجنس مع الاقتيات، أو ما يصلح به الاقتيات.

стр. 170

وقال الشافعية: إنّ العلة في الذهب والفضة هي اتحاد الجنس مع الثمنيّة. وفي الأشياء الأربعة الباقية اتحاد الجنس مع الطعم، والتفاصيل في أمر الربا تعلم من كتب الفقه. سبب تحريم الربا ١- إنّه يقتضي أخذ مال الإنسان من غير عوض، وهو شنيع ممنوع، لأنّ المال شقيق الروح، فكما يحرم إزهاق الروح من غير حقّ، يحرم أخذ المال من غير حق. ٢- إنّه يفضي إلى امتناع الناس عن تحمّل المشاقّ في الكسب والتجارة والصناعة، وهو يؤدي إلى انقطاع مصالح الخلق. ٣- إنّه يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس من القرض الحسن، ويمكّن الغني من أخذ مال الفقير الضعيف من غير مقابل، وهو لا يجوز برحمة الرحيم. ولا وجه للتمسك بما يقال: إن رأس المال لو بقي في يد صاحبه لاستفاد منه ربحا بسبب التجارة فيه، فما تركه في يد المدين لم يكن هناك بأس في أن يدفع إلى ربّ المال مالا زائدا عوضا عن انتفاعه بماله، لأنّه يمكن دفعه بأن الذي يذكرونه أمر موهوم، قد يحصل وقد لا يحصل، والمال الزائد ملك للفقير على وجه اليقين، فتفويت المتيقّن لأمر موهوم إضرار بالضعيف، وهو لا يجوز. المعنى: الذين يأخذون الربا ويقتطعونه من أموال الناس بغير حق لا يقومون من القبور يوم القيامة إلا قياما كقيام الشخص الذي يضربه الشيطان على غير اعتدال، بسبب المسّ، أي الجنون الذي أصابه، وهذا التمثيل وارد على ما يزعم العرب من أنّ الشيطان يخبط الإنسان فيصرعه، ويمسّه يختلط عقله، وذلك السوء الذي يعتريهم عند قيامهم بسبب أنهم تعاملوا بالربا، وبالغوا في استباحته حتى قالوا: إنما البيع مثل الربا، قد اعتبروا الربا أصلا في الإباحة يقاس عليه البيع: فيجوز بيع درهم بدرهمين، كما يجوز بيع ما قيمته درهم بدر همين، مع وضوح الفرق بينهما، فإنّ أحد الدرهمين في الأول ضائع حتما، والثاني منجبر بالاحتياج إلى السلعة، أو يتوقّع رواجها. وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا لما في الأول من وجوه الجابر، وفي الثاني: من الإضرار المحتّم. فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ أي تذكرة يذكّره فيها بحكمه تعالى فاتعظ بلا تراخ، واتبع النهي الوارد، فله ما تعامل به فيما سلف، ولا يستردّ منه، وأمر جزائه موكول إلى الله. وَمَنْ عادَ إلى استحلاله فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ماكثون أبدا.

стр. 171

يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ بالغ الله تعالى- في هذه الآية- في الزجر عن الربا، وكان قد بالغ في الآيات السابقة في الأمر بالصدقات، وكان النّاس يرون بحسب الظاهر أن الربا يوجب زيادة الخيرات، وأنّ الصدقات توجب نقصان الخيرات، فأراد أن يدفع هذه الشبهة، وبيّن أنه تعالى كفيل بعكس ذلك، وأنّ الربا وإن كان زيادة في المال ظاهرا، إلا أنه نقصان في الحقيقة، وأنّ الصدقات وإن كانت نقصانا في المال إلا أنها زيادة في المعنى، فاللائق بالمسلم أن يعوّل على ما ندبه إليه الشارع، فإنّه بذلك يضمن خيري الدنيا والآخرة، وهو المشار إليه بقوله تعالى: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ. وإرباء الصدقات يكون في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فلما يأتي: أولا: يزداد جاهه وذكره الجميل، وميل القلوب إليه، واطمئنان النفوس إليه، وفي ذلك من أسباب تيسير أموره ما يشهد به كلّ خبير. ثانيا: إنّ محبة الناس له تجرّ إلى معاونته في كثير من معاملاته. وقضاء مصالحه، فتفتح له أبواب الخيرات، وتتسع أرزاقه. ثالثا: من كان لله كان الله له. وقد روي في الحديث الشريف: «أنّ ملكا ينادي كلّ يوم: اللهم يسّر لكلّ منفق خلفا، ولممسك تلفا» «١» . وأما في الآخرة فلما ورد: «إنّ الله، يقبل الصّدقة، ويأخذها بيمينه، فيربّيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره، حتّى إنّ اللقمة لتصير مثل أحد» «٢» ولما ورد في القرآن الكريم مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ [البقرة: ٢٦١] . ومحق الرّبا يكون في الدنيا والآخرة: أما في الدنيا فلما يأتي: أولا: لأنّ الغالب في المرابي وإن كثر ماله أن تؤول عاقبته في الفقر والدمار، كما روي عنه ﵊ أنه قال: «الرّبا وإن كثر فإنّ عاقبته تصير إلى قلّ» . ثانيا: أن الذين تؤخذ أموالهم بسبب الربا يبغضون المرابي، ويقصدونه بالأذى عند غفلته، ويسلبون أمواله عند التمكن، وكل ذلك يؤدّي إلى المحق والدمار وإن طال الزمان.

стр. 172

ثالثا: أنه يحبب إليه التعامل بالمقامرات وأنواع المعاملات الخطرة، وفي الغالب يؤول أمره إلى المحق والدمار. وأما الآخرة فلما يأتي: أولا: لما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: معنى هذا المحق أنّ الله تعالى لا يقبل منه صدقة ولا جهادا ولا حجا ولا صلة رحم. ثانيا: لأنّ مال الدنيا لا يبقى عند الموت، وتبقى التبعات والعقوبات، وهذه هي الخسارة الكبرى. وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أي لا يرضى عن كلّ من يصرّ على تحليل- أي ارتكاب- المحرمات أَثِيمٍ منهمك في ارتكاب المعاصي التي توجب الإثم. فالآية في المسلمين الذين يرتكبون المعاصي وهاهنا أمور: الأول: التخبط- مصدر (يتخبط) بوزن تفعّل- غير متعد، ولكنّه عداه هنا نظرا لأنّ تفعّل يأتي كثيرا بمعنى فعل، نحو تقسّم المال: أي قسمه. الثاني: قوله: مِنَ الْمَسِّ يصح تعلّقه بقوله: يَقُومُونَ، أو بقوله: يَقُومُ وهو علة لما تعلق. الثالث: هذه الآية ظاهرة في أنّ الشيطان يتخبط الإنسان ويضربه ويمسّه ويصرعه، وبذلك قال أهل السنة، وهو مبنيّ على أنه لا يوجد مانع من القول بأن الشيطان جسم كثيف. وقيل: إن الشيطان ضعيف لا قدرة له على الضرب والصرع والأعمال الشاقة، لأنه جسم لطيف كالهواء، ليس فيه صلابة ولا قوة، فيمتنع أن يكون قادرا على أن يضرب الإنسان ويصرعه، ولأن القرآن الكريم يدل على أنه ليس للشيطان قدرة على الصّرع والقتل والإيذاء، حيث يقول حكاية عن الشيطان: وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [إبراهيم: ٢٢] فأفسد أحوالهم، وأفشى أسرارهم وأزال عقولهم، وكل ذلك باطل. وأما ما ورد في القرآن الكريم: من أنهم كانوا يعملون لسليمان بن داود ﵉ ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات، فإنما كان بإقدار من الله على هذه الأفعال معجزة لسليمان ﵇. وتأوّل أصحاب هذا القول التخبط والمسّ في هذه الآية بوسوسة الشيطان المؤذية التي يحدث عندها الصرع. وإنما تحدث الوسوسة الصرع بسبب ضعف الطباع وغلبة السوداء على الإنسان، فيعتريه من الخوف والذّعر عند الوسوسة ما يصرعه، كما يصرع الجبان في

стр. 173

الموضع الخالي بسبب وسوسته، ولهذا يوجد هذا المعنى فيمن به نقص في المزاج، وخلل في الدماغ، ولا يوجد عند أهل الكمال والفضل والحزم والعقل. ويستأنس لذلك بما يظهر من قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) [الأعراف: ٢٠١] فأهل التقوى والقلوب المطمئنة إذا وسوس لهم الشيطان تذكّروا أوامره ونواهيه، فتستنير قلوبهم، وتندفع عنهم الوساوس الشيطانية، ولم يكن للشيطان عليهم سلطان. وأما الضعفاء: أهل القلوب التي لم تكن مطمئنة، فيدعوهم الشيطان إلى طلب اللذات والشهوات، وللاشتغال بغير الله تعالى تارة، ويدعوهم باعث الحق والدين إلى الدين والعمل الصالح تارة أخرى فتحدث عندهم حركات مضطربة، وأفعال مختلفة، وهذا بعينه هو الخبط الحاصل بفعل الشيطان. فآكل الربا لا شك أنه متهالك على حب الدنيا ولذاتها وشهواتها، فإذا مات على ذلك، وجاء يوم البعث خرج الناس من الأجداث سراعا إلا أكلة الربا، فإنهم يتخبّطون، يقومون ويسقطون، كالذي يتخبطه الشيطان من أجل المسّ. الأحكام يؤخذ من الآية ما يأتي: أولا: حرمة الرّبا الذي كان معروفا بين العرب في الجاهلية، وهو ربا النسيئة. ثانيا: حرمة ربا الفضل، كأن يبيع منّا من الحنطة بمنوين منها. ثالثا: حرمة الصلح على خمسمائة حالّة مثلا مع من عليه ألف مؤجلة، فإنّ هذا في معنى ربا الجاهلية الذي كان قرضا مؤجلا بزيادة مشروطة، فكانت الزيادة بدلا من الأجل، فأبطله الله بتحريم الربا. وفي مسألة الصلح على قرض مؤجّل صالحه ربّ المال على بعض منه معجّل، فالدائن قد انتفع بباقي الدين مقابل إسقاط الأجل، والمدين قد انتفع بفضل من المال دون عوض مالي، وجزئيات الربا كثيرة، يعلم حكمها من انطباق ضابطه عليها. قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧) سنة الله في كتابه الكريم أنّه مهما ذكر وعيدا ذكر بعده وعدا، فلما بالغ هاهنا في وعيد المرابي أتبعه بهذا الوعد فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا أي صدّقوا بالله ورسوله، وبما جاءهم به وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ حال كونه عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من مكروه يصيبهم وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ من أجل محبوب يفوتهم.

стр. 174

وإنما خصّ الصلاة والزكاة بالذكر مع اندراجهما في الصالحات، للإشعار بأنّ لهما من المنزلة في الإسلام ما ليس لغيرهما، ولذلك ورد ذكرهما في القرآن مرّات عديدة كما جاءت الآثار بفضلهما، وتفوقهما على غيرهما. قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٨١) يبين الله تعالى في الآية السابقة أن من انتهى عن الربا فله ما سلف، فربما يظنّ أنّه لا فرق بين المقبوض منه، وبين الباقي في ذمة القوم، فقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ: أي اتخذوا وقاية من عذاب بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا أي ما كان لكم في ذمة القوم من الزيادة المحرمة إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي متّصفين بالإيمان الذي الشأن فيمن اتّصف به الانقياد والاستسلام. أي إن كنتم عاملين بمقتضى إيمانكم. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا ما أمرتكم به من الاتقاء، وترك ما بقي من الربا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أي عقاب شديد من نوع الحروب، فإنّ الإصرار على عمل الربا إن كان من شخص يقدر الإمام عليه قبض عليه وأجري عليه حكم الله: من التعزير والحبس، إلى أن تظهر منه التوبة. وإن كان له عسكر وشوكة حاربه الإمام كما يحارب الفئة الباغية، وكما حارب أبو بكر ﵁ مانعي الزكاة، ولا عجب في ذلك، فإنّ الفقهاء نصوا على أنه لو اجتمع أهل بلد على ترك الأذان أو ترك دفن الموتى: فإنه يحاربهم الإمام. وقد روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: من عامل بالربا يستتاب. فإن تاب وإلا ضربت عنقه. قيل: التعبير بالحرب للتهديد والتخويف بعقابه الشديد، فإنّه قد عهد التعبير بالحرب في معنى العقاب الشديد، كما ورد «من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة» «١» . وقوله: فَأْذَنُوا فاعلموا وأيقنوا بحرب: من أذن يأذن. من باب (طرب) . وَإِنْ تُبْتُمْ أي: امتثلتم أمر الله تعالى فليس لكم إلا رؤوس أموالكم لا تَظْلِمُونَ المحتاجين بأخذ أموالهم من غير عوض وَلا تُظْلَمُونَ أنتم بضياع رؤوس أموالكم.

стр. 175

قيل: نزلت هذه الآية في أربعة إخوة من ثقيف: مسعود، وعبد ياليل، وحبيب، وربيعة: بنو عمرو بن عمير الثقفي، كانوا يداينون بني المغيرة، فلما ظهر النبيّ ﷺ أسلم الأخوة، ثم طالبوا برباهم بني المغيرة، فنزلت «١» . وإن وجد شخص ذو عسرة فعاملوه بالحسنى والرحمة، وأنظروه إلى ميسرة، أو وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ غريما لكم فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ فإنه ﵊ يقول: «ولا يحلّ لكم دين رجل مسلم فيؤخّره إلا كان بكلّ يوم صدقة» «٢» . فلفظ كانَ في الآية يحتمل أن تكون تامة، ويحتمل أن تكون ناقصة. والعسرة: اسم من الإعسار، وهي الحالة التي يتعسّر فيها وجود المال. والنظرة: اسم للتأخير والتأجيل. والميسرة: مصدر بمعنى اليسر وهو الغنى. وقرأ نافع بضم السين، والباقون بفتحها. وَأَنْ تَصَدَّقُوا على الغرماء المعسرين بالإبراء فهو خَيْرٌ لَكُمْ من الإنظار، وأكثر ثوابا، أو هو خَيْرٌ لَكُمْ مما تأخذونه إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ فضل التصدّق على الإنظار أو الأخذ. قالوا: سبب نزول هذه الآية أن الأخوة الثقفيين طالبوا بني المغيرة برؤوس أموالهم، فشكوا إليهم العسرة، وقالوا: أخرونا إلى أن تدرك الغلات، فأبوا تأخيرهم، فنزلت هذه الآية. ويؤخذ من الآية أن رب المال متى علم أنّ غريمة معسر وجب عليه إنظاره، وإذا لا حظنا أنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب: نعلم أن الإنظار واجب عند العسر في كل دين، لا في خصوص دين الربا. وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ لما كان الذين يعاملون بالربا من العظماء أصحاب الثروة والجلال والأنصار والأعوان: كانت الحالة داعية إلى مزيد من الزجر والوعيد، حتى يمتنعوا عن الربا وأخذ أموال الناس بالباطل. ولهذا توعّدهم الله وهدّدهم بهذه الآية أيضا فقال: وَاتَّقُوا يَوْماً أي تشتدّ فيه الأهوال، وتعظم الخطوب، حتى ورد أنه يجعل الولدان شيبا، ولهول ما يقع فيه أمر الله باتّقاء نفس اليوم، للمبالغة في التحذير عما فيه. وقال: تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ أي لتوقيع الجزاء:

стр. 176

فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) [الزلزلة: ٧، ٨] كما قال: ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ أي جزاء ما عملت من خير أو شر وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ في هذه العقوبات، لأنّها مناسبة لأسبابها الواقعة منهم. وهاهنا أمور: الأول: نقل عن ابن عباس ﵄ أنّ قوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ.. آخر آية نزلت على رسول الله ﷺ «١» ، لأنه لما حجّ نزلت يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ.. «٢» [النساء: ١٧٦] ثم نزلت وهو واقف بعرفة الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي.. «٣» [المائدة: ٣] ثم نزل: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ.. فقال جبريل ﵇: «يا محمد ضعها على رأس ثمانين آية ومائتي آية من البقرة» «٤» . والثاني: قرأ أبو عمرو تُرْجَعُونَ بفتح التاء، والباقون بضمها، فبالفتح من رجع رجوعا، وهو لازم. وبالضم من رجعه إليه رجعا، وهو متعد، يصحّ بناؤه للمفعول. الثالث: معنى رجوعهم إلى الله أنهم يرجعون إلى ما أعدّ لهم من ثواب أو عقاب وقيل: معناه أنهم يكونون في يوم البعث بحالة لا يتصرّف فيهم ظاهرا وباطنا إلّا الله تعالى، بخلاف حالتهم في الدنيا، فإنه يتصرف بعضهم في بعض بحسب الظّاهر. قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢) التداين: تفاعل، مأخوذ من الدّين، وهو: التبايع بالدين.

стр. 177

وَلْيُمْلِلِ أي يملي، يقال أملّ إملالا إذا كان أملى إملاء. مناسبة هذه الآية: إنّ الآيات السابقة بيّن الله فيها حكم التعامل بالربا، وشدّد في منعه، فأراد هنا أن يبيّن حالة المداينة الواقعة في المعاوضات الجارية فيما بينهم ببيع السلع بالدين المؤجل بطريقة تحفظ الأموال، وتصونها عن الضياع. ويمكن أن يقال في المناسبة: إنّه لما بيّن فيما سبق أنّ الإنفاق في سبيل الله مطلوب، وهو يوجب نقص المال، وإن الربا محرّم، وهو يوجب نقص المال أيضا، أراد هنا أن يبيّن كيفية حفظ المال الحلال، وطريق صونه عن الضياع فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ تبايعتم وتعاملتم نسيئة بِدَيْنٍ بما يصحّ فيه الأجل، كبيع سلعة حاضرة بنقود مؤجلة، أو بسلعة أخرى مؤجلة، وكبيع سلعة مؤجلة أي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى مع معرفة الجنس والنوع والقدر بثمن حالّ، وهو السلم، أي إذا تعاملتم ببدل مؤجل فَاكْتُبُوهُ فاكتبوا ما يدلّ على هذا التعامل، مع بيان الأجل بالأيام أو الأشهر أو غيرهما، بطريقة ترفع الجهالة، لا بمثل الحصاد والدياس مما لا يرفعها، لأنّ الكتابة أوثق في ضبط الواقع، وأرفع للنزاع. ثم أراد أن يبيّن كيفية الكتابة، ويعيّن من يتولاها فقال: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ أي مأمون يكتب بِالْعَدْلِ: وهذا أمر للمتداينين باختيار كاتب فقيه متديّن يقظ، ليكتب بالحق، ويتحاشى الألفاظ المحتملة للمعاني الكثيرة والألفاظ المشتركة، ويوضّح المعاني، ويتجنّب خلاف الفقهاء. ثم أوصى الكاتب، ونهاه عن الإباء. فقال: وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أي لا يمتنع أحد من الكتاب عن أَنْ يَكْتُبَ وثيقة الدين كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ على الطريقة التي علّمه الله في كتابة الوثائق، أي يكتب كتابة كالتي علمه الله، فالكاف صفة لموصوف محذوف. أو المعنى: ولا يأب كاتب أن ينفع النّاس بكتابته، كما نفعه الله بتعلّم الكتابة، كما في قوله تعالى: وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ [القصص: ٧٧] . ثم قال: فَلْيَكْتُبْ أي تلك الكتابة المعلّمة، فهو توكيد للأمر المستفاد من قوله وَلا يَأْبَ كاتِبٌ إلخ. ويجوز أن يكون توكيدا للأمر الصريح في قوله: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ إلخ. ثم أرشد الله تعالى إلى أن الذي يملي على الكاتب هو المدين، فإنّه المكلّف بأداء مضمون الكتابة، فاللازم أن تكون الكتابة كما يراه ويعلمه، ثم أوصاه بتقوى الله، وبألا ينقص من الحق الذي عليه شيئا حيث قال: وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ أي لا ينقص مِنْهُ شَيْئاً. ثم بيّن أنه فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أي ناقص العقل، مبذرا في ماله، أَوْ

стр. 178

ضَعِيفاً بأن يكون صبيا أو مجنونا، أو شيخا كبيرا لا تساعده قواه العقلية على ضبط الأمور أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ أي يملي بنفسه، بأن كان أخرسا، أو جاهلا أو مصابا بالعمى فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ القيم عليه، أو وكيله بِالْعَدْلِ أي من غير زيادة ولا نقص. وعبر هنا بصيغة العدل الشاملة لترك الزيادة والنقص، لأنّ المملي هنا يتصوّر منه الزيادة والنقص بمحاباة هذا أو هذا، بخلاف ما إذا كان المملي المدين، فإنّ المتصوّر منه النقص فقط. ثم أرشد الله تعالى المتداينين إلى أمر آخر مفيد في ضبط الوقائع، وحفظ الأموال فقال: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ أي اطلبوا شهيدين ليحملا الشهادة، ويحفظا الواقع. وقوله: مِنْ رِجالِكُمْ متعلق باستشهدوا، و (من) ابتدائية، أو متعلّق بمحذوف صفة لشهيدين، و (من) تبعيضية: أي من رجالكم المسلمين الأحرار، فإنّ الكلام في معاملاتهم. فَإِنْ لَمْ يَكُونا الشهيدان رَجُلَيْنِ فليشهد رجل وامرأتان، أو فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ يكفون في الشهادة. وشهادة النساء مع الرجال تجوز عند الحنفية في الأموال والطلاق والنكاح والرجعة والعتق، وكل شيء إلا الحدود والقصاص. وعند المالكية تجوز في الأموال وتوابعها خاصة، ولا تقبل في أحكام الأبدان مثل الحدود، والقصاص والنكاح والطلاق، والرجعة، والعتق. مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ. الجار الأول، متعلق بمحذوف صفة لرجل وامرأتان: أي كائنون مرضيين عندكم بعدالتهم، وهذا الوصف وإن كان في جميع الشهود، لكنه ذكره هنا للتشدد في اعتباره، لأنّ اتصاف النساء به قليل. والجار الثاني متعلق بمحذوف حال من الضمير المفعول المقدّر في ترضون، العائد إلى الموصول: أي ممن ترضونهم حال كونهم من بعض الشهداء، لعلمكم بعد التّهم، وثقتكم بهم، وإدراج النساء في الشهداء للتغليب. وتدل الآية على أن الشهادة نوعان: شهادة رجلين، وشهادة رجل وامرأتين، ولا ثالث لهما، ولهذا قال الحنفية: الشهادة قسمان فقط كما ذكرها الله في هذه الآية، ولم يذكر الشاهد واليمين فلا يجوز القضاء عندهم بالشاهد واليمين، لأنه حينئذ يكون قسما ثالثا للشهادة، مع أن الله لم يذكر لها إلا قسمين.

стр. 179

وقال المالكية والشافعية: يجوز القضاء بشاهد ويمين، لا باعتبار أن هذا قسم ثالث للشهادة، وإنما هو باعتبار أن القضاء باليمين وإسقاط الشاهد ترجيح لجانب المدّعي، وأما عدم ذكر ذلك في القرآن فلا يمنع مشروعيته والعمل به. يدل على ذلك أن القضاء عند الحنفية يجوز بالنكول، وهو قسم ثالث، ليس له في القرآن ذكر. والضمير في قوله: مِنْ رِجالِكُمْ يعود إلى المخاطبين المسلمين، وهو دليل على أنه لا بد من إسلام الشهود، وهو مذهب مالك والشافعي، وأحمد وأجاز الحنفية قبول شهادة الكفار بعضهم على بعض. لما روي أنه ﵊ رجم يهوديين بشهادة اليهود عليهما بالزنى «١» . ثم أراد تعليل اعتبار العدد في النساء فقال: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى أي إنما اعتبر التعدّد في شهادة النساء لما عسى أن تضلّ إحداهما، فتذكر إحداهما الأخرى. والعلّة في الحقيقة هي التذكير، ولكن الضلال لما كان سببا في التذكير، وكان الشأن في النساء الغفلة والنسيان، نزّل منزلة العلة، كما في قولهم: أعددت السلاح أن يجيء عدو فأدفعه، فإن العلّة هي الدفاع، ولما كان مجيء العدو سببا فيه نزّل منزلته، فهو علة حذف منها لام التعليل. ويصح أن يكون مفعولا لأجله. أي إرادة أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إلخ. ويقال في العلة الحقيقية هنا ما قيل في الوجه الأول، والضلال بمعنى النسيان. وقرأ حمزة: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى بكسر أَنْ وجعلها شرطية مع رفع فتذكر، وتَضِلَّ فعل الشرط. وقوله: فَتُذَكِّرَ مرفوع بالضمة، والجملة في محل جزم جواب الشرط. ثم أوصى الشهود، ونهاهم عن الإباء عن الشهادة، كما نهى الكاتب عن الامتناع عن الكتابة فقال: وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا لأداء الشهادة، أو لتحمّلها، ورجّحوا الحمل هنا على التحمّل لأنه منهي عن كتمان الشهادة، أي بالامتناع عن الأداء بقوله: وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وما زائدة ثم عاد إلى أمر الكتابة فأكّد طلبها حيث قال: وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ أي لا تملّوا من كتابة الدّين، أو الحقّ مهما كثرت معاملاتكم، سواء كان الدين أو الحق صَغِيراً أَوْ كَبِيراً فلا تسأموا من كتابته إِلى أَجَلِهِ أي حال كون الدين أو الحق مستقرا في الذمة إلى أجله، أي إلى وقت حلول الأجل الذي أقرّ به المدين ذلِكُمْ الذي أمرتكم به من الكتابة، والإشهاد

стр. 180

أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ أي أعدل في إصابة حكم الله تعالى، لأنّه متى كتب كان إلى اليقين أقرب، وعن الكذب أبعد، فكان أعدل عند الله. والقسط: اسم، والإقساط مصدر، يقال: أقسط يقسط إقساطا إذا عدل، فهو مقسط، ومنه إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [المائدة: ٤٢] . وأما قسط فهو بمعنى جار كما قال تعالى: أَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً (١٥) [الجن: ١٥] . ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ أي أثبت لها، وأعون على إقامتها وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا أي أقرب إلى ارتفاع ريبكم في جنس الدّين ونوعه وقدره وأجله. إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها أي أنكم مأمورون بالكتابة إذا كان التعامل بالدين، لكن إن كانت معاملاتكم تِجارَةً حاضِرَةً بحضور البدلين، تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ أي تتعاملون بالبدلين يدا بيد فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ إثم في عدل الكتابة لبعده حينئذ عن التنازع. وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ: أي إذا كان التعامل يدا بيد فلا بأس من عدم الكتابة، ولكن ينبغي الإشهاد على هذا التعامل، فإنّ اليد الظاهرة ربما لا تكون محقّة، فالإشهاد أحوط. وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ أي لا يضارر- بالكسر- كاتب ولا شهيد بترك الإجابة، أو بالتغيير والتحريف في الكتابة والشهادة، أو لا يضار- بالفتح- كاتب إلخ. أي لا يجوز للطالب أن يضارر- بالكسر- الكاتب والشهيد، بأن يقهرهما على الانحراف في الكتابة والشهادة، ويضغط عليهما للخروج عما حدّ لهما، وَإِنْ تَفْعَلُوا ما نهيتم عنه من الضرار، فَإِنَّهُ أي فعلكم هذا فُسُوقٌ بِكُمْ وخروج عن الطاعة، ملتبس بكم، أو وإن تفعلوا شيئا مما نهيتم عنه على الإطلاق فإنه فسوق إلخ. وَاتَّقُوا اللَّهَ فيما حذركم منه من الضرار، أو من ارتكاب شيء مما نهاكم عنه وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ما يصلح لكم أمر الدنيا، كما يعلّمكم ما يصلح أمر الدين وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ لا يخفى عليه حالكم الظاهر والباطن، فهو يجازيكم بذلك وكرر لفظ الجلالة في الجمل الثلاثة لتربية المهابة في نفس السامع، وللإشارة إلى استقلال كل منهما بما هو مقصود منه. وهاهنا أمور: الأول: ذهب قوم إلى أن الكتابة والشهادة على الديون المؤجّلة واجبان بقوله فَاكْتُبُوهُ، وقوله: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ، ثم نسخ الوجوب بقوله تعالى: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ [البقرة: ٢٨٣] .
следующие страницы →